تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 587-626

الباب الثامن باب الاسم العلم

صفحات 587-626

[تعريف العلم]

قال ابن مالك: (وهو المخصوص مطلقا تعليقا أو غلبة بمسمّى غير مقدّر الشّياع.
أو الشّائع الجاري مجراه).
قال ناظر الجيش: المخصوص: مخرج لاسم الجنس؛ فإنه شائع غير مخصوص.
ومطلقا: مخرج للمضمرات؛ فإن كل واحد منها مخصوص باعتبار غير مخصوص باعتبار.
وذلك أن لفظ أنا وضع ليخص به المتكلم نفسه.
ولكل متكلم منه نصيب حين يقصد نفسه.
فهو مخصوص باعتبار كونه لا يتناول غير الناطق به، وغير مخصوص باعتبار صلاحيته لكل مخبر عن نفسه.
وكذا اسم [1/ 186] الإشارة، فإن لفظ ذا وضع ليخص به مشار إليه مفرد مذكر قريب، فهو مخصوص باعتبار الحال والمحل، غير مخصوص باعتبار صلاحيته لكل ما اتصف بالحال وحصل في المحل.
وتعليقا أو غلبة: بيان لصنفي الأعلام لا إخراج لشيء خيف دخوله، ولا إدخال لشيء خيف خروجه؛ لأن ما سواهما مغن لكن بإجمال.
والمراد بالتعليق: تخصيص الشيء بالاسم قصدا كتسمية المولود له ابن: زيدا.
والمراد بالغلبة: تخصيص أحد المشتركين أو المشتركات بشائع 1 اتفاقا كتخصيص عبد الله بابن عمر، ويثرب بالمدينة، ومصنف سيبويه بالكتاب.
وغير مقدّر الشّياع: مخرج للشمس والقمر ونحوهما؛ فإنهما مخصوصان بالفعل شائعان بالقوة.
ولما كان العلم نوعين: شخصي وجنسي وأشار إلى الشخصي بما تقدم - أشار إلى الجنسي بقوله: أو الشّائع الجاري مجراه أي الجاري مجرى المخصوص، فالمعنى: العلم هو المخصوص أو الشائع الجاري مجرى المخصوص؛ فهو قسيم المخصوص لا قسم منه.
وذلك نحو أسامة للأسد، وذؤالة للذئب، وشبوة للعقرب؛ فإنها أعلام في اللفظ إذ لا تضاف ولا يلحقها حرف التعريف ولا يصرف ذو سبب منها 2 زائد على العلمية وهي باعتبار المعنى شائعة غير مخصوصة، إلا أنها تستعمل -

................................  استعمال ذي الألف واللام المعهود، فيقال: هذا أسامة مفترسا كما يقال: هذا الأسد منظورا إليه، ويقال: أسامة شرّ من ذؤالة، فيقصد بها الشمول كما يقصد إذا قيل: «الأسد شر من الذئب».
هذا كلام المصنف 1. وفيه أبحاث: الأول: ناقش الشيخ المصنف في قوله: «المخصوص مخرج لاسم الجنس؛ لأن الجنس في الحدّ لا يؤتى به للاحتراز» 2. والجواب: أن المخصوص هنا فصل لا جنس؛ لأنه صفة لمحذوف، التقدير: وهو الاسم المخصوص.
فالاسم جنس يشمل المعارف والنكرات، والمخصوص فصل يفصل المعارف عن غيرها.
-

................................  البحث الثاني: يظهر من كلام المصنف أنه لم يخرج بقوله مطلقا من المعارف إلا المضمرات وأسماء الإشارة.
ثم إنه قال: «إنّ كلّا من المضمرات وأسماء الإشارة مخصوص باعتبار، غير مخصوص باعتبار» وفي كلا الأمرين نظر.
أما الأول: فلأنه إذ ذاك يحتاج إلى ذكر قيد زائد في الحد يخرج به بقية المعارف إلّا أن يقول: إن بقية المعارف مساوية للضمير واسم الإشارة في أن لها تخصيصا باعتبار، وشياعا باعتبار آخر؛ وإنما استغنيت بذكرهما عن ذكر غيرهما، لكن عبارته تشعر بحصر المخرج فيهما.
وأما الثاني: فلإشعار كلامه بأن المضمرات وأسماء الإشارة كليات وضعا، وذلك يقتضي انحطاط رتبة المضمرات في التعريف عن رتبة العلم.
وقد تقدم له أن المضمر أعرف المعارف فيؤدي كلامه حينئذ إلى التدافع 1 والأولى أن يكون كلامه مطلقا فصلا يفصل العلم عن سائر المعارف؛ فإن كلّا منها مخصوص لا مطلقا بل بقيد.
فالضمير [1/ 187] مخصوص بقيد الحضور أو الغيبة، واسم الإشارة بقيد الحضور، وذو الألف واللام بقيد العهد أو غيره من المعاني المفادة بها مع مصحوبها، وأمّا العلم فمخصوص بمسماه مطلقا، أي دون قيد، بل مجرد وضع اللفظ لذلك المعنى كاف في التخصيص.
وهذا الذي أشير إليه هو ما أفهمه كلامه في الكافية، حيث قال: ما عيّن المعنى بلا قيد علم وفي الألفية حيث قال: -

[تقسيم العلم إلى منقول ومرتجل]

قال ابن مالك: (وما استعمل قبل العلميّة لغيرها منقول منه، وما سواه مرتجل.
وهو إمّا مقيس وإما شاذّ بفكّ ما يدغم أو فتح ما يكسر، أو كسر ما يفتح، أو تصحيح ما يعلّ، أو إعلال ما يصحّح).
اسم يعيّن المسمّى مطلقا 1 البحث الثالث: الظاهر أن قوله: غير مقدّر الشّياع غير محتاج إليه؛ لأنه إنما ذكره ليخرج نحو شمس وقمر كما تقدم، ولا شك أن الشمس والقمر لم يوضعا لأن يعينا مسماهما، بل على أنهما أسماء جنس وإن كان مسمى كل منهما واحدا بالشخص، فإنما هو من حيث إن الواقع في الوجود كذلك، وعلى هذا لم يدخل نحو شمس وقمر تحت قوله: وهو المخصوص بمسمّى فيحتاج إلى إخراجه بقوله: غير مقدّر الشّياع 2. قال ناظر الجيش: العلم يذكر له تقسيمات باعتبارات 3: فالأول: تقسيمه إلى منقول ومرتجل.
فأما المنقول: فهو ما كان موضوعا لشيء قبل ذلك، ثم جعل اسما لشيء آخر، وهذا هو مراد المصنف بقوله: وما استعمل قبل العلميّة لغيرها منقول منه.
والمرتجل: بخلافه أي الذي لم يكن موضوعا لشيء، بل اخترع للعلمية، -

................................  ولا تعويل على قول من جعل الأعلام كلها منقولة، وأنكر المرتجل؛ إذ الواقع بخلافه 1. ثم الواقع منقولا في كلام العرب اثنا عشر نوعا، وبيانه أن المنقول إما اسم أو فعل أو جملة فعلية.
أما الاسم فستة أقسام: لأنه إما صوت أو غير صوت، وغير الصوت إما صفة هي اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو صفة مشبهة - وإما غير صفة: فإما اسم عين أو اسم معنى 2. وأما الفعل فثلاثة: ماض ومضارع وأمر.
وأما الجملة الفعلية فثلاثة أقسام أيضا: لأن فاعلها إما ظاهر أو مضمر بارز أو مستتر، ولم ينقل من حرف ولا جملة اسمية.
أما الصوت فنحو ببّة وهو لقب عبد الله بن الحارث بن نوفل 3 لقب به لأنه قال في صباه ببّة كما يقول الصبيان فسمي بذلك.
قالت أمه بنت أبي سفيان ترقصه: 289 - لأنكحنّ ببّة... جارية خدبّة مكرمة محبّة... تجبّ أهل الكعبة 4 وأما اسم الفاعل فنحو: حارث وغالب واسم المفعول نحو منصور ومسعود، والصفة المشبهة نحو: سعيد وحسن، وأما اسم العين فنحو: ثور وأسد، وأما اسم -

................................  المعنى فنحو سعد وفضل، ومنه إياس مصدر آسه يؤوسه إياسا وأوسا إذا أعطاه 1. وأما الفعل الماضي فنحو: شمّر وكعسب، الأول من شمر إزاره إذا رفعه أو شمر في الأمر خف.
والثاني من كعسب إذا أسرع أو قارب الخطى.
وأما الفعل المضارع فنحو: تغلب ويشكر.
وأما الفعل الأمر فنحو: إصمت في قول الشاعر [1/ 188]: 290 - أشلى سلوقيّة باتت وبات بها... بوحش إصمت في أصلابها أود 2 [1/ 189] أشلى: أغرى، وسلوقيّة: نسبة إلى سلوق قرية باليمن تنسب إليها السيوف والكلاب، والضمير في باتت يرجع إلى سلوقية، وفي بات يرجع إلى الصائد.
وإصمت فلاة بعينها نقل من فعل الأمر وسمي بها.
وكأن إنسانا قال لصاحبه: اصمت ليسمع حسّا فسمي المكان بالفعل خاليا من الضمير، ولذا أعربه ولم يصرفه للتأنيث والتعريف.
غير أن المسموع في مضارع صمت ضم الميم، والرواية في البيت بكسرها، وذلك من تغيير الأعلام.
وأما قطع الهمزة فلأن القاعدة أنه متى سمي بفعل وفيه همزة وصل -

................................  قطعت؛ لأنه بصيرورته اسما يصير له حكم الأسماء.
والوحش: الخلاء، وفي البيت تقديم وتأخير تقديره: باتت الكلاب بوحش إصمت وبات هو أيضا بها 1. وأما الجملة الفعلية التي فاعلها ظاهر فنحو: برق نحره سمي به رجل نحره يبرق فغلب عليه، ونحو: شاب قرناها سميت به امرأة شاب جانبا رأسها، والقرن الخصلة من الشعر.
قال الشاعر: 291 - كذبتم وبيت الله لا تنكحونها... بني شاب قرناها تصرّ وتحلب 2 والتي فاعلها ضمير بارز كقول الشاعر: 292 - على أطرقا باليات الخيا... م إلّا الثّمام وإلّا العصيّ 3 تروى هذه القصيدة مطلقة مرفوعة ومقيدة.
وأطرقا: اسم بلد معروف.
قال الأصمعي 4: «كأنّ ثلاثة قال أحدهم لصاحبه أطرقا أي اسكتا فسمّي -

................................  المكان بذلك».
قال ابن عمرون 1: «ويروى أطرقا بضم الرّاء على أنّه جمع طريق، ويكون على أفعلا من العلوّ، ويكون باليات الخيام من صفة أطرقا ويروى بكسر الرّاء أيضا، ووجهه أنّه قصره من أطرقا كصديق وأصدقا.
ولا شاهد فيه على هاتين الرّوايتين».
انتهى.
والتي فاعلها ضمير مستتر كقول الشاعر: 293 - نبّئت أخوالي بني يزيد... ظلما علينا لهم فديد 2 سمي بيزيد: من المال يزيد لا من يزيد المال، والدليل على ذلك حكايته، ولو كان من يزيد المال ما أعرب 3. قال ابن الحاجب 4 رحمه الله تعالى: «وقول بعضهم إنّما هو نبّئت أخوالي - - فأفحمه، وحرص المأمون أن يجالسه، وكان يحفظ كثيرا من الشعر والأراجيز، وقد صنف كثيرا، من ذلك كتب خلق الإنسان والخيل والإبل والوحوش والسلاح والنوادر وغريب الحديث والأراجيز، وعمر الأصمعي طويلا حيث مات بالبصرة سنة (217 هـ). انظر ترجمته وأخباره وشعرا له في وفيات الأعيان (3/ 379).

................................  بني تزيد بالتاء تنطّع منهم وتبجّح؛ لأنّه قد علم أنّه في العرب تزيد بالتاء وإليه تنسب البرود التّزيدية وهو مردود بوجهين: أحدهما: أن الرواية هنا بالياء.
والثاني: أن تزيد بالتاء مفرد لا جملة، قال الشاعر: 294 - يعثرن في حدّ الظّبات كأنّما... كسيت برود بني تزيد الأذرع 1» انتهى.
ومثل يزيد في الجملة تأبّط من تأبّط شرّا وذرّى من ذرّى حبّا، ومثله أيضا ما أنشد ثعلب: 295 - بنو يدرّ إذا مشى... وبنو يهرّ على العشا 2 وأنكر المصنف كون ببة منقولا من صوت، وقال: «الصّحيح أنّ ببّة منقول من قولهم للصبي السمين: ببّة، وقد تببّب فهو ببّ وببّة إذا سمن» 3 [1/ 190]. وأنكر النقل من فعل الأمر دون إسناد قال: «إلا إصمت اسم للفلاة الخالية؛ فإن من العلماء من زعم أنه منقول من الأمر بالصمت.
وذلك عندي غير صحيح لوجهين: -

................................  أحدهما: أن الأمر بالصمت إما أن يكون من أصمت، وإما أن يكون من صمت، فالذي من أصمت مفتوح الهمزة، والذي من صمت مضمومها ومضموم الميم.
وإصمت بخلاف ذلك والمنقول لا يغير.
والثاني: أنه قد قيل فيه: إصمتة بهاء التأنيث، ولو كان فعل أمر لم تلحقه هاء التأنيث، وإذا انتفى كونه منقولا من فعل أمر ولم يثبت له استعمال في غير العلمية تعين كونه مرتجلا» انتهى 1. أما كسر الميم فقد تقدم أن ذلك من تغير الأعلام، وأما قطع الهمزة فقال أبو الفتح ابن جني: «قطعها في إصمت لما سمّي به، وهو الّذي شجّع النّحاة على قطع هذه الهمزات إذا سمّي بما هي فيه.
وأمّا لحاق التّاء فليعلموا بذلك أنّه قد فارق موضعه من الفعليّة من حيث كانت هذه التّاء لا تلحق هذا المثال فعلا» 2. -

................................  وأما المرتجل 1: فهو ما سوى المنقول كما تقدّم، وهو قسمان: مقيس وشاذ.
فالمقيس: ما سلك به سبيل نظيره من النكرات، والمراد بذلك أن يكون على قياس كلام العرب.
والشاذ: ما عدل به عن سبيل نظيره من النكرات، فهو ليس على قياس كلام العرب.
أما المقيس: فنحو غطفان وعمران وحمدان بالفتح وفقعس 2 وحنتف 3؛ فإن نظائرها من النكرات: نزوان وسرحان وسكران وجعفر وعنسل 4. وأما الشاذ: فشذوذه يكون بأحد أوجه خمسة: إمّا بفكّ ما حقّه الإدغام نحو محبب 5 فإنه مفعل من الحب.
فالقياس يقتضي أن يكون محبّا بالإدغام؛ لأن ذلك حكم كل مفعل مما عينه ولامه صحيحان من مخرج واحد وليس كمهدد 6؛ لأنه ليس في الكلام تركيب م ح ب حتى تكون الباء الثانية للإلحاق.
وإمّا بفتح ما حقّه الكسر: نحو موهب 7؛ فإنه مفعل من وهب، فالقياس يقتضي أن يكون موهبا بكسر الهاء؛ لأن ذلك حكم كل مفعل فاؤه واو ولامه صحيحة، ومثله موظب 8 وموألة 9. وإمّا بكسر ما حقّه الفتح: نحو معدي كرب؛ فإن القياس يقتضي أن يكون معدي لأن نظيره من النكرات المعتلة اللام يلزمه الفتح: كمرمى ومسعى ومولى.
ونحو ما حكاه قطرب من أن صيقل بكسر القاف اسم امرأة من نساء العرب؛ فإن القياس يقتضي أن تكون بفتح القاف لأن نظيره من النكرات الصحيحة العين يلزمه -

[تقسيم العلم إلى مفرد ومركب/ تقسيم المركب]

قال ابن مالك: (وما عري من إضافة وإسناد ومزج - مفرد.
وما لم يعر مركّب.
وذو الإضافة كنية وغير كنية.
وذو المزج إن ختم بغير ويه أعرب غير منصرف، وقد يضاف، وإن ختم بويه كسر، وقد يعرب غير منصرف.
وربما أضيف صدر ذي الإسناد إلى عجزه إن كان ظاهرا).
الفتح كهيثم 1 وضيغم وصيرف 2. قال بعض النحاة في معدي كرب: يحتمل أن يكون مفعولا من عدا، كمرعى من رعى وحذفت لامه.
وإمّا بتصحيح ما حقّه الإعلال: نحو مدين ومكوزة 3؛ فإن القياس يقتضي إعلالهما بقلب الياء والواو ألفا، كما فعل بنظائرها كمنارة ومهانة ومفازة.
ومما صحح وحقه الإعلال حيوة.
وإما بإعلال ما حقّه التصحيح: كداران 4 وماهان 5؛ فإن القياس يقتضي تصحيحها وأن يقال فيها: دوران وموهان كما يقال في نظائرها من النكرات كالجولان [1/ 191] والطوفان.
قال الشيخ - ما معناه -: إنّ العلم المنقسم إلى القسمين المذكورين هو ما كان علما بالتّعليق، أما ما علميته بالغلبة كابن عمر والثّريا فليس منقولا ولا مرتجلا 6. قال ناظر الجيش: هذا تقسيم ثان للعلم باعتبار آخر، وهو انقسامه إلى مفرد ومركب فالمفرد: ما كان من كلمة واحدة، والمركب: ما كان أكثر من ذلك.
ثم المركب ثلاثة أقسام: مركب الإضافة، ومركب الإسناد، ومركب المزج.
وبيان الحصر في الثلاثة أن الكلمتين قبل التسمية إما أن يكون بينهما ارتباط أو لا؛ -

................................  فإن كان بينهما ارتباط قبل ذلك: فلا يخلو أن يكون بينهما ارتباط حملي أو لا؛ فإن كان ارتباطا حمليّا فهو تركيب الإسناد، وإن كان غير حملي فهو تركيب الإضافة كغلام زيد، وإن لم يكن بينهما ارتباط قبل ذلك فهو تركيب المزج نحو: بعلبك ومعدي كرب، والمراد بتركيب المزج: تنزيل عجز المركب منزلة تاء التأنيث.
ثم ذو المزج قسمان: قسم مختوم بلفظ ويه كسيبويه وما شاكله.
وقسم مختوم بغير ذلك كالمثالين المتقدمين.
والعلم الذي هو كنية داخل في قسم المضاف.
وإليه الإشارة بقوله: وذو الإضافة كنية وغير كنية.
وحكم ما ختم بغير ويه: البناء.
قال الشيخ 1: «وهو القياس لاختلاط الاسم بالصّوت وصيرورتهما شيئا واحدا، فعومل معاملة الصّوت فبني ونون إذا نكّر».
وذكر أن إعرابه إنما أجازه الجرمي ويظهر من قول المصنف: قد يعرب أن ذلك مسموع.
أما ما ختم بغير ويه ففيه للعرب ثلاثة استعمالات: أحدها: إعرابه غير منصرف، وهذا هو الأكثر والأغلب.
ثانيها: إضافة صدره إلى عجزه وهو قليل.
ثالثها: وقد ذكره المصنف في باب ما لا ينصرف 2: «تركيب الجزأين وبناؤهما تشبيها بخمسة عشر، وهو أقلّ ممّا قبله».
قال المصنف 3: «وإذا كان المركّب جملة وثاني جزأيها ظاهر - فمن العرب من يضيف أوّل الجزأين إلى الثّاني فيقول: جاء برق نحره».
واحترز بقوله: إن كان ظاهرا من مثل تأبط، فلا يتوهم فيه الإضافة إلى الضمير المستكن.
قال الشيخ: «مقتضى كلام المصنّف انحصار المركّب في الثّلاثة الّتي ذكرها، -

[تقسيم العلم إلى اسم وكنية ولقب]

قال ابن مالك: (ومن العلم اللّقب، ويتلو غالبا اسم ما لقّب به بإتباع أو قطع مطلقا، وبإضافة أيضا إن كانا مفردين).
وثمّ أشياء كثيرة مسمّى بها فصارت أعلاما وهي مركّبة.
وقد عريت من إسناد وإضافة ومزج، كما إذا سميت بما ركب من حرفين نحو: إنما، أو حرف واسم نحو: يا يزيد، أو حرف [1/ 192] وفعل نحو: قد قام ونحو ذلك» 1. انتهى.
وما ذكره غير وارد على المصنف وغير لازم له أن يذكره؛ لأنه لم يقصد الإشارة إلى كل ما سمي به فجعل علما، إنما مراده ذكر العلم الذي استعملته العرب ووقع في كلامها، ولا شك أن الواقع من كلامهم إنما انقسم إلى الأقسام التي ذكرها 2. قال ناظر الجيش: هذا تقسيم ثالث للعلم باعتبار آخر، وهو انقسامه إلى اسم وكنية ولقب.
وقوة كلام المصنف تفيد التقسيم المذكور لإفهام قوله: ومن العلم اللّقب أن الكلام الذي مر له في غيره.
وقد قال: وذو الإضافة كنية وغير كنية.
فأشار إلى الكنية أيضا، فبقي الكلام فيما عدا ذلك في الاسم.
وبيان حصره بهذا الاعتبار في الثلاثة: «أنه إن كان مضافا مصدّرا بأب أو أمّ فهو الكنية كأبي بكر وأم كلثوم، وإن لم يكن كذلك: فإن أشعر برفعة المسمّى أو ضعته فهو اللّقب، كبطة وقفة وأنف الناقة، وإن لم يكن كذلك فهو الاسم كزيد وعمرو.
-

................................  وهذا كلام الإمام بدر الدين ولد المصنف 1 وهو أحسن من كلام ابن عمرون حيث قال: «لأنه إمّا أن يقصد به التّعظيم أو التّحقير أو لا، فإن لم يقصد أحدهما فهو الاسم وإن قصد فهو اللّقب، ثم الاسم واللّقب إمّا أن يضاف إليهما أب أو أمّ أو لا.
فإن أضيف فهو الكنية لاقتضاء هذا التقسيم تداخل الأقسام 2. إذا تقرر هذا فقد ذكر المصنف لاجتماع اللقب مع الاسم حكمين: أحدهما: بالنسبة إلى ما يكون مقدما منهما على الآخر.
وثانيهما: بالنسبة إلى كيفية إعراب الثاني 3 ولم يتعرض المصنف إلى ذكر اجتماع الكنية مع اللقب، والظاهر أن حكم الكنية في ذلك حكم الاسم 4. أما الحكم الأول: فهو أن اللقب يؤخر عن الاسم، وقد ذكر لتعليل ذلك أمور: منها: أن اللقب أشهر من الاسم.
ومنها: أن اللقب يقصد به التعظيم أو التحقير.
فلو قدم وأضيف إلى الاسم لكان بعد نكرة، وتنكيره يزيل الغرض الذي قصد به بخلاف تنكير الاسم.
وهذه العلة قاصرة لعدم اطرادها فيما إذا كان بينهما تركيب 5 إلا أن يقال: لما استقر ذلك حال كونهما مفردين أجريناه حال التركيب طردا للباب.
ومنها: ما ذكره المصنف 6؛ وهو أن اللقب في الغالب منقول من اسم غير إنسان كبطة وقفة وكرز 7؛ فلو قدم لتوهم السامع أن المراد مسماه الأصلي وذلك مأمون بتأخيره، فلم يعدل عنه إلّا فيما ندر من الكلام كقول جنوب 8 أخت عمرو ذي الكلب: -

................................  296 - أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلّغها... عنّي حديثا وبعض القول تكذيب بأن ذا الكلب عمرا خيرهم نسبا... ببطن شريان يعوي حوله الذّيب 1 [1/ 193] ومن هذا احترز المصنف بغالبا من قوله: ويتلو غالبا اسم ما لقّب به.
وأما الحكم الثاني: فهو إعراب الثاني بالنسبة إلى الأول: وذلك أن الاسم واللقب إما أن يكونا مفردين أو مركبين أو أحدهما مفردا والآخر مركبا.
فإن وجد تركيب فيهما نحو: جاء عبد الله أنف الناقة، أو في أحدهما نحو: جاء عبد الله بطة، وزيد أنف الناقة - وجب أحد أمرين: إما إتباع اللقب للاسم على أنه عطف بيان أو بدل.
وإما قطعه عنه إما إلى الرفع وإما إلى النصب.
وامتنعت إضافة الأول إلى الثاني: ووجه الامتناع أن الإضافة تقتضي أن يكون ذلك اللفظ مضافا كان أو مضافا إليه مستقلّا بالمعنى، وإذا سمي بهما معا لم يكن أحدهما مستقلّا بمعنى؛ لأنهما قد نقلا وسمي بهما مضافين، فصار كل اسم منهما بمنزلة الجيم من جعفر، وذلك لا يجوز إضافته ولا الإضافة إليه لأنه ليس له معنى.
لا يقال: كون كل واحد منهما بمنزلة بعض الاسم يقتضي ألا يعرب؛ لأنا نقول: لما كانا في الأصل مضافا ومضافا إليه ونقلا وسمي بهما - بقي الإعراب على حاله نظرا إلى أصله، وهذا بخلاف الإضافة.
- - الكاهلي، شاعرة جاهلية اشتهرت برثائها لأخيها عمرو، وكان قد خرج غازيا، فهبط واديا فنام فوثب عليه نمران فأكلاه، وسمي ذا الكلب لكلب كان يلازمه يصطاد به.
ولجنوب قصيدتان من أبلغ الرثاء في شرح ديوان الهذليين (2/ 578) وما بعدها.

................................  وإن انتفى التركيب من الجانبين 1 وكان الاسم واللقب مفردين نحو: جاء سعيد كرز - وجبت إضافة الأول إلى الثاني عند البصريين، ولم يجز سيبويه غير ذلك 2 وأما الكوفيون فنقل عنهم جواز الإتباع 3. وذكر ابن عمرون عن الزجاج أنه أجاز الإتباع وأنه قال: «هذا قياس وليس من كلام العرب».
وأن الفراء أجاز الإتباع أيضا، روى هذا ثابت قطنة 4، وقال: سمعت أبا ثروان يقول: قد جاءكم يحي عينان لرجل ضخم العينين.
قال الفراء: «والإضافة أكثر».
قال ابن الحاجب 5: «وقد جاء قيس الرّقيات بتنوين قيس وجعل الرّقيّات -

................................  عطف بيان أو بدلا».
واختار المصنف جواز الإتباع، ولهذا قال: بإتباع أو قطع مطلقا.
يعني مركبين كانا أو مفردين أو مختلفين.
وعقب ذلك بقوله: أو بإضافة أيضا إن كانا مفردين.
فالمفردان يشاركان غيرهما في الإتباع والقطع وينفردان بالإضافة.
قال المصنف: ولم يذكر سيبويه فيهما إلّا الإضافة؛ لأنها على خلاف الأصل 1 فبين استعمال العرب؛ إذ لا مستند لها إلّا السماع بخلاف الإتباع والقطع فإنهما على الأصل.
وإنما كانت الإضافة على خلاف الأصل؛ لأن الاسم واللقب مدلولهما واحد؛ فيلزم من إضافة أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى [1/ 194] نفسه؛ فيحتاج إلى تأول الأول بالمسمى والثاني بالاسم؛ ليكون تقدير قول القائل: جاء سعيد كرز - جاء مسمى هذا اللقب، فيخلص من إضافة الشيء إلى نفسه.
والإتباع والقطع لا يحوجان إلى تأول.
ولا يوقعان في مخالفة أصل، فاستغنى سيبويه عن التنبيه عليهما، وإنما يؤول الأول بالمسمى؛ لأنه المعرض للإسناد إليه والمسند إليه في الحقيقة إنما هو المسمى 2. انتهى.
وبهذا الذي اعتذر المصنف به عن سيبويه - اعتذر ابن الحاجب عن الزمخشري، حيث اقتصر على ذكر الإضافة فقط 3. قال ابن الحاجب 4: «فعل الزمخشريّ ذلك إما اعتمادا منه على ظهور الوجه الآخر، فذكر الوجه المشكل خاصة، وترك ذلك الوجه الظاهر عنده، وإما لأنه مذهبه».
ثم قال: ووجه إشكاله أنهما اسمان لذات واحدة فتعذر إضافة أحدهما إلى -

................................  الآخر.
وسبب الامتناع أن الإضافة لغرض تخصيص الأول أو تعريفه؛ فإذا كانا لشيء واحد تعذّر أن يخصص أحدهما الآخر أو يعرفه، ووجه صحة الإضافة في هذا الكلام أمران: أحدهما: أن اللفظ قد يطلق ويراد به نفس اللفظ، ويطلق ويراد به المدلول كما في ذات زيد؛ فالذات المدلول وفيه اللفظ، فكذلك تقول: إنّ زيدا قصد به ها هنا قصد الذات، وبطة قصد به قصد اللفظ، فكأنه قال: مسمّى هذا اللفظ الذي هو بطّة.
وبهذا الاعتبار تغيّر المدلولان فيه، فصحّت الإضافة، وصار بمثابة قولك: غلام زيد.
والوجه الآخر: أنّه لمّا توهم التّنكير في زيد عند قصد إضافته للاختصار - صار بمثابة قولك: كل أو غلام، فأضيف للتبيين أو للتعريف، كما أضيف كلّ وغلام، وهذا يشبه باب: زيد المعارك من أنه إضافة للعلم؛ إلا أنّ هذا لازم أو أولى، وذاك ضعيف باتّفاق» انتهى 1. وقد تبعه في الاعتذار عن الزمخشري بما ذكر الشيخ جمال الدين بن عمرون، وهذا منهما يدل على أنهما يريان جواز الإتباع كما رآه المصنف.
واعلم أن الحكمين المذكورين في تقديم الاسم على اللقب وتبعية الثاني في الإعراب للأول أو غيرها مما تقدم ذكره - مخصوصان بما إذا جمع بين الاسم واللقب دون إسناد أحدهما إلى الآخر.
نبه على ذلك المصنف وهو تنبيه جيد؛ فعرف من هذا أنه إذا جمع بينهما بإسناد كان تقديم كل منهما وتأخيره بحسب ما يقصده المتكلم من إيقاع النسبة.
وأما إعراب الثاني فيكون بحسب ما يقتضيه الإسناد في ذلك إلى التركيب 2.

[أحكام العلم ذي الغلبة]

قال ابن مالك: (ويلزم ذا الغلبة باقيا على حاله ما عرّف به قبل، دائما إن كان مضافا، وغالبا إن كان ذا أداة).
قال ناظر الجيش: تقدم أن العلم نوعان: معلق وذو غلبة، وقصد المصنف الآن الإشارة إلى حكم مختص بالنوع الثاني دون الأول.
وذلك أن العلم بالغلبة قبل التحاقه بالأعلام معرفة إما بالإضافة أو بالأداة؛ فأراد أن يبين حكمه بعد صيرورته علما وهو أن ما عرف به قبل العلمية من هذين الأمرين لازم عليه بعد علميته، أي لا ينفك المضاف عن إضافته، ولا ذو الأداة عن أداته؛ إلا إن عرض لذي الأداة في الاستعمال ما يوجب نزع الأداة منه؛ فإنها تنزع لذلك الموجب.
أما إذا لم يعرض [1/ 195] ما يوجب، فلا تنزع إلا قليلا نادرا.
وهذا الذي أشرت إليه هو معنى قوله في الألفية 1: وقد يصير علما بالغلبة... مضافا أو مصحوب أل كالعقبة وحذف أل ذي إن تناد أو تضف... أوجب وفي غيرهما قد تنحذف ففهم منه أن الموجب لحذف الأداة من ذي الأداة شيئان: إما النداء، وإما الإضافة.
وأما إذا انتفيا فلا تحذف الأداة إلّا نادرا.
إذا عرف هذا فقول المصنف: ويلزم ذا الغلبة ما عرّف به قبل، دائما إن كان مضافا وغالبا إن كان ذا أداة: إشارة منه إلى أن ما كان معرفة قبل العلمية بالإضافة، ثم صار علما بالغلبة لا تفارقه الإضافة بحال، وإن ما كان معرفة بالأداة تلزم فيه الأداة بعد العلمية أيضا؛ إلا أن الأداة قد تفارقه؛ ولذلك قيد اللزوم عند ذكر الأداة بقوله: غالبا.
ثم إن المصنف استغنى عما أشار إليه في الألفية من حذف الأداة بموجب وهو النداء وبالإضافة بقوله: باقيا على حاله.
لأنه إنما يضاف إذا نكر، ومع التنكير لا يكون باقيا على حاله، وهو إنما تلزمه الأداة إذا كان باقيا على حاله.
وأما إذا نودي فقال المصنف: «إنّ حاله يتغيّر بقصد النّداء فيعرى من الأداة».
-

................................  ولم يظهر لي ما قاله المصنف من تغيير حاله بقصد النداء، فإن تم ما أشار إليه المصنف من أن حاله يتغير بالنداء كان قوله: باقيا على حاله وافيا بالمقصود، وإلّا كانت عبارة الألفية أسد وأولى.
ومما جعله المصنف مستفادا من قوله: باقيا على حاله: أنّ المضاف إليه ابن قد يقدر زوال اختصاصه فيتغيّر حال المضاف كقولك: ما من ابن عمر كابن الفاروق وابن خليفة الصّديق 1، ولم يظهر لخروج هذه الصورة بهذا التقييد وجه فيه فائدة؛ لأن المقصود من القيد المذكور أن ذا الغلبة يلزم ما كان قد عرف به من إضافة أو أداة.
ومفهومه: أنه إذا لم يبق على حاله لا يلزم ذلك كما تقرر في ذي الأداة.
ولا شك أن المضاف يلزمه الإضافة باقيا كان على حاله من التعريف، أو غير باق، فتغيره عن حالة التعريف بزوال اختصاص المضاف إليه إلى حالة التنكير تنفي بقاءه على حاله، لكن لا أثر لذلك في زوال إضافته؛ إذ الإضافة إليه باقية غير زائلة، إلا أن يقول المصنف: زالت الإضافة التي حصل بها التعريف وهذه إضافة أخرى، وفيه نظر.
لأن ابنا المضاف إلى عمر والمنكر ليس ابنا الذي هو مضاف إلى عمر والمعرف، إذ المضاف إلى عمر المعرفة لم ينكر.
وإذ قد تقرر ما قلناه فلنورد كلام المصنف لاشتماله على الأمثلة والشواهد وليطبق الواقف على هذا الموضع ما قررناه على ما ذكره المصنف.
قال رحمه الله تعالى 2: «ذو الغلبة من الأعلام هو كلّ ما اشتهر به 3 بعض ما له معناه اشتهارا تامّا.
وهو على ضربين: مضاف كابن عمر وابن رألان، وذو أداة كالأعشى والنابغة.
فحقّ ابن عمر وابن رألان أن يكون كلّ واحد [1/ 196] منهما على إطلاقه صالحا لكل واحد من أبناء أبيه؛ إلا أن الاستعمال جعل عبد الله مختصّا بابن عمر، وجابرا مختصّا بابن رألان 4 حتّى إذا قصد غيرهما لم يفهم إلّا بقرينة.
-

................................  وكذا الأعشى والنابغة حقّهما إذا أطلقا أن يصلحا لكلّ ذي عشى ونبوغ؛ إلا أنّ الاستعمال صرفهما عن الشّيوع وجعلهما مختصين، وإن عرض لشيء من هذا القبيل اشتراك اغتفر كما يغتفر في الأعلام المعلقة إما ردّا إلى التّنكير لحاجة تعرض كقول الراجز: 297 - لا هيثم اللّيلة للمطيّ... [ولا فتى مثل ابن خيبريّ] 1 وكقول الراجز: 298 - إنّ لنا عزّى ولا عزّى لكم 2 ومثله قول الشاعر: 299 - إذا دبرانا منك يوما لقيته... أآمل أن ألقاك غدوا بأسعد 3

................................  إما اتكالا على تكميل الوضوح بنعت أو ما يقوم مقامه كزيد القرشيّ والأعشى الهمذانيّ.
وقد يقدر زوال اختصاصه فيجرد ويضاف فيصير مختصّا كقولهم: أعشى تغلب، وأعشى قيس، ونابغة بني ذبيان، ونابغة بني جعدة.
ومثله قول الشاعر: 300 - ألا أبلغ بني خلف رسولا... أحقّا أنّ أخطلكم هجاني 1 وكذلك قول الآخر: 301 - ولو بلغت عوّى السّماك قبيلة... لزادت عليها نهشل وتعلّت 2 وكذلك يقدّر زوال اختصاص المضاف إليه ابن فيتغيّر حال المضاف كقولك: ما من ابن عمر كابن الفاروق وابن خليفة الصّديق؛ وإلى هذا أشرت بقولي: - - والمعنى: لن أيأس إذا رأيت إدبارا منك في شيء أكرهه، ولكن سأنتظر خيرك وسعدك وإقبالك.
وشاهده: حذف أل من الدبران في غير نداء أو إضافة وذلك قليل.
والدبران علم بالغلبة تلزمه الألف واللام كالكتاب لمؤلّف سيبويه.
وينصب دبران بفعل محذوف يفسره ما بعده.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 175) وفي التذييل والتكميل (2/ 320) وفي معجم الشواهد (ص 114).

................................  باقيا على حاله؛ فإن هذه العوارض وما أشبهها غيّرت العلم ذا الغلبة عن حاله في المعنى، فجاز أن تغير حاله لفظا.
وأشرف بقولي أيضا إلى تغيّر الحال بقصد النّداء فيعرى من الأداة كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في دعاء: «إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن» 1. وكقول الشاعر: 302 - يا أقرع بن حابس يا أقرع... إنّك إن يصرع أخوك تصرع 2 والمراد بقولي: دائما أن إضافة المضاف من هذا القبيل دائمة غير زائلة ما لم يتغيّر حاله.
وأما المعرّف بالأداة فقد يجرّد منها وإن لم يتغير حاله وذلك قليل.
ومنه ما حكى سيبويه من قول بعض العرب: هذا يوم اثنين مباركا فيه 3. وحكى ابن الأعرابي أنّ من العرب من يقول: هذا عيّوق طالعا.
-

................................  والعيّوق من الأعلام التي علميتها بالغلبة.
وزعم ابن الأعرابي أنّ ذلك جائز في سائر أسماء النّجوم».
انتهى كلام المصنف 1. ولكن في إفادته لمقصود الفصل بعض قلق، فلذلك أسلفت قبله ما تقدم ذكره.
ثم إن فيه أمورا يتنبه لها: منها: أن ما أنشده من قول الراجز: 303 - لا هيثم اللّيلة للمطيّ ليس هيثم فيه علما بالغلبة، إنما هو من الأعلام المعلقة، ولكن مثّل به، ثم مثل بما هو علم غلبة ليفيد أن كلّا من النوعين قد ردّ إلى التنكير.
على أن في قوله: «إنّ العلم في صيرورته اسما للا [1/ 197] قد ردّ إلى التّنكير» نظرا لا يخفى 2. ومنها: أنه جعل لفظ الرحمن من الأعلام الغالبة وهو قول الأعلم الشنتمري والأصح أنه ليس علما وإنما هو من الصفات الغالبة.
ويستفاد من كلامه أنه موافق للأعلم في كون الرحمن علما بالغلبة.
ومنها: قوله: والمراد بقولي: دائما - أن إضافة المضاف من هذا القبيل دائمة غير زائلة ما لم يتغير حاله، وقد عرفت ما فيه فيما تقدم 3. ومنها: أنه استفيد من كلام سيبويه أن أسماء أيام الأسبوع أعلام بالغلبة.
-

[أحكام العلم ذي الأداة]

قال ابن مالك: (ومثله ما قارنت الأداة نقله أو ارتجاله، وفي المنقول من مجرّد صالح لها ملموح به الأصل وجهان).
ونقل الشيخ عن أبي العباس أنها معارف بالأداة؛ فإذا زالت فيها زال التعريف، قال: «وهو باطل بما حكى سيبويه من نصب الحال عنها دون ألف ولام» 1. ومن الأعلام الغالبة: النجم للثريا، والصعق لخويلد بن نفيل، والعقبة والبيت والمدينة 2. قال ناظر الجيش: أي ومثل ذي الغلبة.
قال المصنف: «ويشارك ذا الغلبة المصاحب للأداة فيما نسب إليه ما قارنت الأداة نقله كالنضر والنعمان، أو ارتجاله كالسموأل واليسع؛ فلا يجرد هذان النوعان إلا لنداء أو غيره من العوارض التي يجرد لها الأعشى ونحوه من الأعلام الغالبة.
بل هذان النوعان أحق بعدم التجرد؛ لأن الأداة فيهما مقصودة في التسوية قصد همزة أحمد وياء يشكر وتاء تغلب؛ بخلاف الأداة في الأعشى فإنها مزيدة للتعريف ثم عرض بعد زيادتها شهرة وغلبة أغنتا عنها؛ إلا أن الغلبة مسبوقة بوجودها وحاصله بمصاحبتها، فلم تنزع ما دام التعريف مقصودا، كما لا تنزع المقارنة للنقل أو الارتجال».
انتهى كلامه 3. وفي قوله: ومثله ما قارنت إلى آخره - استدراك لطيف، وهو أنه من جملة أحوال ذي الغلبة المصاحب للأداة أنه قد تنزع منه الأداة دون سبب وهو قليل كما تقدم 4 -

................................  وذلك ممتنع في المنقول والمرتجل، وهو قد جعلهما مثله في الحكم.
وأشار بقوله: وفي المنقول من مجرد إلى آخره - إلى أنه إذا كان العلم منقولا من صفة أو مصدر أو اسم عين وكان عند التسمية به مجردا من التعريف جاز في استعماله علما أن يلمح به الأصل فتدخل عليه الأداة، وألا يلمح به فيستدام تجريده.
قال المصنف 1: وأكثر دخولها على منقول من صفة كحسن وعباس وحارس، ويلي ذلك دخولها على منقول من مصدر كفضل وقيس، ويليه دخولها على منقول من اسم عين كليث وخرنق 2. واحترز بصالح من النقول من فعل نحو يزيد ويشكر؛ فإنه لا تدخل عليه الأداة إلا لضرورة أو عروض تنكير 3. واعلم أن المصنف يرى أن لفظ الجلالة المعظمة من الأعلام [1/ 198] المرتجلة لا المنقولة؛ وقد تعرض في هذا الفصل لذكر هذه المسألة فأحببت إيرادها لنفاستها وما اشتملت عليه مباحثها من الفوائد.
قال المصنف: ومن الأعلام التي قارن وضعها وجود الألف واللام - الله تعالى المنفرد به، وليس أصله الإله كما زعم الأكثرون، بل هو علم دال على الإله الحق دلالة جامعة لمعاني الأسماء الحسنى كلها ما علم منها وما لم يعلم، ولذلك يقال لكل اسم سوى الله من الأسماء الكريمةهو من أسماء الله تعالى ولا ينعكس.
ولو لم يرد على من زعم أن أصل الله الإله إلا بكونه مدعيا ما لا دليل له - لكان ذلك كافيا؛ لأن الله والإله يختلفان في اللفظ والمعنى.
أما في اللفظ فلأن أحدهما في الظاهر الذي لا عدول عنه دون دليل معتل العين 4. والثاني مهموز الفاء صحيح العين واللام، فهما من مادتين؛ وردّهما إلى أصل واحد -

................................  تحكم وزيغ عن سبيل التصريف.
وأما اختلافهما في المعنى فلأن الله خاص بربنا تبارك وتعالى في الجاهلية والإسلام، والإله ليس كذلك؛ ولهذا يستحضر بذكر الله مدلولات جميع الأسماء، ولا يستحضر بالإله إلا ما يستحضر بالمعبود، وهذا بين من قول بعض 1 الأنصار رضي الله عنهم: 304 - باسم الإله وبه بدينا... ولو عبدنا غيره شقينا 2 ثم مراد من زعم أن أصل الله الإله لا يخلو من أمرين: أحدهما: أن تكون الهمزة حذفت ابتداء ثم أدغمت اللام في اللام.
والثاني: أن تكون الهمزة نقلت حركتها إلى اللام الأولى وحذفت هي على مقتضى النقل القياسي.
فالأول باطل لأن حاصله ادعاء حذف فاء بلا سبب، ولا مشابهة ذي سبب من كلمة ثلاثية اللفظ؛ فذكر الفاء تنبيه على أن حذفها أشد استبعادا من حذف العين واللام؛ لأن الأواخر وما اتصل بها أحق بالتغيير من الأوائل.
وقولي: بلا سبب تنبيه على أن الفاء قد تحذف لسبب كحذف واو عدة؛ فإنه مصدر يعد، فحمل المصدر على الفعل في الحذف طلبا للتشاكل.
وقولي: ولا مشابهة ذي سبب تنبيه على رقة بمعنى ورق، فحذفت فاؤه لا لسبب كما في عدة بل لشبهه بعدة وزنا وإعلالا.

................................  ولولا أن رقة بمعنى ورق لتعين إلحاقه بالثنائي المحذوف اللام كشفة ولثة، وهذا مع تحقق محذوف لكون الاسم ثنائيّا لفظا كحر 1 أو ثلاثيّا مقطوعا بزيادة بعضه كلثة، وما نحن بسبيله ليس ثنائيّا لفظا ولا ثلاثيّا مقطوعا بزيادة بعضه ولا مظنونا - فكان حذف فائه أشد استبعادا.
فإن قيل: قد حذفت الفاء بلا سبب في الناس؛ فإن أصله أناس فليحكم بذلك فيما نحن بسبيله؟ قلنا: لو صح كون الناس مفرعا على أناس لم يجز أن يحمل عليه غيره؛ لأن الحمل عليه زيادة في الشذوذ وتكثير من مخالفة الأصل [1/ 199] دون سبب يلجئ إلى ذلك فكيف؟ والصحيح أن ناسا وأناسا لفظان بمعنى واحد من مادتين مختلفتين: إحداهما: نوس والأخرى: أنس، كما أن ألوقة ولوقة من مادتين مختلفتين 2 وهما اسمان لتمر معجون بزبد أو سمن، وكما أن أوقية ووقية بمعنى واحد، وأحدهما من أوق والآخر من وقي وأمثال ذلك كثيرة.
وأما ادعاء نقل حركة همزة الإله إلى اللام فأحق بالبطلان؛ لأنه يلزم مخالفة الأصل من وجوه: أحدها: نقل حركة همزة من كلمتين على سبيل اللزوم ولا نظير لذلك.
الثاني: نقل حركة همزة إلى مثل ما بعدها، وذلك يوجب اجتماع مثلين متحركين، وهو أثقل من تحقيق الهمزة بعد ساكن؛ لأن اجتنابه في الكلام آكد؛ إذ هو مستلزم في أوعد وبابه بخلاف النقل فإنه لم يلتزم إلّا في أفعال الرؤية.
مع أن من العرب من لا يلتزمه وهم تيم اللّات 3. -

................................  الثالث من وجوه مخالفة الأصل: تسكين المنقول إليه الحركة، وذلك يوجب كون النقل عملا كلا عمل؛ لأن المنقول إليه كان ساكنا، ثم حرك بحركة الهمزة إبقاء عليها وصونا لها من محض الحذف؛ فإذا سكن فات ذلك وعاد الحرف إلى ما كان عليه قبل النقل، وكأن النقل لم يكن.
ومع هذا ففاعل هذا التسكين بمنزلة من نقل في بئس فقال بئس ثم سكن بيس.
ولا يخفى ما في هذا من القبح مع كونه في كلمة واحدة، والمدعى في الله من كلمتين؛ فهو أمكن في الاستقباح وأحق بالاطراح.
الرابع: إدغام المنقول إليه فيما بعد الهمزة، وذلك بمعزل عن القياس؛ لأن الهمزة المنقولة الحركة في تقدير الثبوت؛ فإدغام ما قبلها فيما بعدها كإدغام أحد المنفصلين في الآخر.
وقد اعتبر أبو عمرو بن العلاء 1 في الإدغام الكبير الفصل بمحذوف واجب الحذف نحو: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ 2 فلم يدغم الغين في الغين؛ فلأن يعتبر الفصل بمحذوف غير واجب الحذف أحق وأولى.
ولأجل الاعتداد بالمحذوف تحقيقا جاز أن يقال في مثل: اغدودن من وأل ووّل بتصدير واوين وأصله: اوأوأل.
ثم نقلت حركتا الهمزتين إلى الواوين، واغتفر بتصديرها دون قلب أولاهما همزة لانفصالهما بالهمزة تقديرا.
ومثل هذه المدعى في الله قد ندر في (لكن أنا) إذا قيل فيه: لكِنَّا 3 إلّا أن هذا ليس ملتزما.
ثم إن الذي زعم أن أصل الله الإله يقول: إن الألف واللام عوض من الهمزة، ولو كان كذلك لم يجمع بينهما في الحذف في قولهم: لاه أبوك يريدون: لله أبوك؛ إذ لا يحذف عوض ومعوض منه في حالة واحدة.
-

................................  وقالوا أيضا: لهي أبوك يريدون: لله أبوك، فحذفوا لام الجر والألف واللام، وقدموا الهاء وسكنوها، فصارت الألف ياء [1/ 200]. وعلم بذلك أن الألف كانت منقلبة عنها لتحركها وانفتاح ما قبلها.
فلما وليت ساكنا عادت إلى أصلها وفتحتها فتحة بناء.
وسبب البناء تضمن معنى حرف التعريف.
هذا قول أبي علي، وهو قول ضعيف عندي؛ لأن الألف واللام في الله زائدة مع التسمية ومستغنى عن معناها بالعلمية؛ فإذا حذفت لم يبق لها معنى يتضمن.
والذي أراه: أن لهي مبني لتضمن معنى حرف التعجب وإن لم يكن للتعجب حرف موضوع، كما قال الجمهور في اسم الإشارة إنه مبني لتضمن معنى حرف الإشارة، ومرادهم بذلك أن الإشارة معنى من المعاني النسبية الحقيقة بأن يوضع لها حروف، فاستغني باسم الإشارة عن وضع حرف الإشارة، فلذلك قيل في حد اسم الإشارة إنه: الاسم الموضوع لمسمّى وإشارة إليه.
فكما بني اسم الإشارة لتضمنه معنى الإشارة بني لهي لتضمن معنى التعجب.
إذ لا يقع لهي في غير تعجب كما لا يقع اسم الإشارة في غير إشارة، وهو مع بنائه في موضع جر باللام المحذوفة.
واللام والمجرور بها في موضع رفع بمقتضى الخبرية، وأبوك مرفوع بالابتداء.
انتهى كلام المصنف في هذه المسألة الشريفة، ولا مزيد عليه في الحسن والتحقيق، فرحمه الله تعالى 1. وفي تضعيفه قول أبي علي في سبب بناء لهي أبوك - نظر؛ لأنه حكم بزيادة الألف واللام، وليس القول بزيادتها متعينا عند أبي علي فيلزمه ما ألزمه به.

[تنكير العلم بالتثنية والجمع والإضافة وأحكام ذلك]

قال ابن مالك: (وقد ينكّر العلم تحقيقا أو تقديرا، فيجري مجرى نكرة ويسلب التّعيين بالتّثنية والجمع، فيجبر بحرف التّعريف إلّا في نحو: جماديين وعمايتين وعرفات).
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «قد ينكر العلم تحقيقا 1 كقولك رأيت زيدا من الزّيدين، وما من زيد كزيد بن ثابت، وقضيّة ولا أبا حسن لها، وكقول نوف البكالي 2: «ليس موسى بني إسرائيل هو موسى آخر»، وتنكيره تقديرا مثل قول أبي سفيان: لا قريش بعد اليوم، وكقول بعض العرب: لا بصرة لكم» انتهى 3. ولم يظهر لي وجه التفرقة بين قولهم: قضية ولا أبا حسن لها، وقولهم: لا قريش بعد اليوم؛ حيث جعل التنكير في الأول تحقيقا وفي الثاني تقديرا، على أنه لما ذكر في باب لا تأويل مباشرتها العلم، قال 4: «إنّ لا قريش بعد اليوم مؤول بلا بطن من بطون قريش بعد اليوم، وإنّ ولا أبا حسن مؤول بلا مثل أبي حسن».
ومقتضى هذا التقرير أن يكون التنكير في الأول تقديرا وفي الثاني تحقيقا.
وينبغي أن يعلم أن العلم إنما يجوز تنكيره بتأويل وهو قليل مع ذلك، وفي عبارة المصنف ما يرشد إلى قلّته، حيث أتى بقد مع الفعل المضارع في قوله: وقد ينكّر.
والدليل على ضعفه: أن العلم إنما وضع لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه؛ فإذا نكرته فقد استعملته على خلاف ما وضع له، ووجهه أنه لما وضعه الواضع [1/ 201] لمسمى ثم وضعه آخر لمسمى آخر؛ صارت نسبته إلى الجميع بعد ذلك نسبة واحدة فأشبه رجلا.
-

................................  لكن ذكر 1 الشيخ جمال الدين بن عمرون - رحمه الله تعالى - أن تنكير العلم ليس على حد التنكير في الأجناس، قال: «لأنّ الجنس يفيد حقيقة مشتركة... فالتّنكير فيه يفيد واحدا من تلك الحقيقة والعلم لشيء بعينه، ومحال وجود شخص آخر هو ذاك بعينه، لكن تنكيره 2 على معنى مسمّى، وحينئذ لا يفيد معيّنا، بل يفيد مسمّى ما بهذا الاسم.
وهذا يمكن وقوع الشّركة فيه» ثم قال: «وينكّر العلم بطريق آخر: وهو أن يشهر بمعنى من المعاني، فيصير بمنزلة الجنس الدّال على ذلك المعنى كما في قولهم: لكل فرعون موسى، أي: لكلّ جبار مبطل قهّار محقّ».
ثم قال: «ولأجل أنّ تنكير العلم بتأويل يخرجه عمّا وضع له لم يصحّ اعتباره إلّا مع قرينة: إمّا إضافة أو لام أو غير ذلك كقولهم: لا هيثم اللّيلة؛ لتنبّه القرينة على المراد لمّا كان خفيّا ومخرجا للاسم عمّا وضع له».
قال: «ولما ذكرنا من أمر القرينة لما مثّل النّحاة في باب: ما لا ينصرف معرفة وينصرف نكرة: تنكير الاسم، أدخلوا ربّ، فقالوا: ربّ إبراهيم، وقالوا: جاءني إبراهيم وإبراهيم آخر؛ فوصفوا؛ بالنّكرة الاسم الثّاني دون الأوّل لأمر، وهو أنّ ذكره ثانيا بعد ذكره أوّلا يصيّر الشّركة محقّقة، فيحكم عليه أنّه نكرة ويوصف بنكرة؛ وليس مجرد الشّركة العارضة موجبة لتنكير العلم، ألا ترى أنّك تصفه بالمعرفة؟» انتهى كلامه.
ثم مثل للإضافة بما مثل به الزمخشري من قولهم: مضر الحمراء 3، قال: وهو -

................................  مضر بن نزار، ولما مات نزار خلف مضر وربيعة وأنمارا.
وخلفوا تراثا ناطقا وصامتا، فأتوا بنجران حكيم الزمان، فجعل القبة الحمراء والذهب الأحمر لمضر، والأفراس لربيعة، والشاء لأنمار، فأضيف كل واحد إلى ما حكم له به تعريفا له بذلك.
وقيل: كانت مضر تلبس في الحرب العمائم الحمر، وترفع الرايات الحمر، وكانت اليمن تجعل الأصفر في العمائم والرايات، وإلى هذا أشار حبيب في قوله: 305 - محمرّة مصفرّة فكأنّها... عصب تيمّن في الورى وتمضّر 1 ومن لغتهم أن يضيفوا بأدنى ملابسة، وأنشد قول الشاعر: 306 - علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم... بأبيض ماضي الشّفرتين يماني 2 الشاهد فيه: إضافة زيد إلى ضمير المتكلم، وكذا إضافة زيد الثاني إلى ضمير الخطاب.
ومثل للام 3 بقول أبي النجم 4: 307 - باعد أمّ العمر من أسيرها... حرّاس أبواب على قصورها 5

................................  الشاهد فيه: إدخال اللام على عمرو، وأراد بأسيرها نفسه؛ لأنه بعشقه إياها قد أسرته. وأشار المصنف بقوله: ويسلب التّعيين بالتّثنية والجمع إلى أن العلم إذا ثني أو جمع ينكر، وهذا معنى قول أبي الحسن [1/ 202] بن عصفور رحمه الله تعالى 1: «ولا يثنّى ولا يجمع وهو باق على علميّته» 2. ولكن يظهر أن تعبير المصنف عنها أحسن من تعبيره. ثم بعد التثنية والجمع إن قصد البقاء على التنكير لم يؤت بأداة التعريف، كقول الشاعر: 308 - رأيت سعودا من شعوب كثيرة... فلم أر سعدا مثل سعد بن مالك 3 وإن قصد تعريفه قرن بالأداة، كقول الشاعر: 309 - وقبلي مات الخالدان كلاهما... عميد بني جحوان وابن المضلّل 4

................................  وكقول الآخر: 310 - أخالد قد علقتك بعد هند... فشيّبني الخوالد والهنود 1 والتزم ابن الحاجب إدخال لام التعريف على ما ثني وجمع من الأعلام، وعلل ذلك بما يوقف عليه من كلامه 2. وجعل كلام الزمخشري في المفصل معطيا لذلك 3. وخالف ابن عمرون في هذا الفهم الزمخشري، وليس في عبارته ما يقتضي اللزوم فإنه قال: «وكلّ مثنّى أو مجموع من الأعلام فتعريفه باللّام».
ولم يقل فيلزم اللام؛ فعبارته تشبه عبارة المصنف حيث قال: فيجبر بحرف التّعريف.
وقال سيبويه 4: «إذا سمّيت بزيد فإن شئت قلت زيدون وإن شئت قلت أزياد».
وهذا تصريح في عدم التزام اللام.
- - (ص 302) وفي شرح المفصل لابن يعيش (1/ 47). تعريف للأسود بن يعفر: شاعر جاهلي فصيح فحل، نادم النعمان بن المنذر.
اقرأ ترجمته وأخبارا عنه في الشعر والشعراء (1/ 261).

................................  ولم يتعرض المصنف إلى التعريف بغير اللام، بل اقتصر على اللام كما فعل الزمخشري. قال ابن عمرون: «وتقييده التّعريف باللّام وإن كان يجوز بالإضافة نحو زيدوكم وزيودكم - لأنّ التّعريف فيه بالوضع على واحد مخصوص، ولام العهد تفيد واحدا مخصوصا بالعهد، فكان ذلك خلفا من تعريف العلميّة وهو الكثير». وذكر في موجب زوال العلمية بالتثنية والجمع وجهين: أحدهما: «أن العلم إنّما يكون معرفة إذا كان مفردا؛ لأنّه لم يجعل علما إلّا على هذه الصيغة المعروفة فإذا زالت زالت العلمية». ثانيهما: «أنّ التثنية وضعت لتدلّ على آخر، ولم يوضع العلم ليدلّ على ذلك». ثم قال: «وتنكيره باعتبار اشتراك في التسمية لا باعتبار اشتراك في الحقيقة، ولأنّه نكرة جاز وصفه بالنّكرة في قولك: جاءني زيدان كريمان». وأشار المصنف بقوله: إلّا في نحو جماديين وعمايتين وعرفات - إلى أن العلمية لا تنسلب في مثل ذلك بالتثنية والجمع. قال في شرح هذا الموضع 1: «فإن اشترك في العلم ما لا يفترق لم يحتج إلى الأداة في تثنية ولا جمع كجماديين في الشّهرين المعروفين، وعمايتين في جبلين، وعرفات لمواقف الحجّ واحدها عرفة. قال الشّاعر في جماديين: 311 - حتّى إذا رجب تولّى وانقضى... وجماديان وجاء شهر مقبل 2

................................  وقال الآخر في عمايتين: 312 - لو أنّ عصم عمايتين ويذبل... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا 1 انتهى.
واقتضى كلامه أن العلم إنما هو واحد هذه الكلمات الثلاث.
ويمكن أن يقال: إن جماديين علم على هذين الشهرين، وكذا عمايتين علم على الجبلين، وعرفات علم على هذه المواقف، وعلى هذا لا يحتاج إلى استثنائها [1/ 203]. وقد رأيت في كلام الشيخ جمال الدين بن عمرون ما يدل على [ما] قلته: فإنه قال في قول الزمخشري: «إلّا نحو أبانين» 2: «الجيّد أنّه استثناء منقطع؛ لأنّ أبانين وضع علما على الجبلين كما لو وضع زيدان علما، فإنه لا يجوز إدخال آلة التّعريف عليه.
وأذرعات كذا لأنّه ليس أذرعة معروفة، ومثله عرفات؛ وإن قيل عرفة فهي بمعنى عرفات لا واحد عرفات، وهما علمان لهذه المواضع الشّريفة» انتهى.
وقول سيبويه بعد أن ذكر أبانين: «وليس هذا في الأناسيّ ولا في الدّواب، إنّما يكون هذا في الأماكن والجبال».
قالوا: لا يريد به أنه لا يوضع لفظ المثنى علما، إنما يريد أن العلم لا يكون لشيئين بلفظ واحد يفهمان منه معا إلّا في الأماكن.
ولذا قال: إنّ الأماكن والجبال أشياء لا تزول 3. - تعريف بأبي العيال الهذلي: هو أبو العيال بن أبي عنترة أحد بني خفاجة بن سعد بن هذيل، شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، ثم أسلم فيمن أسلم من هذيل وعمر إلى خلافة معاوية، وحارب وغزا ببلاد الروم وأسر هناك كما ذكرنا في الشاهد.
انظر ترجمته في الشعر والشعراء (20/ 673) وغيره.

[مسميات الأعلام]

قال ابن مالك: (ومسمّيات الأعلام أولو العلم وما يحتاج إلى تعيينه من المألوفات، وأنواع معان وأعيان لا تؤلف غالبا، ومن النّوعيّ ما لا يلزم التّعريف).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: «أولو العلم: يعم الملائكة عليهم السّلام وأشخاص الإنس والجن والقبائل، وما يحتاج إلى تعيينه من المألوفات: يعم السور والكتب، والكواكب، والأمكنة، والخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم والكلاب، والسلاح والملابس؛ فهذه وما أشبهها تدعو الحاجة إلى تعيين مسمياتها، فاستحقت أن يوضع لأفرادها أسماء تتميز بها.
وأما ما لا يحتاج إلى تعيين فرد من أفراده: كالمعاني والوحوش؛ فلا يصلح أن يوضع له علم خاص، بل إن وضع لشيء منه علم فللنوع بأسره.
إذ ليس بعض أشخاصه أولى به من بعض.
فمثال ما وضع منه للنوع المعنوي: برّة للمبرة، وفجار للفجرة، وخيّاب بن هيّاب للخسران، ووادي تخيّب للباطل.
ومثال ما وضع منه للنوع العيني: أبو الحرث وأسامة للأسد، وأبو جعدة وذؤالة للذئب.
قال سيبويه 2: «إذا قلت: هذا أبو الحرث فإنّما تريد هذا الأسد، أي هذا الّذي سمعت باسمه، وعرفت أشباهه، ولا تريد أن تشير إلى شيء عرفته بعينه كمعرفة زيد؛ ولكنّك أردت هذا الّذي كلّ واحد من أمته له هذا الاسم».
هذا نصه في باب ترجمته: «هذا باب من المعرفة يكون الاسم الخاصّ فيه شائعا في أمّته ليس واحد منها بأولى به من الآخر».
فجعله خاصّا شائعا في حال واحدة - - «وإذا قالوا هذان أبانان، وهؤلاء عرفات فإنما أرادوا شيئا أو شيئين بأعيانهما اللّذين يشير لك إليهما وكأنهم قالوا: إذا قلنا ائت أبانين فإنما تعني هذين الجبلين بأعيانهما اللّذين نشير لك إليهما، ألا ترى أنّهم لم يقولوا: امرر بأبان كذا وأبان كذا لم يفرّقوا بينهما؛ لأنّهم جعلوا أبانين اسما لهما يعرفان به بأعيانهما.
وليس هذا في الأناسيّ ولا في الدواب، وإنما يكون هذا في الأماكن والجبال، وما أشبه ذلك، من قبل أن الأماكن والجبال أشياء لا تزول... والإنسانان والدّابتان لا يثبتان أبدا بأنهما يزولان، ويتصرّفان، ويشار إلى أحدهما، والآخر عنه غائب».

................................  مخصوصة باعتبار تعيينه الحقيقة في الذهن وشياعه باعتبار أن لكل شخص من أشخاص نوعه قسطا من تلك الحقيقة في الخارج».
انتهى 1. وقد أشار ابن الحاجب إلى اقتباس هذا المعنى من كلام سيبويه كما أشار إليه المصنف، فقال بعد أن استشكل دخول العلم الجنس في هذا العلم 2: «وأجيب عن ذلك بأجوبة، والجواب المرضيّ منها أن يقال: إن العرب وضعت هذه الألفاظ وعاملتها معاملة الأعلام 3 في منع الصرف فيما اجتمع فيه مع العلميّة [1/ 204] علّة أخرى ومنع الألف واللام والإضافة 4 فلا بد من التخيل في جعلها أعلاما.
قال سيبويه كلاما معناه: أنّ هذه الألفاظ موضوعة للحقائق المعقولة المتّحدة في الذهن.
ومثله في المعهود بالذهن بينك وبين مخاطبك، وإذا صحّ أن يضع اسما بالألف واللام للمعهود الذهنيّ فلا بعد أن يضع العلم له.
وإذا تحقق أنه لمعهود في الذهن فإذا أطلقوه على الواحد في الوجود فإنما أرادوا به الحقيقة المعقولة في الذهن.
وصحّ إطلاقه على الواحد لوجود الحقيقة فيه، وجاء التعدّد باعتبار الوجود لا باعتبار موضوعه.
والفرق بين قولك أسد وأسامة أنّ أسدا موضوع لواحد من آحاد الجنس في أصل وضعه، وأسامة موضوع للحقيقة المتحدة في الذّهن، فإذا أطلقت أسدا على واحد أطلقته على أصل وضعه، وإذا أطلقت أسامة على الواحد فإنّما أردت الحقيقة ولزم من إطلاقه على الحقيقة باعتبار الوجود التعدّد، فجاء التعدد ضمنا لا مقصودا باعتبار أصل الوضع» انتهى كلام ابن الحاجب 5. وتبعه ابن عمرون فقال: «وكون أسامة واقعا على كلّ أسد إنّما كان لأن التّعريف قيد للحقيقة، وهي موجودة فيه وقريب من هذا: يا رجل إذا أردت واحدا معيّنا، فأيّ رجل أقبلت عليه وناديته كان معرفة لوجود القصد إليه، وكذا أسامة أي أسد رأيته، فإنّك تريد هذه الحقيقة المعروفة بكذا.
-

جارٍ التحميل