[حذف الشرط أو الجواب أو هما معا]
قال ابن مالك: (ويحذف الجواب كثيرا لقرينة، وكذا الشّرط، ويحذفان بعد إن في الضّرورة، وقد يسدّ مسدّ الجواب خبر ما قبل الشّرط).
وإن قمت، واضرب زيدا وإن أحسن إليك، إنما هي للعطف لكنها لعطف حال على حال محذوف يتضمنها الكلام السابق تقديره: أقوم على كل حال وإن قمت، واضرب زيدا على كل حال وإن أحسن إليك أي: وفي هذه الحال» انتهى.
وهذا الذي قاله الشيخ هو الظاهر، بل هو الحق ولا يجوز العدول عنه، ولك أن تقدر الحال المحذوفة في نحو: اضرب زيدا وإن أحسن إليك غير ذلك فيكون التقدير:
اضرب زيدا إن أساء إليك وإن أحسن إليك، ولا شك أن الضرب لزيد مع إحسانه فيه منافاة بخلاف الضرب له مع إساءته، فإذا أثبت حكم مع ما ينافيه كان إثباته مع ما يناسبه أولى وأحرى، والمعنى يرجع إلى: اضرب زيدا على كل حال، لكن في التقدير الذي ذكرنا من المبالغة في طلب الضرب مثلا ما ليس في هذا التقدير.
وإنما ساغ وقوع الجملة المصدرة بأداة الشرط حالا في الأمثلة التي ذكرناها لما تقدم ذكره في باب «الحال».
لم يشرح الإمام بدر الدين من هذا الموضع إلى قوله «خلافا لبعضهم» قال الشيخ 1: «وذلك نحو سبعة سطور من أصل كتابي، بل وجد بياض معدّ لأن يشرح» انتهى.
قال ناظر الجيش: وأنا أذكر كلام المصنف في شرح الكافية أولا، ثم أذكر كلام الشيخ ثانيا.
قال المصنف 2 رحمه الله تعالى: والاستغناء عن جواب الشرط للعلم به كثير ومنه قوله تعالى: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ 3 وقوله تعالى: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ -
................................
بِآيَةٍ 1، والاستغناء عن الشرط وحده أقل من الاستغناء عن الجواب، ومنه قول الشاعر:
4042 - فطلّقها فلست لها بكفء... وإن لّا يعل مفرقك الحسام 2
أراد: وإن لا تطلقها يعل مفرقك الحسام، ومنه قول الآخر:
4043 - متى تؤخذ واقسرا بظنة عامر... ولا ينج إلّا في الصّفاد يزيد 3
أراد: متى تثقفوا تؤخذوا، ومثال حذف الشرط والجزاء معا قول الراجز:
4044 - قالت بنات العمّ يا سلمى وإن... كان فقيرا معدما قالت وإن 4
أي: قالت: وإن كان فقيرا معدما هويته ورضيته، وقال السيرافي: يقول القائل:
لا آتي الأمير لأنه جائر فيقال: ائته وإن، ويراد بذلك: وإن كان جائرا فأته.
وهذا - أعني حذف الجزأين معا - لا يجوز مع غير «إن» وهو مما يدل على أصالتها في باب المجازاة.
ثم قال: وقد يغني عن جواب الشرط خبر ذي خبر متقدم على أداة الشرط، أو خبر مبتدأ مقدر بعد الشرط؛ فالأول كقول الله تعالى: وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ 5 قال الشاعر:
4045 - وإنّي متى أشرف من الجانب الّذي... به أنت من بين الجوانب ناظر 6
وكقول الآخر: -
................................
4046 - هذا سراقه للقرآن يدرسه... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب 1
والثاني: مثل قول الشاعر:
4047 - بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها... بني ثعل من ينكع العنز ظالم 2
انتهى.
وذكر الشيخ الآيتين الشريفتين 3 وقال 4: «تقدير الجواب في الآية الأولى - والله أعلم - تطيرتم، وتقديره في الآية الثانية: فافعل، قال: وجعل من ذلك بعض أصحابنا قول الشاعر:
4048 - أقيموا بني النّعمان عنّا صدوركم... وإن لّا تقيموا صاغرين الرّؤسا 5
وقدره: وإن لا تقيموا مختارين تقيموا صاغرين الرؤوس [قال] فقوله: لا تقيموا هو فعل الشرط وحذف «مختارين» لدلالة «صاغرين» عليه، وحذف «تقيموا» الذي هو جواب «إن لا تقيموا» لدلالة «إن لا تقيموا» عليه، فحذف من الأول الحال ومن الثاني فعل الجواب، قال الشيخ 6: ولا يتعين هذا التخريج إذ يحتمل أن يكون فعل الشرط محذوفا بعد الأداة وحرف النفي، وكون «تقيموا» الثانية هي - - قوله «ناظر» خبر «وإني» في أول البيت وقد أغني عن جواب الشرط.
والبيت في الكتاب (3/ 68)، والمقتضب (2/ 69) وشرح الكافية للرضي (2/ 257) والتذييل (6/ 875).
................................
جواب الشرط، فيكون حذف منه فعل الشرط 1» انتهى.
والذي قاله هو الظاهر وما كنت أفهم من هذا البيت قبل غير ذلك، ومن حذف الشرط قول الآخر:
4049 - فإمّا أن تكون أخي بحقّ... فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاطّرحني واتّخذني... عدوّا أتّقيك وتتّقيني 2
التقدير: وإن لا تكن كذلك فاطرحني 3.
وزعم ابن عصفور 4 والأبّذيّ 5 أنه لا يجوز حذف فعل الشرط في الكلام إلا بشرط تعويض «لا» من الفعل المحذوف تقول: اضرب زيدا إن أساء وإلا فلا تضربه، قال الشيخ 6: وليس ذلك بشئ لأن «لا» هي نافية وليست عوضا من الفعل، ولو كانت عوضا لما جاز الجمع بينهما، وأنت يجوز لك أن تقول: وإن لا يسئ فلا تضربه.
انتهى.
والعجب من هذين الرجلين الكبيرين، كيف يزعمان أن «لا» عوض مع أن الشرط ليس الفعل المثبت، بل الشرط إنما هو الفعل المنفى، فأداة الشرط إنما هي طالبة في مثل هذا التركيب للفعل المنفي لا للفعل المثبت، ثم إن الفعل حذف وبقيت «لا» لتدل على أن المشروط إنما هو النفي لا الإثبات، وإذا كان كذلك فكيف يقال: إن «لا» عوض من الفعل؟ لأن لازم هذه الدعوى أن «لا» إنما أتي بها بعد أن حذف الفعل، ويلزم منه أن أداة الشرط مباشرة للفعل دون «لا»
وليس الأمر كذلك.
-
................................
ثم إنك عرفت من البيت الذي أنشده المصنف في شرح [5/ 164] والكافية وهو قول القائل:
4050 - متى تؤخذوا قسرا بظنّة عامر
أن حذف أحد الجزأين ليس مختصّا بكون أداة الشرط «إن» لورود حذف فعل الشرط مع «متى» ولكن قال الشيخ 1: «ولا أحفظ لفعل الشرط ولا الجزاء جاء بعد غير إن، إلا أن المصنف أنشد بيتا في شرح الكافية زعم أنه حذف فيه فعل الشرط بعد متى وهو قوله:
متى تؤخذوا قسرا... البيت» انتهى.
وأما حذف فعلي الشرط والجزاء معا فقد عرفت من كلام المصنف في شرح الكافية أن حذفهما معا لا يجوز مع غير «إن» وقيّد ذلك في التسهيل «بالضّرورة» أيضا، وفي شرح الشيخ 2 أن بعضهم يجيز ذلك في الكلام دون ضرورة.
وأما قول المصنف «وقد يسدّ مسدّ الجواب خبر ما قبل الشّرط» فقد تقدم من كلام المصنف في شرح الكافية ما
يغني عن ذكر ذلك هنا، غير أن في قوله «وقد يسدّ مسدّ الجواب خبر ما قبل الشّرط» وذلك كقوله وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ 3 فيه بحث وهو أن يقال: مقتضى كلامه أن لَمُهْتَدُونَ الذي هو الخبر هو الذي سد مسدّ الجواب، ولا شك أن الذي سد مسدّ الجواب إنما هو الجملة بتمامها لأن الفائدة إنما تتم بذكرها، والحق أن الذي سد مسدّ الجواب إنما هو وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ والجملة السادة متقدمة على الشرط، ثم بعد تقديمها اعترض بجملة الشرط بين المبتدأ والخبر.
ونظير الحذف في قول القائل:
4051 - وإنّي متى أشرف من الجانب الّذي... به أنت من بين الجوانب ناظر 4
قول القطامي 5: -
[حكم اجتماع الشرط والقسم وحديث طويل في ذلك]
قال ابن مالك: (وإن توالى شرطان، أو قسم وشرط، استغني بجواب سابقهما، وربّما استغني بجواب الشّرط عن جواب قسم سابق، ويتعيّن ذلك إن تقدّمهما ذو خبر، أو كان حرف الشّرط لو أو لولا).
4052 - والنّاس من يلق خيرا قائلون له... ما يشتهي ويلام المخطئ الخبل 1
قال ناظر الجيش: من المعلوم أن الشرط يحتاج إلى جواب، وأن القسم يحتاج إلى جواب، فإذا اجتمع شرطان في كلام وولي أحدهما الآخر، أو قسم وشرط كذلك اقتصر على جواب واحد ولم يذكر جواب الآخر، ومن ثمّ قال المصنف:
«استغني بجواب سابقهما» بعد قوله «وإن توالى شرطان أو قسم وشرط».
ولنفصل القول في كل من القسمين: أما توالي القسم والشرط فقد تقدّم الكلام عليه مشبعا في باب «القسم»، ولكن الناظر قد لا يتيسر له مراجعة ذلك الباب فوجب أن نشير إلى شيء من ذلك الآن مقتصرين على ما ذكره في شرح الكافية قال 2 رحمه الله تعالى: «إذا اجتمع في كلام واحد شرط وقسم استغني بجواب أحدهما عن جواب الآخر، وكان الشرط حقيقا بأن يستغنى بجوابه مطلقا لأن تقدير سقوطه يخل بمعنى الجملة التي هو منها، وتقدير سقوط القسم غير مخل لأنه مسوق لمجرد التوكيد والاستغناء عن التوكيد سائغ، ففضّل الشرط بلزوم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدّم عليه وعلى القسم ذو خبر نحو: الفتى والله إن يقصد يبرّ، وإن لم يتقدم ذو خبر وأخّر القسم وجب الاستغناء عن جوابه بجواب الشرط [وإن أخّر الشرط] استغني في أكثر الكلام عن جوابه بجواب القسم كقوله تعالى:
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ 3، ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره، ومن شواهد ذلك قول الأعشى: -
................................ 4053 - لئن منيت بنا عن غبّ معركة... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل 1 ومنها قول الفرزدق: 4054 - لئن بلّ لي أرضي بلال بدفقة... من الغيث في يمنى يديه انسكابها 2 أكن كالّذي صاب الحيا أرضه الّتي... سقاها وقد كانت جديبا جنابها ومنها قول ذي الرمة: 4055 - لئن كانت الدّنيا عليّ كما أرى... تباريح من ميّ فللموت أروح 3 ومنها قول ذي الرمة أيضا: 4056 - لئن قطع اليأس الحنين فإنّه... رقوء لتذراف الدّموع السّوافك 4 ومنها قول الآخر 5 أنشده الفراء 6: -
................................
4057 - لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا... أصم في نهار القيظ للشّمس باديا
وأركب حمارا بين سرج وفروة... وأعر من الخاتام صغرى شماليا 1
فثبتت المزية للشرط من ثلاثة أوجه:
أحدها: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدم ذي خبر.
والثاني: لزوم الاستغناء بجوابه عند تقدمه وعند تقدم ذي خبر.
والثالث: جواز الاستغناء بجوابه عند تأخره وعدم تقدم ذي خبر.
قال 2: ثم قلت - يعني في النظم:
وبجواب لو ولولا استغنيا... حتما إذا ما تلوا أو تنليا
فنبهت بذلك على قول الشاعر:
4058 - فأقسم لو أبدى النّديّ سواده... لما مسحت تلك المسالات عامر 3
المسالات: جمع مسالة وهي: جانب اللحية، وعلى نحو قول الآخر:
- والله لولا الله ما اهتدينا... ولا تصدّقنا ولا صلّينا 4
انتهى.
وقد تقدم في باب «القسم» مباحث تتعلق بما ذكرناه، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع الباب 5. -
................................
وأما توالي الشرطين فقد قال المصنف: إنه يستغنى بجواب سابقهما كما رأيت، ومقتضى هذا أن الشرط الثاني له جواب مقدر، لكن كلامه في شرح الكافية يقتضي أن الثاني لا جواب له لأنه قال 1: «إذا توالى شرطان دون عطف فالثاني مقيد للأول كتقييده بحاله واقعة موقعه، والجواب المذكور أو المدلول عليه للأول والثاني مستغن عن جواب لقيامه مقام ما لا جواب له وهو الحال مثال ذلك قول الشاعر:
4059 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم 2
فهذا بمنزلة أن تقول: إن تستغيثوا بنا مذعورين تجدوا [منا] معاقل عز، فالشرط الأول هو صاحب الجواب، والثاني مفيد ما يفيده الحال من التقييد، ومن هذا النوع قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ 3 فـ «لا ينفعكم» دليل على الجواب المحذوف، وصاحب الجواب أول الشرطين والثاني مقيد له مستغن [5/ 165] عن جواب والتقدير: إن أردت أن أنصح لكم مرادا غيّكم لا ينفعكم نصحي.
فإن توالى شرطان بعطف فالجواب لهما معا كقولك: إن تؤمّا وتلمّا تكرما، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (36) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ 4 انتهى.
فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي قاله في شرح الكافية وبين قوله في التسهيل «استغني بجواب سابقهما» لأن الاستغناء بجواب السابق قد يكون لدلالة الكلام على الحذف من المسبوق وقد يكون لعدم الاحتياج إليه قبل هذا الذي ذكر، محتمل لكن يدفعه أنه قرن بتوالي الشرطين توالي القسم والشرط ثم قال بعد ذكرهما: إنه يستغنى بجواب السابق، ولا شك أن القسم وإن تأخّر لا بد له من تقدير جواب -
................................
فليكن المقرون معه في الذكر وهو الشرط كذلك.
وأما قوله «فإن توالي شرطان بعطف فالجواب لهما معا» واستشهاده بالآية الشريفة فكلام عجيب لأن الآية الشريفة لم يتوال فيها شرطان وليس إلا شرط واحد، وإنما عطف على الفعل الذي هو شرط فعل آخر، على أن الشيخ ذكر نقلا عن المصنف وأقره وقال 1: «وقد أطلق المصنف في العطف وفيه تفصيل، لأن العطف إن كان بـ «أو» نحو: إن جاء زيد أو جاءتك هند فأكرمها أو فأكرمه فالجواب لا يكون لهما معا بل لأحدهما، وكذلك إذا كان بالفاء ذكروا ونصوا على أن الشرط إذا كان بالفاء بعد شرط سابق فإنه جواب ذلك الشرط السابق فعلى هذا لا يكون الجواب للشرطين معا إذا كان الحرف «الفاء» بل الجواب للثاني، والثاني المصحوب بـ «الفاء» وجوابه للأول» انتهى.
والذي ذكره الشيخ غير الذي ذكره المصنف، فإن الشيخ أتى في تمثيله بشرطين صريحين كل منهما مقرون بأداة وأما ما ذكره من الحكم إذا كان العطف بـ «أو» أو بـ «الفاء» فإنه أمر معلوم لا يرتاب فيه فيحتاج معه إلى تنبيه، وعلى هذا لا يكون الجواب لهما معا إلا إذا ذكرت أداة الشرط مع المعطوف.
وإذا [قد] عرف هذا فاعلم أنني أورد كلام ابن عصفور على توالي الشرطين أولا ثم كلام الشيخ ثانيا، ثم أتبع ذلك بما سنقف عليه إن شاء الله تعالى.
قال ابن عصفور 2: «اجتماع الشرطين فصاعدا بمنزلة اجتماع القسم والشرط في أنك تبني الجواب على المتقدم وتجعل جواب الذي يليه محذوفا لدلالة الشرط المتقدم وجوابه عليه ولا بد إذا ذاك من أن يكون فعل الشرط المتأخر ماضيا لأنه محذوف الجواب فتقول: من أجابني إن دعوته أحسنت إليه، فيكون «أحسنت» جواب «من»، وجواب «إن» يغني عنه «من» وجوابها التقدير: من أجابني أحسنت إليه إن دعوته، فقولك: من أجابني أحسنت إليه هو جواب «إن» حتى كأنك قلت: إن دعوت فمن أجابني أحسنت إليه، فإذا وقع منه الدعاء أولا لشخص
وأجابه ذلك الشخص بعد دعائه إيّاه وجب عليه الإحسان له لأن جواب -
................................
الشرط في التقدير بعد الشرط، وعلى هذا الذي ذكرته تجري الشروط وإن كثرت، فإذا قال الرجل: إن أعطيتك إن وعدتّك إن سألتني فعبدي حرّ فليس يعتق العبد إلا إن بدأ بآخر الشروط، فيكون مبدأ فعله، ويكون أول الشرط آخر فعله، فإن سأله ثم وعده ثم أعطاه لزمه العتق، وإن وقعت الشروط على غير هذا الترتيب لم يلزم العتق، وذلك أنه قد تقدم على الجواب ثلاثة شروط فيجعل الجواب للشرط الأول، وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة الشرط المتقدم وجواب عليه، وإذا كان دالّا عليه فهو الجواب في المعنى، وجوابه الشرط الثالث محذوف لدلالة الشرط الثاني وجوابه عليه، وإذا كان دالّا عليه ومغنيا عنه فهو جواب في المعنى، ولما كان جواب كل شرط بعده وإن تقدم عليه جرى في المعنى على أن يتأخر بعده حتى كأنه قال: إن سألتني فإن وعدتّك فإن أعطيتك فعبدي حرّ، قال الفراء 1: سألت عن هذه المسألة عدة من الفقهاء فقال بعضهم: كما قدمنا آنفا، وقال بعضهم: إذا وقع فعل الشرط الأول ثم فعل الثاني ثم فعل الثالث لزم العتق، وقال بعضهم: أيّا ما فعل قدّم أو أخّر لزم العتق» انتهى.
ثم إنه صحح المذهب الأول وأفسد المذهبين الآخرين كما سيأتي الكلام على ذلك.
وأما الشيخ فإنه قال 2: «لا اختصاص لقوله: شرطان، بل قد يقع شرطان فصاعدا وهما إذ ذاك بمنزلة اجتماع القسم والشرط في أنك تبني الجواب على المتقدم، وتجعل جواب الذي يليه محذوفا لدلالة الشرط المتقدم وجوابه عليه، ويلزم مضي فعل الشرط المتأخر لأنه قد حذف جوابه، ولا يحذف جواب الشرط في فصيح الكلام حتى يكون فعله ماضيا، قال 3: وإنما قلنا: في فصيح الكلام لأنه جاء بصيغة المضارع وليس مقرونا بلم قال الشاعر:
4060 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم 4
ثم ذكر ما ذهب إليه المصنف من أن الشرط الثاني مقيد للأول، فكأنه في البيت قال: إن تستغيثوا بنا مذعورين، قال 5: وكذا إذا قلت: من أجابني إن دعوته -
................................
أحسنت إليه، فـ «أحسنت» جواب من وجواب «إن دعوته» عنده مستغنى عنه بجواب الشرط، وكأنه قال: من أجابني داعيا له أحسنت إليه، أي من أجابني في حال دعائي أحسنت إليه، قال: وغير المصنف يجعله متأخرا في التقدير فكأنه قال:
من أجابني أحسنت إليه إن دعوته، فقولك: من أجابني أحسنت إليه هو جواب «إن» في المعنى حتى كأنك قلت: إن دعوت فمن أجابني أحسنت إليه، فإذا وقع دعاؤه لشخص فأجابه [5/ 166] ذلك الشخص بعد دعائه إياه وجب عليه الإحسان، لأن جواب الشرط في التقدير بعد الشرط وكذلك البيت الذي أنشدناه يكون التقدير:
إن تذعروا فإن تستغيثوا بنا تجدوا منا معاقل عز، فأول الشرط يصير آخرا سواء أكانت مترتبة في الوجود أم غير مترتبة، فمثال المترتبة: إن أعطيتك إن وعدتّك إن سألتني فعبدي حرّ فالسؤال أول ثم الوعد ثم الإعطاء، فمتى وقع في الوجود وجب العتق، وإن وقعت على غير هذا الترتيب لم يجب العتق، ومثال غير المترتبة: إن جاء زيد إن أكل إن ضحك فعبدي حرّ، فضحك زيد أول ثم الأكل ثم مجيئه [و] حكمها كالمسألة الأولى، وذلك أنه قد تقدم على الجواب ثلاثة شروط فيجعل الجواب للشرط الأول، وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، وإذا كان دالّا عليه فهو الجواب في المعنى، وجواب الشرط الثالث محذوف لدلالة الشرط الثاني وجواب عليه، وإذا كان دالّا عليه وأغنى عنه فهو جوابه من حيث المعنى، ولما كان جواب كل شرط بعده وقوعا وإن تقدم عليه لفظا جرى في الواقع على أن يتأخر بعده وحتى كأنه قال: إن سألتني فإن وعدتّك فإن أعطيتك فعبدي حرّ قال: وقد سئل عن هذه المسألة عدّة من الفقهاء فمنهم من ذهب إلى هذا الذي قررناه، ومنهم من جعل الجواب للآخر وجواب الثاني الشرط الثالث وجوابه وجواب الأول الشرط الثاني وجوابه، فإذا وقع الأول ثم الثاني ثم الثالث لزم العتق وكأن الفاء عنده محذوفة، فكأنه قال: إن أعطيتك فإن وعدتّك فإن سألتنى فعبدي حرّ، ولا يلزم على هذا المذهب مضيّ فعل الشرط لأنه غير محذوف الجواب، لأن كل شرط قد ذكر جوابه، قال 1: وردّ هذا المذهب بوجهين:
أحدهما: أن حذف الفاء لا يجوز في الكلام إنما يجوز في الضرورة.
-
................................
والثاني: أن حكمه حكم القسم مع الشرط، فكما أنهما إذا اجتمعا بني الجواب على السابق منهما فكذلك إذا اجتمع الشرطان بجامع ما بينهما من أن الجواب في الموضعين تقدّمه ما يطلبه منهما، فكما بني الجواب على القسم إذا تقدّم الشرط كذلك بني على الشرط إذا تقدم الشرط» انتهى.
وهذان الوجهان اللذان ردّ بهما هذا المذهب هما اللذان رد بهما ابن عصفور، إلا أن الشيخ قال بعد ذلك 1: «الفرق بينهما عندي أن الشرط الثاني يمكن أن يكون جوابا للشرط الأول بخلاف القسم إذا تقدم الشرط فإن الشرط لا يمكن أن يكون جوابا له، فلما لم يمكن أن يكون جوابا له وقوي بالتقدم كان الجواب له وحذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه، غاية ما يبقى على هذا المذهب حذف الفاء، لكن يدفع هذا المذهب أنا نجد شرطين متواليين لا يمكن تقدير الفاء في الثاني، وذلك إذا كان الأول يكون بعد الثاني نحو البيت الذي أنشدناه من قبل:
4061 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا 2
ألا ترى أنه لا يصلح تقدير الفاء هنا.
ومن الفقهاء من ذهب إلى أنه لا يلتفت إلى تقديم فعل منها وتأخيره، بل إذا حصلت الشروط جميعها وقع العتق وكأنه احتمل عنده المذهب الأول والمذهب الثاني، واحتمل أيضا عنده أن يكون أضمر الفاء في الثاني ولم يضمرها في الآخر، واحتمل أيضا عنده أن يضمرها في الثالث ولم يضمرها في الثاني، و [لما] كانت تقادير هذه الاحتمالات وأحكامها متغايرة قال: إذا حصلت هذه الأفعال وقع العتق ولا يقال بالتقديم والتأخير» انتهى.
قال ابن عصفور 3: «صاحب هذا المذهب يرى أن الكلام يحتمل أن يكون على ما ذكرناه أولا من بناء الجواب على الشرط الأول، وعلى ما ذكرناه لصاحب المذهب الآخر من جعل الشرط الثاني جوابا للأول وذلك على إضمار الفاء، ثم -
................................ قال: فلما كان هذا الكلام يحتمل عنده ما ذكر قال: إذا وقعت هذه الأفعال لزم العتق ولا يبالي بأيّها قدّم أو أخرّ» انتهى. ثم قال الشيخ 1: «والصحيح المذهب الأول وبه ورد السماع وعليه البيت الذي أنشدناه، وعليه عمل فصحاء المولدين قال أبو بكر بن دريد: 4062 - فإن عثرت بعدها إن وألت... نفسي من هاتا فقولا لالعا 2 ألا ترى أنه جعل الجواب للشرط الأول وهو متقدم لفظا متأخر معنى، والشرط الثاني متأخر لفظا متقدم في المعنى فكأنه قال: إن نجوت من هذه فإن عثرت بعدها فقولا: لالعا. ثم قال 3: - أعني الشيخ -: «وثبت بعد قول المصنف: استغنى بجواب سابقهما، في نسخة عليها [خطه] ما نصه: وثاني الشرطين لفظا أولهما معنى في نحو: إن تتب إن تذنب ترحم 4، قال (5): وقد تقدم لنا ذكر الأقاويل الثلاثة في اجتماع الشروط، فإن المختار أن الآخر هو الأول في الوقوع، وأنه لا فرق بين أن تكون مترتبة في الوجود أو لا تكون مترتبة، وكان المصنف ذهب إلى تفصيل فذكر أنه ما كان منها مترتبا في الوجود فوقع في النطق على غير الترتيب الوجودي فإن المراعي في الجواب إنما هو على الترتيب الوجودي لا على الترتيب المنطقي، فيكون: ترحم جواب: إن تتب وإن تذنب جوابه محذوف يدل عليه جواب: إن تتب، قال 5: وذهل 6 عن القاعدة التي قررها وهي: أنه متى كان الجواب محذوفا لم يكن فعل الشرط غير ماض، فأني بصيغة: إن تذنب وليس بلفظ المضيّ، قال: وغرّه في ذلك الوقوف مع ظاهر قوله: 4063 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا 7
................................
فإن صيغة «تذعروا» مضارعة، وقد ذكرنا أن هذا إنما جاء في الشعر، قال:
وأفهم كلامه في هذه المسألة [أنه] إذا لم [5/ 167] يكن الشرطان مترتبين فإن كل واحد يقع معنى حيث يقع نطقا نحو: إن أكلت إن ضحكت فأنت حرّ فيكون: إن أكلت أولا لفظا ومعنى، وإن ضحكت ثانيا لفظا ومعنى» انتهى.
وفي قوله مشيرا إلى المصنف: وغرّه في ذلك الوقوف مع ظاهر قوله:
4064 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا
نظر لأن المصنف لا يرى [أن] «إن تذعروا» له جواب وذلك أنه يجعله حالا مقيدة لقوله: «إن تستغيثوا» كما تقدم تقرير ذلك عنه، وإذا لم يكن له جواب فلا حذف حينئذ، وإذا لم يكن حذف لم يتعيّن كون فعل الشرط ماضيا.
ثم قال الشيخ 1: «وأما قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ 2 فهذان شرطان متواليان قد حذف جواباتهما على مذهب جمهور البصريين، وقوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي ينبغي أن يجعل دليل جواب الأول، ويكون جواب الثاني محذوفا لدلالة الشرط وجوابه المحذوف عليه، فيكون محذوف دلّ على محذوف ويصير نظير قولك: أزيد أخاه تضربه، إذ التقدير: أتهين زيدا تضرب أخاه تضربه، فـ «تضرب» الناصب «أخاه» محذوف دلّ على «أتهين» الناصب زيدا فيكون محذوف قد دلّ على محذوف، ودلّ على المحذوف الأول لفظ وهو في الشرط: ولا ينفعكم نصحي، وفي مسألة الاشتغال قولك: تضربه، وهذا على مذهب من أجاز: أزيدا أخاه تضربه، وفي جوازها خلاف، ويكون المعنى في الشرط: إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، وقدره المصنف على عادته بالحال فقال 3:
التقدير: إن أردت [أن] أنصح مريدا الله غيّكم لا ينفعكم نصحي» انتهى.
ولقائل أن يقول: إذا كان قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي دليل جواب «إن أردت أن أنصح لكم» وكان هذا الشرط مع دليل جوابه دليل جواب «إن كان الله يريد أن يغويكم» كان كل من الشرطين كأن جوابه مذكور لقيام الدليل مقام المدلول -
................................
وكيف لا وهذا الذي جعله البصريون دليل الجواب هو نفس الجواب ضد الكوفيين ومن وافقهم من البصريين؟ وإذا كان الأمر كذلك كان كل من الشرطين في حكم مذكور الجواب لذكر ما هو دليل عليه، فيكون كل منهما كأنه قد ذكر جوابه، وتقدير الجواب محذوفا لم يكن للاحتياج إليه للاستغناء عنه بذكر ما دلّ عليه قبل الشرط، بل إنما هو من أجل الصناعة النحوية، لأنه قد تقرر أن الشرط لا بد له من جواب، وأن الجواب شأنه أن يذكر بعد الشرط، وإذا كان كذلك لم تكن الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ 1 من قبيل ما نحن فيه، لأن الكلام الآن إنما هو في كلام توالى فيه شرطان وليس معهما مذكور إلا جواب واحد، وأن الاستغناء يحصل بذلك الجواب عن جواب الآخر ولا شك أن [الأمر في] الآية الشريفة ليس كذلك.
وبعد فمسألة اعتراض الشرط على الشرط مهمة ومحتاج إليها في مسائل فقهية فلنذكرها الآن والمذاهب فيهما من رأس فنقول:
نقل عن بعض النحاة منع هذا التركيب - أعني أن يعترض شرط على شرط - لكن الجمهور مطبقون على صحته، ولا شك في وروده في كلام العرب فيجب الاعتراض به، وقد عرفت أن مذهب النحاة أن الجواب يكون للشرط الأول وأن جواب الشرط الثاني محذوف لدلالة الشرط الأول وجوابه عليه، وكذا جواب الشرط الثالث محذوف لدلالة الشرط الثاني وجوابه عليه، فإذا كان الشرط الأول وجوابه دالّا على جواب الشرط الثاني، والشرط الثاني وجوابه دالّا على جواب الشرط الثالث كان كل منهما جوابا من حيث المعنى لأنه قد دل على الجواب وأغنى عنه فكأنه هو في المعنى، واستدل على أن الشرط وجوابه يدلان على جواب الشرط بقوله تعالى: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 2 لأن التقدير: إن كنتم مسلمين فإن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا، فحذف الجواب لدلالة ما تقدم عليه، ولا شك أنه إذا كان الأمر كذلك يلزم فيما علّق على شرط اعترض عليه شرط آخر أن يكون الشرط الثاني يقع في الوجود قبل الشرط الأول، لأن الأول قد تقرر فيه أنه قائم مقام الجواب، والجواب لا بد من تأخره عن الشرط لأنه مسبب -
................................
عنه، فالقائم مقامه حكمه حكمه، كيف والكوفيون ومن وافقهم من البصريين يدّعون أن المتقدم نفسه هو الجواب كما عرفت.
فإذا قال القائل: إن أعطيتك إن وعدّتك إن سألتني فعبدي حرّ، فلا يحصل العتق في هذه الصورة إلا بوقوع السؤال أولا ثم وقوع الوعد ثانيا ثم وقوع الإعطاء ثالثا، لأن التقدير: إن سألتني فإن وعدتك فإن أعطيتك فعبدي حر، وإذا تقرر أن الجواب للشرط الأول تعيّن أن يكون فعل الشرط في الثاني وكذا الثالث إن كان الثالث ماضيا لأن الجواب قد حذف منه أو منهما، وإذا كان الجواب محذوفا تعيّن مضىّ فعل الشرط على ما هو متقرر عند النحاة، نعم يجوز أن يرد في الشعر غير ماض لأنه محلّ ضرورة، ومنه قول الشاعر:
4065 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا... منّا معاقل عزّ زانها كرم 1
لكن قد عرفت أن المصنف لم يجعل هذا البيت ضرورة لأن الشرط الثاني لا جواب له عنده وإنما هو مقيد للأول كما يكون مقيدا بحال واقعة موقعه والتقدير:
إن تستغيثوا بنا مذعورين، وعلى هذا إذا قيل: إن لبست إن ركبت فأنت حرّ كان معناه: إن لبست راكبا فأنت حر، قال بعض الفضلاء: «فهو - يعني المصنف - موافق للجمهور في اشتراط تأخير المقدم وتقدم المؤخر، لكن تخريجه يخالف تخريجهم» انتهى.
وما قاله من أن المصنف [5/ 168] موافق الجمهور في اشتراط تأخير المقدم وتقديم المؤخر، قد ينازع فيه فإن الركوب في قولنا: إن لبست إن ركبت، لو قارن اللبس وذلك بأن يقعا معا حصل مقصود المصنف، نعم المصنف لا يمنع تقديم المتأخر، أما أن يوجبه كما توجبه الجماعة فلا.
وإذا تقرر أن الشرط المذكور ثانيا هو في الوقوع أول، والمذكور أولا هو في الوقوع ثان، بطل أن يقال: إن توضأت إن صليت أتيت، لأن الوضوء لا يتسبب عن الصلاة، وصح أن يقال: إن صليت إن توضأت أتيت لأن الصلاة تتسبب عن الوضوء.
ثم إنك قد عرفت ما ذكره ابن عصفور عن الفراء السادة الفقهاء من المذهبين -
................................
الآخرين في هذه المسألة، وأن منهم من جعل الجواب للآخر، وجواب الثاني الشرط الثالث وجواب الأول الشرط الثاني وجوابه، فاذا وقع الأول ثم الثاني ثم الثالث لزم المعلّق على الشرط، ففي قولنا: إن أعطيتك إن وعدتّك إن سألتني فأنت حرّ، إنما يحصل العتق إذا وقع الأول ثم الثاني ثم الثالث، وأن منهم من لم يعتبر تقديما ولا تأخيرا بل يقول: إذا حصلت الشروط جميعها على أي وجه حصلت وقع العتق، وقد طعن في هذين المذهبين:
أما الأول منهما [فقد] تقدمت الإشارة إلى فساده بالوجهين اللذين ذكرهما الشيخ وقلنا: إنهما لابن عصفور، ومما يدل على بطلانه أيضا قول الشاعر:
4066 - إن تستغيثوا بنا إن تذعروا..... 1
وذلك أن الواقع أولا إنما هو «الذعر» ثم تنشأ الاستغاثة عنه.
وأما الثاني: فبطلانه ظاهر، لأن القائل به إن جعل الجواب للشرطين إن تقدم شرطان أو للشرط إن تقدم أكثر من شرطين فلا يكون جواب واحد لشيئين، وإن جعل لغير الشرط الأول فقد تبين بطلانه بما ذكر ردّا على المذهب الثاني، وإن جعل للشرط الأول فقد وافق قوله حينئذ قول الجمهور ولكنه لا يقول به.
ثم إذا علم أن اعتراض الشرط على الشرط إنما يتحقق إذا توالي في الكلام شرطان أو أكثر، وكان المذكور بعد جوابا واحدا نحو: إن أعطيتك إن وعدتّك إن سألتني فعبدي حرّ علم أن الشرط إذا وليه جوابه ثم ذكر شرط آخر نحو قوله تعالى:
وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 2 لا يكون ذلك من اعتراض الشرط على الشرط، وكذا لا يكون منه أيضا ما إذا كان الشرط الثاني مقرونا بـ «الفاء» نحو: إن راعاك زيد فإن أقبل عليك فأقبل عليه، إذ الشرط الثاني وجوابه جواب الشرط الأول، وكذا لا يكون منه أيضا ما إذا كان كل من جوابي الشرطين محذوفا مدلولا عليه بما هو متقدم على الشرط كقوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ 3 فقد تقدم أن قوله تعالى: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي دليل جواب «إن أردت أن أنصح لكم»، وأن -
................................
هذا الشرط مع دليل جوابه دليل جواب «إن كان الله يريد أن يغويكم» والتقدير: إن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم، فإن أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي، فكل من الشرطين في حكم مذكور الجواب لذكر ما هو دليل عليه، ونظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها 1 لاشتماله على شرطين ذكر دليل جواب كل منهما مقدما عليه فليس في شيء من هذه الصور الثلاث اعتراض شرط على شرط.
وبقيت صورة اضطرب الكلام فيها وهي: ما إذا اجتمع «أما» وأداة الشرط كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ 2، فأما المصنف فإنه جعل ذلك من قبيل [دخول] شرط على شرط فقال 3: «وقد يلي أمّا «إن» فيغني جواب «أمّا» عن جوابها كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ قال: وقد تقدم 4 أن الجواب لأول الشرطين المتواليين، فإذا كان أول الشرطين «أما» كانت أحق بذلك من وجهين:
أحدهما: أن جوابها إذا انفردت لا يحذف أصلا، وجواب غيرها إذا انفرد يحذف كثيرا لدليل، وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد حذفه الثاني: أن «أما» قد التزم معها حذف فعل الشرط وقامت هي مقامه، فلو حذف جوابها لكان ذلك إجحافا و «إن» ليست كذلك» هذا كلامه رحمه الله في شرح الكافية، وكلامه في التسهيل موافق لذلك فإنه لما ذكر «أمّا» قال 5: «ولا يليها فعل بل معموله أو «أو» إلى أن قال: أو أداة شرط يغنى عن جوابها جواب أمّا»، وقال الشيخ 6 في شرح هذا: «هذه المسألة فيها خلاف والصحيح أن أداة الشرط جوابها محذوف لدلالة جواب «أمّا» عليه، قال: ولذلك لزم أن يكون فعل الشرط ماضيا، ثم قال: وسبب ذلك أن ما يلي «أمّا» مقدم من تأخير وكان حقه أن يكون بعد «الفاء» فصار اجتماع «أما» والشرط كاجتماع الشرطين، وكاجتماع -
................................
القسم المتقدم مع الشرط، فيحذف إذ ذاك جواب الشرط الثاني، قال 1:
والتقدير: مهما يكن من شيء فروح وريحان إن كان من المقربين، فـ «الفاء» في جواب الشرط الذي تقدم، وجواب «إن» محذوف، قال (2): وهذا مذهب سيبويه 2، قال: وزعم الأخفش 3 أن «فروح» و «فسلام» و «فنزل» جواب لـ «أمّا» والشرط معا فالأصل عنده: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، ثم أنيبت «أمّا» مناب «مهما» والفعل الذي بعدها فصار: فأمّا إن كان من المقربين فروح، ثم قدمت «إن» والفعل الذي بعدها [5/ 169] فصار: فأما إن كان من المقربين ففروح التقت الفاءان فأغنت إحداهما عن الأخرى فصار: فروح، قال: وهذه تقادير عجيبة ومع ذلك هي باطلة» انتهى.
وقد أخرج بعض الفضلاء هذه المسألة من اعتراض على الشرط فقال: «وليس من اعتراض الشرط على الشرط أن يقترن الثاني منها بـ «الفاء» تقديرا، كما أنه ليس منه إذا اقترن بـ «الفاء» لفظا، قال: وذلك نحو قوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ 4 قال: لأن الأصل: مهما يكن من شيء فإن كان المتوفى من المقربين فجزاؤه روح، فحذفت «مهما» وجملة شرطها وأنيب عنها «أمّا» فصار: فأما فإن كان ففروا من ذلك لوجهين:
أحدهما: أن الجواب لا يلي أداة الشرط بغير فاصل.
والثاني: أن «الفاء» في الأصل للعطف فحقها أن تقع بين شيئين وهما المتعاطفان، فلما أخرجوها في باب الشرط عن الشرط حفظوا عليها المعنى [الأصلي] وهو التوسط، فوجب أن يقدم ما في حيزها عليها فقدمت جملة الشرط الثاني لأنها كالجزء الواحد، كما قدم المفعول في قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ 5 فصار: فأما إن كان من المقربين ففروح، فحذفت «الفاء» التي هي جواب «إن» لئلا يلتقي فاءان، قال: فتلخص أن جواب «أما» ليس محذوفا بل مقدما بعضه -
[الأوجه الجائزة في المضارع المعطوف على الشرط]
قال ابن مالك: (وإن توسّط بين الشّرط والجزاء مضارع جائز الحذف غير صفة أبدل من الشّرط إن وافقه معنى وإلّا رفع وكان في موضع الحال). على «الفاء» فلا اعتراض» انتهى. ولقائل أن يقول: لا شك أن «أما» ليست حرف شرط في الأصل وإنما هي حرف تفصيل وقد تضمن معنى الشرط كما في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ 1 وقد لا تضمن وذلك إذا اقترنت بها أداة شرط كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ 2 فيقال: استغنى عن تضمينها معنى الشرط بذكر الشرط معها وخلصت هي للتفصيل الذي هو معناها الأصلي، وعلى هذا فتخرج المسألة من هذا الباب. وأما قول المصنف: «ويتعيّن ذلك - يعني الاستغناء بجواب الشرط عن جواب القسم السابق - إن تقدّمهما ذو خبر» فقد تقدم آنفا ما نقلناه عنه من شرح الكافية، وتقدم الكلام [عليه] في باب «القسم» أيضا. وأما قوله «أو كان حرف الشّرط لو أو لولا» فقد أشبع فيه الكلام في باب «القسم» أيضا فليراجع فإنه مشتمل على بحث حسن. قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 3 بعد كلامه على الفعل المتوسط بين الشرط والجزاء المقترن بـ «فاء» أو «واو»: «فإن خلا الفعل المتوسط بين الشرط والجزاء من الفاء والواو جزم وجعل بدلا من الشرط أو رفع وكان في موضع نصب على الحال، فمثال المجزوم المجعول بدلا قول الشاعر: 4067 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا 4
................................
ومثال المرفوع المقدر في موضع الحال قول الآخر:
4068 - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره... تجد خير نار عندها خير موقد 1
انتهى.
لكنه [هنا] قيّد الفعل - أعني المضارع المتوسط بين الشرط والجزاء الصالح للبدلية أو الحال تقيدين وهما: أن يكون جائز الحذف، وأن يكون غير صفة، واحترز بالقيد الأول من أن يكون ذلك الفعل خبر «كان» أو ثاني مفعولي «ظننت» نحو قولك، إن تكن تحسن إلى أحسنت إليك، وإن تظنني أصدق أصدقك، ومن ذلك قول زهير:
4069 - ومن لا يزل يستحمل النّاس نفسه... ولا يغنها يوما من الدّهر يسأم 2
فالفعل الذي في هذين المثالين وفي هذا البيت لا تعلق له بفعل الشرط فيكون بدلا منه، ولا بفاعل فعل الشرط فيكون حالا، إنما هو خبر «كان» وخبر «لا يزال» وفي موضع ثاني مفعولي «ظننت» فكان له في الإعراب حكم نفسه، ولم يجز فيه أن يكون بدلا من فعل الشرط ولا حالا من فاعله.
واحترز بالقيد الثاني من أن يكون ذلك الفعل صفه أي في موضع الصفة نحو قولك: إن يأتني رجل يخاف الله أعظّمه، فـ «يخاف الله» في موضع الصفة لفاعل الشرط فكان له أيضا في الإعراب حكم نفسه.
فإذا انتفى عن المضارع الواقع بين الشرط والجزاء أن يكون جائز الحذف وأن يكون صفة ووافق في المعنى فعل الشرط جزم على أنه بدل من فعل الشرط كما في البيت المتقدم إنشاده 3، وإن لم يوافق ذلك الفعل المتوسط فعل الشرط في المعنى -
................................
رفع وكان في موضع الحال نحو: من يأتني يضحك أحسن إليه، ومن ذلك البيت المتقدم إنشاده وهو:
4070 - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
قال الشيخ 1: «والموافقة قد تكون بالترادف كما في قوله:
4071 - متى تأتنا تلمم....
لأن الإتيان والإلمام مترادفان، وقد يكون الفعل الثاني نوعا من الأول نحو قولك:
إن تأتني تمشى أمش إليك.
انتهى.
ولك أن تقول: كان الواجب أن يقول المصنف: وغير حال بعد قوله: «غير صفة» لأن الصفة كما أنها لفاعل فعل الشرط هكذا الحال إنما هي حال من فاعل الفعل المذكور فلها حكم نفسها، كما أن الصفة لها حكم نفسها، فكان الواجب أن يستثنى الحال كما تستثنى الصفة لأن الكلام إنما هو مسوق الآن لبيان تبعية المتوسط في الإعراب لفعل الشرط، وذلك إنما يتصور إذا كان بينه وبين فعل الشرط علاقة بأن وافقه معنى كما ذكر، أما إذا كان صفة لفاعل فعل الشرط أو حالا منه فلا يخفى أن له في الإعراب حكم نفسه.
واعلم أن كلام الشيخ هنا تضمّن أمورا:
أولها: أنه قال 2: «لا خصوصية في المسألة بالمضارع، بل الحكم الذي ذكره من البدل [5/ 170] أو الحال جار في المضارع وفي الماضي، فكما تقول: إن تأتني تمشي أكرمك تقول: إن أتيتني قد مشيت أكرمك، وإن تأتني قد ضحكت أحسن إليك، ويجوز أن لا تأتى بـ «قد» على رأي من لا يشترط ذكرها، ثم قال 3: ولكن المصنف ذكر المضارع لأن فيه يظهر أثر العمل في البدل وعدم أثره في الحال.
انتهى.
وقد كفانا مؤونة الجواب عن المصنف بقوله: إن أثر العمل يظهر في المضارع - يعني من جزم أو رفع ولا شك أن هذا هو المقتضي له أن خصص المضارع بالذكر.
ثانيها: أنه قال 4: «وذكر المصنف أن المضارع إذا استوفى ما ذكره من الشروط -
[اتصال «ما» الزائدة ببعض أدوات الشرط]
قال ابن مالك: (واتّصال «ما» الزّائدة بإن وأيّ وأين وأيّان ومتى وكيف جائز).
كان بدلا، قال: وظاهر كلامه أنه لا يجوز فيه الحال ولذلك قال: وإلا رفع وكان في موضع الحال، وليس على ما ذكر، بل قد جوّز النحويون أنه إذا كان بتلك الشروط رفعه على أنه يكون في موضع الحال، وتكون تلك الحال مؤكدة، ويقوي الحال إن كان المضارع نوعا من الأول، وإن كان جزمه بدلا في النوعين هو الوجه» انتهى.
ولقائل أن يقول: جعل المضارع المتوسط بين الشرط والجزاء حالا لا يمنع منه مانع صناعي، فإذا كان حالا كأنه جاء على ما يقتضيه أصل التركيب، وإنما تبعية ذلك المتوسط لما قبله في الإعراب هو الذي يحتاج إلى التنبيه عليه، فكان هو المحتاج إلى ذكره لأنه قد يتوهم فيه أنه لا يجوز إتباعه في الإعراب لما قبله.
وأما قوله «وإلّا رفع وكان في موضع الحال» فتنبيه على أنه إذا لم يوافق فعل الشرط في المعنى لا يجوز أن تبدل منه، بل يعطى حكم نفسه فيرفع، ونبّه على أنه إذا رفع كان في موضع الحال لأنه قد يتوهم فيه الاستفهام.
ثالثها: أنه قال: لم يبين المصنف في قوله: «أبدل، طريقة البدل، قال: ونصّوا على أنه يكون بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، وبدل اشتمال على ما قررناه من القسمين» انتهى.
قال ناظر الجيش: قد تقدم الكلام على هذه المسألة، وذكر أن أدوات الشرط بالنسبة إلى لحوق «ما» وعدم اللحوق على أقسام ثلاثة:
قسم يجب فيه عدم اللحوق وهو: «من» و «ما» و «مهما» و «أنّى».
وقسم يجب فيه اللحوق وهو: «إذ» و «حيث».
وقسم يجوز فيه الأمران وهو: «إن» و «متى» و «أين» و «أيّ» و «أيّان» وهذا تقسيم مدخول لأن «إذ» و «حيث» ليستا أداتي شرط إنما الأداة «إذما» و «حيثما».
وبعد فالذي أتى به المصنف هنا في غاية الحسن وهو أنه لم يتعرض لشيء من ذلك، بل ذكر أن اتصال «ما» جائز
بهذه الكلمات التي ذكرها، فعلم أن اتصالها -
................................
ببقية الكلمات من أدوات الشرط غير جائز، وأما «إذما» و «حيثما» فقد عرفت أن «إذما» هي الأداة نفسها لا «إذ» وكذا «حيثما» هي الأداة [لا «حيث» فلا يقال إن ثمّ أداة] شرط يجب اتصال «ما» الزائدة بها، وقد ذكر المصنف «كيف» ولا شك أن كلامه الآن إنما هو في الأدوات الجوازم فكان ينبغي أن يؤخّر ذلك إلى أن يتكلم في «كيف».
واعلم أن في شرح الشيخ 1 أن الكوفيين يجيزون زيادة «ما» بعد «من» و «ما» و «أنّى»، وأن الفراء 2 يجوّز الجزم بـ «إذ» وب «حيث» دون «ما» ولا شك أن مثل هذا لا ينبغي التعويل على نقله ولا الاشتغال به.
والمنقول عن الجزولي 3 أن «ما» لحقت «أيّا» عوضا من الإضافة، وهو غلط، لأنها لو كانت عوضا للزمت ثم إنها قد لحقت مع الإضافة في قوله تعالى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ 4، والحق أن «ما» زائدة لمجرد التوكيد 5.
فأما لحاقها «إن» فمنه قوله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ 6 وقوله تعالى: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ 7، وقوله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ 8 وهو في القرآن العزيز كثير (9)، ولم يأت لحاقها «إن» في الكتاب العزيز إلا والفعل مؤكد بـ «النون» 9، ومن ورودها في غير الكتاب العزيز بغير «نون» قوله:
4072 - زعمت تماضر أنّني إمّا أمت... يسدد أبينوها الأصاغر خلّت 10
وأما لحاقها «أيّا» فمنه قوله تعالى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ، وقوله تعالى: -
................................
أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 1.
وأما لحاقها «أين» فمنه قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ 2.
وأما لحاقها «أيّان» فكقول القائل:
4073 - فأيّان ما تعدل بها الرّيح تنزل 3
ولا التفات إلى قول من يمنع لحاقها «أيّان» 4.
وأما لحاقها «متى» فكقول القائل:
4074 - ومتى مايع منك كلاما... يتكلّم فيجبك بعقل 5
وكقول الآخر:
4075 - متى ما يجئ يوما إلى المال وارثي... يجد جمع كفّ غير ملء ولا صفر
يجد فرسا مثل العنان وصارما... حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر 6
وأسمر خطّيّا كأنّ لعابه
وأما لحاقها «كيف» فكقول القائل: افعل كيف ما شئت.
-
[صور فعلي الشرط والجواب]
قال ابن مالك: «وكون فعلي الشّرط ماضيين وضعا، أو بمصاحبة «لم» أحدهما أو كليهما، أو مضارعين دون «لم» أولى من سوى ذلك، ولا يختصّ نحو: إن تفعل فعلت بالشّعر خلافا لبعضهم».
قال ناظر الجيش: أراد بقوله «فعلي الشّرط»: فعلى الشرط والجزاء، لأن فعل الجزاء لما كان ناشئا عن فعل الشرط لأنه مسبب عنه صحت نسبته إليه، ثم إن فعل الشرط إما أن يكون ماضيا بالوضع، أو مضارعا عاريا من «لم» أو مضارعا مصحوبا بـ «لم» وفعل الجزاء أيضا كذلك، والخارج من ذلك تسع صور وتؤخذ من كلام المصنف، فمنها خمس بالمنطوق وهي: أن يكون الفعلان ماضيين بالوضع نحو: إن قام زيد قام عمرو، وأن تكون «لم» مصاحبة لفعل الشرط نحو: إن لم يقم زيد قام عمرو، وأن تكون «لم» مصاحبة [5/ 171] لفعل الجزاء نحو: إن قام زيد لم يقم عمرو، وأن تكون «لم» مصاحبة كليهما نحو: إن لم يقم زيد لم يقم عمرو، وأن يكون الفعلان مضارعين دون «لم» في كل منهما نحو: إن يقم زيد يقم عمرو.
ومنها أربع بالمفهوم وهي: أن يكون الشرط ماضيا بالوضع وفعل الجزاء مضارعا لم تصحبه «لم» نحو: إن قام زيد يقم عمرو، وأن يكون الأول مصحوبا بـ «لم» والثاني مضارعا نحو: إن لم يقم زيد يقم عمرو، وأن يكون الأول مضارعا لم تصحبه «لم» والثاني [ماضي الوضع نحو: إن يقم زيد قام عمرو، وأن يكون الأول مضارعا لم تصحبه «لم» والثاني] مضارعا مصحوبا بـ «لم» نحو إن يقم زيد لم يقم عمرو.
ثم إن كلّا من الصور الخمس المأخوذة من المنطوق أولى من كل من الصور الأربع المأخوذة من المفهوم كما
صرح به في قوله «وكون فعلي الشّرط كذا أولى من سوى ذلك»، وإنما كانت تلك أولى للمشاكلة، ولكن بعضها أولى من بعض، قالوا 1:
فالأحسن أن يكونا مضارعين [وذلك لظهور 2 العمل فيهما، ثم ماضيين للمشاكلة وهو عدم التأثير، ثم أن يكون الأول ماضيا والجواب مضارعا، قالوا 3: -
................................
لأن فيه الخروج من الأضعف إلى الأقوى وهو من عدم التأثير إلى التأثير.
وقال الإمام بدر الدين 1: «إذا كان الشرط والجزاء فعلين جاز أن يكونا مضارعين] وأن يكونا ماضيين، وأن يكون الشرط ماضيا والجواب مضارعا، وأن يكون الشرط مضارعا والجواب ماضيا، والأكثر أن يكونا مضارعين لأنه الأصل، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ 2 ويليه في الكثرة أن يكونا ماضيين وضعا أو بمصاحبة «لم» أحدهما أو كلاهما لأنه وإن كان أبعد عن الأصل من كون أحدهما مضارعا فهو أدخل في المشاكلة وذلك نحو: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا 3، ونحو: إن قمت لم أقم، وإن لم تقم قمت، وإن لم تقم لم أقعد، وأما كون الشرط ماضيا والجواب مضارعا فقليل بالنسبية ومن ذلك قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها 4 وأقلّ منه كون الشرط مضارعا والجواب ماضيا لأن الشرط الماضي لا يلتبس بغيره لأنه مقرون بأداة الشرط والجواب الماضي قد يلتبس بغيره لعدم ظهور الجزم فيه» انتهى.
وقال سيبويه 5 بعد أن قرر أن المجزوم بـ «لم» ماض: «فإذا قلت: إن تفعل فأحسن الكلام أن يكون الجواب أفعل لأنه نظيره من الفعل، وإذا قلت: إن فعلت فأحسن الكلام أن تقول: فعلت لأنه مثله فكما ضعف فعلت مع أفعل، وأفعل مع فعلت قبح لم أفعل مع الفعل، لأن لم أفعل نفي فعلت، وقبح لا أفعل مع فعل لأنها نفي أفعل» انتهى.
وأما أفهم كلام المصنف أن الصور الأربع - وإن كانت الصور الخمس أولى منها - جائزة في الكلام، وكان في إحداهما خلاف وهي التي قال فيها بدر الدين: «وأقلّ منه كون الشرط مضارعا والجواب ماضيا» أراد التنبيه على ذلك فأشار إليه بقوله «ولا يختصّ إن تفعل فعلت بالشّعر خلافا لبعضهم» ثم لما ذكر هذه المسألة في شرح
الكافية أنشد أبياتا 6 شواهد على ذلك وهي قول الشاعر: -
................................
4076 - من يكدني بسيّئ كنت منه... كالشّجابين حلقه والوريد 1
وقول الآخر:
4077 - إن تصرمونا وصلناكم وإن تصلوا... ملأتم أنفس الأعداء إرهابا 2
وقول الآخر:
4078 - إن يسمعوا سبّة طاروا بها فرحا... منّي وما يسمعوا من صالح دفنوا 3
ثم قال 4: وأكثر النحويين يخصون ذلك بالضرورة، ولا أرى ذلك لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» 5، قال: ولأن قائل البيت الأول متمكن من أن يقول بدل: كنت منه: أك منه وقائل الثاني متمكن من أن يقول بدل: وصلناكم: نواصلكم، وبدل: ملأتم: تملأوا، وقائل الثالث متمكن من أن يقول بدل: إن تسمعوا: إن سمعوا وبدل: وما يسمعوا: وما سمعوا.
فإذ لم يقولوا ذلك مع إمكانه علم أنهم غير مضطرين، قال: وقد صرح بجواز ذلك في الاختيار الفراء 6 - رحمه الله تعالى - وجعل من ذلك قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 7 لأن: ظلت بلفظ الماضي وقد -
................................
عطف على: تنزل، وحق المعطوف أن يصلح لحلوله محلّ المعطوف عليه» انتهى.
قال الشيخ 1: «هذا البعض الذي خالفه المصنف هو الجمهور، ونصّوا على أنه مخصوص بالشعر».
ثم قال 2: فأما استدلاله بالأثر فنقول: قد لهج هذا المصنف في تصانيفه كثيرا بالاستدلال بما وقع في الحديث في إثبات القواعد الكلية في لسان العرب بما روي فيه، وما رأيت أحدا من المتقدمين ولا المتأخرين سلك هذه الطريقة غير هذا الرجل، قال: وإنما تنكّب 3 العلماء ذلك لعدم وثوقهم أن ذلك نفس لفظ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذلك أن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى، قال: وقد وقع اللحن كثيرا فيما روي في الحديث لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، ولا يعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في نقلهم وهم لا يعلمون.
وأطال الكلام في ذلك إلى أن قال 4: إن المصنف يستدل بالآثار متعقبا بزعمه على النحويين وما أمعن النظر في ذلك، ولا صحب من له التمييز في هذا الفن والاستبحار والإمامة، ولذلك تضعف استنباطاته من كلام سيبويه، وينسب إليه مذاهب، ويفهم من كلامه مفاهيم لم يذهب سيبويه إليها، ولا أرادها، ووقفت له على ذلك، ومنها: زعمه أن مذهب سيبويه أن [الفعل المبني للمفعول أصل بنفسه، ومنها: زعمه أن مذهب سيبويه أن] إن النافية تعمل
عمل «ما» النافية، ومنها:
زعمه أن ترخيم الجملة جائز، وغير ذلك، يستنبط ذلك بزعمه من «كتاب» سيبويه والعارفون بالكتاب وبمقاصده، والعاكفون على إقرائه والجمع بين أطرافه يخالفونه في ذلك، فدلّ على أنه حين ينظر في «كتاب» سيبويه إنما ينظر نظر من لم يتفقه فيه مع أحد، وقال وقال إلى أن قال 5: إنما الناس [5/ 172] الفاضل منهم من يحل كتابا أو كتابين في الفن المنسوب إليه، هذا إذا كان مزاولا لذلك الكتاب، وأما إن كان صاحب نتاتيف 6 وينظر في علوم كثيرة فهذا لا يمكن أن -
................................
يبلغ الإمامة في شيء منها.
قال 1: وقد نظمت أبياتا في شأن من يقرأ بنفسه ويأخذ العلم من الصحف بفهمه وهي:
يظنّ الغمر أنّ الكتب تهدي... أخا فهم لإدراك العلوم 2
وما يدري الجهول بأنّ فيها... غوامض حيّرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ... ضللت عن الصّراط المستقيم
وتلتبس الأمور عليك حتّى... تصير أضلّ من توما الحكيم 3
أشرت إلى قول بعضهم:
قال حمار الحكيم توما... لو أنصفوني لكنت أركب
لأنّني جاهل بسيط... راكبي جاهل مركّب
قال 4: وكان بعض من تولي قضاء القضاة بديار مصر من أهل الصعيد الأعلى يقول: هذا كتاب سيبويه فيه
عجمة ونكادة لفظ، قال 5: وما ذلك إلا لكونه لم يقرأ النحو أو قرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ في النحو، هذا وما كان مدفوعا عن فطنة وذكاء وإعمال فكر وإكداده وبعض إنصاف رحمه الله تعالى.
وأما هذا المصنف الذي كمّلنا شرح كتابه فإنه كان رجلا صالحا مغتنيا بهذا الفن النحوي، كثير المطالعة لكتبه، منفردا بنفسه، لا يحتمل أن ينازع ولا يجادل، ولا يباحث، ونظم في هذا الفن كثيرا، ونثر، جمع باعتكافه على الاشتغال بهذا الفن والشّغل به وبمراجعة الكتب ومطالعة الدواوين الغريبة، وطول السن من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، ومنها كثيرا ستخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة، ولم يكن ممن لازم في هذا الفن إماما مشتهرا به، ولا يعلم له فيه -
................................
شيخ، ولا ذكر هو من اشتغل عليه بهذا الفن، واستمر في كلام يشبه ذلك ثم قال 1:
وقال لي قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الحموي 2، وكان ممن قرأ على المصنف، وقد جرى ذكرا ابن مالك واستدلاله بما أشرنا إليه قال 3: قلت له: يا سيدي هذا الحديث روته الأعاجم، ووقع فيه بروايتهم ما نعلم أنه ليس من لفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فلم يجب بشيء، قال 4: وإنما أمعنت الكلام في هذا المسألة لئلا مبتدئ: ما بال النحويين يستدلون بقول العرب وفيهم المسلم والكافر، ولا يستدلّون بما ورد في الحديث بنقل العدول كالبخاري 5 ومسلم 6 وأضرابهما، فإذا طالع ما ذكرناه أدرك السبب الذي لأجله لم يستدل النحاة بالحديث» انتهى.
وأقول: أما إنكاره على المصنف الاستدلال بما ورد من الأحاديث الشريفة معتلّا لذلك بأن الرواة جوّزوا النقل بالمعنى، فيقال فيه: لا شك أن الأصل في المروي أن يروى باللفظ الذي سمع من الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والرواية بالمعنى وإن جازت فإنما تكون في بعض كلمات الحديث المحتمل لتغيير اللفظ بلفظ آخر يوافقه معنى، إذ
لو جوّزنا ذلك في كل ما يروى لارتفع الوثوق عن جميع الأحاديث بأنها هي بلفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أمر لا يجوز توهمه فضلا عن أن يعتقد وقوعه، ثم إن المصنف إذا استدلّ على مسألة بحديث لا يقتصر على ما في الحديث الشريف، بل يستدل بكلام العرب من نثر ونظم يردف ذلك بما في الحديث إما تقوية لما ذكره من كلام العرب وإما استدلالا على أن المستدل عليه لا يختصّ جوازه بالشّعر، بل إنه يجوز في الاختيار أيضا، ولا يخفى عن البيب أن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر رضي الله تعالى عنه في ابن -
................................
صيّاد «إن يكنه فلن تسلّط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» 1 يبعد فيه أن يكون مغيّرا، كذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله ملّككم إيّاهم ولو شاء ملّكهم إيّاكم» 2 وأما قوله: إن المصنف ما أمعن النظر في ذلك فما علمت الأمر الذي أشار إليه بأن المصنف ما أمعن فيه نظره ما هو؟
وأما قوله: «ولا صحب من له التمييز في هذا الفن والاستبحار والإمامة» فما أعرف من أين له علم ذلك حتى بنفيه؟ وكأنه يشير بذلك إلى أنه ما صحب أبا علي الشلوبين ولا قرأ عليه، كما اتفق ذلك للحلبة الشلوبينية كابن عصفور وابن الضائع والأبّذيّ وابن هشام وابن أبي الربيع، وأصحابهم، وهذا أمر عجيب، فإن الله تعالى من
كرمه وإنعامه على عباده لم يحصر العلم في ناحية ولا في إنسان، بل فضل الله منتشر في الجهات ومثبوت في العباد ولا يختص بجهة دون جهة، ولا بإنسان دون آخر، وهب أنه صحب من له الإمامة في الفن أو من ليست له الإمامة أليس الله تعالى قد أنعم عليه وأوصله عن هذا العلم إلى ما لم يصل إليه من صحب له التمييز في هذا الفن والاستبحار كما ذكر والإمامة.
وأما قوله عنه: إنه تصعف استنباطاته من كلام سيبويه وينسب إليه مذاهب ويفهم من كلامه مفاهيم لم يذهب سيبويه إليها ولا أرادها، وإن منها كذا وكذا ومنها كذا وكذا إلى آخر كلامه، فهذا عجب من الشيخ كيف يصدر عنه هذا في حق مثل هذا الإمام الكبير المشهود له بالتبريز الذي قال هو في حقه: إنه نظم في هذا الفن كثيرا ونثر، وأنه جمع باعتكافه على الاشتغال بهذا الفن والشّغل به، ومراجعة الكتب ومطالعة الدواوين الغريبه من هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، وإن منها كثيرا استخرجه من أشعار العرب وكتب اللغة، فمن شهد له بأنه وصل إلى هذه الرتبة التي هي رتبة الاجتهاد لقوله: إنه استخرج كثيرا من أشعار العرب وكتب اللغة، ولا شك أن هذه وظيفة المجتهد، كيف يقول [5/ 173] فيه:
إنه ضعيف الاستنباط من كلام سيبويه، وأنه يفهم غير المراد، وأنه وأنه؟ -
................................ وأما قوله: إنه لم يعلم له شيخ، فما أعرف كيف ذلك نقصا في رجل انتشر علمه وانتهى إلى رتبة بلغ بها أن يصحح ما أبطله غيره ويبطل ما صححه غيره بالأدلة الواضحة والمستندات الراجحة؟ وكم من طالب فاق شيخه، وخادم برّز على أستاذه، وانظر إلى العلماء الكبار المشهورين من أهل الفنون الذين اعترف الناس لهم بأنهم ارتقوا في فنونهم إلى المراتب السنية التي لا تلحق، هل كانوا متقدمين في الذكر على من اشتغلوا عليه وأخذوا عنه أولا؟ والطالب لا بد له من شيخ موفق، ولكن إنما يحتاج إليه في حل الكتاب الذي يقرأه عليه وتبيين المقصود من كل باب من ذلك الكتاب، وتقرير مسائله تصورا وتصديقا بحيث تصير له أهلية لفهم ما يطالعه من كتب ذلك الفن، والتمييز بين الصحيح والفاسد من مسائله، فإذا أعطاه الله تعالى مع ذلك صحة فكر وقوة إدراك واستمر عاكفا محصلا لما هو بصدده فقد يصل إلى أضعاف ما وصل إليه شيخه، وقد قال المصنف 1: «وإذا كانت العلوم منحا إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين»، ولكن الشيخ - رحمه الله تعالى - كان في خاطره أن النحو الذي وصل إليه المتأخرون من المغاربة كالأستاذ أبي علي الشلوبين وتبّاعه - رحمهم الله تعالى - لم يصل إليه غيرهم، فما رأي كتب المصنف وما أبرزه من النوادر والغرائب والعجائب، ولم يبعد أن حصل في النفس حسد ما، وكأن المصنف استشعر وقوع ذلك فلهذا قال بعد كلامه الذي تقدم 2: «أعاذنا الله من حسد يسدّ باب الإنصاف، ويصدّ عن جميل الأوصاف». ولكن الله در أبي تمام الطائي 3 حيث قال: 4079 - وإذا أراد الله نشر فضيلة... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النّار في ما جاورت... ما كان يعرف طيب نشر العود 4
................................
وأما قوله - أعني الشيخ -: «إن الفاضل من يحل كتابا أو كتابين في الفن المنسوب إليه مع مزاولته لذلك الكتاب» فهذا الكلام منه دليل على أن المصنف لم يحل كتابا في هذا الفن على أحد، وكفى بهذا الكلام من قائله قبحا، ويزيد هذا القبح قبحا إنشاده لنفسه - عقب ذلك - الأبيات التي أولها:
يظنّ الغمر أنّ الكتب تجدي... أخا فهم لإدراك العلوم
وقوله فيها:
إذا رمت العلوم بغير شيخ... ضللت عن الصّراط المستقيم
لأن هذا إنما يقال لإنسان جاهل لا قرأ ولا درى ولا اقتبس من أحد شيئا فيأخذ كتابا وينظر فيه ظانّا أنه يدرك معانيه بنظرة من غير توقيف من مرشد، ولا يقال هذا لواحد من الطلبة المتميّزين فضلا أن يقال في معرض التعريض بإمام يشهد له بالفضل أهل المشرق والمغرب من أهل فنه، وقد كان هو - أعني الشيخ - رحمه الله تعالى يقول:
«من عرف ما في هذا الكتاب - يعني التسهيل - لا يكون تحت السماء أنحى منه».
ثم لم يقنع الشيخ ما قاله في حق المصنف حتى تعدّاه إلى آخر وهو الذي ذكر أنه من أهل الصعيد الأعلى وأنه تولى قضاء القضاة بديار مصر فقال عنه: إنه لم يقرأ النحو وقرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ في النحو، وهذا الرجل الذي أشار إليه هو الشيخ: تقى الدين الشهير بابن دقيق العيد 1 - رحمه الله تعالى - وهو الرجل الذي يعترف بفضله الحاضر والبادي، والدّاني والقاصي، والصديق والعدو، ولم ينازع في علمه أحد، بل كان في زمن فيه رؤوس العلماء المعتبرين الراسخون في الفنون، والكل خاضعون له، ماثلون بين يديه، يتلقون منه ما يقوله، ومعترفون بأنه أحد أهل وقته، ويدلك على صحة ذلك ما أبرزه من مصنفاته، والناظر إذا وقف على كلامه وتأمله علم أنه فوق ما ذكرنا، وكيف لا يكون كذلك وله استنباطات أحكام من السنة النبوية انفرد بها؟ ولقد استنبط من حديث واحد من الأحاديث التي أوردها في كتابه «الإلمام» أربعمائة وستة وثلاثين حكما، أترى من له هذه القوة والتمكن يقال عنه: إنه لم يقرأ النحو وأنه قرأ منه نزرا يسيرا على مبتدئ؟ -
................................
وكيف يصل من يستنبط الأحكام الشرعية إلى ما يقصده دون تضلّع بعلم العربية و [علم] الأصول، وغيرها مما يتبعهما، ولا يبعد أن غض الشيخ منه له سبب محرج أوجب له أن يتكلم بذلك، ويحكى أن قضية جرت بين الشيخ تقي الدين وبينه لكنني لم أتحقق أنها وقعت، فما أمكنني تسطيرها.
وبعد فرحمهم الله تعالى أجمعين بمنّه وكرمه.
ثم قال الشيخ 1: «وأما قول المصنف، إن قائل البيت الأول متمكن من أن يقول بدل: كنت منه: أك منه، وقائل
الثاني متمكن من كذا، فهذا حديث من لم يفهم معنى قول النحويين: في ضرورة، ففهم أن الضرورة في اصطلاحهم هو الإلجاء إلى الشيء، فقائل بأنهم لا يلتجئون إلى ذلك إذ يمكن أن يقول: كذا، قال: فعلى زعمه لا توجد ضرورة أصلا، لأنه [ما] من ضرورة إلا ويمكن إزالتها ونظم تركيب آخر غير ذلك التركيب، وإنما يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصة به، ولا يقع في كلامهم النثر».
انتهى.
والحق أن الأمر كما قاله، لكن المصنف سلك في تقرير الضرورة هذه الطريقة.
ثم قال الشيخ 2: «وأما قوله - يعني المصنف - وقد صرح بجوازه الفراء، فقول الغير لا يكون حجة إلا إذا عضده الدليل، قال: وأما جعل الفراء منه الآية الشريفة 3 فالجواب، أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل نحو: ربّ شاة وسخلتها بدرهم» 4.
قال الشيخ 5: «وقول المصنف: ولا يختص نحو: إن تفعل فعلت [بالشعر]، تقصير في العبارة، إذ قد فاته تركيب آخر هو مختص بالشعر وهو أن يكون الأول [5/ 174] مضارعا والثاني منفيّا بلم نحو: إن تفعل لم أفعل، كما اختص إن تفعل فعلت» انتهى.
وقد يقال: لا تقصير في عبارة المصنف لأنه قال: «نحو: إن تفعل فعلت» -
[حكم الشرط إذا حذف الجواب]
قال ابن مالك: (وإن حذف الجواب لم يكن الشّرط مضارعا غير منفىّ بـ «لم» إلّا قليلا).
ومراده بذلك أن يكون فعل الشرط مضارعا وفعل الجزاء ماضيا، ولا شك أن المضارع المقرون بـ «لم» ماضي المعنى.
فيمكن شمول عبارته له.
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 1: تقدم له أول هذا الفصل قوله: «ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض إلا في الشعر 2 وذلك فرع من كلامه هنا، لأن تلك المسألة معروضة في تقدم شبه الجواب، وأن الجواب محذوف إذ ذاك، والذي هنا شرط فيه حذف الجواب، وحذف الجواب تارة يكون لتقدم دليل الجواب كتلك المسألة، وتارة يكون لغير ذلك نحو القسم إذا تقدّم على الشرط نحو: والله إن جاء زيد لأضربنّه فـ «لأضربنّه» وهو متأخر يدل على حذف جواب الشرط، فحذف الجواب أعم من حذفه لتقديم الدليل عليه، إلا إن ادّعى أن الشرط مؤخر في الرتبة وإن كان متقدما في اللفظ، لأن وضع المقسم عليه أن يكون ملاصقا في التركيب للقسم، فحينئذ يكون لا يحذف جواب الشرط إلا إذا تقدمه ما يدل عليه إما لفظا وإما تقديرا.
قال 3: وقوله: لم يكن مضارعا غير منفىّ بلم، هو معنى قوله: ولا يكون الشرط حينئذ غير ماض، إلا أنه في تلك المسألة قال: إلا في الشعر، وهنا قال:
إلا قليلا، وهذا لا يشعر بالاختصاص بالشعر، بل بجوازه على قلة، والصحيح اختصاص ذلك بالشعر، وقال سيبويه 4: إن أتيتني آتيك أي على التقديم والتأخير، وقال أيضا 5: وأما إن تأتك هند آتيك فقبيح، لأن الجواب لا يحذف مع عمل إن إلا ضرورة، وقد سوّى المبرد 6 بين الموضعين».
-
[اختصاص أدوات الشرط بالمستقبل]
قال ابن مالك: (ولا يكون الشّرط غير مستقبل المعنى بلفظ «كان» أو غيرها إلّا مؤوّلا، وقد يكون الجواب ماضي اللّفظ والمعنى مقرونا بالفاء مع «قد» ظاهرة أو مقدّرة، ولا ترد إن بمعنى «إذ» خلافا للكوفيين).
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1: «إن الشرطية وأخواتها مختصة بالمستقبل، فلا يكون شرطها ولا جزاؤه بمعنى الماضي، ولا بمعنى الحال، وما أوهم ذلك أوّل، فإذا جاء [في موضع الشرط أو الجزاء ما هو حال أو
ماض بلفظ «كان» أو غيرها، حمل على أنه متعلق بفعل مستقبل هو] الشرط أو الجزاء في الحقيقة ولكنه حذف اختصارا واستغناء عنه بانصباب الكلام إلى معناه، وذلك قولك: إن أحسنت إلى أمس فقد أحسنت إليك اليوم، والمعنى: إن تبين إحسانك أمس تبيّن إحساني اليوم، وذهب أبو العباس المبرد 2 إلى أنه يجوز بلا تأويل كون الشرط ماضي المعنى بلفظ «كان» دون غيرها، فإنه قال: وما يسأل عنه في هذا الباب قولك: إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم، فقد صار ما بعد «إن» يقع في معنى الماضى، قيل للسائل: ليس ذا من قبل «إن» ولكن لقوة «كان» وأنها أصل الأفعال وعبارتها جاز أن تغلب «إن» فتقول: إن كنت أعطيتني فسوف أكافئك، فلا يكون ذلك إلا ماضيا، وقال تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ 3، والدليل على أنه كما قلت وأن هذا لقوة «كان» أنه ليس من الأفعال ما يقع بعد «إن» غير [كان] إلا ومعناه الاستقبال، لا تقول: إن جئتني أمس أكرمتك اليوم، ولم يصوّب ما ذهب إليه المبرد في هذه المسألة، وقد ردّه عليه ابن السراج فقال 4:
وهذا الذي قاله أبو العباس لست أقوله، ولا يجوز أن يكون إن تخلو من الفعل المستقبل لأن هذا نقض الكلام وما وضعت له، قال: والتأويل عندي في قولهم: إن كنت زرتني أمس أكرمتك اليوم أي: إن تكن [كنت] ممن زارني أمس أكرمتك اليوم، فدلّت: كنت على: تكن وكذلك قوله تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ -
................................
أي إن أكن كنت قلته أو إن أقل كنت قلته، أو أقر بهذا الكلام، وقد حكى المازني ما يقارب هذا.
وأشار بقوله: وقد يكون الجواب ماضي اللّفظ والمعنى [مقرونا بالفاء مع قد ظاهرة أو مقدرة، إلى نحو قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ 1 وقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ 2 تقديره:
فقد صدقت، وهو عندي محمول على التأويل المذكور، ولا يستقيم أن يكون على غيره لتقدم الشرط على الجزاء واستحالة تقدم المستقبل على الماضي في الخارج أو في الذهن انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ولا شك أن قول المصنف «وقد يكون الجواب ماضى اللّفظ والمعنى»] غير مرض، وإنما إذا ورد ما ظاهره ذلك يجب تأويله إذ لو
لم يكن [ذلك] مؤولا لزم تقدم ما هو مستقبل على ما هو ماض كما قال الإمام بدر الدين.
قال الشيخ عند ذكر هذه المسألة 3: «ظاهر كلام المصنف والجزولي 4 وغيرهما أن هذا الفعل الماضي المقرون بالفاء وقد ظاهرة أو مقدرة هو جواب الشرط، وذلك مستحيل، فينبغي أن يتأول كلامهم، واستحالة ذلك من حيث إن الشرط بما هو شرط يتوقف عليه مشروطه، فيجب أن يكون الجواب بالنسبة إليه مستقبلا وإلا لزم من ذلك تقدم المستقبل على الماضي في الخارج أو في الذهن وذلك محال، فيتأوّل ما ورد من ذلك في كل مكان بما يناسبه، فيتأوّل قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ 5 على معنى: وإن يكذبوك فتسلّ فقد كذبت رسل، وقوله تعالى:
إِنْ يَسْرِقْ على معنى: فتأسّ بمن تقدم فقد سرق أخ له من قبل أو ما أشبه هذا التأويل، ولما كان هذا الجواب استعمل محذوفا، وكثر استعمال هذا الفعل المصحوب بالفاء وبقد ظاهرة أو مقدرة سمّوا ذلك الفعل جوابا لأنه لا يجامع الجواب، بل صار مغنيا عنه، ولا شك أنه ماضي اللفظ والمعنى وقوعا أو مزعوما وقوعه، فالوقوع مثل فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ، والمزعوم وقوعه فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» انتهى.
-
................................
ولم يظهر تقدير «فتأسّ» جوابا لقوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ 1 والظاهر أن يكون التقدير: فلا عجب أو نحو ذلك.
وأما قوله «إنه لا يجامع الجواب» فإن أراد به أنه قد أغنى عنه فقريب، وإن أراد أنه لا يجمع بينه وبين الجواب في الذكر فغير صحيح، إذ لو قيل في غير القرآن العزيز [5/ 175] وإن يكذبوك فتسلّ فقد كذبت رسل من قبلك لم يكن ممتنعا.
وأما قول المصنف: «ولا ترد إن بمعنى إذ» فأشار به إلى أن «إن» حرف و «إذ» اسم وهو ظرف، وإذا كان كذلك فكيف يتفقان معنى؟ وأجاز الكوفيون ذلك مستدلين بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ 2 قالوا: لأن «إن» للتردد ولا
تردد لليهود، والمعنى: وإذ كنتم: في ريب 3، والجواب عن ذلك ما ذكره أصحاب علم «المعاني» فإنهم قالوا: «إنّ» «إن» قد تستعمل في مقام القطع بوقوع الشرط لنكتة وذكروا أمورا:
منها: التوبيخ على الشرط كقوله تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ 4 في من قرأ «إن» بالكسر 5 فإن ذلك سيق لقصد التوبيخ والتجهيل في ارتكاب الإسراف، وتصوير أن الإسراف من العاقل في هذا المقام واجب الانتقاء، حقيق أن لا يكون ثبوته إلا على مجرد الفرض.
ومنها: التغليب، أي تغليب غير المتّصف بالشرط على المتصف به، ومثّلوا له بهذه الآية الشريفة أيضا، قالوا: وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا 6 يحتمل أن يكون للتوبيخ على الرّيبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها، ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين من المخاطبين على المرتابين منهم، فإنه كان منهم من يعرف الحق وإنما ينكر عنادا، قالوا: وكذا قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ فِي -