تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 207-222

الباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق به

صفحات 207-222

................................  فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ 1، ومنه قول الشّاعر: 35 - قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم... دون النّساء ولو باتت بأطهار 2 فالماضي ينصرف بعدها كما في هذه الأمثلة إلى الاستقبال.
وسيبين.
وإذا وقع بعد لو هذه مضارع [1/ 44] كان مستقبل المعنى كما يكون حكمه بعد إن كقول الشاعر: 36 - لا يلفك الرّاجيك إلّا مظهرا... خلق الكرام ولو تكون عديما 3 وكان ينبغي للمصنف أن يذكرها مع القرائن الاستقبالية كما تقدم التنبيه عليه.
وقد يقال: يمكن أن يدخل تحت قول المصنف فيما تقدم: أو مجازاة أي بمصاحبة أداة مجازاة.
ولا شك أن لو إذا كانت بمعنى إن صدق عليها أنها للمجازاة.
وشرط في المضي: وهي المسماة بالامتناعية 4، وينصرف المضارع بها إلى المضي؛ ومثالها قوله تعالى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ 5. ومثله قول كثير 6: -

................................  37 - رهبان مكّة والّذين عهدتهم... يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت كلامها... خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا 1 وقول الآخر: 38 - لو يقوم الفيل أو فيّاله... زلّ عن مثل مقاسي وزحل 2 فتقييد المصنف لها بالشرطية احترازا من المصدرية 3. ثم احترز من التي بمعنى إن بقوله: غالبا وكأنه يقول: إن ورود لو بمعنى إن ليس غالبا؛ وإنما الغالب استعمالها في المضي؛ لكن ظاهر العبارة يوهم أنها الامتناعية وأنها تارة تصرف المضارع إلى المضي وتارة تصرفه إلى الاستقبال؛ لكن الغالب صرفها إلى المضي، وليس كذلك لما تبين من أنها نوعان 4. وقد وافق المصنف الجزولي 5 في تسمية لو الامتناعية شرطية.
وناقش الأبذي - - الدنيا عليها شعرا في حياتها وبعد موتها مدح كثيرا من خلفاء بني أمية كعبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز، واستقر به المقام في مصر بعد الإقامة في المدينة ودمشق وكان قبيح المنظر إلا أن شعره رفع مجلسه إلى الملوك.
له ديوان مشروح.
توفي سنة (105 هـ). انظر ترجمته في الشعر والشعراء (1/ 510)، وفيات الأعيان (4/ 113)، الأعلام (6/ 72).

................................  الجزولي في ذلك، فقال: ليست - يعني الامتناعية - شرطا لا في اللفظ؛ لأنها لا تجزم، ولا في المضي؛ لأن الشرط إنما يكون بالنظر إلى الاستقبال.
ومنها إذ: نحو قوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ 1 المعنى: وإذ قلت.
ومنها ربما: نحو قول الشاعر: 39 - ربّما تكره النّفوس من الأم... ر له فرجة كحلّ العقال 2 أي ربما كرهت.
وإنما صرفت معنى المضارع إلى المضي 3؛ لأنها قبل اقترانها بما مستعملة في المضي، فاستصحب بعد الاقتران ما كان لها قبله؛ بل هي بذلك أحق؛ لأن ما -

................................  للتوكيد فيتأكد بها معنى ما يتصل به ما لم يقلبه من معنى إلى معنى كما فعلت بإذ حين قيل فيها إذما.
ومفارقتها في الدلالة على المضي وحدث فيها معنى المجازاة.
وقد ذكر المصنف في باب حروف الجر من هذا الكتاب أنه لا يلزم مضي ما يتعلق بربّ؛ بل قد يكون مستقبلا، وأنشد أبياتا منها قول جحدر اللص 1: 40 - فإن أهلك فربّ فتى سيبكي... على مهذّب رخص البنان 2 وقول سليم القشيري 3: 41 - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى... سيودي وغاز مشفق سيئوب 4 قال: وقد يكون حالا، انتهى 5. -

................................  والقائلون بأن ربما تصرف معنى المضارع إلى المضي يوردون على أنفسهم قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 1. فيقولون: ظاهره أن الفعل بعد ربما مستقبل [1/ 45]؛ لأنهم لا يودون ذلك إلا في الآخرة.
ويجيبون بأن التقدير ربما ودّ؛ فيكون من قبيل ما جعل فيه المستقبل بمنزلة الماضي؛ فربّ صارفة معنى يود إلى الماضي.
وجاز التعبير بالماضي عن المستقبل لصدق الوعد به، ولقصد التقريب لوقوعه، فجعل كأنه وقع مجازا، كما قال الله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ 2. وفي كلام المصنف ما يشعر بأنه لا يلتزم السؤال الذي أورد هنا، وأنه يحمل الآية الكريمة على ظاهرها من الاستقبال؛ لأنه قال: قال ابن السراج 3 في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 4 بأنه لصدق الوعد، كأنه قد كان، كما قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ 5. والصحيح عندي: أن إذ قد يراد بها الاستقبال كما يراد بها - - تقول ولم تعلم عليّ خيانة... ألا ربّ باغ الرّبح ليس برابح وقول الآخر: ألا ربّ من تغتشّه لك ناصح... ومؤتمن بالغيب غير أمين

................................  المضي فمنه قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 1 وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها 2 فأبدل يومئذ من إذا 3؛ فلو لم تكن صالحة للاستقبال ما أبدل يوم المضاف إليها من إذا، انتهى.
ومنها قد: قال المصنف: إذا دخلت قد على المضارع فهي كربما في التقليل والصرف إلى معنى المضي.
هذا ظاهر قول سيبويه؛ فإنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم 4: وأمّا قد فجواب لقوله لمّا يفعل فتقول قد فعل ثم قال: فتكون قد بمنزلة ربّما.
قال الهزلي: 42 - قد أترك القرن مصفرّا أنامله... كأنّ أثوابه مجّت بفرصاد 5 كأنه قال ربما.
هذا نصه.
فإطلاقه القول بأنها بمنزلة رب موجب للتسوية بينهما في التقليل والصرف إلى المضي 6 فإن خلت من التقليل خلت غالبا من الصرف إلى معنى المضي وتكون -

................................  حينئذ للتحقيق، كقوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ 1. ومنه قول الشاعر: 43 - وقد يدرك الإنسان رحمة ربّه... ولو كان تحت الأرض سبعين واديا 2 وقد تخلو من التقليل وهي صارفة لمعنى المضي، كقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ 3، 4. فثبت لها مع المضارع معنيان وهما التقليل والتحقيق وأنها مع التقليل تصرف معنى الفعل إلى المضي ومع التحقيق لا تصرفه غالبا وقد تصرفه 5. وقوله: في بعض المواضع 9 قيد في قد فقط.
وقد يوهم إظهار حرف الجر مع إذ؛ حيث قال: وبإذ وربما وقد أن ذلك قيد في الثلاثة، وليس كذلك لما تبين من أن إذ وربما يصرفانه إلى المضي، ولا يكفي أن يقال: قد يخلصانه للمستقبل كما هو اختيار المصنف؛ لأن ذلك قليل والصرف إلى المضي هو الكثير فلا يقيده بقوله: في بعض المواضع.
قال الأبذي: «ومن القرائن الصّارفة معنى المبهم إلى المضيّ عطفه على الماضي نحو قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً 10 أي فأصبحت، وعطف الماضي عليه كقول الشاعر: -678

................................  44 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني 1 [1/ 46] يريد: ولقد مررت».
قال 2: «ومنها لمّا المحتاجة إلى جواب نحو قولهم: لمّا يقوم زيد قام عمرو.
وقال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا 3 أي جادلنا.
هكذا قال، وأطلق؛ فيفهم منه أنه ينصرف بها إلى المضي سواء اتصل بها كما مثل به، أم كان جوابا لها كما في الآية الكريمة.
لكن في تمثيله بلما يقوم زيد قام عمرو نظر: وهو أنه قد تقدم في كلام المصنف 4 أن لما غير الجازمة لا يليها إلا الماضي لفظا ومعنى إن كانت بمعنى حين، أو الماضي لفظا المستقبل معنى إن كانت بمعنى إلا.
وأما جواب لما في الآية الكريمة ففيه وجهان: أحدهما: ما ذكره وهو (يجدلنا) فهو مستقبل لفظا ماض معنى.
والثاني: أنه محذوف تقديره: أقبل يجادلنا ويجادلنا حال، فلم يتعين ما ذكره في الآية الكريمة، ولم يتحقق صحة المثال الذي ذكره؛ فلا استدراك حينئذ.
قال: ومنها: وقوعه خبرا لكان وأخواتها، نحو كان زيد يقوم؛ فأما وقوعه حالا من اسم قد عمل فيه عامل معناه المضي، نحو جاء زيد يضحك؛ فإنما ذلك على حكاية الحال الماضية فليس إذا مصروفا عن معناه.
قال: ومنها أيضا عندي إعماله في الظرف الماضي: نحو: -

[صرف الماضي إلى الحال والاستقبال]

قال ابن مالك: (وينصرف الماضي إلى الحال بالإنشاء، وإلى الاستقبال بالطّلب والوعد، وبالعطف على ما علم استقباله، وبالنّفي بلا وإن بعد القسم).
45 - يجزيه ربّ العالمين إذ جزى... جنّات عدن في العلاليّ العلا 1 كأنه قال: جزاه رب العالمين إذ جزى، وجعل الوعد بالجزاء جزاء.
وهذا أولى من أن يعتقد في إذ أنها بمنزلة إذا؛ لأن صرف معنى المبهم إلى المضي لقرينة قد ثبت في كلامهم، ولم يثبت بقاطع وضع إذ موضع إذا.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «الإنشاء في اللغة مصدر أنشأ فلان يفعل كذا، أي ابتدأه، ثم عبر به عن إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود كإيقاع التزويج بزوجت، والتطليق بطلقت والبيع والشراء ببعت واشتريت؛ فهذه الأفعال وما شابهها ماضية اللفظ حاضرة المعنى بقصد الإنشاء بها؛ فهذه قرينة تصرف الماضي إلى الحال» انتهى 2. وقد علمت مما تقدم: أن الكلام هنا ليس في نقل الصيغ من معنى إلى آخر؛ إنما هو في تغيير زمانها مع بقائها على المعنى الذي هي موضوعة له، وأن المصنّف -

................................  توجهت عليه المؤاخذة في ثلاثة مواضع من هذا الفصل.
أحدها: قوله في المضارع: إنه يتخلص للاستقبال باقتضائه طلبا 1. الثاني: ما ذكره هنا من انصراف الماضي إلى الحال بالإنشاء 2. وذكر أنه ينصرف إلى الاستقبال بأمور منها: الطلب 3: نحو: غفر الله لي ونصر الله المسلمين وخذل الكافرين وعزمت عليك إلّا فعلت ولمّا فعلت، ومن كلامهم: «اتّقى الله امرؤ فعل خيرا يثب عليه» هذه مثل المصنف.
قال: فغفر وما يليها دعاء، وإلا فعلت ولما فعلت معناه إلا أن تفعل، ومعنى اتقى: ليتق.
ولذلك جزم يثب، انتهى 4 [1/ 47] وهذا هو الموضع الثالث من مواضع المؤاخذة 5. ثم في كون الماضي في: إلا فعلت ولما فعلت يقتضي طلبا نظر، ولا يلزم من كون معناه إلا أن تفعل الدلالة على الطلب الصناعي، اللهم إلا أن يريد أن الفعل المذكور بعد إلا ولما في هذا التركيب مطلوب للمخاطب، فيكون ذلك طلبا معنويّا لم يستفد من الفعل فقط، إنما استفيد من الكلام بمجموعه.
ومنها: الوعد: نحو: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ 6 وكذا: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها 7، ويمكن أن يقال في إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ: إنه ليس وعدا وإن الإعطاء قد حصل فليس نظير وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها.
ومنها: عطفه على ما علم استقباله؛ كقوله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ 8، وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ 9 أي فيوردهم ويفزع.
ومنها: نفيه بلا وإن بعد القسم: فمثال إن قوله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ 10 أي ما يمسكهما.
-

................................  ومثال لا قول الشاعر: 46 - ردوا فوالله لا ذدناكم أبدا... ما دام في مائنا ورد لنزّال 1 قال الشيخ: «ليس هذا الحكم بصحيح والماضي المنفي بإن أو بلا بعد قسم باق على المضي معنى؛ وإنما انصرف إلى الاستقبال في الآية الكريمة والبيت بقرينة غير ذلك.
أما الآية الكريمة فإنما انصرف فيها لأنه في المعنى معلق على فعل مستقبل وهو الشرط؛ لأن: إن أمسكهما جواب للقسم المحذوف، وجواب الشرط المحذوف مستقبل مطلقا فكذلك ما دل عليه وهو جواب القسم.
وأما البيت فإنما انصرف الفعل فيه إلى الاستقبال بإعماله في الظرف المستقبل، وهو قوله: أبدا» انتهى 2. وما قاله الشيخ في الآية الكريمة والبيت ظاهر، ولكنه فهم أن المصنف يوجب صرف الماضي إلى الاستقبال بهاتين القرينتين وليس كذلك؛ لأن المصنف قد صرح في باب القسم بأن ذلك جائز؛ فإنه قال حين ذكر: ما ولا وإن: «إلّا أنّ المنفيّ بها في القسم لا يتغيّر عمّا كان عليه دون قسم 3، إلا إن كان فعلا موضوعا للمضيّ؛ فقد يتجدّد له الانصراف إلى معنى الاستقبال»، ومثل بقوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ 4 وبالآية الكريمة المذكورة هنا وبالبيت المذكور 5، فيحمل المطلق من كلام المصنف على المقيد من كلامه في باب القسم 6. -

................................  ومن القرائن الصارفة الماضي إلى الاستقبال، وذكرها الأبذي: أدوات الشرط: نحو إن قام زيد قام عمرو، ولا خلاف في شيء من ذلك إلا كان زعم المبرد 1 أنها لقوتها في الزمان الماضي من حيث تجردت للدلالة عليه لم تتغير دلالتها بأدوات الشرط كغيرها، فتقول: إن كان زيد قد قام فيما مضى، فقد قام عمرو. وقال الله تعالى: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ 2 معناه عند المبرد: إن كنت قلته فيما تقدم فقد علمته. والصحيح مذهب الجمهور بدليل ورودها في بعض المواضع، والمعنى على الاستقبال. قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا 3. وأما الآية المتقدمة فتحتمل تقديرين: أحدهما: إضمار أكون أي: إن أكن فيما يستقبل موصوفا بأني كنت قلت ذلك فيما مضى، فقد علمته. والآخر: إضمار أقول أي: إن أقل كنت قلته [1/ 48] وفي هذا الثاني من حيث المعنى نظر. ومنها أيضا: لو 4 في أحد قسميها 5؛ كقوله تعالى: وَلَوِ افْتَدى بِهِ 6، وما تقدم من قول الشاعر: 47 - قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم... دون النّساء ولو باتت بأطهار 7 ومنها: إعماله في الظرف المستقبل؛ كقول الشاعر: 48 - وندمان يزيد الكأس طيبا... سقيت إذا تغوّرت النّجوم 8

[احتمال الماضي للحال والاستقبال]

قال ابن مالك: (ويحتمل المضيّ والاستقبال بعد همزة التّسوية وحرف التّحضيض وكلّما وحيث وبكونه صلة أو صفة لنكرة عامّة).
أي أسقيته إذا تغورت النجوم.
ومنها: إضافة اسم الزمان المستقبل إليه، نحو خروج زيد إذا قام عمرو أي إذا يقوم عمرو.
ومنها: عطفه على المستقبل وعطف المستقبل عليه، نحو قعد زيد وسيقوم، أي سيقعد زيد وسيقوم، وكذا سيقوم زيد وقعد أي: وسيقعد 1 وهذه الثانية 2 قالها المصنف 3. ومنها: وقوعه في صلة لما المصدرية إذا كان العامل فيها المستقبل، كقولك: افعل خيرا ما دمت حيّا أي ما تدوم حيّا؛ إلا أن العرب لا تستعمل بعدها إلا الماضي 4؛ لأن معنى الكلام كمعنى الشرط المحذوف الجواب لدلالة ما تقدم عليه، كأنك قلت: افعل هذا ما دمت حيّا وهم لا يحذفون جواب الشرط إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا كقولهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يقولون: إن تفعل.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المراد بالاحتمال أن الماضي إذا وقع بعد ما ذكره جاز أن يراد به المضي في محل، وأن يراد به الاستقبال في محل آخر.
وذلك بحسب ما يفهم من السياق؛ وقد يحتملهما في محل واحد ويختلف حينئذ التأويل.
- - على صرف ندمان لأن مؤنثه بالتاء (شذور الذهب: ص 490). ترجمة الشاعر: هو البرج بن مسهر بن جلاس بن الأرت الطائي، شاعر من معمري الجاهلية، كانت إقامته في بلاد طيّئ (بلاد شمر اليوم) مات قبل الهجرة بنحو ثلاثين سنة، له شعر في ديوان الحماسة.
انظر ترجمته في الأعلام (2/ 16).

................................  فمثال الواقع بعد همزة التسوية قولك: سواء عليّ أقمت أم قعدت؛ فيجوز أن يكون المراد: سواء عليّ ما كان منك من قيام أو قعود، وأن يكون سواء على ما يكون منك منهما، وسواء أكان المعادل فعلا كما مثل أم جملة اسمية، كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ 1. فإن كانت لم يعد أم تعين المضي كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 2؛ لأن المعادل المنفي بلم تعين صرفه بها إلى المضي فوجب مضي ما قبله. ومثال الواقع بعد حرف التحضيض قولك: هلّا فعلت فتجوز إرادة المضي فتكون لمجرد التوبيخ، ولا يكون اقترانه بحرف التحضيض مغيرا للفعل عن وصفه، وتجوز إرادة الاستقبال فيكون بمنزلة الأمر. قال المصنف: ولذلك احتج العلماء على وجوب العمل بخبر الواحد، بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ 3 جعلوه بمنزلة لينفر، وهذان المثالان من المواضع التي يحتمل فيها الفعل المضي والاستقبال في محل واحد. ومثال الواقع بعد كلما والمعنى ماض: قوله تعالى: كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ 4. ومثاله والمعنى مستقبل قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها 5. ومثال الواقع بعد حيث والمعنى على المضي: قوله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ 6. ومثاله والمعنى على الاستقبال قوله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ 7. ومثال الواقع صلة والمعنى ماض قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ 8. ومثاله والمعنى مستقبل قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ 9. وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر: 49 - وإنّي لآتيكم يذكّر ما مضى... من الأمر واستنجاز ما كان في غد 10

................................  [1/ 49] فمضى ماض وكان مستقبل.
ومثال الواقع صفة للنكرة العامة والمعنى على المضي: قول الشاعر: 50 - ربّ رفد هرقته ذلك اليو... م وأسرى من معشر أقتال 1 ومثاله والمعنى على الاستقبال قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فأدّاها كما سمعها» 2. فإن هذا منه - عليه الصلاة والسّلام - ترغيب لمن أدركه في حفظ ما يسمعه، ومعناه: نضر الله امرأ يسمع مقالتي فيؤديها كما يسمعها.
وناقشه الشيخ 3 في المثال الأول: بأن رفدا ليس بنكرة عامة؛ إذ ربّ على ما ينسب لسيبويه للتقليل 4 والتقليل ينافي العموم، قال: - - والشاهد فيه واضح؛ حيث وردت ما موصولة في البيت مرتين صلة كل منهما مختلفة في المعنى وإن اتفقتا في اللفظ.
والبيت في شرح التسهيل: (1/ 32) وفي التذييل والتكميل: (1/ 113). ترجمة الطرماح: هو الطرماح بن حكيم بن الحكم من طيئ شاعر إسلامي فحل، ولد ونشأ بالشام وانتقل إلى الكوفة فكان معلما فيها، واعتقد مذهب الشراة من الأزارقة، واتصل بخالد بن عبد الله القسري، فكان يكرمه ويستجيد شعره، وكان هجاء معاصرا للكميت صديقا له لا يكادان يفترقان.
انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (3/ 325).

................................  ثمّ لا يتعين كون هرقته صفة لرفد؛ إذ يجوز أن يكون هو الجواب العامل في موضعه ربّ رفد على مذهب من لا يشترط وصف مخفوض ربّ، وهو الأصحّ.
انتهى 1. ولا تتوجه هذه المناقشة على المصنف؛ لأنه يرى أن ربّ للتكثير 2، وقد استشهد في باب حروف الجر على ذلك بأبيات منها البيت المذكور 3. على أنا نقول: ليس المراد بالعموم هنا عموم الشمول؛ بل المراد أن النكرة باقية على صلاحيتها لكل مسمى لم يتخصص بشيء من مخصصات النكرة.
وأما قوله: إنّ هرقته لا يتعين كونه صفة فمسلم ولا يضر المصنف ذلك؛ لأنه إنما استشهد بذلك على تقدير أن يكون الفعل صفة؛ فإذا لم يقدر صفة فلا يكون الفعل الماضي وقع صفة للنكرة العامة في البيت المذكور فيطلب الاستشهاد بغيره.

  • وزيادة ما بعدها وهو كثير: (3/ 115). ومباحث أخرى فيها: انظر: (5/ 311).
جارٍ التحميل