تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 927-966

الباب الثاني عشر باب المبتدأ

صفحات 927-966

................................  قال المصنف: لأن في تقديم هذه الجملة خبرا ما في تقديم الظرف من رفع توهم الوصفية مع عدم قبوله الابتدائية 1. الخامس عشر: كونها دعاء، كقول الشاعر: 581 - لقد ألّب الواشون إلبا لبيضهم... فترب لأفواه الوشاة وجندل 2 ومنه: سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ 3. وكذا: ويل لزيد، وأمت في الحجر لا فيك 4، وخير بين يديك 5. السادس عشر: كونها جوابا كقولك: درهم لمن قال لك: ما عندك؟ والتقدير: درهم عندي.
قال المصنف 6: ولا يجوز أن يكون التقدير عندي درهم إلا على -

................................  ضعف؛ لأن الجواب ينبغي أن يسلك به سبيل السؤال، والمقدم في السؤال هو المبتدأ فكان هو المقدم في الجواب، ولأن الأصل تقديم المبتدأ 1 فترك في مثل: عندي درهم لأن التأخير يوهم الوصفية، وذلك مأمون فيما هو جواب، فلم يعدل عن الأصل بلا سبب. السابع عشر: كونها واجبة التصدير كقولك: من عندك؟ وكم درهما لك؟ فمن وكم نكرتان، وجاز الابتداء بهما لأنهما بمنزلة نكرة مسبوقة باستفهام لتضمنها معنى معرفة. الثامن عشر: كونها مقدرا إيجابها بعد نفي كقولهم: شرّ أهرّ ذا ناب 2 لأنه بمعنى ما أهر ذا ناب إلا شر، وشيء ما جاء بك إن جعلنا ما زائدة. أما إن جعلنا صفة كقولهم: ائتني بدرهم ما، فلا تكون المسألة مما نحن فيه، ومنه قول الشاعر: 582 - قدر أحلّك ذا المجاز وقد أرى... وأبيّ ما لك ذو المجاز بدار 3 وقال الآخر: 583 - قضاء رمى الأشقى بسهم شقائه... وأغرى بسبل الخير كلّ سعيد 4

................................  أي: ما أحلك ذا المجاز إلا قدر، وما رمى الأشقى إلا قضاء. وسيبويه قدر المسألة كما قدرها المصنف، فقال: «إنما جاز أن يبتدأ به لأنّه في معنى ما جاء بك إلّا شيء» 1. ونقل الشيخ عن بعضهم: أنه لا يقال: شيء ما جاء بك إلا لمن جاء في وقت ما جرت العادة بأن يجيء في مثله إلا لأمر مهم، وكذلك: شرّ أهر ذا ناب لا يقال إلا في وقت لا يهر الكلب فيه إلا لشيء جرت العادة بذلك، وإلا فالكلب يهر لغير الشر كثيرا 2. وقد انتهت المسوغات التي ذكرها المصنف، وبقي مما ذكره غيره مما لم يندرج تحت عبارة الكتاب مواضع منها: أن تفيد النكرة تعجبا نحو قول الشاعر: 584 - عجب لتلك قضيّة وإقامتي... فيكم على تلك القضيّة أعجب 3 ولو قال المصنف بدل قوله: مقصودا به الإبهام: مقصودا به التّعجّب - لاندرج ذلك فيه مع حصول مقصوده الذي أتى بلفظ الإبهام لأجله، وهي ما التعجبية. ومنها: أن تكون في موضع تفصيل نحو: النّاس رجلان رجل أكرمته ورجل أهنته، وكقول امرئ القيس: 585 - فأقبلت زحفا على الرّكبتين... فثوب نسيت وثوب أجرّ 4

[إعراب قولهم: كم مالك؟ وقولهم: ما أنت وزيد؟]

قال ابن مالك: (والمعرفة خبر النّكرة عند سيبويه في نحو: كم مالك واقصد رجلا خير منه أبوه).
[1/ 332] ومنها: أن تكون النكرة يراد بها واحد مخصوص، نحو ما حكي أنه لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه قالت قريش: صبأ عمر فقال أبو جهل أو غيره: مه رجل اختار لنفسه أمرا فما تريدون؟ ونبه المصنف بقوله أولا: وحصولها يعني الفائدة، في الغالب على أن الفائدة قد يندر حصولها في الإخبار عن نكرة خالية من جميع ما ذكر، كقول من خرقت له العادة برؤية شجرة ساجدة أو سماع حصاة مسبحة: شجرة سجدت وحصاة سبّحت.
وقد خرج الشيخ ذلك على أن المسوغ له التعجب، قال 1: «لأنّ النّاطق بذلك تعجّب من هذا الفارق العظيم».
وقد تقدم أن التعجب من جملة المسوغات، وإن لم ينبه المصنف عليه.
قال ناظر الجيش: عكس سيبويه رحمه الله تعالى الأمر في هاتين المسألتين فجعل المبتدأ نكرة والخبر معرفة، قال المصنف: «لأن وقوع ما بعد أسماء الاستفهام نكرة وجملة وظرفا أكثر من وقوعه معرفة، وعند وقوعه غير معرفة لا يكون إلّا خبرا نحو: من قائم ومن قام ومن عندك.
فحكم على المعرفة بالخبرية ليجري الباب على سنن واحد، وليكون الاقل محمولا على الأكثر - قال: والكلام على أفعل التفضيل كالكلام على أسماء الاستفهام» انتهى 2. وقال الشيخ 3: قال بعضهم: ما أنت وزيد.
ما عند سيبويه مبتدأ وأنت الخبر - - الشاهد.
ومعنى فثوبا نسيت: أي ذهبت بفؤادي حتى نسيت ثوبي وهو كما قال: ومثلك بيضاء العوارض طفلة... لعوب تنسّيني إذا قمت سربالي ورواية الديوان بنصب ثوبا.
قال المحقق: ولو رفعت ثوبا لأصبت تضمر الهاء (الديوان: ص 159). وشاهده: الابتداء بالنكرة لأنها في موضع التفصيل.
والبيت في التذييل والتكميل (3/ 332) ومعجم الشواهد (ص 136).

................................  نص على هذا 1، وغيره يعكس ويقول: قدم الخبر لأجل الاستفهام، وما ذكره سيبويه أولى؛ لأن معنى الاستفهام كالتعريف فحسن الابتداء بالنكرة، وإذا تقدم على المعرفة صار كالمعرفتين نحو زيد أخوك والمتقدم فيهما هو المبتدأ. وقال أيضا: كان القياس يقتضي أن يكون أفعل التفضيل صفة للنكرة قبله، لكن منع من ذلك أن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر فصيحا إلا في مسألة: ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل. ولو جعلت مكان أفعل وصفا لا للتفضيل لرفع الظاهر فكنت تقول: أقصد رجلا محسن لك أبوه، فكان كونه صفة أحسن من كونه مرفوعا، فلما كان محل أفعل التفضيل محل ما يرفع به ما بعده؛ ترك مرفوعا بالابتداء ليرفع به ما بعده، وجعل ما بعده خبرا حتى لا يخلو أفعل التفضيل من العمل فيه 2. قال جمال الدين بن عمرون: «قد جعل ابن جنّي المبتدأ نكرة والخبر معرفة في قول شاعر الحماسة: 586 - أهابك إجلالا وما بك قدرة... عليّ ولكن ملء عين حبيبها 3

[بعض مسائل تقديم الخبر]

قال ابن مالك: (والأصل تأخير الخبر، ويجوز تقديمه إن لم يوهم ابتدائيّة الخبر أو فاعلية المبتدأ أو يقرن بالفاء أو بإلّا لفظا أو معنى في الاختيار، أو يكن لمقرون بلام الابتداء [1/ 333] أو لضمير الشّأن أو شبهه، أو لأداة استفهام أو شرط أو مضاف إلى إحداهما).
فقال: ملء عين مبتدأ وحبيبها خبر وجاز ذلك لمعناه 1. قال ابن عمرون: «معناه يبنى عليه قاعدة صديقي زيد وزيد صديقي، من أن الخبر يكون أعمّ من المبتدأ أو مساويا له وإذا جعل حبيبها الخبر لا يكون ملء العين أعمّ من الحبيب لاستحالة كون المبتدأ أعمّ من الخبر».
انتهى 2. وسيأتي الكلام على مسألة صديقي زيد وعكسها.
قال ناظر الجيش: الأصل تقديم المبتدأ وتأخير الخبر وإنما كان كذلك لأنه قد تقدم الإعلام بأن المبتدأ عامل في الخبر، وإذا كان كذلك فحقه أن يتقدم كما تتقدم سائر العوامل على معمولاتها لا سيما عامل لا يتصرف، ومقتضى ذلك التزام تأخير الخبر، لكن أجيز تقديمه لشبهه بالفعل في كونه مسندا، ولشبه المبتدأ بالفاعل في كونه مسندا إليه، وبمقتضى هذا الأصل جاز: في داره زيد.
وامتنع: صاحبها في الدار كما سيأتي 3. وقد يجب التزام الأصل، وقد يجب تركه، وقد لا يجب واحد منهما، فالأقسام ثلاثة.
وقد أشار المصنف إلى الأول، وهو التزام الأصل بقوله: ويجوز تقديمه إن لم يوهم ابتدائية الخبر إلى قوله: أو مضاف إلى إحداهما، فذكر أنه يجب تأخير الخبر في صور 4: - - البيت، وأن المبتدأ هو ما ذكر أولا وإن كان نكرة، والخبر هو ما ذكر ثانيا وإن كان معرفة.
البيت في شرح التسهيل (1/ 302) والتذييل والتكميل (3/ 351) ومعجم الشواهد (ص 45).

................................  الأولى: أن يوهم تقديمه كونه مبتدأ، وذلك إذا كان الجزآن معرفتين نحو: زيد أخوك، أو نكرتين نحو أفضل منك أفضل مني؛ إذ لا يتميز المبتدأ من الخبر حينئذ إلا بذكر كل منهما في مرتبته، فإن كان ثم قرينة معنوية يحصل بها التمييز لم يجب تقديم المبتدأ، وذلك نحو قول حسان رضي الله عنه: 587 - قبيلة ألأم الأحياء أكرمها... وأغدر النّاس بالجيران وافيها 1 ونحو قول الآخر: 588 - وأغناهما أرضاهما بنصيبه... وكلّ له رزق من الله واجب 2 فألأم الأحياء وأغناهما خبران مقدمان، وأكرمها وأرضاهما مبتدآن مؤخران مع التساوي في التعريف؛ لأن المعنى إنما يصح بذلك. ومثل ذلك قول الآخر: 589 - بنونا بنو أبنائنا وبناتنا... بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد 3

................................  فبنونا خبر مقدم، وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخر؛ لأن مراد القائل الإعلام بأن بني أبنائهم كبنيهم.
فالمؤخر مشبه والمقدم مشبه به.
لا يستقيم المعنى إلا بهذا التأويل.
وعلى هذا يجوز في: زيد زهير شعرا، وعمرو عنترة شجاعة، وأبو يوسف أبو حنيفة فقها - تقديم زهير وعنترة وأبي حنيفة وإن كانت أخبارا مشبها بها المبتدأ لوضوح المعنى.
والمسلم بأن الأعلى لا يشبه بالأدنى عند قصد الحقيقة، وكذلك قول الشاعر: 590 - جانيك من يجني عليك وقد... تعدي الصّحاح مبارك الجرب 1 أي: كاسيك الذي تعود جنايته عليك، فمن يجني مبتدأ لأن المعنى عليه.
ومن تقدم الخبر لوضوح المعنى مع مساواته المبتدأ في التنكير قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مسكين مسكين رجل لا زوج له» 2. واعلم أن هذا الذي قيده المصنف فيما إذا تساوى الخبر مع المبتدأ في تعريف أو تنكير، وكان ثم قرينة تميز أحدهما من الآخر جاز التقديم، وإن لم يكن ثم قرينة امتنع، ولزم ذكر كل منهما في رتبته وهو الحق.
وقد وقع في كلام غيره ما يقتضي مخالفة ما ذكر في التسهيل، فقال بعضهم: إذا تساويا في التعريف امتنع التقديم، وأطلق القول بذلك، ولم يقيده بما قيده المصنف 3. وقال آخر: يجوز تقديم الخبر [1/ 334] مع المساواة وإن لم يكن ثم قرينة، وقالوا: الفائدة تحصل للمخاطب سواء قدمت الخبر أو أخرته حتى وقع الخلاف في قول الشاعر: 591 - وأنت الّتي حبّبت كلّ قصيرة... إليّ وما تدري بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد... قصار الخطا شرّ النّساء البحاتر 4

    • واستشهد به أهل البيان في التشبيه المقلوب.
      وشاهده واضح من الشرح، وانظر ما قلناه في الشاهد الذي قبله.
      والبيت في شرح التسهيل (1/ 297) والتذييل والتكميل (3/ 337) ومعجم الشواهد (ص 115).

................................  فقال بعضهم: «شرّ النساء خبر مقدم، والبحاتر مبتدأ مؤخّر، ولا يجوز غيره؛ لأن الشّاعر أراد أن يحكم على البحاتر أنهن شرّ النساء».
وقال بعضهم: «لا يجوز ذلك لئلّا ينقلب المبتدأ خبرا والخبر مبتدأ» وجوز ابن السيد في البيت الأمرين 1. والحق أنه إذا لم يكن قرينة تفصل المبتدأ من الخبر لزم ذكر كل منهما في رتبته، ولو عكست انعكست النسبة.
وبيان ذلك فيما إذا كانا معرفتين أن الشيء قد يكون له صفتان من صفات التعريف، ويكون السامع عالما باتصافه بإحداهما دون الأخرى إذا أردت أن تخبر بأنه متصف بالأخرى، فتعمد إلى اللفظ الدال على الأولى، وتجعله مبتدأ، وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية وتجعله خبرا، فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصافه بالثانية.
كما إذا كان للسامع أخ يسمى زيدا وهو يعرف بعينه واسمه، ولكن لا يعرف أنه أخوه وأردت أن تعرفه أنه أخوه، فتقول له: زيد أخوك سواء عرف أن له أخا ولم يعرف أن زيدا أخوه: أو لم يعرف أن له أخا أصلا، وإن عرف أن له أخا في الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت: أخوك زيد.
أما إذا لم يعرف أن له أخا أصلا فلا يقال - - اللغة: قصيرة: قال صاحب اللسان (مادة قصر) «امرأة قصيرة ومقصورة مصونة محبوسة في البيت لا تترك أن تخرج».
الحجال: جمع حجلة وهي ثياب العروس وأصله بيت يزين بالثياب والأسرة والستور.
البحاتر: قال في اللسان (مادة بحترة) «البحتر بالضّمّ القصير المجتمع الخلق والأنثى بحترة والجمع البحاتر».
وكثير يمدح فتاته بأنها مصونة محبوسة عن أعين الناس، وذكر أن حبيبته فارعة طويلة وليست بالقصيرة؛ لأن القصير في النساء مذموم.
وفي البيت كلام كثير في الشرح، هل يكون قوله: شر النساء خبرا مقدما وما بعده مبتدأ مؤخرا؟ أم يكون العكس؟ والصحيح كما حكاه ابن السيد جواز الأمرين.
واستشهد النحاة: بالبيت الأول لإعادة ضمير الخطاب على الموصول.
والبيتان في التذييل والتكميل (3/ 98، 324، 339) ومعجم الشواهد (ص 155).

................................  ذلك لامتناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطب أصلا، فظهر بهذا الفرق بين قولنا: زيد أخوك، وقولنا: أخوك زيد، وكذا إذا عرف السامع إنسانا يسمى زيدا بعينه واسمه، وعرف أنه كان من إنسان انطلاق ولم يعرف أنه كان من زيد أو، غيره فأردت أن تعرفه أن زيدا هو ذاك المنطلق، فتقول: زيد المنطلق، وإن أردت أن تعرفه أن ذلك المنطلق هو زيد قلت: المنطلق زيد.
وقد أشار ابن الخباز إلى شيء من هذا، فقال 1: زيد المنطلق يقال لمن كان عارفا بزيد وله عهد بأنّ رجلا قد انطلق ولا يعرف أن المعهود بالانطلاق زيد.
فإذا قلت: زيد المنطلق فقد عرفته أنه هو المعهود، وكذا إذا قلت: زيد أخوك، فقد عرفته الأخوة، وهو يعلم أن اسم الرجل زيد، وإذا قلت: أخوك زيد فقد عرّفته الاسم وهو يعرف الأخوة.
ثم كأنه استشكل في صورة زيد أخوك أن يكون السامع يجهل الأخوة، قال: فإن قلت: ما المسوغ لهذا قلت: هذا يقال في موضعين: أحدهما: أن يكون المخاطب قد نسي فيذكر.
والثاني: أن تريد إيقاع المساءة به، فيقال: زيد أخوك فيذكّر بالقرابة ليعفو.
انتهى.
ومما يتصل بهذا مسألة: زيد صديقي وصديقي زيد، فمع تقديم زيد لا يلزم انحصار الصداقة فيه، ومع تقديم صديقي يلزم انحصار الصداقة فيه.
والذي ذكره النحاة أن ذلك إنما كان من حيث أن الخبر لا بد أن يكون أعم من -

................................  المبتدأ أو مساويا له؛ فإذا قيل: زيد صديقي كان الخبر [1/ 335] صالحا لأن يكون أعم من المبتدأ فتجعله كذلك.
ومن ثم لم يلزم انحصار الصداقة في زيد في هذه الصورة.
وإذا قيل: صديقي زيد امتنع أن يجعل الخبر الذي هو زيد أعم من المبتدأ، فلم يبق إلا أن يجعل زيد مساويا لصديقي الذي هو المبتدأ، وإلّا لكان الخبر أخص من المبتدأ وأنه غير جائز، وإذا ثبت أنه مساو لزم انحصار الصداقة في زيد ضرورة أن كل من هو صديقي مساو لزيد، فيكون قد حصر.
الصورة الثانية: من الصور التي يمتنع فيها تقديم الخبر: أن يوهم تقديمه فاعلية المبتدأ وذلك إذا كان المبتدأ مخبرا عنه بفعل فاعله ضمير مستتر، نحو: زيد قام، فإنه لا يجوز تقديم الخبر؛ لأن تقديمه يوهم كون الجملة مركبة من فعل وفاعل.
وفهم من قول المصنف: إن لم يوهم فاعلية المبتدأ - أن فاعل الفعل الواقع خبرا لو كان بارزا جاز التقديم لعدم الإيهام كقولك في الزيدون قاموا: قاموا الزيدون، ومثله قاما الزيدان في: الزيدان قاما - على أن قاموا وقاما خبران مقدمان.
قال المصنف: «ولا يمتنع احتمال كونه على لغة أكلوني البراغيث؛ لكنّ تقديم الخبر أكثر في الكلام من تلك اللغة، والحمل على الأكثر راجح» 1 انتهى.
وقد قال الشيخ 2: «إن في تقديم الخبر إذا كان فعلا رافعا لضمير بارز خلافا، وإن منهم من يمنع ذلك إجراء لضمير التثنية والجمع مجرى الضمير المفرد؛ لأنهما فرعه» قال: «فيجري الباب مجرى واحدا، وإذا ورد مثل قاما الزيدان كانت الألف عند المانع إما علامة وإما ضميرا، والاسم بعدها بدل منها».
قلت: ولا يخفى ضعف هذا القول وضعف مستنده، وإن الحق ما ذكره المصنف.
وإذا كان مرفوع الفعل ضميرا منفصلا أو ظاهرا سببيّا فلا خلاف في جواز تقديم الخبر على الفعل الرافع لذلك الضمير، أو الظاهر نحو: ما قام إلا هو زيد، وقام أخوه زيد فإن كان المرفوع ظاهرا غير سببي جاز التقديم على قبح نحو ضرب أبو بكر زيد أي -

................................  زيد ضربه أبو بكر، وقد قرئ (وسع كرسيه السماوات والأرض) 1 على معنى السموات والأرض وسعهما كرسيه، والظاهر أن نحو ضرب أبو بكر زيد لم يقبح من جهة التقديم؛ لأننا لو لم نقدم وقلنا: زيد ضرب أبو بكر لكان قبيحا من جهة حذف العائد، فلما قدم استمر قبحه. الصورة الثالثة: أن يقرن الخبر بالفاء أو بإلا لفظا أو معنى. أما الأول: فنحو الذي يأتيني فله درهم، والعلة في ذلك أن سبب اقترانه بالفاء شبهه بجواب الشرط فلم يجز تقديمه كما لا يجوز تقديم جواب الشرط. وأما الثاني: فنحو قوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ 2. وأما الثالث 3: فنحو قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ 4 لأنه في معنى ما أنت إلا نذير، وعلة ذلك أن الحصر مقصود، وإنما يستفاد بالتأخير. وأشار بقوله: في الاختيار: إلى أن تقديم الخبر المقترن بإلا قد يرد في الشعر [1/ 336] كقول الكميت: 592 - فيا ربّ هل إلّا بك النّصر يرتجى... عليهم وهل إلّا عليك المعوّل 5

................................  الصورة الرابعة: أن يكون الخبر لمبتدأ بقرون بلام الابتداء، أو لمبتدأ هو ضمير الشأن أو شبه ضمير الشأن، أو لمبتدأ هو أداة استفهام أو شرط، أو لمبتدأ مضاف إلى إحدى الأداتين.
أما الأول: فنحو لزيد عندك؛ وذلك لأن اقتران اللام المذكورة به تؤكد الاهتمام بأوليته، وتقديم خبره عليها مناف لذلك، ولأن اللام لها الصدر، ولاستحقاقها التصدير امتنع تأثر مصحوبها بأفعال القلوب في نحو علمت لزيد كريم 1. قال المصنف 2: «فإن وقع ما يوهم تقديم غير مصحوبها حكم بزيادتها، أو بتقدير مبتدأ بينها وبين مصحوبها الظاهر كقول الشاعر: 593 - خالي لأنت ومن جرير خاله... ينل العلاء ويكرم الأخوالا 3 فلك أن تجعل اللام من قوله لأنت زائدة في الخبر كزيادتها في قول الراجز: 594 - أمّ الحليس لعجوز شهربه... [ترضى من اللحم بعظم الرّقبه] 4 ولك أن تجعلها لام ابتداء داخلة على مبتدأ خبره أنت كأنه قال: خالي لهو أنت -

................................  وزيادتها أولى؛ لأن مصحوب لام الابتداء مؤكد بها، وحذف المؤكد مناف لتوكيده.
ومن زيادتها مع الخبر قول كثير: 595 - أصاب الرّدى من كان يهوى لك الرّدى... وجن اللواتي قلن عزّة جنّت فهنّ لأولى بالجنون وبالخنا... وبالسّيّئات ما حيين وحيّت 1 ومن زيادتها مع المبتدأ 2 قول الخنساء: 596 - وبنفسي لهموم... فهي حرّى أسفه 3 وأما الثاني: أعني الخبر الذي هو لمبتدأ، وذلك المبتدأ هو ضمير الشأن، فنحو هو زيد منطلق، وإنما امتنع تقديم الخبر عليه؛ لأنه لو قدم لقيل: زيد منطلق هو لم يعلم كونه ضمير الشأن، ولتوهم كونه مؤكدا للضمير المستكن في الخبر.
وأما شبه ضمير الشأن: فنحو قول القائل: كلامي: زيد منطلق، وإنما امتنع التقديم فيه لأن سامع قولك: زيد منطلق قد علم أنه كلامك إذا قلت زيد منطلق كلامي، -

................................  فيتنزل قولك كلامي بعد ذلك منزلة قولك كلامي هو كلامي، ولا فائدة في ذلك.
وأما المبتدأ الذي هو أداة استفهام فنحو: أيّهم أفضل؟ والذي هو أداة شرط: من يقم أقم معه.
والمضاف إلى إحداها: غلام أيهم أفضل وغلام من يقم أقم معه، والعلة في هذه الأربعة واحدة، وهي أن أداة الاستفهام والشرط لها صدر الكلام، وكذا المضاف إلى كل منهما.
فهذه الصور التي ذكر المصنف أن المبتدأ واجب التقديم فيها، وهي في الحقيقة اثنتا عشرة 1 صورة، لكنها منظومة تحت أربع إجمالا، فلهذا ذكرتها في العد أربعة.
وذكر ابن عصفور وغيره صورا أخرى، وهي 3: أن يكون الخبر لكم الخبرية أو لما التعجبية [1/ 337] أو يكون المبتدأ شبيها بالخبر أو يكون المبتدأ قد استعمل خبره مؤخرا عنه في مثل أو كلام جار مجراه نحو: الكلاب على البقر.
فقد يستدرك على المصنف بذلك ولا استدراك عليه.
أما كم الخبرية: فمن المعلوم أن حكمها حكم الاستفهامية، فقد اندرجت في كلامه حيث ذكر أداة الاستفهام، وقد نصّ المصنف في هذا الكتاب أعني التسهيل على أن كم لزمت التصدير ولم يقيدها بالاستفهامية 4. وأما التعجبية، فقد علم منع تقديم خبرها عليها من قوله: إن لم يوهم فاعلية -2567891011

................................  المبتدأ؛ لأن الخبر فعل رافع ضميرا مستترا.
وأما كون المبتدأ مشبها بالخبر - فقد تقدم في أول هذا الفصل ما يدل على أن تقديم الخبر في مثل ذلك غير ممتنع ومن ذلك قول حسان: قبيلة ألأم الأحياء أكرمها... لأن التقدير أكرمها ألأم الأحياء.
وكذا قول الآخر: بنونا بنو أبنائنا... أي بنو أبنائنا بنونا.
وأما المبتدأ المستعمل خبره مؤخرا فلا يحتاج إلى التنبيه عليه؛ لأنه قد تقرر أن المثل لا يغير، وكذا ما هو جار مجراه.
ونقل الشيخ رحمه الله أن بعضهم 1 زاد أن الخبر لا يقدم في مثل: الحمد لله، والويل لزيد، ولعنة الله على الظالمين، والخيبة لزيد وكذا ويح لزيد وويل له، وخير بين يديك وسلام عليك، وضابطه: أن يكون المبتدأ فيه معنى الدعاء معرفة كان أو نكرة كما مثل حتى قال هذا القائل: إن نحو لله الحمد وقول الشاعر: 597 - له الويل إن أمسى ولا أمّ هاشم... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا 2 خرج مخرج الخبر الثابت الذي لا يرجى ولا يطلب.
قلت: وفي منع ذلك نظر 3، والظاهر أن تقديم الخبر في مثل ذلك لا يمتنع.
قال: وكذا لا يقدم إذا كان جملة لا تحتمل الصدق والكذب، نحو: زيد اضربه، وزيد هلا ضربته.

[حكم «في داره زيد» وأشباهه]

قال ابن مالك: (ويجوز نحو في داره زيد إجماعا، وكذا في داره قيام زيد، وفي دارها عبد هند عند الأخفش).
قال ناظر الجيش: قد علمت أن المبتدأ والخبر بالنسبة إلى تقديم أحدهما على الآخر وتأخيره عنه ثلاثة أقسام.
وقد ذكر القسم الذي يجب فيه تقديم المبتدأ، وسنذكر القسم الذي يجب فيه تقديم الخبر، ولا شك أنه إذا أتى على القسمين وجب الاكتفاء بهما عند ذكر الثالث وهو قسم الجواز، فمن ثم لم يحتج إلى ذكره.
لكن لما كان في بعض الصور منه خلاف، وهو ما إذا اشتمل على ضمير عائد على ما أضيف إليه المبتدأ لا إلى المبتدأ نفسه أراد أن ينبه على ذلك، وأنا أورد الكلام فيه عقب القسم الأول؛ لأن من لا يجيز التقديم في مثل: في داره قيام زيد تكون هذه الصورة عنده واجب فيها تقديم المبتدأ فينظمها مع الصور التي يجب فيها تقديم المبتدأ، فكأن المخالف يقول: ولا تلتحق بالصور التي ذكرت أنها يجب فيها التقديم المذكور بالصورة الفلانية، بل تكون من صور القسم الجائز فيها التقديم والتأخير.
إذا تقرر هذا فاعلم أن المصنف إنما ذكر مسألة في داره زيد توطئة للمسألة التي فيها الخلاف من حيث أن الثانية فرع الأولى فكأنها مبنية عليها، ولم يذكرها لأنها مقصودة في نفسها [1/ 338]. وحاصل الأمر أن الخبر إذا اشتمل على ضمير عائد على المبتدأ نحو: في داره زيد جازت المسألة بلا خلاف؛ إذ ليس في ذلك إلا تقديم خبر مشتمل على ضمير عائد على مبتدأ متأخر، ولا بأس بذلك لأنه مقدم رتبة فأجمع على جوازه كما أجمع على جواز، ضرب غلامه زيد في داره.
فإن كان الخبر مشتملا على ضمير عائد على ما أضيف إليه المبتدأ نحو: في داره قيام زيد جازت المسألة أيضا على الأصح، وسواء في ذلك ما كان صالحا للحذف وإقامة المضاف إليه مقامه نحو المثال المذكور، وما لا يصلح لذلك نحو: في دارها عبد هند، هذا مذهب البصريين.
والكوفيون لا يجيزون ذلك، ولكن المصنف نسب القول بجواز هذه المسألة إلى الأخفش خاصة.
قال: وبقوله أقول؛ لأنّ المضاف والمضاف إليه كشيء واحد؛ فإذا كان المضاف مقدر التّقديم بوجه ما كان المضاف إليه مقدّرا معه؛ إلا أنّ تقديم ضمير ما يصلح أن يقام مقام المضاف أسهل، ومنه قول العرب: في أكفانه درج الميّت، وقول الشاعر: -

[بقية مسائل تقديم الخبر وجوبا]

قال ابن مالك: (ويجب تقديم الخبر إن كان أداة استفهام، أو مضافا إليها، أو مصحّحا تقديمه الابتداء بالنّكرة، أو دالّا بالتقديم على ما لا يفهم بالتّأخير أو مسندا دون أمّا إلى أنّ وصلتها، أو إلى مقرون بإلّا لفظا أو معنى، أو إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر، وتقديم المفسّر إن أمكن مصحّح خلافا للكوفيين إلا هشاما ووافق الكسائي في جواز نحو: زيدا أجله محرز لا في نحو: زيدا أجله أحرز).
598 - بمسعاته هلك الفتى أو نجاته... فنفسك صن عن غيّها تك ناجيا 1 قال ناظر الجيش: هذا هو القسم الذي يجب فيه ترك الأصل، وهو تقديم الخبر، وذكر أنه واجب في ثماني صور: الأولى والثانية: إذا كان الخبر أداة استفهام أو مضافا إليها.
نحو أين زيد وصبيحة أي يوم سفرك، وذلك لأن الاستفهام، له صدر الكلام كما تقدم.
الثالثة: إذا كان تقديم الخبر يصحح الابتداء بالنكرة، وقد تقدم أن من مصححات الابتداء بنكرة أن يخبر عنها بظرف مقدم مختص نحو: عندك رجل.
وإنما كان تقديمه مصححا؛ لأن تأخيره يوهم كونه نعتا وتقديمه يؤمن من ذلك، وكذا النكرة المخبر عنها بجار ومجرور مختص نحو لك مال، أو بجملة متضمنة لما تحصل به الفائدة نحو: قصدك غلامه رجل؛ فلولا الكاف من قصدك لم يفد الإخبار بالجملة، كما أنه لولا اختصاص الظرف والمجرور 2 لم يفد الإخبار بهما وإلى الظرف المختص واللاحق -

................................  به من الجار والمجرور والجملة أشار بقوله: أو مصححا تقديمه الابتداء بالنّكرة. الرابعة: إذا كان الخبر دالّا بالتقديم على المبتدأ على ما لا يفهم بالتأخير عنه نحو: لله درّك من الجمل التعجبية؛ فإن تعجبها لا يفهم إلا بتقديم الخبر وتأخير المبتدأ، وكذا نحو: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [1/ 339] أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 1. من الجمل الاستفهامية المقصود بها التسوية فإن الخبر فيه لازم التقديم وذلك أن المعنى: سواء عليهم الإنذار وعدمه، فلو قدم أأنذرتهم لتوهم السامع أن المتكلم يستفهم حقيقة، وذلك مأمون بتقديم الخبر فكان ملتزما 2. الخامسة: إذا كان الخبر مسندا إلى أن المفتوحة وصلتها كقولك: معلوم أنك فاضل، وكقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ 3 وسبب ذلك خوف التباس إنّ المكسورة بالمفتوحة، أو خوف التباس أن المصدرية بأنّ الكائنة بمعنى لعل، أو خوف التعرض لدخول إن على أن مباشرة، وفي ذلك من الاستثقال ما يخفي؛ فلو ابتدئ بأن وصلتها بعد أما لم يلزم تقديم الخبر؛ لأن المحظورات الثلاثة مأمونة بعد أما؛ إذ لا يليها إن المكسورةو لا أن التي بمعنى لعل، فجاز أن يقال: أما معلوم فإنك فاضل وأما أنك فاضل فمعلوم، ومنه قول الشاعر: 599 - دأبي اصطبار وأمّا أنني جزع... يوم النّوى فلوجد كاد يبريني 4

................................  السادسة والسابعة: أن يكون الخبر مسندا إلى مقرون بإلّا لفظا أو معنى نحو قولك: ما فى الدّار إلّا زيد وإنّما عندك عمرو وقد تقدمت الإشارة إلى العلة الموجبة لتأخير المقترن بإلا 1. الثامنة: أن يكون الخبر مسندا إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر 2 كقول الشاعر: 600 - أهابك إجلالا وما بك قدرة... عليّ ولكن ملء عين حبيبها 3 فحبيبها ملتبس بضمير العين، وملء عين خبر واجب التقديم؛ لأنه لو أخر عن المبتدأ لزم عود الضمير إلى شيء ملتبس بالخبر، وهو متأخر لفظا مع أنه متأخر رتبة، وذكر الالتباس أولى من ذكر الإضافة؛ لأن الالتباس يعم الإضافة وغيرها، فمثال الالتباس بالإضافة ما في البيت من قول الشاعر: ولكن ملء عين حبيبها.
ومثال الالتباس بغير إضافة قولك: معرض عن هند المرسل إليها.
وأشار المصنف بقوله: وتقديم المفسّر إن أمكن مصحح إلى آخر الفصل - إلى أنه إذا التبس المبتدأ بضمير اسم ملتبس بالخبر، وأمكن تقديم صاحب الضمير صحت المسألة عند البصريين وهشام الكوفي 4 نحو زيدا أجله محرز، وزيدا أجله أحرز.
ووافق الكسائي في مسألة اسم الفاعل لا في مسألة الفعل.
وعضد أبو علي قول الكسائي بأن قال 5: المبتدأ وخبره المفرد بمنزلة الفعل والفاعل، فكما لا يمتنع: - - التباس المكسورة بالمفتوحة، أو من التباس المصدريّة التي بمعنى لعل ما لم يكن المبتدأ المذكور بعد أمّا، فإنّه يجوز فيه التقديم والتأخير، والبيت في شرح التسهيل (1/ 302) والتذييل والتكميل (3/ 351) ومعجم الشواهد (ص 404).

................................  زيدا أحرز أجله لا يمتنع زيدا أجله محرز؛ لأنه لم يفصل بين المنصوب وناصبه أجنبي بخلاف: زيدا أجله أحرز؛ فإن الأجل وإن كان الفعل خبره فالإخبار بالفعل على خلاف الأصل؛ لأن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقل بهما كلام، فعدّ المبتدأ قبلهما أجنبيّا بخلاف وقوعه قبل اسم الفاعل؛ فإن اتصال المبتدأ به على الأصل لأنه مفرد. قال المصنف 1: وقد يفرق بين الصورتين بأن اسم الفاعل لا يجب تأخيره، فلا يمتنع تقديم معموله بخلاف الفعل؛ فإن تأخيره إذا وقع خبر مبتدأ واجب، فلا يجوز تقديم معموله [1/ 340] فإن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل، وهذه شبهة شهرت عند النحويين، وفيها إذا لم تقيد ضعف؛ لأن تقديم معمول العامل العارض منع تقديمه منبه على ما كان له من جواز قبل عروض العارض، فالحكم بجوازه أولى من الحكم بمنعه ما لم يكن في ذلك إخلال بلازم؛ لأن منعه مفوت للتنبيه على الأصل، ولأجل ذلك جاز أن يقدم على لن ولم ولا واللام الطلبيتين معمولات معمولاتهن، نحو: زيدا لن أضرب، وعمرا لم أكرم، والعلم لتطلب والجاهل لا تعجب. وقول أبي علي: إن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقل بهما كلام، فعد المبتدأ قبلهما أجنبيّا تخيّل جدلي لا ثبوت له عند التحقيق؛ لأن الجملة لا تقع موقع المفرد إلا لتؤدي معناه وتقوم مقامه، فلا يعد ما هي له خبرا أجنبيّا كما لا يعد أجنبيا ما الفرد له خبر. فالحاصل: أن الصحيح ما ذهب إليه البصريون من التسوية في الجواز بين زيد أجله محرز وزيد أجله أحرز بل المثال الآخر أولى بالجواز؛ لأن العامل فيه فعل، وفاعل المثال الأول اسم فاعل. فمن لم يمنع الأول دون الآخر فقد رجح فرعا على أصل، ومن منعهما فقد ضيق رحيبا وبعد قريبا. ومن حجج البصريين قول الشاعر: 601 - خيرا المبتغيه حاز وإن لم... يقض فالسّعي في الرّشاد رشاد 2

................................  هذا مثال زيدا أجله أحرز، انتهى كلام المصنف ولا يخفى حسنه 1. واعلم أنه كما يتصل بالفاعل ضمير يعود على المفعول أو على ما أضيف إليه، وبالمفعول ضمير يعود على الفاعل، أو على ما أضيف إليه، وقد تقدم ذلك في باب المضمر، وأن المتصور فيه بالنسبة إلى تقديم المفعول على الفاعل وتأخيره عنه أربع مسائل: هي: ضرب غلامه زيد، وضرب غلامها بعل هند، وضرب غلامه زيدا، وضرب غلامها بعل هند.
وإن المثال الأول لا خلاف في جوازه، والمثال الثاني جائز على القول المتصور، والثالث ممتنع عند الأكثرين، وجائز على رأي جماعة منهم المصنف، وإن القول بالجواز هو الصحيح، وأما المثال الرابع فممتنع بلا خلاف قد يتصور 2 بين المبتدأ والخبر إذا اتصل الضمير العائد على أحدهما، أو على ما أضيف إليه، أو على شيء يلتبس به الآخر، فيقال: إن ضرب غلامه زيد نظيره هنا في داره زيد 3 ومن ثم كانت جائزة إجماعا كتلك.
وإن ضرب غلامها بعل هند نظير في داره قيام زيد، وفي دارها عبد هند 4 والأصح أنها جائزة كما أن الأصح في تلك الجواز وأن ضرب غلامه زيدا نظيره صاحبها في الدار 5. لكن هذه هنا ممتنعة بلا خلاف، وتلك في جوازها خلاف، والسبب في ذلك أن الضمير في مسألة ضرب غلامه زيدا عائد على نفس المفعول، والمفعول مستحضر بذكر الفاعل، فلما كان مشعورا به نزل منزلة ما هو متقدم ذكرا، فروعي فيه ذلك وإن كان متأخرا لفظا ورتبة.
وأما الضمير في نحو صاحبها في الدار فلم يعد على الخبر نفسه حتى يقال إن الشعور به قد حصل بذكر المبتدأ لو قيل صاحبها في الدار مثلا [1/ 341] بل إنما عاد - - البيت في شرح التسهيل (1/ 303) وفي التذييل والتكميل (3/ 356) وليس في معجم الشواهد.

[الخبر: تعريفه وأنواعه وحديث طويل عنه]

قال ابن مالك: (فصل - الخبر مفرد وجملة والمفرد مشتقّ وغيره، وكلاهما مغاير للمبتدأ لفظا متّحد به معنى، ومتّحد به لفظا دالّ على الشّهرة وعدم التّغيّر، ومغاير له مطلقا دالّ على التّساوي حقيقة أو مجازا، أو قائم مقام مضاف، أو مشعر بلزوم حال تلحق العين بالمعنى والمعنى بالعين مجازا).
على شيء يلتبس بالخبر والمبتدأ، وإن أشعر بالخبر لا إشعار له بما التبس بالخبر، فمن ثم لم يكن لجواز صاحبها في الدار مسوغ، ومن أجل أن الضمير المتصل بالمبتدأ لا يعود على الخبر نفسه، إنما يعود على شيء ملتبس به - كان تقديم ما يعود عليه الضمير ممكنا، فلهذا قيل: إن المفسر للضمير إذا أمكن تقديمه وقدم جازت المسألة نحو: زيدا أجله محرز، وزيدا أجله أحرز.
وأما المسألة الرابعة وهي ضرب غلامها بعل هند فلم يذكر لها هنا ما يصلح أن يكون نظيرا، ويمكن أن يزاد في نحو هذا المثال مضاف، فيكون نظيرا، وذلك نحو أن يقال: غلام هند إحسانها قيد، والظاهر أن ذلك لا يجوز.
وإذا كان نحو: ضرب غلامها بعل هند ممتنعا فهذا أولى بالمنع.
قال ناظر الجيش: اعلم أن الخبر هو محل الفائدة، والأقرب أن يقال في حده 1: إنّه المجرّد من العوامل اللفظية الفعلية 2 وما شابهها المسند إلى مبتدأ.
وإنما قيد المسند بكونه إلى مبتدأ ولم يقتصر على المسند، لئلا يدخل في حد الخبر الصفة الواقعة مبتدأة من نحو: أقائم الزيدان، فإنه يصدق عليها أنها مجردة من العوامل المذكورة مسندة وليست الخبر.
ثم الخبر إما مفرد وإما جملة والمفرد قسمان: مشتق وغير مشتق أي جامد، والجملة قسمان: اسمية وفعلية.
والمراد بالمفرد هنا ما لعوامل الأسماء تسلط على لفظه عاريا كان من إضافة وشبهها أو ملتبسا بأحدهما نحو: زيد منطلق وعمر صاحبك 3 وبشر قائم أبواه.
-

................................  والجملة: ما تتضمن جزأين ليس لعوامل الأسماء تسلط على لفظ أحدهما نحو: زيد أبوه عمرو، وبشر حضر أخوه؛ فنحو قائم أبواه من المثال الثالث ليس بجملة عند المحققين لتسلط العوامل على أول جزأين. قال المصنف 1: والمراد بالمشتق هنا ما دل على متصف مسوغا من مصدر مستعمل أو مقدر، فذو المصدر المستعمل نحو: ضارب ومضروب وحسن وأحسن، وذو المصدر المقدر نحو: ربعة وحزوّر. وقفاخر من الصفات التي لا مصادر لها ولا أفعال 2 فيقدر لها مصادر كما تقدر للأفعال التي لم يستعمل لها مصادر. وغير المشتق: ما عري مما وسم به المشتق. وكل واحد من النوعين إذا أخبر به عن مبتدأ فالأكثر أن يغايره لفظا ويتحد به معنى، نحو: هذا زيد، وزيد فاضل. فالشخص المشار إليه بهذا هو المعبر عنه بزيد فقد اتحدا معنى وتغايرا لفظا، وكذا زيد فاضل. وقد يقصد بالخبر المفرد بيان الشهرة وعدم التغير، فيتحد بالمبتدأ لفظا، ويكون أيضا على نوعين: مشتق كقول رجل من طيئ [1/ 342]: 602 - خليلي خليلي دون ريب وربّما... ألان امرؤ قولا فظنّ خليلا 3 وغير مشتق كقول أبي النجم: 603 - أنا أبو النّجم وشعري شعري... [لله درّي ما أجنّ صدري] 4

................................  أي: خليل من لا أشك في صحة خلته، ولا يتغير في حضوره ولا غيبته، وشعري على ما ثبت في النفوس من جزالته، والتوصل به من المراد إلى غايته، وقد يفعل مثل هذا بجواب الشرط 1 كقولك: من قصدني فقد قصدني، أي فقد قصد من عرف بنجاح قاصده، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله» 2. يعني أن المعنى: فقد وقعت موقعها لما حصل فيها من جزيل الثواب.
وقد يكون مغايرا للمبتدأ في لفظه ومعناه، والحامل على ذلك الإعلام بالتساوي في الحكم حقيقة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ 3 أو مجازا كقول الشّاعر: 604 - ومجاشع قصب هوت أجوافها... لو ينفخون من الخؤرة طاروا 4 وقد يكون المغاير لفظا ومعنى قائما مقام مضاف كقوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ 5، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ 6 ويدخل في هذا أيضا الدال على التساوي مجازا، فيقدر فعل مضاف إلى الخبر في قولهم: زيد زهير ومجاشع قصب، ونحو ذلك، وقد يكون المغاير لفظا ومعنى مشعرا بحال تلحق العين بالمعنى - - شرح التسهيل: (1/ 304) والتذييل والتكميل: (4/ 10) ومعجم الشواهد (ص 478).

................................  أو المعنى بالعين، فالأول: نحو قولك زيد صوم تريد المبالغة كأنك جعلته نفس الصوم، ولا يراد بذلك ذو صوم؛ لأن ذا الصوم يصدق على القليل الصوم وكثيره، وهو صوم لا يصدق إلا على المدمن الصوم، وكذلك ما أشبهه 1. والثاني: نحو نهار فلان صائم وليله قائم، ومنه: وَالنَّهارَ مُبْصِراً 2 وكقول الشاعر أنشده سيبويه 3: 605 - أمّا النّهار ففي جوف وسلسلة... واللّيل في جوف منحوت من السّاج 4 ومن هذا القبيل قولهم: شعر شاعر وموت مائت.
انتهى كلام المصنف 5. ويتعلق به أبحاث: الأول: أفهم كلامه أن الخبر الواقع ظرفا أو مجرورا ليس قسما برأسه كما ذهب إليه ابن السراج 6 فقال: إنه ليس من قبيل المفرد ولا من قبيل الجملة بل إنه منطو في أحد القسمين إما المفرد وإما الجملة وسيأتي الكلام في ذلك عند تعرض المصنف له.
الثاني: نازعه الشيخ في: ربعة وحزوّر وتفاخر مصوغة من مصادر أهملت، وأنها تقدر لها مصادر، فقال 7: -

................................  لا يلزم ذلك وإن كانت تستعمل أوصافا؛ لأن الإخبار بها لا يستلزم اشتقاقها، وإن استعملت نعوتا أو أخبارا ورفعت ما بعدها فإنما ذلك لإجرائها مجرى المشتق.
قال: وقد ذكر المصنف ذلك في باب النعت؛ فإنه لما قسم النعت إلى مفرد وجملة قسم المفرد إلى مشتق لفاعل أو مفعول، وإلى جار مجرى المشتق أبدا، أو جار مجراه في حال دون حال.
فذكر من الجاري أبدا لوزعيّ بمعنى فطن، وجرشع بمعنى غليظ، وصمحمح بمعنى شديد، وشمردل بمعنى طويل 1 [1/ 343]. قال الشيخ: «فكذلك تكون ربعة وحزوّر وقفاخر جارية مجرى المشتقّ» انتهى 2 والذي ذكره الشيخ هو الظاهر والأقرب.
الثالث 3: قسم المصنف الخبر المغاير للمبتدأ لفظا ومعنى أربعة أقسام: ما دل على التساوي حقيقة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ 4. وما دل على التساوي مجازا نحو: «ومجاشع قصب هوت أجوافها».
وما حذف منه مضاف هو الخبر في الأصل، وأقيم المضاف إليه مقامه نحو قوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ 5. وما يفيد إلحاق عين بمعنى أو معنى بعين نحو: زيد صوم، ونحو نهار زيد صائم.
والذي ذكره النحاة أن الخبر إما أن يكون هو المبتدأ في المعنى كزيد قائم، وهذا -

................................  هو الذي أراده المصنف بقوله: متّحد به معنى بعد قوله: مغاير له لفظا: وإما أن يكون منزلا منزلته كقولنا: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد الأسد، وكقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ 1 أي تنزلن منزلة الأمهات في حرمة التزوج، ونحو: ما أنت إلا سير.
ثم قالوا: ولذلك تأويلان: أحدهما: على أنه حذف مضاف أي مثل أبي حنيفة، ومثل الأسد، وصاحب سير، وكذا زيد صوم أي صاحب صوم.
الثاني: أن يجعل أحدهما الآخر مبالغة كما قال أبو علي 2 في قول الشاعر: 606 - [ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت]... فإنّما هي إقبال وإدبار 3 جعلها نفس الإقبال والإدبار مبالغة لكثرة وقوع ذلك من فاعله.
وأما المصنف فكأنه نحا إلى شيء، وهو أن الخبر إذا كان مغايرا للمبتدأ معنى فقد تقصد المبالغة بجعل العين نفس المعنى، أو بجعل المعنى نفس العين إذا كان في الكلام إشعار بلزوم حال تلحق أحدهما بالآخر، وحينئذ فلا يقدر مضاف -

................................  محذوف؛ لأن تقديره مضاف لهذا القصد، وقد تقدم أن نحو: زيد ذو صوم يصدق على القليل الصوم، والكثير وزيد صوم لا يصدق إلا على المدمن الصوم.
وإن لم يقصد المبالغة فإما ألا يكون بين المبتدأ والخبر مشاركة في حكمه، فيجب تقدير مضاف كقوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ 1 أي ذو ودرجات، وإما أن يكون بينهما مشاركة فيه، وحينئذ إما أن تكون المشاركة في ذلك الحكم ثابتة فيكون الخبر 2 وإلا على التساوي حقيقة كقوله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ 3 فإن المشاركة بين المبتدأ 4 في الحكم الذي هو حرمة التزوج ثابت قطعا.
وإما أن تكون المشاركة بالدعوى دون تحقق ثبوت، فيكون الخبر دالّا على التساوي مجازا نحو قول الشاعر: 607 - ومجاشع قصب......... البيت نعم، ويجوز في هذا أعني ما دل على التساوي مجازا - أن يقدر مضاف محذوف، ولا شك أن المجاز ينتفي حينئذ ويصير اللفظ حقيقة، والظاهر أن تقدير المضاف أولى من عدم التقدير، ولو قيل بتقدير المضاف فيما دل على التساوي حقيقة لم يكن بعيدا، بل ربما يترجح لأنه الأصل، وعلى هذا يرجع [1/ 344] الحال عند مغايرة الخبر المبتدأ في المعنى إلى أمرين: أحدهما: تقدير مضاف محذوف.
والثاني: أن يجعل الثاني نفس الأول إذا قصدت المبادأة، وحينئذ يرجع ما قاله المصنف إلى ما قاله غيره من النحاة من أنه عند المغايرة لنا تأويلان: إما أن يقدر مضاف محذوف إن لم يقصد المبالغة.
وإما أن يجعل أحدهما الآخر مبالغة.
وعلى هذين التأويلين حمل العلماء قوله صلّى الله عليه وسلّم لما سئل عن الجنين في بطن الناقة المذبوحة أو البقرة أو الشاة فقالوا: نلقيه أم نأكله؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «كلوه إن شئتم فإنّ -

[الخبر المشتق وغيره، وحكمهما في تحمل ضمير المبتدأ]

قال ابن مالك: (ولا يتحمّل غير المشتقّ ضميرا ما لم يؤوّل بمشتقّ؛ خلافا للكسائي، ويتحمّله المشتقّ خبرا أو نعتا أو حالا ما لم يرفع ظاهرا لفظا أو محلّا).
ذكاته ذكاة أمّه» 1 روي برفع ذكاة الثانية ونصبها، والرفع هو الكثير، فقدره أبو حنيفة ذكاة الجنين مثل ذكاة أمّه، وأوجب ذبح الجنين، وحمله الشافعي على أن ذكاة أمّه تغني عن ذكاته إن لم يمكن ذبحه على أن إحدى الذكاتين هي الأخرى، فأغنت عنها، وأما النصب فعلى أن الذكاة الأولى عملت في الثانية؛ لأنها مصدر، ويكون الخبر محذوفا أي واجبة.
قال ناظر الجيش: قبل الشروع في الكلام على هذا الموضع ينبغي أن تعلم أن المفرد الواقع خبرا لا يحتاج إلى ضمير يربطه بالمبتدأ؛ لأن ارتباطه يكون بإعرابه، مع أن المفرد لا يستقل بنفسه، فإذا أتى اسم مبتدأ علم أنه يطلب الخبر، وإذا جاء بعده اسم مرفوع علم أنه خبره كما إذا جيء باسم مرفوع بعد الفعل.
علم أنه الفاعل ومما يحقق لك عدم احتياج المفرد إلى ضمير للربط صحة وقوع الجامد المحض خبرا، إلا أن الخبر المفرد إذا كان مشتقّا يتحمل الضمير لا من جهة كونه خبرا، بل من أجل الاشتقاق خاصة؛ لأن المشتق شارك الفعل في اشتقاقه من المصدر فأشبهه، فتحمل الضمير من هذا الوجه.
ثم اعلم أن الأسماء بالنسبة إلى الاشتقاق وعدمه أربعة أقسام: مشتق، وجامد، ومشتق أجري مجرى الجامد، وجامد أجري مجرى المشتق: فأما الجامد والمشتق الذي أجري مجراه فلا يتحملان ضميرا، الأول نحو: زيد أسد، وعمرو أخ، والثاني نحو: بكر والد، وخالد صاحب.
وأما المشتق والجامد الذي أجري مجراه فإنهما يتحملان الضمير كما ستعرف.
قال المصنف 2: مثال الخبر الذي لا يتحمل ضميرا لكونه غير مشتق ولا مؤولا بمشتق قولك مشيرا إلى الأسد المعروف: هذا أسد.
فأسد لا ضمير فيه؛ لأنه خال -

................................  من معنى الفعل، فلو وقع موقع مشتق لجرى مجراه في تحمل الضمير كقولك مشيرا إلى رجل شجاع: هذا أسد؛ ففي أسد حينئذ ضمير مرفوع به؛ لأنه مؤول بما فيه معنى الفعل، ولو أسند إلى ظاهر لرفعه كقولك: رأيت رجلا أسدا أبوه، ومنه قول الشاعر [1/ 345]: 608 - وليل يقول النّاس من ظلماته... سواء صحيحات العيون وعورها كأنّ لنا منه بيوتا حصينة... مسوحا أعاليها وساجا كسورها 1 فرفع الأعالي والكسور بمسوح وساج لإقامتهما مقام سود.
وإذا جاز ارتفاع الظاهر بالجامد لتأوله بمشتق كان ارتفاع المضمر به أولى؛ لأنه قد يرفع المضمر ما لا يرفع الظاهر كأفعل التفضيل في أكثر الكلام 2. وإذا رفع الجامد القائم مقام مشتق ضميرا أو ظاهرا جاز أن ينصب بعد ذلك به تمييز أو حال كقول الشاعر: -

................................  609 - تخبّرنا بأنّك أحوذيّ... وأنت البلسكاء بنا لصوقا 1 البلسكاء: حشيشة تلصق بالنبات كثيرا.
وإذا ثبت تحمل الجامد ضميرا ورفعه ظاهرا لتأوله بمشتق لم يرتب في أن المشتق أحق بذلك.
وقد حكم الكسائي 2 وحده بذلك للجامد المحض نحو قولك: هذا زيد، وزيد أنت.
وهذا القول وإن كان مشهورا انتسابه إلى الكسائي دون تقييد - فعندي استبعاد لإطلاقه؛ إذ هو مجرد عن دليل ومقتحم بقائله أوعر سبيل، والأشبه أن يكون الكسائي قد حكم بذلك في جامد عرف لمسماه معنى لازم لا انفكاك له ولا مندوحة عنه؛ كالإقدام والقوة للأسد، والحرارة والحمرة للنار فإن ثبت هذا المذكور فقد كان المحذور، وأمكن أن يقال: معذور، وإلا فضعف رأيه في ذلك 3 بين، واجتنابه متعين.
وأما الخبر المشتق إذا لم يرتفع به ظاهر لا لفظا نحو: زيد قائم غلامه، ولا محلّا نحو: عمرو مرغوب فيه، فلا بد من رفعه ضميرا.
انتهى كلام المصنف 4. وعرف منه أن الجامد لا يتحمل ضميرا إلا عند الكسائي، وأن المشتق والجامد المؤول بالمشتق يتحملان الضمير، وأما الجاري مجرى الجامد فلم يتعرض إليه، وكأنه يقول: إذا جرى المشتق مجرى الجامد فحكمه حكمه، وهو قد ذكر الجامد فاكتفى به 5. -

................................  ثم ها هنا أبحاث: الأول 1: نسب المصنف الخلاف في أن الجامد لا يتحمل ضميرا - إلى الكسائي، والذي ذكره النحاة في كتبهم 2 أن المخالف في ذلك الكوفيون والرماني من البصريين.
وحجة الكوفيين أن الجامد في معنى المشتق؛ فإذا قلت: جعفر غلامك تريد إسناد الغلامية وهي الخدمة إليه، وإذا قلت: جعفر أخوك تريد إسناد الأخوة والقرابة.
ورد ذلك بأن تحمل الضمير يكون من جهة اللفظ لا من جهة المعنى، ولو تحمل ضميرا لجاز العطف عليه وتأكيده 3. ولما لم يسمع من العرب شيء من ذلك دل على عدم تحمله الضمير.
الثاني: تقدم أن المشتق إنما تحمل الضمير لشبهه بالفعل، ورد ابن أبي الربيع فقال: ووقوعه موقعه.
أما الشبه ففي الاشتقاق من المصدر كما عرفت، وأما الوقوع موقع الفعل فإنك إذا قلت: زيد قائم تريد بقائم ما تريد بيقوم حتى كأنك نطقت بيقوم، وكذلك إذا قلت: زيد مضروب كأنك قلت: زيد يضرب، قال: ولا يكون الوقوع في الصفات كلها إنما يكون منها في اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد حسن فليس المعنى زيد يحسن.
قال: فيتحصل [1/ 346] من هذا أن تحمل اسم الفاعل وما يجري مجراه أقوى من تحمل حسن وما أشبهه لأن الموجب لاسم الفاعل وما يجري مجراه الاشتقاق والوقوع، -

................................  والموجب لحسن وما أشبهه الاشتقاق.
هذا كلام ابن أبي الربيع، وهو دال على توفيق في الصناعة ولطف في الاعتبارات، وإن كان لا يترتب على ذلك الفرق شيء في الخارج.
الثالث: قال الشيخ: «قول المصنف: ويتحمله المشتقّ لا يصح على إطلاقه لأن لنا مشتقات لا تتحمّل ضميرا كالآلات نحو: مفتاح ومكسحة، واسم المكان والزمان كمرمى ومغزى، وما بني على مفعلة للتكسير نحو: مسبعة ومأسدة، وإنما يتحمل الضّمير من المشتقات ما جاز أن يعمل عمل الفعل» انتهى 1. ولا يتوجه هذا الإيراد على المصنف؛ لأنه حد المشتق أول الكلام بأنه ما دل على متصف، أي شيء متصف، فالمراد بالمشتق في كلامه ما دل على ذات متصفة بوصف.
وما ذكره الشيخ ليس كذلك؛ لأنه دال على ذات فقط أو معنى فقط 2. الرابع: قال المصنف في شرح الكافية: «لو أشرت إلى رجل وقلت: هذا أسد لكان لك فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تنزيله منزلة الأسد مبالغة دون التفات إلى تشبيه.
والثاني: أن تقصد التّشبيه فتقدر مثلا مضافا إليه.
ففي هذين الوجهين لا ضمير في أسد.
والوجه الثالث: أن تؤول لفظ أسد بصفة وافية بمعنى الأسديّة وتجريه مجرى ما أولته فيتحمّل حينئذ ضميرا، وترفع به ظاهرا إن جرى على غير ما هو له، كقولك: هذا أسد ابناه» انتهى 3. أما الوجه الثاني وهو الذي قصد فيه التشبيه، فكل من المبتدأ الذي هو الرجل المشار إليه بهذا، والخبر الذي هو أسد باق فيه على حقي كذا أسد باق على حقيقته -

[استكنان الضمير الرابط وبروزه]

قال ابن مالك: (ويستكنّ الضّمير إن جرى متحمّله على صاحب معناه وإلّا برز، وقد يستكنّ إن أمن اللّبس وفاقا للكوفيّين).
في الوجه الأول، والتجوز إنما هو في المبتدأ الذي هو الرجل؛ لأنه أريد به معنى الأسد ولا شك أنه مجاز مرسل، ويظهر أن العلاقة فيه هي اللزوم 1 كما تقول في نحو: زيد صوم وزيد عدل عند قصد المبالغة.
وأما الوجه الثالث: فالمبتدأ باق على حقيقته، والتجوز إنما هو في الخبر الذي هو أسد؛ لأنه أريد به الرجل الشجاع، ولا شك أن ذلك مجاز استعارة؛ لأن العلاقة بينه وبين الحقيقة إنما هي التشبيه، ولكن يظهر أن في ذلك إشكالا من جهة أن الاستعارة لا يذكر فيها الطرفان، إنما يذكر أحدهما، وها هنا قد ذكر المشبه به وهو أسد، فيجب ألا يذكر المشبه وهو الرجل المشار إليه بهذا، والظاهر أن التشبيه هنا ليس بين الرجل وأسد، إنما هو بين أسد وشجاع، فالشجاع هو المشبه وأسد المشبه به، وأصل التركيب: هذا شجاع، ثم شبه الشجاع بالأسد، فأوقع موقعه لقصد المبالغة في التشبيه على ما عليه مبنى الاستعارة عند أصحاب علم البيان.
قال ناظر الجيش: الخبر المفرد 2 الرافع ضميرا إن جرى على صاحب معناه استكن الضمير المرفوع به [1/ 347] دون خلاف، فإن برز فالبارز مؤكد للمستكن 3. وإن جرى على غير صاحب معناه لزم إبرازه عند البصريين والكوفيين عند خوف اللبس كقولك: زيد عمرو ضاربه هو، والزيدان العمران ضاربهما هما، فهو فاعل مسند -

................................  إليه ضاربه وهو عائد على زيد، والهاء عائدة على عمرو، وهما فاعل مسند إليه ضاربهما، وهو عائد على الزيدان.
والمضاف إليه عائد على العمران.
وأفرد ضارب المسند إليه المثنى؛ لأنه واقع موقع فعل مجرد مسند إلى فاعل بارز، فالإبراز في مثل هذا مجمع عليه لكون المعنى ملتبسا بدونه.
فلو كان المراد صدور الضرب من المبتدأ الثاني ووقوعه على الأول - لاستكن الضمير بإجماع لعدم الحاجة إلى إبرازه، ومثال الإبراز المجمع عليه قول الشاعر: 610 - لكلّ إلفين بين بعد وصلهما... والفرقدان حجاه مقتفيه هما 1 والتزم البصريون الإبراز مع أمن اللبس عند جريان رافع الضمير على غير صاحب معناه؛ ليجري الباب على سنن واحد، وخالفهم الكوفيون فلم يلتزموا الإبراز عند أمن اللبس، وبقولهم أقول 2؛ لورود ذلك في كلام العرب كقول الشاعر: 611 - قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت... بكنه ذلك عدنان وقحطان 3 فقومي مبتدأ، وذرا المجد: مبتدأ ثان، وبانوها خبر جار على ذرا المجد في اللفظ، وهو في المعنى لقومي، وقد استغنى باستكنان ضميره عن إبرازه لعدم اللبس.
ومثله قول الشاعر أيضا: -

................................  612 - إنّ الّذي لهواك آسف رهطه... لجديرة أن تصطفيه خليلا 1 ومثله قول الآخر: 613 - ترى أرباقهم متقلّديها... إذا حمي الحديد على الكماة 2 وتكلف بعض المتعصبين فقال: تقدير البيت الأول: قومي بانو ذرا المجد بانوها، وتقدير البيت الثاني: لأنت جديرة أن تصطفيه.
وتقدير البيت الثالث: ترى أصحاب أرباقهم متقلديها.
والصحيح حمل الأبيات على ظاهرها دون تكلف كما يتم المعنى بعدمه.
والكلام على المشتق الواقع نعتا أو حالا كالكلام عليه إذا وقع خبرا.
فمن التزم إبراز الضمير عموما مع الخبر الجاري على غير صاحب معناه التزمه مع النعت والحال الجاريين على غير ما هما له أمن اللبس أم لم يؤمن، ومن لم يلتزم الإبراز إلا عند خوف أمن اللبس لم يلتزمه في النعت والحال إلا عند خوف اللبس.
ومن النعت الجاري على غير ما هو له دون إبراز ضمير - قراءة ابن أبي عبلة 3: -

................................  (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) بخفض غير 1. وإن كان الجاري على غير ما هو له من خبر ونعت وحال فعلا وأمن اللبس اغتفر ستر الضمير كقولك: الخبز زيد يأكله، فلو خيف اللبس وجب الإبراز كقولك: غلام زيد يضربه هو إذا كان المراد أن زيدا يضرب الغلام.
هذا بجملته كلام المصنف 2 ثم هاهنا أمور ينبغي التعرض إليها [1/ 348]: الأول 3: المفهوم من قول المصنف: ويستكنّ الضّمير إن جرى على صاحب معناه أنه لا يجوز إبرازه، وكذا يعطيه قوله في الشرح: إن جرى على صاحب معناه استكن الضمير المرفوع به دون خلاف، فإن برز فالبارز مؤكد للمستكن.
قال الشيخ 4: «وليس الأمر كذلك، فقد أجاز سيبويه في نحو: مررت برجل مكرمك هو - أن يكون هو تأكيدا للضّمير المستكن في مكرمك، وأن يكون فاعلا بالصّفة.
والفرق بين التقديرين يظهر في التثنية والجمع، فتقول: مررت برجلين مكرميك هما على التأكيد، وبرجلين مكرمك هما على الفاعلية».
الأمر الثاني: إذا جرى متحمل الضمير على غير صاحب معناه، فليس من شرط الاسم الذي يعود عليه الضمير الذي هو الفاعل أن يكون مبتدأ كما سبق إلى الأذهان من التمثيل - - القراءات واختيار خالف فيه العامة في صحة إسنادها إليه نظر، أخذ القراءة عن واثلة بن الأسقع والزهري، وأخذ عنه موسى بن طارق ومالك بن أنس، ومن كلامه: من حمل شاذّ العلماء حمل شرّا كبيرا، توفي سنة (153 هـ). (ترجمته في غاية النهاية: 1/ 19).

................................  بقولنا: زيد عمرو ضاربه هو، وهند زيد ضاربته هي، بل الشرط أن يكون الاسم العائد عليه الضمير الذي هو فاعل مذكورا في الجملة على أي وجه كان، فإذا قلت: غلام زيد ضاربه هو وكانت الهاء للغلام، وغلام هند ضاربته هي كان كقولك: زيد عمرو ضاربه، وهند زيد ضاربته هي سواء في الحكم، ويدل على ذلك التمثيل بقول الشاعر: 614 - إنّ الّذي لهواك آسف رهطه...... البيت وبقول الآخر: 615 - أرباقهم متقلّديها...... وبقراءة ابن أبي عبلة (إلّا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه) وتمثيل المصنف 1 حين ذكر الإلباس في جريان الفاعل بقوله: غلام زيد يضربه هو إذا كان المراد أن زيدا يضرب الغلام.
الأمر الثالث: قد عرف من كلام المصنف أن الحكم في الفعل إذا جرى على غير من هو له كالحكم في الوصف سواء إن أمن اللبس اغتفر ستر الضمير، وإن خيف اللبس وجب الإبراز، لكن قال الشيخ 2: «لو كان الخبر فعلا فلا نأتي بالضمير نحو زيد: هند يضربها، وهند بشر تضربه إلا على التأكيد لا على أن يكون فاعلا.
هكذا أطلق معظم النحويين.
ويعرض اللبس في الفعل كما يعرض في الصفة».
ثم قال: «فإذا خيف اللبس في الفعل كرر الظاهر الذي هو الفاعل، فتقول: زيد عمرو يضربه زيد، فيضربه زيد في موضع خبر عمرو، والرابط له الضمير العائد عليه، وعمرو مبتدأ، وهو وخبره في موضع خبر زيد، والرابط له تكرار المبتدأ الذي هو زيد».
الأمر الرابع: ذكروا أن العلة في إبراز الضمير مع الوصف هو أن الصفة إذا تحملت الضمير لم يكن له ما يبينه إلا جريان الصفة على من هي له من حيث أن الضمير يستتر فيها، فاحتيج إذا جرت على غير من هي له إلى إبرازه؛ إذ ليس له ما يبينه إذ ذاك إلا خروجه إلى اللفظ وظهوره، وإذا خرج إلى اللفظ لزم انفصاله؛ لأن الصفات -

................................  لا يتصل بها ضمير الرفع البارز؛ إذ لم تستحكم استحكام الفعل في ذلك، فلما لزم إظهاره في حال جريانه على غير من هي له لزم انفصاله 1، وليس الفعل كذلك؛ إذ لا يعدم مبينا له، إما جريانه على من هو له وإما ضمائر تتصل به [1/ 349] بارزة نحو: قاما وقاموا، وإما علامات نحو: أقوم ونقوم ويقوم وتقوم، وهذا التعليل يقتضي قصر وجوب الإبراز على الوصف.
وقال ابن أبي الربيع ما معناه 2: إنّ حكم الضّمير في الصّفة مخالف لحكم الضّمير في الفعل، يعني أنه يبرز متّصلا بالأفعال، ولا يبرز متصلا بالصفات، وأنه قد يستتر في بعض الأفعال، ولا يبرز كما يستتر في الصفات.
ثم قال: «فلمّا كانت الصفة إذا جرت على من هي له في المعنى يستتر فيها الضمير مطلقا، ولم تكن كالضّمير في الفعل في الكمون والظّهور واستتر في الصّفة في مواضع ظهر فيها في الفعل - جعلوها إذا جرت على غير من هي له يظهر ضميرها مطلقا؛ ليظهر فيها في مواضع كمن فيها في الفعل، كما استتر في مواضع ظهر فيها في الفعل فكأن هذا معاوضة».
ثم نبه ابن أبي الربيع على أن هذا يعني إبراز الضمير إذا جرت الصفة على غير من هي له أنها تكون في الصفة التي ترفع الظاهر، قال: «ولا يكون هذا في اسم الفاعل واسم المفعول إذا كانا بمعنى الماضي؛ لأنهما لا يرفعان الظّاهر، وذلك لأن الضمير المنفصل يتنزل منزلة الظاهر، فلا يرفعه إلّا ما يرفع الظّاهر، ومن ثم كان حكمه إذا رفع هذا المضمر حكمه إذا رفع الظاهر، فلا يثنّى ولا يجمع إذا أسند إلى مثنّى أو مجموع إلّا على لغة من قال: -

جارٍ التحميل