تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4197-4236

الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]

صفحات 4197-4236

................................  3853 - يا ناق سيري عنقا فسيحا... إلى سليمان فنستريحا 1 ولو جزمته لم يستقم إلا أن تظهر «اللام» 2 ولو رفعته جاز على إضمار مبتدأ التقدير: إن تأتني فأنا أحدثك، أو على الاستئناف كأنك قلت: ائتني فأنا ممن يحدثك جئت أو لم تجئ.
وأما النهي: فكقولك: لا تمددها فتشقّها 3، ولا تريد التشريك فتنصب كما بعد الأمر، قال الله تعالى: وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ 4، ولو جزمت فقلت: لا تمددها فتشققها جاز على التشريك في النهي 5 وإن كانت الفاء للسببية قال الشاعر 6: 3854 - فقلت له صوّب ولا تجهدنّه... فيذرك من أدنى القطاة فتزلق 7 ولو رفعت على معنى: فأنت تشقّها، أو على الاستئناف جاز.
وأما الدعاء: فكقولك: اللهم ارحمني فأدخل جنتك، ولا تعذبني فآمن من سخطك؛ فتنصب كما بعد الأمر والنهي، قال الشاعر: 3855 - فيا ربّ عجّل ما أؤمّل منهم... فيدفأ مقرور ويشبع مرمل 8 وقال آخر: 3856 - ربّ وفّقني فلا أعدل عن... سنن السّاعين في خير سنن 9 ولا يجوز عند البصريين نصب جواب الدعاء إلا إذا كان بلفظ الطلب؛ لو -

................................  قلت: رحم الله زيدا فيدخله الجنة لم يجز 1، وإليه الإشارة بقوله: (بفعل أصيل في ذلك) وسيأتي التنبيه على الاختلاف فيه. وأما الاستفهام: فكقولك: هل تأتينا فتحدثنا؟ ولا تريد التشريك فتنصب على تقدير: هل يكون منك إتيان فحديث؛ إما لأن الحديث مسبب غير مبني على مبتدأ محذوف والمعنى فيه: إن تأتني تحدثني، وإما لأنه مرتب لنفي الجمع والمعنى فيه: هل تأتينا محدثا؟ قال الله تعالى: فَهَلْ لَنا [5/ 115] مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا 2، وقال الشاعر: 3857 - هل تعرفون لباناتي فأرجو أن... تقضى فيرتدّ بعض الرّوح للجسد 3 واختار شيخنا 4 رحمه الله تعالى أنه لا يجوز النصب فيما ولي «الفاء» و «الواو» بعد الاستفهام إلا إذا لم يتضمن وقوع الفعل، إما لأنه استفهام عن الفعل نفسه كما تقدم، وإما لأنه استفهام عن متعلق فعل غير محقق الوقوع كما في نحو: متى تزورني فأكرمك، وأين تسير فأرافقك، و «من يدعوني فأستجيب له؟» 5 فينصب لأنه جواب فعل غير واجب، ولو كان الاستفهام عن متعلق فعل محقق الوقوع كما في قولك: لم يكن الإتيان والحديث: لم تأتينا فتحدثنا أو تحدثنا فليس إلا الرفع؛ لأن الإتيان موجب فلا يجوز النصب بعده إلا على مذهب من ينصب في الواجب كقوله 6: 3858 - وألحق بالحجاز فأستريحا 7

................................  واقتدى في هذه المسألة بما ذكر أبو علي في الإغفال 1 رادّا على قول أبي إسحاق الزجاج في قوله تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 2 ولو قيل: وتكتموا الحق لجاز على قولك: لم تجمعون بين ذا وذا؟ ولكن الذي في القرآن العزيز أجود في الإعراب 3. قال بدر الدين: وقد حكى ابن كيسان نصب الفعل جواب الاستفهام في نحو: أين زيد فنتبعه؟ وكم مالك فنعرفه؟ ومن أبوك فنكرمه؟ ولا أراه يستقيم على مأخذ البصريين إلا بتأويل ما قبل الفاء باسم معمول لفعل أمر دل عليه الاستفهام، والتقدير: ليكن منك إعلام بموضع ذهاب زيد فاتباع منا، وليكن منك إعلام بقدر مالك فمعرفة منا، وليكن منك إعلام بأبيك فإكرام منا له، وإذا كان مثل ذلك جائزا على ما ذكرنا فالذي قاله الزجاج هو الصواب.
وأما النفي: فكقولك: لا تأتيني فتحدثني، فتنصب على تقدير: لا يكون منك إتيان فحديث وله معنيان 4: أحدهما: أن يكون الإتيان سببا للحديث وهو منفي نفيا مطلقا، فالحديث ممتنع لعدم سببه كأنه قال: أنت لا تأتيني فكيف تحدثني؟ فلو أتيتني حدثتني كما قال الله تعالى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا 5. والثاني: أن يكون الإتيان منفيّا بقيد اقتران الحديث به كأنه قال: لا تأتيني إلا لم تحدثني، أو لا تأتيني محدثا أي: منك إتيان كثير بلا حديث كما تقول: [لا يسعني شيء ويعجز عنك] 6، ويجوز فيه الرفع على ثلاثة أوجه 7: إما على التشريك كأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
وإما على السببية وبناء ما بعد الفاء على مبتدأ محذوف كما قال تعالى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ 8 التقدير: فهم يعتذرون، والمعنى: فكيف يعتذرون؟ -

................................  وإما على الاستئناف كما قال 1: 3859 - غير أنّا لم تأتنا بيقين... فنرجّي ونكثر التّأميلا 2 كأنه قال: فنحن نرجي أبدا 3. واعلم أن شرط النصب بعد النفي: أن يكون داخلا على الفعل المعطوف عليه إما خاليا عما يزيل معناه وهو النفي المحض كما تقول: ما تأتيني فتحدثني، ونحوه مما تقدم ذكره، وإما معه ما يزيل معناه وينقل الكلام على الإثبات وهو النفي المؤول، وذلك ما قبله استفهام أو بعده استثناء. فالأول: كقولك: ألم تأتنا فتحدثنا 4 فتنصب على: ألم تأتنا محدثا؟ قال الشاعر: 3860 - ألم تسأل فتخبرك الرّسوم... على [فرتاج] 5 والطّلل القديم 6 وكل موضع يدخل فيه الاستفهام على النفي فنصبه جائز على هذا المعنى، ولك فيه الجزم 7 بالعطف على معنى: ألم تأتنا فلم تحدثنا؟ والرفع على الاستفهام وإضمار مبتدأ كما قال: 3861 - ألم تسأل الرّبع القواء فينطق... وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق 8

................................  كأنه قال: فهو ينطق 1. والثاني: كقولك: ما تأتينا فتقول إلا خيرا، فتنصب مع أنك أتيت بـ «إلّا» إثباتا؛ لأنه بمعنى: ما تأتينا فتقول شرّا.
قال سيبويه 2: وتقول: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، والنصب ها هنا كالنصب في: ما تأتيني فتحدثني، إذا أردت معنى: ما تأتيني فتكون محدثا، قال: ومثل ذلك قول اللعين المنقري 3: 3862 - وما حلّ يا سعدى غريب ببلدة... فينسب إلّا الزّبرقان له أب 4 يعني: أن نصب ما فيه الاستثناء إنما يجوز على وجه واحد من وجهي النصب في جواب النفي المحض ولو رفعه جاز على التشريك ومعنى: ما تأتينا وما تقول إلا خيرا، ولا يجوز على الاستئناف لاستلزامه التفريغ في الموجب.
وتقول: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، بالرفع؛ لأن النفي لم يدخل على المعطوف عليه إنما دخل في الأول على شيء مقدر أخرج منه المعطوف عليه وأوجب بـ «إلا»، وفي الثاني على متعلق المعطوف عليه وكان معناه النفي فصار إثباتا.
ويجوز أن يكون المراد بالنفي المحض: ما يدل عليه بما وضع لمجرد النفي كـ «ما» - الشرح: القواء: المكان القفر، ورواية الديوان «الخلاء» ويروى: «القديم».
والبيداء: الصحراء الواسعة، والسملق: التي لا شيء فيها من نبت ولا غيره وهى جرداء مستوية.
والشاهد فيه: رفع «ينطق» الواقع بعد الفاء على الاستئناف والقطع أي: فهو ينطق، والبيت في الكتاب (3/ 37)، والمفصل (ص 250)، وابن يعيش (7/ 36، 37)، والمغني (ص 168)، وشرح التصريح (2/ 240).

................................  و «لا» و «ليس» ويدخل فيه جميع ما ذكر من النفي الخالي عما يزيل معناه والمقارن لما يزيله ويكون المراد بالنفي المؤول على هذا وهو الأقرب ما يدل عليه بما له مسمى يقرب من معنى النفي فيقام مقامه نحو «غير»؛ فإنها اسم بمعنى: مخالف، وقد يقصد به النفي فيكون له جواب مقرون بـ «الفاء» كقولك: غير قائم الزيدان فنكرمهما، ذكره ابن السراج ثم قال: ولا يجوز هذا عندي 1. قال الشيخ 2 رحمه الله تعالى: هو عندي جائز، وحجته في ذلك جواز ذكر «لا» مع المعطوف على المضافة هي إليه كما في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ 3، وصحة إعمال الصفة للاعتماد عليها كما في قول الشاعر: 3863 - غير مأسوف على زمن... ينقضي بالهمّ والحزن 4 [5/ 116] وأما العرض: فكقولك: ألا تنزل فتصيب خيرا، وهو كجواب النفي بعد الاستفهام، والمعنى فيه: إذا نزلت أصبت، قال الشاعر: 3864 - يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما... قد حدّثوك فما راء كمن سمعا 5 وإن شئت رفعت على التشريك، أو إضمار مبتدأ، أو الاستئناف.
وأما التحضيض: فكقولك: هلا أمرت فتطاع، وحكم الجواب بعده حكمه بعد العرض قال الله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ 6. وأما التمني: فكقولك: ليته عندنا فيحدثنا، وألا ماء فأشربه، فإن شئت نصبت على المعنى في نصب جواب الاستفهام، قال الله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً 7، وإن شئت رفعت على ما تقدم.
-

................................  وربما نصب الجواب جعلها تمنّيا، قال الشاعر 1: 3865 - ولو نبش المقابر عن كليب... [فيخبر بالذّنائب أيّ زير] 2 وقال سيبويه 3: وزعم [هارون] 4 أنها في بعض المصاحف (ودّوا لو تدهن فيدهنوا) 5. وأما الرّجاء: فقريب من التمني، وعند البصريين 6 أن المقرون بأداة الترجي في حكم الواجب فلا يكون له جواب منصوب، وقال الكوفيون 7: «لعل» تكون استفهاما وشكّا وتجاب في الوجهين، ومن أمثلتهم: لعلي سأحج فأزورك، والبصريون لا يعرفون الاستفهام بـ «لعل» ولا نصب الجواب بعدها، والصحيح أن الترجّي قد يحمل على التمني فيكون له جواب منصوب كقراءة حفص عن عاصم 8: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ 9، وقال الراجز أنشده الفراء: 3866 - علّ صروف الدّهر أو دولاتها... يدلننا اللّمّة من لمّاتها فتستريح النّفس من زفراتها 10 ولا يحسن نصب المضارع بـ «أن» مضمرة بعد «الفاء» في غير ما ذكر، فلا -

................................  يحسن نصبه بعد الخبر الواجب؛ لأن الذي أحوجنا بعد النفي والطلب إلى الإضمار وحمل الكلام على غير ظاهره هو الدلالة على المخالفة بين الأول والثاني على ما بيناه، وإذا عطف بـ «الفاء» على الخبر الواجب كما في نحو: أنت تأتينا فتحدثنا لم يقع خلاف بين الأول والثاني فلم يحتج إلى النصب على ذلك الإضمار والتأويل ولم يرد استعماله إلا في أشياء سيأتي التنبيه عليها.
هذا آخر كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى، وهو كلام مرتب حسن نظيف، ويتعلق به أمران: أحدهما: قوله في تقسيم المضارع الواقع بعد «الفاء» إذا كان ما قبل «الفاء» غير واجب: إنك إن قصدت أنه مسبب مبني على مبتدأ محذوف رفع كقولك: ما تأتيني فتحدثني، قال: فترفع على جعل الإتيان سببا للحديث، وتقديره: فأنت تحدثني.
فإن جعلت الإتيان سببا للحديث مع أن الإتيان منفي والحديث مثبت لا يظهر إلا أن تريد أن الإتيان سبب للحديث في الجملة لا في هذا التركيب فيكون مراد المتكلم أن السبب منتف ولكن مسببه ثابت كأنه يريد بسبب آخر فيستقيم حينئذ.
ثانيهما: قوله في المضارع الواقع بعد «الفاء» إذا كان حكمه مخالفا لما قبل «الفاء» وذلك إذا كان ما قبل «الفاء» غير واجب: إن ما بعد الفاء إما مسبب عما قبلها أو مرتب عليه، والمسبب: إما غير مبني على مبتدأ محذوف، أو مبني على مبتدأ محذوف، والمرتب: إما لإفادة نفي الجمع، وإما لإفادة استئناف الإثبات.
فإن هذه الأقسام الأربعة التي ذكرها وإن كانت تتصور جميعها في الكلام الواقع بعد النفي قد لا تتصور جميعها في الواقع بعد بعض أقسام الطلب وهو قد أطلق الحكم بقوله: وذلك إذا كان ما قبل الفاء غير واجب.
ثم إن المصنف ذكر في مثل: ما تأتينا فتحدثنا: جواز الرفع إما على العطف أو الاستئناف، كما تقدمت الإشارة إليه، ولم يتعرض إلى ذكر شيء من ذلك في بقية المسائل.
وأما الإمام بدر الدين فإنه تعرض إلى ذكر ذلك كما رأيت، لكن أبو الحسن بن عصفور أورد ذلك في المقرب إيرادا حسنا، وأنا أذكر كلامه بنصه، قال 1 رحمه -

................................  الله تعالى - بعد سرده المواضع التي تضمر فيها «أن» بعد «الفاء» في الأجوبة الثمانية -: وليس النصب بعد «الفاء» حتما في جميع ما ذكر بل يجوز معه غيره.
والضابط في ذلك أن تقول: إن تقدم الفاء جملة منفية فإن كانت فعلية وكان الفعل مرفوعا جاز في الفعل الذي بعد «الفاء» النصب والرفع؛ فالرفع له معنيان: أحدهما: أن يكون نفى الإتيان فانتفى من أجله الحديث كأنه قال: ما تأتينا فكيف تحدثنا؟ والتحديث لا يكون إلا مع الإتيان.
والثاني: أن يكون أوجب الإتيان ونفى الحديث كأنه قال: ما تأتينا محدثا بل غير محدث.
وإن كان الفعل منصوبا: جاز فيه وجهان: الرفع والنصب، فالرفع له وجه واحد وهو القطع فتقول: لن تأتينا فتحدثنا أي: فأنت تحدثنا، والنصب على ثلاثة أوجه: العطف على الفعل فيكون ما بعد «الفاء» شريكا لما قبله في النفي كأنه قال: لن تأتينا فلن تحدثنا؛ والنصب بإضمار «أن» فيكون له المعنيان المتقدما الذكر.
وإن كان الفعل مجزوما: جاز فيه ثلاثة أوجه: الرفع والنصب والجزم: فالرفع على القطع فيكون [5/ 117] ما بعد «الفاء» موجبا نحو قولك: لم تأتنا فتحدثنا، أي: فأنت تحدثنا، ومن ذلك قوله: 3867 - غير أنّا لم تأتنا بيقين... فنرجّي ونكثر التّأميلا 1 أي: فنحن نرجي.
والجزم على العطف فيكون التقدير: فلم تحدثنا.
والنصب بإضمار على المعنيين المتقدمي الذكر.
وإن كانت اسمية: لم يجز فيما بعد «الفاء» إلا النصب على المعنيين المتقدمي الذكر، أو الرفع على القطع، ولا يجوز العطف على ما بعد أداة النفي؛ لأنه لم يتقدم فعل فيعطف عليه.
وإن تقدم «الفاء» جملة استفهامية: فإن كانت فعلية: جاز في ما بعد الفاء وجهان: الرفع والنصب، فالرفع على وجهين: -

................................  العطف فيكون الثاني شريك الأول في الاستفهام نحو قولك: هل تأتينا فتحدثنا؟ أي: فهل تحدثنا.
والقطع كأنك قلت: فأنت تحدثنا.
والنصب: على أن تقدر الأول سببا للثاني كأنك قلت: هل يكون منك إتيان فيكون بسببه حديث؟ وإن كانت اسمية: لم يجز في ما بعد «الفاء» إلا الرفع على القطع نحو قولك: هل زيد أخوك فنكرمه؟ أي: فنحن نكرمه، أو النصب على السببية نحو قولك: أين بيتك فأزورك؟ وإن تقدمها جملة تمنّ: فإما أن يكون فيها فعل أو لا يكون، فإن كان جاز في ما بعد «الفاء» الرفع والنصب، فالرفع على معنيين: العطف نحو قولك: ليتني أجد مالا فأنفق منه أي: فليتني أنفق منه.
والاستئناف أي: فأنا أنفق منه.
والنصب: على السببية كأنه تمنى وجدان مال يكون سببا للإنفاق منه.
وإن لم يكن فيها فعل: لم يجز إلا النصب على السببية والرفع على القطع، ولا يجوز العطف نحو قولك: ليت لي مالا فأنفق منه برفع «أنفق» ونصبه.
وإن تقدمها جملة نهي أو أمر باللام: جاز فيه ثلاثة أوجه: الرفع على الاستئناف، والنصب على السببية والجزم على العطف نحو قولك: لتكرم زيدا فيكرمك، ولا تضرب عمرا فيضربك.
وإن كان الأمر بغير «لام»: لم يجز فيه إلا الرفع على القطع، والنصب على السببية نحو قولك: أكرم زيدا فيكرمك برفع «يكرم» ونصبه.
وإن تقدمها جملة دعاء وكان فعله على صيغة الأمر: كان حكمه حكم فعل الأمر.
وإن تقدمها جملة عرض أو تحضيض أو دعاء على غير صيغة الأمر: جاز فيما بعد «الفاء» الرفع على العطف فيكون شريكا لما قبله في المعنى، أو على القطع، والنصب على السببية نحو قولك: ألا تنزل عندنا فتحدثنا، وغفر الله لزيد فيدخله الجنة.
انتهى كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى.
-

................................  قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس رحمه الله تعالى: قوله 1: وليس النصب بعد «الفاء» حتما في جميع ما ذكر بل يجوز معه غيره، فيه ركاكة؛ لأنه إذا أريد معنى السبب لا يجوز فيه إلا النصب، وإن أريد غيره مما يجوز أعرب على حسب ما يقتضيه المعنى المراد، قال: وأحسن من عبارته بكثير قول الزمخشري 2: وليس بحتم أن ينصب الفعل في هذه المواضع، بل للعدول به إلى غير ذلك من معنى وجهة من الإعراب مساغ، فنبّه على أن اختلاف الإعراب إنما هو لاختلاف المعنى المقصود.
ثم قال الشيخ بهاء الدين: وإذا عرفت أنه لا بد وأن يتقدم هذه الحروف كلام فلا يخلو ما يتقدمها من أن يكون تامّا أو غير تام فإن كان غير تام نحو: ما زيد فيحدثنا قائم، لم يجز في ما بعد «الفاء» النصب أصلا لأن العطف على المعنى لا يجوز إلا بعد تمام الكلام ولم يتم الكلام هنا خلافا لمن قال من الكوفيين 3 بجواز النصب على التقديم والتأخير.
وإن تم الكلام جملة قبل هذه الحروف وتأخر معمول لما قبلها عما بعدها نحو: ما تأتينا فتحدثنا اليوم على أن يكون «اليوم» ظرفا لـ «تأتينا» فلا يجوز النصب أيضا عندنا؛ لما تقدم من أن النصب يؤدي إلى جعل ما قبل هذه الحروف في مكان مصدر لكون المعطوف عليه مصدرا، فكما لا يجوز الفصل بين المصدر وبعض معمولاته بأجنبي كذلك لا يجوز الفصل بين هذا الفعل وبعض معمولاته بالمعطوف الذي هو أجنبي منه لتنزله في المعنى منزلة المصدر المتوهم المعطوف عليه وإن كان قد أجاز النصب في مثل هذه المسألة أكثر أهل الكوفة.
فإن كانت الجملة التي قبل «الفاء» اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا، فأبو بكر 4 وأكثر النحاة التزموا الرفع في ما بعد «الفاء»؛ لأن النصب يقتضي أن يتصيد من الجملة الأولى مصدر فيعطف عليه هذا المصدر، ولا دلالة في الجملة الاسمية على مصدر كدلالة الجملة الفعلية عليه.
انتهى.
ولم أتحقق قوله: إن أكثر النحاة التزموا الرفع في ما بعد «الفاء» إن كانت الجملة التي قبل -

................................  «الفاء» اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا.
فإن هذا الذي ذكره خلاف المشهور، وقد عرفت قول ابن عصفور في تقسيم الجملة المتقدمة «الفاء» إذا كانت منفية وإن كانت اسمية لم يجز فيما بعد «الفاء» إلا النصب على المعنيين المتقدمي الذكر، أو الرفع على القطع.
وبعد فلا بد من التعرّض إلى ذكر أمور: منها: أن الشيخ قال 1: ولا نعلم خلافا في نصب الفعل جوابا للأمر إلا ما نقل عن العلاء بن سيّابة قالوا: - وهو معلم الفراء - أنه كان لا يجيز ذلك 2، وهو محجوج بثبوته عن العرب، أنشد سيبويه 3 لأبي النجم: 3868 - يا ناق سيري عنقا فسيحا... إلى سليمان فنستريحا 4 إلا أن يتأوله ابن سيّابة على أنه من النصب في الشعر فيكون مثل قوله: 3869 - سأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا 5 قال الشيخ 6: ولا [5/ 118] يبعد هذا التأويل، ولمنعه وجه من القياس وهو إجراء الأمر مجرى الواجب، فكما لا يجوز ذلك في الواجب كذلك لا يجوز في الأمر، ومن إجراء الأمر مجرى الواجب باب الاستثناء؛ فإنه لا يجوز فيه البدل كما لا يجوز في الواجب، وذلك بخلاف النفي والنهي فإنه يجوز فيهما ذلك.
انتهى.
ولقائل أن يقول للشيخ: يلزمك على ما قررته أن يمتنع النصب بعد الاستفهام والتمني والعرض والتحضيض؛ لأنها لا يجوز معها البدل في الاستثناء كما لا يجوز الأمر وإنما يجوز البدل في الاستثناء مع الاستفهام إذا أريد به الإنكار والنفي، أما إذا أريد به الاستفهام حقيقة فلا يجوز معه البدل، ثم لا يخفى أن النصب إنما وجب بعد «الفاء» الواقعة في جواب الأمر لتعذر عطف الخبر على الطلب فاحتيج إلى تقدير «أن» ليحصل بذلك تأويل يصح معه العطف، وأما في الاستثناء فإن النصب والبدل إنما يبتنيان على كون الكلام موجبا أو غير موجب فافترق البابان.
-

................................  ثم أردف الشيخ كلامه المتقدم بأن قال 1: وأما قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ 2 على قراءة من نصب 3 فظاهره أنه نصب في جواب الأمر 4. ومنها: أن الشيخ قال 5: وشرط الجواب في النهي أن لا ينقض بـ «إلا» قبل «الفاء» نحو: لا تضرب إلا عمرا فيغضب، قال: فإنك إن نقضته ارتفع الفعل كما في هذا المثال، وإن نقضته بعد «الفاء» 6 كان جوابا نحو: لا تضرب زيدا فيغضب عليك إلا تأديبا.
انتهى.
والحق أنه لا يحتاج إلى هذا الشرط؛ لأن «فيغضب» في المثال الأول ليس جوابا وإذا لم يكن جوابا فمن أين يجيء النصب؟ ومنها: أن المصنف قال: (بفعل أصيل في ذلك) بعد قوله: (أو دعاء) وتقدم قول الإمام بدر الدين: إن والده أشار بذلك إلى أنه لا يجوز نصب جواب الدعاء إلا إذا كان بلفظ الطلب وأن هذا مذهب البصريين، لكن قال الشيخ 7: إنه احترز بقوله: (بفعل) من أن يكون الدعاء بالاسم نحو: سقيا لك ورعيا.
وأما قوله: أصيل فاحترز به كما قال بدر الدين من الدعاء المدلول عليه بلفظ الخبر.
-

................................  وبعد: فسيأتي الكلام على هذه المسألة في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن الشيخ ذكر 1 تقسيما في الاستفهام المنصوب الجواب بالنسبة إلى أن الاستفهام قد يكون بالحرف، وقد يكون بالاسم، إلى أن خرج من الأقسام مثل قولك: هل زيد أخوك فنكرمه؟ وأوجب الرفع في مثل هذه الصورة.
ولم يظهر لي توجيه ذلك، وقد تقدم من كلام ابن عصفور أن الجملة الاستفهامية إذا كانت اسمية يجوز في ما بعد «الفاء» الرفع على القطع، والنصب على السببية، وهذا هو الظاهر إذ لا وجه لمنع النصب.
ومنها: أن المصنف قد قيد الاستفهام كما عرفت بقوله: أو لاستفهام لا يتضمّن وقوع الفعل.
وتقدم كلام بدر الدين على ذلك.
ونحن الآن نشير إلى ما ذكره الشيخ: قال 2 رحمه الله تعالى مشيرا إلى قول المصنف: لا يتضمّن وقوع الفعل: هذا قيد في الاستفهام فإن تضمن وقوع الفعل لم يجز النصب نحو: لم ضربت زيدا فيجازيك؟ لأن الضرب قد وقع، وهذا الشرط الذي ذكره في الاستفهام لم أر أحدا من أصحابنا يشترطه، بل إذا تعذر سبك مصدر مما قبله إما لكونه ليس ثمّ فعل ولا [ما] في معناه ينسبك منه، وإما لاستحالة سبك مصدر مراد استقباله لأجل مضي الفعل فإنما يقدر فيه مصدر مقدّر استقباله مما يدل عليه المعنى، فإذا قال: لم ضربت زيدا فنضربك، أي: ليكن منك تعريف بسبب ضرب زيد فضرب منا.
ثم قال: قال ابن المصنف: واقتدى - يعني والده المصنف - في هذه المسألة بما ذكره أبو علي في الإغفال رادّا على قول أبي إسحاق الزجاج في قوله تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ 3: ولو قيل: وتكتموا الحق؛ لجاز على معنى: لم تجمعون بين ذا وذا؟ ولكن الذي في القرآن أجود في الإعراب.
انتهى.
وردّ أبي علي على أبي إسحاق في هذا غير متجه؛ لأن قوله تعالى: لِمَ تَلْبِسُونَ ليس نصّا على أن المضارع أريد به الماضي حقيقة إذ قد ينكر المستقبل لتحقق صدوره لا سيما على الشخص الذي تقدم منه وجود أمثاله، ولو -

................................  فرضنا أنه ماض حقيقة فلا ردّ فيه على أبي إسحاق؛ لأنه كما قررنا قبل أنه إذا لم يمكن سبك مصدر مستقبل من الجملة سبكناه من لازم الجملة.
وقد حكى ابن كيسان نصب الفعل في جواب الاستفهام حيث الفعل المستفهم عنه محقق الوقوع نحو: أين ذهب زيد فنتبعه؟ وكذلك في: كم مالك فنعرفه؟ ومن أبوك فنكرمه؟ لكن يتخرج على ما سبق ذكره من أن التقدير: ليكن منك إعلام بذهاب زيد فاتباع منا، وليكن منك إعلام بأبيك فإكرام منا له.
هذا آخر ما ذكره الشيخ وما نقله عن ابن المصنف.
وأقول: أما قول الشيخ: إن هذا الشرط الذي ذكره - يعني المصنف - لم يشترطه الجماعة 1 أي: المغاربة، فيقال له: قد تكون الجماعة استغنت عن اشتراطه بما أذكره وهو: أن المنصوب بعد «الفاء» في الطلب إنما هو مسبب عما قبله، ولا شك أن المسبب يترتب وجوده على وجود السبب، كما أن جواب الشرط يترتب وجوده على وجود الشرط، ولهذا إذا سقطت «الفاء» من نحو: أين بيتك فأزورك؟ والمعنى الذي كان مع وجود «الفاء» مراد بعد سقوطها وهو الترتب جزم الفعل الذي هو: أزورك، على أنه جواب لقولك: أين بيتك؟ ولا شك أن ترتب وجود أمر على وجود أمر آخر إنما يعقل بالنسبة إلى الاستقبال، وإذا كان الفعل [5/ 119] المستفهم عنه قد وقع فات المعنى المقصود من الترتب.
ثم إن قوله: إنه إذا تعذر سبك مصدر مما قبله إلى آخر كلامه، فإنما يقدر فيه مصدر مقدر استقباله مما يدل عليه المعنى فتقدير قولك: لم ضربت زيدا فنضربك؟: ليكن منك تعريف بسبب ضرب زيد فضرب منا، غير ظاهر؛ لأن معنى: ليكن منك تعريف بسبب ضرب زيد فضرب منا، ليس هو معنى: لم ضربت زيدا فنضربك؟، ثم إن تأويل: لم ضربت زيدا فنضربك؟ بقولنا: ليكن منك تعريف بسبب ضرب زيد فضرب منا - يلزم منه الاعتراف بما ذكره المصنف من أن شرط الاستفهام الذي ينصب جوابه بعد «الفاء» أن لا يتضمن وقوع الفعل، إذ لو لم يكن ذلك شرطا لما احتيج إلى التأويل.
وكذا قول بدر الدين في ما حكاه عن ابن كيسان في نحو: أين ذهب زيد -

................................  فنتبعه؟: ولا أراه يستقيم على مأخذ البصريين إلا بتأويل ما قبل «الفاء» باسم معمول لفعل أمر دل عليه الاستفهام والتقدير: ليكن منك إعلام بموضع ذهاب زيد فاتباع منا - يبين لك صحة ما ذكره المصنف.
ثم إن الشيخ ذكر مسألة تتعلق بالاستفهام أيضا فقال 1: وزعم بعض النحويين أن الاستفهام إذا كان عن المنسوب إليه الفعل لا عن الفعل فلا يصح النصب بعد الفاء على الجواب، ومنع النصب في نحو: أزيد يقرضني فأسأله؟ وقال: لا يصح ها هنا الجواب وهو محجوج بقراءة من قرأ في السبعة: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ 2 بالنصب 3، ووجه الدلالة من هذه الآية أن الفعل وقع صلة فليس مستفهما عنه ولا هو خبر عن مستفهم عنه بل هو صلة للخبر، وإذا جاز النصب بعد مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ لكونه في معنى: من يقرض؟ فجوازه بعد «من يقرض» و: أزيد يقرض فأسأله؟ أحرى وأولى.
انتهى.
والظاهر أن المسوغ لنصب الجواب بعد «الفاء» هو وجود الاستفهام سواء أكان المستفهم عنه الفعل أم متعلقه، أم من ينسب إليه الفعل، وإنما المعتبر هو ما ذكره المصنف وهو: أن الفعل لا يكون قد وقع.
ومنها: أنك قد عرفت أن المصنف قسّم النفي المنصوب جوابه بعد «الفاء» إلى: محض ومؤول وأن ولده فسر المحض بأن يكون النفي داخلا على الفعل المعطوف عليه خاليا عما يزيل معناه نحو: ما تأتيني فتحدثني، وفسر المؤول بأن يكون معه ما يزيل معناه وينقل الكلام إلى الإثبات، وأن ذلك ما قبله استفهام أو بعده استثناء نحو: ألم تأتنا فتحدثنا، ونحو: ما تأتينا فتقول إلا خيرا، وعلل النصب في هذا المثال - مع أنك أتيت بـ «إلا» إثباتا - بأن قولك: ما تأتينا فتقول إلا خيرا بمعنى: ما تأتينا فتقول شرّا، وذكر أن هذا بخلاف قولنا: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا وما تزال تأتينا فتحدثنا، فإن الرفع واجب، قال: لأن النفي لم يدخل على المعطوف عليه إنما دخل في الأول على شيء مقدر أخرج عنه المعطوف عليه وأوجب بـ «إلا»، وفي الثاني على متعلق المعطوف عليه وكان معناه النفي فصار إثباتا.
-

................................  وأقول: إن البحث هنا يتعلق بأمرين: الأول: قول المصنف: أو مؤول ينافي قوله في شرح الكافية: وشرط النفي أن يكون خالصا، فالنفي الذي ليس نفيا خالصا لا جواب له منصوب نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، وما قام فتأكل إلا طعامه، قال: ومنه قول الشاعر: 3870 - وما قام منّا قائم في نديّنا... فينطق إلّا بالّتي هي أعرف 1 فإن قلت: لا منافاة في ذلك، فقد قال بدر الدين: إن النفي في: «ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا» إنما دخل على شيء مقدر أخرج منه المعطوف عليه وأوجب بـ «إلا»، وقال: إن النفي في: «ما تزال تأتينا فتحدثنا» إنما دخل على متعلق المعطوف عليه وكان معناه النفي فصار إثباتا فكان الرفع واجبا في المثالين.
قلت: فقد قال بدر الدين شارحا لكلام والده في الألفية 2: شرط النفي أن يكون خالصا من معنى الإثبات ولذلك وجب رفع ما بعد «الفاء» في: «ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا»، و «ما تزال تأتينا فتحدثنا»، و «ما قام فتأكل إلا طعامه»، وقول الشاعر: وما قام منّا قائم في نديّنا... فينطق إلّا بالّتي هي أعرف فوافق كلامه كلام والده في نحو: ما قام فتأكل إلا طعامه، وجعل من ذلك البيت المذكور كما جعله والده، ولا شك أن ما ذكره في الألفية من عدم جواز النصب في نحو: ما قام فتأكل إلا طعامه مناف بعد تمثيله هنا بقولك: ما تأتينا فتقول إلا خيرا؛ لقوله: فتنصب مع أنك أثبت بـ «إلا» إثباتا لأنه بمعنى: ما تأتينا فتقول شرّا.
والذي ظهر لي أن الذي اعتبراه في شرحي الكافية والألفية إنما هو وجود النفي في الجملة وأن يكون معه ما ينقضه، فإذا وجد ذلك امتنع النصب، ومن ثمّ امتنع النصب في نحو: ما قام فتأكل إلا طعامه كما امتنع في نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، ولهذا اشترط في الكتابين أن يكون النفي خالصا ومحضا ولم يعتبر النفي المؤول، والذي اعتبراه هنا - أعني في التسهيل وشرحه - أن يكون النفي داخلا على الفعل المعطوف عليه لا على غيره كما في: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا؛ فإن النفي إنما دخل على شيء مقدر أخرج منه المعطوف عليه -

................................  وأوجب، وكما في «ما تزال تأتينا فتحدثنا» فإن النفي إنما دخل على متعلق المعطوف عليه وهو «تزال» ومعناه النفي فصار إثباتا، فإذا وجد ذلك امتنع النصب، أما إذا كان النفي داخلا على الفعل المعطوف عليه فإن جوابه ينصب وإن انتقض النفي كقولنا: ما قام زيد فتأكل إلا طعامه؛ لأنه بمعنى: ما قام زيد [5/ 120] فتأكل غير طعامه، ولا شك أن هذا كلام صورته صورة الإيجاب ومعناه النفي فمن ثمّ قيل فيه: إنه نفي مؤول ومنه المثال الذي 1 ذكره بدر الدين وهو: ما تأتينا فتقول إلا خيرا؛ لأنه بمعنى: ما تأتينا فتقول شرّا كما قال بدر الدين، وعلى ذلك قول سيبويه 2: وتقول: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، وقد رأيت من المثال الذي ذكره بدر الدين وهو: ما تأتينا فتقول إلا خيرا، والمثال الذي ذكره سيبويه وهو: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة - أن «إلا» مذكورة بعد «الفاء». فمن ثمّ كأن الشيخ جعل ذلك هو المسوغ لجواز النصب فإنه قال 3: ودخول «إلا» إما أن يكون قبل «الفاء» أو بعدها، فإن كان قبل «الفاء» لم تكن «الفاء» جوابا فلا يجوز إذ ذاك النصب نحو: ما ضرب زيد إلا عمرا فيغضب، وإن كان بعد الفاء جاز النصب نحو: ما ضربت زيدا فيغضب إلا تأديبا، وما تأتينا فتحدثنا إلا بخير. انتهى. وإذ قد تقرر هذا فقولنا: ما قام زيد فتأكل إلا طعامه، يجوز فيه النصب؛ لأنه وإن كانت صورته صورة الإيجاب فإنه مؤول بالنفي كما تقدم من أنه بمعنى: ما قام زيد فتأكل غير طعامه، ومن ثمّ لما نقل الشيخ 4 عن المصنف ما قاله في شرح الكافية من أن النفي الذي ليس نقيّا خالصا لا جواب له منصوب، نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، وما قام زيد فتأكل إلا طعامه، وإنشاده قول الشاعر: 3871 - وما قام منّا قائم في نديّنا... فينطق إلّا بالّتي هي أعرف 5

................................  قال 1: أما المسألتان الأوليان؛ فصواب، وأما: ما قام فتأكل إلا طعامه؛ فخطأ، لأنه يجوز النصب، وعلى النصب أنشد سيبويه البيت 2، فمتى وقعت «إلا» بعد الفعل الداخل عليه «الفاء» جاز النصب فيما بعد «الفاء» سواء أكان ما بعد «إلا» معمولا للفعل الذي قبل «الفاء» أو للفعل الذي بعد «الفاء».
الأمر الثاني: أنك قد عرفت من كلام بدر الدين أن من النفي المؤول ما قبله استفهام كقولك: ألم تأتنا فتحدثنا بالنصب على معنى: ألم تأتنا محدثا، ومنه قول الشاعر: 3872 - ألم تسأل فتخبرك الرّسوم... على فرتاج والطّلل القديم 3 ولا شك أن المراد بهذا الاستفهام التقرير، وإذا كان تقريرا فالنفي غير مراد، وإذا لم يكن النفي مرادا كان الواجب أن يمتنع نصب الجواب؛ لأن النفي ليس خالصا، ويعضد ذلك قول بعض العلماء المعتبرين ممن تكلم على الألفية: إن المصنف احترز بتقييد النفي بـ «محض» من النفي التالي تقريرا نحو: ألم تأتني فأحسن إليك إذا لم ترد الاستفهام الحقيقي.
والتفصيل الذي ذكر في النفي المنتقض بـ «إلا» من كون «إلا» إما أن تذكر قبل «الفاء» أو بعدها لا يتأتى هنا، ولا شك أن نصب الجواب في مثل ذلك وارد عن العرب: قال الشاعر: 3873 - ألم أك جاركم ويكون بيني... وبينكم المودّة والإخاء 4 فإن هذا الاستفهام المراد به التقرير بلا ريب و «الواو» و «الفاء» في هذا الباب سيان.
والذي يظهر أن يقال: إن النفي المقرون بأداة الاستفهام وإن كانت حقيقة الاستفهام غير مرادة يعطي أحكام النفي الصريح ولهذا يجاب بكلمة «بلى» التي هي مخصوصة بجواب النفي قال الله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى 5 فلما كان -

................................  حكم النفي مجرى عليه وإن اقترن به ما يخرجه [5/ 121] إلى الإثبات جاز أن ينصب ما وقع جوابا له، لكن في إطلاق النفي المؤول على هذا نظر، فإنه لم يؤول بنفي وإنما أجري عليه أحكام النفي إن كان الأمر فيه على ما قلناه.
ثم قد عرفت قول بدر الدين: ويجوز أن يكون المراد بالنفي المحض إلى آخره ويكون المراد بالنفي المؤول على هذا، وهو الأقرب - ما يدل عليه بما له مسمى يقرب من معنى النفي فيقام مقامه نحو: «غير» فإنه اسم بمعنى: مخالف إلى آخر ما قاله؛ فقال الشيخ 1: لا يصح أن يفسر قول المصنف بهذا التفسير الثاني أعني أنه يكون معنى قوله: مؤول، يريد به مسألة: غير قائم الزيدان فنكرمهما؛ لأن هذا لا يسمى نفيا مؤولا، بل هو موجب مؤول بالنفي؛ لأن التأويل هو صرف الكلام عن ظاهره ومآله إلى غير ما وضع له بحق الأصالة، وإنما يصدق النفي المؤول على مسألة التقرير ومسألة النقض بـ «إلا».
انتهى.
وكان قد قال 2 في قول المصنف: أو مؤوّل: أن تكون صورته صورة النفي وهو مؤول بغير النفي.
وما ذكره الشيخ لا يظهر، فإن الكلام إذا كانت صورته صورة النفي وهو مؤول بغير النفي كان إيجابا لا نفيا، وإذا كان إيجابا فكيف يسوغ نصب الجواب؟ وإنما مراد المصنف عكس ما قاله الشيخ وهو أن يكون الكلام صورته صورة الإيجاب ويؤول بالنفي فيعطى حكمه؛ لأن «إلا» إذا ذكرت بعد النفي كان الكلام إيجابا، فإذا اتفق في بعض التراكيب تأويل ذلك الكلام بنفي عومل ذلك التركيب بما يعامل به النفي الخالص، وإذا كان الأمر على ما قلنا فاعتراض الشيخ على بدر الدين ساقط؛ لأن الصورة المذكورة في الفصل كل منها موجب مؤول بالنفي وليس منها شيء صورته صورة النفي وهو مؤول بغير النفي.
ولما اعتقد الشيخ أن المراد بـ «مؤول» في قول المصنف: أن تكون صورته صورة النفي وهو مؤول بغير النفي قال في آخر الفصل 3: ويرد على قول المصنف: أو مؤول مسألة يصدق عليها أنها نفي أوّل بغيره ولا ينتصب ما بعد «الفاء» جوابا لها -

................................  وذلك مسألة: ما زال زيد يأتينا فنكرمه، قال: فهذا نفي في الصورة ومعناه الإيجاب، تقديره: زيد يأتينا كثيرا فنكرمه، فلا يجوز نصب ما بعد الفاء، وكذلك باقي الأفعال التي صورتها منفية وهي موجبة من حيث المعنى.
انتهى.
ولا شك أن الموجب لهذا كله حمل الكلام على غير ما أريد به وذلك أن المراد بـ «مؤول» إنما هو أن يكون الكلام صورته صورة الإيجاب والمراد به النفي كما قدمنا، والشيخ عكس ذلك، وبالله العجب يورد الشيخ على المصنف: ما زال زيد يأتينا فنكرمه؛ أنه لا يجوز نصب ما بعد «الفاء» فيه، والمصنف قد ذكر المسألة بعينها في شرح الكافية وهي: ما تزال تأتينا فتحدثنا؛ حيث ذكر: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وقال: إن النفي فيهما ليس خالصا، وإنهما لا جواب لهما منصوب كما تقدم ذكرنا لذلك عنه.
ومنها: أن ابن عصفور ذكر مسألتين 1: الأولى: أن «الفاء» إذا دخلت على الفعل وكان فيه ضمير يعود على ما قبلها فإما أن يرجع الضمير إلى من نفي الفعل في حقّه أو إلى من أوجب في حقّه، فإن رجع إلى من نفي عنه الفعل نصبت وإلا رفعت، مثاله: ما جاءني أحد إلا زيد فأكرمه، فإن جعلت الهاء لـ «أحد» نصبت كأنه قال: ما جاءني أحد فأكرمه، وإن جعلتها لـ «زيد» لم تنصب؛ لأن المعنى: جاءني زيد فأكرمه.
الثانية: أن ما قبل الفاء إذا كان له معمول وأخرته إلى ما بعد الفاء نحو: ما ضربت فأهنته زيدا ففيه خلاف: منهم من أجاز ذلك ومنهم من منع 2؛ فالمجيز يقول: إنك لم تفصل إلا بمعطوف على الفعل بخلاف: إن تضرب فهو يكرم زيدا؛ هذا لا يجوز باتفاق؛ لأنك فصلت بما ليس بمعمول للفعل الأول ولا معطوف عليه؛ لأن الجواب ليس محمولا 3 على الشرط، فلو كان معطوفا عليه لشاركه في المعنى، والمانع يقول: إن الفعل الذي قبل «الفاء» في تأويل المصدر ولهذا صح النصب، -

................................  والمصدر لا يفصل بينه وبين معموله بشيء والصحيح أنه لا يجوز.
انتهى.
وفي شرح الشيخ بعد ذكره المسألة 1: قال أبو بكر 2: والصحيح أنه لا يجوز على هذا إزالة شيء عن موضعه.
ولنختم الكلام هنا بمسألة: وهي: أنك قد عرفت أن النصب في نحو قولك: ما تأتينا فتحدثنا له معنيان: أحدهما: أنك نفيت الإتيان والحديث معا.
والثاني: أنك قد أثبتّ الإتيان ونفيت الحديث.
تقرير الأول: أنك جعلت الإتيان سببا للحديث، ثم إنك نفيت الإتيان فانتفى الحديث؛ لأن انتفاء السبب يلزم منه انتفاء المسبب والمعنى: ما تأتينا فيكف تحدثنا؟ وعلى هذا يكون النفي جاريا على قياس أخواته من الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والتمني والتحضيض والعرض؛ لأن هذه الأقسام السبعة ما قبل «الفاء» فيها سبب لما بعدها.
وتقرير الثاني: أنك لم تقصد إلى جعل الإتيان سببا للحديث، بل قصدت إلى معنى آخر وهو: إثبات الإتيان ونفي الحديث، والمعنى: ما تأتينا محدثا يعني: بل تأتينا غير محدث؛ فلم تقصد السببية في هذا المعنى الثاني بوجه؛ وعلى هذا لا ينبغي أن يطلق القول بأن «الفاء» في الأجوبة الثمانية إذا نصب الفعل بعدها كانت للسببية؛ لأن «الفاء» في هذه الصورة لا يجوز كونها سببية لأن ما بعدها منتف مع أن قبلها ثابت، فكيف يثبت السبب مع انتفاء مسببه؟ وإذا لم تكن السببية مقصودة تعين قصد المعنى الذي تقدمت الإشارة إليه وهو: إثبات الإتيان ونفي الحديث، وتحريره: أن مريد هذا المعنى قصد إلى نفي ترتب ما بعد «الفاء» على ما قبلها، فليس المقصود بمباشرة النفي فعل الإتيان نفي الإتيان بل المقصود به نفي ترتب ما بعد «الفاء» عليه؛ فالمعنى: ما يحصل منك إتيان يترتب [5/ 122] عليه حديث، فالمنفي ترتب الحديث على الإتيان لا الإتيان.
فإن قيل: كيف جعلت في المعنى الأول سببا ثم إنك نفيت عنه السببية في المعنى الثاني؟ فالجواب: أن الإتيان ليس سببا عقليّا حتى يستنكر تخلف المسبب عنه، بل إنما هو سبب وضعي، فالمتكلم جعل الإتيان سببا للحديث، ومعنى جعله إياه سببا: أنه جعل -

[حكم تقديم الجواب المقترن بالفاء على سببه]

قال ابن مالك: (ولا يتقدّم ذا الجواب على سببه خلافا للكوفيّين، وقد يحذف سببه بعد الاستفهام، ويلحق بالنّفي التّشبيه الواقع موقعه، وربّما نفي بـ «قد» فينصب الجواب بعدها).
الحديث ناشئا عنه مترتبا عليه فصار مسببا عن الإتيان بالجعل لا بالعقل، وإذا كان كذلك جاز أن يتخلف عنه، وإذا جاز تخلفه عنه لم يلزم من وجود الإتيان على هذا وجود الحديث ومما يحقق ما قلته أن ابن الحاجب رحمه الله تعالى بعد أن قرر المعنى الأول قال 1 مشيرا إلى المعنى الثاني: وهو أن يقصد إلى أن الفعل الثاني لم يحصل عقيب الأول فكأنه نفى وقوعهما بصفة أن يكون الثاني عقيب الأول كما تقول: ما جاءني زيد وعمرو أي: ما جاءا بصفة الاجتماع، ويجوز أن يكون أحدهما جاء.
انتهى.
وعلى هذا المعنى وهو قصد نفي ترتب الثاني على الأول دون قصد نفي الأول قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسّه النّار إلّا تحلّة القسم» 2 لأن النفي باشر «يموت» وليس المقصود نفيه، بل المقصود نفي ترتب المس على هذا الذي ذكر وهو موت ثلاثة من الولد، كما قصد نفي ترتب الحديث على الإتيان لا نفي الإتيان 3. وحاصل الأمر: أن الفاء تفيد السببية في جميع الصور التي ينتصب الفعل فيها بعدها إلا في إحدى صورتي النفي وهي الصورة التي ذكرناها وهي: ما تأتينا فتحدثنا، إذا أردت: ما تأتينا محدثا بل غير محدث، والذي أحوج إلى هذا الذي كتبته أن بعض الفضلاء استشكل قول النحاة: إن «الفاء» حيث نصب الفعل بعدها تكون للسببية، ثم إنه رأى السببية لا تتصور في هذه الصورة إذا أردنا هذا المعنى، والذي استشكله ظاهر والجواب عنه ما ذكرته، والله تعالى أعلم.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 4: لا يجوز تقديم الجواب بـ «الفاء» -

................................  على سببه؛ لأنه معطوف فلا يتقدم على المعطوف عليه، وقال ابن السراج 1: وقد أجازوا - يعني الكوفيين - متى فآتيك تخرج؟ ولم فأسير تسير؟ وقد يحذف سبب الجواب بالفاء بعد الاستفهام لدلالة القرينة عليه، قال الكوفيون 2: والعرب تحذف الأول مع الاستفهام للجواب، ومعرفة الكلام فيقولون: متى فأسير معك؟ وقال الكوفيون 3: «كأنّ» ينصب الجواب معها، قال ابن السراج: وليس بالوجه 4، وذاك إذا كانت في غير معنى التشبيه وهو نحو قولك: كأنّك وال علينا فتشتمنا.
وربما نفي بـ «قد» فينصب بعدها الجواب، ذكر ذلك ابن سيده 5 وحكي عن بعض الفصحاء: قد كنت في خير فتعرفه، بالنصب على معنى: ما كنت في خير فتعرفه.
انتهى.
والذي تضمنه كلام المصنف هنا الإشارة إلى مسائل أربع: الأولى: أن الجواب بـ «الفاء» لا يتقدم على سببه، لأن «الفاء» حرف عطف والمعطوف لا يتقدم على المعطوف عليه، ولما لم تكن «الفاء» عاطفة عند الكوفيين أجازوا التقديم؛ لأنه جواب تقدم على سببه مع تقدم بعض الجملة فلم يتقدم على جميع الجملة، ومن مذهبهم جواز تقديم جواب الشرط على الشرط بكماله، قيل: وإذا جوّزوا ذلك في الشرط فلأن يجوزوه هنا مع بقاء بعض الجملة صدرا أولى وأحرى 6. المسألة الثانية: أن سبب الجواب بـ «الفاء» قد يحذف بعد الاستفهام لدلالة القرينة عليه وقد تقدم مثال ذلك 7، لكن قال الشيخ 8: وينبغي أن يكون ذلك في استفهام -

[إضمار «أن» وجوبا بعد واو المعية في الأجوبة المذكورة]

قال ابن مالك: (فصل: وتضمر «أن» النّاصبة أيضا لزوما بعد «واو» الجمع واقعة في مواضع «الفاء» فإن عطف بهما أو بـ «أو» على فعل قبل، أو قصد الاستئناف بطل إضمار «أن»، ويميّز «واو» الجمع تقدير «مع» موضعها، و «فاء» الجواب تقدير شرط قبلها أو حال مكانها).
الاستثبات، بأن يقول القائل: أسير فتقول له: متى؟ فإنك لو اقتصرت على قولك: متى جاز بخلاف أن يكون ابتداء استفهام فإنه لا يجوز فإذا كان كذلك كان الفعل مدلولا عليه بسابق الكلام فكأنه ملفوظ فيجوز ذلك لهذا المعنى.
انتهى.
وما قاله غير ظاهر؛ فإن الكوفيين صرحوا بأن الحذف إنما هو لدلالة الجواب كما تقدم نقل الإمام بدر الدين لذلك عنهم.
المسألة الثالثة: أن النفي قد يلحق به غيره فينصب الجواب حينئذ، والذي ألحق بالنفي شيئان: التقليل والتشبيه، قال المصنف في شرح الكافية 1: التقليل يجري مجرى النفي في إيلائه جوابا منصوبا فيقال: قلما تأتينا فتحدثنا كما يقال: ما تأتينا فتحدثنا؛ فجواز هذا وأمثاله متفق عليه، وزاد الكوفيون إجراء التشبيه مجرى النفي نحو: كأنك أسير فنطيعك لأن فيه معنى: ما أنت أمير فنطيعك.
المسألة الرابعة: أن «قد» ينفى بها فينصب الجواب بعدها، وتقدم ذكر ما حكاه ابن سيده من ذلك عن بعض فصحاء العرب وهو: قد كنت في خير فتعرفه.
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 2 بعد ذكر «الفاء» ومواقعها: فلو وقع موقع الفاء «واو» مقصود بها المصاحبة نصب الفعل أيضا بعدها على نحو ما ينصب بعد الفاء، فمن ذلك قول الشاعر 3: -

................................  3874 - لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم 1 ومثله قول الآخر 2: 3875 - فقلت ادعي وأدعو إنّ أندى... لصوت أن ينادي داعيان 3 ومثله قول الآخر في النفي: 3876 - ألم أك جاركم ويكون بيني... وبينكم المودّة والإخاء 4 ومن النصب [5/ 123] بعد «واو» الجمع الواقعة بعد نفي قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ 5. ومن النصب بعدها في التمني قوله تعالى: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 6 في قراءة حمزة 7 وحفص 8. قال ابن السراج 9: الواو ينصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما - - المستقصى (2/ 260) للمتوكل الكناني، ونسب لسابق البربري، وللطرماح بن حكيم، والمشهور أنه من قصيدة لأبي الأسود الدؤلي انظر ملحقات ديوانه (ص 130).

................................  بعد «الفاء» وإنما تكون كذلك إذا لم ترد الاشتراك بين الفعل والفعل، وأوردت عطف الفعل على مصدر الفعل الذي قبلها كما كان في «الفاء» وأضمرت «أن» وتكون الواو في هذا الموضع بمعنى «مع» فقط.
وقال ولده بدر الدين 1: الواو حرف عطف ويقع المضارع بعدها على أربعة أوجه: لأنه إما مشارك لما قبلها في حكمه، وإما مخالف له وذلك إذا كان ما قبل «الواو» غير واجب وما بعدها إما مستأنف وإما مصاحب عطف لنفي الجمع غير مبني على مبتدأ محذوف أو مبني على مبتدأ محذوف.
فإذا قصد بالمضارع بعد «الواو» إشراكه فيما قبلها تبعه في إعرابه، وإن قصد به أنه مستأنف أو مصاحب عطف لنفي الجمع وهو مبني على مبتدأ محذوف رفع كقولك: ما تأتيني وتحدثني على استئناف إثبات الحديث بعد نفي الإتيان، أو على نفي الجمع بين الإتيان والحديث والذهاب إلى معنى: وأنت تحدثنا، وإن قصد به أنه مصاحب عطف لإفادة نفي الجمع وليس مبنيّا على مبتدأ محذوف نصب كقولك: ما تأتينا وتحدثنا على نفي الجمع بين الإتيان والحديث على معنى: ما تأتينا محدثا؛ أي: تأتي ولا تحدث، ونصبه عند الكوفيين 2 بـ «الواو» وعند البصريين 3 بـ «أن» لازمة الإضمار وما قبل «الواو» في تأويل مصدر معمول لفعل محذوف ليصح العطف عليه والتقدير: ما كان منك إتيان وحديث، فنصبوا الفعل على هذا التأويل ليدلوا على المصاحبة ونفي الجمع، وإنما يكون ذلك في مواضع الفاء.
أما الأمر: فكقولك: زرني وأزورك، بالنصب؛ على معنى: زرني مع زيارتي لك، أي: اجمع بين الزيارتين، والتقدير: لتكون زيارة منك وزيارة مني قال الشاعر: 3877 - فقلت ادعي وأدعو إنّ أندى... لصوت أن ينادي داعيان 4 وأما النهي: فكقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، والتقدير: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، ويجوز فيه الجزم على التشريك والنهي عن كل من المفعولين، والرفع على إضمار مبتدأ و «الواو» للحال كأنه قيل: لا تأكل السمك -

................................  وأنت تشرب اللبن أي: في حال شربك اللبن، أو على الاستئناف كأنه قيل: ومشروبك اللبن أكلت السمك أو لم تأكله، فأما قول الأخطل: 3878 - لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم 1 فالنصب على معنى: لا تجمع بين أن تنهى وتأتي، ولو جزم كان المعنى فاسدا، ولو رفع جاز على إضمار مبتدأ و «الواو» للحال لا على الاستئناف.
وأما الدعاء: فكقولك: رب وفقني وأطيعك، فينصب فيه ما بعد الواو كما في قول الآمر.
وأما الاستفهام: فكقولك: هل تأتينا وتحدثنا؟ فتنصب على معنى: هل يكون منك إتيان وحديث، وإن شئت رفعت على الاشتراك في الاستفهام، أو على إضمار مبتدأ وقصد الحال، أو على الاستئناف.
وأما النفي: فكقولك: لا يسعني شيء ويعجز عنك 2، كما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ 3، وقال الأخطل 4: 3879 - ألم أك جاركم ويكون بيني... وبينكم المودّة والإخاء 5 وإن شئت رفعت على ما رفعت عليه بعد الاستفهام.
وأما العرض: فكقولك: ألا تنزل وتصيب خيرا.
وأما التحضيض: فكقولك: هلا أمرت وتطاع، ينصب فيهما 6 ما بعد الواو كما في النفي والاستفهام.
وأما التمني: فكقولك: ليتك تأتيني وتحدثني، فتنصب على معنى: ليتك تجمع بين الإتيان والحديث، والتقدير: ليتك كان منك إتيان وحديث، ومثله قراءة حمزة وعاصم 7: يليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين 8، وإن شئت -

................................  رفعت على الاشتراك بين الفعلين في معنى التمني، أو على إضمار مبتدأ وقصد الحال، أو على الاستئناف.
وقد نبّه 1 على وجه ترك النصب بإضمار «أن» بعد «أو» و «الفاء» و «الواو» بقوله: فإن عطف بهما أو بـ «أو» على فعل، أو قصد الاستئناف بطل إضمار «أن» يعني أن هذه الأحرف إذا قصد بها عطف ما بعدها على فعل قبلها وإشراكه في حكمه تبعه في الإعراب وبطل النصب بإضمار «أن» وقد فاته التنبيه على بطلان النصب بإضمار «أن» إذا قصد بناء ما بعد هذه الأحرف على مبتدأ محذوف، وقد مضى شرح هذا كله وتمثيله.
والأحسن أن يقال: فإن بني ما بعدهما أو بعد «أو» على مبتدأ محذوف أو عطف على فعل قبل، أو قصد الاستئناف بطل إضمار «أن».
ويميّز «واو» الجمع من «الواو» العاطفة: صحة تقدير «مع» موضعها؛ لأن «واو» الجمع إنما تكون في مقام نفي أو طلب للجمع بين فعلين، ومتى نفيت أو طلبت فعلا معلقا به «مع» مضافة إلى مصدر فقد أفدت نفي الجمع بين ما قبلها وما بعدها أو طلبه، ألا ترى أنك إذا قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن فنصبت لأنك جعلت «الواو» للجمع وأردت النهي عن الجمع بين الفعلين لا عن واحد منهما كيف يصح أن تجعل فيه «مع» مكان «الواو» فيقال: لا تأكل السمك مع شرب اللبن؟ [5/ 124] لأنك إذا نهيته عن الأكل المقيد بمصاحبة الشرب فلم تنهه عن الأكل وحده ولا عن الشرب وحده، ولكن عن الجمع بينهما وذلك هو المعنى المراد في النصب.
ويميّز «فاء» الجواب من العاطفة: صحة تقدير: شرط قبلها أو حال مكانها؛ لأن المراد بـ «فاء» الجواب الفاء التي يصح نصب الفعل بعدها بإضمار «أن» وتلك هي الواقعة إما قبل مسبب انتفى سببه وأصبح حينئذ تقدير شرط قبل الفاء كما إذا قصد الإخبار بنفي الحديث لانتفاء الإتيان فقلت: ما تأتينا فتحدثنا، فإن يصح فيه أن يقال: ما تأتينا وإن تأتنا فتحدثنا، وإما بين أمرين أريد نفي اجتماعهما فيصح تقدير حال مكانها كما إذا قصدت أن تنفي اجتماع الحديث والإتيان فقلت: ما -

................................  تأتينا فتحدثنا؛ فإنه يصح فيه أن يقال: ما تأتينا محدثا، فإن النفي إذا دخل على الفعل المقيد بالحال لم ينفه مطلقا إنما ينفيه بقيد تلك الحال فهو ينفي الجمع بينه وبينها وذلك هو المعنى المقصود من النصب على الوجه المذكور.
هذا آخر كلام الإمام بدر الدين ولا يخفى حسنه ولطفه.
ولنشر هنا إلى أمرين: الأول: كلام ابن عصفور يقتضي أن من شرط صحة النصب بعد «الواو» أن يتقدم عليها فعل أو ما فيه معنى الفعل، وكذا يكون الحكم مع «الفاء» أيضا إذ لا فرق بينهما في الأحكام المذكورة في هذا الفصل، فإنه لما تكلم على الأمور الثمانية قال 1: وأما الاستفهام فلا يخلو من أن يدخل على اسم أو فعل، فإن دخل على فعل مثل: أتقوم فنكرمك؟ جاز الرفع على المعنيين: الاستئناف والقطع، والنصب على ما يثبت، فإن دخل على اسم فإما أن يكون ذلك الاسم ظرفا أو مجرورا أو لا: فإن لم يكن لم يجز النصب نحو: أين زيد؟ وهل أخوك زيد فنكرمه؟ لأنه ليس ثمّ ما يدل على مصدر فلم يبق إلا أن يكون مرفوعا، فإن كان ثمّ مجرور أو ظرف نحو: أين بيتك؟ 2 أو: أفي الدار زيد؟ تصوّر النصب لأن هذا المجرور قد ناب مناب الفعل ولم يعمل العامل فيه، ألا ترى أنه يتصور اللفظ به فتقول: أفي الدار استقر زيد؟ فلما كان ثمّ ما يدل عليه ولم يكن منسوخا حمل عليه بخلاف: عليك زيدا، إذ لا يلفظ بهذا الفعل هنا أصلا، فلما كان لا يلفظ به لم تجز معاملته فيحمل عليه فيجوز هنا الرفع والنصب.
انتهى.
وتبعه الشيخ في ذلك لكنه أوضح الكلام في المسألة فقال 3: النصب في جواب الاستفهام تارة يكون بعد أداة الاستفهام من الحرف نحو: «الهمزة» و «هل»، وتارة بعد أداته من الاسم ظرفا وغير ظرف، فأما الحرف فنحو قوله تعالى: فَهَلْ -

................................  لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا 1، وقال الشاعر: 3880 - هل تعرفون لباناتي فأرجو أن... تقضى فيرتدّ بعض الرّوح للجسد 2 فإذا قلت: أيقوم زيد فأكرمه؟ فالرفع على الاستئناف أو العطف، والنصب على الجواب، وإذا تقدم اسم غير استفهام وأخبر عنه بغير مشتق نحو: هل أخوك زيد فأكرمه؟ فالرفع ولا ينصب، فإن تقدمه ظرف أو مجرور نحو: أفي الدار زيد فأكرمه؟ جاز النصب؛ لأن المجرور ناب مناب الفعل.
وأما الاسم فنحو ما ورد في الحديث الشريف: «من يدعوني فأستجيب له؟» 3، وقولك: أين بيتك فأزورك؟ ومتى تسير فأرافقك؟ وكيف تكون فأصحبك؟ ويقدر حينئذ مصدر ما تتضمنه الجملة، ففي مثل: أين بيتك فأزورك؟ يقدر: ليكن منك تعريف ببيتك فزيارة مني، وكذا يقدر في: متى تسير؟: ليكن منك تعريف بسيرك فمرافقة مني، لأن معنى أين بيتك؟ عرفني [بمكان] بيتك.
ومعنى متى تسير؟: عرفني بوقت 4 سيرك.
انتهى.
ولم يظهر لي منع النصب في نحو: هل أخوك زيد فأكرمه؟ فقد يقال: إذا نصب الجواب يقدر من الجملة السابقة مصدر يعطيه قوة الكلام كما يقدر ذلك في الجملة المصدرة باسم الاستفهام فيقدر هل أخوك زيد فأكرمه؟ بقولنا: ليكن منك تعريف بإخوتك زيدا فإكرام منا، كما لو قيل: من أخوك فنكرمه؟ إذ تقديره: ليكن منك تعريف بإخوتك زيدا 5 فإكرام منا.
ثم لك أن تقول: إنما يشترط تقدير المصدر في ما قبل إذا كان المذكور قبل «الفاء» أو «الواو» فعلا نحو: هل تزورني فأزورك؟ أو أزورك؟ أما إذا كان المذكور قبل اسما فإن المصدر لا يقدر حينئذ للاستغناء عن تقديره بوجود اسم صريح قبل العاطف، ويدل على صحة ذلك إجماعهم على صحة -

................................  النصب دون تقدير المصدر في قول الشاعر: 3881 - ولولا رجال من رزام أعزّة... وآل سبيع أو أسوءك علقما 1 التقدير: أو إساءتك، وهذا المصدر المقدر معطوف على «رجال»، لا يقال: بين التركيبين فرق، أعني: هل أخوك زيد فأكرمه؟ وقول الشاعر: ولولا رجال......... البيت فإن «أخوك زيد» جملة و «رجال» مفرد، والعطف الذي الكلام فيه من عطف المفردات لا من عطف الجمل؛ لأنا نقول: والذي في البيت جملة أيضا لأن «لولا» الامتناعية مخصوصة بالجمل، ومعلوم أن الخبر مقدر ولكنه واجب الحذف، فالجملة واقعة في كلا التركيبين، إلا أن إضمار «أن» واجب في أحد التركيبين جائز في الآخر، وكأن المشترط إنما هو وجود اسم متقدم في الجملة، فلا فرق بين «لولا رجال أو أسوءك» ولا بين: 3882 - ولبس عباءة وتقرّ عيني 2 وأما كلام ابن عصفور فإن في بعضه تثبيجا 3، والخلاصة منه هو منع ما أشار الشيخ إلى منعه وقد عرفت ما فيه.
الأمر الثاني: المراد من قول النحاة: الواو تقع في جواب كذا وكذا، أن «الواو» -

[سقوط الفاء من الأجوبة وجزم الفعل]

قال ابن مالك: (وتنفرد «الفاء» بأنّ ما بعدها في غير النّفي يجزم عند سقوطها بما قبلها، لما فيه من معنى الشّرط لا بـ «إن» مضمرة خلافا لمن زعم ذلك، ويرفع مقصودا به الوصف أو الاستئناف).
تقع مواقع [5/ 125] «الفاء» في جواب الأمور التسعة لا أن «الواو» وما بعدها جواب لأنهم قد قرروا أن «الواو» تقدر بـ «مع»، ومتى كانت «الواو» بمعنى «مع» لا تكون جوابا، ويدل على ذلك أنه لا ينعقد من الكلام الذي هي فيه شرط وجزاء، إذ ليس معنى «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»: إن تأكل السمك تشرب اللبن، ولا: إن لا تأكل السمك تشرب اللبن، وذلك بخلاف «الفاء» فإنها في جواب غير النفي ينعقد من الكلام الذي هي فيه شرط وجزاء، وكذا في جواب النفي الذي تدخل عليه همزة الاستفهام للتقرير؛ لأن ما بعدها متسبب عما قبلها، فمعنى قوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ 1: إن افتريتم سحتكم، وكذا إذا قلت: ليت لي مالا فأنفق منه، معناه: إن أجد مالا أنفق منه، وكذا: 3883 - ألم تسأل فتخبرك الرّسوم 2 معناه: إن تسأل تخبرك.
وفي شرح الشيخ 3: وذهب بعض النحويين إلى أن النصب بعد الواو على معنى الجواب، وتكلف لذلك فقال: معنى «لا تأكل السمك وتشرب اللبن»: إن أكلت السمك فلا تشرب اللبن، وإن شربت اللبن فلا تأكل السمك، وتقديره: إن لم تأكل السمك فاشرب اللبن، وكذلك أيضا: لا يسعني شيء ويعجز عنك، معناه عند غير هذا القائل: أنه لا يصح أن لا يجتمع في شيء واحد بأن يسعني شيء ويضيق عليك أي: نحن مشتركان فيما يضيق ويتسع، ولو رفعت لكان المعنى: لا يسعني شيء ولا يضيق عليك وهو عكس المعنى، وتقديره عند هذا القائل المخالف: إن لم يسعني شيء لم يسعك.
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 4: جواب غير النفي إذا خلا من «الفاء» وقصد الجزاء جزم بما هو له جواب؛ لأنه شبيه بالشرط في جواز وقوعه -

................................  وعدم جواز وقوعه بالنسبة إلى علم الشخص المتكلم به، بخلاف النفي فإن الشخص المتكلم به محقق لعدم الوقوع فخالف الشرط ولم يكن له جواب مجزوم.
وأكثر المتأخرين 1 ينسبون جزم جواب الطلب لـ «إن» مقدرة والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما في أسماء الشرط نحو: من يأتني أكرمه، وهذا هو مذهب الخليل وسيبويه 2 رحمهما الله تعالى.
وقال الإمام بدر الدين 3: كل فعل لمأمور به أو منهي عنه فلا بد أن يكون سببا لجلب مصلحة أو دفع مفسدة وإلا فلا فائدة في طلبه، فمن لوازم الأمر بكل فعل أو النهي عنه كونه سببا وشرطا لأمر، فلهذا إذا خلا الجواب في غير النفي من «الفاء» وقصد الجزاء جزم؛ لأنه جواب شرط مقدر دل عليه ما قبل، تقول في الأمر: زرني أزرك، وفي النهي: لا تعص الله تنل رضاه، وفي الدعاء: اللهم ارزقني مالا أتصدق به، فيجزم على تقدير: إن تزرني وإن لا تعص وإن يرزقني، ولك أن ترفع على الاستئناف، أو على أنه حال لمعرفة أو نعت لنكرة، وتقول في الاستفهام: هل تأتينا تحدثنا؟ فتجزم لأنك تريد بالاستفهام الأمر كما في نحو: أَأَسْلَمْتُمْ؟ 4 وفَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟ 5 فيدل على شرط هذا جزاؤه، وصار بمنزلة قولك: ائتنا تحدثنا، وتقول: أين بيتك أزرك؟ لأن المعنى: عرفني بيتك أزرك، ولك أن ترفع كما بعد الأمر.
وتقول في العرض: ألا تنزل تصب خيرا، وفي التحضيض: هلا أمرت تطع، وفي التمني: ليته عندنا يحدثنا، فيجري الجزاء بعدها مجراه بعد الأمر.
وأما الترجي: فجزم الجواب بعده غريب أنشده 6 في «شرح إكمال العمدة» 7 وهو قول القائل: -

................................  3884 - لعلّ التفاتا منك نحوي ميسّر... يمل بك بعد العسر نحوي لليسر 1 وأما النفي: فجوابه إن قرن بـ «الفاء» جاز نصبه ورفعه كما سبق، وإن خلا منها رفع على الحال أو النعت أو على الاستئناف، ولم يجز جزمه؛ لأن النفي ليس مثل الطلب في دلالته على الشرط وفي اقتضائه له.
واعلم أن الجواب المذكور لا خلاف في أنه جزاء شرط من جهة المعنى ولكن اختلف في الذي عمل فيه الجزم ما هو؟ فقال أكثرهم: الجواب مجزوم بشرط مقدر دل عليه ما قبل 2، وقال قوم 3: هو مجزوم بنفس ما قبله لتضمنه معنى الشرط وهو ضعيف؛ لأن التضمين زيادة بتغيير للوضع، والإضمار زيادة بغير تغيير فهو أسهل، ولأن التضمين لا يكون إلا لفائدة ولا فائدة في تضمين الطلب معنى الشرط؛ لأنه يدل عليه بالالتزام فأي فائدة في تضمنه لمعناه؟ 4. واختار شيخنا 5 رحمه الله تعالى أن الجواب مجزوم بفعل الطلب؛ لما فيه من معنى الشرط أخذا بظاهر كلام سيبويه رحمه الله تعالى، قال في شرح الكافية 6: وأكثر المتأخرين ينسبون جزم جواب الطلب لـ «إن» مقدرة، والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما هو مغن في أسماء الشرط، نحو: من يأتني أكرمه، قال: وهذا هو مذهب الخليل وسيبويه رحمهما الله تعالى.
ولا شك أن سيبويه قال 7: فأما الجزم بالأمر فكقولك: ائتني آتك، وأما الجزم بالاستفهام فكقولك: ألا تأتيني أحدّثك، وأما الجزم بالتمني فكقولك: ليته عندنا يحدثنا، وأما الجزم بالعرض فكقولك: ألا تنزل تصب خيرا، وإنما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب «إن تأتني» بـ «إن تأتني»، ثم قال: وزعم الخليل أن هذه الأقاويل -

................................  كلها فيها معنى «إن» فلذلك انجزم الجواب.
وليس [5/ 126] ذلك من سيبويه محمولا على ظاهره، قال السيرافي 1: وهذه الأشياء التي ذكرناها من الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض تغني عن ذكر الشرط بعدها ويكتفى بذكرها عن ذكره فلذلك تجوز سيبويه في عبارته فأوهم أن هذه الأشياء هي الجازمة لما بعدها، ثم قال: وهذا من سيبويه مسامحة في اللفظ واتساع كما اتسع في نصب الظرف وقال في نحو: زيد خلفك: نصب بما قبله، ثم حكى عن الخليل ما يدل على حقيقة الجازم، وهذا الذي ذكره السيرافي هو الذي يعول عليه في هذه المسألة والله تعالى أعلم.
هذا آخر كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى.
ودل على أن العلة المقتضية لجزم الجواب في المسائل المذكورة هو الأمر أو النهي لأنه علل جزم جواب الاستفهام بأن الاستفهام يراد به الأمر، وقال: إن معنى 2 «أين بيتك أزرك؟»: عرفني بيتك أزرك، وقال في العرض والتحضيض والتمني: إنها أجريت مجرى الأمر، وهذا يقتضي أن المسوغ للجزم هو معنى الأمر في جميع المسائل المذكورة، وهو غير ما نزع إليه المصنف؛ لأنه قد علل الجزم كما عرفت بقوله 3: لأنه شبيه بالشرط في جواز وقوعه وعدم جواز وقوعه بالنسبة إلى علم المتكلم.
والذي قاله المصنف أظهر وأقرب إلى الحق لأن كون الاستفهام أمرا غير مسلم، وإنما استفيد الأمر في الآيتين الشريفتين بما انضم إلى الاستفهام وهو قوله في الآية الأولى: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ 4 وقوله تعالى في الآية الثانية: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ 5 قبل: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 6، وقوله تعالى بعد: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ 7. وأما قوله: إن معنى «أين بيتك أزرك؟»: عرفني بيتك أزرك؟ فيمنعه الخصم ويقول: بل معناه: إن أعرف بيتك أزرك سواء أعرفه المخاطب بذلك أم غيره، فهو خبر لا طلب.
-

................................  وأما قوله في العرض والتحضيض والتمني: إن الجزاء يجري بعدها مجراه بعد الأمر؛ فلا يجوز أن يراد به أن المستفاد منها أمر؛ لأن ذلك باطل فتعين أن يكون مراده أنها حملت في جزم أجوبتها على الأمر في جزم جوابه، وإذا كان مراده ذلك يقال له: ما الدليل على هذه الدعوى؟ ثم إن قوله: إذا قصد الجزاء جزم؛ لأنه جواب شرط مقدر دل عليه ما قبل - يحقق أن الجزم إنما سوغه في الجواب تنزل ما قبله منزلة الشرط.
وأما كون عامل الجزم في الجواب هو ما قبل «الفاء» الساقطة لما فيه من معنى الشرط فقد عرفت أنه مختار المصنف حيث قال في متن الكتاب: يجزم عند سقوطها بما قبلها لما فيه من معنى الشّرط لا بـ «إن» مضمرة.
وتقدم لنا ذكر ما قاله في شرح الكافية من قوله: والصحيح أنه لا حاجة إلى تقدير لفظ «إن» بل تضمن لفظ الطلب لمعناها مغن عن تقدير لفظها كما في أسماء الشرط، وعلمت قوله: إن هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وتقدم ذكر كلام السيرافي وذكر اختيار بدر الدين أن العامل إنما هو «إن» مقدرة.
ولما ذكر الشيخ ذلك قال 1: ورد ابن عصفور هذا المذهب - يعني الذي اختاره المصنف - فقال 2: التضمين يقتضي أن يكون العامل جملة ولا يوجد عامل جملة في موضع من المواضع، ثم قال الشيخ: وأقول: إن التضمين لا يجوز أصلا لأن المضمن شيئا يصير له دلالة على ذلك الشيء بعد إن لم يكن له دلالة عليه مع إرادة مدلوله الأصلي، فإذا قلت: من يأتني آته، فـ «من» ضمّنت معنى الحرف ودلّت على مدلولها من الاسم فصارت لها دلالتان: دلالة مجازية وهي معنى «إن»، ودلالة حقيقية وهي مدلول الشخص العاقل، وأما في هذه المسائل: فإن قولك: ائتني أكرمك تكون قد ضمّنت «ائتني» معنى «إن تأتني»، فتضمنت معنى «إن» ومعنى الفعل المعمول لها وذلك معنى مركب.
ودلّت على معناها الأصلي من الطلب وهو دلالته الحقيقية، ولا يوجد في لسان العرب تضمين لمعنيين، إنما يكون التضمين لمعنى واحد، ولا يقال: إنه تضمن معنى «إن» وحدها لأن فعل الطلب ليس قابلا لتضمن معنى «إن» لتنافيهما؛ لأن الخبر ينافي الطلب، ولا يكون الشيء الواحد طلبا وخبرا.
انتهى.
-

................................  وأقول: ليس التضمين المشار إليه هنا هو التضمين الذي ذكره الشيخ وهو التضمين المعروف في الاصطلاح؛ لأن مراد القائل بأن «زرني» من نحو: زرني أزرك تضمّن معنى الشرط: أنّ «زرني» هذه من حيث إن المتكلم يقصد ترتب الثاني على الأول ويجعل الأول سببا للثاني يعطي من المعنى ما يعطيه «إن تزرني» من: إن تزرني أزرك؛ لأن الثاني مرتب على الأول والأول سبب للثاني، فلما كان معنى: زرني أزرك معنى: إن تزرني أزرك قيل: إنه تضمن معنى «إن» أي: تضمن معنى الشرط، فليس هذا التضمين من التضمين المعروف في شيء، كيف وذلك التضمين إنما يكون بالوضع؟ - أعني وضع أصحاب اللسان - وهو أن توضع كلمة لشيء وتضمن مع دلالتها على ذلك الذي وضعت [له] معنى آخر.
وأما هذا التضمين فالموجب للقول به الاستعمال في موضع خاص، فـ «زر» بالوضع لا دلالة له على الشرط، ولما قيل: زرني أزرك، وأتي بهذا التركيب الخاص احتيج إلى القول بأنه ضمّن معنى الشرط بمعنى أنه أوقع موقعه، وأريد به ما يراد بالشرط، هذا هو الذي يظهر لي والله تعالى أعلم بما هو الحق.
والدليل على أن المصنف لم يرد التضمين الذي ذكره الشيخ قوله في التسهيل مشيرا إلى الجواب يجزم بما قبلها؛ فلم يذكر التضمين بل قال: لما فيه من معنى الشّرط، ولا شك أن هذا منه يحقق ما قررته.
وأما قول ابن عصفور: التضمين يقتضي أن يكون العامل جملة ولا يوجد ذلك [5/ 127] في موضع؛ فقد يقال في جوابه: إن الممتنع إنما هو أن تكون الجملة بنفسها هي العاملة دون النظر إلى شيء آخر، أما إذا كان عملها بما تضمنته فغير ممتنع؛ لأن العمل حينئذ كأنه في الحقيقة منسوب لذلك المتضمن، ولما كانت الجملة هي التي تضمنته نسب العمل إليها.
ثم إن الشيخ ذكر 1 أن في المسألة مذهبا ثالثا: وهو: أن الجزم بهذه الأشياء لا على جهة التضمين، بل على جهة أنها نابت مناب الشّرط، قال: ونعني به أن جملة الشرط حذفت وأنيبت هذه منابها في العمل.
والذي يظهر أن هذا ليس مذهبا ثالثا في المسألة: وإنما هو بيان مسوغ جزم الجواب -

[حكم الجواب المدلول عليه باسم الفعل جزما ونصبا]

قال ابن مالك: (والأمر المدلول عليه بخبر أو اسم فعل كالمدلول عليه بفعله في جزم الجواب، لا في نصبه خلافا للكسائيّ فيه وفي نصب جواب الدّعاء المدلول [عليه] بالخبر، ولبعض أصحابنا في نصب جواب «نزال» وشبهه، فإن لم يحسن إقامة «إن تفعل» و «إن لا تفعل» مقام الأمر والنّهي لم يجزم جوابهما خلافا للكسائيّ).
فعدل هذا القائل عن قول من يقول: إن ما قبل حرف العطف الساقط هو الجازم لتضمنه معنى الشرط إلى قوله: إنه أنيب مناب الشرط، فهذا القول هو ذلك القول في المعنى، ويدل على صحة ما قدمت تقريره.
ثم قال الشيخ 1: والذي نختاره هو إضمار الشرط بعد هذه الأشياء لدلالة معنى الكلام عليه.
وكما أنه يجوز حذف الجواب لدلالة الكلام عليه في نحو: أنت ظالم إن فعلت، كذلك يجوز حذف الشرط لدلالة الكلام عليه، بل هذا أولى؛ لأنه بقي له ما يدل عليه وهو الجزاء المجزوم به فقويت الدلالة عليه من جهة ما قبله ومن جهة ما بعده.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 2 رحمه الله تعالى: قد يلحق الأمر [الذي] بلفظ الخبر واسم الفعل بفعل الأمر فيكون لهما جواب مجزوم كقولهم: حسبك ينم الناس، واتقى الله امرؤ، وفعل خيرا يثب عليه، لأنه بمعنى: اكتف، وليتق، وليفعل، ومنه قوله تعالى: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ 3 فـ «يغفر» جزم بأنه جواب تُؤْمِنُونَ لكونه في معنى: «آمنوا»، وأجاز الكسائي 4 أن يكون للأمر بلفظ الخبر ولاسم الفعل جواب منصوب بعد «الفاء» نحو: صه فأحدّثك، ونزال فأنزل، وحسبك الحديث فينام الناس، والقياس يأبى ذلك لأن المصحح للنصب بعد «الفاء» بإضمار «أن» إنما هو تأول ما قبلها بمصدر ليصح العطف عليه، فإذا كان قبل «الفاء» أمر بلفظ المبتدأ والخبر أو اسم فعل تعذر تأويله بالمصدر لتعذر تقديره صلة لـ «أن» -

................................  فامتنع نصب ما بعد «الفاء»، ومن ثمّ لم يوافق الكسائيّ في ما ذهب إليه أحد، إلا أن بعض أصحاب «كتاب سيبويه» وهو أبو الحسن بن عصفور أجاز 1 نصب جواب اسم الفعل المشتق من مصدر نحو: نزال ودراك، ولم يجز نصب جواب الأمر بلفظ الخبر، ولا نصب جواب اسم الفعل غير المشتق، وليس 2 في كون «نزال» وشبهه مشتقّا من لفظ المصدر ما يسوغ تأويله بالمصدر، فإنه المصحح للنصب في نحو: انزل فأنزل، هو صحة تأول فعل الأمر بالمصدر من قبل أن فعل الأمر يصح أن يقع في صلة «أن» مصدرا كما في نحو: أو عزت إليه بأن افعل، ولا يصح ذلك في اسم الفعل المشتق من المصدر كما لم يصح في غير المشتق فلا فرق بينهما في امتناع نصب الجواب.
وقد تقدم أنه لا ينصب جواب الدعاء إلا إذا كان بلفظ الطلب، وحكى الشيخ 3 هنا أن الكسائي يجيز نصب جواب الدعاء بلفظ الخبر، ولم ينفرد الكسائي بهذا الجواز فإن ابن السراج حكي ذلك عنه 4 ثم قال 5: وقال الفراء: إن قلت: غفر الله لزيد فيدخله الجنة جاز.
واعلم أن الأمر إنما يجزم بعده المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه دلالة ظاهرة ويستلزمه لزوما بيّنا وهو شرط الفعل المأمور به 6، وعلامة ذلك: صحة تقدير «إن تفعل» مكان الأمر، تقول: ائتني آتك؛ لأنك لما أمرت بالإتيان دل على أنه سبب وشرط لشيء هو عندك الإتيان، فجزمت بناء على ما دل عليه الأمر، كأنك قلت: إن تأتني آتك، وتقول: ائتني لا أزورك أبدا فترفع على الاستئناف، ولا يجوز أن تجزمه على معنى: إن تأتني لا أزورك؛ لأن الإتيان لا يكون سببا لترك الزيارة ولا على معنى: إن لا تأتني لا أزورك؛ لأن لفعل الأمر دلالة ظاهرة على أنه شرط لفائدة فيصح جزم الفعل بعده إذا حسن تقدير «إن تفعل» مكانه وجعل ذلك الفعل جوابا له، وليس لفعل الأمر دلالة ظاهرة على أن تركه شرط لشيء فلا يجوز جزم الفعل بعده بأنه جواب شرط مخالف.
-

جارٍ التحميل