تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2861-2869

الباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدر

صفحات 2861-2869

................................  فقال المصنف: يحتمل أن يكون من هذا، وتجعل «المجرّ» موضع «الجر»، أي تجعله اسم مكان، كأنه قال: كأنّ مهبّ الرامسات جارة ذيولها عليه، فحذف العامل، وأبقى العمل، ويحتمل أن يكون المجرّ مصدرا، والتقدير: كأنّ موضع مجرّ الرامسات؛ ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، وجاء الخبر على وفق المحذوف، والعمل «المجر»؛ لأنه بمعنى «الجرّ».
ومثله قول الآخر: 2335 - كأنّ مجرّه الأبطال قسرا... إلى أشباله حطب رفيت 1 ولنختم الفصل بفوائد: الأولى: اختلفوا في حذف المصدر المنحلّ، وإبقاء معموله، فأجازه بعضهم، ومنعه البصريون؛ لأنّه موصول، والموصول لا يحذف.
واستدلّ المجيز بقوله تعالى: هل تستطيع ربك 2 [3/ 170] على قراءة الكسائي، التقدير: هل تستطيع سؤال ربك، و (أن ينزل) معمول السؤال المحذوف، ولا يتعلق بـ (يستطيع؛) لأنّ الفعل للغير، ولا يقال: هل يستطيع أن يقوم زيد؛ فهو متعلق بالسؤال المحذوف 3. الثانية: ما جاء من المصادر يجوز إعماله، والمراد به التكثير نحو قوله: -

[المصدر الكائن بدلا من الفعل موافقته متعديا والاختلاف في قياسه]

قال ابن مالك: (فصل: يجيء بعد المصدر الكائن بدلا من الفعل معمول عامله على الأصحّ البدل لا المبدل منه؛ وفاقا لسيبويه والأخفش).  2336 - وما زال تشرابي الخمور... 1 الثالثة: المصدر يأتي دلالة على الماهية فلا يعمل، نحو: العلم حسن، ولا يقضي على ما أضيف هو إليه، ونحو: علم زيد يعجبني؛ يرفع، ولا ينصب، فهو نظير قولك: خاتم زيد يعجبني، ولا يؤكد هذا المصدر. الرابعة: نقل عن صاحب النّهاية أنّه قال: إذا قلت: أتيته ركضا، إن فرّعت على مذهب البصريين، وهو أنّ «ركضا» في معنى «راكض» جاز إعماله، فتقول: أتيته ركضا فرسي، وإن فرعت على قول أبي علي في الإيضاح لم يجز إعماله؛ لأنه كان يكون كـ: «ضربت ضربا». قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام عن النوع الأول من المصدر شرع في ذكر النوع الثاني وهو الآتي بدلا من فعله، وهو الذي يمتنع أن يباشره عامل ظاهر، ويصلح في موضعه فعل عار من صرف مصدريّ وقد بين المصنف في باب المفعول المطلق مواقعه دون تعرّض لتعدّيه، وغرضه هنا بيان مواقعه متعدّيا لأن هذا إنما هو باب إعمال المصدر، فليذكر ما نسبه إلى كونه عاملا لا مطلقا، وقد وقع العامل أمرا، ودعاء، وتوبيخا مع استفهام، وتوبيخا دون استفهام، وخبرا مقصودا به الإنشاء، أو مقصودا به الوعد. إلا أنّ أكثر وقوعه أمرا كقول الشاعر: 2337 - يمرّون بالدهنا خفافا عيابهم... ويخرجن من دارين بجر الحقائب على حين ألهي النّاس جلّ أمورهم... فندلا زريق المال ندل الثّعالب 2

................................  قال في شرح الكافية: ويجوز أن يكون «زريق» منادى مضموما، وأن يكون فاعل «ندلا» 1. انتهى.
وفي كونه فاعل «ندلا» نظر لا يخفى، ولا يقال بجعل «ندلا» أمرا لغائب فيكون مستندا إلى فاعل ظاهر، كأنّه قال: ليندل زريق المال؛ لأنّ الأخفش قال: في هذا الباب: وكلّ شيء كان في موضع الفعل، فلا يجوز أن تأمر به الغائب وكقول الآخر في الأمر أيضا: 2338 - هجرا المظهر الإخاء إذا لم... يك في النّائبات جدّ معين 2 وأما الدّعاء فكقول الشّاعر: 2339 - يا قابل التّوب غفرانا مآثم قد... أسلفتها أنا منها مشفق وجل 3 ومثله: 2340 - إعانة العبد الضّعيف على الّذي... أمرت فميقات الجزاء قريب 4

    • (أقول: قائله هو الأحوص الأنصاري)، وهو في ديوان الأحوص (ص 215)، وقد ذكر العيني أيضا أنه لأعشى همذان يهجو لصوصا، كما في الحماسة البصرية (2/ 262)، وهو أيضا في ملحقات ديوان جرير (1012). اللغة: ندلا: خطفا، أو أخذا باليدين.
      وزريق - بالتصغير -: قبيلة في الأنصار، وأخرى في طيئ.
      والمعنى: يغتنمون شغل الناس عنهم، فيسرقونهم على أنهم لصوص، أو المراد: ينازعونهم في الكسب، بسبب اختلاف أهوائهم إذا كانوا تجارا.
      والشاهد في البيت قوله: «فندلا»؛ إذ هو مصدر واقع بدلا من اللفظ بفعله، الذي هو أمر، والتقدير: اندل ندلا.
      ينظر الشاهد أيضا في: الأشموني (2/ 285)، والخصائص (1/ 120)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 422).

................................  وأما التوبيخ بعد همزة الاستفهام فكقول المرّار الأسدي: 2341 - أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما... أفنان رأسك كالثّغام المخلس 1 وكقول الآخر: 2342 - أبغيا وظلما من علمتم مسالما... وذلّا وخوفا من يجاهركم حربا 2 وقول الآخر: 2343 - أبسطا بإضرار يمينا ومقولا... ومدّعيا مجدا تليدا وسؤددا 3 وأما التوبيخ بغير استفهام فكقول القائل: 2344 - وفاقا بني الأهواء والغيّ والونى... وغيرك معنيّ بكلّ جميل 4

    • «إعانة» مصدر نائب عن اللفظ بفعله في الدعاء، والتقدير: أعن العبد الضعيف، والعبد مفعول المصدر.
      ينظر الشاهد في: شرح المصنف (3/ 126)، والتذييل والتكميل (4/ 984).

................................  وأما الخبر المقصود به الإنشاء فكقول الشاعر: 2345 - حمدا الله ذا الجلال وشكرا... وبدارا لأمره وانقيادا 1 وأمّا الخبر المقصود به الوعد فكقول الآخر: 2346 - قالت: نعم وبلوغا بغية ومنى... فالصّادق الحبّ مبذول له الأمل 2 وبين النحاة خلاف؛ هل ينقاس هذا المصدر، أو لا. قال المصنف: أكثر المتأخرين يزعمون أنّ سيبويه يقصره على السماع، وليس له نصّ على ذلك، بل في كلامه ما يشعر بأنّ ما كان من هذه الأنواع - أمرا أو دعاء، أو توبيخا، أو إنشاء - مقيس 3. وأما الأخفش والفراء فعندهما أنّ هذه الأنواع مطردة صالحة للقياس على ما سمع منها، وبذلك أقول لكثرته في كلام العرب، ولما في ذلك من الاختصار والإيجاز 4. انتهى. ونقل الشيخ عن بعضهم أنه ينقاس في الأمر والاستفهام فقط فصارت المذاهب في ذلك ثلاثة: ينقاس مطلقا، ولا ينقاس مطلقا، ويفرق بين الأمر والاستفهام وغيرهما. قال الشيخ: وقد جاء المصدر خبرا صرفا عاريا مما ذكر، ومنه: 2347 - وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل 5

................................  تقديره: وقف وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم، ولا ينقاس مثل هذا؛ لقلّته.
وأمّا قول الشّاعر: 2348 - عهدي بها الحيّ لم تخفف نعامتهم 1 فجعله المصنف من المنصوب المراد به الماضي، أي: عهدت، ويحتمل أن يكون مرفوعا، ويكون من باب: ضربي زيدا قائما، والجملة من قوله: «لم تخفف نعامتهم» في موضع الحال.
انتهى 2. وأشار المصنف بقوله: عامله على الأصح البدل لا المبدل منه إلى أن النّحاة اختلفوا في العامل في المعمول الواقع بعد هذا المصدر، والأصحّ أنّ المصدر هو العامل، وهو مذهب سيبويه 3 والأخفش والفراء، والزّجاج، والفارسي 4. وقال المصنف 5: صرّح سيبويه رحمه الله بأنّ النصب بعد المصادر المذكورة بها أنفسها لا بالأفعال المضمرة، وذهب السيرافيّ إلى أنّ النصب بالأفعال المضمرة أي: الناصبة لذلك المصدر 6، ووافقه على ذلك كثير من النحويين، وليس بصحيح - - ابن العبد (ص 19)، والقافية فيه: «تجلد».
اللغة: الوقوف: جمع واقف كالشهور، الصحب: جمع صاحب، المطي: المراكب، لا تهلك أسى: أي من فرط الحزن، ويحمل بالصبر.
والشاهد في البيت قوله: «وقوفا» فهو مصدر وقع خبرا عاريا من الدلالة على الأمر والدعاء، وغيره.
ينظر الشاهد في: التذييل والتكميل (4/ 989).

................................  ومن نصوص سيبويه في الباب الذي ترجمته هذا الباب جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين، ومجرى الفعل، وممّا يجري مجرى «فاعل» من المصدر قوله: 2349 - يمرّون بالدّهنا... وأنشد البيتين، وقال: فـ «ندلا» بدل «اندل»، ثم أنشد سيبويه 1: 2350 - أعلاقة... البيت قال المصنف 2: فجعل «ندلا»، و «علاقة»، مساويين لـ: «ضرب بالسّيوف» [3/ 171] وكذلك ينبغي، بل إعمال «ندلا»، و «علاقة» وأشباهها أولى من إعمال «ضرب» وشبهه؛ لأنّ في: «ندلا»، و «علاقة» ما في «ضرب» من وجود أصالة الفعل، إلّا أنّ «ندلا»، و «علاقة» واقعان موقع فعلين محضين و «ضرب» واقع موقع حرف وفعل، ونسبة العمل إلى ما هو بمعنى العامل أولى من نسبته إلى ما هو بمعنى جزءين أحدهما: عامل، والآخر: غير عامل، ولا يمنع من ذلك كون الفعل لا يستغني عن تقدير عامليته، بالنسبة إلى نصب المصدر، كما لم يمنع على الأكثر نصب الظرف بعامل مقدّر، ورفع الظرف الضمير في نحو: زيد عندك، على أنّ ناصب الظّرف أحق أن ينسب العمل إليه، لكونه صالحا للإظهار، بخلاف عامل المصدر المشار إليه؛ فإنه غير صالح للإظهار، فقد صار نسيا منسيّا.
انتهى.
وقال ابن الضائع: الدليل على أنّ العامل في المنصوب بعد المصدر هو المصدر؛ إضافته إليه.
انتهى.
وذكر الشيخ: «رويدا» فقال: وقد جاء نوع من هذا المصدر النائب عن الفعل مصغّرا، وهو «رويد» في أحد استعمالاته فيعرب إذ ذاك، تقول: رويدا رويدا - - من النحويين يتسعون فيه فيقولون: العامل في «زيد» المصدر، والحقيقة في ذلك غير ما قالوه اتساعا، وإنما العامل في «زيد» الفعل الذي نصب المصدر، وتقديره: اضرب ضربا زيدا، فالعامل في «ضرب» وفي «زيد» جميعا: الفعل، ولكن هذا المصدر صار بدلا من اللفظ بفعل الأمر، فاتسعوا أن يقولوا: إنه العامل في الاسم، لما كان خلفا فمن العامل) اهـ.

................................  ويجوز إضافته إلى الفاعل، نحو: رويدك زيدا، أو إلى المفعول نحو: رويد زيد.
انتهى 1. وفي كونه يضّاف إلى الفاعل نظر، والمثال الذي مثّل به وهو «رويدك زيدا» لا تتعين المصدرية فيه لـ «رويد» بل «رويد» فيه اسم فعل والكاف حرف خطاب اتصلت به كما يتصل بحيّهل والنجاء اسمي فعل.
ثم قال الشيخ: واختلفوا في النّصب به، فذهب المبرد إلى أنه لا يجوز؛ لأنّ تصغيره يمنع من ذلك كما منع اسم الفاعل من العمل؛ لأنّ التصغير من خواصّ الأسماء فالنصب بعده إنما يكون بالفعل الناصب «رويدا» 2. وذهب غيره إلى جواز النصب به، واختلفوا في السبب الذي عمل لأجله، وهو مصغر ولم يعمل اسم الفاعل المصغر، فذهب الفارسيّ إلى أنّه إنما عمل وهو مصغر حملا على «رويد» اسم فعل للمشابهة اللفظية، وهذا يقتضي أنّ أبا علي يمنع من إعمال المصدر الموضوع موضع الفعل المصغّر فيما عدا «رويدا».
وزعم ابن طاهر، وابن خروف أنّ السبب في جواز إعماله أنّ عمله ليس بالشّبه كاسم الفاعل، وإنما عمل لوضعه موضع الفعل، فلا يقدح التصغير في إعماله، وقال بعض أصحابنا: وهذا هو الصحيح عندي، وسواء في ذلك «رويد»، وغيره من المصادر المصغرة الموضوعة موضع الفعل.
انتهى 3. واعلم أنّ المبرد كالسيرافي، يرى أنّ النصب بعد هذا النوع من المصدر إنما هو للفعل العامل في المصدر، وقد نقله الشيخ عنه.
أو إذا كان كذلك فلا يناسب أن يقال: إنّ النصب بعد «رويد» ليس بها، وإنما هو بالفعل العامل فيها، وإنّ العلة المانعة عنده من العمل إنما هي التصغير؛ لأنّ المبرد لا يعمل غير «رويد» من المصادر الموضوعة موضع الفعل، حتى يلزمه إعمال -

[المصدر الكائن بدلا من الفعل وأحكام أخرى له]

قال ابن مالك: (والأصحّ أيضا مساواة هذا المصدر اسم الفاعل في تحمّل الضّمير، وجواز تقديم المنصوب به، والمجرور بحرف يتعلّق به).
«رويد» ثم يحتجّ بتصغيره على عدم إعماله، وأما قول ابن طاهر، وابن خروف: إنّ التصغير لا يقدح في الإعمال، فغير ظاهر.
قال ناظر الجيش: لم تثبت هذه الزيادة في شرح المصنف ولذا لم يشرحها إلّا أنّه قال في شرح الكافية: وممّا يجوز في هذا النوع - أي: الآتي بدلا من اللفظ بالفعل - ولا يجوز في النوع الأول - أي: المنحل إلى حرف مصدريّ والفعل استتار ضمير مرفوع به 1، وقال أيضا في الشرح المذكور: ويعمل مقدما ومؤخرا؛ لأنه ليس بمنزلة موصول، ولا معموله بمنزلة صلة فيقال: ضربا رأسه، ورأسه ضربا 2. انتهى.
وفي قوله هنا في متن الكتاب: والأصحّ إشعار بأنّ في ذلك خلافا بين النحاة، وذكر الشيخ 3 أنّ الاختلاف في تقديم المنصوب على المصدر مبنيّ على الاختلاف في العامل في المعمول الواقع بعد المصدر ما هو؟ فمن رأى أنّ النصب بالفعل المقدّر الناصب للمصدر؛ أجاز التقديم، ومن جعل العمل للمصدر اختلفوا: هل يجوز التقديم؟ ونقل عن الأخفش الجواز والمنع، وهو ممن يرى أنّ العمل للمصدر لا للفعل كما تقدم.
وقال الشيخ أيضا - في ارتشاف الضّرب له -: ومن جعل «ضربا زيدا» منصوبا بالتزام «ضرب» مضمره فـ «ضربا» ينحلّ بحرف مصدريّ، والفعل؛ فلا يجوز تقديم معموله عليه وقال: ومن جعل العمل في المفعول للمصدر اختلفوا: هل يتحمل المصدر ضميرا أو لا يتحمل؟ 4.

جارٍ التحميل