الباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيه
................................
ظاهر الدلالة على ما ساقه المصنف له، والحق الوقوف معه إلى أن يؤتى لسيبويه بنص آخر يقتضي مخالفة ما ذكره في هذا الموضع، فحينئذ يجب الانقياد إليه، وأما التخريج الذي ذكره في الآية الشريفة، فلا يخفى بعده....
المبحث الرابع:
قد عرفت ما ذكره المصنف في «إذ» التي للمفاجأة من أن بعضهم يجعلها ظرف مكان، وبعضهم يجعلها زائدة، وأنه هو يختار الحكم بحرفيتها.
قال الشيخ: والذي نختاره نحن خلاف قوله، وأنها ظرف زمان على حالها التي استقرت لها، ولا يخرجها إلى الزيادة ولا إلى الحرفية، ولا إلى كونها ظرف مكان، لأنه يمكن إقرارها ظرف زمان 1. انتهى.
ولم أر في كلامه دليلا على هذه الدعوى، ثم كلام المصنف يقتضي أن «إذ» لا تكون للمفاجأة إلا بعد بينما وبينا، وهذا هو الظاهر، واعلم أن العامل في بينما وبينا، هو ما يشبه الجواب في نحو: بينما زيد قائم أقبل عمرو، فالناصب لبينما هو أقبل، قال الشيخ: وبعضهم يطلق عليه جوابا وليس بجيد؛ لأن الأول ليس بشرط.
ولو كان شرطا لم يسغ أن يقال: إنه يعمل فيه الجواب، أما إذا وجدت «إذ» نحو: بينما زيد قائم إذ أقبل عمرو، فعلى القول بأنها زائدة يكون الأمر كما كان؛ فيكون العامل في بينما هو أقبل، وإن كانت زائدة فلا يمكن عمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأنها إن كانت حرفا للمفاجأة فلا يعمل ما بعد المفاجأة فيما قبلها، وإن كانت ظرفا، فما بعدها مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، وحينئذ يتعين أن يكون [2/ 420] الناصب لبينما ولبينا عاملا مقدرا، يفسره ما بعد «إذ» فإذا قلت: بينما أو بينا زيد قائم إذ أقبل عمرو، كان العامل في بينما أو بينا أقبل محذوفة يفسرها «أقبل» الموجودة بعد «إذ» وأما العامل حينئذ في «إذ» فقال ابن جني: العامل فيها الفعل الذي بعدها؛ لأنها غير مضافة إليه، وهذا دليل ابن جني على أنه جعلها للمفاجأة ولم يجعلها ظرفا 2، وأما الشلوبين فإنه حكم بإضافتها إلى الجملة بعدها، وإذا كان كذلك امتنع عمل الفعل الذي بعدها فيها كما -
................................ امتنع عمله في بينما وبينا. وإذا امتنع عمل الفعل وجب الحكم على «إذ» بالبدلية من بينما وبينا 1، والذي يحصل من كلام الشلوبين أن العامل في بين ما يفهم من معنى الكلام، وأن «إذ» بدل من بين، أي حين أنا كذلك حين جاء زيد، ومما ينبّه عليه أنه قد يذكر بعد «إذ» كلمة مفرد، فيظن أن «إذ» مضافة إليها، وليس كذلك؛ لأنك قد عرفت أنها يلزمها الإضافة إلى جملة، وعلى هذا يتعين تقدير كلمة أخرى منضمة إلى الكلمة الواقعة بعدها لينتظم منها جملة، فإذا قلت: قمت إذ ذاك وفعلت إذ ذاك كان التقدير: إذ ذاك كذلك 2، ومنه قول الشاعر 3: - 1522 - هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا... والعيش منقلب إذ ذاك أفنانا 4 التقدير: إذ ذاك كذلك، وقال الأخطل: - 1523 - كانت منازل ألّاف عهدتهم... إذ نحن إذ ذاك دون النّاس إخوانا 5 ألاف بضم الهمزة جمع آلف بالمد مثل كافر وكفار، ونحن، وذاك مبتدآن حذف خبراهما، والتقدير: عهدتهم إخوانا إذ نحن متآلفون إذ ذاك كائن، وأنشدوا للخنساء بيتا وهو: - 1524 - كأن لم يكونوا حمى يتّقى... إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّا 6
................................
وتكلم عليه بعض الفضلاء 1 قال: فإذ الأولى ظرف ليتقى أو لحمى أو ليكونوا، إن قيل: إن لكان الناقصة مصدرا، وهو الصحيح، والثانية ظرف لبزّ، ومن مبتدأ موصول لا شرط؛ لأن بزّ عامل في «إذ» الثانية، ولا يعمل ما في حيّز الشرط فيما قبله عند البصريين، و «بز» خبر «من» والجملة خبر الناس، والعائد إليهم محذوف أي: من عز منهم كقولهم: السمن منوان بدرهم، ولا تكون «إذ» الأولى ظرفا «لبزّ» لأنه جزء الجملة التي أضيفت «إذ» الأولى
إليها، ولا يعمل شيء من المضاف إليه في المضاف، ولا «إذ» الثانية بدلا من الأولى لأن الأولى إنما تكمل بما أضيفت إليه، ولا يتبع اسم حتى يكمل، ولا خبرا عن الناس؛ لأنها زمان والناس اسم عين، وذلك مبتدأ محذوف الخبر أي كائن 2.
المبحث الخامس:
الجملة التي تضاف بينما وبينا إليها تارة تكون اسمية، كالأمثلة المتقدمة، وتارة تكون فعلية، لكن ذلك قليل، تقول: بينما أنصفني ظلمني، وبينما اتصل بزيد قطعه، حتى زعم ابن الأنباري أن «بين» يشرط بها في هذين المثالين 3، قال الشيخ:
واختلفوا في الجملة الواقعة بعد بينما وبينا، على ثلاثة مذاهب [2/ 421]:
فقيل: موضع خفض بالإضافة، وقيل: «ما» في «بينما» والألف في «بينا» كافتان والجملة بعدهما لا موضع لها من الإعراب، وقيل: «ما» كافة بدليل عدم الخفض بعدها، والجملة التي تليها لا موضع لها من الإعراب، وأما ألف «بينا» فإشباع والجملة التي بعدها في موضع خفض بالإضافة، وليست الألف كافة خلافا لمن زعم ذلك؛ لأن كون الألف كافة لم يثبت، وثبت كونها إشباعا في رواية من روى:
1525 - بينا تعانقه الكماة.......... 4
قال: وهذا هو المذهب المختار عند أصحابنا 5. انتهى.
ومما يدل على اختلاف بينما وبينا في الحكم أن بينا قد تضاف إلى مصدر كما - - والشاهد في قوله: «إذ ذاك» كالبيتين السابقين.
[أحكام إذا حين تجيء ظرفا وغير ظرف]
قال ابن مالك: (ومنها «إذا» للوقت المستقبل مضمّنة معنى الشّرط غالبا، لكنها لما تيقّن كونه أو رجّح بخلاف «إن» فلذا لم تجزم غالبا إلّا في شعر وربّما وقعت موقع «إذ» و «إذ» موقعها، وتضاف أبدا إلى جملة مصدّرة بفعل ظاهر أو مقّدر قبل اسم يليه فعل، وقد تغني ابتدائية اسم بعدها عن تقدير فعل وفاقا للأخفش، وقد تفارقها الظّرفيّة مفعولا بها أو مجرورة بحتّى، أو مبتدأة، وتدل على المفاجأة حرفا لا ظرف زمان خلافا للزّجاج، ولا ظرف مكان خلافا للمبرد، ولا يليها في المفاجأة إلّا جملة اسميّة، وقد تقع بعد بينا وبينما) 1.
- ذكر المصنف، وأما بينما فلا يليها إلا جملة، وأفاد قول المصنف: (وقد تضاف بينا إلى مصدر) أنها لا تضاف إلى اسم عين، قالوا: والسبب في أن بينا لا يليها إلا الجملة أو المفرد بشرط أن يكون مصدرا - أنها تستدعي جوابا، فلم يقع بعدها إلا ما يعطي معنى الفعل، وذلك الجملة أو المصدر من المفردات 2.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 3: يدل على اسمية «إذا» أن فيها ما في «إذ» من الدلالة على الزمان دون تعرض لحدث، ومن الإخبار بها مع دخولها على الأفعال نحو قولك: راحة المؤمن إذا دخل الجنة، ومن وقوعها بدلا من اسم صريح نحو: أكرمك غدا إذا جئتني، ومن وقوعها مفعولا بها 4 كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عني غضبى» 5.
وانفردت بدخول حتى الجارة عليها كقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها 6، كما انفردت «إذ» بلحاق التنوين والإضافة إليها، وإلى الحديث والآية الشريفة أشرت بقولي: وقد تفارقها الظرفية مفعولا بها أو مجرورة بحتى.
-
................................
وأما وقوعها مبتدأ فمثاله قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ 1 لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ 2 خافِضَةٌ رافِعَةٌ 3 إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (1) في قراءة من نصب «خافضة رافعة» (2) فإذا وقعت مبتدأ، و «إذا رجت» خبر.
وليس وخافضة ورافعة أحوال ثلاثة، والمعنى: وقعت وقوع الواقعة صادقة الوقوع خافضة قوم، رافعة آخرين وقت رجّ الأرض، هكذا أعربه أبو الفتح في المحتسب (3) وهو صحيح 4، وأكثر وقوع «إذا» مضمنة معنى [2/ 422] الشرط؛
ولذلك تقع الفاء بعدها على حد وقوعها بعد «إن» كقوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا 5 ولذلك أيضا كثر وقوع الفعل بعدها ماضي اللفظ مستقبل المعنى 6 نحو: إذا جئتني أكرمتك، ولو جعلت مكان «إذا» حينا أو غيره قاصد الاستقبال لم يجز أن تأتي بلفظ الماضي، وكان مقتضى تضمنها معنى الشرط أن يجزم بها، لكن منع من ذلك ثلاثة أمور:
أحدها: أن تضمنها معنى الشرط ليس بلازم، فإنها قد تتجرد منه كقوله تعالى:
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا 7 وقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى 8 وقد تتجرد من الظرفية مع تجردها من الشرط نحو: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية».
الثاني: أنها مضافة إلى ما يليها، والمضاف يقتضي جرّا لا جزما.
وإذا جزم بها في الشعر، فليست مضافة إلى الجملة، وبناؤها حينئذ لتضمنها مع «إن».
الثالث: أن ما يليها متيقّن الكون أو في حكم المتيقن نحو: آتيك إذا انتصف النهار، وأجيبك إذا دعوتني، بخلاف «إن» فإنّ كونه وعدم كونه لا رجحان لأحدهما على الآخر، فلما خالفتها «إذا» لم يجزم بها إلا في الشعر 9 وإنما جاز -
................................ أن يجزم بها في الشعر؛ لأن فيها ما في «إن» من ربط جملة بجملة وإن لم يكن ذلك لها لازما، ومن الجزم بها قول الشاعر: - 1526 - ترفع لي خندف والله يرفع لي... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد 1 ومثله: - 1527 - استغن ما أغناك ربّك بالغنى... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل 2 ومثله: - 1528 - وإذا تصبك خصاصة فارج الغنى... وإلى الذي يعطي الرّغايب فارغب 3 وقد يراد بها المضي فتقع موقع «إذ» كقوله تعالى: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ 4، وكقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها 5، ومن ذلك قول الشاعر: - 1529 - حللت بها وتري وأدركت ثورتي... إذا ما تناسى ذحله كلّ غيهب 6
................................
ومثله: -
1530 - ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها... فيما مضى أحد إذا لم يعشق 1
وقد يقع «إذ» موقع «إذا» 2 كقوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى 3، «فإذ» هذه بدل من يوم يجمع، ويوم يجمع مستقبل المعنى، فتعين كون المبدل منه مثله في الاستقبال، ومثله قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 4، ومثله قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ 5 بعد: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ 6.
ومن وقوع «إذ» موقع «إذا» قول الشاعر: -
1531 - متى ينال الفتى اليقظان حاجته... إذ المقام بأرض اللهو والغزل 7
ولا يليها عند سيبويه إلا فعل أو معمول فعل، فإن كان اسما مرفوعا وجب عنده أن يرتفع بفعل مقدر موافق لفعل ظاهر بعده 8، كقوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ 9 فالشمس مرفوع بكورت مضمرا والنجوم [2/ 423] مرفوع بانكدرت مضمرا، وكذلك ما أشبههما 10، لا يجيز سيبويه غير ذلك، واختار الأخفش ما أوجبه سيبويه، وأجاز مع ذلك جعل المرفوع بعد إذا مبتدأ 11، - - والحقد.
الغيهب: الثقيل.
وقيل: هو البليد.
والشاهد فيه: وقوع «إذا» موقع «إذ».
................................
وبقوله أقول؛ لأن طلب «إذا» للفعل ليس كطلب «إن» بل طلبها له كطلب ما هو بالفعل أولى ممّا لا عمل له فيه كهمزة الاستفهام، فكما لا يلزم فاعلية الاسم بعد الهمزة، لا يلزم بعد «إذا».
ولذلك أجاز أن يقال: إذا الرجل في المسجد فظن به خيرا، ومنه قول الشاعر:
1532 - إذا باهليّ تحته حنظليّة... له ولد منها فذاك المذرّع 1
فجعل بعد الاسم الذي ولي «إذا» ظرفا، واستغنى عن الفعل.
ولا يفعل ذلك بما هو مختص بالفعل، ومما يدل على صحة مذهب الأخفش قول الشاعر:
1533 - فأمهله حتّى إذا أن كأنّه... معاطى يد فى لجّة الماء غامر 2
فأولى «إذا» «أن» الزائدة، وبعدها جملة اسمية، ولا يفعل ذلك بما هو مختص بالفعل، وأنشد ابن جني لضيغم الأسدي: -
1534 - إذا هو لم يخفني في ابن عمي... وإن لم ألقه الرّجل الظّلوم 3
وقال: في هذا دليل على جواز ارتفاع الاسم بعد «إذا» الزمانية بالابتداء؛ لأن هو ضمير الأمر والشأن، وضمير الشأن لا يرتفع بفعل يفسره ما بعده 4. قلت: -
................................
ومثل ما أنشده ابن جني قول الآخر: -
1535 - وأنت امرؤ خلط إذا هي أرسلت... يمينك شيئا أمسكته شمالكا 1
لأن هي ضمير القصّة والشأن، ولما أنهيت الكلام على «إذا» 2 الدالة على زمن مستقبل أخذت في الكلام على «إذا» المفاجأة، وقد اجتمعا في قوله تعالى:
ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ 3، فالأولى الدالة على وقت الاستقبال، والثانية الدالة على المفاجأة، وهي عند المبرد والسيرافي ظرف مكان 4، وعند الزجاج وأبي علي الشلوبين ظرف زمان حاضر 5. وهذا هو ظاهر قول سيبويه، فإنه قال حين قصدها: وتكون للشيء توافقه في حال أنت فيها، وذلك قولك: مررت فإذا زيد قائم 6، هذا نصه.
وروي عن الأخفش أنها حرف دال على المفاجأة 7. وهو الصحيح عندي، ويدل على صحته ثمانية أوجه 8:
أحدها: أنها كلمة تدل على معنى في غيرها، غير صالحة لشيء من علامات الأسماء والأفعال.
الثاني: أنها كلمة لا تقع إلا بين جملتين، وذلك لا يوجد إلا في الحروف -
................................
كلكن، وحتى الابتدائية.
الثالث: أنها كلمة لا يليها إلا جملة ابتدائية مع انتفاء علامات الأفعال، ولا يكون ذلك إلا في الحروف.
الرابع: أنها لو كانت ظرفا لم يختلف من حكم بظرفيتها في كونها مكانية أو زمانية؛ إذ ليس في الظروف ما [2/ 424] هو كذلك.
الخامس: أنها لو كانت ظرفا لم تربط بين جملتي الشرط والجزاء في نحو قوله:
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ 1 إذ لا يكون كذلك إلا حرف.
السادس: أنها لو كانت ظرفا، لوجب اقترانها بالفاء، إذا صدر بها جواب الشرط، فإن ذلك لازم لكل ظرف صدر به الجواب نحو: إن تقم فحينئذ أقوم، وإن تقم فعند مقامك أقوم.
السابع: أنها لو كانت ظرفا لأغنت عن خبر ما بعدها، ولكثر نصب ما بعده على الحال كما كان مع الظروف المجمع على ظرفيتها، كقولك: عندي زيد مقيما، وهناك بشر جالسا، والاستعمال في نحو: مررت فإذا زيد قائم، بخلاف ذلك.
الثامن: أنها لو كانت ظرفا لم يقع بعدها «إنّ» المكسورة غير مقترنة بالفاء 2 كما لا يقع بعد سائر الظروف نحو: عندي إنّك فاضل، وأمر «إنّ» بعد إذا المفاجأة بخلاف ذلك كقوله: -
1536 - إذا أنّه عبد القفا واللهازم 3
فتعين الاعتراف بثبوت الحرفية وانتفاء الظرفية، ومثال وقوعها بعد بينا قول الشاعر 4: -
................................
1537 - وبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا... إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف 1
ومثال وقوعها بعد بينما قول الشاعر: -
1538 - بينما المرء في فنون الأماني... فإذا زائر المنون موافي 2
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 3، وعرف منه أن «إذا» قسمان: -
غير فجائية: وهي ظرف مستقبل مضمن معنى الشرط.
وفجائية.
وأن غير الفجائية قد تفارق الظرفية، فتكون مفعولا بها أو مجرورة بحتى أو مبتدأ، وأنها قد تفارق الشرطية، واستفيد ذلك من قوله: (غالبا) بعد قوله:
(مضمنة معنى الشرط).
وأنها قد تفارق الاستقبال، واستفيد ذلك من قوله:
(وربما وقعت موقع «إذ») وكل من ذلك فيه بحث، وقد يتعلق بهذا الموضع أبحاث أخر، وأنا أورد ذلك كله جملة فأقول:
أما مفارقتها الظرفية فلم يثبت بقاطع، وما استدل به المصنف محتمل للتأويل، فأما الحديث الشريف وهو: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية»، فالمفعول فيه محذوف، والتقدير: إني لأعلم حالك أو شأنك أو أمرك إذا كنت عني راضية، و «إذا» باقية على الظرفية لم تفارقها، وأما قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها 4 فليست حتى فيه جارة بل هي حرف ابتداء باشرت الجملة الشرطية وجوابها، ودخول حتى على الجملة المصدرة بإذا الشرطية كثير في الكتاب العزيز، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ -
................................
طَيِّبَةٍ 1 وجوابها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ (2)، وقال تعالى: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ 2، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها 3، فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي 4، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ 5، فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ 6 [2/ 425]، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً 7، ولا شك أن مجيء جواب «إذا» يبطل كون حتى جارة؛ لأن الجر يخرج إذا عن الظرفية، ويصيرها مع ما بعدها في حيز المفرد، ولا يبقى إذ ذاك جملة شرطية تستدعي جوابا؛ لأنها تصير إذ ذاك مع ما بعدها غاية لما قبلها 8، قال الشيخ: وكما جاءت «لو» الامتناعية بعد حتى وهي شرط في الماضي كذلك جاءت إذا، ولا يدّعي أحد أن «لو» في موضع جر بحتى، ومثال ذلك قول الشاعر 9:
1539 - وما زال بي ذا الشّوق حتّى لو انّني... من الوجد أستبكي الحمام بكى لها 10
انتهى 11.
وهذا لا يبطل به قول المصنف؛ لأن «لو» حرف، والحرف لا يجر.
فالمانع من القول بجره حرفيته، وأما إذا فكلمة ثابتة الاسمية، فللقول بجرها مسوغ، وهو اسميتها، ثم قال الشيخ: ونصوا على أن حتى إذا دخلت على الجملة لا
تعمل فيها -
................................
ولا في شيء من أجزائها، بل تخرج على أحد وجهين: -
الأول: أن تكون حرف ابتداء، وليس المراد بذلك أن لا يليها إلا المبتدأ، بل المراد أن يكون بعدها المبتدأ نحو:
1540 - وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان 1
أو يصلح أن يقع بعدها المبتدأ، كقولك: ضربت القوم حتى زيدا ضربته، بنصب زيد، فهي هنا حرف ابتداء؛ لأنه يصلح أن يكون بعدها المبتدأ، فتقول: حتى زيد ضربته، قال: فكذلك يكون التقدير في قوله تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ.. 2: حتى هم إذا جاءوها شهد عليهم سمعهم.
الوجه الثاني: أن تقدر حتى بمعنى الفاء، كما قدرها النحويون في قولهم: سرت حتى أدخل المدينة، برفع أدخل، وتقدير كونه قد وقع التقدير: سرت فدخلت المدينة، فكذلك حتى في هذه المواضع التي جاءت بعدها «إذا» تتقدر
بالفاء، ولا ينخرم منها موضع.
انتهى 3.
وهو كلام حسن، إلا أن قوله: إن المراد بحتى الابتدائية أن يليها المبتدأ أو يصلح أن يقع بعدها المبتدأ، لا يظهر.
والظاهر أن المراد من قولهم: حرف ابتداء، أن الكلام الذي يليها مستأنف لا تعلق له بما قبلها من حيث اللفظ.
ثم قال الشيخ: والدليل على بقائها شرطية اتفاق النحويين على ذلك في قوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها 4، واختلفوا في الجواب فقيل: الواو زائدة، وقيل: الجواب محذوف، قال: وقد طالعت كثيرا من (الكتب في النحو) 5، فلم أر من تعرض لهذه المسألة -
................................
بخصوصها - يعني به حكم «إذا» الواقعة بعد حتى - إلا الزمخشري 1 وأبا البقاء العكبري وصاحب البسيط.
أما الزمخشري فإنه أجاز فيها أن تكون حرف ابتداء 2، وأن تكون جارة لإذا بمعنى الوقت 3، وأما أبو البقاء فإنه جرى فيها على القواعد، فقال في قوله [2/ 426] تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ 4: إذا في موضع نصب بجوابها وهو يقول:
وليس لحتى هنا عمل، وإنما أفادت معنى الغاية كما لا تعمل في الجمل 5، وأما صاحب البسيط فإنه قال: وتقول: اجلس حتى إذا جاء زيد أعطيتك، فحتى هنا غير عاملة؛ لأنها دخلت على اسم معمول لغيرها، لأن «إذا» في موضع نصب بالجواب على الظرف، كأنك قلت: اجلس فإذا جاء زيد أعطيتك 6.
ثم قال الشيخ: وكان بعض الأذكياء يستشكل مجيء هذه الجملة الشرطية من إذا وجوابها بعد حتى، ويذكر لي
ذلك ويقول: كيف تكون حتى غاية وما بعدها جملة الشرط؟ فقلت له: الغاية في الحقيقة ما ينسبك من الجواب مرتبا على فعل الشرط، فالتقدير المعنوي الإعرابي: «فهم يوزعون إلى أن يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وقت مجيئهم إلى النار فينقطع الوزع» وكذلك: «وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا إلى أن تفتح لهم أبوابها وقت مجيئهم فينقطع السوق» وأما إذا كانت بمعنى الفاء فيطيح هذا الإشكال 7؛ إذ لا تكون «حتى» إذ ذاك حرف غاية.
انتهى.
وأما قوله تعالى: إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ 8 في قراءة من نصب خافِضَةٌ رافِعَةٌ 9، فلا يتعين أن يكون: إذا رجت - خبرا، حتى يلزم منه أن تكون «إذا» في إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ مبتدأ 10، فقد قيل: إن «إذا» من «إذا وقعت» باقية -
................................
على ظرفيتها، وتلك أحوال ثلاثة كما تقدم 1 وإِذا رُجَّتِ 2 بدل من إِذا وَقَعَتِ وجواب إذا: إما وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً 3 على زيادة الواو، كما قالوا في:
حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها 4: أي فتحت، وكما قيل في قول الشاعر: -
1541 - فلمّا أجزنا ساحة الحي وانتحى... بنا بطن خبت ذي ركام عقنقل 5
أي انتحى، قال الشيخ: وهو تخريج كوفي أخفشي.
وإما أن يكون الجواب محذوفا، فإما أن تقدر قبل وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً وتقديره: عرفتم مراتبكم ومنازلكم، وإما أن يكون الجواب فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ 6 وما بعده، والمعنى:
فأصحاب الميمنة ما أعظمهم وما أنجاهم، وأصحاب المشأمة ما أحقرهم، وما أشقاهم، قال الشيخ:
وهذا الوجه أحسن، إذ لا يحتاج فيه إلى تكلف 7. انتهى.
ومنهم من قدر بدل عرفتم مراتبكم، انقسمتم أقساما، ثم عطف عليه وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً 8. -
................................
وأما مفارقتها الشرطية فقد مثل له المصنف كما عرفت بقوله تعالى: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا 1 وبقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى 2 ولم يظهر لي وجه الاستدلال من الآية الأولى، فإن وجّه بأن الذي يدل على انتفاء الشرط عن «إذا» عدم صلاحيته «لسوف أخرج حيّا» لأن يكون جوابا له، إذ الفاء في مثله واجبة، وإذا انتفى
كون لَسَوْفَ أُخْرَجُ جوابا [2/ 427] تخلصت «إذا» للظرفية ويكون العامل فيها «أخرج» فيتم الاستدلال الذي قصده المصنف، لكن ينشأ على هذا إشكال وهو: أن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها، لأنها من أدوات الصّدر، وحينئذ يبطل كون «أخرج» عاملا، وإذا بطل كون «أخرج» عاملا، وجب أن يكون العامل في إذا مقدرا من معنى أخرج 3، التقدير: «إذا ما مت أبعث» لكن إذا كان العامل أبعث الذي هو مقدر، كان هو الجواب، وإذا كان هو الجواب مع كونه جوابا صناعيّا أمكن دعوى الشرطية في «إذا»، إذ لا مانع من ذلك، وحينئذ لا يتم استدلال المصنف بهذه الآية الشريفة على أن «إذا» فارقتها الشرطية وخلصت للظرفية.
وأما الآية الشريفة الثانية وهي قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ومثله: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى 4، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ 5 فظاهر كون إذا فيه خلصت للظرفية وتجردت عن معنى الشرط؛ لأن فعل القسم المقدر مقصود به الإنشاء، فوجب أن يكون وجود معناه مقارنا لوجود لفظه، فلو كان الشرط مقصودا وجب أن يتأخر وجود المعنى إلى حين وجود الأمر المشروط، وذلك خلاف المقصود من الفعل الإنشائي الذي هو أقسم وشبهه، وإذا كان كذلك «فإذا» في هذه الآيات الشريفة تمحضت للظرفية 6.
بقي الكلام في العامل في الظرف ما هو؟.
لم أر في كلام المصنف ولا كلام الشيخ تعرضا إلى ذكره.
-
................................
وقال أبو البقاء: «العامل فيه فعل القسم المحذوف، التقدير: أقسم بالنجم وقت هويّه» 1، وما قاله غير ظاهر، فإن وقت هويه مستقبل؛ لأن إذا هي الدالة عليه، وهي للاستقبال.
والفعل المضارع يتعين استقباله بعمله في ظرف مستقبل، فيلزم استقبال «أقسم» وهو فعل إنشائي لا محالة، وقد عرفت أن وجود معنى ما هو كذلك يجب أن يكون
مقارنا لوجود لفظه، والذي يظهر أن يكون الظرف المذكور في موضع الحال، فيكون العامل فيه إذ ذاك محذوفا، التقدير: أقسم بالنجم كائنا وقت هويه، وكذا التقدير في بقية الآيات، ومثّل غير المصنف 2 لخروج إذا عن الشرطية [بقوله] تعالى: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ 3، وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ 4 فقال: لو كانت إذا شرطية وجب اقتران الجواب بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، وقد التزم بعضهم شرطيتها في الآيتين الشريفتين، وذكر أن الفاء تضمر في الجواب أو أن الضمير توكيد لا مبتدأ، وما بعده الجواب، ولا يخفى ضعف ذلك 5.
وأما مفارقتها الاستقبال، فقد عرفت أن المصنف استدل على ذلك بقوله تعالى:
وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ 6، وبقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها 7، واستدل أيضا بقول الشاعر: -
1542 - حللت بها وتري............ البيت 8
وبقول الآخر: -
1543 - ما ذاق بؤس معيشة............. البيت أيضا 9
واستدل أيضا على وقوع «إذ» موقع «إذا» بقوله تعالى: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى 10 فقال: إن إذ هذه [2/ 428] بدل من يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ 11 ويوم يجمع مستقبل المعنى، قال: فيتعين كون المبدل منه مثله في الاستقبال، وبقوله -
................................
تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 1 وبقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ 2 بعد إِذا زُلْزِلَتِ 3، وجعل من ذلك قول الشاعر: -
1544 - متى ينال الفتى اليقظان حاجته... إذ المقام بأرض اللهو والغزل 4
كما تقدمت الإشارة إلى ذلك كله، وقد أورد الشيخ كلام المصنف هذا واستدلاله، ثم قال: وما استدل به يحتمل التأويل 5، ولم يرد على ذلك.
وأقول: أما ما استدل به على أن «إذا» تقع موقع «إذ».
فالآية الأولى منه يمكن أن يقال فيها: إن المقصود حكاية حالهم حين ابتدأوا في الفعل، وإذا كان كذلك كان المحل حينئذ موقع «إذا» دون موقع «إذ».
وأما الآية الثانية فالمراد منها حكاية ما كانوا عليه، وما هو شأنهم وديدنهم، فالمعنى: حال هؤلاء أنهم إذا رأوا تجارة أو لهوا كان منهم ما ذكر ولو أتي «بإذ» في هذا المحل لصار المعنى الإخبار عن واقعة وقعت منهم، ولا يلزم من الإخبار بذلك أن يكون ذلك من شأنهم 6 وأما البيتان اللذان أنشدهما وهما: -
1545 - حللت بها وتري
وقول الآخر: -
1546 - ما ذاق بؤس معيشة
فيظهر أن لا دليل فيهما على المطلوب؛ لأن جواب الشرط فيهما محذوف، والمذكور المتقدم دليل عليه، ولا شك أن الجواب مستقبل المعنى كالشرط، فوجب أن يكون دليل الجواب مستقبلا.
فكأن قائل الأول قال: -
إذا ما تناسى ذحله كلّ غيهب حللت بها وتري وأدركت ثورتي.
وكأن قائل الثاني قال: - -
................................
إذا لم يعشق أحد فما ذاق بؤس معيشة ولا نعيمها.
وكذا قول الآخر 1: -
1547 - وندمان يزيد الكأس طيبا... سقيت إذا تغوّرت النّجوم 2
المعنى: إذا تغورت النجوم سقيت أي: أسقي، فسقيت مستقبل المعنى إلا أن يدعي المصنف أن إذا فارقتها معنى الشرطية في هذه الأبيات، وتجردت للظرفية، فيتم مراده، ويتوجه استدلاله.
وأما ما استدل به على وقوع «إذ» موقع «إذا» ففيه للبحث مجال.
أما وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى 3 وأن «إذ» بدل من يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ 4 فهذا متوقف على أن هذا القول الشريف لم يكن في الدنيا، وإنما يكون يوم القيامة، وعلى أن العامل فيه هو العامل في يَوْمَ يَجْمَعُ، وإذا تعين هذان الأمران يجاب حينئذ بالجواب المشهور عن ما هو نظير هذه الآية الشريفة، وهو أن المستقبل المحقق الوقوع يعبر عنه بما يعبر عن الواقع الذي قد مضى؛ لأن الإخبار عن الأمر العظيم بأنه قد وقع أبلغ من الإخبار عنه بأنه سيقع، وبتقدير أن لا يكون قد عبر عن المستقبل المحقق الوقوع بالماضي يمكن أن يجاب بأن يَوْمَ يَجْمَعُ لما ذكر، ومضى ذكره، صار في حكم شيء استقر [2/ 429] مضيه تنزيلا للماضي الذكر منزلة الماضي الوقوع، وهذا التقرير نظير ما قاله الزمخشري في قوله تعالى: الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ 5 إن ذلك كيف أشير به إلى ما ليس ببعيد، وأجاب بأنه لما وقعت الإشارة إلى الم بعد ما سبق التكلم به وتقضى، والمقتضى في حكم المتباعد، جاز ذلك 6. وبهذا الجواب يجاب عن استدلاله بقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ 7 بعد -
................................
إِذا زُلْزِلَتِ 1؛ لأن ما تقدم ذكره وتقريره صار في حكم الماضي، وأما قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 2، فهي من باب ما عبر عن المستقبل فيه بالماضي؛ لتحقق وقوعه 3، وأما قول الشاعر: -
1548 - متى ينال الفتى اليقظان حاجته... إذ المقام بأرض اللهو والغزل 4
فالظاهر أن «إذ» فيه للتعليل؛ لأن الظاهر أن المراد بالاستفهام في البيت النفي، فالمعنى: لا ينال الفتى اليقظان حاجته بسبب مقامه بأرض اللهو والغزل، وقد تقدم أن الذي يقتضيه النظر أن «إذا» إذا كانت للتعليل يحكم بحرفيتها.
وأما الأبحاث: - فمنها:
أنه قد عرف من قول المصنف: ويضاف أبدا إلى جملة مصدرة إلى أخره - أن «إذا» ليست معمولة للفعل الذي يليها، لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، وإنما هي معمولة لفعل الجواب، ولا شك أن هذا هو مذهب الجمهور، وهو المعروف المشهور، وذهب بعض النحويين إلى أنها ليست مضافة إلى الجملة بعدها، وأن العامل فيها الفعل الذي يليها، وأنها ليست معمولة لفعل الجواب كما ذهب إليه الجمهور 5، قال الشيخ: وهذا المذهب هو الذي نختاره حملا لها على أخواتها من أسماء الشرط، ألا ترى أنك إذا قلت: متى تقم أقم، كان منصوبا بالفعل الذي يليه، ويدل على ذلك قولك: أيّا تضرب أضرب، قال: وما ذهب إليه الجمهور فاسد من وجوه: -
أحدها: أن إذا الفجائية تقع جوابا لإذا الشرطية نحو قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا 6 وما بعد إذا لا يعمل فيما -
................................
قبلها، وأجمعوا على أن جواب إذا هو إذا الفجائية مع ما بعدها، كما أجيب بها «إن» في قوله تعالى: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ 1.
الثاني: وقوع الجواب لإذا وقد اقترن بالفاء نحو: إذا جاءك زيد فاضربه، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله.
الثالث: أن جوابها جاء منفيّا بما.
نحو قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا 2، وما بعد «ما» النافية لا يعمل فيما قبلها.
الرابع: اختلاف الظرفين في بعض الصور نحو: إذا جئتني غدا أجيئك بعد غد، فلا يمكن إذ ذاك أن يكون الجواب عاملا فيها وعاملا في «بعد» لاستحالة وقوع الفعل الواحد في زمانين 3. انتهى.
وقد استدل لأصحاب هذا المذهب بأمرين آخرين أيضا: -
أحدهما: أن الشرط والجزاء عبارة عن جملتين يربط بينهما بالأداة، قالوا: وعلى قول [2/ 430] الجمهور: إن العامل فعل الجواب أو ما أشبهه تصير الجملتان واحدة؛ لأن الظرف عندهم من جملة الجواب، والمعمول داخل في جملة عامله.
الثاني: أن ذلك ممتنع في قول زهير: -
1549 - بدا لي أني لست مدرك ما مضى... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 4
لأن الجواب محذوف، التقدير: إذا كان جائيا فلا أسبقه، ولا يصح أن يقال:
لا أسبق شيئا وقت مجيئه؛ لأن الشيء إنما يسبق قبل مجيئه، فإن قالوا في البيت:
إنها غير شرطية، فهي معمولة لما قبلها وهو سابق، كان ذلك لازما لهم أيضا، وأما على القول بأن العامل في «إذا» هو ما يليها فهي شرطية محذوفة الجواب، وعاملها: إما خبر كان، أو نفس كان إن قيل بأنها دالة على الحدث 5، ثم إنهم أوردوا بعد ذلك سؤالا وهو: إنكم إذا قلتم: إن العامل في إذا هو الفعل الذي يليها -
................................ وهو فعل الشرط لزمكم في نحو: إذا جئتني غدا أجيئك بعد غد، أن يكون جئتني قد عمل في إذا، مع كونه عاملا في غد، وعامل واحد لا يعمل في ظرفي زمان بغير عطف، وهو سؤال متجه، وقد أجيب عن ذلك: بأن العامل الواحد يجوز أن يعمل في ظرفي زمان إذا كان أحدهما أعم من الآخر نحو: آتيك يوم الجمعة سحر، قالوا: وليس سحر في هذا التركيب بدلا، لجواز سير عليه يوم الجمعة سحر، برفع الأول ونصب الثاني، نص على ذلك سيبويه، وأنشد للفرزدق: - 1550 - متى تردن يوما سفار تجد بها... أديهم يرمي المستجيز المعوّرا 1 ولا يجوز أن يكون يوما في البيت بدلا من «متى» لأنه لو كان بدلا كان مقترنا بحرف الشرط، وذلك لا يجوز في «غدا» من قولك: إذا جئتني غدا، في المثال المتقدم أن يكون بدلا من إذا 2، لهذه العلة التي ذكرناها، وقد تعقب على الشيخ كونه حكم على قوله تعالى: ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا 3 بأنه جواب 4 - بأن قيل: ليس هذا بجواب، إذ لو كان جوابا لكان مقترنا بالفاء، وإنما الجواب محذوف، التقدير: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات عمدوا إلى الحجج الباطلة 5. واعلم أن الموجب لدعوى الجمهور بأن «إذا» معمولة للجواب لا للشرط - أنهم حكموا بإضافتها إلى الجملة الشرطية، وذلك أنها كلمة مبنية، وعلة بنائها شبهها بالحرف في الافتقار إلى الجملة، فكانت إضافتها إلى الجملة لازمة، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، وإذا امتنع عمل فعل الشرط، تعين أن يكون العامل ما في الجواب من فعل أو ما يشبه الفعل 6، وبهذا التقرير لا يتم تنظير الشيخ «إذا» «بمتى» لأن متى غير مضافة، إذ لا داعي يدعو إلى القول بإضافتها، لأن بناءها -
................................
لتضمن معنى الحرف، ولكن القائلين بأن العامل في «إذا» فعل الشرط يمنعون كون «إذا» مضافة إليه، ويجعلون علة بنائها تضمنها معنى الشرط، كما قيل في «متى» وأخواتها، ويستدلون على ذلك بأنه قد يجزم بها، ومع الجزم لا يمكن دعوى الإضافة، فيتعين كون علة البناء تضمن معنى الشرط، وإذا ثبت ذلك لها [2/ 431] في حالة الجزم بها نحو قول الشاعر:
1551 - وإذا تصبك خصاصة فتجمّل 1
ثبت مطلقا، ليجري الأمر فيها على سنن واحد 2، ولكن يشكل حينئذ شيء آخر، وهو أن «إذا» محكوم ببنائها حال تجردها للظرفية، وانسلاخها عن معنى الشرط، فيقال: ما الموجب لبنائها حينئذ، إذ معنى الشرط مفقود، وأنتم قد قلتم:
إنها غير مضافة إلى ما بعدها؟ وقد يجاب عن ذلك بأنها ثبتت في هذه الحالة، لشبهها بإذا التي تضمنت معنى الشرط، هذا آخر الكلام على إذا غير الفجائية.
وأما إذا الفجائية، فقد تقدمت الإشارة إلى ذكر المذاهب الثلاثة فيها، وتقدم ذكر اختيار المصنف أنها حرف، وتقدم استدلاله على ذلك أيضا، وقد نازعه الشيخ في ذلك، وزعم أنه أبطل أدلته، حتى عارض قول المصنف: فثبت الاعتراف بثبوت الحرفية، وانتفاء الاسمية بقوله: ويقال له: فثبت الاعتراف بثبوت الاسمية وانتفاء الحرفية 3، ولكني تركت إيراد ذلك خشية الإطالة، ثم إن ذلك ليس تحته فائدة يخشى فواتها، أو يترتب محذور على عدم معرفتها، وقد عرفت أن «إذا» هذه تفارق إذا الشرطية من أوجه:
منها: أن هذه تختص بالجمل الاسمية، والشرطية تختص بالجمل الفعلية.
ومنها: أن الشرطية لا بد لها من جواب، ولا جواب لهذه، وهذا ظاهر.
ومنها: أن تلك للاستقبال وهذه للحال.
ومنها: أن هذه لا يبتدأ بها كلام بخلاف تلك 4، وقد تقدم في باب الاشتغال -
................................ أن الأخفش يجيز وقوع الفعل بعد إذا الفجائية إذا كان الفعل مقرونا بقد 1، وأما كون خبر المبتدأ الواقع بعدها يذكر تارة، ويحذف تارة، فقد تقدمت الإشارة إليه في باب المبتدأ 2، ولنذكر ذلك هنا ملخصا، فنقول: قد علمت الخلاف فيها هل هي حرف أو ظرف زمان أو ظرف مكان، ثم يعلم أنهم اختلفوا إذا كانت ظرفا، هل تلزم الإضافة إلى جملة أم لا؟ فعلى القول بأنها حرف أو تلزم الإضافة إلى جملة إذا كانت اسما، يلزم أن يكون خبر المبتدأ الذي بعدها محذوفا في نحو: خرجت فإذا السبع، التقدير: فإذا السبع حاضر أو موجود، وعلى القول بأنها لا تلزمها الجملة حال اسميتها: فإن قلنا: إنها ظرف مكان كانت خبرا عما بعدها، حدثا كان أو جثة وإن قلنا: هي ظرف زمان كانت خبرا عما بعدها إن كان حدثا نحو: خرجت فإذا القتال، وإلا فالخبر محذوف إن كان جثة وهو العامل في إذا يعني الخبر 3. واعلم أن من فروع هذه المسألة، المسألة المشهورة بين سيبويه والكسائي رحمهما الله تعالى: وهي قول العرب: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، وقالوا أيضا: فإذا هو إياها، وهو الذي أنكره سيبويه لما سئل عنها، وقال في الجواب: فإذا هو هي، وقد حكى المجلس برمّته الشيخ علم الدين السخاوي رحمه الله 4 في كتابه: سفر السعادة، وتكلم رحمه الله تعالى عليها [2/ 432] ونقل فيها كلام كثير من العلماء 5، قال رحمه الله تعالى: فمن ذلك ما جرى بين سيبويه والكسائي في مجلس يحيى بن خالد البرمكي عن الفراء، قال: قدم سيبويه رحمه الله تعالى على -
................................ البرامكة، فعزم يحيى على الجمع بينه وبين الكسائي، فجعل لذلك يوما، فلما حضر - يعني سيبويه - تقدمت أنا والأحمر، فدخلنا فإذا بمثال في صدر المجلس، يقعد عليه يحيى ومعه إلى جانب المثال 1 الفضل وجعفر، ومن حضر بحضورهم، فأقبل الأحمر على سيبويه، فسأله عن مسألة، فأجاب عنها سيبويه فقال له الأحمر: أخطأت، ثم مسألة ثانية فأجاب فيها، فقال له: أخطأت، فقال سيبويه: هذا سوء أدب، قال الفراء: فأقبلت عليه فقلت له: إن في هذا الرجل حدّة وعجلة، ولكن ما تقول في من قال: هؤلاء أبون، ومررت بأبين، كيف تقول على مثال ذلك من وأيت وأويت، فقدر فأخطأ، فقلت: أعد النظر، فقدر فأخطأ، فقلت: أعد النظر ثلاث مرات يجيب ولا يصيب، فلما كثر ذلك قال: لست أكلمكما أو يحضر صاحبكما، فحضر الكسائي فأقبل على سيبويه فقال: كيف تقول: كنت أظن أن العقرب أشدّ لسعة من الزنبور، فإذا هو هي، أم فإذا هو إياها؟ قال سيبويه: فإذا هو هي ولا يجوز النصب فقال له الكسائي: لحنت، ثم مسألة من مسائل هذا النحو: خرجت فإذا عبد الله القائم أو القائم، فقال سيبويه: ذلك كله بالرفع دون النصب، فقال الكسائي: العرب ترفع ذلك كله وتنصبه، فدفع سيبويه قوله، فقال يحيى بن خالد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلد كما، فمن ذا يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد اجتمعت من كل أوب ووفدت عليك من كل قطر وهم فصحاء الناس، وقد قنع بهم أهل المصرين وسمع أهل البصرة وأهل الكوفة منهم، فيحضرون ويسألون، فقال يحيى أو جعفر: قد أنصفت، وأمر بإحضارهم، فدخلوا وفيهم أبو فقعس، وأبو زياد 2، وأبو الجراح، وأبو ثروان 3، فسئلوا فاتبعوا الكسائي وقالوا بقوله، فأقبل يحيى على سيبويه فقال: قد يسمع، فاستكان سيبويه وأقبل الكسائي على يحيى فقال: أصلح الله الوزير؛ إنه قد وفد عليك من بلده مؤملا، فإن رأيت لا ترده خائبا، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج وصير وجهه إلى فارس، -
................................
ولم يعد إلى البصرة 1، وذكروا أنه لما دخل من دخل من العرب، وقالوا: القول ما قال الكسائي، قال سيبويه: مرهم فليتلفظوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري به 2.
قال أبو القاسم الزجاجي: وأقول في ذلك بحسب ما يوجب النظر، أما حكاية الفراء عن الأحمر أنه سأل سيبويه ثلاث مسائل فقال له: أخطأت - فقد أقر الفراء بأنه أجاب فيها وشهد له بذلك، فلا يلتفت إلى قول الأحمر: أخطأت، ومع [2/ 433] ذلك فلم تحك المسائل ليعلم وجه الخطأ فيها من الصواب، وأما قول الفراء: إني قلت له: كيف تقول في مذهب من قال: هؤلاء أبون ومررت بأبين، ومثله من وأيت وأويت، وقوله: إنه قدر ثلاث مرات فأخطأ، فقد كان الواجب أن يحكي كيف قدر ثلاث المرات، ويدل على موضع الخطأ؛ ليعلم أصادق هو في ذلك أم كاذب، فلعل جواب سيبويه في ذلك كان صوابا، ورأى الفراء خلافه، فكان عنده مخطئا لمخالفته إياه 3.
قلت: هذا الذي قاله أبو القاسم هو الحق، وهذا كما سأل بعض الشباب الشافعي رضي الله تعالى عنه عن مسألة فأجابه، فقال: أخطأت، فقال: يا ابن أخي أخطأت ما في كتابك، ولم أخطئ الحق، والصواب.
قال أبو القاسم: ونحن نذكر الجواب في هاتين المسألتين: -
1 - اعلم أن «أوى» لامه ياء؛ فإذا بنيت منه اسما قلت: أوى مثل هوى، فإذا جمعته على مذهب من قال: أبون وأبين رفعا وجرّا قلت: أوون فتسقط اللام لسكونها وسكون واو الجمع أو يائه، فيقال: أوون وأوين، كما يقال في مصطفى:
مصطفون ومصطفين، قال: وهذا متفق عليه عند البصريين.
وللكوفيين في ذلك مذهب آخر نذكره بعد المتفق عليه.
وكذلك لو جمعت عصا ورحى وما أشبه ذلك اسم رجل جمع السلامة لقلت: عصون وعصين، ورحون
ورحين.
وأما وأى فلامه ياء أيضا.
فإذا بنيت منه اسما على فعل وجمعته جمع السلامة قلت: وأون ووأين على الطريق الذي تقدم في جمع أوى، قال: وهذا واضح بيّن متفق عليه، وليس -
................................
مما يغلط فيه سيبويه ولا من هو دونه 1، ولكن الفراء سأله أن يبني منه على مذهبه على أنه معرب من مكانين؛ لأنه يسمي هذه الأسماء أعني قولهم: أبوك وأخوك وأخواتهما وابنم وامرؤ معربة من مكانين 2 وهذا عند البصريين محال؛ لأنه لو جاز أن يجعل في اسم واحد رفعان كما زعموا لجاز أن يتم فيها إعرابان مختلفان، فيجمع رفع ونصب، أو نصب وخفض في حال واحد، وهذا محال، فكما امتنع، امتناع إعرابين مختلفين، كذلك يمتنع اجتماع إعرابين متفقين.
فلعل سيبويه قدر أن يجمع جمع السلامة على ما ذكرنا، ولم يسبق إلى عمله أن في الكلام شيئا يعرب من مكانين، ولم يصرح له بذلك ليدهشه بقوله: أعد النظر، ولا يعرفه من أي جهة أخطأ، فكان يرد بذلك عليه بما يوجبه القياس، ثم ذكر أبو القاسم قياس هاتين المسألتين على مذهب الفراء والكسائي 3 وقرر ذلك، فتركت إيراده خشية الإطالة.
ثم إن الذي قرره عنهما في ذلك لا يبنى عليه قاعدة، حتى قال أبو القاسم: إن ذلك ليس من كلام العرب، وإنما هي أوضاع وضعوها، وذكر بعد ذلك عن المازني كلاما يتعلق بشيء مما ذكره الكوفيون وعن [2/ 434] الأخفش أيضا، ولا شك أنه قد تقدم في باب الإعراب عند ذكر الأسماء الستة الإشارة إلى مذاهب الناس واختلافهم في إعرابها بما هو 4، وفي ذلك غنية، ثم قال أبو القاسم: وأما مسألة -
................................
الكسائي: كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي بالرفع لا يجوز غيره كما تقول: خرجت فإذا عبد الله قائم، ثم كمل الكلام على المسألة 1 فمن أراد الوقوف على ذلك فليتطلبه.
وملخص ما قيل: أن ما أجاب به سيبويه موافق لما نطق به الكتاب العزيز، قال الله تعالى: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ 2، فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى 3، وأما فإذا هو إياها فقد علمت أن سيبويه أنكره؛ فإما أن لا يكون ورد عن العرب فيتعين رده، وإما أن يكون قد ورد فيكون من الشاذ الذي لا يعرج عليه، وقد روى أبو زيد الأنصاري 4: فإذا هو إياها 5، فإما أن يكون سيبويه قد بلغته هذه اللغة فلم يقبلها، ولا عرج عليها؛ لأنه ليس كل من سمع منه أهلا عنده للقبول منه والحكاية عنه، ألا ترى أنهم قد حكوا: أن من العرب من ينصب بلم ويجزم بلن وكي 6؟ حكى ذلك اللحياني 7، وليس ذلك مما يلتفت إليه، والقصد أن «فإذا هو إياها» إن ثبت وروده فهو خاج عن القياس واستعمال الفصحاء، وقد ذكروا له توجيهات: -
أحدها: أن إذا ظرف فيه معنى وجدت ورأيت، فجاز له أن ينصب المفعول وهو مع ذلك ظرف مخبر به عن الاسم بعده 8، ورد ذلك بأن المعاني لا تنصب - - ألم تذهبي في خطاب الواحد في لغة من أشبع إذا كان في لغة من أشبع إذا كان في قافية فاحتيج إلى تحريكه للوصل أي شيء أكدت بالباء؟ فالجواب: أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فكما تكون الياء مؤكدة للجر في الأسماء كذلك تكون مؤكدة للجزم؛ لأنه نظير الجر، فقال الأخفش في قولهم: أخوك وما أشبهه أقوالا مختلفة، وقال في موضع الواو دليل على الإعراب كما قال ذلك في الواو من مسلمون والياء من مسلمين».
ا. هـ.
................................
المفاعيل الصحيحة، وإنما تعمل في الظروف والأحوال، ثم ما قاله هذا القائل لا يتحقق؛ لأن وجدت ورأيت يحتاج كل منهما إلى مفعولين، فكان يتعين نصب الاسم الأول أيضا.
ثانيها: أن ضمير النصب استعير فاستعمل في موضع ضمير الرفع 1.
ثالثها: أنه مفعول به والأصل: فإذا هو يساويها، أو فإذا هو يشبهها، ثم حذف الفعل فانفصل الضمير، وهذان التوجيهان للمصنف رحمه الله تعالى، ونظير التخريج الثاني له قراءة من قرأ: (لئن أكله الذئب ونحن عصبة) 2 التقدير:
نوجد أو نرى عصبة 3.
رابعها: أنه مفعول مطلق والأصل: فإذا هو يلسع لسعتها، ثم حذف الفعل كما تقول: ما زيد إلا شرب الإبل، ثم حذف المضاف.
قال الشلوبين: وهو أشبه ما وجه به النصب 4.
خامسها: أنه منصوب على الحال من الضمير في الخبر المحذوف، والأصل: فإذا هو ثابت مثلها، ثم حذف المضاف فانفصل الضمير وانتصب في اللفظ على الحال على سبيل النيابة كما قالوا: قضية ولا أبا حسن لها 5، على إضمار مثل.
وهذا التوجيه لابن الحاجب، وهو مبني على إجازة: له صوت صوت الحمار بالرفع صفة لما قبله بتقدير مثل 6، ومعلوم أن الخليل يجيزه، وأن سيبويه حكم بقبحه وضعفه 7، وإذ قد مضى هذا فاعلم أنهم اختلفوا في الفاء الداخلة على إذا المفاجأة [2/ 435]-
[أحكام مذ ومنذ حين تجيئان ظرفا وغير ظرف]
قال ابن مالك: (ومنها مذ ومنذ وهي الأصل، وقد تكسر ميمهما ويضافان إلى جملة مصرّح بجزأيها أو محذوف فعلها بشرط كون الفاعل وقتا يجاب به متى أو كم، وقد يجران الوقت أو ما يستفهم به عن حرفين بمعنى من، إن صلح جوابا لمتى، وإلّا فبمعنى «في» أو بمعنى «من وإلى» معا، وقد يغني عن جواب «متى» في الحالين مصدر معيّن الزّمان أو «أنّ» وصلتها، وليسا قبل المرفوع مبتدأين بل ظرفين خلافا للبصريّين، وسكون ذال «مذ» قبل متحرك أعرف من ضمها، وضمّها قبل ساكن أعرف من كسرها).
وذكر الشيخ في شرحه أن المذاهب فيها ثلاثة: -
مذهب المازني أنها زائدة 1، ومذهب الزجاج أنها دخلت على حد دخولها في جواب الشرط، ومذهب أبي بكير مبرمان 2 أنها عاطفة، قال: ورجح أبو الفتح قول المازني، وذكر عنه وجه الترجيح بما يوقف عليه في كتابه 3، وظهر من كلامه تصحيح مذهب مبرمان، كما نقل ذلك عن الشلوبين الصغير، ثم قال: والذي نقطع بأن الفاء عاطفة وقوع غيرها من حروف العطف موقعها، قال الله تعالى:
ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ 4.
قال ناظر الجيش: «منذ» أصل «مذ» بدليلين 5: -
أحدهما: أنّ ذال «مذ» تضم لملاقاة ساكن كما تفعل بميم هم، وليس ذلك إلا لأن أصلها منذ بالضم، فروجع بها الأصل حين احتيج إلى تحريكها، فقيل: لم أره -
................................
مذ الجمعة، كما روجع الأصل في نحو: هم القوم، ولو لم يكن الأصل الضم لقيل: مذ الجمعة كما قيل: قم الليل 1، وقد يقال: مذ الجمعة كما يقال: وهم القضاة ومنهم الحكام.
والثاني: أن بني غنى يضمون الذال قبل متحرك باعتبار أن النون محذوفة لفظا لا نية، فلو لم يكن الأصل منذ لم يصح هذا الاعتبار، ونظير هذا قولهم في «لدن وقط».
«لد وقط» بضم الدال والطاء بعد الحذف على تقدير ثبوت المحذوف، وبنو سليم يقولون: منذ ومذ بكسر الميم 2 وهما اسمان في موضع، وحرفا جرّ في موضع، ويتعين اسميتهما إن وليهما مرفوع أو جملة تامة، ويتعين حرفيتهما إن وليهما مجرور 3 ويجوز الأمران قبل «أنّ» وصلتها، وإذا وليهما جملة تامة فهما عند سيبويه ظرفان لها، فإنه قال في باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء: ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولهم: ما رأيته مذ كان عندي ومذ جاءني 4.
وقال ابن خروف في الشرح: وأما منذ ومذ من الظروف فهما مضافان إلى الفعل عنده لا على حذف مضاف، ولولا ذلك لم ندخلهما في الباب، وقول السيرافي موافق لقوله 5، فمن زعم خلاف ذلك فقد خالف سيبويه بما لا دليل عليه، وزعم الأكثرون أن الواقع منهما قبل مرفوع مبتدأ بمعنى أول المدة في مثل: لم أره مذ يوم الجمعة، وبمعنى جميعها في مثل: لم أره [2/ 436] مذ يومان، وما بعده خبر 6، والصحيح عندي أنهما ظرفان مضافان إلى جملة حذف صدرها، -
................................ والتقدير: مذ كان يوم الجمعة، ومذ كان يومان 1 وهو قول المحققين من الكوفيين 2، وإنما اخترته لأن فيه إجراء «مذ ومنذ» في الاسمية على طريقة واحدة مع صحة المعنى، فهو أولى من اختلاف الاستعمال، وفيه تخلص من ابتداء بنكرة بلا مسوغ إن ادعي التنكير، ومن تعريف غير معتاد إن ادعي التعريف، وفيه أيضا تخلص من جعل جملتين في حكم جملة واحدة من غير رابط ظاهر ولا مقدر 3، ويعامل المصدر المعين زمانه بعد «مذ ومنذ» معاملة الزمان المعين في الرفع والجر، فيقال: ما رأيته مذ قدوم زيد ومنذ قدوم زيد، والأصل: مذ زمن قدوم زيد، ومنذ زمن قدوم زيد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كما فعل في غير هذا المكان 4 وأجاز ابن كيسان أن يقال: إنّ منذ جئت زيدا غائب كما يقال: إن حين جئت زيد غائب، وقد يجران المستفهم به عن الوقت نحو: مذ متى رأيته، ومذ كم فقدته، وقد تقع أنّ وصلتها بعد «مذ» فيحكم لموضعها بما حكم به للفظ المصدر؛ لأنها مؤولة بمصدر، ومثال الإضافة إلى جملة مصرح بجزأيها قول الشاعر: - 1552 - ما زال مذ عقدت يداه إزاره... فسما فأدرك خمسة الأشبار يدني خوافق من خوافق تلتقي... في ظلّ معترك العجاج مثار 5
................................
ومثله قول الآخر: -
1553 - قالت أمامة ما لجسمك شاحبا... منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع 1
ومثله قول الآخر في الجملة الاسمية: -
1554 - وما زلت محمولا عليّ ضغينة... ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع 2
وروى الكوفيون مذ ومنذ بكسر الميم، وجعلوا ذلك حجة على تركيبهما من «من وذو» الطائية 3، ولا حجة فيه؛ لأنّ الأصل عدم التركيب، وإذا ولي مذ ساكن ضمت ذالها كقولك: لم أر فلانا مذ اليوم؛ لأن أصلها منذ فحرّك لالتقاء الساكنين وضم للإتباع.
فلما حذفت النون سكنت الذال؛ إذ لا موجب للحركة، فلما وليها لام التعريف حركت الذال؛ لئلا يلتقي في الوصل ساكنان، وكان أولى الحركات بها الضمة؛ لأنها حركتها قبل أن تحذف النون، وبعض العرب يقول: مذ اليوم بالكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تقدم الكلام على ذلك، هذا كلام المصنف رحمه الله تعالى 4، وقد استفيد منه أن «مذ» و «منذ» إما أن يليهما جملة أو مفرد، والمفرد إما مرفوع وإما مجرور، وأنهما إذا وليهما جملة اسمية كانت أو فعلية فهما ظرفان معمولان لما يصح عمله فيهما من أجزاء الجملة الواقعة بعدهما، وإذا وليهما مفرد مرفوع فالمختار عنده أن ذلك المرفوع يقدر له رافع محذوف، وعلى هذا يكون الواقع بعدهما حينئذ [2/ 437] جملة فيحكم على مذ ومنذ بالظرفية أيضا، كما كان الحكم فيهما إذا وقعت الجملة تامة بعدهما، وإذا -
................................
وليهما مفرد مجرور كانا حرفين جارين لما بعدهما يتعلقان بالعامل قبلهما كسائر حروف الجر، ودل قوله: (وقد يجران الوقت أو ما يستفهم به) «عنه» أن الجر بهما أقل من وقوع المرفوع بعدهما، وأن الذي بعدهما لا يكون إلا ظرفا؛ لأن الذي يستفهم به عن الوقت لا بد أن يكون وقتا، وإذ قد عرف هذا فأنا أذكر كلام غير المصنف على هاتين الكلمتين.
قال ابن عصفور رحمه الله تعالى: «مذ ومنذ يكونان اسمين وحرفين، فيكونان اسمين إذا ارتفع ما بعدهما وحرفين إذا انخفض ما بعدهما، إلا أن الغالب على «مذ» الاسمية، وعلى «منذ» الحرفية، وسبب ذلك أنها مخففة من منذ، والحذف في الأسماء أكثر منه في الحروف؛ لأنه تصرف وبابه أن يكون في الأسماء 1، وزعم بعض النحويين أن مذ ومنذ لا يكونان إلا اسمين مستدلّا على ذلك بأن الاسمية قد ثبتت لهما إذا كان ما بعدهما مرفوعا، ويمكن بقاء الاسمية إذا كان مخفوضا بأن يكونا ظرفين في موضع نصب بالفعل 2، وهو ضعيف.
ومذ ومنذ إما أن يدخلا على الماضي أو على الحال، فإن دخلتا على الحال فلا يكون إلا مخفوضا، والحال هو اليوم والليلة والآن والحين والساعة وما أضفته إلى نفسك قرب أو بعد مثل: يومنا وشهرنا وعامنا، وكل زمان أشرت إليه نحو: هذا العام وهذا الشهر وهذه الأيام الثلاثة؛ لأنك لم تشر إلى شيء إلا وقد قدرته حاضرا، ولم تضفه إلى نفسك إلا على هذا المعنى، ومعناهما إذا دخلتا على الحال الغاية، وإن دخلتا على الماضي فإما أن يكون الداخل «مذ» أو «منذ»، فإن كان «مذ» فلا يكون إلا مرفوعا مثل: ما رأيته مذ يوم الجمعة، ولا يجوز الخفض إلا قليلا ومنه: -
1555 - أقوين مذ حجج ومذ دهر 3
في رواية من رواه مذ، فإن كان الداخل منذ جاز الرفع والخفض، والرفع قليل، -
................................
ثم ليعلم أن الاسم الواقع بعد مذ ومنذ إن كان مرفوعا فإما معدود أو غير معدود.
إن كان معدودا فهما للغاية، وإن كان غير معدود فهما لابتداء الغاية، وإن كان مخفوضا فالأمر كذلك إلا أن يكون المخفوض حالا؛ فهما للغاية، ولا يدخلان إلا على الزمان، واختلف في المرفوع بعدهما: فقيل: فاعل لفعل مضمر وهو مذهب الكسائي، وقيل هو مبتدأ ومذ ومنذ الخبر، وقيل العكس وهو قول الفارسي 1، وهو الصحيح 2، وقال الشيخ - في شرح الغاية له -: إما أن يكون ما بعد مذ ومنذ حالا أو ماضيا، إن كان حالا فعامة العرب على الجر بهما نحو: ما رأيته مذ اليوم أو الساعة أو يومنا، وإن كان ماضيا والكلمة «مذ» فالرفع وقل الجر، أو «منذ» فالجر وقل [2/ 438] الرفع، ثم إن كان الاسم معدودا فهما للغاية نحو: ما رأيته مذ يومان، ومعناه أمد انقطاع رؤيتي له يومان، أو غير معدود فإما أن يكون حالا أو ماضيا؛ إن كان حالا نحو: ما رأيته مذ اليوم فلابتداء الغاية، وتقديره: أول انقطاع رؤيتي له اليوم، أو ماضيا نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس فللغاية، والفرق بين تقدير «أمد وأوّل» أنه في تقدير «أمد» تنتفي الرؤية عن جميع أجزاء الزمان، وفي تقدير «أول» قد لا تنتفى.
ثم إذا انجر ما بعدهما فبهما، وهما حرفان يتعلقان بالفعل قبلهما والكلام جملة واحدة، وإذا ارتفع فالصحيح أنه خبر عن مذ أو منذ، وهما ظرفان معناهما أمد وأول على التفسير السابق، وزعم الزجاجي أنه مبتدأ ومذ ومنذ خبر عنه، وزعم الكسائي أنه فاعل بفعل مضمر، وزعم بعض الكوفيين أنه خبر مبتدأ مضمر 3. انتهى.
إلا أن قوله: إن كان حالا نحو: ما رأيته مذ اليوم فلابتداء الغاية وتقديره: أول انقطاع رؤيتي له اليوم - لم ينتضم لي مع قول ابن عصفور: ومعناهما - - (4/ 126)، والمغني (1/ 335)، وشرح شواهده (2/ 750)، والعيني (3/ 312)، والتصريح (2/ 17)، والهمع (1/ 217)، والدرر (1/ 186)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 345)، والأشموني (2/ 229)، وديوانه (ص 586)، ورصف المباني (ص 320)، والأزهية (ص 283). والشاهد فيه: «مذ حجج ومذ دهر»؛ حيث إن «مذ» في الموضعين لابتداء الغاية في الزمان الماضي، وجرها الماضي وهو قليل؛ لأن الأكثر على جرها للحاضر.
................................
إذا دخلتا على الحال الغاية، وكذا قوله: أو ماضيا نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس فللغاية - مع قول ابن عصفور: وإن كان الاسم الواقع بعدهما غير معدود فهما لابتداء الغاية.
والظاهر أن الصواب هو الذي ذكره ابن عصفور.
وبعد وقوف على كلام هذين الرجلين الكبيرين في هذه المسألة يتبين له أن كلام المصنف فيها مع وجازته ولطافته شاف واف بالمقصود، فإن قيل: ليس في كلامه تعرض إلى ما تفيده هاتان الكلمتان من الغاية وابتداء الغاية، فالجواب: أنه إن لم يذكر ذلك صريحا فإنه يفهم من كلامه؛ لأنه ذكر أنهما إذا جرّ ما بعدهما فإما أن يكونا بمعنى «من» أو بمعنى «في وإلى» معا 1، فحيث كانا بمعنى «من» فهما لابتداء الغاية، وحدث كانا بمعنى من وإلى معا؛ فهما لابتداء الغاية وانتهائها، وحيث كانا بمعنى «في» فهما للحال أي الزمان الذي هو حال، ولا شك أنهما في نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس بمعنى «من» فهما في مثله لابتداء الغاية، وأنهما في نحو: ما رأيته مذ ثلاثة أيام بمعنى «من وإلى» معا، فهما لابتداء الغاية وانتهائها، وابن عصفور قد قال: إن كان الواقع بعدهما 2 معدودا فهما للغاية، ولكن قولنا:
لابتداء الغاية وانتهائها أولى من الاقتصار على ذكر الغاية، وأنهما في: ما رأيته مذ اليوم بمعنى «في» وابن عصفور قد قال: إن معناهما إذا دخلتا على الحال الغاية 3 ولا يتحقق ذلك؛ لأن الغاية إنما تكون فيما له ابتداء، وزمان الحال حاضر بجملته، فلا يعقل معه لنفي الرؤية ابتداء وانتهاء، ولأن انتهاء الغاية إنما يقصد حيث يمكن أن يتحلل بين الابتداء والانتهاء وقوع ذلك المعنى المنفي مثلا، والزمان إذا فرض حالا كان ذلك المعنى المذكور معه واقعا فيه لا يتصور وقوعه في غيره [2/ 439] وعلى هذا تعبير المصنف عن ذلك بمعنى «في»، وعدوله عن قولهم: إن معنى الحرف الغاية أسدّ.
بقي أن يقال: الظاهر من كلام المصنف حيث قال: (وقد يجران الوقت بمعنى من أو في) إلى آخره - أنهما إنما يكونان بمعنى ما أشار إليه من الحروف المذكورة إذا انجرّ ما بعدهما أي حيث يكونان حرفين، وظاهر كلام ابن عصفور والشيخ أنهما -
................................
يكونان بمعنى الحروف المذكورة سواء أكانا حرفين أم اسمين، وإذا حقق النظر ظهر أنه يحتاج إلى تفسيرهما بأحد الحروف المذكورة إذا كانا حرفين، أما إذا كانا اسمين ورفع ما بعدهما فقد عرفت أن الجماعة يقولون: إنهما إما أن يكونا لابتداء الغاية كما في نحو: ما رأيته مذ يوم الخميس، فيقدرونهما حينئذ بأول، وإما أن يكونا للغاية كما في نحو: ما رأيته مذ أربعة أيام فيقدرونهما حينئذ بأمد 1، وإذا كان كذلك فابتداء الغاية إنما يستفاد من أول، وانتهاؤها إنما يستفاد من أمد، وأما المصنف فقد عرفت أن اختياره إذا رفع ما بعد هاتين الكلمتين تقدير رافع، ليصير الواقع بعدهما جملة، فما كان معنى مذ ومنذ من الظرفية حال الإتيان بجزأي الجملة بعدهما لفظا كان معناهما حين يذكر المرفوع، ويحذف رافعه.
وبهذا الذي قلناه يتبين أن ما فعله المصنف من أنه قصر تفسيرهما بالحروف المذكورة على حالة الجر بهما أولى من إطلاق غيره الكلام في ذلك، فإن قيل: إذا كان المصنف حال رفع الاسم الواقع بعدهما لا يقدرهما بأول ولا بأمد، والغرض أنه لا يجعلهما بمعنى ما ذكره من الحروف إلا إذا جرا ما بعدهما، فمن أين يستفاد كونهما لابتداء الغاية في صورة وللغاية في صورة؟
فالجواب أن يقال: معنى الغاية أن العمل يتحتم كونه في جميع المدة، ومعنى ابتداء الغاية أن لا يتحتم ذلك، ولا شك أنهما إنما يكونان للغاية إذا كان اسم الزمان الذي بعدهما معدود، وإنما يكونان لابتداء الغاية إذا كان اسم الزمان بعدهما مختصّا غير معدود، وإذا كان كذلك فالمصنف قد أفاد ذلك بقوله في أوائل هذا الباب: إن مظروف ما يكون جوابا لكم واقع في جميعه، وإن مظروف ما يكون جوابا لمتى إذا لم يكن اسم شهر غير مضاف إليه شهر جائز أن يكون العمل في جميعه أو بعضه.
وإذ قد عرف هذا فلنذكر أبحاثا: - الأول:
قد عرفت أنهم ذكروا أن «مذ» أصلها «منذ» وتقدم استدلال المصنف على ذلك، لكن ذهب بعضهم 2 إلى أن كلّا منهما أصل، قال: لأن الحذف -
................................
تصريف، والتصريف لا يكون في الحروف ولا في الأسماء غير المتمكنة.
ورد الشلوبين ذلك بأن الحذف قد جاء في الحروف؛ فقد خففوا إنّ وأنّ وكأنّ [2/ 440] قال: وقد جعل سيبويه على من العلو 1، فقال الشيخ: والعجب لهم أنهم يجعلون «مذ» فرعا من «منذ»، وأن الغالب على مذ الاسمية وعلى «منذ» الحرفية، ويستدلون على ذلك بأن الحذف في الأسماء أكثر منه في الحروف؛ لأنه تصرف، والتصرف بابه أن يكون في الأسماء، وكون «مذ» محذوفة من «منذ» يقتضي أن يكون «منذ» اسما؛ لأنها هي، ومحال أن يكون الشيء حرفا فإذا أخذ منه شيء صار اسما؛ لأن الحذف من الشيء لا يغير الماهية، ألا تراهم حين حذفوا من «حر» الحاء وهو اسم بقي اسما، وكذا «رب» هي بعد الحذف حرف أيضا كما كانت قبله، وكذا «يعد» لما حذفوا منه الواو باق على الفعلية، قال: فالذي ينبغي أن يقال: إن «مذ» إذا استعملت اسما مرفوعا ما بعدها فهي محذوفة من «منذ» الاسمية أيضا، لكن جاء الرفع بعدها أكثر مما جاء بعد منذ، وقد يغلب على الفروع حكم يقل في الأصول 2. انتهى، وهو كلام حسن.
الثاني:
قد تقدم من كلام المصنف أن «مذ ومنذ» إذا وليهما جملة تامة كانا ظرفين لها وأنهما مضافان إلى الجملة، وتقدم أن ذلك مذهب السيرافي ورأي ابن خروف، وأنه مذهب سيبويه، وأشعر كلامه بأن في المسألة خلافا؛ لأنه قال بعد ما تقدم من كلام سيبويه: فمن زعم خلاف ذلك فقد خالف سيبويه بما لا دليل عليه، والمخالف في ذلك أبو الحسن، فإنه ذهب إلى أنهما إذا وليهما الجملة لفظا لا يكونان إلا مرفوعين على الابتداء، ولا بد من تقدير اسم زمان محذوف يكون خبرا عنهما؛ لأنهما لا يدخلان عنده إلا على أسماء الزمان ملفوظا بها أو مقدرة 3، وقد اختار ابن عصفور هذا المذهب، فإنه قال: مذ ومنذ لا يدخلان إلا على الزمان، فإن دخلتا على جملة فعلى حذف اسم الزمان، فإذا قلت: ما رأيته مذ زيد قائم، -
................................
فالتقدير: ما رأيته مذ زمن زيد قائم 1، انتهى.
ولا شك أن هذا مصادمة لقول سيبويه: ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولهم: ما رأيته مذ كان عندي ومذ جاءني 2، وقد شرح الفارسي كلام سيبويه فقال: مذ فيمن رفع بهما بمنزلة «إذ» و «حيث» ووجه الجمع بينهما أنه إذا رفع بها تصير اسما من أسماء الزمان كقولك: مذ يومان، وخبر المبتدأ لا يكون إلا المبتدأ في المعنى.
فإذا كان كذلك علمت أن «مذ» إذا رفعت اسم 3، وإذا جعل اسما من أسماء الزمان جاز إضافته إلى الجملة كما جاز إضافة «إذا» إليها، وذلك نحو قولهم: لم أره مذ كان كذا ومذ خرج زيد، ألا ترى أن «مذ» المتصلة بالفعل لا تخلو من أن تكون اسما أو حرفا، فلا يجوز أن تكون حرف جر؛ لأن حروف الجر لا تدخل على الأفعال، فإذا لم يجز أن تكون حرف جر ثبت أنها اسم، وأنه أضيف إلى الفعل لما كان اسما من أسماء الزمان 4 [2/ 441].
الثالث:
قد تقدمت الإشارة إلى حكم مذ ومنذ إذا وليتهما جملة، وكذا حكمهما إذا وليهما اسم مرفوع، وتقدم ذكر المذاهب في ذلك.
والقصد الآن ذكر ذلك ملخصا كي يحصل ضبط ذلك المحصل، فيقال: مذ ومنذ إما أن يقع بعدهما جملة مصرح بها ففيهما مذهبان: قيل: ظرفان مضافان إلى الجملة وهو الأصح، وقيل: مبتدآن، وحينئذ لا بد من تقدير خبر، فيقدر زمان يضاف إلى الجملة يكون ذلك المقدر هو الخبر، وإما أن يقع بعدهما اسم مرفوع فالمذاهب فيهما أربعة: -
قيل: مبتدآن، والمرفوع بعدهما الخبر، وقيل: ظرفان مخبر بهما عما بعدهما، فإذا قلت: ما رأيته مذ يومان فالتقدير: بيني وبين لقائه يومان، ومستند القائل بهذا القول أنهما إذا كانا خبرين لم يخرجا عن الظرفية بخلاف ما إذا كانا مبتدأين، وقيل: إن المرفوع خبر مبتدأ محذوف، قال بعض الكوفيين: ولا يخفى ضعفه، وقيل: إنه مرفوع بفعل مقدر، فالذي بعد «مذ» و «منذ» حينئذ جملة 5، وقد -
................................
عرفت حكمهما قبل الجملة التامة ما هو، ومن القائلين بالمذهب الأول ابن السراج والفارسي 1، وأما المذهب الثاني فهو لبعض الكوفيين، والمذهب الثالث مذهب طائفة من البصريين منهم الزجاج ونسب إلى الأخفش.
وأما المذهب الرابع فهو مذهب الكوفيين 2، وقد عرفت أنه مختار المصنف، وتقدم توجيهه، وقد ضعف هذا المذهب بشيء وهو: قول العرب: ما رأيته مذ أن الله خلقه، فإنه روي بالفتح والكسر 3، قلت: وسيأتي الكلام في هذه المسألة، وفي شرح الشيخ: قال بعض أصحابنا: والصحيح مذهب الفارسي وابن السراج من وجهين: -
أحدهما: أنهما مفردان لم يعطف عليهما غيرهما، كما أن الأمد وأول الوقت كذلك، فكان الحكم لهما بحكم ما يساويهما في الإفراد أولى، وليس كذلك بيني وبين لقائه؛ لأنهما اسمان منصوبان على الظرفية معطوف أحدهما على الآخر.
الوجه الثاني: تقديرهما ببين في بعض الصور لا يتصور، وذلك إذا قلت مثلا يوم الأحد: ما رأيت زيدا مذ يوم الجمعة؛ فليس بينك وبين لقائه يوم الجمعة 4، بل قدر من الزمان أوله يوم الجمعة وآخره الوقت الذي أنت فيه، ولا يقدر بيني وبين لقائه يوم الجمعة وما بعده إلى الآن؛ لأن فيه حذف حرف العطف والمعطوف وهو قليل، وأيضا فلم يصرحوا بهذا المعطوف المقدر في موضع ما؛ فدل على عدم إرادته 5. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا الاستدلال، ولا سيما ضعف الوجه الأول، ثم على تقدير صحة الوجهين المذكورين.
إنما يلزم من ذلك بطلان قول من يجعلهما - أعني «مذ ومنذ» - خبرين، أما من يجعلهما ظرفين، وقد حذف رافع ذلك الاسم، فيكون - - (ص 234، 235)، والمغني (1/ 335).