تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4501-4533

الباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك

صفحات 4501-4533

................................  وقول المصنف: وقد توافقها نعم بعد المقرون - أي: وقد توافق بلى نعم، أي: يؤتى بـ «نعم» في جواب النفي المقرون باستفهام - يعد ما ذكرته، والقائلون بوجوب الإتيان بكلمة «بلى» في جواب النفي المقرون بالاستفهام، يجيبون عن بيت جحدر 1، فيقولون 2: إن نعم فيه جواب لغير مذكور وهو ما قدره في اعتقاده من أن الليل يجمعه وأم عمرو، قالوا 3: وجاز ذلك لأمن اللبس؛ لأن كل أحد يعلم أن الليل يجمعه وأم عمرو، قالوا 4: أو يكون جوابا لقوله: وترى الهلال... البيت، وقدمه عليه.
قال الشيخ (5): «والأولى عندي أن يكون جوابا لقوله: فذاك بنا تدان».
قالوا 5: وأما قول الأنصار: نعم فإنما جاز ذلك لزوال اللبس، لأنه قد علم أنهم يريدون: نعم نعرف لهم ذلك.
ولا يخفى على صاحب النظر أن ما أجابوا به ليس بذاك، والحق أن «نعم» قد تقع جوابا للنفى المقرون باستفهام إذا كان المراد من الكلام التقرير؛ لأنه إيجاب في المعنى، وعلى ذلك يحمل قول المصنف: وقد توافقها نعم بعد المقرون.
ويدل [5/ 198] على ما قلته قول سيبويه 6 في باب «النعت» في مناظرة جرت بينه وبين بعض النحويين: «فيقال له: ألست تقول كذا؛ فإنه لا يجد بدّا من أن يقول: نعم، فيقال له: أفلست تجعل كذا؟ فإنه قائل: «نعم» فأتى بـ «نعم» في جواب: ألست، لما كان المراد به التقرير».
وقد لحن ابن الطراوة 7 سيبويه في إتيانه بكلمة «نعم» في موضع يستحق أن يؤتى فيه بكلمة «بلى».
ولقد كان يقبح بابن الطراوة أن يقع في حق من شيّد الله قدره، وأعلى محله، وجعله إمام الأئمة في هذا العلم، وينسب اللحن إلى كلامه، لا جرم أن الله تعالى قد صرف الناس عن قبول أقواله، وجعل كلامه مرفوضا -

................................  مدحوضا لا يلتفت إليه، ولا يعوّل عليه، وقد حقق لنا سيبويه - رحمه الله تعالى - بما قاله أن كلمة «نعم» يجاب بها النفي المقرون بالاستفهام إذا كان المراد به التقرير.
ولكن قد يشكل على ما قررناه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لو قالوا نعم كفروا، إن صح هذا النقل عنه رضي الله تعالى عنه، والظاهر أن الذي قاله أنهم لو قالوا: نعم لم يكن كافيا في الإقرار بالربوبية، لأن مراعاة اللفظ في مقام الاحتمال أولى من مراعاة المعنى، كيف والمقام يقتضي الإتيان بحقيقة الاعتراف بالربوبية وإخلاص العبودية؟ وإذا كان كذلك، وجب أن يعدل عن اللفظ المحتمل لغير المقصود ويؤتى باللفظ القاطع الذي لا يكون فيه احتمال.
ثم إن الشيخ ذكر هنا مسألة وهي 1: أن سيبويه قال 2: وأما ألا فتنبيه، تقول: ألا إنه ذاهب ألا بلى.
قال ابن خروف: ليس بجواب لما قبله.
قال الشيخ 3: يعني أن ما قبله من قوله: ألا إنه ذاهب، جملة مثبتة فجوابها لا يكون بـ «بلى» قال 4: وقال أبو عمرو بن تقي: إنما هو تأكيد له، أي: تقول: ألا إنه ذاهب أو ألا بلى فتجمعهما تأكيدا لأنهما سواء، قال 5: وقال بعض أصحابنا: هذا موضع مشكل وتفسيره: إذا أردت أن تقول في جواب من قال: ليس زيد بذاهب: ألا إنه ذاهب، قلت: عوض هذا: ألا بلى أي: ألا بلى هو ذاهب.
ثم ذكر 6 مسألة أخرى وهي: أن النهي يجري مجرى النفي في الجواب ببلى، فإذا قال القائل: لا تضرب زيدا قلت: بلى، أي: اضربه، قال: وإنما كان ذلك لأن النهي فيه معنى النفي والترك.
انتهى.
وأما قول المصنف: وإي بمعناها، إلى آخره - فأراد به أن «إي» بمعنى: نعم من كونها لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر أو وعد طالب، لكنها مختصة بالقسم بخلاف «نعم» فإنها تكون مع قسم وغير قسم، قال الله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ -

[كلّا وحديث عنها]

قال ابن مالك: (فصل، كلّا حرف ردع وزجر، وقد تؤوّل بـ «حقّا»، وتساوي «إي» معنى واستعمالا، ولا تكون لمجرّد الاستفتاح؛ خلافا لبعضهم).
قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ 1، وإذا وليها حرف القسم فـ «الياء» ثابتة قطعا، وإذا وليها الاسم المعظم جاز حذف «الياء»؛ لالتقائها ساكنة مع لام «الله» فتقول: إالله، وجاز فتحها كما فتحت نون «من» مع «لام» التعريف، فتقول: إي الله وجاز إسكانها فتقول: إي الله لأنه يجوز الجمع بين الساكنين إذا كانا على شرطهما وهو أن يكون الأول حرف علة والثاني مشددا، هكذا ذكروا 2 ولكن الشرط أن يكون حرف العلة والساكن المدغم في كلمة، وها هنا الساكن المدغم من كلمة أخرى غير الكلمة المتضمنة الساكن الأول.
وأما قوله: وأجل لتصديق الخبر فظاهر، ومثاله: أن يقول القائل: قام زيد أو ما قام زيد أو يقوم زيد أو ما يقوم زيد، فتقول: أجل، فهي لتصديق الخبر سواء أكان ماضيا أم غير ماض وسواء أكان موجبا أم غير موجب، كالأمثلة المذكورة.
قال الشيخ 3: «ولا تجيء بعد الاستفهام، وحكي عن الأخفش 4 أنها تكون فيهما إلا أنها في الخبر أحسن من نعم، ونعم في الاستفهام أحسن منها» انتهى.
ومن حروف الجواب أيضا: «جير» و «إنّ» بمعنى نعم، وقد ذكرهما المصنف.
أما «جير» ففي باب «القسم»، وأما «إنّ» ففي باب «الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر».
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 5: «كلّا حرف بسيط، ودعوى ثعلب 6 أنها مركبة من «كاف التشبيه» و «لا» التي للرد شددت «اللام» - لا دليل له عليها.
وهي حرف ردع وزجر عند الخليل وسيبويه 7 والأخفش والمبرد وابن قتيبة وعامة -

................................  البصريين 1، وبمعنى «حقّا» عند الكسائي وابن الأنباري وجماعة (2). وتساوي «إي» معنى واستعمالا يعني أنها تكون حرف تصديق، وأنها تستعمل مع القسم فتقول: كلا والله، في معنى: إي والله، وكونها بمعنى «نعم» هو مذهب النضر بن شميل 2، وقال عبد الله بن محمد الباهلي: كلّا على وجهين: أحدهما: أن تكون ردّا لكلام قبلها، فيجوز الوقف عليها، وما بعدها استئناف.
والآخر: أن تكون صلة للكلام فتكون بمنزلة «إي».
وقال محمد بن واصل 3: كلا بمعنى القسم في بعض المواضع، قال الله تعالى: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ 4، وزعم أبو حاتم 5 أن «كلا» تكون ردّا للكلام الأول وتكون بمعنى «ألا» الاستفتاحية.
و «كلا» لها معنى كثير في باب الاتعاظ.
وذهب الفراء 6 إلى أن «كلا» بمنزلة «سوف» وهو غريب.
وذهب صاحب كتاب «الترشيد» 7 أن كلا تكون بمنزلة «لا» ردّا لما قبلها، ويبتدأ بما بعدها، ويوقف عليها، قال الله تعالى: أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) كَلَّا 8، قال: «وعدتها أربعة عشر موضعا في القرآن العزيز - أي التي تكون -

[أمّا وحديث عنها]

قال ابن مالك: (وأمّا حرف تفصيل مؤوّل بـ «مهما يكن من شيء» فلذا تلزم الفاء بعد ما يليها، ولا يليها فعل بل معموله، أو معمول ما أشبهه، أو خبر، أو مخبر عنه، أو أداة شرط يغني عن جوابها جواب أمّا، ولا تفصل الفاء بجملة [5/ 199] تامّة، ولا تحذف في السّعة إلّا مع قول يغني عنه محكيّه؛ ولا يمتنع أن يلي «أمّا» معمول خبر «إنّ» خلافا للمازنيّ).
ردّا ويوقف عليها - قال: وهذا قول الأكثر من أهل الأداء والعربية وأهل المعاني والتفسير».
قال ناظر الجيش: يؤخذ من كلام المصنف أن «أمّا» حرف شرط كما أنها حرف تفصيل لقوله: مؤوّل بمهما يكن من شيء وقد صرح في شرح الكافية بأنها للأمرين، وذكر الزمخشري 1 لها معنى آخر وهو التوكيد، وأنا أورد كلام المصنف في شرح الكافية ثم أردفه بكلام غيره.
قال رحمه الله تعالى 2: «أمّا فيها معنى الشرط والتفصيل، وتقدر بـ «مهما يكن من شيء» ولا يليها فعل لأنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، فلو وليها فعل لتوهم أنه فعل الشرط ولم يعلم بقيامها مقامه، فإذا وليها اسم بعده «الفاء» كان في ذلك تنبيه على ما قصد من كون ما وليها مع ما بعده جوابا، والمقرون بـ «الفاء» بعد ما يليها إما مبتدأ نحو: أما قائم فزيد، وإما خبر نحو: أما زيد فقائم، وإما عامل فيما وليها أو مفسر عامل فيه نحو: أما زيدا فأكرم وأما عمرا فأعرض عنه، وقد تليها «إن» فيغني جواب «أما» عن جوابها، كقوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ 3 وقد تقدم 4 أن الجواب لأول الشرطين المتواليين، فإذا كان أول الشرطين «أما» كانت أحق بذلك من وجهين: أحدهما: أن جوابها إذا انفردت لا يحذف أصلا، وجواب غيرها إذا انفرد -

................................  يحذف كثيرا لدليل، وحذف ما عهد حذفه أولى من حذف ما لم يعهد حذفه.
والثاني: أن أما قد التزم معها حذف فعل الشرط وقامت هي مقامه، فلو حذف جوابها لكان ذلك إجحافا، و «إن» ليست كذلك.
ويجوز حذف الفاء بعدها إذا كان المقرون بها قولا باقيا ما هو محكي به، كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ 1 الأصل: فيقال لهم: أكفرتم 2 ولا تحذف غالبا دون مقارنة قول إلا في ضرورة كقول الشاعر: 4155 - فأمّا القتال لا قتال لديكم... ولكنّ سيرا في عراض المواكب 3 انتهى.
وقد تضمن شرح غالب الفصل المذكور.
وقال الزمخشري 4: «فائدة «أما» في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول: زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب وأنه بصدد الذهاب، وأنه عزيمة، قلت: أما زيد فذاهب، ولذلك قال سيبويه 5 في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، وهذا التفسير مدل بفائدتين: بيان كونه توكيدا، وأنه في معنى الشرط» انتهى، ولنرجع إلى ألفاظ الكتاب وشرح ما لم يذكره في شرح الكافية، فنقول: أما قوله وأمّا حرف تفصيل مؤوّل بمهما يكن من شيء - فقد ناقشه الشيخ فيه، قال 6: لا ينبغي أن ينسب إلى ذلك؛ لأن معنى التفصيل ليس بلازم لها، بل قد يجيء حيث لا يفصل تقول: أما زيد فمنطلق، قال: وأما التأويل بـ «مهما» فمن -

................................  حيث صلاحية التقدير، لأن «أما» حرف فكيف يكون معناه معنى اسم شرط وفعل شرط؟ ولأن في «يكن» ضميرا يعود على «مهما» لأنها اسم شرط، ولأن جملة الجواب إذا وقعت جوابا لفعل الشرط الكائن أداته اسما وجب أن يكون في جملة الجواب ضمير يعود على اسم الشرط وذلك منتف كلّه في أما» انتهى. وأقول: أما قوله: «لا ينبغي أن ينسب إلى التفصيل، لأنها قد تكون لغير تفصيل»، فيقال فيه: لا شك أن التفصيل هو الغالب والأكثر في استعمالها، ولعلها إنما جاءت في الكتاب العزيز للتفصيل، وكونها في بعض الاستعمالات قد لا تكون للتفصيل لا ينفي عنها ذلك، على أن لقائل أن يقول: لا يبعد أنها في مثل: أما زيد فمنطلق للتفصيل أيضا، وذلك كأن قائل هذا الكلام يأتي به ردّا على من يقول: زيد منطلق، وعمرو منطلق؛ فإذا قال: أما زيد فمنطلق، فالتقدير: أما عمرو فغير منطلق، وهكذا يفهم من قولنا: أما زيد فعالم، أن هذا القول كأنه ردّ على من ادّعى أن زيدا عالم وأن غيره عالم أيضا فيقول الرادّ: أما زيد فعالم فكأنه قال: وأما غير زيد فليس بعالم، فلم تستعمل «أما» لغير تفصيل على هذا. وأما قوله: «إن أما حرف فكيف يكون معناه معنى اسم شرط وفعل شرط؟» فيقال فيه: متى ادّعى المصنف ذلك حتى يناقش فيه؟ وإنما المراد أن الذي يفهم من قولنا: مهما يكن من شيء، يفهم من «أما». ومن ثمّ قالوا: إنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، واعلم أن بعض المغاربة يقول: لو كانت «أما» شرطا لكان ما بعدها متوقفا عليها، وأنت تقول: أما عالما فعالم، فهو عالم ذكرته أنت أو لم تذكره؛ بخلاف إن قام زيد قام عمرو، فقيام «عمرو» متوقف على قيام «زيد». وأجيب عن ذلك بأنه قد يجيء الشرط على ما ظاهره عدم التوقف عليه، كما قال: 4156 - من يك ذا بتّ فهذا بتّي 1

................................  وكقول الآخر: 4157 - فمن يك أمسى بالمدينة رحله... فإني وقيّار بها لغريب 1 وقول الآخر: 4158 - فإن يك حقّا ما أتاني فإنّهم... كرام إذا ما النّائبات يترّب 2 فـ «بتّه» موجود كان لغيره بتّ أو لم يكن، وهو و «قيار» غريبان كان بالمدينة من أمسى رحله أو لم يكن بها، وكذلك هم كرام كان ما أتاه حقّا أو لم يكن، لكن يخرّج ذلك على إقامة السبب مقام المسبب؛ لأن المعنى: من يك ذا بت فأنا لا أحسده، وسبب ذلك أن لي بتّا، وكذا إن يكن أحد من أهل المدينة فإني لا أغبطه لأني غريب، وكذلك فإن يك حقّا ما أتاني فإنهم صبر لأنهم كرام، وقولهم: أما عالما فعالم، فالمعنى: مهما تذكره عالما فذكرك حق لأنه عالم.
ثم إن المصنف رتّب على كون «أما» مؤولة بأداة الشرط لزوم الإتيان بـ «فاء» بعدها بقوله فلذا تلزم الفاء.
لكن لا بد أن يفصل بين «أما» و «الفاء» بجزء؛ ومن ثمّ قال: بعد ما يليها.
[5/ 200] ولا شك أنهم لما أنابوا «أما» مناب أداة الشرط، وفعله، وليت «الفاء» الواقعة في الجواب «أما» وأداة الجزاء لا تلي أداة الشرط، فلزم أن يولوا «أما» شيئا من أجزاء الكلام الواقع جزاء ليكون بين أداة الشرط وما صدر به الجزاء فاصل يحصل به إصلاح اللغة.
قال الشيخ 3: «وهذه الفاء جاءت في اللفظ خارجة عن قيامها، لأنها لم تجئ رابطة بين جملتين ولا عاطفة مفردا على مثله» انتهى.
والحق أن «الفاء» رابطة بين جملتين وهي جملة الشرط التي قامت «أما» مقامها، والجملة الواقعة جزاء، وإنما قدّم على «الفاء» جزء منها؛ كي يزول القبح اللفظي لو لم يقدم شيء، وهو أن يلي الجزاء أداة الشرط.
- - (ص 725) وابن يعيش (1/ 199).

................................  ثم قال الشيخ 1: «وتعليل المصنف للزوم الفاء بتأويلها بـ «مهما يكن» ليس بجيد، لأن جواب «مهما يكن» لا يلزم الفاء إذا كان صالحا لأداة الشرط، والفاء لازمة بعد «أما» كان ما دخلت عليه صالحا لأداة الشرط أو لم يكن، ألا ترى أنه يجوز أن يقول: مهما يكن من شيء لم أبال به ويمتنع ذلك في «أما»؛ بل يجب ذكر «الفاء» فتقول: أما كذا فلم أبال به، فدلّ ذلك على أن دخول الفاء ووجوبها ليس بداخل إن أوّلت بمهما يكن» انتهى.
ولك أن تقول: الفاء هي التي دلت على أن «أما» مؤولة بـ «مهما يكن» إذ لولا هي لم يعلم أن «أما» أريد بها ما يراد بـ «مهما يكن»؛ لأن النحاة إنما دلّهم على أنها شرط لزوم «الفاء» بعدها، وإذا كذلك كان ذكرها لازما، فقول المصنف: فلذا تلزم الفاء - تعليل لكونها حرفا مؤولا بـ «مهما يكن» لا تعليل لكونها بمعنى «مهما يكن» فيلزمه ما ذكره الشيخ.
وأما قول المصنف: ولا يليها فعل - فقد تقدم قوله في شرح الكافية: «ولا يليها فعل لأنها قائمة مقام حرف شرط وفعل شرط، فلو وليها فعل لتوهم أنه فعل شرط» إلى آخر ما ذكره.
وأما قوله: بل معموله أو معمول ما أشبهه أو خبر أو مخبر عنه أو أداة شرط - فإشارة إلى الجزء الذي يجب الفصل به بين «أما» وجوابها، وقد ذكر خمسة أشياء، وهي بالحقيقة أربعة، فإن معمول ما أشبه الفعل لا فرق بينه وبين معمول الفعل إذ المعمول يشملهما، فمثال معمول الفعل قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ 2 إلى آخر الآيات الشريفة 3، ومثال معمول ما أشبهه قول العرب: أما العسل فأنا شرّاب 4، ومثال الخبر: أما في الدار فزيد، ومثال المخبر عنه: أما زيد فمنطلق، ومثال أداة الشرط قوله تعالى: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ 5 إلى آخر الآيات الشريفة 6. -

................................  وليعلم أن قول المصنف: بل معموله - أراد به نحو: أما زيدا فاضرب، كما تقدم 1، ويدخل تحت عبارته أمران آخران وهما: نحو: أما زيدا فاضربه، وهو ما إذا كان الفاصل معمولا لفعل يفسره الفعل المذكور بعد الفاء، ونحو: أما اليوم فزيد ذاهب وأما في الدار فزيد جالس، وهو ما إذا كان المعمول ظرفا أو شبهه، وإذا كان هذان الأمران تشملهما عبارته، فلا حاجة إلى أن يفردا بالذكر، وتجعل أقسام الفاصل الذي يجب الفصل به بين «أما» وجوابها ستة، لكن العامل الذي في نحو: أما زيدا فاضربه، أن ما يقدر بعد «الفاء» قبل الذي هي داخلة عليه ولا يقدر قبلها؛ لأن «أما» نائبة عن الفعل، فكان الفعل مذكورا، وفعل لا يلي فعلا.
ثم ليعلم أن العامل في الظرف وشبهه في نحو: أما اليوم فزيد ذاهب وأما في الدار فزيد جالس، يجوز أن يكون «أما» نفسها لما فيها من معنى الفعل الذي هي نائبة عنه؛ لأن الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ويجوز أن يكون العامل الفعل المحذوف الذي نابت «أما» عنه.
قال الشيخ 2: «وفي قول المصنف: إنها لا يليها إلا معمول فعل أو معمول ما أشبهه أو خبر أو مخبر عنه أو شرط، دليل على أنه لا يليها غير ما ذكر، وليس الأمر كذلك بل يليها الجار والمجرور والظرف والمفعول والحال، وتكون هذه الأشياء معمولة لها بما تضمنته من فعل الشرط ويتعلق المجرور بها، هذا مذهب سيبويه 3 والمازني 4 والزجاج وابن السراج والجماعة، قال: وفي بعض شروح «الكتاب» أن ابن خروف أجاز أن يلي «أما» المفعول له وتكون عاملة فيه، وذلك لا يجوز، وما سوى الظرف والمجرور والحال لا تعمل فيه «أما» بما فيها من معنى الفعل لأن الأسماء الصريحة لا تعمل فيها المعاني، وأجاز ذلك الكوفيون 5، والصحيح عدم الجواز» انتهى.
وليس في كلام المصنف ما يدفع أن «أما» لا يليها الجار والمجرور والظرف والمفعول له والحال؛ بل كلامه يتضمن أن كل ذلك يليها لأنها كلها داخلة تحت -

................................  قوله: «معمول فعل»؛ لأنه أطلق المعمول ولم يقيده بالصراحة، فشملت عبارته المعمولات كلها صريحة كانت أو غير صريحة، ولكنه لم يذكر أن العامل فيها يجوز أن يكون «أما» لما فيها من معنى الفعل، واقتصر على ذكر أن العامل هو الفعل الذي بعد «الفاء» أو شبهه، والشيخ أفاد كلامه أن «أما» يجوز أن تكون هي العاملة في المذكورات أيضا، وربما يستفاد ذلك من كلام المصنف أيضا حيث ذكر مسألة «أمّا علما فعالم» في باب «الحال».
وأما قوله - أعني المصنف - يغني عن جوابها جواب أمّا - فمراده بذلك: أن جواب «أمّا» أغنى عن جواب أداة الشرط، وقد تقدم إيراد كلامه في شرح الكافية على المسألة المذكورة.
قال الشيخ 1: «هذه المسألة فيها خلاف، والصحيح أن أداة الشرط جوابها محذوف لدلالة جواب أمّا عليه، ولذلك لزم أن يكون فعل الشرط بعد «إن» ماضيا ولا يلزم مضيّه إلا عند حذف الجواب، قال: كأنه قيل: مهما يكن من شيء فروح وريحان إن [5/ 201] كان من المقربين، فالفاء جواب الشرط الذي تقدم وجواب «إن» محذوف.
وهذا مذهب سيبويه 2، وزعم الأخفش 3 أن الجواب المذكور لأمّا والشرط معا، فالأصل عنده: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، ثم أنيبت «أما» مناب «مهما» والفعل الذي بعدها فصار: أما فإن كان من المقربين فروح، ثم قدمت «إن» والفعل الذي بعدها، فصار: أما إن كان من المقربين ففروح، فالتقت الفاءان، فأنيبت إحداهما عن الأخرى فصار: فروح، قال (4): وهذه كلها تقادير عجيبة ومع ذلك هي باطلة، وقد أبطل أبو علي ظاهر كلام الأخفش بأن «أما» بعد الفاء تكون جوابا لشيئين، وتأوّل كلامه على أنها لما كانت جوابا لأحدهما وأنيبت عن الثاني صارت كأنها جوابا لهما، قال 4: واضطرب فيها قول أبي علي 5، فمرة قال: لا يفصل في أمّا إلا بمفرد، فالفاء جواب إن وجواب أمّا -

................................  محذوف، وهذا لا يصح؛ لأنه متى اجتمع طالبا جواب كان الجواب للأول منهما، ومرة قال بقول سيبويه، وقال: الجملة إذا لم تستقل صارت بمنزلة مفرد.
قال الشيخ (1): وهذا هو الصحيح، فإذن في المسألة ثلاثة مذاهب: مذهب سيبويه، ومذهب الأخفش ومذهب أبي علي في أحد قوليه» انتهى.
وأقول: إن الكلام قد تقدم على هذه المسألة عند الكلام على اجتماع الشرطين، وتقدم ذكر أن من الناس من أخرج المسألة من هذا الباب - أعني اجتماع الشرطين - وذلك أن التقدير: مهما يكن من شيء فإن كان من المقربين فروح، فتكون الجملة الشرطية وجوابها جواب «أما».
وتقدم أيضا هناك بحث، وهو أن «أما» إذا قرن بها أداة شرط فتجرد هي عن معنى الشرط وتتمحض لأن تكون للتفصيل لا غير، وحاصل الأمر: أن ما تقدم فيه غنية فلا حاجة إلى التطويل بإعادته.
وأما قوله: ولا تفصل الفاء بجملة تامّة، فقال الشيخ 1: «كان ينبغي أن يقيد هذا بأن لا تكون الجملة دعاء، فإن كانت دعاء جاز ذلك بشرط أن يفصل بين «أما» وجملة الدعاء بمعمول «أما» نحو: أما اليوم رحمك الله فلأصنعن كذا، أو بمعمول جوابها نحو: أما زيدا رحمك الله فاضرب، فلو فصلت بجملة الدعاء بينها وبين فصلها اللازم، نحو: أما رحمك الله زيدا فاضرب، لم يجز».
انتهى.
ولا يخفى أن جملة الدعاء من الجمل التي يعترض بها، والفصل بجملة الاعتراض سائغ حتى بين الموصول وصلته التي هي من تمامه، فكيف لا يجوز في غير ذلك؟ وأما قوله: ولا تحذف في السّعة إلّا مع قول يغني عنه محكيّه - فقد تقدم الكلام فيه، وهذه المسألة قد سبق ذكرها في آخر باب «المبتدأ» لما ذكر دخول «الفاء» على الخبر.
وأما قوله: ولا يمتنع أن يلي أمّا معمول خبر إنّ؛ خلافا للمازني - فأشار به إلى - أن نحو قولك: أما زيدا فإني ضارب - جائز.
(1)،

................................  قال الشيخ 1: «وهذه المسألة فيها خلاف كما ذكر، فمذهب سيبويه وأبي عثمان 2 أنك تعتبر ما يجوز من ذلك وما يمتنع بأن تسقط أما والفاء، فحيث جاز تقديم المعمول قدمته، وحيث امتنع ذلك منعته، وهذه المسألة: لو طرحت أما والفاء، فقلت: زيدا إني ضارب، لم يجز، فكذلك إذا ذكرتهما، ولو قلت: أما زيدا فضربت، وطرحت أما والفاء فقلت: زيدا ضربت لجاز ذلك، فكذلك إذا أدخلتهما.
فبهذا يعتبر سيبويه والمازني مسائل أما.
ولذلك احتج سيبويه 3 على تقديم معمول فعّال بقولهم: أما العسل فأنا شرّاب، ورد على الخليل أن «لن» أصلها: لا أن، بقولهم: أما زيدا فلن أضرب 4. وقال سيبويه 5: وسألته عن قولهم: أما حقّا فإنك ذاهب، فقال: هذا جيد، وهذا الموضع من مواضع إنّ، ألا ترى أنك تقول: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب، وأما فيها فإنّك قائم، ثم قال 6: وإنما جاز هذا في أما لأن فيها معنى مهما يكن من شيء يوم الجمعة فإنك ذاهب، فهذا تفسير أنّ أمّا تعمل لما فيها من معنى الفعل، ومعاني الأفعال تعمل في الظروف والحال والمفعول له، كما قدمنا» انتهى.
وليعلم أن «حقّا» منصوب على الظرف 7 - أعني ظرف الزمان - والتقدير: أما في حق فإنك ذاهب، ولهذا قبح أن تعمل فيه «أما» لما فيها من معنى الفعل، ويدلك على أنه ظرف تسوية الخليل 8 بينها وبين: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب وأما فيها فإنّك قائم.
ثم قال الشيخ 9: «وتخصيص المصنف منع: أما زيدا فإني ضارب بالمازني.
وقد سبق إلى ذلك سيبويه إما جهل منه أن سيبويه منع ذلك، وإما استحياء أن يخالف سيبويه، قال 10: وقد جهل كثيرا من مذاهبه، ورد عليه مواضع على زعمه، فهلا استحيا منه!! -

[أحكام أخرى لأما]

قال ابن مالك: (وقد تبدل ميمها الأولى ياء، وقد يليها مصدر متلوّ بما اشتمل على مثله أو مشتقّ منه، فينصبه الحجازيّون مطلقا ويرفعه التّميميّون معرفة وينصبونه نكرة، وقد يرفعونه، والنّصب على تقدير: إذ ذكرت، والرّفع على تقدير: إذ ذكر، واستعمال العلم بالوجهين موضع هذا المصدر جائز على رأي).
وذهب المبرد وابن درستويه 1 إلى أن ما بعد «إنّ» يعمل فيما قبلها مع «أمّا» خاصّة وهو الذي اختاره المصنف، واحتجّا بأنه لما لزم الفصل بين «أمّا» و «الفاء» أوقعوا الفصول بينهما ما لا يتقدم في غير هذا الموضع لضرورة الفصل، كما أعملوا ما بعد الفاء فيما قبلها معها دون غيرها، نحو: أما زيدا فضربت، ولا يقولون: إن أقم زيدا فاضرب، فكذلك يجوز: أما زيدا فإني ضارب؟ وذهب الفراء إلى إجازة ما أجازه المبرد وابن درستويه مع «إنّ» وزاد أن أجاز ذلك في: ليت ولعلّ، وكل ما يدخل على المبتدأ نحو: أما زيدا فليتني ضارب، وأما عمرا فلعلي ضارب، واحتجّ على ذلك بأن باب الفاء للاستئناف، فهي سوّغت الابتداء وهذه إنما دخلت على الابتداء فلم يعتدّ بها، ولذلك أجاز الفراء النصب في نحو: أما زيدا فلأضربنّه 2. قال 3: والرفع في هذا كله الوجه والقياس، وما ذهب إليه المبرد وابن درستويه والفراء غير صحيح، ولم يرد به سماع ولا يقتضيه قياس صحيح، بل القياس مذهب سيبويه [5/ 202] وقد رجع إليه المبرد فيما حكى، قال: وقال الزجاج 4: رجوعه مكتوب عندي بخطه، فصار المنع إجماعا من البصريين».
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 5: «ثبت هذا الكلام بجملته في نسخة الشيخ بهاء الدين الرقي المقروءة على المصنف والتي عليها خطه، وسقط من بعض النسخ، ووجه سقوطه أنه قد ذكر أكثرها في باب «الحال» وشرح ذلك هناك شرحا شافيا، -

................................  قال 1: ونحن نشرح ما يجب هنا شرحا لطيفا، فقوله: وقد تبدل ميمها الأولى ياء، أي: يقال: أيما زيد فمنطلق وقال الشاعر: 4159 - رأت رجلا أيما إذا الشّمس عارضت... فيضحى وأيما بالعشيّ فيخصر 2 وأنشد الفراء: 4160 - أيما وشاحها فيجزى وأي... ما العجز منّها فلا يجزى 3 وقوله: بما اشتمل عليه، مثاله: أما علما فذو علم، وقوله: أو مشتق منه، مثاله: أما علما فعالم، وقوله: فينصبه الحجازيون مطلقا، مخالف لما ذكره في باب «الحال»، فإنه ذكر عن الحجازيين في المعرف نحو رفع ونصب، وذكر في الشرح عنهم أنهم يلتزمون نصب المنكر، وقوله: ويرفعه التميميون معرفة وينصبونه نكرة، وقد يرفعونه أي: النكرة، وهذا موافق لما في باب «الحال» فإنه قال فيه 4: وترفع تميم المصدر التّالي أمّا في التّنكير جوازا مرجوحا وفي التّعريف وجوبا.
وقوله: والنصب على تقدير: إذ ذكرت، والرفع على تقدير: إذ ذكر، قد ذكر هو في باب «الحال» أن النصب عند سيبويه هو على أنه مفعول له، وأنه مفعول مطلق عند الأخفش 5، وذكر في الشرح هذين المذهبين، وذكر هذا المذهب الثالث عن بعض النحويين ولم يسمه واختاره ورجّحه بما يوقف عليه من كلامه في الشرح، وهذا الرأي هو رأي الكوفيين نقله عنهم ابن هشام الخضراوي، يحملون الباب كله على تقدير فعل لا يظهر مع أما كما لا يظهر الفعل في قول العرب: أما -

................................  أنت منطلقا انطلقت معك، يقولون في قول العرب: أما علما فعالم وأما سمنا فسمين، كأنه قال: مهما تذكر علما أو سمنا» انتهى.
وقال بعض العلماء 1: «وقد سمع: أما العبيد فذو عبيد بالنصب، وأما قريشا فأنا أفضلها، قال: وذلك يدل على أنه لا يلزم أن يقدر: مهما يكن من شيء بل يجوز أن يقدر غيره مما يليق بالمحل، إذ التقدير هنا: مهما ذكرت، وعلى ذلك يخرّج قولهم: أما العلم فعالم وأما علما فعالم، قال: وهو أحسن مما قيل: إنه مفعول مطلق لما بعد الفاء 2 أو مفعول لأجله إن كان معرفا 3، أو حال إن كان منكرا 4، وعلى أن «أما» ليست العاملة؛ إذ لا يعمل الحرف في المفعول به، وعلى أنه يجوز: أما زيدا فإني أكرم، على تقدير العمل للمحذوف» انتهى.
وهذا الذي ذكره فيه جنوح إلى مذهب الكوفيين في مثل هذا التركيب.
وأما قول المصنف: واستعمال العلم بالوجهين موضع هذا المصدر جائز على رأي، فقال الشيخ 5: «هذا رأي الكوفيين أجازوا أن يأتي بعد «أما» العلم وغيره من المعارف، وحكوا من كلام العرب: أمّا البصرة فلا بصرة لك، وأمّا أباك فلا أب لك، ويجيزون: أما العبيد فلا عبيد لك يريد عبيدا بأعيانهم، ولا يجوز النصب في شيء من هذا عند سيبويه 6، فإن صح ما حكوا فالقول قولهم إن النصب بإضمار فعل ولم يسمعه سيبويه».
انتهى.
وهذا الذي قاله الشيخ من أنه إن صحّ ما حكوا فالقول قولهم إن النصب بإضمار فعل ولم يسمعه سيبويه، إنصاف وحقّ.
ثم إن الشيخ ذكر 7 بعد ذلك عن صاحب «البسيط» كلاما في «أمّا» وأطال فيه، فأضربت عن ذكره لأن الذي تقدّم فيه غنية.

[أقل رجل يقول ذلك وأحكام هذه الجملة]

قال ابن مالك: (فصل؛ قد يقوم مقام ما يفعل «أقلّ» ملازما للابتداء والإضافة إلى نكرة موصوفة بصفة مغنية عن الخبر لازم كونها فعلا أو ظرفا، وقد تجعل خبرا، ولا بدّ من مطابقة فاعلها للنّكرة المضاف إليها). قال ناظر الجيش: قال الشيخ 1: «أجرت العرب «أقلّ» مجرى «قلّ رجل» فلذلك لا تدخل عليه العوامل، ووضعته العرب في أحد محمليه موضع النفي، لأن القليل أقرب شيء إلى النفي كما أن الكثير أبعد شيء منه، ولزمت الابتداء فوقعت صدرا إذ جعلت نائبة عن النفي، والنفي له صدر الكلام، ولو قلت: كان أقل رجل يقول ذلك لم يجز إلا على إضمار الشأن في «كان» ولإجرائها مجرى النفي قالوا: أقلّ رجل يقول ذلك إلا زيد. قال سيبويه 2: لأنه صار في معنى: ما أحد فيها إلا زيد. وإنما لزم إضافته إلى نكرة لأنه في سياق النفي يعمّ، والمعنى على النفي؛ فإذا قلت: أقلّ رجل يقول ذلك فمعناه: ما أحد يقول ذلك. وقوله نكرة أعم من أن يكون مما يجوز أن تدخل عليه «أل» نحو: رجل، أو لا تدخل عليه نحو: أقل من يقول ذلك. قال سيبويه 3: حدثنا بذلك يونس عن العرب يجعلونه نكرة كما قال: 4161 - ربّما تكره النّفوس من الأم... ر له فرجة كحلّ العقال 4

................................  يريد: أن «ربّ» دخلت على «ما» وهي لا تدخل إلا على نكرة، فتنكيرها كتنكير «من» وقد دخلت «ربّ» أيضا على «من»، قال: 4162 - ربّ من أنضجت غيظا صدره 1 وقوله: موصوفة بصفة مغنية عن الخبر: إذا قلت: أقلّ رجل يقول ذلك فـ «أقل» مبتدأ كما تقدم، واختلف في الجملة الواقعة بعده: هل هي في موضع الخبر أو في موضع صفة تغني عن الخبر [5/ 203] ويكون الخبر محذوفا؟ فمنهم من قال: هي في موضع الخبر؛ لأن المبتدأ لا بد له من خبر وليس هنا شيء يصلح للخبر غير هذه الجملة، وكأنه قال: ما رجل يفعل ذلك، وأنت لو قلت: ما رجل يفعل ذلك، لكان «يفعل ذلك» في موضع الخبر، فكذلك هذا.
فموضعه على هذا رفع على أصل وضع الكلام؛ إذ المبتدأ لا بد له من خبر وإلى هذا ذهب الأخفش.
وقال بعضهم: الجملة صفة وهي في موضع جر، والدليل على ذلك جريان هذا الفعل مطابقا للمجرور، فتقول: أقل امرأة تقول ذلك، وأقل امرأتين تقولان ذلك، أقل نساء يقلن ذلك، وأقل رجل يقول ذلك، وأقل رجلين يقولان ذلك، وأقل رجال يقولون ذلك، فتطابق الجملة المجرور، ولو كانت خبرا لطابقت المبتدأ الذي هو «أقل» فكنت تقول: أقل رجال يقول ذلك، وعزي هذا المذهب إلى الأخفش أيضا.
فإن قلت: قد زعمت أن «أقل» يجب أن يكون مبتدأ ولا تدخل عليه -

................................  النواسخ فكيف أورده سيبويه في باب «الاشتغال» في قوله 1: «هذا باب ما يجري مما يكون ظرفا هذا المجرى وذلك: يوم الجمعة ألقاك فيه، وأقلّ يوم لا أصوم فيه، وخطيئة يوم لا أصيبه، ومكانكم قمت فيه، فصارت هذه الأحرف ترتفع بالابتداء كارتفاع عبد الله وصار ما بعدها مبنيّا عليها كبناء الفعل على الاسم الأول».
ثم قال بعد ذلك 2: «ويدخل النصب كما دخل في الاسم، ويجوز في ذلك: يوم الجمعة ألقاك فيه وأصوم فيه كما جاز في قولك: عبد الله مررت به».
فدل كلام سيبويه هذا على أمرين: أحدهما: أنه لا يلتزم فيه الابتداء.
والثاني: أن الجملة في موضع الخبر لا في موضع الصفة، لأن الصفة لا تفسر عاملا!! فالجواب: أن الذي يتكلم فيه غير الذي ذهب إليه سيبويه، لأن الذي ذكره سيبويه لم يرد به النفي المحض إنما أريد به الأقل المقابل للأكثر فعرض الإلباس والإشكال من حيث الاشتراك.
ألا ترى أن القائل: أقلّ يوم لا أصوم فيه لا يمكن حمله على النفي المحض؛ لأنه إذ ذاك يصير المعنى: ما يوم من الأيام ينتفي عنه فيه الصوم، وقد علم ضرورة أنه لا يصوم أيام الأعياد، وإنما مراد المتكلم أنه قليل من الأيام ينتفي عنه فيها الصوم، يريد أنه يكثر الصوم ولا يعني أنه يديمه سرمدا من غير تخلل إفطار.
انتهى.
وقد عرف من قول المصنف: قد يقوم مقام ما يفعل أقلّ، أن «أقل» قد لا يراد به النفي وإنما يراد به الأقلية المقابلة للأكثرية، وإتيان المصنف بكلمة «قد» يدل على أن إرادة النفي به أقل من أن يراد به غير ذلك.
وحاصل الأمر: أن «أقل» لها محملان: أحدهما: أن تكون «أفعل» تفضيل فلا نفي، ثانيهما: أن يراد به النفي المحض.

[قلّما وقليل وحديث عنهما]

قال ابن مالك: (ويساوي «أقلّ» المذكور «قلّ» رافعا مثل المجرور، ويتّصل بـ «قلّ» ما كافّة عن طلب فاعل فيلزم في غير ضرورة مباشرتها الأفعال، وقد يراد بها حينئذ التّقليل حقيقة، وقد يدلّ على النّفي بـ «قليل» و «قليلة»).
قال ناظر الجيش: يريد أن الفاعل الذي تسند «قلّ» إليه يكون مثل المجرور أي الذي جرّ بـ «أقل» فـ «اللام» في «المجرور» للعهد، وإذا كان مثله فيتعين أن يكون نكرة موصوفة بصفة لازم كونها فعلا أو ظرفا يراد به في أحد محمليه نفي العموم، وذلك نحو: قلّ رجل يقول ذلك، وقلّ رجل في الدّار، وقلّ رجل عندك، المعنى: ما رجل يقول ذلك، وما رجل في الدار، وما رجل عندك.
ونبه بقوله: ويتّصل بقلّ ما كافة عن طلب فاعل - على أن «قل» حينئذ تجري مجرى حرف النفي، فلا يكون لها فاعل، ولما أجريت مجرى النفي وليها الأفعال في الكلام الفصيح، فيقال: قلّما يقوم زيد في معنى: ما يقوم زيد، ولا يليها الاسم إلا في الضرورة، كقول الشاعر: 4163 - صددت فأطولت الصّدود وقلّما... وصال على طول الصّدود يدوم 1 ويفهم من قول المصنف: إنّ ما كافّة لقلّ عن طلب فاعل - أن الاسم الذي وليها في هذا البيت لا يكون فاعلا، ولم يعلم من كلامه ما هو الرافع لذلك الاسم الواقع بعدها؟ وللنحاة فيه تخريجان 2: أحدهما: أنه مرفوع بـ «يدوم» فالنية به التأخير ولكن قدّم ضرورة.
ثانيهما: أنه فاعل بفعل مضمر يفسره ما بعده، التقدير: وقلما يدوم وصال على طول الصدود يدوم.
-

................................  وهذا التخريج أولى بل هو المتعين، لأن الفاعل لا يتقدم على عامله لا في ضرورة ولا غيرها عند البصريين 1، وحكم الشيخ 2 بأن التخريج الأول هو الذي يطابق كلام المصنف لقوله: فيلزم في غير ضرورة مباشرتها الأفعال - فتكون في الضرورة لا تباشر الأفعال، وإذا قدرت فعلا رافعا لـ «وصال» تكون «قلما» قد باشرت الفعل.
وأقول: يمكن أن المصنف يريد أنها تباشر الأفعال لفظا لا تقديرا، وإذا كان «وصال» في البيت مرفوعا بفعل مقدر، انتفت المباشرة اللفظية فعدّ لذلك من الضرورات.
وقول المصنف: وقد يراد بها حينئذ التّقليل حقيقة - يعني حين مساواتها لـ «أقل» لأن «أقل» لها محملان كما تقدم، أحدهما: أن تكون أفعل تفضيل فلا تدل على النفي، والثاني: أن يراد بها النفي المحض، و «قل» لها محملان أيضا فكما كانت للنفي تكون للتقليل، فلما ذكر أنها تساوي «أقل» المراد به النفي ذكر أنها قد يراد بها التقليل.
هذا ما يتضمنه كلام الشيخ في شرح هذا الموضع 3. وربما يقال: إن مراد المصنف بقوله: حينئذ حين يتصل بها «ما» أي أن «قلّما» قد يراد بها النفي وقد يراد بها التقليل.
وأما قوله: حقيقة - ففسره الشيخ 4 بأنه يعني بذلك أن أصل «قل» أن لا تكون للنفي بل تدل على نزارة الشيء وقلّته [5/ 204] دون نفيه.
وقال الشيخ 5 في قول المصنف: ويتصل بقلّ ما كافة: «إنما قال: كافة احترازا من اتصال «ما» المصدرية بها، فإنها تتصل بها وينسبك منها مع الفعل الذي بعدها مصدر هو فاعل «قل»، فتقول: قلما أضرب زيدا في معنى: قلّ ضربي زيدا» انتهى.
ولم أتحقق ما قاله؛ فإن «قلما» التي يتكلم المصنف عليها إنما هي الكلمة التي يراد بها النفي؛ فـ «ما» المتصلة بها كافّة قطعا، والتي ذكرها الشيخ إنما هي الكلمة -

[سرد لبعض الأفعال الجامدة]

قال ابن مالك: (فصل؛ منعت التّصرف أفعال منها المثبتة في نواسخ الابتداء، وباب «الاستثناء» و «التّعجّب» وما يليه، ومنها «قلّ» النّافية، و «تبارك» و «سقط في يده» و «هدّك من رجل» و «عمّرتك الله» و «كذب» في الإغراء، و «ينبغي» و «يهيط» و «أهلمّ» و «أهاء وأهاء» بمعنى آخذ، وأعطي، و «هلمّ» التّميميّة، و «هأ» و «هاء» بمعنى خذ، و «عم صباحا» و «تعلّم» بمعنى اعلم).
التي يراد بها التقليل، ولهذا جاز أن تكون «ما» المتصلة بها مصدريّة.
وأما قول المصنف: وقد يدل على النّفي بقليل وقليلة - فمثال ذلك: قليل من الرجال يقول ذلك، وقليلة من النساء تقول ذلك، فهذا قد يراد به النفي أي: ما يقول ذلك رجل، وما تقول ذلك امرأة.
قال ناظر الجيش: المراد بعدم تصرف الفعل: لزومه صيغة واحدة، وذلك بأن لا تختلف أبنيته لاختلاف الزمان.
وأشار إلى أن من الأفعال العادمة التصرف ما تقدم له ذكره في أربعة الأبواب، أما ما بيّن في نواسخ الابتداء فهو المذكور في باب «كان» وهو: ليس ودام، وفي باب «أفعال المقاربة» وفي باب «الأفعال الناصبة المبتدأ والخبر مفعولين» وهو: تعلّم وهب، وأما المبين في باب الاستثناء فهو: عدا وخلا وحاشى ولا يكون، وأما المبين في باب «التعجب» فهو: الصيغ التي هي مستعملة في التعجب، وأما المبين في الباب الذي يليه وهو باب «أفعال المدح والذم» فهو: نعم وبئس وحبذا وما ذكر معها.
ثم أشار إلى بقية الأفعال غير المتصرفة التي لا تختص بباب من الأبواب وجملتها: خمسة عشر فعلا: الأول منها: «قلّ»: وقد تقدم ذكرها، وتقييدها بالنافية احتراز من الدالة على القلة المقابلة للكثرة فإنها تتصرف، يقال: قلّ ودّ فلان وقلّ ماله ويقلّ ودّه ويقلّ ماله.
والثاني: «تبارك» قال الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ 1 وقال الله -

................................  تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ 1 قيل: وهو مشتق من البركة، وهو غير متعدّ، وأما «بارك» فقد عدي بـ «في» نحو: بارك الله فيك، وب «على» نحو: وبارك على محمد، وبنفسه، قال الله تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها 2 وهو متصرف، يقال: تبارك الله فيك.
والثالث: سقط في يده: وهي كلمة تقال في معنى الندم والتّخلي عما كان يتعلق به، وأصل «سقط» بمعنى وقع: التّصرّف وعدم التّعدّي، ثم إنه لما خرج عن أصل وضعه واستعمل مجازا في المعنى الذي ذكر، أشبه الحرف فمنع التصرف، وبني لما لم يسم فاعله، وأقيم الجار والمجرور مقام الفاعل.
والرابع: هدّك من رجل: ذكر الشيخ في شرحه 3 «أن العرب تارة تجعل هذا اسما وتصف به وتتبعه ما قبله في الإعراب نحو: مررت برجل هدّك من رجل، ومعناه معنى: حسبك من رجل، أي: بحسبك من رجل، تقول العرب: أحسبني أي: كفاني، ولا يثنى ولا يجمع تثنية الموصوف ولا جمعه، بل تقول: مررت برجلين هدّك من رجلين، لأن الأصل فيه المصدر، قال 4: وزعم بعض أصحابنا أن العرب لم تستعمل منه فعلا، وليس بصحيح، بدليل نقل سيبويه 5 وغيره أن العرب تجعله فعلا فتقول: مررت برجل هدّك من رجل، فإن قلت: فلعل هذا اسم وهو منصوب على الحال من النكرة!! فالجواب أن العرب قالت: مررت بامرأة هدتك من امرأة فألحقت «تاء» التأنيث اللاحقة للأفعال، فدل على أنه فعل وهو مع ذلك لا يتصرف.
قال سيبويه 6: وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول: مررت برجل هدّك من رجل، ومررت بامرأة هدّتك من امرأة فجعله فعلا بمنزلة: كفاك وكفتك».
والخامس: «عمّرتك الله» 7: ومعناه: أسالك بالله، وهو فعل مأخوذ من قولهم: عمّرك الله، قال الشاعر: -

................................  4164 - عمّرتك الله إلّا ما ذكرت لنا... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم؟ 1 وحقيقة الكلام في: عمرتك الله، أن يكون أراد: تعميره أو طلب، إذ ليس له أن يعمره حقيقة.
والسادس: «كذب» في الإغراء: ذكر الشيخ في شرحه 2 «أن الكذب في لسان العرب يطلق ويراد به تغيير الحاكي ما سمع وقوله ما لا يعلم، ويطلق ويراد به أن يقول القائل قولا يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق، ويطلق ويراد به الخطأ كأن تقول: أقدر أن فلانا في منزله الساعة، فيقال له: صدقت أي: أصبت، وكذبت أي: أخطأت، ويطلق ويراد به البطول، يقال: كذب الرجل أي بطل عليه أمله وما رجا وقدره، ويطلق ويراد به الإغراء ومطالبة المخاطب بلزوم الشيء المذكور، كقول العرب 3: كذب عليك العسل؛ يريدون: كل العسل»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه 4: «كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد؛ ثلاثة أسفار كذبن عليكم» معناه: الزموا الحج والعمرة والجهاد.
قال الشيخ 5: واختلف في المغرى به، فذهب بعضهم إلى أنه مرفوع بـ «كذب» ولا يجوز نصبه، قال: لأن «كذب» فعل لا بد له من فاعل، وخبر لا يخلو من محدث عنه، فالفعل والفاعل كلاهما [5/ 205] تأويلهما الأمر والإغراء، كما أن قولهم: حسبك خبر، يعنى به الأمر، وذهب بعض النحويين إلى جواز النصب فيه ويستدل له بما روى أبو عبيد 6 عن أبي عبيدة عن أعرابي أنه نظر إلى ناقة نضو 7 -

................................  لرجل، فقال له: كذب عليك البزر والنّوى أي: الزمهما بنصب البزر والنوى، وقال يونس: مرّ أعرابي برجل يعلف شاة، فقال: كذب عليك البزر والنّوى فأتى به منصوبا، وقال أبو عبيد 1: ولم يسمع النصب مع كذب في الإغراء إلا في هذا الحرف، قال ابن الأنباري: وهذا شاذ من القول لا يعوّل عليه.
وأنشد أحمد بن يحيى 2 عن ابن الأعرابي لمعقّر بن حمار البارقيّ: 4165 - وذبيانيّة وصّت بنيها... بأن كذب القراطف والقروف تجهّزهم بما اسطاعت وفالت... بنيّ فكلّكم بطل مسيف 3 أراد: عليكم القراطف والقروف فخذوها، والقراطف: القطف 4، والقروف: الأدم 5 والمسيف: الذي وقع في ماله السّواف وهو داء 6، فأهلكه، وقال عنترة: 4166 - كذب العتيق وماء شنّ بارد... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي 7 العتيق في هذا البيت: التمر 8، والذي يدل على رفع الأسماء بعد «كذب» أنه يتصل بها الضمير كما جاء في كلام عمر رضي الله عنه: «ثلاثة أسفار كذبن عليكم» 9 -

................................  وقال الشاعر: 4167 - كذبت عليك لا تزال تقوفني... كما قاف آثار الوسيقة قائف 1 معناه: عليكي 2 فرفع التاء وهي مغرى بها واتصلت بالفعل؛ لأنه لو تأخر الفاعل لكان منفصلا، وليس هذا من مواضع انفصال الضمير.
وقال عبد الدائم بن مرزوق القيرواني 3 - في كتاب «حلى الحلى» في الأدب من تصنيفه في قول عنترة: 4168 - كذب العتيق وماء شنّ بارد إنه يروى: العتيق بالرفع والنصب ومعناه: عليك العتيق وماء شن، وأصله: كذب ذاك عليك العتيق، ثم حذف «عليك» وناب «كذب» منابه فصارت العرب تغري به.
وقال الأعلم 4 في بيت عنترة: قوله «كذب العتيق» أي عليك بالتمر و «العتيق» التمر البالي، والعرب تقول: كذبك التمر واللبن أي عليك بهما، وبعض العرب ينصب وهم مضر والرفع لليمن، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: كذبكم الحجّ والقرآن 5، أي عليكم بهما وأصل الكذب: الإمكان.
وقول الرجل للرجل: كذبت، أي: أمكنت من نفسك وضعفت، فلهذا اتسع فيه فأغري به؛ لأنه متى أغري بشيء فقد جعل المغرى به ممكنا مستطاعا إن راقه المغري.
انتهى.
قال الشيخ 6: وإذا نصبنا بقي «كذب» بلا فاعل على ظاهر اللفظ، والذي -

................................  تقتضيه القواعد أن هذا يكون من باب «الإعمال» 1 فـ «كذب» يطلب الاسم على أنه فاعل و «عليك» يطلبه على أنه مفعول، فإذا رفعنا الاسم بـ «كذب» كان مفعول «عليك» محذوفا لفهم المعنى، التقدير: كذب عليكه الحج، وإنما التزم حذف المفعول؛ لأنه مكان اختصار ويحرف عن أصل وضعه، فجرى لذلك مجرى الأمثال في كونها يلتزم فيها حالة واحدة لا يتصرف فيها، وإذا نصبنا الاسم كان الفاعل مضمرا في «كذب» يفسره ما بعده على رأي سيبويه، ومحذوفا على رأي الكسائي.
قال: وقال ابن طريف 2 في «الأفعال»: وكذب عليك كذا أي: عليك به، معناه: الإغراء، إلا أن الشيء الذي بعد «عليك» يأتي مرفوعا، وشكا عمرو بن معديكرب إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - المعص، فقال: كذب عليك العسل 3، والمعص: أن تشتكي العصب من كثرة المشي 4، والعسل أن يمشي مشيا سريعا 5. انتهى.
وشكا رجل النّقرس إلى عمر - رضي الله تعالى عنه -، فقال: «كذبتك الطهارة» 6 أي عليك بالمشي فيها، ومنه الحديث «فمن احتجم يوم الخميس ويوم الأحد كذباك» 7 أي عليك بهما، وفي حديث علي - رضي الله تعالى عنه -: «كذبتك الحارقة» 8 قال أبو الهيثم 9: تقول: عليك بمثلها، وقال الفراء: معنى -

................................  كذب عليك وجب عليك، وهو الكذب في الأصل؛ فمعنى قوله: كذب عليكم الحج أي: إن قيل لكم: لا حج، فهو كذب.
وقال أبو سعيد 1: معناه: الحضّ، يقول: إن الحج ظن بكم حرصا عليه ورغبة فيه، فكذب ظنه.
و «كذب» في جميع إطلاقاتها متصرفة إلا إذا استعملت في الإغراء؛ فإنها لا تتصرف، لا يقال: يكذب عليك البزر والنوى، ولا: يكذب عليكم الحج والجهاد، ولا: كاذب عليكم الحج.
والسابع: «ينبغي»: قال الشيخ 2: «ذكر المصنف ينبغي في ما لا يتصرف من الأفعال، وقد نقل أنه يقال: انبغى، ذكر ذلك ابن فارس 3 في «المجمل»، وقال: هو من الأفعال المطاوعة، تقول: بغيته فانبغى، كما تقول: كسرته فانكسر» انتهى 4. ولا شك أن «انبغى» إن ثبت سماعه 5 فهو في غاية الندور، فلهذا لم يعتد به المصنف.
والثامن: «يهيط»: ذكر الشيخ 6 عن أبي الحسن بن سيده أنه قال: ما زال منذ اليوم يهيط هيطا، وما زال في هيط وميط وهياط ومياط، أي: في ضجاج وشرّ وجلبة، وقيل: في هياط ومياط أي: في دنوّ وتباعد، يقال: تهايط القوم: اجتمعوا، وتمايطوا: تباعدوا وفسد ما بينهم 7. وقال ابن طريف: يقال: ما زال يهيط مرّة ويميط أخرى، ولا ماضي ليهيط، -

................................  والهياط: الصّياح، والمياط: الدفاع.
والتاسع: «أهلمّ»: وهي كلمة يقولها من خوطب بقولك: هلمّ، قالوا: فدخول همزة المتكلم دليل الفعلية.
ولم تستعمل العرب من هذه المادة فعلا ماضيا، ولا أكثر العرب فعل أمر، فلذلك حكم عليها بعدم التصرف.
والعاشر والحادي عشر: «أهاء وأهاء» بمعنى: آخذ وأعطي: قال الشيخ 1: «قد تقدم الكلام في أسماء الأفعال على «ها» ونبهنا على أنها تكون في بعض اللغات فعلا وأن تصريفها قد يكون تصريف «خف» 2 فتقول: هأ، هائي، هاءا هاءوا، هأن، قال: فعلى هذا يكون: أهاء التي ذكرها المصنف هنا مضارعا بمعنى: آخذ، وجعله إياها فعلا لا يتصرف يريد به أنها [5/ 206] لا تتصرف التّصرّف التام من استعمال ماض له وأمر ومضارع، فيكون نظير «ذر» و «دع» و «يذر» و «يدع» في كونهما لا يستعمل منهما ماض ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول.
فكذلك: أهاء لم يستعمل له إلا فعل أمر على تلك اللغة التي أشرنا إليها، قال: فأما «أهاء» بمعنى أعطي ففعل لا يتصرف إذ لم يستعمل منه ماض ولا أمر ولا مضارع مبني للفاعل.
والثاني عشر: «هلمّ» التميمية: وقد ذكرت في باب «أسماء الأفعال».
ولم يستعمل بنو تميم منها ماضيا ولا مضارعا غير ما نبه عليه قبل، وهي عند غير بني تميم اسم فعل.
والثالث عشر: «هأ وهاء» بمعنى: خذ: قال الشيخ (3): لم يذكر المصنف في باب: أسماء الأفعال، أن هأ قد تكون فعلا، وقد ذكرنا لها ثلاثة تصاريف، وفي لحاق الضمير لها تكون هنا فعلا.
والرابع عشر: «عم صباحا»: قال الشيخ 3: «زعم المصنف أن «عم» في قول العرب: عم صباحا، فعل لا يتصرف، وأنه لم يستعمل إلا فعل أمر، وليس ذلك بصحيح، قال -

................................  يونس 1: وعمت الدّار أعم أي: قلت لها: انعمي، فهذا متعدّ، وقال الشاعر: 4169 - عما طللي جمل على النّأي واسلما 2 وقال الأصمعي: عم في كلام العرب أكثر من: انعم، وقال الأعلم 3: يقال: وعم يعم في معنى: نعم ينعم، فهذا لازم، قال 4: ووهم بعض الناس 5 في قول عنترة: 4170 - وعمي صباحا دار عبلة واسلمي 6 فزعم أنه أمر من: يعمي المطر، ويعمي البحر بزبده، فأراد: كثرة الدّعاء لها وكثرة السّقيا، يقال: عمى المطر يعمى عميّا، قال (7): وهذا ذهول عن علم التصريف إذ لو كان أمرا من: عمى، لقال: اعم كما تقول من رمى: ارم، وإنما هو مما حذفت فاؤه في المضارع، فانحذفت في الأمر نحو: يعد وعد، قال 7: فثبت بما قلناه أن قول المصنف: إن «عم» من الأفعال التي لا تتصرف، ليس بصحيح - بنقل يونس والأعلم وعم يعم متعديا ولازما -» انتهى.
والذي يظهر أن مراد المصنف أن الذي لا يتصرف هو «عم» من قولنا: عم صباحا، فمتى كان مقرونا بقولنا: صباحا لا يتغير عن هذه الصيغة أعني صيغة -

[حديث عن بقية الأفعال الجامدة]

قال ابن مالك: (وفي زجر الخيل «أقدم» و «اقدم» [وهب] و «أرحب» و «هجد» وليست أصواتا ولا أسماء أفعال لرفعها الضّمائر البارزة، واستغني غالبا بـ «ترك» عن «وذر» و «ودع» وب «التّرك» عن الوذر والودع).
الأمر.
فلا يقال: وعم صباحا ولا: يعم صباحا.
والخامس عشر: «تعلّم» بمعنى اعلم، وقد كان المصنف مستغنيا عن إفراد هذه الكلمة بالذكر؛ لأنها ذكرت في باب «ظن وأخواتها» فهي داخلة تحت قوله هنا: منها المثبتة في نواسخ الابتداء.
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 1: «قال ابن دريد 2: أقدم كلمة زجر للفرس معلومة في كلامهم، وضبطها بقطع الألف وكسر الدال من الإقدام، والإقدام: التقدم في الحرب، والإقدام: الشجاعة ومنه: المقدام، وفي الحديث: «أقدم حيزوم» 3، وضبط هذا الحرف عن أبي بحر سفيان بن القاضي الأسدي 4 بضم «الدال» كأنه من التقدّم، قال الله تعالى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ 5، وقد تكسر الهمزة من: أقدم» انتهى.
وعلى هذا تكون «أقدم» الأولى في كلام المصنف بقطع الهمزة وكسر «الدال» و «اقدم» الثانية بوصل الهمزة مضمومة وضم «الدال» كالتي وردت في الحديث الشريف.
وأما «هب» فتكون زجرا للخيل أيضا وقد ذكر في «نواسخ الابتداء» أنها -

................................  تكون بمعنى: ظن 1، فاللفظ مشترك، وقد عرف أن الناسخة لا تتصرف وكذلك التي للزجر لا تتصرف.
وأما «أرحب» فقال الجوهري 2: «أرحبت الشّيء أوسعته، ويقال: أرحب بمعنى أوسع، ويقال أيضا في زجر الفرس: أرحب وأرحبي أي توسعي وتباعدي»، قال الشاعر: 4171 - نعلّمها: هبي وهلا وأرحب 3 وأما «هجد» فقال الشيخ 4: «قد ضبط هذا الحرف بهاء وجيم مكسورتين ودال ساكنة مهملة، قال محمد بن المستنير 5 في كتاب «الفرق» له في باب «الزجر»: يقال في زجر الفرس: إجد إجد وهجد هجد، وإجدم، تزاد فيه الميم، يقال: قد أجدمت الفرس إجداما إذا قلت لها ذلك، قال الشيخ 6: والذي يظهر أن الهاء بدل من الهمزة، وهذه الصيغة ليست على أوزان الأفعال، والذي يتخيل فيه ويتحيل لتخريجه أن الأصل فيه: إجدم بالميم؛ لأنهم قد قالوه، وهذا فعل بدليل لحاق الضمير له في قولهم: إجدمي، والميم من نفس الكلمة وهي لام الفعل ثم حذفوا الميم شذوذا، فصار: إجد ثم نقلوا حركة الدال إلى الجيم الساكنة، فصار: اجد.
ولم يعتدوا بكسر الجيم؛ لأنه عارض؛ فأقروا همزة الوصل كعروض حركة الجيم، كما قالوا: اسل في: اسأل».
وأما قوله: وليست أصواتا ولا أسماء أفعال لرفعها الضّمائر البارزة - فظاهر، وكذا قوله: واستغني غالبا بترك - إلى آخره، وفهم من قوله: غالبا - أنه قد -

................................  يقال 1: وذر وودع وقد قرئ شاذّا 2: (ما ودعك ربّك وما قلى)، وفي الحديث: «ذروا الحبشة ما وذرتكم».
وجاء في الحديث الشريف: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعة» 3.

جارٍ التحميل