تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2821-2860

الباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدر

صفحات 2821-2860

[علة إعمال المصدر - أحوال إعماله]

قال ابن مالك: (يعمل المصدر مظهرا، مكبّرا، غير محدود، ولا منعوت قبل تمامه، عمل فعله).
قال ناظر الجيش: لمّا أنهى المصنف الكلام على المشتقّات الأربعة المحمولة في أصل عملها على الفعل، شرع في ذكر عمل المصدر، والذي هو أصلها، وأصل الفعل.
فقال المصنف 1: إنّ المصدر يعمل، لا لشبهه بالفعل، بل لأنّه أصل، والفعل فرع، ولذلك لم يتقيد عمله بزمان، دون زمان، بل يعمل مرادا به المضيّ، أو الحال، أو الاستقبال؛ لأنه أصل لكل من الأفعال الثلاثة الدّالة على هذه الأزمنة، بخلاف اسم الفاعل، فإنّه يعمل لشبهه بالفعل المضارع، فاشترط كونه حالا، أو مستقبلا؛ لأنهما مدلولا المضارع، انتهى.
ولذلك لم يشترط في عمله الاعتماد أيضا، بخلاف المشتقات التي تعمل لشبه الفعل.
ثم قال المصنف 2: ولما ترتب عمل المصدر على الأصالة، اشترط في كونه عاملا بقاؤه على صيغته الأصلية، التي اشتقّ منها الفعل، فلزم من ذلك ألا يعمل إذا غير لفظه، بإضمار، ولا بتصغير، ولا بردّه إلى فعله، قصدا للتوحيد، ولا بنعت، قبل تمام مطلوبه انتهى.
وسيتبين أنّ امتناع نعته، قبل تمامه إنّما هو لعلّة أخرى، لا لترتبه على الأصالة، وقد ذكر المصنف لإعمال المصدر شروطا أربعة، ويؤخذ من كلامه في الشرح شرط خامس ومجموع الشروط ستّة: الأول: أن يكون مظهرا، فلا يقال: ضربك المسيء حسن، وهو المحسن [3/ 162] قبيح، أي: ضربك المحسن؛ فإنّ الضمير مباين للصيغة التي هي أصل الفعل، وهو إنما عمل بالأصالة، كما تقدّم، وكذا لو كان المتعلق مجرورا، أو ظرفا فلا يقال: مرورك بزيد حسن، وهو بعمرو قبيح، هذا مذهب البصريّين 3، وأمّا الكوفيون -

................................  فضمير المصدر عندهم كظاهره في العمل 1، قال ابن عصفور: فأجازوا: «ضربي زيدا حسن، وهو عمرا قبيح».
انتهى.
وذكر الشيخ في شرحه أنّ الفارسيّ، وابن جنّي أجازا عمل الضمير في المجرور 2، واستدلّ الكوفيون بقول زهير: 2271 - وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم... وما هو عنها بالحديث المرجّم 3 فإنّ ظاهره تعلّق «عنها» بـ «هو» الذي هو ضمير «الحديث»، وخرّج ذلك على أن يكون «عنها» معلّقا بـ «المرجّم»، وقدّم عليه ضرورة، وعلى أن يكون متعلقا بفعل مضمر، كأنه قال: أغنى عنها، وعلى أن يكون تقديره: وما هو مرجّما عنها، وحذف «مرجّما» الأول، لدلالة الثّاني عليه 4، وجعل المصنف ذلك شاذّا.
ثمّ قال 5: وقد يخرج على أن يكون التقدير: وما هو الحديث عنها، فيتعلق «عن» بـ «الحديث»، ويجعل «الحديث» بدلا من «هو» ثم حذف البدل، وترك المتعلق به دالّا عليه، قال: ولا يخفى ما في هذا التقدير من التكلّف، مع أنّ البدل هو المقصود بالنسبة، ولا يذكر متبوعه - غالبا - إلا توطئة له، قيل: والذي يقطع بالكوفيين أنه -

................................  لا يحفظ من كلام العرب: أعجبني ضرب زيد عمرا، وهو بكرا، أي: وضربه بكرا.
الشّرط الثّاني: أن يكون مكبّرا، فلا يقال: عرفت ضريبك زيدا، ونحوه؛ لأنّ التصغير يزيل المصدر عن الصيغة التي هي أصل الفعل، زوالا يلزم منه نقص المعنى 1. الشرط الثالث: أن يكون مفردا، فلا يعمل المثنّى، فلا يقال: عجبت من ضريبك زيدا، وأما المجموع ففيه خلاف؛ منهم من أجاز عمله ومنهم من منع 2. واختلف مختار المصنف، فاختار - في شرح هذا الكتاب - أنّ المجموع يعمل؛ ولذا لم يشترط - في المتن - عدم جمعيته، وعلّلّ الجواز بأنّ صيغة الجمع - وإن زالت معها الصيغة الأصلية كما زالت في التصغير - المعنى معها باق، ومضاعف بالجمعية؛ لأنّ جمع الشيء بمنزلة ذكره متكرر العطف، فلذلك منع التصغير إعمال المصدر، وإعمال اسم الفاعل، ولم يمنع الجمع إعمالهما، إلّا أنّ جمع اسم الفاعل كثير، وجمع المصدر قليل، فقلّت شواهد إعماله مجموعا 3، ومنها قول علقمة: 2272 - وقد وعدتك موعدا لو وفت به... مواعد عرقوب أخاه بيثرب 4 فنصب «أخاه» بـ «مواعد» وهي جمع موعد، بمعنى: وعد، ويروى: كوعد عرقوب، ويروى: مواعيد عرقوب، جمع ميعاد، بمعنى وعد.
قال ابن الزبير الأسدي: -

................................  2273 - كأنّك لم تنبأ ولم تك شاهدا... بلائي، وكرّاتي الصّنيع بيبطرا 1 فـ: «كراتي» جمع «كرّة» ونصب به «الصنيع» وهو اسم فرسه.
وقول أعشى قيس - يمدح هوذة بن عليّ الحنفيّ 2: 2274 - قد حمّلوه فتيّ السّنّ ما حملت... ساداتهم، فأطاق الحمل واضطلعا وجرّبوه فما زادت تجاربهم... أبا قدامة إلّا الحزم والقنعا 3 فـ «تجاربهم» جمع «تجربة» ونصب بها أبا قدامة، وقول أعشى قيس أيضا: 2275 - إنّ عداتك إيّانا لآتية... حقّا وطيّبة ما نفس موعود 4 فـ «عداتك» جمع «عدة» وقد نصب بها «إيانا».
ومن ذلك قول العرب: تركته بملاحس البقر أولادها 5، أي: بموضع -

................................  ملاحس، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، و «الملاحس» جمع «ملحس»، بمعنى «لحس».
قال الشيخ: ومن منع ذلك جعل المنصوب - في هذه الشواهد - منصوبا بإضمار فعل، تقديره: وعد أخاه، وكررت الصنيع، وجربوا أبا قدامة، وإيّانا تعد، ولحست أولادها، ويحتمل في قوله: «أبا قدامة» أن يكون منصوبا بـ «زادت» ووضع الظاهر موضع المضمر؛ تفخيما.
وأما في شرح الكافية، فاختار المصنف أنّه لا يعمل، قال: فإن ظفر بإعماله قبل ولم يقس عليه 1، وقال في الكافية: وربّ محدود، ومجموع عمل... وبسماع، لا قياس قد قبل 2 ثمّ في إنشاد المصنّف قول الشاعر: 2276 -...... وكرّاتي الصّنيع... 3 وقول الآخر: 2277 - عداتك إيّانا......... 4 إشعار بأنه لا فرق في عمل المجموع، بين جمع التكسير، وجمع التصحيح، وهو الظاهر.
وقيّد الشيخ الجمع بكونه مكسرا، ذكر ذلك في ارتشاف الضرب - له - فأمّا أن يكون هذا التقييد لإخراج جمع التصحيح من حكم الجواز، وإمّا لإدخاله في حكمه، دون جمع التكسير.
الشرط الرابع: أن يكون غير محدود، قال المصنف: ولا يعمل المحدود، وهو - - تلحس فيها بقر الوحش أولادها، ويروى: بملحس البقر أولادها، والملحس: مصدر بمعنى اللحس، وقيل: هو اسم مكان محذوف، تقديره: موضع ملحس البقر، ولا يجوز أن تجعل الملحس اسم مكان له؛ لأنه لا يعمل حينئذ النصب في أولادها، وهو يضرب لمن ترك بمكان لا أنيس به) اه.
وينظر: أيضا الهمع (2/ 97).

................................  المردود إلى فعله؛ قصدا للتوحيد، والدلالة على المرة؛ لأنّه غير عن الصفة التي اشتقّ منها الفعل وعللّ ذلك - في شرح الكافية - بأنّه بالتاء صار بمنزلة أسماء الأجناس التي لا تناسب الأفعال فلا يقال: عرفت ضربتك زيدا، ونحو ذلك، قال: فإن روي مثله عمّن يوثق بعربيته حكم بشذوذه، ولم يقس عليه 1، فمن ذلك ما أنشده الفارسيّ - في التذكرة - 2 من قول الشاعر: 2278 - يحايي به الجلد الذي هو حازم... بضربة كفّيه الملا نفس راكب 3 فنصب «نفس راكب» بـ «يحابي» ومعناه يحيي، ونصب «الملا» بـ «ضربة كفّيه» ومراد قائل البيت: وصف مسافر معه ماء، فتيمّم، وأحيا بالماء نفس راكب كاد يموت عطشا ومنه قول كثيّر 4: 2279 - وأجمع هجرانا لأسماء أن دنت... بها الدّار لا من زهدة في وصالها 5

................................  وفي قول ابن الزّبير: 2280 -...... وكرّاتي الصّنيع... 1 شاهد على إعمال المصدر المحدود؛ لأنّ «الكرات» [3/ 163] جمع «كرّة»، وقد نصب بالجمع، فواحده أحقّ بذلك؛ لأنّ الواحد أقرب إلى اللفظ الأصليّ، وهو الكرّ.
فلو كان فعله مصدرا غير مقصود به التحديد كـ «رهبة» تساوى العاري منها في صحّة العمل، وذلك نحو قول الشاعر: 2281 - فلولا رجاء النّصر منك ورهبة... عقابك قد كانوا لنا كالموارد 2 الشرط الخامس: أن يكون غير منعوت قبل تمامه، أي قبل استيفائه ما تعلّق به، من مفعول ومجرور، وغير ذلك.
قال المصنف 3: ولا يتقدم نعت المصدر على معموله، فلا يقال: عرفت سوقك العنيف فرسك؛ لأنّ معمول المصدر منه بمنزلة الصلة من الموصول، فلا يتقدم نعت المصدر على معموله، كما لا يتقدم نعت الموصول على صلته.
قال الشيخ 4: وفي قول المصنف: (ولا منعوت) قصور، وكان ينبغي أن يقول: ولا متبوع بتابع؛ ليشمل: النعت، والتوكيد، والعطف، والبدل؛ فلا يجوز: عجبت من ضربك الكثير زيدا، ولا: من شربك وأكلك اللبن، ولا: -

................................  من قيامك نفسه إلى زيد، ولا: من إتيانك مشيك إلى عمرو، فلو أخرت هذه التوابع عن متعلقات المصدر جاز كقول الشاعر: 2282 - إنّ وجدي بك الشّديد أراني... عاذرا من عهدت فيك عذولا 1 وإن ورد ما يوهم خلاف ما تقدم قدّر فعل بعد التابع، ليتعلق به المعمول المتأخر 2، فمن ذلك قول الحطيئة: 2283 - أزمعت يأسا مبينا من نوالكم... ولا ترى طاردا للحرّ كالياس 3 فلا يتعلق «من نوالكم» بقوله: «يأسا»، بل بفعل مقدّر، أي: يئست من نوالكم 4. الشرط السادس: ألّا يكون مؤكّدا، فإنّ المؤكد لا يعمل، وسيأتي في كلام المصنف ما يدلّ على هذا لكنه قرن بالمؤكّد المبين للنوع، والهيئة وقال ابن عصفور - في شرح الجمل 5 -: فأما المصدر المؤكد والمبين فلا يعملان أصلا، نحو: ضربت ضربا، وضربت ضرب شرطيّ؛ فوافق كلامه كلام المصنف، وعلى هذا فلا يكفي أن يقال: شرطه ألا يكون مؤكّدا، بل يقال: شرطه ألا يكون مفعولا مطلقا؛ لأنّ -

[المصدر العامل نوعان: مقدر بالفعل بالفعل والحرف - مقدر بالفعل وحده]

قال ابن مالك: (والغالب إن لم يكن بدلا من اللّفظ بفعله تقديره به بعد «أن» المخفّفة، أو المصدريّة، أو «ما» أختها).
المعدود لا يعمل، لما تقدم أنّ المحدود والمثنّى لا يعملان، وأما المؤكّد، والمبين؛ فقد علمت كيف نصّ على عدم عملهما، إلّا أنّ ذلك يشكل في المبيّن، بقولنا: ضربت ضرب الأمير اللصّ، ونبّه المصنف بقوله: عمل فعله على أنّ حكم المصدر - في اللزوم والتعدّي، إمّا بحرف، أو بنفسه، إلى واحد أو أكثر، وفي رفع الفاعل - حكم فعله، وأمثلة ذلك واضحة وستأتي في مسائل الباب.
قال ناظر الجيش: المصدر العامل نوعان: أحدهما: يقدر بالفعل، وحرف مصدريّ.
والآخر: يقدّر بالفعل وحده، وهو الآتي بدلا من فعله.
أمّا الثاني: فيأتي الكلام عليه في الفصل، آخر الباب.
وأما الأول: فهو المقصود الآن بالذّكر، ولذلك قيّده بقوله: إن لم يكن بدلا من اللفظ بفعله.
قال المصنف 1: وشرط تقديره بفعله، بـ «أن» المخففة أو المصدرية أو «ما» أختها؛ احترازا من المصدر المؤكّد، والمبين النوع والهيئة.
انتهى.
ثم المقدّر بـ «أن» المخفّفة؛ يجوز نصبه، وحضوره، واستقباله، وكذا المقدر بـ «ما» المصدرية، وأما المقدر بـ «أن» الناصبة؛ ولا يكون إلّا ماضي المعنى ومستقبله، وأما تقدير المخفّفة دون الناصبة، أو الناصبة دونها؛ فبحسب الحال.
فالمصدر الواقع بعد ما فيه معنى العلم يقدّر بـ «أن» المخفّفة؛ لأنّه موضع غير صالح لـ «أن» الناصبة، نحو: علمت ضربك زيدا، تقديره: علمت أن قد ضربت زيدا، والمصدر الواقع بعد «لولا» نحو: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ 2، أو بعد فعل إرادة، أو كراهة، أو خوف، أو طمع، أو شبه ذلك؛ يقدّر بـ «أن»، الناصبة، نحو: أرجو نصر الله المسلمين، وخذلانه الكافرين، فمثال مضيّ المقدّر -

................................  بـ «أن» المخفّفة قول الشاعر: 2284 - علمت بذلك بالمعروف خير يد... فلا أرى فيك إلّا باسطا أملا 1 ومثال حضوره قول الآخر: 2285 - لو علمت إيثاري الّذي هوت... ما كنت منها مشفيا على القلت 2 ومثال استقباله قول الآخر: 2286 - لو علمنا أخلافكم عدة السّلم... عدمتم على النّجاة معينا 3 ومثال مضيّ المقدّر بـ «ما» قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ 4، وقول الشاعر: 2287 - وعذّبه الهوى حتّى براه... كبري القين بالسّفن القداحا 5

................................  وقال الآخر: 2288 - مدمن الخمر سوف يأخذه... باريه أخذه ثمود وعادا 1 ومثال حضوره قوله تعالى: تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ 2، ومنه قول الفرزدق: 2289 - وددت - على حبّي الحياة - لو انّها... يزاد لها في عمرها من حياتنا 3 ومثال مضيّ المقدّر بـ «أن» الناصبة: 2290 - أمن بعد رمي الغانيات فؤاده... بأسهم ألحاظ يلام على الوجد 4 ومثال استقباله قول الفرزدق: 2291 - فرم بيديك هل تسطيع نقلا... جبالا من تهامة راسيات 5 وسيبويه قدّر الحرف بـ «أنّ» الثّقيلة، المسندة إلى ضمير الشّأن؛ لأنّه يعمّ أن - - والفعل دال على المضي.
ينظر الشاهد في: شرح المصنف (3/ 110)، والتذييل والتكميل (4/ 930).

................................  تكون الصّلة ماضية، وحالا، فيقدر في الماضي من: أنّه ضرب زيد عمرا، وفي المضارع من: أنّه يضرب؛ لأنّه يصلح للحال، والاستقبال 1. [3/ 164] وقد ناقش الشيخ المصنف، في جعله المصدرية قسيمة المخففة، قال: لأنّ المخففة مصدرية أيضا؛ لأنّها مخففة من الثقيلة والثقيلة مصدرية 2، وهي مناقشة صحيحة 3. قال المصنف 4: وليس تقدير المصدر العامل بأحد الأحرف الثلاثة شرطا في عمله، ولكنّ الغالب أن يكون كذلك، ومن وقوعه غير مقدّر لأحدهما قول العرب: سمع أذني زيدا يقول ذلك، وقول أعرابي: «اللهمّ إنّ استغفاري إياك مع كثرة ذنوبي لملوم، وإنّ تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لعجز» وقول الشاعر: 2292 - عهدي بها الحيّ الجميع وفيهم... قبل التفرّق ميسر وندام 5 وقول الآخر: 2293 - ورأي عينيّ الفتى أخاكا... يعطي الجزيل فعليك ذاكا 6

    • ينظر الشاهد في: شرح المصنف (3/ 110)، والتذييل والتكميل (4/ 931)، والهمع (2/ 92)، والدرر (2/ 13).

................................  وقول الآخر: 2294 - لا رغبة عمّا رغبت فيه... منّي فأنقصيه أو زيديه 1 ومن أمثلة سيبويه: من ظنّك زيدا أميرا 2، وذكر سيبويه - في باب ما جرى من المصادر مجرى الفعل المضارع -: عجبت من ضرب زيد عمرا، ثمّ قال: كأنه قال: عجبت من أنه يضرب زيد عمرا 3، ولم يقدر - في الباب - بغير «أنّ» الثقيلة، وإذا ثبت أنّ عمل المصدر غير مشروط بتقدير حرف مصدريّ، أمكن الاستغناء عن إضماره في نحو: له صوت صوت حمار 4، يعني عن إضمار فعل ناصب «صوت حمار» فيكون «صوت» الأول هو العامل فيه.
انتهى.
وظاهر كلامه: أنّ المصدر يقدر في المواضع التي مثّل بها، بالفعل وحده، دون الحرف لقوله: وليس تقدير المصدر العامل بأحد الأحرف الثلاثة شرطا في عمله، ولا أعلم ما المانع من تقدير الحرف مع الفعل؟.
ويحتمل أن يكون مراده أنّ المصدر - في هذه الأمثلة - لا يقدر بالفعل جملة، ولكنّه استغنى بذكر الحرف؛ لأنه كاللازم له، فإذا انتفى انتفى، وتكون العلّة في عدم تقدير الفعل: أنّ الفعل لا يقع فيما مثل به؛ لأنّه لا يكون مبتدأ، ولا اسم «إنّ» واسم «لا» لكن يقال: إذا قدّرنا الفعل لا نقدّره وحده، إنّما نقدّره بحرف مصدريّ، فيصحّ وقوعه في نحو الأمثلة المذكورة.
وما برحت أستشكل هذا الموضع من كلام المصنّف، حتى وقفت على كلام الشيخ، فوجدته قد قال: ليس الأمر كما زعم المصنف: بل كلّها تتقدر بحرف مصدريّ، والفعل كما يتقدّر ضربي زيدا قائما، وكذلك إنّ استغفاري ولا رغبة.
- - ينظر الشاهد في: الكتاب (1/ 191)، والهمع (2/ 93)، والأشموني (1/ 220)، والدرر (2/ 124).

[أحكام المصدر العامل وأحكام معموله]

قال ابن مالك: (ولا يلزم ذكر مرفوعه، ومعموله كصلة، في منع تقدّمه، وفصله، ويضمر عامل فيما أوهم خلاف ذلك، أو يعدّ نادرا).
أي: أن أستغفرك، ولا أن أرغب، وكذلك: متى ظنّك؟ أي: متى أن تظنّ؟ 1 لكن ذكر صاحب البسيط ما يقوّي ما أشار إليه المصنف، فقال: اختلفوا في تقدير الفعل: هل من شرطه تقديره بالحروف الساكنة أو لا؟ 2، ومن لم يقدر الحرف قال: إنما نقدره حيث يكون المصدر مطلوبا لشيء متقدّم؛ لأنّ الفعل وحده لا يكون معمولا للأول فيحتاج إلى تقدير الحرف، أما الذي ابتدئ فلا يحتاج إليه قبل، وهذا أصحّ للقياس والسّماع؛ أما القياس فمن حيث إنّ الفعل إذا قدّر بـ «أن» كان معناه المصدر، فلم يقع المصدر موقع الفعل، وإنّما وقع موقع نفسه، وأما السّماع فإنّا نجوز: ضربي زيدا قائما، ولو قلت: أن أضرب زيدا قائما لم يكن كلاما إلا بخير، وإنّما كان الحال خبرا - مع ظهور المصدر - لصحّة كون الحال كالزمان، والزمان يكون خبرا عن المصادر فإذا خرج عن لفظه لم يكن ذلك 3. انتهى، وفيه نظر.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان: الأولى: أنّه لا يلزم ذكر مرفوع المصدر فالمصدر الصالح للعامل قد يجاء به دون مرفوع، ودون معمول آخر، وقد يجاء به دون مرفوع، كائنا معه معمول آخر.
فالأول: نحو قوله تعالى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ 4. والثّاني: قوله تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً 5. وإنّما خصّ المرفوع بجواز الاستغناء عنه مع المصدر؛ لأنّ الاستغناء عن غير -

................................  المرفوع جائز، مع كلّ عامل ليس من النواسخ، وإنّما قال: ذكر مرفوعه ولم يقل: ذكر فاعله؛ ليعمّ الفاعل، ونائبه، واسم «كان». قال المصنف 1: جاز أن يستغنى عن مرفوع المصدر، دون مرفوع الفعل، وما أشبهه ممّا ليس مصدرا؛ لأنّ الفعل لو ذكر دون مرفوع لكان حديثا عن غير محدّث عنه. وكذا ما يعمل عمله، من صفة، أو اسم فعل، فإنّه لا يعمل إلا وهو بنفسه واقع موقع الفعل، ومؤدّ معناه، فاستحق ما يستحقّه الفعل من مرفوع، يحدّث به عنه ظاهرا، أو مضمرا؛ فلو خلا عنه لكان في تقدير فعل، خلا من مرفوع، وليس كذلك المصدر؛ لأنّه إذا عمل العمل المنسوب إليه بإجماع، لم يكن إلا في موضع غير صالح للفعل، فجرى مجرى الأسماء الجامدة، في عدم تحمل الضّمير، وجاز أن يرفع ظاهرا؛ لكونه أصلا لما لا يستغني عن مرفوع، ولضعف سبب اقتضائه الرفع عدمت - في غير تردّد - مصاحبته مرفوعا، إن لم يكن مضافا، حتى قال بعض النحويين: إنّها لا تجوز إلا في الشعر، والصحيح جوازها مطلقا، لكنّ استعمالها في النثر قليل، ومن ذلك قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله، وإقام الصّلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا» والتقدير: وأن يحجّ البيت، فـ «من» في موضع رفع فاعل بـ «حجّ البيت». انتهى. والمنقول عن الفراء أنه لا يجوز أن يتلفظ بالفاعل مع المصدر المنوّن 2، وقال: إنّه لم يحفظ من كلامهم 3، وقد ردّ عليه البصريّون ذلك مستدلين بقول الشاعر: 2295 - حرب تردّد بينهم بتشاجر... قد كفّرت آباؤها أبناؤها 4

................................  [3/ 165] قالوا: التقدير: يتشاجر أبناؤها، قد كفّرت آباؤها، أي: لبست الدروع.
قال الشيخ 1: ولا حجّة فيه، بل ظاهر أنّ قوله: «آباؤها أبناؤها»، مبتدأ وخبر، أي: آباؤها في ضعف الحلوم مثل أبنائها، ألا ترى أنّ قبله ما يدلّ على هذا المعنى، وهو قوله: 2296 - هيهات، قد سفهت أميّة رأيها... فاستجهلت حلماؤها سفهاؤها 2 إذ التقدير: حلماؤها مثل سفهائها، فكذلك يكون تقدير: آباؤها أبناؤها 3، قال: والذي ينبغي أن يعول عليه مذهب الفرّاء؛ لأنّه سامع لغة، وقد نفى ذلك على لسانهم، وليس في لفظ سيبويه ما يدلّ على أنّ ذلك محكيّ عن العرب، فيحتمل أن يكون ما مثّل به رأيا منه.
انتهى.
وهذا من الشيخ وقوف مع الظاهر، ومثل سيبويه لا يقدم على ذلك، والحقّ ما قاله المصنف.
المسألة الثانية: أنّ معمول المصدر يتنزل منه منزلة الصلة من الموصول، في أمرين، منع تقدمه عليه، وفصله منه بأجنبي، وأنّه إن ورد ما يوهم خلاف ذلك أضمر له عامل، أو عدّ نادرا؛ والعلة في ذلك كونه ينحلّ حرف مصدري والفعل، وليس لمعمول المصدر حكم الصّلة من كلّ وجه؛ لأنّه قد خالفهما بجواز الاستغناء عنه 4، والذي ورد ممّا يوهم تقديم المعمول قول تميم العجلاني 5: - - والشاهد في البيت: جواز ظهور الفاعل بعد المصدر المنون، ردّا على الفراء الذي لا يجيز ذلك، والتقدير عند البصريين: يتشاجر أبناؤها.
ينظر الشاهد في: اللسان «كفر»، والحماسة البصرية (1/ 85).

................................  2297 - لقد طال عن دهماء لدّي وعذرتي... وكتمانها أكني بأمّ فلان 1 وقول عمر بن أبي ربيعة: 2298 - ظنّها بي ظنّ سوء كلّه... وبها ظنّي عفاف وكرم 2 وقوله: 2299 - طال عن آل زينب الإعراض... للتّعدّي، وما بنا الإبغاض 3 وقول الآخر: 2300 - وبعض الحلم عند الجه... لـ للذّلّة إذعان 4

................................  قال المصنف: «قلنا في هذه الأبيات إن تعلق ما تقدم بمصدر آخر محذوف، لدلالة الموجود عليه، كأنّه قيل: لدّي عن دهماء لدي وظن بها ظن، وطال الإعراض عن آل زينب، الإعراض، وبعض الحلم عند الجهل إذعان للذلّة إذعان، ويكون هذا التقدير نظير قولهم في: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ 1: إنّ تقديره: وكانوا زاهدين فيه من الزاهدين 2، ونظير قولهم في: «أينما تميلها»: إنّ تقديره: أينما تميلها الريح تميلها تمل، ولنا أن نجعل ما تقدم متعلقا بنفس المصدر الموجود، إما على نية التقديم والتأخير، وإمّا على أنّ ذلك استبيح في المصدر، وإن لم يستبح مثله في الموصول المحض كما استبيح استثناؤه من معمول لا دليل عليه، وإن لم يستبح مثله في صلة الموصول، والذي ورد ممّا يوهم الفصل قوله تعالى: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ 3 فإنّ ظاهره أنّ (يوم) منصوب بـ (رجعه) ولا يجوز ذلك لاستلزامه الفصل بخبر (إن) الذي هو (لقادر) فيقدر له عامل يدلّ عليه المصدر، أي يرجعه يوم تبلى السّرائر 4. وممّا يوهم الفصل قول الشّاعر: 2301 - فهنّ وقوف ينتظرن قضاءه... بضاحي عذاة أمره وهو ضامز 5

................................  فالجارّ متعلّق بنفس المصدر، ولو علّقناه بالفعل قبله لزمه منه الفصل بين المصدر ومفعوله 1، وكذا قول الشاعر: 2302 - المنّ للذّمّ داع بالعطاء فلا... تمنن فتلفى بلا حمد ولا مال 2 فالمعنى على أنّ الباء الجارة للعطاء متعلقة بالمن، أي: المنّ بالعطاء داع للذّمّ، إلّا أنّ ذلك ممنوع في الإعراب، لاستلزامه فصلا بأجنبي، بين مصدر ومعموله، وإخبارا عن موصول، قبل تمام صلته، فتعلق الباء بمحذوف، كأنّه قيل: المنّ بالذّمّ داع المن بالعطاء، فالمنّ الثاني بدل من الأول فحذف، وبقي معموله دليلا عليه، ويجوز أن يكون «بالعطاء» متعلقا بـ «لا تمنن» أو بفعل من معناه، مضمر يدلّ عليه الظاهر 3. قال المصنف: وأنشد الشجريّ: 2303 - ليت شعري إذا القيامة قامت... ودعا للحساب أين المصيرا؟ 4 وجعل التقدير: ليت شعري المصير أين هو؟ فحذف المبتدأ، وفصل المصدر - - والمعنى: وقفت حمر الوحش عطشى تنتظر ورود الماء بإشارة وقضاء فحلها، واقفة في أرض كريمة خصبة، وهو ساكت، انتظار مجيء الليل، حيث لا يشرب الحمر نهارا، خشية الصياد.
والشاهد في البيت: تعلق «بضاحي» بالمصدر «قضاءه» لا بـ «ينتظرن»، ولا بـ «وقوف»؛ لئلا يفصل بين المصدر ومفعوله بالأجنبي.
ينظر الشاهد في: ابن الشجري (1/ 191)، وشرح المصنف (3/ 114).

[أقسام المصدر العامل وأكثر الأقسام إعمالا من الآخر]

قال ابن مالك: (وإعماله مضافا أكثر من إعماله منوّنا وإعماله منوّنا أكثر من إعماله مقرونا بالألف واللّام، ويضاف إلى المرفوع، أو المنصوب، ثمّ يستوفى العمل، كما كان يستوفيه الفعل، ما لم يكن الباقي فاعلا، فيستغني عنه غالبا، وقد يضاف إلى ظرف، فيعمل بعده عمل المنوّن).
بما عمله فيه 1 قال: وأسهل من ذلك أن يكون التقدير: أين يصير المصير؟ أو: أين هو؟ أعني المصير.
قال الشيخ: ما قاله الشجريّ لا يجوز؛ لأنّ «شعري» في: «ليت» شعري إنّما استعملته العرب معلقا عن جملة الاستفهام، ولم تلفظ له بمنصوب، فتجويزهما نصب «المصير» بـ «شعري» خطأ قال 2: وجوز بعضهم تقدّم الجارّ والمجرور والظرف على المصدر، معمولين له، ولم يجوز ذلك إذا صرح بالحرف المصدري والفعل، قال: وعن الأخفش نقل غريب أنه يجيز تقديم المفعول به على المصدر، فتقول: يعجبني عمرا ضرب زيد 3. قال ناظر الجيش: المصدر المقدّر بحرف مصدري وفعل مضاف، أو منوّن، أو مقرون بالألف واللّام، وجعل المصنف إعمال المضاف أكثر من إعمال غير المضاف، قال 4: لأنّ الإضافة تجعل المضاف إليه كجزء من المضاف، كما يجعل الإسناد الفاعل كجزء من الفعل، ويجعل المضاف كالفعل، في عدم قبول التنوين، والألف واللّام، فقويت بها مناسبة المصدر فكان إعماله أكثر من إعمال عادم الإضافة، وهو المنون، والمقرون بالألف واللّام، إلا أنّ في المنون شبها بالفعل المؤكد بالنّون الخفيفة، استحقّ به أن يكون أكثر إعمالا من المقترن بالألف واللّام.
-

................................  ومن إعمال المنوّن قوله تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً 1، وقوله تعالى: بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ 2 في قراءة من نوّن بِزِينَةٍ ويجوز أن يكون منه قوله تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [3/ 166] ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً 3 ومنه قول زياد الأعجم 4: 2304 - ببذل في الأمور وصدق بأس... وإعطاء على العلل المتاعا 5 وقول الفرزدق: 2305 - فرم بيديك هل تسطيع نقلا... جبالا من تهامة راسيات 6 ولم يجئ إعمال المقرون باللام إلا في موضع محتمل، وهو قوله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ 7 فيحتمل أن يكون (من) في موضع رفع بـ (الجهر) على تقدير: لا يحبّ الله أن يجهر بالسوء من القول إلّا من ظلم، ويحتمل أن يكون الكلام قد تمّ قبل (إلا) فيكون (من) في موضع نصب على الاستثناء 8، وممّا جاء في الشعر قول الشاعر: -

................................  2306 - لقد علمت أولى المغيرة أنّني... كررت فلم أنكل عن الضّرب مسمعا 1 وقال الآخر: 2307 - ضعيف النّكاية أعداءه... يخال الفرار يراخي الأجل 2 انتهى كلام المصنف 3 واعلم أن المضاف لا خلاف في إعماله، وأما المنون فنقل عن الكوفيين أنه لا يعمل، وأن العمل إنما هو لعامل مقدر بعده، وأما المعرف بـ «أل» فذكر الشيخ فيه أربعة مذاهب: أحدها: أنه لا يجوز إعماله، وهو مذهب الكوفيين، والبغداديين، وجماعة من البصريين، منهم ابن السراج 4، وما ظهر بعده من معمول فهو العامل يفسره المصدر كما قالوا في المنوّن 5. -

................................  الثاني: أنّه يجوز دون قبح وهو مذهب سيبويه، ونقل عن الفرّاء 1. الثالث: أنه يجوز على قبح، وهو مذهب الفارسي، وجماعة من البصريين 2. الرابع: التفضيل بين أن يعاقب الضمير «أل» فيجوز إعماله، أو لا يعاقب، فلا يجوز، وهو مذهب ابن الطراوة 3، وأبي بكر بن طلحة، فمثال المعاقب: إنّك والضرب خالدا لمسيء إليه، أي: إنك وضربك خالدا لمسيء إليه، ومثال غير المعاقب: عجبت من الضرب زيدا عمرا، قال 4 وهذا هو المذهب الصحيح، قال: وفي كلام بعض أصحابنا أنّ الكوفيين منهم من يرى أن المصدر لا يعمل، على كل حال، وما وجد بعده من العمل فبفعل دلّ هو عليه، وذكر أن مذهب الزجاج، والفارسي، والأستاذ أبي علي أنّ إعمال المنوّن أقوى، ومذهب الفارسي أنّ الأحسن المضاف، ثم المنوّن 5. وذهب ابن عصفور إلى أن إعمال المقترن بـ «أل» أقوى من إعمال المضاف في القياس 6، واختار الشيخ ما اختاره المصنف، من أن إعماله مضافا أحسن من -

................................  قسميه، وإعمال المنوّن أحسن من إعمال ذي «أل» إلا أنّ المصنف عبر بالأكثريّة، دون الأحسنية.
قال المصنف: ومن النحويين من يزعم أنّ العمل بعد المقترن بالألف واللّام لفعل مضمر فيقدر في قوله: «عن الضرب مسمعا»: ضربت مسمعا وهو اسم رجل، ويقدّر في: 2308 - ضعيف النّكاية أعداءه...... ينكي أعداءه، وهذا - مع ما فيه من التكلف مردود بإتيان النصب في مواضع، لا يصلح فيها إتيان فعل كقول كثير: 2309 - يلوم امرأ في عنفوان شبابه... وللتّرك أشياع الضّلالة حين 1 وكقول الآخر: 2310 - فإنّك والتّأبين عروة بعد ما... دعاك وأيدينا إليه شوارع لكالرّجل الحادي وقد تلع الضّحى... وطير المنايا فوقهنّ أواقع 2 وأنشد الشيخ - في شرحه - 3 البيتين المتقدمين أوّلا، وهذه الأبيات، وقول أمية ابن أبي عائذ: - - المصدر المنون، يرفع الفاعل، وينصب المفعول، فتقول: يعجبني الضرب زيد عمرا...) إلخ وينظر هذا أيضا في: التذييل والتكميل (4/ 946).

................................  2311 - فأصبحن ينشرن آذانهنّ... في الطّرح طرفا يمينا شمالا 1 وقول عليّ بن أميّة: 2312 - وداعي الصّباح يطيل الصّياح... السّلاح السّلاح فما يستفيق 2 وقول الأخطل: 2313 - فإنّك والتّكليف نفسك دارما... كشيء مضى لا يدرك الدّهر طالبه 3 وقول الآخر: 2314 - فإن لا يكن جسمي طويلا فإنّني... له بالفعال الصّالحات وصول 4

................................  وقول الآخر: 2315 - وقد يحسن التّيميّ عقد لجامه... ولا يحسن العقد القلادة بالمهر 1 وقول الآخر: 2316 -... وكيف التّوقّي ظهر ما أنت راكبه 2 وقول الآخر: 2317 - قلّ الغناء إذا لاقى الفتى تلفا... قول الأحبّة لا يبعد وقد بعدا 3 أي: قلّ أن يغني قول الأحبّة شيئا إذا لاقى الفتى تلفا، رفع به الفاعل، ونصب به الظّرف، وحذف المفعول المنصوب، وهو «شيئا».
-

................................  قال الشيخ 1: فهذه مصادر معرفة بـ «أل» وهي معاقبة فيها للضمير، فانتصب بعدها المفعول، التقدير: فلم أنكل عن ضربي مسمعا، وضعيف نكايته أعداءه، وفي طرحهنّ طرفا، وصياحه السلاح السلاح، وتركه أشياع، وتكليفك نفسك، وتأبينك عروة، وبفعلي الصّالحات، وعقده القلادة، وتوقيك ظهر، قال: ولم يرد ما ظاهره رفع الفاعل، بعد المصدر المعرّف بـ «أل» فيما وقفنا عليه، غير بيت واحد وهو قول الشاعر: 2318 - عجبت من الرّزق المسيء إلهه... وللتّرك بعض المحسنين فقيرا 2 وأنكر بعضهم 3 أن يكون «رزق» - بكسر الراء - مصدرا، وقال: الرزق بمعنى المرزوق كالرعي، والطحن، فإنّ ثبت هذا؛ فينتصب «المسيء» ويرتفع «إلهه» بإضمار فعل يفسره الرزق، أي يرزق المسيء إلهه 4. انتهى.
ونبه المصنف بقوله: ويضاف إلى المرفوع، أو المنصوب، ثمّ يستوفى إلى آخره، على أنّه إذا أضيف المصدر إلى مرفوع، كان في الأصل مبتدأ، لم يجز حذف المنصوب، كما لم يجز حذفه مع الفعل، نحو: عرفت كون زيد صديقك، وكذا إذا أضيفت إلى منصوب، هو في الأصل مبتدأ، أو خبر؛ لا يجوز الاكتفاء به، بل لا بدّ من ذكر الجزء الثاني، كما كان في الفعل، وذلك نحو قولك: عرفت كون صديقك زيد، وتبينت ظنّ عمرو عدوك؛ فيمتنع حذف ما بعد المجرور في ذا وأمثاله، كما يمتنع في الفعل؛ لأنه خبر ومخبر عنه، فإن لم يكن المنصوب بعد الإضافة خبرا، ولا مخبرا عنه، فحذفه جائز، كما كان في الفعل نحو: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي 5، وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ 6، وَكَذلِكَ -

................................  أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ [3/ 167] الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ 1، وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ 2، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ 3. وذكر المفعول كثير: لقوله تعالى: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ 4، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ 5، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ 6، عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ 7، وإن كانت إضافة المصدر إلى منصوب، ليس في الأصل خبرا، ولا مخبرا عنه، استغنى عن ذكر الفاعل بعده، في الكثير الأغلب.
قال المصنف 8: وكذا لم يجئ في القرآن العزيز رفعه بعد الإضافة، إلا في رواية، عن ابن عامر أنّه قرأ: ذكر رحمت ربك عبده زكرياء 9 بضم الدال والهمزة 10، وجاء الاستغناء عنه كثيرا نحو: وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ 11، وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ 12، وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ 13، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى 14، قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ 15. ومن ذكر الفاعل مرفوعا بعد الإضافة إلى المفعول به قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلا» 16 فـ «من» في موضع رفع بـ «حج» ويمكن أن يكون مثله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا 17 على تقدير: -

................................  ولله على الناس أن يحجوا البيت من استطاع 1. قال المصنف: والمشهور جعل (من) بدلا من (الناس) 2، وأنشد المصنف شاهدا على رفع المصدر الفاعل بعد الإضافة قول الشاعر: 2319 - ألا إنّ ظلم نفسه المرء بيّن... إذا لم يصنها عن هوى يغلب العقلا 3 وقول الآخر: 2320 - أمن رسم دار مربع ومصيف... بعينيك من ماء الشّؤون وكيف؟ 4 وقول الآخر: 2321 - ردّ إضنائك الغرام الذي كان... عذولا ممهّدا لك عذرا 5 والحاصل: أنّ استعمال المصدر مضافا إلى الفاعل ناصبا بعده المفعول به أكثر من -

................................  استعماله مضافا إلى المفعول، رافعا بعده الفاعل، واعلم أنّ المصدر يضاف إلى الظرف كثيرا، نحو قوله تعالى: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ 1، فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ 2، فَصِيامُ شَهْرَيْنِ 3، بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 4. وذلك مقرر في غير هذا الباب 5، وإنما المراد هنا أنه - بعد إضافته إلى الظرف يجوز أن يجيء بعده بالفاعل والمفعول معطيين الرفع والنصب، نحو: عرفت انتظار يوم الجمعة زيدا عمرا، وإلى ذلك الإشارة بقوله: فيعمل بعده عمل المنوّن.
قال المصنف 6: ذكر ذلك سيبويه، غير مستشهد بشيء 7، وقال - في شرح الكافية -: وقد يضاف إلى الظرف؛ توسّعا، فيعمل فيما بعده الرفع، والنصب، كقولك: حبّي يوم عاقل لهو صبا، وهو نظير قولهم: يا سارق الليلة أهل الدّار 8 أشار إلى ذلك سيبويه 9 وغيره، من المحققين 10. قال الشيخ: ومن منع ذكر الفاعل، والمصدر المنوّن؛ منع هذه المسألة ونحوها 11 اهـ.

[إتباع مجرور المصدر لفظا أو محلّا ما لم يمنع مانع]

قال ابن مالك: (ويتبع مجروره لفظا، ومحلّا، ما لم يمنع مانع، فإن كان مفعولا، ليس بعده مرفوع بالمصدر جاز في تابعه الرّفع، والنّصب، والجرّ).
قال ناظر الجيش: المجرور بالمصدر إمّا مرفوع الموضع، وإما منصوب الموضع فلك في التابع من نعت أو معطوف وغيرهما أن تجره، حملا على اللفظ، وهو الأجود، ولك أن ترفعه حملا على الموضع؛ إن كان المجرور مرفوع الموضع، وأن تنصبه إن كان المجرور منصوب الموضع، فأما الجر فمستغن عن شاهد، وأما الرفع فمن شواهده في النعت قول الشاعر: 2322 - لقد عجبت وما في الدّهر من عجب... أنّى قتلت، وأنت الحازم البطل؟ السّالك الثّغرة اليقظان سالكها... مشي الهلوك عليها الخيعل الفضل 1 الفضل: اللابسة ثوب الخلوة، وهو نعت «الهلوك» على الموضع؛ لأنها فاعل المشي، ومن شواهده في العطف قراءة الحسن رضي الله تعالى عنه: (أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعون) 2 وقول الشّاعر: -

................................  2323 - يا لعنة الله والأقوام كلّهم... والصّالحون على سمعان من جار 1 وأمّا النصب فمن شواهده في النّعت قول الرّاجز: 2324 - ما جعل امرأ لقوم سيّدا... إلّا اعتياد الخلق الممجّدا 2 ومن شواهده في العطف قول زياد العنبري: 2325 - قد كنت داينت بها حسّانا... مخافة الإفلاس والليّانا 3 وقول الآخر: 2326 - هويت ثناء مستطابا مؤبّدا... فلم تخل من تمهيد مجد وسؤددا 4 وجعل المصنف قوله: ما لم يمنع مانع قيدا في الحمل على اللفظ خاصة، وكأنه احترز به من نحو: يعجبني إكرام زيد وأنت عمرا، وأكره ضرب زيد وإياك عمرو؛ فإنّ الإتباع على اللفظ يتقدر في المثالين، واعلم أنّ المصنف لا يعتبر المحرز في مراعاة -

................................  الموضع، ولذلك أجاز الإتباع على المحلّ ههنا، وأما من يعتبر المحرز فلا يجوز.
وذكر الشيخ - في مراعاة المحلّ، في هذا الباب ثلاثة مذاهب 1: أحدها: مذهب سيبويه، والمحققين، من البصريين، من أنّه لا يجوز 2. الثاني: مذهب الكوفيين، وجماعة من البصريين: أنّه يجوز، إلا أن الكوفيين - في الإتباع على محل المفعول المجرور - يلتزمون ذكر الفاعل، ولا يجيزون حذفه، فيقولون: عجبت من شرب الماء واللبن زيد 3. الثّالث: مذهب الجرمي، وهو التفصيل، فأجاز ذلك في العطف، والبدل، ومنعه في النعت، والتوكيد، وحجّته أنّ العطف والبدل عنده من جملة أخرى، فالعامل في الثاني غير العامل في الأول، وأما النعت، والتوكيد، فالعامل فيهما واحد وهما شيء واحد ومحال أن يكون الشيء مجرورا مرفوعا، أو مجرورا منصوبا.
ثم قال الشيخ: وظاهر ما ورد عن العرب يجوز الإتباع على المحل، ويحتاج مانع ذلك إلى تأويل، وقد تؤول على إضمار عامل في العطف، رافع أو ناصب 4. وأمّا في النّعت فقال الشيخ: إنّ بعضهم تأول الرفع في «الفضل» على أنه على الجوار، كالخفض في: هذا حجر ضبّ خرب 5. انتهى.
وأما النصب في البيت المتقدم، وهو: 2327 -... إلّا اعتياد الخلق الممجّدا [3/ 168] فيمكن أن يكون بفعل مقدّر، ولا شكّ أنّ التأويل خلاف الأصل، -

................................  ما لم يقصد قال المصنف 1: ونبهت بقولي: (فإن كان مفعولا ليس بعده مرفوع بالمصدر) على جواز ثلاثة أوجه، في تابع المجرور، من نحو: عرفت تطليق المرأة، فلك في نعت المرأة، والمعطوف الجرّ على اللفظ، والنصب على تقدير المصدر بفعل الفاعل، والرفع على تقديره بفعل ما لم يسم فاعله.
وفي الحديث: «أمر بقتل الأبتر وذو الطفيتين» 2، على تقدير: أمر بأن يقتل الأبتر وذو الطّفيتين.
انتهى.
وهذا بناء من المصنف على جواز أن ينحلّ المصدر بحرف مصدري، والفعل لم يسمّ فاعله، وهو رأي الجمهور، فيجوز أن تقول: عجبت من جنون بالعلم زيد، ومن أكل الطعام، أي: من الذي أن يجنّ بالعلم زيد، ومن أن أكل الطعام، وجوّزوا في: عجبت من ضرب زيد؛ أن يكون فاعلا بالمصدر، أو مفعولا لم يسمّ فاعله.
وذكر ابن أبي الربيع - رحمه الله تعالى - أنّ مذهب أكثر النحويين أنّه لا يجوز أن يكون مع المصدر المفعول الذي لم يسمّ فاعله، وأنّه لا يكون المفعول به مع المصدر إلّا منصوبا، وهو مذهب الأخفش، وإليه كان الأستاذ أبو عليّ يذهب 3. قال الشيخ: وفي الإفصاح أجاز جماعة أن يذكر مرفوعا ويقدّر بـ «أنّ» والفعل المسند للمفعول، ومن الناس من منعه، وهو الصّحيح؛ لأنّ ما يرفع الفاعل من الفعل والصفة لا يكون على صيغة ما يرفع المفعول، والمصادر لا تختلف صيغتها، فلا يصحّ فيها ذلك، وكان ابن خروف يقول: يجوز ذلك إذا لم يقع لبس، وهذا كله خطأ؛ لأنه لم يسمع، والقياس يبطله 4. انتهى.
وأنشد الشيخ في شرحه دليلا على الجواز قول الشاعر: -

[عمل اسم المصدر وأحكامه]

قال ابن مالك: (ويعمل عمله اسمه غير العلم، وهو ما دلّ على معناه وخالفه بخلوّه - لفظا وتقديرا دون عوض - من بعض ما في فعله، فإن وجد عمل بعد ما تضمّن حروف الفعل من اسم ما يفعل به، أو فيه، فهو لمدلول به عليه).
2328 - إنّ قهرا ذوو الضّلالة والبا... طل عزّ لكلّ عبد محقّ 1 تقديره: أن يقهر ذوو الضّلالة.
ونقل عن الكسائي أنّه لا يجوز ذلك إلّا حيث كان لا يلبس 2 وقال - في ارتشاف الضرب -: الذي أختاره أنه إن كان المصدر لفعل لم ينطق به إلّا مبنيّا للمفعول جاز ذلك، نحو: عجبت من جنون بالعلم زيد 3. قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: «من الأسماء ما يقال له: اسم المصدر، وهو ضربان: علم، وغير علم.
فالعلم: ما دلّ على معنى المصدر دلالة مغنية عن الألف واللام، لتضمن الإشارة إلى حقيقته كيسار وبرة، وفجار، فهذه وأمثالها لا تعمل عمل المصدر؛ لأنها خالفت المصادر الأصلية بكونها لا يقصد بها الشياع، ولا تضاف ولا تقبل الألف واللام وتوصف، ولا تقع موقع الفعل، ولا موقع ما يوصل بالفعل، ولذلك لم تقم مقام المصدر الأصلي في توكيد الفعل وتبيين نوعه أو مراته.
وغير العلم: ما ساواه في المعنى والشياع وقبول الألف واللام والإضافة والوقوع موقع الفعل وموقع ما يوصل بالفعل، وخالفه بخلوه لفظا وتقديرا دون عوض من بعض ما في الفعل، كـ: «وضوء وغسل»؛ فإنهما مساويان لـ «التوضؤ والاغتسال» -

................................  في المعنى والشياع وجميع ما نفي عن العلم وخالفاه بخلوّهما دون عوض من بعض ما في فعليهما وهما «توضأ واغتسل».
وحق المصدر أن يتضمن حروف الفعل بمساواة: كتوضأ توضؤا، أو بزيادة عليه، كـ: أعلم إعلاما، ودحرج دحرجة، وقلت: «لفظا وتقديرا»؛ احترازا من «فعال»، مصدر «فاعل»، كـ: «قتال»؛ فإنه مصدر مع خلوّه من المدّة الفاصلة بين فاء فعله، وعينه؛ لأنّها حذفت لفظا، واكتفي بتقديرها بعد الكسرة، وقد تثبت فيقال: قيتال، وقلت: (دون عوض) احترازا من: «عدة» فإنّها مصدر «وعد» ومع خلوه من الواو؛ لأنّ التاء التي في آخره عوض منها، فكأنها باقية، وكذا «تعليم» فإنّه مصدر «علّم» مع خلوه من التضعيف، لكن جعلت التاء في أوله عوضا من التضعيف فكأنه باق.
ولذلك إذا جيء بالمصدر مضعّفا كـ: «كذّب كذّابا»، استغني عن التاء، ونسب التعويض إلى تاء «تعليم»، دون يائه؛ لأنّ ياءه مساوية لألف «إكرام، واستماع، وانطلاق، واستخراج» ونحوهما، من المرّات التي قصد بها ترجيح المصدر على لفظ الفعل الزائد على ثلاثة أحرف، دون حاجة إلى تعويض، ومن المحكوم بمصدريته مع خلوه من بعض حروف فعله «كينونة»، أصله: كينونة، ثمّ عومل معاملة «ميّت» إذا قيل: ميت، فحذفت عينه، وعوّض منها التاء.
ومن المحكوم بمصدريّته: «ثواب وعطاء» أصلهما: «إثواب، وإعطاء»، وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، والمصدريّة باقية، ومن المحكوم بمصدريته، أيضا: «طاعة، وطاقة، وجابة»، والأصل: «إطاعة، وإطاقة، وإجابة»؛ لأنها مصادر: «أطاع، وأطاق، وأجاب»؛ فحذفت الهمزة، واكتفي بالتقدير، فهذه وأمثالها مصادر لقرب ما بينها وبين أصلها، بخلاف ما بينه وبين الأصل بعد وتفاوت، كـ: «عون، وعشرة، وكبر، وعمر، وغرق، وكلام»، بالنسبة إلى: «إعانة، ومعاشرة، وتكبر، وتعمير، وتكليم»؛ فهذه وأمثالها أسماء مصادر.
وأمّا ما ليس فيه إلا غرابة وزنه، كـ: «دعاية»، ورهب، وعلوّ»، فهو مصدر، وجعله اسم مصدر تحكم بغير دليل، ومن إعمال «ثواب» قول حسان رضي الله عنه: -

................................  2329 - لأنّ ثواب الله كلّ موحّد... جنان من الفردوس فيها يخلّد 1 ومن إعمال «عطاء» قول القطامي: 2330 - أكفرا بعد ردّ الموت عنّي... وبعد عطائك المائة الرّتاعا 2 ومن إعمال اسم المصدر حديث الموطأ: «من قبلة الرّجل امرأته الوضوء» 3 ومنه قول الشّاعر: 2331 - إذا صحّ عون الخالق المرء لم يجد... عسيرا من الآمال إلّا ميسّرا 4 ومنه قول الآخر [3/ 169]: 2332 - بعشرتك الكرام تعدّ منهم... فلا ترين لغيرهم الوفاء 5

................................  وقول الآخر: 2333 - قالوا: كلامك دعدا وهي مصغية... يشفيك؟ قلت: صحيح ذاك لو كانا 1 انتهى 2. وهو كلام جيد، لكن لم يظهر لي ما الموجب لتفرقته بين «طاعة» وما معها وبين «عون» وما معه؛ إذ حكم بالمصدرية على الألفاظ الأولى دون الآخرة، إلا أن تقول: إنّه لم يحذف من «طاعة» ونحوها سوى الهمزة، ولم يحصل في الكلمة مع الحذف تغيير، فكانت قريبة من أصلها، بخلاف «عون» و «عشرة» وما معهما، فإنّ المحذوف من كلّ منهما حرفان، مع ما حصل من التغيير في اللفظ أيضا، ولهذا جعل «ثوابا» مصدرا والعلة الحذف، وعدم التغيير، وجعل «كلاما» اسم مصدر، لكثرة الحذف، وحصول التغيير.
ولم يذكر المصنف اسم المصدر، نحو: «مفعل» من الثلاثي، كـ: «مضرب، ومقتل»، وما كان على صيغة اسم المفعول ممّا زاد على الثلاثة، نحو: «مكرم، ومستخرج»، لم يشملها الحدّ الذي ذكره لاسم المصدر أيضا، فدلّ على أنّ ذلك عنده من قبيل المصدر، وبذلك يشعر كلامه في باب أبنية المصادر، وجعل ولده الإمام بدر الدين بن مالك نحو: «مضرب» اسم مصدر، لا مصدرا 3، ووافقه الشيخ على ذلك 4 وظهر من كلام المصنف: أنّ الفارق بين المصدر واسمه أمر لفظيّ، وأنهما في المعنى متفقان، فمدلولهما واحد وجعل الشيخ بهاء الدين بن النحاس، رحمه الله تعالى، مسمّى المصدر لفظا، ومسمّى اسم المصدر معنى، - - «الكرام»، وقد جعله العيني مصدرا، حيث قال في المقاصد النحوية بهامش الخزانة (3/ 527): («بعشرتك» مصدر عمل عمل فعله، وهو مضاف إلى فاعله، و «الكرام» مفعوله).
ينظر الشاهد أيضا في: التذييل والتكميل (4/ 973)، والأشموني (2/ 288).

................................  يقال: المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان، وغيره، كقولنا: إنّ «ضربا» مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمرا، فيكون مدلوله معنى، وسمّوا ما يعبّر به عنه مصدرا مجازا، نحو: شرب، في قولنا: إنّ شربا مصدر منصوب، إذا قلنا: ضربت ضربا فيكون مسمّاه لفظا.
واسم المصدر اسم للمعنى الصّادر عن الإنسان وغيره: كـ: «سبحان»، المسمّى به التسبيح، الذي هو صادر عن المسبح، لا لفظ «ت س ب ي ح» بل المعنى المعبّر عنه بهذه الأحرف، وهو البراءة والتنزيه، وأسند ذلك بقول الزمخشري في باب العلم، وقد أجروا المعاني في ذلك، أي في موضع الإعلام مجرى الأعيان، فسمّوا التسبيح بـ «سبحان»، قال: فنص على المسمّى هنا معنى، لا لفظا.
انتهى كلام الشيخ بهاء الدّين.
فعلى هذا؛ الفارق بينهما أمر معنوي 1. وقال الشيخ: اسم المصدر شيئان: أحدهما: ما ينقاس بناؤه من الثلاثي على «مفعل» وممّا زاد على صيغة اسم المفعول، وهذا يعمل عمل المصدر ويجري مجراه في جميع أحكامه.
الثاني: ما كان أصل وضعه لغير المصدر، كـ: «الثّواب، والعطاء، والدّهن، والخبر، والكلام، والكرامة، والكحل، والرعي، والطّحن» ونحوها، من الأسماء التي أخذت من موادّ الأحداث، قال: فهذه وضعت لما يثاب به، ولما يعطى، ولما يدهن به، ولما خبز، وللجمل المقولة، ولما يكرم به، ولما يكحل به، ولما يرعى، ولما يطحن، فالبصريّون لا يعلمون شيئا من هذه، وأجاز الكوفيّون والبغداديّون الإعمال.
واستثنى الكسائيّ ثلاثة ألفاظ، فلم يعملها، وهي: «الخبز، والقوت، والدّهن»، ثمّ قال: فـ «ثواب» اسم مصدر، وكذا «عطاء» خلافا للمصنف، وأمّا «عون، وعشرة، وكبر، وغرق، وكلام» فمصادر جاءت على غير قياس، لا أسماء مصادر، خلافا للمصنف أيضا 2. انتهى.
وقد تقدم من كلامه أنّ «كلام» اسم مصدر، فيناقض قول فيه، وأفهم كلامه -

................................  أنّ اسم المصدر، غير المسمّى عنده، هو ما كان اسما لما يفعل به، وفيه بعد. ولقائل أن يقول: إن نحو: «ثواب، وعطاء»، إذا أريد بهما ما يفعل، فإنما هو من إطلاق المصدر، مرادا به المفعول، لا أنها في الأصل أسماء له، واعلم أنّ كلام المصنف يقتضي أنّ اسم المصدر يعمل كالمصدر. وقال ابن عصفور: لا يجيز البصريون ذلك إلا حيث سمع وأما الكوفيّون فيجيزون العمل قياسا مطردا 1، وأشار المصنف بقوله: (فإن وجد عمل) إلى أنّ ما يضمّن حروف الفعل من اسم ما يفعل به أو فيه لا يعمل، فإن وجد بعد شيء منه عمل، أضمر له عامل من معناه كقولك: أعجبني دهن زيد لحيته، وكحل هند عينها. قال المصنف: فقد روي مثل هذا عن العرب وجعل النصب فيه بعامل مضمر كأنّه قيل: دهن لحيته وكحلت عينها 2. انتهى. فهذا مثال ما يفعل به، ومثال ما يفعل فيه قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (25) أَحْياءً وَأَمْواتاً 3؛ لأنّ الكفات ما يكفت فيه الأشياء، أي: يجمع ويحفظ، فكان ذكره منها على فعله، أو ما هو بمنزلة فعله، فكأنّه قيل: يكفت أحياء وأمواتا. قال المصنف: ولك أن تنصب أَحْياءً وَأَمْواتاً، على التمييز؛ لأنّ كفات الشيء مثل وعائه، والموعى ينتصب بعد الوعاء على التمييز. وأمّا قول الشاعر: 2334 - كأنّ مجرّ الرّامسات ذيولها... عليه قضيم نمّقته الصّوانع 4

جارٍ التحميل