................................
وأما زيادة الباء فقد عرفت قول المصنف إنها تزاد مع فاعل، ومفعول، (وغيرهما) 1.
وقد تقدم له في باب الأفعال الرافعة (الاسم) (2) الناصبة الخبر أن الباء تزاد في مواضع عدة وذكر أنها إنما تزاد كثيرا في الخبر المنفي بـ «ليس» و «ما» أختها، وأن زيادتها في غير ذلك قليلة.
لكن ابن عصفور ذكر 2 أنها إنما تزاد بقياس في خبر «ليس وما» وفي «حسبك» إذا كان مبتدأ وفي فاعل «كفى» ومفعوله.
قال: وما عدا ذلك مما الباء فيه زائدة فزيادتها على غير قياس إلا أن أحسنه أن يكون ما زيدت فيه الباء قد توجّه عليه النفي في المعنى نحو قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى 3؛ لأن معنى الكلام: أو ليس الله بقادر 4.
وقال في المقرب: وتكون زائدة مصلحة في نحو: أحسن بزيد 5. ولم يذكر المصنف ذلك استغناء عنه بذكره له في باب التعجب 6. والذي فعله المصنف أولى بل هو متعين؛ لأن الباء في نحو: أحسن بزيد، مع كونها زائدة هي لازمة؛ فوجب ذكرها في مكان يخصها.
ولا شك أن شأن الزائد أن يكون جائز الذكر لا لازمه؛ فوجب ألا يذكر - هنا أعني الموضع الذي يذكر فيه زيادة الباء - إلا ما كان يجوز أن يؤتى به وألا يؤتى به.
ثم اعلم أن الذي ذكره المصنف من أن الباء زائدة في فاعل (كفى) من كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 7 هو مذهب سيبويه 8. وذكر ابن عصفور عن ابن السراج 9 وجها آخر وهو أن الباء غير زائدة وفاعل (كفى) ضمير مستتر فيه عائد على الاكتفاء المفهوم من (كفى) كأنه قيل: كفى هو بالله، أي:
كفى اكتفاؤك بالله 10. قال: حكى ذلك عنه أبو الفتح ابن جني 11 ورده -
................................
ابن عصفور بأن الباء حينئذ إنما تتعلق بالضمير الذي هو الفاعل وهو الذي يراد به الاكتفاء والضمير لا يجوز إعماله.
وابن جني منع ذلك من جهة أخرى وهو أن معمول المصدر من كماله فيهما بمنزلة اسم واحد، فلو أضمرت المصدر وجعلت المجرور متعلقا بذلك الضمير؛ لأدى ذلك إلى أن يكون بعض الاسم مظهرا وبعضه مضمرا.
ورد ابن عصفور هذا بأن قال: الموصولات كلها صلاتها تمام لها وفي كل صلة ضمير يعود على الموصول، ويلزم على قول ابن جني ألا يكون في الصلة ضمير يعود على الموصول لما يلزم منه أن يكون بعض الاسم مظهرا وبعضه مضمرا.
انتهى.
وهذا الذي ذكره غير ظاهر؛ فإن الذي هو من تمام الموصول إنما هو الصلة، والعائد إنما هو للربط - أعني ربط الصلة بالموصول - ثم ليس مراد ابن جني بقوله:
ابن، بعض الاسم مضمر، أن ذلك البعض يكون ضميرا؛ بل مراده أنه مستتر أي:
غير ملفوظ به.
ولا شك أن بعض الاسم لا يكون ملفوظا به والبعض الآخر ملفوظ به، ولمّا مثل ابن عصفور زيادة الباء في المبتدأ بقوله: بحسبك زيد، وأنشد:
2479 - بحسبك بالقوم أن يعلموا... بأنّك في القوم غنيّ مضر 1
وقال: التقدير: حسبك بالقوم أن يعلموا.
قال: ومن زيادتها في المبتدأ أيضا قوله:
2480 - اضرب بالسّيف على نصابه... أتى به الدّهر بما أتى به 2
قال: فـ «ما» من قوله: «بما أتى به» مبتدأ؛ بدليل عود الضمير عليها من الجملة التي قبلها، والتقدير: بما أتى به الدهر أتى به، والضمير لا يعود على متأخر لفظا إلا إذا كان متقدما في الرتبة.
قال: ولا يحفظ زيادة الباء في المبتدأ إلا في هذين الموضعين.
وزعم بعضهم 3 أن الباء في قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ 4 زائدة، وأنّ (أيكم) مبتدأ والتقدير: أيكم المفتون.
قال: وزيادة الباء في المبتدأ لا ينبغي أن يقال بها ما وجدت عنها مندوحة؛ لقلة ما جاء من ذلك، والأولى القول بعدم زيادة الباء.
ثم الآية الشريفة تحتمل وجهين: -
................................
أحدهما: أن يكون (المفتون) 1 مصدرا جاء على زنة مفعول التقدير بأيكم الفتنة.
والآخر: أن يكون (المفتون) صفة والباء بمعنى «في»، التقدير: في أيكم المفتون أي: في أيكم القرين المفتون.
وأجاز الأخفش زيادة الباء في خبر المبتدأ في غير النفي وجعل من ذلك قوله تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها 2، التقدير عنده: جزاء سيئة سيئة مثلها، واستدل على ذلك بقوله تعالى في الآية الأخرى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها 3.
وقد خرّجت الآية الشريفة على وجهين لا تكون الباء فيهما زائدة:
أحدهما: أن المجرور في موضع الخبر، والتقدير: جزاء سيئة حاصل بمثلها.
الآخر: أن يكون المجرور متعلقا بـ (جزاء) والخبر محذوف والتقدير: ثابت لهم.
وذكروا من زيادة الباء في المفعول: قرأت بالسورة، أي: قرأت السورة قال الشاعر:
2481 - هنّ الحرائر لا ربّات أخمرة... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور 4
أي: لا يقرأن السور، وليس منه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ 5؛ لأن الباء فيه للاستعانة.
قال:
وبالجملة كل فعل وصل بنفسه تارة وبالباء أخرى ووصوله بنفسه إلى مفعوله أكثر من وصوله إليه بالباء
وليس في دخول الباء عليه زيادة معنى نحو ما ذكر من أمسكت زيدا، وأمسكت بزيد؛ فإنه إن أمكن تضمينه معنى فعل يصل بالباء لم تجعل الباء فيه زائدة نحو الباء في قوله:
2482 - نحن بني ضبّة أصحاب الفلج... نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج 6
وقول الآخر:
2483 - ضمنت برزق [4/ 4] عيالنا أرماحنا 7
ألا ترى أنه يجوز أن يكون ضمّن «ضمنت» معنى تكفّلت فعدّاه بالباء؛ ذلك لأن من ضمن شيئا فقد تكفل به، وكذلك يجوز أيضا أن يكون ضمن «نرجو» -
................................ 2486 - شموس ودود في حياء وعفّة... رخيمة رجع الصّوت طيّبة النّشر 1 والتي للتعليل كقوله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما (أَخَذْتُمْ) 2 عَذابٌ عَظِيمٌ 3، وكقوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ 4، وكقوله عليه الصلاة والسّلام: «عذّبت امرأة في هرّة حبستها» 5، ومنه قول الشاعر: 2487 - فليت رجالا [فيك] قد نذروا دمي... وهمّوا بقتلي يابثين لقوني 6 ومثله: 2488 - لوى رأسه عنّي ومال بودّه... أغانيج خود كان فينا يزورها 7 ومثله: 2489 - أفي قمليّ من كليب هجوته... أبو جهضم تغلي عليّ مراجله 8 ومثله: 2490 - نكرت باللّوم تلحانا... في بعير ضلّ أو حانا 9 والتي للمقايسة هي الداخلة على تال يقصد تعظيمه وتحقير متلوه كقوله تعالى: فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ 10، وكقوله عليه الصلاة والسّلام: «ما أنتم في سواكم من الأمم إلّا كالشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود» 11 -
................................ وكقول الخضر لموسى عليه السّلام. «ما علمي وعلمك في علم الله إلّا كما أخذ هذا الطّائر بمنقاره من البحر» 1 أو كما قال، ومنه قول الشاعر: 2491 - وما جمعكم في جمعنا [غير] ثعلب... هوى بين لحيي أخزر العين ضيغم 2 ومثله: 2492 - كلّ قتيل في كليب حلّام... حتّى ينال القتل إلى همّام 3 والموافقة «على» كقوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ 4، ومنه قول حسّان 5 رضى الله تعالى عنه: 2493 - بنو الأوس الغطارف آزرتها... بنو النّجّار في الدّين الصّليب 6 ومثله: 2494 - بطل كأنّ ثيابه في سرحة... يحذي نعال السّبت ليس بتوءم 7 والموافقة الباء كقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ 8 أي: يكثركم به كذا جاء في التفسير 9، ومثله قول الأفوه الأودي 10: 2495 - أعطوا غواتهم جهلا مقادتهم... وكلّهم في حبال الغيّ منقاد 11
................................
ومثله قول زيد الخيل:
2496 - ويركب يوم الرّوع منّا فوارس... بصيرون في طعن الأباهر والكلى 1
ومثله:
2497 - وخضخض فينا البحر حتّى قطعنه... على كلّ حال من غمار ومن وحل 2
ومثله:
2498 - وأرغب فيها عن لقيط ورهطه... ولكنّني عن سنبس لست أرغب 3
وحكى يونس عن بعض العرب: ضربته في السيف أي: بالسيف 4. انتهى كلامه رحمه الله تعالى 5، والمعاني التي ذكرها لهذا الحرف الذي هو «في» ستة:
أما الظرفية: فهو المعنى الأصلي لهذه الكلمة ومن ثم قال سيبويه: وأما «في» فهي للوعاء تقول: هو في الجراب وفي الكيس 6، ثم قال: وإن اتسعت في الكلام فهي على هذا، وإنما تكون كالمثل يجاء بها لتقارب الشيء، وليس مثله 7. وقال ابن الربيع: إذا قلت: جعلت المال في الكيس؛ فالجعل بعد طلبه المال طالب للكيس على أنه وعاء للمال، ومحتو عليه وكذا إذا قلت: نزلت في الدار؛ فالنزول طالب للدار على أنها محتوية عليك ووعاء لك.
وكذلك: تكلمت في شأنك ودخلت في أمرك، إلا أن الوعاء هنا على جهة التمثيل والتشبيه، وذلك أنك إذا دخلت في الأمر؛ فقد شغلك عن غيره، وأحاط بخاطرك، فقد صار بمنزلة الوعاء الذي يحوي الشيء من جهاته كلها، ومثله: أنا فى حاجتك؛ لأن الحاجة شغلتك عن غيرها فصارت المسألة بذلك شبيهة بالوعاء المحيط بالشيء الضام له 8، قال: والعرب تعبر عن الشيء بطريق التشبيه والتمثيل كما تعبر عنه بحسب مقتضى الألفاظ ووضعها 9. -
................................
وكلام ابن هشام الخضراوي موافق له؛ فإنه لما أورد كلام الفارسي [4/ 5] وهو قوله: «في» معناها الوعاء، نحو: المال في الكيس، واللص في السجن، ويتسع فيها فيقال: زيد ينظر في العلم، وأنا في حاجتك 1 قال: هذا كما ذكر إنما تكون للوعاء حسّا أو تخييلا واستعارة كقولهم: فلان يسعى في حاجتك، ويتصرف في أمرك، فهي ظرف حسي، أو معنوي 2.
وأقول: قد أشار المصنف إلى الظرف الحسي بقوله: حقيقة، وإلى الظرف المعنوي بقوله: مجازا؛ لكن مقتضى كلام سيبويه وكلام الفارسي وكلام هذين الرجلين أن «في» لا تفارقها الدلالة على هذا المعنى.
ولهذا لما ذكر ابن أبي الربيع عن القتبي 3 أن «في» تكون بمعنى كذا، وبمعنى كذا؛ قال: هذا جار على مذهب الكوفيين من وضع حرف مكان حرف لما بين الحروف من الاتفاق، وأما البصريون فيذهبون إلى التضمين.
وقال ابن عصفور: «في» معناها الوعاء حقيقة أو مجازا عند سيبويه 4، والمحققين من النحويين، فالحقيقة ظاهرة، والمجاز نحو قولك: أنا في حاجتك؛ جعلت الحاجة لك مكانا مجازا، واتساعا من حيث كان المعنى: أنا في طلب حاجتك؛ فصار طلبه للحاجة كأنه مشتمل عليه، وكذا: فلان ينظر في العلم؛ جعلت العلم وعاء للنظر من حيث كان محلّا له على جهة المجاز والاتساع، وكذا: في فلان عيب، وفي الخبر شك 5.
والمصنف لا يلتزم بقاء دلالتها على هذا المعنى - أعني الظرفية - بل جعلها تستعمل مجردة عنه دالة على معنى آخر كما رأيت تعدادة لذلك، وهذا جري منه على الطريقة التي سلكها في إتيان معان متعددة لكل حرف من الحروف المذكورة في هذا الباب.
على أن ابن عصفور صرّح بأن «في» للوعاء كما تقدم، وأن المثبت لها معنى غير ذلك هم الكوفيون.
وأما المصاحبة: فقد ذكروا من الدلالة على ذلك قول الشاعر:
2499 - ولوج ذراعين في بركة... إلى جؤجؤ رهل المنكب 6
أي: مع بركة وهو الصدر، وقول الآخر: -
................................
2500 - كأنّ [ريقتها] بعد الكرى اغتبقت... في مسكن نمّاه النّحل في النّيق
أو طعم عادية في ذي حدب... من ساكن المزن تجري في الغرانيق 1
أي: مع الغرانيق وهي طير الماء، وساكن المزن: المطر، والغرانيق لفرحها به تجري معه، وقول العرب: فلان عاقل في حلم أي: مع حلم، وخرّجوا «في بركة» على حذف مضاف أي: في جانبي بركة.
وكذا «في الغرانيق» أي: في مجرى الغرانيق.
ذكر ابن عصفور ذلك في شرح الإيضاح.
وأما قول العرب: فلان عاقل في حلم فقال ابن أبي الربيع: «في» هنا تفيد ما لا تفيده «مع»؛ لأنك إذا قلت: فلان ذو عقل مع حلم؛ لم يقتض أن عقله كان له في حين اتصافه بالحلم؛ إذ قد يقال هذا لمن حلم في وقت وظهر فيه عقل في وقت آخر، وإذا قلت: فلان عاقل في حلم فالمعنى أن حلمه تصرف بالعقل على حسب مقتضاه فكأنه دخل فيه 2. وقال: في قول الجعدي 3:
2501 - ولوج ذراعين في بركة
إن «في بركة» صفة لـ «ذراعين» كأنه قال: داخلان في بركة؛ ألا ترى أنك لا تجد في كلام العرب: ولوج ذراعين في كفل؛ لأن الذراعين لا يكونان في الكفل، و «مع» تصلح هنا لو قلت: له ذراعان مع كفل؛ لكان ذلك صحيحا، وتقول: له رجلان في كفل، ولا تقول: رجلان في بركة، ويصلح أن تقول: مع بركة 4. ففي النظر في تخريج ما استدل به المصنف.
أما قوله تعالى: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ (5) الآية، فقال الشيخ: يحتمل أن يكون على حذف مضاف أي: في عذاب أمم، ويكون (فى النار) 5 بدلا.
انتهى.
ولقائل أن يدعي أن «في» باقية على معناها، ولكن الظرفية مجاز، ويكون (فى النار) في موضع الصفة؛ وصف بالجار والمجرور بعد الوصف بالجملة، -
................................
المعنى: قال ادخلوا في أمم خالية كائنة في النار؛ فليس (فى النار) 1 من متعلقات (ادخلوا) (2). وأما قوله تعالى: وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ 2 فـ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ في موضع الحال من الضمير المضاف إليه (سيئات؛) المعنى: أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم كائنين في أصحاب الجنة.
فأفادت «في» الظرفية المجازية؛ لأنهم لشدة اختلاطهم بهم جعلوا منهم.
ومجيء الحال من المضاف إليه هنا كمجيئها منه في قوله تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً 3؛ لأن التجاوز عن سيئاتهم تجاوز عنهم فكأنه قيل: ونتجاوز عنهم.
وأما قوله تعالى: حَقَّ 4 عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ 5 فيقال فيه ما قيل في قوله تعالى: قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ 6. والحاصل: أن «في» مستعملة فيه في الظرفية المجازية.
وأما قوله تعالى: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ 7 فالظرفية ظاهرة والجار والمجرور في موضع الحال المعنى: فخرج على قومه كائنا في زينته.
ونظير هذا قوله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ 8، والعرب تقول: جاء زيد في أصحابه وعشيرته أي: كائنا فيهم وعلى هذا يخرّج البيتان اللذان أنشدهما، وهما:
2502 - كحلاء في برج
و:
2503 - شموس ودود في حياء وعفّة
وأما التعليل فلم يذكره المغاربة، والظاهر ثبوته؛ فإن الدلائل التي استدل بها المصنف على هذا المعنى لا تدفع ولا يظهر في شيء منها معنى الظرفية.
وأما المقايسة فقد عرفت معناها الذي فسرها به المصنف وعرفت استدلاله على [4/ 6] ذلك.
والذي يظهر في ما استدل به القول بالظرفية؛ لأن المعنى في الآية الشريفة: إن متاع الدنيا بتقدير جعله في الآخرة
قليل، والمعنى في الحديث الشريف: إنكم لو أدخلتم في سواكم من الأمم لكنتم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، وكذا يقال في قول الخضر لموسى صلّى الله عليه وسلّم، وكذا يقال في البيتين اللذين أنشدهما.
-
................................
وأما موافقة «على»: فقد عرفت ما استدل به المصنف على ذلك من قوله تعالى:
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ 1، ولكن المغاربة لما ذكروا أن «في» تفيد الظرفية المعنوية أي: المجازية قالوا: ومن ذلك قوله تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ؛ لأن تمكن المصلوب من الجذع الذي صلب فيه صيّره كالوعاء له والظرف.
قالوا ومنه قول الشاعر:
2504 - بطل كأنّ ثيابه في سرحة
قال ابن أبي الربيع: وذكر القتبي 2 أن «في» تكون مكان «على» تقول:
لا تدخل الخاتم في أصبعي، أي: على أصبعي وقال تعالى: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أي: عليها.
قال: وهذا يرجع إلى ما ذكرت من الظرفية؛ لأنه إذا صلب على الجذع فهو في الجذع، وكذلك الخاتم إذا دخل على الأصبع فهو فيه بلا شك.
ومما استدل به قول العرب: نزلت في أبيك، أي: على أبيك.
وأجيب عنه بأن المراد: نزلت في كنف أبيك وظلّه 3، وأما موافقة الباء فقد استدل المصنف على ذلك بقوله تعالى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ 4 واستدل أيضا بقول الشاعر:
2505 - وكلّهم في حبال الغيّ منقاد
وبقول الآخر:
2506 - بصيرون في طعن الأباهر والكلى
وقول الآخر:
2507 - وخضخض فينا البحر حتّى قطعنه
فأما الآية الشريفة فليس فيها دلالة قاطعة على أن «في» بمعنى الباء.
وقد قال الزمخشري 5: (يذرؤكم) يكثركم فيه، أي: في هذا التدبير، وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، ثم قال: فإن قلت: ما معنى «يذرؤكم» في هذا التدبير، وهلا قيل: يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير؛ ألا تراك تقول: للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ 6. انتهى.
فانظر إلى هذا الرجل كيف يهديه الله تعالى إلى سبيل الرشاد، ويطلعه على -
................................
الأسرار، وينطق لسانه بما فيه الحكمة والصواب.
وبهذا المعنى الذي قرّره يظهر لك التفاوت بين في، والباء في هذا المحل؛ لأن الباء لا تفيد ما أفادته في حق كون هذا التدبير كالمنبع والمعدن وإنما تفيد السببية لا غير.
وأما قول الشاعر:
2508 - وكلهم في حبال الغيّ منقاد
فيمكن أن يقال فيه: «في حبال الغيّ» ليس متعلقا بـ «منقاد» حتى تكون «في» بمعنى الباء، وإنما «في حبال الغيّ» في موضع الحال من الضمير المستكن في «منقاد»؛ التقدير: وكلهم منقاد كائنا في حبال الغيّ، وهذا المعنى أبلغ؛ فإنه يفيد استمرارهم في حبال الغيّ مع كونهم منقادين، أما إذا جعلنا «في» بمعنى الباء فيصير التقدير: إنهم منقادون بحبال الغيّ، يعنى: أنهم إذا حصل لهم انقياد ينقادون بحبال الغيّ، وإذا لم يحصل لهم انقياد فقد تفارقهم الحبال.
وأما قول الآخر:
2509 - بصيرون في طعن الأباهر والكلى
فـ «بصيرون» ضمن معنى ماهرون، أو متقدمون على غيرهم في ما ذكر؛ لأن البصير بالشيء ماهر فيه، ومتقدم فيه على غيره.
قال ابن أبي الربيع: وفي جعل «في» في هذا الموضع فائدة ليست للباء لو ذكرت؛ لأنه لو قال: بصيرون بهذا؛ لم يقتض أكثر من العلم به، وقد يكون بصيرا به فإذا كان وفيه ذهل خاطره عن ذلك لما هناك من الشدة فوصفهم بأنهم مع معرفتهم بأن الطعن في الأباهر والكلى أعظم الطعن ثابتو الخواطر عند الطعان، و «في» تقتضي ثبوت خواطرهم 1.
وأما قول الأعشى:
2510 - ربّي كريم ما يكدر نعمة... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا 2
فقال ابن عصفور: «في المهارق» في موضع الحال والمجرور الذي يطلبه «تنوشد» محذوف؛ التقدير: وإذا تنوشد بكلام الله تعالى في المهارق «أنشدا» أي: أجاب 3. -
................................
وقال ابن أبي الربيع: و «في» لها معنى هنا لا تقتضيه الباء؛ وذلك أنه لو قال:
حلف بالمصحف؛ لم يقتض أن المصحف أحضر له عند اليمين، وإذا قال: حلف في المصحف اقتضى أنه أحضر له
عند اليمين 1، وأما:
2511 - وخضخض فينا البحر...
فعلى حذف مضاف؛ التقدير: وخضخض في سيرنا البحر.
وقد ذكر غير المصنف أن «في» تكون أيضا بمعنى «إلى»، وبمعنى «من» 2، واستدل على الأول بقوله تعالى: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ 3 قيل: التقدير: إلى أفواههم، وعلى الثاني بقول امرئ القيس:
2512 - وهل يعمن من كان أحدث عهده... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال 4
قال ابن عصفور: «وأما الآية الشريفة فقد فسرت على معنيين كلاهما «في» باقية فيه على بابها:
أحدهما: أن يراد بالأيدي الجوارح، والمعنى على ذلك: ردوا أيديهم في أفواههم وعضوا أناملهم من الغيظ كما قال تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ 5، ومحال أن يعضوا أناملهم بأفواههم إلا بعد إدخالها في الأفواه.
والآخر: أن يراد بالأيدي النعم ويعني بذلك ما بلغهم الرسل صلوات الله تعالى عليهم عن الله تعالى من الأمر بما فيه خير لهم، والنهي عما فيه شرّ لهم؛ لأن ذلك نعمة فلما لم يقبلوا كلام الرسل صاروا كأنهم ردوا كلامهم في أفواههم، والعرب [4/ 7] تقول: ردّ كلام فلان في فيه؛ إذا لم يقبل منه.
وأما بيت امرئ القيس فحمله ابن جني 6 على حذف مضاف، والتقدير عنده: في عقب ثلاثة أحوال فتكون «في» للوعاء على بابها.
-
................................
القراء فويل للقاسية قلوبهم عن ذكر الله 1 فأوقع «عن» موقع «من» والمعنى واحد 2، والله تعالى أعلم.
واستعمالها للبدل: كقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً 3، وكقول القائل: حج فلان عن أبيه، وقضى عنه دينا، وفي صحيحي البخاري ومسلم 4 أن رجلا قال: يا رسول الله، إنّ أمّي ماتت وعليها صوم أفأقضيه عنها؟
فقال: «لو كان على أمّك دين أكنت (قاضيه) 5 عنها؟» قال: نعم.
قال:
«فدين الله أحقّ أن يقضى» 6، ومنه قول الشاعر:
2514 - كيف تراني قاليا مجنّي... قد قتل الله زيادا عنّي 7
أي: كأن قتل الله زيادا بدل قتلي إياه، ومثله قول الآخر:
2515 - حاربت عنك عدى قد كنت تحذرهم... فنلت بي منهم أمنا بلا حذر 8
واستعمالها للاستعلاء: كقول الشاعر:
2516 - لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب... عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني 9
أراد: لا أفضلت في حسب عليّ أي: لم يعل حسبك على حسبي.
-
................................
ومن استعمال «عن» للاستعلاء قولهم: بخل عنه، والأصل: بخل عليه؛ لأن الذي يسأل فـ «يبخل» يحمل السائل ثقل الخيبة مضافا إلى ثقل الحاجة؛ ففي «بخل» معنى ثقل فكان حقيقيّا بأن يشاركه في التعدية بـ «على»، فإن عدّي بـ «عن» كان معناها معنى «على»، وأيضا فإنّ «شحّ وضنّ» بمعنى «بخل» وتعديتهما في الغالب بـ «على» لا بـ «عن» فكانت «بخل» (أحق) 1 بذلك إلا أن «بخل» أكثر استعمالا فعديت بـ «عن» نيابة عن «على»؛ لأنها أخف منها، وبصلاحية «عن» للاستعلاء عدّي بها «رضي»، والأصل تعديته بـ «على»؛ لأن قائله مقبل على المعلق به ومثن عليه، ولأن في «رضيت عنه» معنى: رضيته وزدت على رضاه، والزيادة استعلاء فجيء بـ «عن» دالة عليه وكانت «على» أحقّ منها لكنهم قصدوا مخالفة غضب وسخط فعدوا «رضي» بـ «عن» لصلاحيتها للاستعلاء كما تقرر.
وقد نبه على الأصل المتروك من قال:
2517 - إذا رضيت عليّ بنو قشير... لعمر أبيك أعجبني رضاها 2
واستعمال «عن» للاستعانة: كقول العرب: رميت عن القوس، كما يقولون:
رميت بالقوس؛ فـ «عن» هنا كالباء في إفادة الاستعانة.
وحكى الفرّاء عن العرب:
رميت عن القوس، وبالقوس على القوس وأنشد:
2518 - أرمي عليها وهي فرع أجمع... وهي ثلاث أذرع وإصبع 3
واستعمال «عن» للتعليل: كقوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ 4، وقوله تعالى: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ 5، ومنه قول ضابئ البرجمي 6: -
................................
2519 - وما عاجلات الطّير تدني من الفتى... نجاحا ولا عن ريثهنّ يخيب 1
واستعمال «عن» موافقة لـ «بعد»: كقوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ 2 أي: حالا بعد حال، ومنه قول الشاعر:
2520 - قرّبا مربط النعامة منّي... لقحت حرب وائل عن حيال 3
ومثله:
2521 - لقد منيت بنا عن غبّ معركة... لا تلقنا عن دماء القوم ننتفل 4
واستعمالها موافقة لـ «في»: كقول الشاعر:
2522 - وآس سراة الحيّ حيث لقيتهم... ولا تك عن حمل الرباعة وانيا 5
أي: في حمل الرباعة وانيا.
وجعلت هنا الأصل «في» كقوله تعالى:
وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي 6. وأشرت بقولي: وتزاد هي «وعلى، والباء» عوضا إلى قول الشاعر:
2523 - أتجزع إن نفس أتاها حمامها... فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع 7
[4/ 8] وإلى قول الراجز:
2524 - إنّ الكريم وأبيك يعتمل... إن لم يجد يوما على من يتّكل 8
وإلى قول الشاعر: -
................................
2525 - ولا يؤاتيك فيما ناب من حدث... إلّا أخو ثقة فانظر بمن تثق 1
قال أبو الفتح ابن جني في البيت الأول: أراد: فهلا عن التي جنبيك تدفع؛ فحذف «عن» وزادها بعد «التي» عوضا 2، وقال في قول الراجز: أراد: إن لم يجد من يتكل عليه؛ فحذف «عليه»، وزاد «على» قبل «من» عوضا 3.
ويجوز عندي أن يعامل بهذه المعاملة «من، واللام، وإلى، وفي» قياسا على «عن، وعلى، والباء» فيقال: عرفت ممن عجبت، ولمن قلت، وإلى من أويت، وفي من رغبت، والأصل: عرفت من عجبت منه، ومن قلت له، ومن أويت إليه، ومن رغبت فيه؛ فحذف ما بعد «من» وزيد ما قبلها عوضا.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 4، وقد ذكر لهذا الحرف الذي هو «عن» معاني سبعة كما رأيت.
والجماعة المغاربة لم يثبتوا من هذه المعاني سوى المجاوزة؛ مستندين لقول سيبويه:
وأما «عن» فلما عدا الشيء 5، قال ابن عصفور: ومعنى «عن» اسما كانت أو حرفا المجاوزة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: أطعمته عن جوع؛ فالمعنى: جعلت الجوع مجاوزا له ومنصرفا عنه، وكذلك إذا قلت: سقيته عن العيمة 6 وكسوته
عن العري؛ فقد جعلت العيمة والعري قد تراخيا عنه وجاوزاه، وكذلك أيضا قولك:
رميت عن القوس؛ لأنك قذفت سهمك عنها فجاوزها، وإذا قلت: جلست عن يمينه؛ فالمعنى: تراخيت عن يمينه وجاوزتها.
وإذا قلت: أضربت عنه، وأعرضت عنه، فالمعنى: تراخيت عنه وجاوزته إلى غيره.
وإذا قلت: أخذت عنه حديثا؛ فالمعنى: عدا إلى منه حديث 7. انتهى.
وكلام الخضراوي 8 قريب من كلامه وبمعناه، وكذا كلام ابن أبي الربيع 9.
ولكنهم نقلوا عن الكوفيين 10 إثبات أربعة معان.
وهي: معنى «على»، ومعنى «بعد»، -
................................
ومعنى «من أجل»، ومعنى «الباء» ولم يتعرضوا إلى ذكر البدل، ومعنى «في».
وأما الأربعة التي ذكروها: فقد ذكرها المصنف حيث صرح بكلمة «بعد»، وأشار إلى معنى «على» بالاستعلاء، وإلى معنى «من أجل» بالتعليل، وإلى معنى «الباء» بالاستعانة، ولنشر إلى كل من المعاني التي هي غير المجاوزة:
أما البدل: فقد استدل المصنف عليه بما تقدم 1 [ولم يرتضه الشيخ فقال بالتضمين في البيتين الأول والثاني]؛ قال الشيخ: وما استدل به المصنف يحتمل التأويل فيقال: إن «قتل الله» ضمن معنى: صرف الله، أي: صرف الله بقتله زيادا عني، وكذلك «حاربت عنك» ضمن معنى صرفت بالمحاربة عنك 2.
وأما الاستعلاء: فقد استدل عليه المصنف بقوله: لا أفضلت في حسب عني، وهو الدليل المذكور عن الكوفيين
وبقول العرب: بخل عنه أي: عليه وأجيب عنه.
أما: «لا أفضلت في حسب عنّي» فقال ابن عصفور 3: ضمن أفضلت معنى:
انفردت، أي: ما انفردت بحسب عني؛ لأنه إذا فضّل عليه في الحسب أي: زاد؛ فقد انفرد عليه بتلك الزيادة.
وأما قولهم: بخل عنه؛ فقالوا: إن «بخل» ضمن معنى: رغب أو كفّ؛ التقدير: رغب بماله عنه، أو كف بماله عنه، واستدل الكوفيون أيضا بقول الشاعر:
2526 - لو أنّك تلقي حنظلا فوق بيضهم... تدحرج عن ذي سامه المتقارب 4
وأجاب ابن عصفور والخضراوي عن ذلك بأن تدحرجه عن ذي سامه المتقارب انتقال عن بعضه إلى بعض؛ ففيه معنى التجاوز والتعدّي 5، والسامة: عروق الذهب، ويعني بذي سامه المتقارب» البيض المذهب.
وأما الاستعانة: فقد استدل المصنف على ذلك بقول العرب: رميت عن القوس، كما تقول: رميت بالقوس، وأجيب عن ذلك بأن «عن» في «رميت عن القوس» -
................................ للمجاوزة. وأما «رميت بالقوس» فالباء فيه للاستعانة؛ فالمعنى مختلف وكل واحد من الحرفين مستعمل في موضوعه. وقد استدل الذاهبون إلى ذلك بقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى 1 قالوا: التقدير: بالهوى، واستدلوا أيضا بقول امرئ القيس: 2527 - تصدّ وتبدي عن أسيل وتتّقي... بناظرة من وحش وجرة مطفل 2 أي: تصد بأسيل. وأجيب عن الآية الشريفة بأن المراد أن النطق خارج عن الهوى متجاوزه؛ فمعنى المجاوزة ظاهر، والمعنى: لا يصدر نطقه إلا عن وحي. هذا جواب الخضراوي 3. وقال ابن أبي الربيع: وأما قوله سبحانه وتعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى فهو بمنزلة: أطعمتك عن جوع؛ لأنه نفى - تعالى - عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون نطقه كنطق غيره الذين ينطقون عن الهوى؛ فهو كما يقول ما تكلم عن حرج 4. ولا يخفى على الناظر تطابق كلام هذين الرجلين. ولا شك أن ما ذكراه أحسن من قول ابن عصفور: إن المعنى وما يصرّف نطقه عن الهوى 5. وأما قول الشاعر: تصدّ وتبدي......... فأجابا عنه بأن «عن» متعلقة بـ «تبدي» أي: وتبدي عن أسيل، وليست متعلقة بـ «تصد»، وإنما عدّي تبدي بـ «عن» لأنه إذا أبدى عن الشيء فقد صرف عنه ما يستره 6. ومنهم 7 من ذهب إلى التضمين [4/ 9] فضمن «وتبدى» معنى: وتزيل؛ لأنها إذا أبدت فقد أزالت الستر، فكأنه قال: تصد وتزيل الستر عن أسيل. وأما التعليل فما استدل به المصنف على ذلك ظاهر وهو قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ 8 وقوله تعالى: وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ 9، وكذا ما ذكره من قول الشاعر: 2528 - ولا عن ريثهنّ يخيب
................................
ولكن المغاربة ذكروا أن الذاهبين إلى ذلك استدلوا عليه بقولهم: أطعمتهم عن جوع، أي: من أجل جوع، وبقول الشاعر:
2529 - بسير تقلّص القيظان عنه... بيد مغازة الخمس الكمال 1
يريد: تقلص القيظان من أجله، وبقول الآخر:
2530 - ولقد شهدت إذا القداح توحّدت... وشهدت عند اللّيل موقد نارها
عن ذات أولية أساود ربّها... وكأنّ لون الملح فوق شغارها 2
يريد: من أجل ذات أولية، والأولية جمع ولي، وهو الثاني من الوسمي، ويريد به الربيع الذي يكون عنه.
وأجابوا عن ذلك: أما أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ 3 فقالوا: ليست «عن» فيه بمعنى «من أجل»؛ لأن «أطعمه من جوع» معناه: أنه أطعمه من أجل الجوع، و «أطعمه عن جوع» معناه: أطعمه بعد الجوع؛ فقد عدا وقته وقت الجوع وتجاوزه.
وأما قوله:
بسير تقلص القيظان عنه
فقالوا: «عن» فيه باقية على معناها؛ لأن القيظان إنما تقلص بعد وقوع السير، وإذا كان قلوصها بعد السير فقد تجاوز وقت القلوص وقت السير.
وأما قول الآخر:
عن ذات أولية أساود ربها
فقالوا: «عن» فيه متعلقة بـ «أساود» و «أساود» ضمن معنى: أساير؛ لأن المساودة هي المسايرة، ومساودته له في حقها سؤال عنها، ويمكن أيضا أن يضمن «أساود» معنى:
أخادع؛ لأنه إنما أسود ربها ليخدعه عنها.
ذكر ذلك ابن عصفور في شرح الإيضاح 4.
وأما استدلال المصنف فقد تأوله الشيخ بأن المعنى: إلا بعد موعدة، وبعد قولك، وبعد ريثهن؛ قال: وإذا كان ذلك بعد فقد تجاوز الوقت 5. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التأويل؛ لأن المراد أن الاستغفار ما كان من إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم -
................................
لأبيه إلا لأجل الموعدة؛ فالآية الشريفة مسوقة للاعتذار عنه صلّى الله عليه وسلّم فإن استغفاره لأبيه إنما كان من أجل الوفاء بعهده له، وليس المراد الإخبار بأن الاستغفار كان بعد الوعد أو قبله، وكذا المراد من الآية الشريفة الثانية أنهم يقولون: إنهم لا يتركون آلهتهم من أجل قول هود صلّى الله عليه وسلّم.
وأما موافقة «بعد» فقد استدل عليه المصنف بقوله تعالى:
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ 1، واستدل أيضا بقول القائل:
2531 - لقحت حرب وائل عن حيال
وبقول الآخر:
2532 - عن غبّ معركة
وذكر المغاربة أيضا من الأدلة على ذلك بعد ذكرهم الآية الشريفة قول: امرئ القيس:
2533 - وتضحي فتيت المسك فوق فراشها... نؤوم الضّحى لم تنتطق عن تفضّل 2
أي: بعد تفضل، وقول الآخر:
2534 - ومنهل وردته عن منهل... [قفر به الأعطان لم تسهّل] 3
أي: بعد منهل.
وأجابوا عن ذلك: أما الآية الشريفة؛ فقال ابن عصفور: إنما وقعت «عن» فيها موقع «بعد» لتقارب معنيهما؛ لأن
«عن» تكون لما عدا الشيء وتجاوزه و «وبعد» لما تبعه وعاقبه.
فإذا جاء الشيء بعد الشيء فقد عدا: وقته وقته.
قال: ومثل ذلك:
«لم تنتطق عن تفضّل»؛ لأنها إذا جعلت النطاق بعد التفضل فقد عدا وقت الانتطاق وقت الشروع في التفضل وتجاوزه.
قال: ومثل ذلك:
«ومنهل وردته عن منهل»؛
لأنه إذا ورد منهلا بعد منهل؛ فقد تجاوز وقت ورود الثاني وقت ورود الأول 4.
وقال ابن أبي الربيع - في «لم تنتطق عن تفضّل» -: الذي يظهر لي أن التتنطق لما كان بعد التفضل فكأنه بسببه إذا كان ناشئا عنه فصار يقرب من قولك: كلمته -
................................
عن حرج، وأكلت عن جوع، وشربت عن عطش قال: وكذلك الكلام في قوله:
2535 - ومنهل وردته عن منهل 1
انتهى.
فإن صح ما ذكره - أعني ابن عصفور وابن أبي الربيع - من التأويل ساغ القول بذلك أيضا في: «عن حيال» و «عن غبّ معركة».
وأما موافقة «في» فقد عرفت أن المغاربة لم يتعرضوا إلى ذكره وأن المصنف استدل على ذلك بقول القائل:
2536 - ولا تك عن حمل الرباعة وانيا
وأنه قال: وجعلت هنا الأصل «في»، كقوله تعالى: وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي 2 لكن قال الشيخ: تعدية «ونى» بـ «عن»
مستعمل في لسان العرب وفرق بين ونى عن كذا، ووني في كذا؛ فإذا (قلت) 3: ونى عن ذكر الله؛ فمعناه المجاوزة وأنه لم يذكره، وإذا قلت: ونى في ذكر الله؛ فمعناه أنه التبس بالذكر وإنما لحقه فيه فتور وأناة 4. انتهى.
وعلى هذا الذي ذكره الشيخ لا يتم استدلال المصنف فلا يثبت أن «عن» تستعمل موافقة «في» وهذا هو الظاهر.
ثم إنك قد عرفت قول المصنف: وتزاد هي، و «على، والباء» عوضا، وما ذكره من الأدلة على ذلك وهي قول القائل:
2537 - فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع
وقول الآخر:
2538 - إن لم يجد يوما على من يتّكل
وقول الآخر:
2539 - فانظر بمن تثق
ولا شك أن ما ذكره ظاهر إلا أن الشيخ قال: لا يتعين هذا التأويل؛ لاحتمال أن يكون الكلام تمّ قوله: «إن لم يجد يوما»، أي أنه إذا لم يجد ما يستعين به اعتمل بنفسه ثم قال: على من يتّكل، و «من» استفهامية كأنه قال: على أي شخص يتكل؟ -
................................ ومثله: 2543 - لك لا عليك من استعنت فلم يعن... إلّا على ما ليس فيه ملام 1 ومن هذا النوع وقوع «على» بعد «وجب» وشبهه؛ لأن «وجب عليك». مقابل لـ «وجب لك» وكذا وقوعها بعد «كذب» وشبهه. ومن الاستعلاء المعنوي وقوعها بعد «كبر، وضعف، وعز، وعظم» مما فيه معنى «ثقل» وكذلك ما دلّ على معنى تمكن نحو: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ 2 [و] «وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت» 3. واستعمالها للمصاحبة: نحو: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى 4 [و] وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ 5، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ 6، وفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ 7، وأَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ 8، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين استأذن عمر رضي الله عنه: «ائذن له وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه» 9 أي: مع بلوى تصيبه. واستعمالها للمجاوزة: كوقوعها بعد «بعد، وخفي، وتعذر، واستحال، وحرم، وغضب»، وأشباهها. ولمشاركتها «عن» في المجاوزة [تعاقبتا] في بعض المواضع نحو: رضي عنه وعليه، وأبطأ عنه وعليه، وأحال بوجهه عنه وعليه إذا عدل عنه، وولى بوده عنه، وعليه قال الشاعر: 2544 - إذا امرؤ ولّى عليّ بؤدّه... وأدبر لم يصدر بإدباره ودّي 10
................................
واستعمالها للتعليل: كقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ 1. ومنه قول الشاعر:
2545 - على مورثات المجد تحمد فاقتها... ودع ما عليه ذمّ من كان قد ذما 2
ومنه قول الآخر:
2546 - علام تقول الرّمح يثقل عاتقي... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت 3
أي: لأي سبب؟
واستعمالها للظرفية: كقوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ 4 وكقوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها 5، ومنه قول الشاعر:
2547 - يمرّون بالدّهنا خفافا عيابهم... ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين [ألهى] النّاس جلّ أمورهم... فندلا زريق المال ندل الثّعالب 6
واستعمالها موافقة لـ «من»: كقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ 7، وكقوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 8 المعنى من أزواجهم، ومن الناس.
واستعمالها موافقة للباء: كقوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ 9 أي: بأن لا أقول، وقرأ أبيّ بن كعب 10 رضي الله عنه: «حقيق بأن -
................................
لا أقول» 1 فكانت قراءته مفسرة لقراءة الجماعة.
وقد جاءت «على» زائدة دون تعويض في قول حميد بن ثور:
2548 - أبى الله إلّا أنّ سرحة مالك... على كلّ أفنان العضاه تروق 2
فزاد «على»؛ لأن راق متعد بنفسه مثل «أعجب»؛ لأنهما بمعنى واحد يقال: راقني حسن الجارية، وأعجبني عقلها، وفي الحديث: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفّر عن يمينه وليفعل الّذي هو خير» 3، والأصل: من حلف يمينا، كما قال النابغة:
2549 - حلفت يمينا غير ذي مثنويّة... [ولا علم إلّا حسن ظنّ بصاحب] 4
فـ «علي» زائدة، وقيل: هي بمعنى الباء.
ويلزم من كونها بمعنى الباء أن تكون زائدة؛ لأن الباء زائدة في قولك: حلفت بيمين؛ لأن «حلف» يتعدى إلى اليمين كتعدية «آلى»؛ لأنه بمعناه.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 5.
والمعاني التي ذكرها لهذا الحرف سبعة.
أما الاستعلاء فمجمع عليه وهو معناه الأصلى، وعليه عوّل المغاربة فلم يتعرضوا إلى ذكر غيره إلا منسوبا إلى غير مذهب البصريين.
قال ابن أبي الربيع: و «على» معناها الاستعلاء 6 وذكر القتبي أنها وضعت موضع حروف.
قال: وهذا مذهب الكوفيين الذين يرون وضع الحروف بعضها مكان [بعض].
وأما البصريون فيذهبون إلى التضمين؛ قال ابن عصفور 7: معنى «على» اسما كانت أو حرفا: الاستعلاء؛ حقيقة نحو: زيد على الفرس، أو مجازا نحو: عليه مال -
................................
لزيد؛ يريد: أن المال ثبت عليه كما يثبت الشيء على المكان، وقد يعرض فيها إشكال في بعض المواضع التي تتصرف فيها، فيظن أنها قد فارقت معنى الاستعلاء وليس كذلك.
فمن تلك المواضع قولهم: زرت زيدا على مرضي، وأعطيته على أنه شتمني؛ والوجه في ذلك أن المرض من شأنه أن يمنع المريض أن يزور، والشتم من شأنه أن يمنع المشتوم من أن يعطي شاتمه شيئا، فلما لم يمنعه المرض من الزيارة ولا الشتم من الإعطاء صارا
ممنوعين مما عهد فيهما [4/ 11] والممنوع من الشيء مقهور، والقهر علو في المعنى بدليل قولك: فلان يحب قهر فلان، فساغ دخول «على» عليهما على جهة المجاز والتشبيه للشيء المعقول بالشيء (المحس) 1. ومن هذا القبيل قول قيس الرقيات 2:
2550 - ألا طرقت من آل بثنة طارقه... على أنّها معشوقة الدّلّ عاشقه 3
فـ «عاشقة» منوي بها التقديم؛ لأنه صفة لـ «طارقة» والتقدير: ألا طرقت من آل بثنة طارقة عاشقة على أنها معشوقة الدل.
ووجه الشبه بين هذا والذي قبله أن المعشوق من شأنه أن يعرض عن عاشقه ويهجره كما أن المرض من شأنه أن يمنع المريض من أن يزور.
ومنها أيضا قولهم: فلان على البصرة؛ لأنه إذا أمّر عليها فقد صارت تحت حكمه وقهره.
ومن هذا القبيل قولهم: تعذّر عليه كذا، وصعب عليه، وشقّ عليه؛ لأن جميع ذلك راجع إلى معنى امتنع، والمنع قهر، والقهر علو.
ومنه أيضا قولهم: خفي عليه كذا، وأشكل عليه، وكل ما كان راجعا إلى معنى «خفي»؛ لأنه إذا خفي عليه، الشيء فقد منعه من أن يدركه.
ومنها قولهم:
تقوّل عليه ما لم يقل؛ لأنه إذا نسب إليه ما لم يقل فقد حمّله إياه، والمحمول أبدا في الأمور (المحسّة) 4 من شأنه أن يكون غالبا على حامله.
فأدخلت «على» عليه تشبيها للمعقول (بالمحسّ) 5. ومنها قولهم: اتصل بي هذا على لسان فلان؛ لأن اللسان حامل للكلام؛ قال الله تعالى: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ 6 أي: على لسان رجل منكم.
ومنها قولهم: كان -
................................
ذلك على عهد كسرى، لأنه إذا كان في عهده كان العهد متحملا له، ومن هذا القبيل: جازاه على كذا، وعاقبه على كذا، وأساء إليه على كذا، وكل ما هو راجع إلى معنى المجازاة؛ لأن السبب الذي لأجله وقعت المجازاة هو الذي أوصل المجازاة وحملها إليه.
ومنها قولهم: كرّ عليه، وعطف عليه ورجع عليه.
وجنى عليه، وكل ما هو راجع إلى معنى عطف؛ لأن من عطف على شيء فهو فوقه في الأشياء (المحسة) 1 فشبة في ذلك المعقول (بالمحس) 2. هذا كلامه في شرح الإيضاح ثم أتبع ذلك بأن قال:
وزعم الكوفيون أن لها ستة معان خلاف ما ذكرناه: وهي معنى «عن»، ومعنى «اللام»، ومعنى «الباء» ومعنى «مع»، ومعنى «في»، ومعنى «من».
وأقول: هذه الستة هي التي ذكرها المصنف إلا أنه عبر عن معنى «عن» بالمجازاة وعن معنى «اللام» بالتعليل، وعن معنى «مع» بالمصاحبة وعن معنى «في» بالظرفية، وذكر «الباء ومن» بلفظهما.
وأنا أشير إلى ما ذكره على الترتيب.
أما المصاحبة: فقد استدل المصنف عليها كما عرفت بقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ 3 [و] وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ 4، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ 5، وفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ 6، وأَ [وَ] عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ [لِيُنْذِرَكُمْ] 7، وبالحديث الشريف: «وبشّره بالجنّة على بلوى تصيبه» ولك أن تدعي أن «على» في هذه الآيات الشريفة والحديث الشريف للاستعلاء وتقرير ذلك أن المستعلي على الشيء حائز لذلك الشيء متمكّن منه متصرف فيه كما يتصرف المالك في ملكه.
وعلى هذا فالآية الأولى: قصد فيها الإخبار بأن مؤتي المال يؤتيه مع أنه مستول على حب المال قد تمكن منه باستعلائه عليه، وهو مع ذلك لا يمنعه الاشتمال على حب المال من الإيتاء، وهذا منه تعالى ثناء عظيم، ومدح شريف.
وأما الآية الثانية:
فالقصد فيها الإعلام بأن الله تعالى يغفر الذنوب مع اشتمال العباد على ظلم أنفسهم، -
................................ وتمكنهم منه باستعلائهم عليه. وأما الآية الثالثة: فالقصد فيها الاعتراف بنعمة الله تعالى حيث وهب له الولد بعد أن صار مشتملا على الكبر حيث هو مستعل عليه؛ المعنى: أن الولد منه كان في غاية البعد، فتصدق الله تعالى عليه، ووهب له ما وهب. وأما الآية الرابعة: فالأمر فيها ظاهر؛ لأن المرأة إذا اشتملت على الاستحياء واستعلت عليه كان حياؤها في الغاية. وأما الآية الخامسة: فقد تقدم من كلام ابن عصفور ما فيه الجواب عنها، وأما الحديث الشريف فيحتاج الجواب عنه إلى تأمل. وأما المجاوزة: فقد استدل المصنف عليها بوقوعها بعد: «بعد، وخفي، وتعذّر، واستحال، وحرم، وغضب» وأشباهها. وقد تقدم من كلام ابن عصفور أيضا ما فيه الجواب عن ذلك، وقد استدل المصنف أيضا بقولهم: رضيت عليه. والمغاربة لما ذكروا قول الشاعر: 2551 - إذا رضيت عليّ بنو قشير... قالوا: إن «رضي» ضمّن معنى «عطف» وهو جواب حسن 1. وذكروا جوابا آخر، وهو أن «رضي» أجريّ مجرى ضدّه وهو «سخط» فعدي تعديته. واستدل المصنف أيضا بقول الشاعر: 2552 - إذا امرؤ ولّى عليّ بودّه والجواب عنه بأن التعدي يلزم منه الإعراض ومن أعرض عن شخص فقد منعه وده، والمنع قهر والقهر علو كما قال ابن عصفور. ومما استدل به قول الشاعر: 2553 - أرمي عليها وهي فرع أجمع أي: عنها، ولا دليل في ذلك؛ لأنه إذا رمى بالقوس جعل سهمه عليها؛ فكأنه قال: أرمي السهم عليها أي: كائنا عليها، وأما «رميت عن القوس» فمعناه: أزلت السهم بالرمي عنها، ومن قال: رميت بالقوس؛ فقد جعل القوس آلة للرمي. وأما التعليل فقد استدل عليه المصنف كما عرفت بقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ 2 وأنه جعل من ذلك قول الشاعر: 2554 - علام تقول الرّمح يثقل عاتقي...
................................
ولم يظهر لي الجواب عن ذلك.
ولم يذكر [4/ 12] المغاربة شاهدا على ذلك سوى بيت واحد وهو قول الشاعر:
2555 - رعته أشهرا وخلا عليها... فطار النيء منها واستعارا 1
أي: خلا لها، ثم أجابوا عنه؛ فقال ابن عصفور: إن خلا ضمن معنى وقف قال:
لأنه إذا خلا لها فقد وقف عليها.
وقال ابن أبي الربيع بعد إنشاده البيت: هذا على التضمين؛ لأن المكان إذا خلا لها فرعته وحدها فقد صار النبات عليها لكثرته، وليس هناك ما يرعاه غيرها.
قال: وهذا الشاعر يصف إبلا سمنت بسرعة.
والنيء: الشحم، واستعار: يريد استعر من السعير، وهو افتعل منه أشبع الفتحة فتولد منها ألف 2.
وأما الظرفية: فقد استدل المصنف عليها بما تقدم من قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ 3، ومن قوله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها 4، وأنشد قول الشاعر:
2556 - على حين ألهى النّاس جلّ أمورهم
ولم يذكر المغاربة شاهدا على ذلك سوى الآية الشريفة الأولى، وأجابوا عن ذلك بأن (تتلوا) ضمن معنى «تتقول»؛ قالوا: لأن معنى الآية: أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه فعديت (تتلوا) تعدية ما ضمن معناه، وهو «تتقول».
وأما الآية الشريفة الثانية؛ فقال الشيخ: إن (على) فيها للاستعلاء المجازي، وذلك أنه لما تمكن من الدخول والخروج في ذلك الوقت صار مستعليا عليه في المعنى 5 ولم يتعرض إلى الجواب عن (الثالثة) 6.
ويمكن أن يقال فيه ما أشار إليه من التخريج في الآية الشريفة.
وأما موافقة «من»: فقد عرفت استشهاد المصنف عليه بقوله تعالى: إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ 7، وبقوله تعالى: إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 8. وقد أجيب عن الآية الشريفة الأولى بأن (حفظون) 9 ضمن معنى «قاصرون»؛ المعنى: -
................................
والذين هم قاصرون فروجهم إلا على أزواجهم، يقال: قصر فلان أمره على فلان.
وأما الآية الشريفة الثانية فذكر ابن عصفور 1 عن الفراء 2 أن «من، وعلى» إنما اعتقبا على هذا الموضع؛ لأنه حق عليه، فإذا قيل: اكتلت عليه؛ فكأنه قيل:
أخذت مما عليه، وإذا قيل: اكتلت منه، فكأنه قيل: استوفيت منه.
وقال الخضراوي: دخول «على» هنا أكثر من «من»، ودخول «من» على أنه استخراج واحد ودخول «على» لأنه استطلاع بحق واستشراف عليه، قال: وكلاهما على التجوز 3. وكلام الخضراوي هو معنى كلام الفراء، وقال ابن أبي الربيع: المعنى: وإذا حكموا على الناس في الكيل استوفوا؛ لأن ذلك لا يكون حتى يلوا الكيل بأنفسهم 4.
وأما موافقة الباء: فقد عرفت استدلال المصنف عليها بقوله تعالى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ 5. وذكر المغاربة من الأدلة على ذلك قول العرب: اركب على اسم الله؛ المعنى: باسم الله، وبقول الشاعر:
2557 - شدّوا المطيّ على دليل دائب... من أهل كاظمة بسيف الأبحر 6
أي: بدليل دائب.
وبقول الآخر:
2558 - وكأنّهنّ ربابة وكأنّه... يسر يفيض على القداح ويصدع 7
أي: بالقداح وقد خرّج ذلك كله على التضمين 8 فأما الآية الشريفة فـ «حقيق» فيها ضمن معنى «حريص» وأما «اركب على اسم الله»، و «على دليل»، ويفيض على القداح» فخرجه ابن عصفور على تعليق «على» بمحذوف في موضع الحال؛ التقدير: اركب معتمدا على اسم الله، وشدوا المطي معتمدين على دليل، ويفيض -
[حتى الجارة... معانيها، وأحكامها]
قال ابن مالك: (ومنها: «حتّى» لانتهاء العمل بمجرورها أو عنده، ومجرورها إمّا بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاما صريحا، أو غير صريح، وإما كبعض، ولا يكون ضميرا، ولا يلزم كونه آخر جزء، أو ملاقي آخر جزء خلافا لزاعم ذلك ويختصّ تالي الصّريح المنتهي به بقصد زيادة ما، وبجواز عطفه واستئنافه، وإبدال حائها عينا لغة هذيليّة).
صائحا على القداح 1. وقال الخضراوي: التقدير: معتكفا عليها 2، وهو أحسن.
وقال ابن أبي الربيع: إن «يفيض على القداح» ضمن معنى «يدفع» أي: يدفع على القداح أنفسها، من باب تسمية الشيء باسم ما يلازمه 3، يصف أتنا وحمارا.
واليسر: المقامر الضارب بها، ويصدع: يفرق، وأصله الشق.
وأما زيادة «على» دون تعويض: فقد تقدم استدلال المصنف عليه، لكن قال الشيخ: ما ذكره المصنف مخالف لنص سيبويه فإنه قال: عن وعلى لا يزادان 4.
قال: وأما استدلال المصنف بقول الشاعر:
2559 - على كلّ أفنان العضاه تروق
فيحتمل التضمين؛ وذلك أنه ضمّن «تروق» معنى «تفضل وتشرف» قال: وكذا استدلاله بما ورد في الحديث الشريف: «من حلف على يمين» 5 إن صح أنه من لفظ الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقال فيه: إن «حلف» ضمّن معنى جسر أي: من جسر بالحلف على يمين.
انتهى.
وليس ما ذكره الشيخ من التضمين يدفع ما قاله المصنف من الزيادة، غاية الأمر أن هذا الذي ذكره توجيه آخر.
وأما نص سيبويه أن «على» لا تزاد فيحمل على أن مراده أنها لا تزاد في الأشهر والأغلب، ولا يمنع ذلك من أنها قد يندر زيادتها.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 6: «حتّى» على أربعة أقسام: عاطفة، وحرف ابتداء، وبمعنى «كي»، وجارة؛ فللثلاثة الأولى مواضع تجيء إن شاء الله تعالى.
والجارة: مجرورها: إما اسم صريح نحو: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 7، وسَلامٌ -
................................
هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 1، وإما مصدر مؤول من «أن» لازمة الإضمار وفعل ماض نحو: حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا 2، أو مضارع نحو: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ 3. وجرّها المصدر [4/ 13] المؤول يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في باب إعراب الفعل وعوامله 4.
وأما جر الاسم الصريح فهي فيه على ضربين:
أحدهما: أن يكون ما بعدها جزءا لما قبلها من دليل جمع مصرح بذكره نحو: ضربت القوم حتى زيد، فـ «زيد» جزء لما قبله 5 دليل جمع مصرح بذكره وهو مضروب انتهى الضرب به، ويجوز أن يكون غير مضروب لكن انتهى الضرب عنده، وإذا كان الانتهاء به ففي ذكر القوم غنى عن ذكره لكن قصد التنبيه على أن فيه زيادة ضعف، أو قوة، أو تعظيم، أو تحقير.
وإلى هذا أشرت بقولي: (ويختص تالي الصريح المنتهى به بقصد زيادة ما).
وعنيت بالصريح: كونه بلفظ موضوع للجمعية فدخل في ذلك الجمع الاصطلاحي واللّغوي كـ: «رجال، وقوم»، وعنيت بغير الصريح: ما دل على الجمعية بغير لفظ موضوع لها كقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 6 فإن مجرور (حتى) فيه منتهى لأحيان مفهومة غير مصرح بذكرها، ويجوز كون تالي الصريح منتهى عنده؛ لأنه كما يجوز مع «إلى» فإنهما سواء في صلاحية الاسم المجرور بهما للانتهاء به والانتهاء عنده، أشار إلى ذلك سيبويه 7، والفراء 8، وأبو العباس أحمد بن يحيى 9.
وقال أحمد بن يحيى: قوله إِلَى الْمَرافِقِ 10 مثل «حتى» للغاية، والغاية تدخل وتخرج.
يقال: ضربت القوم حتى زيد، فيكون «زيد» مضروبا وغير مضروب؛ فيؤخذ هنا بالأوثق 11، يريد أن كون المرافق مدخلة في الغسل هو المعمول به؛ لأنه أحوط الحكمين.
ومن شواهد استواء «حتى» و «إلى» أن قوله تعالى: فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ 12 قرأه عبد الله (فمتّعنهم حتى حين) 13، ومن -
................................
شواهد خروج ما بعد «حتى» مع صلاحيته للدخول قول الشاعر:
2560 - سقى الحيا الأرض حتّى أمكن عزيت... لهم فلا زال عنها الخير محدودا 1
ولا يعتبر في تالي غير الصريح إفهام الزيادة التي أشرت إليها.
ومما يختص به تالي الصريح المنتهى به جواز عطفه على ما قبله نحو: ضربت القوم حتى زيدا، وجواز استئنافه نحو:
ضربتهم حتى زيد؛ فـ «زيد» مبتدأ محذوف الخبر، ويروى بالأوجه الثلاثة قول الشاعر:
2561 - عممتهم [بالنّدى] حتّى غواتهم... فكنت مالك ذي غيّ وذي رشد 2
ويروى بالأوجه الثلاثة أيضا قول الآخر:
2562 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها 3
وإلى هذا أشرت بقولي: (وإما كبعض)؛ لأن النعل ليست بعضا للصحيفة والزاد لكنها كبعض؛ باعتبار أن إلقاء الصحيفة والزاد إنما كان ليخلو من ثقل وشاغل، والنعل مما يثقل ويشغل، فجاز عطفها لذلك؛ لأنه بمنزلة أن يقول: ألقى ما يثقله حتى نعله، وإذا لم يصلح أن ينسب لمجرورها ما نسب إلى ما قبلها فالانتهاء عنده، لا به نحو: صمت ما بعد يوم الفطر حتى يوم الأضحى، وسريت البارحة حتى الصباح، فانتهى الصوم عند يوم الأضحى (لا به) 4، لا يصح أن ينسب إليه؛ [لأن] انتهاء السرى عند الصباح لا به؛ (إذ) 5 لا يصح أن ينسب إليه.
فالجر متعين والعطف والاستئناف ممتنعان، ومجرورها أبدا عند سيبويه 6 ظاهر لا مضمر، وأجاز غيره أن تجر المضمر فتقول: حتاه، وحتاك.
قال أبو بكر بن السراج: والقول عندي ما قال سيبويه؛ لأنه غير معروف اتصال «حتى» بالضمير وهو في القياس غير ممتنع 7.
والتزم الزمخشري كون مجرورها آخر جزء (أو) 8 ملاقى في آخر جزء 9، وهو غير لازم ومن دلائل ذلك قول الشاعر: -
................................
2563 - إنّ سلمى من بعد يأسي همّت... بوصال لو صحّ لم يبق بوسا
عيّنت ليلة فما زلت حتّى... نصفها راجيا فعدت يؤوسا 1
وفي قراءة ابن مسعود (ليسجننّه عتّى حين) 2، وسمع عمر رضي الله عنه رجلا يقرأ (عتّى حين)، فقال: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله أنزل هذا القرآن، فجعله عربيّا وأنزل بلغة قريش: فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسّلام 3 هذا آخر كلام المصنف رحمه الله، ويتعلق به أمور:
منها: أنه ذكر أن «حتى» أربعة أقسام من حيث إنه جعل التي بمعنى «كي» قسيمة للجارة، وذلك غير ظاهر؛ فإن التي بمعنى «كي» جارة أيضا فكيف تكون قسيمة للجارة؟ نعم؛ الجارة إما أن تفيد الغاية فتكون بمعنى «إلى»، أو التعليل فتكون بمعنى «كي».
وقد قال هو في باب إعراب الفعل: إن «أن» ينصب الفعل بها مضمرة بعد «حتى» المرادفة لـ «إلى»، أو «كي» الجارة 4.
ولا شك أن «حتى» التي ينصب الفعل بعدها بإضمار «أن» هي الجارة، وإذا كان كذلك فكيف ينتظم هذا مع قوله هنا: إن «حتى» تكون بمعنى «كي»، وجارة؟!
والحق: أن أقسام «حتى» ثلاثة: عاطفة، وحرف ابتداء، وجارة.
لكن الجارة قسمان؛ لأن مجرورها: إما مصدر مؤول وهي الداخلة على الفعل المضارع المنصوب بـ «أن» مضمرة ثم إنها قد تفيد التعليل فتكون بمعنى «كي»، وقد تفيد الغاية فتكون بمعنى «إلى»، وقد تكون بمعنى «إلا أن» كما سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى في باب إعراب الفعل وعوامله، وإما اسم صريح كقوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 5 والثانية - أعني الجارة الاسم الصريح - هي المذكورة هنا أي: في باب حروف الجر.
وأما الأولى فهي التي تذكر في الباب الذي أشرنا إليه.
ومنها: أن قوله: إن الكلمة المذكورة وهي «حتى» لانتهاء العمل بمجرورها، -
................................
أو عنده يعطي أن ذلك جائز فيها على الإطلاق، ويؤيد أن هذا مراده قوله في الشرح - بعد أن مثل بـ: «ضربت القوم حتى زيد» -: فـ «زيد» جزء لما قبله وهو مضروب انتهى الضرب به، ويجوز أن يكون غير مضروب لكن انتهى الضرب [4/ 14] عنده لكن المغاربة ليس ذلك عندهم على الإطلاق؛ إنما هو باعتبار حالين:
ففي حال يوجبون أن يكون انتهاء العمل عنده؛ وذلك أن المجرور بـ «حتى» إذا كان جزءا مما قبلها واقترنت بالكلام قرينة دالة على أنه داخل في المعنى مع ما قبله، أو خارج عنه كان بحسب تلك القرينة نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر، وإن لم تقترن به قرينة كان ما بعدها داخلا في المعنى مع ما قبله نحو: صمت الأيام حتى يوم الخميس.
أما إذا لم يكن ما بعد «حتى» جزءا مما قبلها؛ فالفعل غير متوجه عليه قطعا نحو قولك: سرت حتى الليل؛ فالسير غير واقع في الليل، ثم إنهم بنوا على ذلك جواز العطف وعدم جوازه.
وسيأتي ذكر ذلك مفصّلا كما ذكروه.
ومنها: أن قوله: ومجرورها إما بعض لما قبلها، وإما كبعض يقتضي ألا يصح قول القائل: سرت النهار حتى الليل، ولا شك في صحة ذلك.
ويدل عليه تقسيمهم المجرور بحتى إلى ما يكون جزءا مما قبلها وإلى ما لا يكون جزءا منه، ثم هذا مناف لقوله في الشرح: وإذا لم يصلح أن ينسب لمجرورها ما نسب إلى ما قبلها فالانتهاء عنده، لا به نحو: صمت ما بعد يوم الفطر حتى يوم الأضحى، وسريت البارحة حتى الصباح فانتهاء الصوم عند يوم الأضحى لا به؛ إذ لا يصح أن ينسب (إليه) 1 وانتهاء السرى عند الصباح لا به إذ لا يصح أن ينسب إليه، فالجر متعين والعطف والاستئناف ممتنعان؛ فقد حكم بتعيين الجر في الصباح، وليس الصباح بعضا من الليل الذي حصل فيه السري.
وهو قد قال: إن مجرور «حتى» بعض لما قبلها، أو كبعض.
ومنها: أنّه سوّى بين «حتى»، و «إلى» في أن المجرور بكل منهما يجوز فيه أن يكون منتهى به ومنتهى عنده؛ كما «صرّح» 2 ذلك في الشرح فقال: فإنهما سواء في صلاحية الاسم المجرور بهما للانتهاء به والانتهاء عنده.
وقد عرفت أن المغاربة يفرّقون بين الحرفين فالمجرور بـ «إلى» منتهى عنده إلا أن -
................................
تقوم قرينة على أن الانتهاء به؛ فيعمل بمقتضاها أيضا.
لكن المصنف أشار إلى أن ما ذكره هو مذهب سيبويه كما عرفت.
وفي شرح الإيضاح للخضراوي: اختلف الناس في ما بعد «حتى» إذا كانت جارة، أيدخل في ما قبلها أم لا؟ فمذهب أكثر النحويين أنه داخل في ما قبلها في كل وجه.
وقال قوم: يدخل في ما قبلها ما لم يكن غير جزء منه نحو: إنه لينام الليل حتى الصباح، وهو قول الفراء 1، والرماني 2، وجماعة 3.
ومذهب أبي العباس 4، وأبي بكر 5، وأبي علي 6: أنه داخل إلا بقرينة تخرجه نحو قولهم: إنه ليصوم الأيام حتى يوم الفطر.
واتفقوا [على] أنها إذا عطفت دخل ما بعدها في ما قبلها فمن يقول في «نمت الليل حتى الصباح»: إن الصباح لم ينم فيه حتى يجيز العطف؛ لأنهم اتفقوا فيما أعلم [على] أنها لا تعطف إلا حيث تجر ولا يلزمه العكس.
واتفقوا على أنه إذا لم يكن قبلها ما يعطف عليه لم يجز إلا الخفض نحو: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 7، وتَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ 8، وأقاموا حتى الصباح، وأقام حتى ساعة تهيأ أمرنا 9. هذا كلام الخضراوي.
ومنها: قوله: ولا يلزم كونه آخر جزء أو ملاقي آخر جزء أي: لا يلزم كون مجرور حتى [كذلك]؛ فإن مقتضاه أن هذا الذي ذكره هو مذهب الجمهور، ولهذا نسب في الشرح الخلاف في ذلك إلى الزمخشري خاصّة لكن المغاربة مطنبون على خلاف ما ذكره المصنف.
قال ابن عصفور في شرح الإيضاح: ولا يكون الاسم الذي انجر بها - يعني بـ «حتى» - إلا آخر جزء من الشيء نحو قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقيا لآخر جزء منه نحو قولك: سرت النهار حتى الليل، ولو قلت: أكلت السمكة حتى وسطها، وسرت النهار حتى نصفه؛ لم يجز، بل يجب أن تأتي -
................................
حينئذ بـ «إلى» فتقول: أكلت السمكة إلى وسطها، وسرت النهار إلى نصفه.
قال: فـ «إلى» في استعمالها لانتهاء الغاية أقعد من «حتى»؛ لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء غاية، وسواء في ذلك أن يكون آخر جزء من الشيء أو ملاقيا لآخر جزء منه أو لا يكون، ولمّا كانت أقعد منها في ذلك جرّوا بها الظاهر والمضمر ولم يجروا بـ «حتى» إلا الظاهر.
قال: وما بعد «حتى» لا يكون إلا داخلا في معنى ما قبلها إلا أن يقترن بالكلام قرينة تدل على خلاف ذلك 1. انتهى.
وكلام الخضراوي موافق لكلام ابن عصفور، ولهذا قال الشيخ: وما نقله - يعني المصنف - عن الزمخشري هو قول أصحابنا، ثم قال: «وما استدل به المصنف من قوله:
2564 - عيّنت ليلة فما زلت حتّى... نصفها... البيت
لا حجة فيه؛ لأنه لم يتقدم «حتى» [شيء] 2 يكون ما بعدها جزءا له ولا يكون ما بعدها ملاقيا لآخر جزء منه في الجملة العامل فيها بـ «حتى» ليس المغيّا البيت نظير ما مثل به أصحابنا من قولهم: أكلت السمكة حتى وسطها؛ لأنه تقدم السمكة في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، وليس الوسط آخر جزء في السمكة ولا ملاقيا لآخر جزء منها.
فلو صرح في الجملة بذكر الليلة فقال: فما زلت راجيا وصلها تلك الليلة حتى نصفها؛ كان ذلك حجة على الزمخشري.
ونحن نقول: إذا لم يتقدم في الجملة المغياة بـ «حتى» ما يصلح أن يكون ما بعد «حتى» آخر جزء منه أو ملاقيا آخر جزء منه جاز أن تدخل على ما ليس بآخر جزء ولا ملاقي آخر جزء 3. انتهى.
ولم يظهر ما قاله؛ لأن الشاعر وإن لم يصرح بذكر الليلة فمراده: فما زلت تلك الليلة.
ولو لم يكن ذلك مراده لم يكن للضمير المضاف إليه النصف مفسر يعود عليه.
وقد قال المصنف: إن مجرور [4/ 15] «حتى» بعض لما قبلها من مفهم جمع إفهاما صريحا، أو غير صريح، ومثّل لغير الصريح بقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 4.
والحاصل أنه: لا يلزم من عدم الذكر لفظا عدم الإرادة والتقدير.
-
................................
وإذ قد انقضى البحث في ما يتعلق بكلام المصنف فلنذكر شيئا من كلام الجماعة على هذه الكلمة - أعني «حتى» - ثم نختم ذلك بالكلام على «حتى» الابتدائية؛ لأن المصنف لم يخصها بكلام في شيء من كتبه.
قال ابن هشام الخضراوي: بين «حتى» و «إلى» فروق 1 ينبغي أن تعرف:
منها: أن «حتى» ينتصب الفعل بعدها بإضمار «أن»، وأما «إلى» فلا ينتصب الفعل بعدها بإضمار «أن» تقول: أسير حتى تطلع الشمس، ولا يجوز ذلك في «إلى».
ومنها: أن «حتى» إذا نصب الفعل بعدها تخرج إلى معنى «كي»، وإلى معنى «إلا أن» كما يذكر في إعراب الفعل ولا
يكون ذلك في «إلى».
ومنها: أنها لا تجر مضمرا، وما أجازه أبو العباس من ذلك باطل؛ لعدم سماعه 2.
ومنها: أنك تقول: سرت إلى زيد، ولا تقول: سرت حتى زيد؛ لأن ما بعد حتى يكون جزءا مما قبلها، أو ملاقيا لآخر جزء، أو داخلا مع ما ذكر قبلها بوجه شمله معه، أو فيما هو مقدر وإن لم يذكر فالأول قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، وضربت القوم حتى زيد، والثاني قولك: إنه لينام الليل حتى الصباح ويصوم الأيام حتى يوم الفطر، والثالث قوله:
2565 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها
فالفعل داخل مع الزاد والصحيفة في أنه متاع وسبب ومتملك، و [الأخير] قوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 3؛ لأن ذلك في حكم: سلام هي طول أمدها حتى مطلع الفجر، وكذلك قوله تعالى: قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ 4 المعنى: طول ما تتركون حتى حين، وتستعمل «إلى» في هذا كله وتزيد بما يخرج عن هذا نحو: نمت النهار إلى ثلث الليل، وإلى نصفه، وجئت إلى عبد الله، وإنما هي غاية دون اشتراط، ولهذا قال سيبويه فيها: وهي أعمّ في الكلام من حتّى 5.
ومنها: أن «حتى» لا تكون إلا لتعظيم، أو تحقير، أو ضعف، ولا يلزم ذلك -