تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 3105-3144

الباب الأربعون باب القسم

صفحات 3105-3144

................................  المصدرة بكل من الحرفين المذكورين هي جواب القسم؛ لأن فاعل «تصدر» ضمير يرجع إلى «جملة مؤكدة» من قوله: المقسم عليه جملة مؤكدة فيصير معنى كلامه: المقسم عليه جملة مؤكدة تصدر في الإثبات بكذا وفي الشرط الامتناعي بكذا.
ولا شك 1 أن الجملة الشرطية ليست جوابا، بل جواب القسم محذوف لدلالة جواب «لو» عليه؛ إذ كل من القسم والشرط يطلب جوابا ومن المعلوم أن القسم والشرط إذا اجتمعا يستغنى بجواب أحدهما [عن جواب] الآخر.
وهذا الذي أعطاه كلام المصنف يعطيه كلام ابن عصفور أيضا وهو الذي تقدم نقلنا له عنه؛ فإنه لما ذكر الروابط التي تربط الجواب بالقسم قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو أن يصرح بأن «لو» وجوابها جواب للمقسم كما أفهمه كلام المصنف.
وسنحرر الكلام في هذه المسألة إن شاء الله تعالى عند الكلام على اجتماع القسم والشرط.
رابعها: أن قوله في متن الكتاب: وفي النفي بـ «ما» أو «لا» أو «إن» بعد قوله: تصدر في الإثبات بلام مفتوحة إلى آخره يقتضي أن النوافي المذكورة تختص بالجملة الاسمية؛ لأن الكلام الآن إنما هو فيها لكونه ذكر المصدرة بمضارع وبماض بعد.
ولا شك أن كلّا من النوافي الثلاثة تباشر الفعل كما تباشر الاسم، وإذا كان كذلك فكان الأولى؛ بل الواجب أن ينهي الكلام على ما تصدر به الجملة في الإثبات اسمية كانت أو فعلية، ويأتي بقوله: وفي النفي بـ «ما» أو «لا» أو «إن» بعد ذلك كله ليعرف منه أن النوافي المذكورة لا يختص منها شيء بالجملة الاسمية.
وبعد هذا: فلنذكر ما يتعلق بهذا الموضع من المباحث: الأول: ذكر ابن عصفور في شرح الإيضاح عن بعض قدماء النحويين أنه زعم أن القسم -

................................  قد يتلقى بـ «بل» مستدلّا بقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ 1 بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (1)، قال: وهذا الذي ذهب إليه باطل؛ لأنه بنى إجازة ذلك على الآية الشريفة، ولا حجة له فيها؛ لاحتمال أن يكون جواب القسم قوله تعالى: كَمْ أَهْلَكْنا، واعترض بين القسم وجوابه بـ «بل» وما دخلت عليه، والتقدير: والقرآن ذي الذكر لكم أهلكنا، وحذفت اللام من الجواب كما حذفت منه في قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ 2 وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ 3 قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (2). ثم ذكر عن الفرّاء قولا آخر في تخريج الآية الشريفة (3) تركت ذكره خوف الإطالة ثم عرفت من كلام ابن عصفور المتقدم نقله عنه أن: «أن» عنده من روابط المقسم به بالمقسم عليه في نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو، ولكن سيأتي الكلام على هذه المسألة قريبا إن شاء الله تعالى. الثاني: قد عرفت أن ابن عصفور لم يذكر من الروابط في النفي إلا «ما» و «لا» وأنه ذكر أن «ما» ينفى بها الجملة الاسمية، والجملة المصدرة بفعل ماض أو مضارع يراد به الحال وأن «لا» ينفى بها الجملة المصدرة بمضارع يراد به الاستقبال، ولكنه قال في شرح الإيضاح: وزعم ابن جني أن القسم قد يتلقى بـ «لم» في الضرورة مستدلّا بقول القائل: 2801 - رويق إنّي وما حجّ الحجيج له... ولا أهل يحبني تحلّة الحرم لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم... عهد سلوت به عنكم ولا قدم 4 قال: فجعل «لم ينسني» جوابا للقسم تشبيها لـ «لم» بـ «ما»، ويقول الأعشى: 2802 - أجدّك لم تغتمض ساعة... فترقدها مع رقادها 5

................................  فـ «أجدك» عنده من قبيل الإقسام وقد تلقاه بـ «لم».
قال: ولذلك أيضا زعم أنه قد يتلقى بـ «لن» في الضرورة مستدلّا بقول الآخر: 2803 - أجدّك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا 1 فتلقى «أجدك» بـ «لن».
قال: وهذا غلط؛ لأن القسم الواقع بعد «أن» قد يكون ما بعده محتملا وجهين: أحدهما: أن يكون جوابا للقسم؛ والقسم وجوابه في موضع خبر «إن».
والآخر: أن يكون خبرا لـ «إن» والقسم ملغى، ومن ذلك قول طرفة: 2804 - إنّي وجدّك ما هجوتك وال... أنصاب يسفح بينهنّ دم 2 ألا ترى أنه يجوز أن يكون «ما هجوتك» جوابا للقسم، والقسم وجوابه في موضع خبر «إن»، ويجوز أن يكون ما هجوتك خبرا لـ «إن» والقسم ملغى معترض به بين اسم «إن» وخبرها.
وقد يكون ما بعده مبنيّا على القسم ولا يجوز فيه أن يكون مبنيّا على «إن» نحو قولك: إن زيدا والله ليقومن، وقد يكون أيضا ما بعده مبنيّا على «إن» ولا يجوز أن يكون مبنيّا على القسم نحو قولك: إن زيدا والله لقائم، ومن ذلك قول الكميت 3: 2805 - إنّي لعمر أبي سوا... كـ من الصّنائع والدّخاير 4 وقول الآخر [4/ 52]: 2806 - إنّك والله لذو ملّة... يطرفك الأدنى عن الأبعد 5 فإذا ثبت أن ما بعد القسم يجوز أن يكون مبنيّا على «إن» لا على القسم؛ وجب أن يجعل «لم ينسني ذكركم» في البيت خبرا لـ «إن» لا جوابا للقسم؛ إذ -

................................  لم يثبت في كلامهم تلقي القسم بـ «لم».
وقد ثبت من كلامهم بناء ما بعد القسم على «إن» وإلغاء القسم، وكذلك أيضا بيت الأعشى.
والبيت الآخر الذي استدل به على تلقي القسم بـ «لن» لا حجة له فيهما؛ لأن قول العرب: أجدّك لم تفعل كذا ولن تفعل كذا، لا يراد به القسم وإنما هو عند سيبويه من باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله نحو قولك: هذا عبد الله 1 حقّا، قال سيبويه في هذا الباب: ومثل ذلك في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا؟ كأنه قال: أحقّا لا تفعل 2 كذا؟ قال: وأصله من الجد كأنه قال: أجدّا، ولكنه لا يتصرف ولا يفارق الإضافة كما كان ذلك في «لبيك» ومعاذ الله.
وإنما جعله في هذا الباب وإن كان «أجدك» ليس قبله كلام يؤكد؛ لأن الكلام الذي بعده النية به أن يكون مقدما عليه من جهة أن المصدر في هذا الباب منصوب بفعل مضمر يدل عليه الجملة التي المصدر توكيد لها؛ وذلك أن الفعل «أحق» أو ما جرى مجراه، وذلك أنك إذا قلت: هذا عبد الله؛ فالظاهر أن يكون هذا الكلام قد جرى على (تيقن) 3 منك وتحقيق قول الكلام بظاهره على «أحق» أو ما هو في معناه، فلما كانت الجملة دالة على الفعل المضمر الناصب للمصدر كان الوجه فيها أن تكون متقدمة على المصدر؛ لأن الدليل بابه أن يكون متقدما على المدلول، ولذلك قالت العرب: هذا عبد الله حقّا ولم تقل: حقّا هذا عبد الله؛ إلا على كراهية، والنية بالمصدر إذ ذاك التأخير لما ذكرناه.
وإنما التزم في «أجدك لا تفعل كذا» تقديم المصدر؛ لأنه خالف المصادر المؤكدة لما قبلها في التزامهم فيه الإضافة، والتغيير كثيرا ما يأنس بالتغيير فلم يتصرفوا فيه لذلك، بل ألزموه طريقة واحدة؛ فجعلوه مجاورا لهمزة الاستفهام مقدما على ما يؤكده وصار التقديم الذي كان ضعيفا في غيره لا يجوز غيره فيه.
هذا كلام ابن عصفور.
وأنت تعرف أن الشيخ رحمه الله تعالى مستمسك بكلامه تابع طريقته؛ لأنه - أعني ابن عصفور - إنما يمشي في المسائل غالبا على ما يذهب إليه الجمهور.
فمن ثم قال الشيخ عند شرح قول المصنف: وفي النفي بـ «ما» أو «لا»، أو «إن»: أما الجملة الاسمية فتنفى بـ «ما» ولا تنفى بـ «لا» والنظر يقتضي أن تنفى بـ «إن» -

................................  فتقول: والله إن زيد قائم، أي: ما زيد قائم 1. قال: وذكر المصنف في شرح الكافية الشافية: أن الجواب المنفي ينفي بـ «ما» أو «إن» أو «لا»، ولا فرق في ذلك بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية إلا أن الاسمية إذا نفيت بـ «لا» وقدم الخبر أو كان المخبر عنه معرفة لزم تكرارها في غير الضرورة نحو: والله لا زيد في الدار ولا عمرو، ولعمري لا أنا هاجرك ولا مهينك 2. ثم قال الشيخ: وكون الجملة الاسمية تنفى بـ «لا» غلط ووهم والثلاثة تنفى بها الجملة الفعلية 3، ثم قال في قول المصنف: وقد تصدر بـ «لن» أو «لم»: إنه لا ينقاس على شيء من ذلك ألبتة وأن المصنف ليس له سلف فيمن أجاز ذلك إلا ما حكي عن ابن جني أنه زعم أنه قد يتلقى القسم بـ «لم»، و «لن» في الضرورة، ثم أورد ما أورده ابن عصفور، وهو الذي ذكرناه عنه آنفا برمته 4، ثم قال: وأما ما استدل به المصنف من قول العرب: نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة فليس «لم تقم» جوابا للقسم، بل جواب القسم محذوف يدل عليه سؤال السائل: ألك بنون؟ فقال: نعم وخالقهم لبنون لي، ثم استأنف مدحهم وأخبر أنهم لم تقم عن مثلهم منجبة.
فهذا الذي ذهب إليه المصنف من أنه قد يصدر في النفي بـ «لم» و «لن» لا سلف له فيه إلا ابن جني؛ فإنه أجاز ذلك في الضرورة، واستدل عليه بما ذكرناه وتقدم الرد عليه 5. انتهى.
والكلام مع الشيخ فيما ذكره من وجوه: أما أولا: فقوله: وكون الجملة الاسمية تنفى بـ «لا» غلط؛ فإنه لم يبين وجه الغلط ما هو، ولا أقام دليلا على ما ذكره.
وأما ثانيا: فقوله: في قول المصنف: وقد تصدر بـ «لن»، أو «لم»: إنه لا يقاس على شيء من ذلك ألبتة؛ فإن المصنف لم يدّع اطراد هذا الأمر فينسب إليه القول بالقياس، وكيف يتوهم فيه أنه يقيس ذلك وهو لم يذكر هذين الحرفين مع الأحرف الثلاثة التي هي: «ما»، و «لا»، و «إن»، بل بعد انقضاء الكلام قال: (وقد تصدر بـ «لن» أو «لم»)؛ فأفهم كلامه أن هذا قليل، ولا شك أن النفي بـ «لن» و «لم» ورد في كلام العرب، فأراد أن ينبه على هذا الأمر كيلا -

................................  يخلو الكتاب منه.
وأما الثالثة: فقوله: إن المصنف ليس له سلف في ذلك سوى ابن جني؛ فإن هذا الكلام مشعر بأن المصنف إنما قال ذلك تبعا لابن جني.
وأقول: لو كان ابن جني هو متبوع للمصنف في ذلك لاستشهد بما استشهد ابن جني به، والمصنف لم يلم بشيء من ذلك إنما استشهد بما عرفته.
وأما تخريجه «نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة» فلا يخفى ضعفه، وبيان ذلك أن الناطق بهذا الكلام قصد بإجابته المسائل [شيئين]: الإخبار بأن له بنين، ثم الإخبار بمدح البنين المخبر بهم أنهم له [4/ 53] وأجلّ الأمرين عنده الإخبار بمدحهم، والأمر الجليل هو الذي يقصد توكيده، والقسم إنما يجاء به لتوكيد الأمر المخبر به وتقويته عند المخاطب، فوجب أن يكون المؤكد هو الإخبار بالمدح، وأما أن يقسم على أن له بنين فلا فائدة في ذلك؛ لأنه لم ينازع فيه ولا نفي عنه حتى يحتاج إلى الإقسام عليه، بل الذي يمكن أن ينازع فيه إنما هو قوله: «ولم تقم عن مثلهم منجبة»؛ فهو الذي يحتاج إلى أن يقسم عليه.
وهب أن الشيخ يتم له الجواب الذي ذكره في «نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة» فماذا يقول في قول أبي طالب: 2807 - والله لن يصلوا إليك بجمعهم... حتّى أوارى في التّراب دفينا 1 وأبو طالب في الفصاحة والبلاغة أبو طالب؟! ثم أيّ فساد يترتب على نفي القسم بـ «لن» أو بـ «لم» حتى يمنع ذلك ويردّ على من ادعاه؟! ولا وجه من حيث الصناعة لمنعه؛ لأن الخبر المنفي المقسم عليه قد يكون مستقبلا فينفى بـ «لن» وقد يكون ماضيا فينفى بـ «لم».
وغاية الأمر أن الغالب في لسان العرب أن ينفى الجواب - أعني جواب القسم - بثلاثة الأحرف التي هي «ما» و «لا» و «إن»، وأنه قد ينفى بـ «لن» و «لم» لكن ذلك قليل ولا منازعة في وروده فوجب القبول.
ثم قد عرفت أن ابن عصفور ذكر أن الحرف الذي ينفى به الماضي في جواب -

................................  القسم إنما هو «ما»، وأن المصنف لم يخصصه بها، بل قال: إنه ينفى بـ «لا» وب «إن».
وأما نفيه بـ «إن» فمنه قوله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ 1، وأما نفيه بـ «لا» فأنشد عليه قول الشاعر: 2808 - ردوا فو الله لا ذدناكم أبدا... ما دام في مائنا ورد لنزّال 2 فقال الشيخ عند ذكر هذه المسألة هنا: وقد بحثنا معه في تأويل هذا البيت في آخر الباب الأول من هذا الكتاب بما يوقف عليه هناك 3. انتهى.
وأقول: إن البحث الذي تقدم له مع المصنف إنما هو بالنسبة إلى كون الماضي بعد «إن» و «لا» ينصرف إلى الاستقبال أو يبقى على مضيه لا في كون «لا» ينفى بها الفعل الماضي إذا وقع جواب قسم أو لا ينفى.
وأما ما ذكره ابن عصفور في مسألة «أجدك» فهو كلام حسن وتقرير جيد.
وقد تقدم الكلام على هذه الكلمة في «باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراه» من هذا الكتاب ونقلنا فيها كلاما لابن الحاجب 4 وما ذكره الشيخ في شرحه وما نقله عن صاحب النهاية والجامع 5 بين المذكور هنا والمذكور هناك يحصل 6 له المقصود، ويتلخص له ما يعتمد عليه 7. وذكرنا في ذلك الباب أن المصنف نقل عن الشلوبين أن في «أجدك» معنى القسم 8، وهذا من الشلوبين يعضد قول ابن جني، ولكن الظاهر ما قاله ابن عصفور، فينبغي التعويل عليه والرجوع إليه.
-

................................  المبحث الثالث: إنما قيد المصنف المضارع المثبت بكونه مستقبلا؛ تنبيها على أن المضارع إذا لم يكن مستقبلا لم يثبت له هذا الحكم، ولهذا قال في الشرح: فإن أريد به الحال قرن باللام ولم يؤكد بالنون؛ لأنها مخصوصة بالمستقبل، وهذا يدل منه على أن الإقسام على فعل الحال جائز.
وقد عرفت من كلام ابن عصفور أن المضارع المثبت المقصود به الحال لا يقسم عليه وهو باق على صورته، بل إذا قصد ذلك بني من الفعل اسم فاعل وجعل خبر مبتدأ فتعود الجملة المقسم عليها اسمية وأنه لا يرد الفعل بصورته مقرونا باللام وحدها إلا في الشعر، لكنه في «شرح الإيضاح» خالف هذا الكلام فإنه قال: فإن كان الفعل المقسم عليه حالا فإن كان موجبا دخلت عليه اللام وحدها، ومن ذلك قراءة قنبل 1 لأقسم بيوم القيامة 2 قال: والأكثر فيه إذ ذاك أن يجعل خبرا لمبتدأ فتصير الجملة اسمية ويتلقى القسم إذ ذاك بـ «إن» وحدها أو بـ «إن» واللام نحو: والله إن زيدا يقوم، وو الله إن زيدا ليقوم.
وكلام ابن أبي الربيع يقتضي جواز الأمرين أيضا، وإن كان الأكثر أن تصير الجملة اسمية.
فالحاصل: أن الذي ذكره المصنف من الإقسام على فعل الحال ليس مسمعا عند الجماعة غير أن المصنف يقسم عليه باقيا على حاله، والجماعة مع تجويزهم ذلك يرون أن الأكثر أن يقدم فاعل الفعل عليه وتصير الجملة اسمية فيقسم عليها كما يقسم على الجملة الاسمية.
وقد استثنى المصنف من الفعل المثبت الذي يجب اقترانه باللام وبنون التوكيد: الفعل المقرون بحرف تنفيس، والفعل المقدم معموله؛ فقال: إنهما يلتقيان باللام وحدها.
وبقي عليه أن يستثني الفعل المقرون بـ «قد» أيضا، فإن النون لا تقترن به وإنما يكتفي باللام.
قال ابن عصفور في «شرح الإيضاح» بعد ذكر الاستقبال: فإن كان موجبا -

................................  تلقيت القسم باللام وحدها إذا دخلت عليه السين أو «سوف» أو «قد» أو تقدم معموله عليه قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ 1، وعبارته في «المقرب» شاملة للصور كلها مع الاختصار؛ فإنه قال: إن اللام تدخل على المضارع المثبت وحدها إن فصل بينها وبين الفعل 2، فلو قال المصنف ذلك لخلص من إيراد الفصل بـ «قد» عليه.
ثم قال ابن عصفور: ولم يسمع دخول اللام على السين إلا أن البصريين أجازوا ذلك بالقياس على «سوف».
قال: ولم يجز الفراء دخول اللام عليها؛ لأن اللام كالجزء مما تدخل عليه، ودخولها على السين يؤدي إلى توالي أربعة أحرف بالتحريك فيما هو كالكلمة الواحدة وهو مرفوض في كلامهم 3. ثم قال: والصحيح عندي أن ذلك [4/ 54] جائز بدليل قول العرب: والله لكذب زيد كذبا ما أحسب أن الله يغفره، فكما جاز ذلك يجوز أن يقال: والله لسيقوم زيد.
ثم ذكر ابن عصفور عن أبي علي الفارسي أنه قال 4: وإنما لم تدخل إحدى النونين مع السين و «سوف»؛ لأن النون إنما تدخل في اللغة لتخلص المستقبل من الحال فاستغني عن النون بدخول السين أو «سوف» لإفادتهما الاستقبال.
قال - يعني أبا علي -: ولم تدخل في لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ 5؛ لأن اللام التي أدخلت إحدى النونين معها غير لام الابتداء، وإنما دخلت ليحاول بها الفصل بين اللامين لام الابتداء واللام التي تدخل على الفعل المستقبل وتدخل النون معها في أكثر الأمر؛ يعني أنك إذا قلت: إن زيدا ليقوم؛ علم أن هذه اللام لام ابتداء وأن الفعل الذي دخلت عليه فعل حال، وإنما أخرت إلى الخبر والنية بها التقديم؛ كراهية الجمع بينها وبين «إنّ» لما كانتا لمعنى واحد وهو التوكيد، ولذلك علقت الفعل في نحو: علمت أن زيدا ليقوم، وإذا قلت: إن زيدا ليقومن؛ علم أن اللام جواب لقسم محذوف، وأن الفعل الذي دخلت عليه مستقبل، وليست إذ ذاك منويّا بها التقديم؛ بل هي واقعة في محلها ولذلك لم تعلق الفعل به في نحو قوله: علمت أن زيدا ليقومن، قال: فلما كان دخول إحدى النونين المقصود به الفرق بين اللامين لم يحتج إليها إذا دخلت على الجار والمجرور في نحو: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ؛ -

................................  إذ كانت داخلة على فضلة ولام الابتداء لا تدخل في موضع من مواضعها على فضلة.
فأما «إنّ زيدا لطعامك آكل»؛ فليس تقديره الدخول على الفضلة، وإذا كان كذلك علم أنها ليست التي للابتداء فلم يحتج إلى النون.
يعني أن اللام في قولك: إن زيدا لطعامك آكل؛ منوي بها التأخير، والأصل: إن زيدا طعامك لآكل؛ إلا أنها قدمت اتساعا.
وليس كذلك قوله سبحانه: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ 1 ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: إلى الله لتحشرون؛ لأن اللام التي يتلقى بها القسم لا يجوز أن يتقدم عليها معمول الفعل الذي دخلت عليه.
ثم قال: قال أبو علي: وإنما لم تدخل النون مع «قد» كما لم تدخل مع السين من حيث كانت حرفا مثله غير عامل وإن كانت قد خالفت السين في أنها لا تدلّ على الاستقبال يعني أنها حكم لها بحكم السين؛ لشبهها بها في أن كل واحد منهما حرف قد اختص بالفعل وجعل كالجزء منه بدليل أن اللام التي تدخل عى الفعل المضارع في القسم تدخل عليها.
هذا آخر كلام ابن عصفور.
المبحث الرابع: أطلق المصنف القول في نافي المضارع حيث قال: (ويحذف نافي المضارع)، وقد عرفت أن ابن عصفور إنما ذكر من حروف النفي «لا» حيث قال: وأما المستقبل فإن كان منفيا نفي بـ «لا» ومن أجل ذلك قال الشيخ: وإن كان النافي «ما» فمن النحويين من أجاز حذفها؛ حملا على «لا» ومنهم من منع ذلك؛ لما فيه من اللبس؛ لأنه لا يعلم إذا حذف هل القسم على النفي في الحال أو على المستقبل 2. انتهى.
ثم إن ابن عصفور لم يذكر حذف نافي الجملة الاسمية وقد ذكره المصنف مستدلّا عليه.
قال الشيخ: ونصوص أصحابنا على أن «ما» و «إن» النافية إذا دخلتا على الجملة الاسمية لا يجوز حذف واحدة منهما 3. انتهى.
ولا يخفى أن قول من حفظ ونقل حجة على من لم يحفظ وينقل.
وأما قول المصنف: (وقد يكون الجواب قسما) مستدلّا بقوله تعالى: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى 4 -[وقد] قال المصنف: كأنه قيل: والله ليحلفن المنافقون إن أردنا -

[تلقي جواب القسم الماضي]

قال ابن مالك: (ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت المجاب به من اللّام مقرونة بـ «قد» أو «ربّما» أو «بما» مرادفتها إن كان متصرّفا وإلّا فغير مقرونة وقد يلي «لقد» أو «لبما» المضارع الماضي معنى، ويجب الاستغناء باللّام الدّاخلة على ما تقدّم من معمول الماضي كما استغني بالدّاخلة على ما تقدّم (من) 1 معمول المضارع).

  • إلا الحسنى - فظاهر الأمر ما قاله، ولكن قد يقال: (ليحلفن) 2 جواب قسم، والجواب جملة خبرية والقسم جملة إنشائية؛ فكيف يكون الخبر إنشاء؟ وما برحت أستشكل قولهم: إن لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ جواب لـ مِيثاقَكُمْ في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ 3، وكذا قولهم في لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ: إنه جواب لـ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ 4؛ لأن الميثاق معمول للفعل الذي هو «أخذ» من (أخذنا) ومن أَخَذَ اللَّهُ فإن كان القسم هو الجملة بتمامها أشكل من جهة أن القسم لا يكون مفردا إنما يكون جملة ويقع في النفس شيء هو أن يقال: إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى معمول لقول محذوف؛ التقدير: وليحلفن قائلين: والله إن أردنا إلا الحسنى، أو وليحلفن ويقولون: والله إن أردنا إلا الحسنى.
    وبعد: فلم يتحقق لي هذا البحث وأما قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ، [و] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ؛ فيحتاج إلى أن يحرر القول في القسم ما هو؟، وهل لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ولَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ جواب لما قبله، أو القسم مقدر؟!!.
    قال ناظر الجيش: قال المصنف 5: إن كان صدر الجملة المجاب بها القسم فعلا ماضيا مثبتا وخلا القسم من استطالة وجب اقترانه باللام وحدها إن كان الفعل غير متصرف وباللام مع «قد» أو «ربما» أو «بما» بمعنى «ربما» إن كان متصرفا، فإن وجدت استطالة جاز إفراد الفعل كقوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) -

................................  وَشاهِدٍ [4/ 55] وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ، وكقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والّذي نفسي بيده وددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل ثمّ أحيا ثمّ أقتل ثمّ أحيا ثمّ أقتل» أخرجه البخاري 1. واقترانه بـ «قد» وحدها كقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 2 وإن لم توجد الاستطالة والفعل غير متصرف وجب الاقتران باللام مفردة كقول الشاعر: 2809 - لعمري لنعم الفتى مالك... إذا الحرب أصلت لظاها رجالا 3 وإن كان الفعل متصرفا فالأكثر أن يقترن باللام مع «قد» كقوله تعالى: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا 4، أو «ربما» كقول الشاعر: 2810 - لئن نزحت دار لسلمى لربّما... غنينا بخير والدّيار جميع 5 أو «بما» مرادفة «ربما» كقول عمر بن أبي ربيعة: 2811 - [فـ] لئن بان أهله... لبما كان يؤهل 6 وقد يستغني باللام الفعل الماضي المتصرف في النثر والنظم، ومن الاستغناء بها في النثر قوله تعالى: وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ 7، وفي الحديث عن امرأة من غفار أنها قالت: «والله لنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الصّبح فأناخ» 8، وفي حديث سعيد بن زيد 9: أشهد لسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما..» 10 الحديث، ومن الاستغناء بها في النظم قول -

................................  امرئ القيس: 2812 - حلفت لها بالله حلفة فاجر... لناموا فما إن من حديث ولا صال 1 وقد يجاب القسم بمضارع ماضي المعنى فيقترن بـ «لقد»، أو بـ «لبما» فاقترانه بـ «لقد» كقول الشاعر: 2813 - لئن أمست ربوعهم يبابا... لقد تدعو الوفود لها وفودا 2 واقترانه بـ «لبما» كقول الآخر: 2814 - فلئن تغيّر ما عهدت وأصبحت... صدقت فلا بذل ولا ميسور لبما يساعف في اللقاء وليّها... فرح بقرب مزارها مسرور 3 وإذا قدم معمول الماضي المجاب به القسم قرن باللام وأغنت عن «قد» «ربما» كما أغنى اقترانها بمعمول المضارع المؤخر عن توكيده بالنون.
ومن شواهد اقترانها بمعمول الماضي المؤخر قول أم حاتم: 2815 - لعمري لقد ما عضّني الجوع عضّة... فآليت أن لا أمنع الدّهر جائعا 4 وقد اجتمع في قول عامر بن قدامة 5: 2816 - فلبعده لا أخلدن وما له... بذل إذا انقطع الإخاء فودّعا 6 شذوذان: أحدهما: عدم الاستغناء بتقديم اللام عن النون.
والثاني: دخولها على جواب منفي، فلو كان مثبتا لكان دخولها عليه مع تقدم اللام أسهل.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى 7. -

................................  ويتعلق به أبحاث: الأول: أن ظاهر قوله في متن الكتاب: ولا يخلو الماضي المثبت من اللام مقرونة بـ «قد»، أو «ربما» أو «بما» أن اللام لا تنفرد؛ بل لا بد أن يقرن بها أحد الثلاث التي هي «قد» و «ربما» والأمر ليس كذلك، وقد قال هو في الشرح: وإن كان الفعل متصرفا فالأكثر أن يقترن باللام مع «قد» أو «ربما» أو «بما»، وقد يستغنى باللام في النثر والنظم، ثم استشهد على ذلك بما تقدم ذكره.
والذي ذكره في الشرح هو الحق.
وقد قال ابن عصفور: وإن كان الفعل ماضيا موجبا تلقيت القسم باللام وحدها ويجوز أن تصل اللام بـ «قد» إذا كنت مخاطبا لمن يتوقع خبرك، لكن المصنف لا يختلف المراد عنده ذكرت «قد» مع اللام أم لم تذكر، وأما ابن عصفور فقد تقدم قوله إن القريب من زمن الحال يتلقى باللام و «قد»، وإن البعيد يتلقى باللام وحدها.
الثاني: قال الشيخ مشيرا إلى قول المصنف: دون استطالة: ولا يحتاج إلى هذا القيد؛ فقد جاء في كلام الفصحاء حذف هذه اللام وإبقاء «قد»؛ قال زهير: 2817 - تالله قد علمت قيس إذا قذفت... ريح الشّتاء بيوت الحيّ بالعنن أن نعم معترك الحيّ الجياع إذا... خبّ السّفير ومأوى البائس البطن 1 وقال أيضا: 2818 - تالله قد علمت سراة بني... ذبيان عام الحبس والأصر أن نعم معترك الجياع إذا... خبّ السّفير وسابئ الخمر 2 انتهى.
-

................................  والذي ذكره ابن عصفور موافق لما ذكره المصنف، فإنه بعد أن ذكر دخول اللام على الفعل الماضي قال 1: ويجوز حذف اللام إذا طال الكلام ومن ذلك قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ 2 وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ 3 قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (2)، وقوله جلّ وعلا: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (3)، ثم قال تعالى في الجواب: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 4. انتهى. وعلى هذا، فالذي أنشده الشيخ لزهير مستدلّا به على الحذف دون استطالة محمول على القلة، والمصنف لا ينفي أن يجيء مثل ذلك في الشعر أو في قليل من الكلام. الثالث: قال الشيخ في قول المصنف: أو «بما» مرادفتها واستشهاده على ذلك بقول ابن أبي ربيعة: 2819 - فلئن بان أهله... لبما كان يؤهل تقدم لنا الكلام في نظائر هذا البيت في حروف الجر عند قوله: وكذا بعد «رب» والباء ويحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل. وملخص ما ذكرناه: أن بعد اللام فعلا محذوفا لدلالة ما قبله عليه وتقديره في هذا البيت: لبان بما كان يؤهل؛ فاللام دخلت على ذلك الفعل المحذوف والباء سببية و «ما» مصدرية، فعلى هذا لا يكون «لبما» بمعنى «رب» 5. انتهى. ولا شك أن ما ذكره الشيخ ممكن ولا تأباه القواعد، ولكن بعيد أن يكون مراد الشاعر كما تقدم لنا التنبيه على ذلك، ولكن المشكل قول المصنف هناك - أعني في باب حروف الجر -: إن اتصال «ما» بالياء أحدث فيها معنى [4/ 56] التقليل؛ فإن المعنى في قول الشاعر: 2820 - لبما قد ترى وأنت خطيب

................................  إنما هو على التكثير، وكذا في قول كثير: 2821 - بما قد أرى تلك الدّيار فإن المعنى: أنك رؤيت خطيبا كثيرا وأن رؤيتي تلك الديار وأهلها وهن جميعات الأنيس عوامر كان كثيرا، على أن المصنف عند إنشاده هذين البيتين في الشرح لم يتعرض إلى ذكر التقليل.
نعم ذكر التقليل في متن الكتاب 1 وقال في شرح الكافية أيضا: وقد تحدث زيادة «ما» بعد الباء تقليلا، وهي لغة هذيلية 2، والعجب أنه جعل في هذا الباب - أعني باب القسم - «بما» مرادفة «ربما».
ولا شك أن «ربّ» للتكثير عنده، فكيف ذكر في باب حروف الجر أن «بما» تفيد التقليل؟! والمسألة تحتاج إلى نظر.
الرابع: قد عرفت أن ابن عصفور فرّق بين تلقي القسم في الجواب المفتتح بفعل ماض مثبت بين الإتيان باللام وحدها أو باللام و «قد»؛ فجعل الأول للماضي البعيد من زمن الحال، وجعل الثاني للماضي القريب من زمن الحال، وأن المصنف لم يتعرض إلى ذكر هذا الفرق؛ فهو يسوّي بين الصورتين.
قال ابن عصفور: ومن النحويين من ذهب إلى أنها - يعني اللام - لا بد أن تصحبها «قد» ظاهرة أو مقدرة؛ قياسا على اللام الداخلة على خبر «إن»، ورد ذلك بأن اللام في خبر «إن» أصلها للدخول على المبتدأ؛ فعلى هذا لا تدخل إلا على ما هو المبتدأ في المعنى نحو: إن زيدا لقائم، أو على ما هو مشبه به نحو: إن زيدا ليقوم، واللام التي في جواب القسم ليست كذلك 3. الخامس: ناقش الشيخ المصنف في قوله: ويجب الاستغناء باللام الداخلة على ما تقدم من -

[توالي القسم والشرط غير الامتناعي]

قال ابن مالك: (فصل: إذا توالى قسم وأداة شرط غير امتناعيّ استغني بجواب الأداة مطلقا إن سبق ذو خبر وإلّا فبجواب ما سبق منهما، وقد يغني حينئذ جواب الأداة مسبوقة بالقسم.
وقد يقرن القسم المؤخّر بفاء فيغني جوابه وتقرن أداة الشّرط المسبوقة بلام مفتوحة تسمّى الموطّئة، ولا تحذف والقسم محذوف إلّا قليلا، وقد يجاء بـ «لئن» بعد ما يغني عن الجواب فيحكم بزيادة اللّام).
معمول الماضي فقال: ليس هذا باستغناء بل هذه اللام هي الداخلة على الماضي فصل بينهما بمعموله 1. انتهى.
وهي مناقشة لفظية.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: إذا اجتمع في كلام واحد قسم وأداة شرط ولم تكن الأداة «لو»، ولا «لولا» استغني بجواب ما تقدم منهما عن جواب متأخر إن لم يتقدم عليهما ذو خبر.
فالاستغناء بجواب القسم لتقدّمه نحو: والله إن جئتني لأكرمتك، والاستغناء بجواب الشرط نحو: إن جئتني والله أكرمك.
فلو تقدم عليهما ذو خبر استغني بجواب الشرط؛ تقدم على القسم، أو تقدم القسم عليه، وكان الشرط حقيقا بأن يغني جوابه مطلقا؛ لأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها وتقدير سقوط القسم غير مخل؛ لأنه مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ ففصل الشرط؛ فلزم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدم عليه وعلى الشرط ذو خبر، فإن لم يتقدم عليها ذو خبر وأخر القسم وجب الاستغناء عن جوابه بجواب الشرط، وإن أخر الشرط استغني في أكثر الكلام عن جوابه بجواب القسم؛ كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ 3، ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره.
ومن شواهد ذلك قول الفرزدق: -

................................  2822 - لئن بلّ لي أرضي بلال بدفقة... من الغيث في يمنى يديه انسكابها أكن كالّذي أصاب الحيا أرضه الّتي... سقاها وقد كانت جديبا جنابها 1 ومنها قول ذي الرمة: 2823 - لئن كانت الدّنيا عليّ كما أرى... تباريح من ميّ فللموت أروح 2 ومنها قول الأعشى: 2824 - لئن منيت بنا عن غبّ معركة... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل 3 فلو كانت أداة الشرط «لو» استغنى بجوابها عن جواب القسم مطلقا نحو: والله لو فعلت لفعلت، ولو فعلت والله لفعلت، وكذا لو تقدم عليها ذو خبر أو كان بدل «لو» «لولا» ومن أجل هذا قلت: (أداة شرط غير امتناعي).
وقد يقرن القسم المؤخر بفاء فيجب الاستغناء بجوابه؛ لأن الفاء تقتضي الاستئناف وعدم تأثر ما بعدها بما قبلها، ومنه قول قيس بن العيزارة 4: 2825 - فإمّا أعش حتّى أدبّ على العصا... فو الله أنسى ليلتي بالمسالم 5 وأجاز ابن السراج أن تنوى هذه الفاء فيعطى القسم المؤخر بنيتها ما أعطي بلفظها فأجاز أن يقال: إن يقم يعلم الله لأزورنك، على تقدير: فيعلم الله لأزورنك، ولم يذكر عليه شاهدا، فلو لم تنو الفاء لألغي القسم؛ فقيل: إن يقم يعلم الله لأزرك، وتقارن أداة الشرط المسبوقة بقسم لام مفتوحة تسمى الموطئة، وأكثر ما يكون ذلك مع «إن» كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها 6، وقد -

................................  يكتفى بنيتها عن لفظها كقوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ 1، والأصل ولئن لم تغفر لنا وترحمنا، ولولا ذلك لم يقل في الجواب: لَنَكُونَنَّ بل كان يقال: وإن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين، كما قيل: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ 2. قال سيبويه رحمه الله: ولا بد من هذه اللام مظهرة أو مضمرة 3، يعني اللام التي تقارن أداة الشرط وتسمى الموطئة [4/ 57] ومن مقارنتها غير «إن» من أخواتها قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ 4، ومثله قول القطامي 5: 2826 - ولما رزقت ليأتينّك سيبه... جلبا وليس إليك ما لم ترزق 6 وقوله: 2827 - لمتى صلحت ليقضين لك صالح... ولتجزينّ إذا جزيت جميلا 7 وقد يستغنى بـ «لئن» عن جواب لتقدم ما يدل عليه؛ فيحكم بأن اللام زائدة، فمن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: 2828 - [ألمم بزينب] 8 إنّ البين قد أفدا... قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا 9 ومثله: 2829 - ولا يدعني قومي صريحا لحرّة... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر 10 انتهى كلامه رحمه الله تعالى 11. -

................................  ويتعين التعرض إلى التنبيه على أمور تشتمل على مباحث: منها: أنه استثنى من الشرط الذي يجامع القسم الشرط الامتناعي وهو الذي الأداة فيه «لو» أو «لولا»، وقال: إن الجواب حينئذ يتحتم أن يكون للشرط لا للقسم سواء تقدم القسم أم تأخر، وسواء تقدمهما ذو خبر أم لم يتقدم، وهذا معنى قوله في الكافية: وبجواب لو ولولا استغنيا... حتما إذا ما تلوا أو تليا 1 وأنشد في شرح الكافية قول الشاعر: 2830 - فأقسم لو أبدى النديّ سواده... لما مسحت تلك المسالات عامر 2 وقول الآخر: 2831 - والله لولا الله ما اهتدينا... ولا تصدّقنا ولا صلّينا 3 ولا شك أن هذين البيتين شاهدان لما ذكره، لكن كلام ابن عصفور يقتضي خلاف ذلك، فإنه قال 4: وإذا توسطت «لو» أو «لولا» بين القسم والفعل الواقع جوابا له لزم أن يكون الفعل الواقع جوابا ماضيا؛ لأنه مغن عن جواب «لو» و «لولا» المحذوف ودالّ عليه، وجواب «لو» و «لولا» لا يكون إلا ماضيا؛ فوجب أن يكون الدالّ عليه كذلك فتقول: والله لو قام زيد لقام عمرو، وو الله لو قام بكر ما قام خالد، وو الله لولا زيد لقام عمرو، وو الله لولا زيد ما قام بكر.
انتهى.
ومن هنا قال الشيخ عند ذكر هذه المسألة: وقول بعض أصحابنا إنه إذا تقدم القسم على «لو» أو «لولا» فالجواب للقسم، وجواب «لو» و «لولا» محذوف -

................................  لدلالة جواب القسم عليه 1. ثم قال ابن عصفور: وقد يدخلون «أن» على «لو» توطئة لجعل الفعل الواقع بعدها جوابا للقسم كما يدخلون اللام على «إن» الشرطية فيقال: أقسم أن لو قام زيد قام عمرو، ومن ذلك قوله: 2832 - فأقسم أن لو التقينا وأنتم... لكان لكم يوم من الشّرّ مظلم 2 انتهى.
هذا كلامه في «شرح الإيضاح» وهو يناقض كلامه في «شرح الجمل» الذي تقدم لنا نقله عنه، فإنه لما أنهى الكلام على روابط الجملة الواقعة جواب قسم قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو «أن» نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو، ولا يجوز الإتيان باللام كراهة الجمع بين لام القسم ولام «لو» فلا يجوز: والله للو قام زيد قام عمرو 3. انتهى.
فكلامه في «شرح الإيضاح» يقتضي أن الفعل الواقع بعد فعل الشرط الذي تقدم القسم عليه هو جواب القسم، وأن جواب «لو» و «لولا» محذوف دل عليه الجواب الذي للقسم ويقتضي أيضا أن «أن» الداخلة على «لو» توطئة لجعل الفعل الواقع بعدها جوابا للقسم.
وكلامه في شرح الجمل يقتضي أن جواب «لو» مذكور، وأن «لو» وجوابها جواب القسم، ولا يخفى ما بين الكلامين من المباينة.
وأما كلام المصنف؛ فظاهره يعطي أن المذكور بعد فعل الشرط المقرون بـ «لو» وبعد الاسم المقرون بـ «لولا» هو جواب الشرط، وأن جواب القسم محذوف؛ فحكم بأن لكل من القسم والشرط جوابا، وأن أحدهما محذوف وهو جواب القسم، والآخر مذكور وهو جواب «لو» أو «لولا» وكأن جملة «لو» معترضة بين القسم وجوابه وكذا جملة «لولا».
وأقول: يبعد أن يكون للقسم جواب مقدر في نحو: والله لو قام زيد لقام عمرو، -

................................  ولولا زيد لقام عمرو، بل ربما يستحيل ذلك؛ لأن المقسم عليه إنما هو «قيام عمرو» المعلق على «قيام زيد» أو على وجوده، وإذا كان المقسم عليه ذلك؛ فكيف يتجه تقدير جواب غير الشرط المذكور وجوابه؛ إذ لو قدر جواب غير ذلك لكان شيئا غير معلق على غيره؟! والغرض أن المقسم عليه إنما هو أمر معلق على شيء لا أمر مستقل بنفسه، وإذا كان الأمر كذلك اتجه كلام ابن عصفور في «شرح الجمل» حيث قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها.
فصرح بأن الشرط وجوابه هو جواب القسم، واضمحل كلامه في «شرح الإيضاح» حيث قال: وإذا توسطت «لو» أو «لولا» بين القسم والفعل الواقع جوابا له لزم أن يكون الفعل الواقع جوابا ماضيا؛ لأنه مغن عن جواب «لو» و «لولا» المحذوف ودال عليه، إلى آخر كلامه.
ثم هذا الذي قررته من أن الشرط الامتناعي وجوابه يكون جواب القسم وأن ليس شيء محذوفا، وقد يفهم من قول المصنف في أوائل الفصل: وتصدر في الشرط الامتناعي بـ «لو» أو «لولا» فإنه قد تقدم لنا أن هذا الكلام يقتضي أن جملة الشرط المصدرة لكل من الحرفين المذكورين هي جواب القسم؛ لأن معنى كلامه: المقسم عليه جملة مؤكدة تصدر في الإثبات بكذا، وفي الشرط الامتناعي بكذا، ويمكن حمل كلام المصنف في «الكافية» عليه أيضا، وذلك بأن يحمل قوله: وبجواب لو ولولا استغنيا... حتما إذا ما تلوا أو تليا على أنا نستغني [4/ 58] بجواب «لو» و «لولا» عن تقدير جواب للقسم فلا تقدر جوابا للقسم محذوفا، بل نجعل المذكور بعد القسم هو الجواب له، ولا نحمله على أنا نستغني به عن ذكر جواب القسم، وكلامه في شرح التسهيل يمكن أن يحمل على ذلك أيضا لكن بتكلف ما.
فإن قيل: أنت قررت أن الشرط وجوابه هو جواب القسم، وكذا «لولا» وجوابها، وقول المصنف: وبجواب «لو» و «لولا» استغنيا إذا أريد بالاستغناء الاستغناء عن التقدير كما قرر - يقتضي أن جواب كل منهما بمفرده هو جواب القسم؟! -

................................  فالجواب: أن جواب القسم إنما هو «لو» وجوابها و «لولا» وجوابها، وإنما لو كان المقصود بالإخبار عنه هو جوابهما أسند الأمر إليه مع أن الجواب لا بد له من شيء يكون هو جوابا له؛ فكان لزوم ذكره جاريا مجرى ذكره، فلهذا لم يحتج إلى التعرض إليه.
فإن قيل: كيف يصح أن يعلل منع أن يكون للقسم جواب مقدر في نحو: والله لو قام زيد لقام عمرو، ولولا زيد لقام عمرو - بأن المقسم عليه إنما هو «قيام عمرو» المعلق على «قيام زيد» مع «لو» وعلى «وجود زيد» مع «لولا» وهذا بعينه موجود في الشرط غير الامتناعي؛ لأن المقسم عليه أيضا في نحو: والله إن قام زيد ليقومن عمرو؛ إنما هو «قيام عمرو» والمعلق على «قيام زيد»، ومع هذا فقد أتى للقسم بجواب يخصه؛ فلم لا يقال: إن الشرط وجوابه يكون جوابا للقسم في الشرط غير الامتناعي كما قيل: إن الشرط وجوابه هو جواب القسم في الشرط الامتناعي؟! فالجواب: أن يقال: إن الجواب في الشرط الامتناعي ممتنع الوقوع، أما إذا كان حرف الشرط «لو» فلأنه علق على حصول أمر قد ثبت أن وجوده ممتنع وأما إذا كان حرف الشرط «لولا» فلأن الامتناع معها معلق على وجود شيء مقطوع بأنه موجود، وإذا كان جواب الشرط الامتناعي ممتنع الوقوع لما ذكرنا؛ امتنع تقدير جواب للقسم، إذ يلزم من تقديره أن يكون المقدر ممتنع الوقوع لتطابق جواب الشرط والقسم؛ لأن جملة القسم إنما هي مؤكدة بجملة الشرط فيتعين اتفاق المدلولين.
ولا شك أن جواب القسم - إذا قدرناه - ليس ثم ما يدل على أنه ممتنع فيلزم من تقديره حينئذ تخالف الجوابين من حيث إن أحدهما مقطوع بامتناعه، والآخر ليس كذلك.
وأما جواب الشرط غير الامتناعي؛ فليس ممتنع الوقوع، وإذا لم يكن ممتنع الوقوع؛ فجواب القسم مساو له في احتمال الوقوع وعدمه، فلذلك جاز أن يقدر مدلولا عليه بجواب الشرط؛ لأن المتساويين يجوز دلالة كل منهما على الآخر.
هذا ما أدى إليه النظر في هذه المسألة، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأما قول ابن عصفور: إن «أن» حرف يربط المقسم به بالمقسم عليه في نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو؛ فلا يتحقق؛ لأن الرابط لا يجوز الإخلال به، بل يجب المحافظة عليه.
ولا شبهة في جواز قولنا: والله لو قام زيد لقام عمرو.
وقد تقدم إنشاد المصنف: 2833 - فأقسم لو أبدى النديّ سواده

................................  والحق أن: «أن» في نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو؛ زائدة.
ويذكر الدليل على زيادتها في باب إعراب الفعل 1 إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن ابن عصفور لمّا ذكر مسألة اجتماع القسم والشرط، وأن الجواب الذي يذكر يكون للمتقدم فيها، وأن المتأخر منها يحذف جوابه - أتبع ذلك بذكر مسألة فقال 2: فإن تقدم على القسم ما يطلب خبرا، أو ما يطلب صلة فإنه يجوز أن يبنى الجواب على القسم، وقد يجوز أن يبنى على المبتدأ والموصول فتقول: زيد والله يقوم، وإن شئت: زيد والله ليقومن، ويعجبني الذي والله يقوم، وإن شئت: يعجبني الذي والله ليقومن، فإن بنيت على الأول حذفت جواب القسم؛ لدلالة ما تقدم عليه، وإن بنيت على القسم كان القسم وجوابه في موضع خبر المبتدأ، أو صلة الموصول، ولذلك جاز في هذين الموضعين البناء على الثاني؛ لأنه لا يؤدي ذلك إلى حذف مع تأخير الدليل 3. انتهى.
وأشار بقوله: لأنه لا يؤدي ذلك إلى حذف مع تأخير الدليل» إلى ما هو كالجواب عن سؤال قد يسأل وهو أن يقال: لم لا يمتنع في هذه المسألة أن يبنى الكلام على المتأخر كما امتنع في مسألة اجتماع القسم والشرط؟ والجواب عن ذلك: أن كلّا من القسم والشرط لا بد له من جواب، والشرط لا يصلح جواب قسم والقسم لا يصلح جواب شرط، ولا بد من ذكر أحدهما وحذف الآخر؛ فلزم أن يكون المذكور دالّا على المحذوف، فلو دل على المتقدم بالمتأخر بأن يحذف الأول لدلالة الثاني عليه؛ لكنت قد حذفت شيئا قبل ذكر ما لا يدل عليه، وقد قال: إن الباب في المحذوفات التي يفسرها اللفظ ألا يحذف شيء منها إلا لتقدم الدليل عليه.
وأما المسألة التي أشار إليها: فإنك إن بنيت على الأول - أعني المبتدأ، أو الموصول - حذفت جواب القسم الذي هو الثاني؛ لدلالة المتقدم عليه، وإن بنيت -

................................  على الثاني - أعني القسم - فلا حذف؛ لأنه هو وجوابه يكونان خبر المبتدأ أو صلة الموصول؛ لصلاحه لذلك.
ومنها: أنه قد علم من كلام المصنف أمران: أحدهما: أن الجواب الذي يذكر إنما يكون لما تقدم من قسم أو شرط عند اجتماعهما، ويحذف جواب المتأخر منهما لدلالة جواب المتقدم عليه إلا أن يتقدمهما ذو خبر؛ فيتعين حينئذ أن يكون الجواب للشرط سواء تقدم الشرط [4/ 59] على القسم أم تأخر، ويشمل «ذو خبر»: المبتدأ، واسم «كان»، واسم «إن»، وأول مفعولي «ظننت» وأخواتها، وثاني مفعولات «أعلمت» وأخواتها.
الأمر الثاني: أنه قد يجاب الشرط مع تأخره عن القسم وإن لم يتقدمهما ذو خبر؛ فيكون جواب القسم محذوفا مع كونه متقدما على الشرط.
أما الأمر الأول: فكلام ابن عصفور يخالفه؛ لأنه لا يتعين عنده أن يكون الجواب للشرط بل قال: ما ذكرته من أن العرب لا تجعل جوابا للشرط المتوسط بينه وبين القسم إنما هو بشرط ألا يتقدم القسم اسم مبتدأ، فإن تقدمه ذلك؛ جاز جعل الفعل جوابا للشرط في فصيح الكلام نحو قولك: زيد والله إن يقم يقم عمرو.
هذا كلامه في «شرح الإيضاح».
فلم يجعل الجواب متعينا للشرط، بل ذلك عنده من الجائز الفصيح.
على أنه قد ذكر في «شرح الجمل» أن الجواب يكون للمتقدم دون أن يتعرض إلى تفصيل في ذلك 1. قال الشيخ: وفي الشرح المنسوب لأبي الفضل البطليوسي 2 قال سيبويه: أنا والله إن تأتني آتك.
انتهى لفظ سيبويه، قال في الشرح: لك أن تبني على المبتدأ فتقول: آتيك، وتحذف جواب الشرط والقسم؛ لتقدم الدليل، وأن تبني على القسم أي فتقول: لآتينك؛ فالجملة من القسم والشرط في موضع خبر المبتدأ، وأن تبني على الشرط؛ فالشرط وجوابه خبر للمبتدأ.
والنية به أن يتقدم على القسم -

................................  فيكون جواب القسم محذوفا لدلالة ما قبله عليه.
فهذا كله جائز.
ولو جعلت خبر المبتدأ القسم لم يجز البناء على الشرط؛ لأنه لا يحذف جوابه والدليل بعده وقد اختار سيبويه البناء على الشرط مع جعل الشرط خبرا واليمين متوسط معترض بين المبتدأ والخبر 1. انتهى.
وفهم من كلامه أن الجواب لا يتعين كونه للشرط إذا تقدم عليه ذو خبر على القسم وعليه، وقد علمت ما ذكره المصنف من أن الشرط كان حقيقيّا بأن يغني جوابه مطلقا؛ لأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها وتقدير سقوط القسم غير مخل؛ لأنه مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ ففضل الشرط فلزم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدم عليه وعلى الشرط ذو خبر.
ولا شك أن هذا كلام متجه، ولكن لا يظهر بطلان ما قاله ابن عصفور أيضا، ولا يبعد أن ما ذهب إليه المصنف في هذه المسألة من أن الجواب يكون للشرط مع تأخره عن القسم إذا تقدمهما ذو خبر هو الأحسن من جعل الجواب للقسم أما أنه متعين فلا.
وأما الأمر الثاني: وهو أنه قد يجاب الشرط مع تأخره عن القسم وإن لم يتقدمهما ذو خبر فقد استدل المصنف عليه بقول الفرزدق: 2834 - أكن كالّذي أصاب الحيا أرضه بعد قوله في البيت الذي قبله: 2835 - لئن بلّ لي أرضي بلال بدفقة وبقول ذي الرمة: 2836 - لئن كانت الدّنيا عليّ كما أرى...... البيت وبقول الأعشى: 2837 - لئن منيت بنا عن غبّ معركة...... البيت وهي أدلة ظاهرة على المدعي غير أن المصنف لم ينسب هذا المذهب لبصري، ولا كوفي؛ جريا منه على طريقته المألوفة وهي أنه إذا قام الدليل عنده على شيء -

................................  اتبعه، ثم إنه قد ينبه على خلاف في ذلك إن كان، وقد لا يتعرض إلى ذلك.
والجماعة يذكرون أن هذا القول إنما هو قول الفراء 1، ولذلك قال ابن عصفور: ولا يجوز جعل الفعل جوابا للشرط إذا توسط بينه وبين القسم.
فأما قول الأعشى: 2838 - لئن منيت بنا......... البيت وقول امرأة فصيحة من بني عقيل: 2839 - لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا... أصم في نهار القيظ للشّمس باديا وأركب حمارا بين سرج وفروة... وأعر من الخاتام صغرى شماليا 2 فاللام في [لئن] ينبغي أن تكون زائدة كالتي في قوله: 2840 - [مرّوا عجالا فقالوا كيف صاحبكم... فقال من سألوا] أمسى لمجهودا 3 وكالتي في قراءة من قرأ: (إلّآ أنّهم ليأكلون الطّعام) 4، وأما قول الآخر: 2841 - حلفت لها إن تدلجي اللّيل لا يزل... أمامي بيت من بيوتك سائر 5 فليس «حلفت» فيه قسما كما ذهب إليه الفراء، بل هو خبر محض، غير مراد به معنى القسم؛ لأن القسم إذا تقدم على الشرط بني الجواب عليه ولم يبن على الشرط 6. انتهى.
فمن ثم لمّا ذكر الشيخ كلام المصنف في المسألة قال: وهذا الذي أجازه هو مذهب الفراء، وقد منعه أصحابنا والجمهور، ثم سرد كلام ابن عصفور المتقدم 7. وأقول: إن ابن عصفور لم يذكر دليلا على امتناع ما ذكره المصنف بل عمد -

................................  على الأدلة على هذا الحكم فأخرجها عن ظاهرها بغير موجب وحكم بزيادة اللام مع إمكان القول بعدم الزيادة. وبعد: فلا يخفى على الناظر وجه الصواب والوقوف مع ما ورد عن العرب حيث لا مانع من الحمل على ظاهر ما ورد عنهم. ومنها: أنه قال: وقد يقرن القسم المؤخر بفاء فيغني جوابه، وقال في الشرح: فيجب الاستغناء بجوابه؛ لأن الفاء تقتضي الاستئناف وعدم تأثر ما بعدها بما قبلها، وأنشد على ذلك: 2842 - فإمّا أعش حتّى أدبّ على العصا البيت المتقدم الذكر، فقال الشيخ: قول المصنف يدل على أن للشرط جوابا محذوفا أغنى عنه جواب القسم، وليس كذلك، بل الجملة القسمية هي نفس جواب الشرط؛ ولذلك دخلت الفاء، فليس للشرط جواب محذوف أغنى عنه جواب القسم 1. وأقول: ما ذكره الشيخ حق لا شبهة فيه. وقد كنت أيام الاشتغال وقفت على كلام المصنف رحمه الله تعالى في شرح الكافية فرأيته ذكر هذه المسألة كما ذكرها هنا واستشهد بالبيت المذكور 2 فحصل في خاطري [4/ 60] أن القسم وجوابه هو جواب الشرط، وأن لا حذف أصلا وجزمت بذلك، ولكن لما رأيت الشيخ ذكر ذلك في شرحه اقتصرت على نسبته إليه. ثم قال الشيخ: وأما تجويز ابن السراج حذفها 3 - يعني الفاء - فينبغي ألا يجوز؛ لأن حذف فاء جواب الشرط لا يجوز إلا في الضرورة نحو قوله: 2843 - من يفعل الحسنات الله يشكرها... [والشّرّ بالشّرّ عند الله مثلان] 4

................................  ومنها: أنه قال: وقد يجاء بـ «لئن» بعد ما يغنى عن الجواب؛ فيحكم بزيادة اللام، وقال في الشرح: وقد يستغنى بعد «لئن» عن جواب لتقدم ما يدل عليه فيحكم بأن اللام زائدة وأنشد: 2844 - قلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا وقول الآخر: 2845 - فلا يدعني قومي صريحا لحرّة... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر ولم يزد على ذلك، فإنه لا يعلم من كلامه هذا أي جواب أراد لكنه صرح في شرح الكافية بأن لا قسم في مثل هذه الصورة فقال: وقد يجاء بـ «لئن» والقسم غير مراد كقول عمر بن أبي ربيعة: 2846 - ألمم بزينب......... البيت وكالذي أنشده الفراء: فلا يدعني قومي......... البيت الآخر 1 وإذا كان الأمر كما أشار إليه فلم يجتمع شرط وقسم، وليس ثمّ إلا شرط فقط، وعلى هذا فالواجب ألا يتعرض إلى ذكر هذه المسألة في هذا الباب - أعني باب القسم - وإنما كان الواجب أن تذكر في باب إعراب الفعل عن ذكر أدوات الشرط.
فيقال: وقد يؤتى بلام زائدة قبل «إن» الشرطية إن كان الجواب محذوفا مدلولا عليه بما قبل أداة الشرط، وكان الحامل له على ذكر هذه المسألة هنا المشاكلة الصورية للام الموطئة.
ثم اعلم أن ابن عصفور لما تكلم على اجتماع القسم والشرط، وتقدّم القسم عليه، قال 2: وأنت في إدخال اللام على أداة الشرط بالخيار فمن إدخالها عليها قوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ 3، ومن إسقاطها قوله -

................................  تعالى: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ 1، ثم قال: وهذه اللام الداخلة على أداة الشرط في مذهب البصريين زائدة للتأكيد، وموطئة لدخول اللام على الجواب، ودالة على القسم إذا حذف، وليست التي يتلقى بها القسم، بدليل جواز سقوطها وأيضا بدليل قول كثير: 2847 - لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذا لا أقيلها 2 فرفع «أقيلها» يدل على اعتماد القسم عليه، ولو كانت لام «لئن» هي جواب القسم لا نجزم «لا أقيلها» كما تقول: (إن تقم) 3 إذا لا أقم، ومما يدل على أن هذه اللام الداخلة على أداة الشرط موطئة لدخولها على الجزاء وجعله جوابا للقسم ودالة عليه إذا حذف - أن الفعل الواقع جوابا للقسم المحذوف إذا كان منفيّا لم يجز حذفها إذ ذاك؛ لأنها لو حذفت لم يكن في اللفظ ما يدل على القسم المحذوف، فإذا وجد من كلام العرب: إن قام زيد لا يقوم عمرو؛ لم يحمل على القسم بل لا بد من إدخال اللام على أداة الشرط إذا أريد به معنى القسم كما جاء في بيت كثير، وكقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ 4. قال أبو علي: فإن قلت: كيف تدخل هذه اللام موطئة لدخولها على الجزاء وهي تدخل على «إن» حيث لا تدخل اللام على الجزاء كقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ؟ قيل: إنما دخلت؛ لأن الجزاء قد دخله ما يقوم مقام اللام في المعنى، ألا ترى أنه لا يتلقى بها القسم كما يتلقى باللام، فإذا كان كذلك كان دخول «لا» كدخول اللام؛ فجاز دخول اللام على الشرط لدخول «لا» كما جاز دخوله مع دخول اللام 5. وزعم الفراء أن اللام لما دخلت على الشرط أجيب بجواب القسم 6، وذلك فاسد؛ لأن الجواب معتمد على القسم كما تقدم، ثم ذكر 7 أبي علي بحثا مع الفراء يقتضي إبطال ما ادعاه فتركت إيراده؛ لأنني لم أتحققه.
-

[من أحكام أسلوب القسم]

قال ابن مالك: ([فصل]: لا يتقدّم على جواب قسم معموله إلّا إن كان ظرفا أو جارّا ومجرورا، ويستغنى للدّليل كثيرا بالجواب عن القسم، وعن الجواب بمعموله، أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة والأصحّ كون «جير» منها، لا اسما بمعنى: حقّا، وقد تفتح راؤها وربّما أغنت هي «ولا جرم» عن لفظ القسم مرادا [4/ 61] وقد يجاب بـ «جير» دون إرادة قسم).
ومنها: أنت قد عرفت أن اللام الموطئة قد لا تذكر لفظا مع أن القسم غير مذكور أيضا كقوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ 1 وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلا؛ فجاء الشيخ ونقل كلام ابن عصفور هذا ثم قال: وينبغي أن يقيد قول المصنف: (ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلا) بهذه المسألة؛ إذ يجب إثباتها، وذلك إذا كان الفعل الواقع جوابا منفيّا بـ «لا» 2. انتهى.
يعني أن ابن عصفور قد قال: إن الفعل الواقع جوابا للقسم المحذوف إذا كان منفيّا لم يجز حذف اللام، بل لا بد من ذكرها كقوله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ 3، ولا شك أن المصنف لا يلزمه التقييد المذكور؛ لأن الشيء إذا لم يدل عليه دليل لا يجوز حذفه، ومعلوم أن الفعل المنفي بـ «لا» لا يتعين كونه جوابا للقسم فإذا لم يكن معنا ما يتعين كونه جوابا والغرض أن القسم غير مذكور، ولكننا إذا أردنا القسم فإذا لم نذكر اللام الموطئة فمن أين يعلم أن القسم مراد؟ فكان ذكرها واجبا.
فقول المصنف: ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلا محمول على أن يوجد دليل دالّ على القسم، وإذا كان الواقع موقع الجواب فعلا منفيّا بـ «لا» حينئذ كانت الدلالة على القسم منفية؛ فتصير المسألة إذ ذاك ممتنعة بنفسها.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: إن تعلق بجواب القسم جار ومجرور أو ظرف -

................................  جاز تقديمه عليه كقوله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 1، وكقول الشاعر: 2848 - رضيعي لبان ثدي أمّ تحالفا... بأسحم داج عوض لا نتفرّق 2 وإن تعلق به مفعول لم يجز تقديمه فلا يجوز في: والله لأضربن زيدا: والله زيدا لأضربن، ويستغنى عن القسم بجوابه كثيرا إذا دل عليه دليل كوقوعه بعد «لقد»، أو بعد «لئن»، أو مصاحبا للام مفتوحة ونون توكيد، ويستغنى عن الجواب بمعموله كقوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ 3، أي: لتبعثنّ يوم ترجف الراجفة، ويكثر الاستغناء عن الجواب بقسم مقرون بأحد حروف الإجابة وهي: «بلى، ولا، ونعم»، ومرادفاتها: «إي وإن، وأجل، وجير» كقوله تعالى: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا 4، وكقولك لمن قال: أتفعل كذا؟ لا والله، ونعم والله، وإي والله، وإن والله، وأجل والله، وجير والله، وزعم قوم أن جير اسم بمعنى: «حقّا»، والصحيح أنها حرف بمعنى: «نعم»؛ لأن كل موضع وقعت فيه «جير» يصلح أن تقع فيه «نعم» وليس كل موضع وقعت فيه يصلح أن تقع فيه «حقّا» فإلحاقها بـ «نعم» أولى، وأيضا فإنها أشبه بـ «نعم» في الاستعمال ولذلك بنيت، ولو وافقت «حقّا» في الاسمية لأعربت ولجاز أن يصحبها الألف واللام كما أن «حقّا» كذلك، ولو لم تكن بمعنى: «نعم» لم يعطف عليها في قول بعض الطائيين: 2849 - أبي كرما لا آلفا جير أو نعم... بأحسن إيفاء وأنجز موعد 5 ولا أكدت «نعم» بها في قول طفيل الغنوي 6: 2850 - وقلن على البرديّ أوّل مشرب... أجل جير إن كانت رواء أسافله 7

................................  ولا قوبل بها «لا» في قول الراجز: 2851 - إذا تقول لا ابنة العجير... تصدق لا إذا تقول جير 1 فهذا تقابل ظاهر، ومثله في التقدير قول الكميت: 2852 - يرجون غيري ولا يخشون بادرتي... لا جير لا جير والغربان لم تشب 2 أراد: لا يثبت مرجوهم نعم تلحقهم بادرتي، وقريب منه اجتماع «أجل» و «لا» في قول ذي الرمة: 2853 - ترى سيفه لا تنصف السّاق نعله... أجل لا ولو كانت طوالا محامله 3 وقد يستغنى بـ «جير» عن لفظ القسم وهو مراد كقول الشاعر: 2854 - قالوا قهرت فقلت جير ليعلمن... عمّا قليل أيّنا المقهور 4 وحكى الفراء أن العرب تقول: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت؛ يريد أنهم يستغنون بها عن القسم قاصدين بها معنى «حقّا».
وقد يجاب بـ «جير» دون قسم مراد كما يجاب بأخواتها إلا «إي» فلا أعلم استعمالها إلا مع قسم.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
ولنذكر المباحث المتعلقة به: فمنها: أن الشيخ قال: إن المصنف قد أطلق في جواب القسم - يعني في إجازة تقديم معموله عليه إن كان ظرفا أو جارّا ومجرورا - قال: وجواب القسم إن كان بـ «ما» - - بنسبته لمضرس الأسدي، والمغني (ص 129)، والهمع (2/ 44، 72).

................................  أو بـ «أن» فلا يجوز أن يتقدم المعمول عليهما، فإذا قلت: والله ما يقوم زيد الآن أو في البيت، أو: والله إن زيدا قائم الآن أو في البيت؛ لم يجز تقدم «الآن» ولا «في البيت» على «ما يقوم» ولا على «إن زيدا قائم»، وإن كان بـ «لا» داخلة على المضارع ففي المسألة خلاف؛ منهم من أجاز تقديم المعمول مطلقا من ظرف ومجرور ومفعول عليه، ومنهم من منع ذلك مطلقا وهو الصحيح، وإن كان باللام داخلة على جملة اسمية؛ فلا يجوز التقديم أيضا، [هذا نص أصحابنا]، وإن كان ما دخلت عليه اللام مضارعا فالنص من أصحابنا أنه لا يجوز مطلقا، وقد أجاز هذا المصنف ذلك مستدلّا بقوله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 1 انتهى.
وأقول: وأما قوله: إن المصنف أطلق في جوابه القسم؛ لأنه إن كان بـ «ما» أو بـ «إن» فلا يجوز تقديم المعمول عليهما - يعني على «ما» وعلى «إن» - فكلام عجيب؛ لأن كلام المصنف في تقديم معمول الجواب على الجواب لا على ما صاحبه.
ولا شك أن المثالين اللذين ذكرهما لا يمتنع فيهما التقديم فيجوز أن يقال: والله ما الآن يقوم زيد وو الله ما في البيت يقوم زيد، وأما التقديم على «ما» فمسألة أخرى معلومة الحكم، وكذا القول في: والله إن زيدا قائم الآن، وو الله إن زيدا قائم في البيت.
وأما التقديم على لام القسم - أعني تقديم معمول عامل مقرون باللام المذكورة - فقد علم من كلام المصنف في غير هذا الموضع أنه غير جائز، وتقدم له ذكر ذلك في باب تعدي الفعل ولزومه، وباب الحال 2 فهو أمر مقرر معلوم على أنه لم يتعرض للتقديم على اللام هنا فيرد عليه أنه أطلق، أو لم يطلق.
وأما التقديم على اللام المصاحبة للمضارع، وأن الجماعة - أعني المغاربة - لا يجيزون وأن المصنف أجاز ذلك؛ فلا شك أن المصنف استدل على ما ذكره بما جاء في الكتاب العزيز، وما استدل به ظاهر الدلالة على مدعاه لا مدفع له، ومنع الجماعة التقديم صحيح، ولكن مرادهم تقديم المفعول الصريح أما تقديم الظروف -

................................  والمجرورات فقد لا يمنعونه؛ لأن من المعلوم أنها يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها كما كان ذلك في أكثر أبواب علم العربية.
ومنها: أن المصنف ذكر أنه يستغنى للدليل بالجواب عن القسم، وعن الجواب بمعمول أو بقسم مسوق ببعض حروف الإجابة.
أما الاستغناء بالجواب [4/ 62] عن القسم لدليل؛ فقد ذكر أن الدليل وقوعه بعد «لقد»، أو بعد «لئن»، أو مصاحبا للام مفتوحة ونون توكيد.
وكلام ابن عصفور موافق لكلامه، إلا أنه أهمل ذكر «لئن»، ولكنه ذكر من الأدلة أيضا أن نحو: إن زيدا لقائم.
ولم يظهر لي ذلك؛ لأن هذا التركيب يجوز الإتيان به من غير قسم، وتكون اللام المصاحبة للخبر هي لام الابتداء كما هو مقرر في باب «إن»، وإذا كان كذلك؛ فأين الدالّ على القسم ليدعى أنه مراد وحذف؟! ويقوي ما ذكرته أن الشيخ قال: وقد اختلف في نحو قولك: لزيد منطلق، فالمنقول عن البصريين أن اللام ليست لام قسم بل لام ابتداء، وقال الكوفيون: هي لام قسم بدليل دخولها على الفضلة كقولك: لطعامك زيد آكل 1. والجواب: أنه إنما جاز ذلك؛ لأنه في حيز الخبر؛ إذ كان معموله متقدما عليه؛ فكأنها داخلة على المبتدأ.
وقد عرف من كلام الرجلين أنه لا يجوز حذف القسم إذا كان الجواب متلقى بغير ما ذكر؛ كأن يكون متلقى بـ «ما» أو «لا» أو بـ «إن»؛ لأن القسم لو حذف حينئذ لم يكن عليه دليل.
وهذا واضح.
وأما الاستغناء عن الجواب؛ فقد ذكر أنه يكون بأحد شيئين: إما بمعموله، وإما بقسم مقرون بأحد حروف الإجابة.
أما الأول: فقد عرفت أنه استدل عليه بقوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ 2، وهو استدلال ظاهر، غير أن الشيخ قال: ولا يتعين ما قاله؛ إذ يجوز أن يكون جواب وَالنَّازِعاتِ 3 [قوله]: (لتبعثن) حذف لدلالة ما بعده عليه، ويكون يَوْمَ تَرْجُفُ -

................................  منصوبا بقوله تعالى: تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ 1، قال: ويجوز أن يكون منصوبا بقوله تعالى: واجِفَةٌ من قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ 2، وكرر يَوْمَئِذٍ توكيدا.
قال: ويحتمل أن يكون جواب القسم [قوله] قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ وحذفت اللام لطول الكلام، ويكون يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ 3 اعتراضا بين القسم وجوابه 4، قال: ويجوز أن يكون معمولا لـ «واجفة» وسهّل تقديمه كونه ظرفا، وكون اللام التي هي في الجواب محذوفة 5. انتهى.
والناظر إذا تأمل هذه التخريجات التي ذكرها الشيخ علم أن الذي قاله المصنف أمثل، وأمتع، وأرجح.
وأما الثاني وهو القسم المقرون بأحد حروف الإجابة كقوله تعالى: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا 6؛ فظاهر كلام المصنف أن الدالّ على الجواب هو القسم المقرون بحرف الجواب؛ لأنه قال: إن الاستغناء عنه حصل بذلك وهو غير ظاهر؛ فإن الدالّ على الجواب إنما هو الكلام المتقدم من المستفهم، فإذا قيل: أتفعل كذا؟ فقلت: نعم والله، أو: لا والله؛ فالتقدير: نعم والله لأفعلن، وو الله لا أفعل، فالمحذوف في كلام القسم هو المذكور في كلام المستفهم، والآية الشريفة الأمر فيها كذلك؛ فالتقدير: قالوا: بلى وربنا لهذا الحق.
وهذا ما ذكره المصنف.
وأما ابن عصفور فإنه قال 7: ولا يجوز حذف جواب القسم إلا إذا توسط بين شيئين متلازمين كما تقدم - ويعني بالمتلازمين: الشرط وجوابه، والمبتدأ والخبر، والموصول والصلة - أو جاء عقب كلام يدل على الجواب نحو: زيد قائم والله، فحذف جواب القسم لدلالة «زيد قائم» عليه.
قال: ولذلك جعل سيبويه «ذا» من قول العرب: لا هاالله ذا؛ خبر ابتداء مضمر 8 كأنه قال: لا هاالله للحق ذا؛ والجملة التي هي «للحق ذا» جواب القسم، ولم يجعل «ذا» صلة لله تعالى كما ذهب إليه الأخفش 9 كأنه قال: لا هاالله الحاضر؛ فإنه يؤدي إلى حذف جواب -

................................  القسم غير متوسط ولا عقيب كلام يدل على الجواب.
انتهى.
وفي شرح الشيخ: قالت العرب: لا هاالله ذا، فالخليل يجعل «ذا» من جملة ما أقسم عليه 1 والتقدير: للأمر ذا، والأخفش يجعله توكيدا للقسم كأنه قال: ذا قسمي.
ويدل على صحة هذا القول ذكر المقسم عليه بعد «ذا» فيقولون: لا هاالله ذا لكان كذا، وإتيانهم بعده بالمقسم عليه نفيا، ولو كان هو المقسم عليه لم يكن مطابقا وأنشد سيبويه: 2855 - تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك 2 أي: لعمر الله للأمر ذا أقسم قسما، فتأكيد القسم بعده يدل على أنه المحلوف عليه 3. وقال الأستاذ أبو علي: وأما قولهم: «ذا»، فزعم غير الخليل أنّ «ذا» من جملة ما أكد المقسم به أي: هذا ما أقسم به، فإن جاء بعده جواب صحّ هذا القول، وإن لم يجئ عنهم أصلا صحّ قول الخليل.
وتلخيصه: أن أصل الكلام: أي والله للأمر هذا، ثم حذف حرف القسم، وقدمت «ها» من «هذا» كما قدمت في «ها أنا ذا»، وحذفت لام القسم مع المبتدأ وإن كانت لا تحذف وحدها، وهذا له نظائر يحذف الشيء الذي لا يجوز حذفه مفردا إذا حذف مع ما يسوغ حذفه نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ 4، وهذا مذهب الخليل 5. انتهى.
وذكر ابن أبي الربيع: أن «ها» في بيت زهير يجوز لك أن تجعلها التي توجد مع اسم الإشارة ثم إن الشاعر فصل بينهما بالقسم وكان الأصل: لعمر الله هذا، -

................................  ثم قدم «ها» على القسم 1، قال: وعلى هذا الوجه أخذه الخليل وهو حسن، ولك أن تجعلها للتنبيه دون أن تلحظ أنها التي مع اسم الإشارة كما هي في قول النابغة: 2856 - ها إنّ ذي عذرة [إن لم تكن نفعت... فإنّ صاحبها قد تاه في البلد] 2 فهي ههنا تنبيه، ولا يجوز أن يكون الأصل: هذي، ثم قدمت؛ لأن «إن» لها الصدر فلا يتقدم ما في حيزها، وقد تقدم لنا من كلام ابن عصفور.
ومنها: أن المصنف [4/ 63] جعل «جير» من حروف الإجابة وقال: إنه الأصح - يعني القول بحرفيتها - ولا شك أن القائل باسميتها يجعلها من الكلمات المقسم بها، وقد تقدم لنا ما ذكرناه عن ابن عصفور وهو قوله - بعد ذكر الأسماء التي يقسم بها وهي: لعمر الله، وايمن الله، وأمانة الله، وما لزم الرفع منها، وما لم يلزمه -: وأما «عوض» و «جير» فمبنيان يجوز أن يحكم على موضعهما بالنصب، وبالرفع.
وقد قال الشيخ في الارتشاف 3: وأما «جير» فمذهب سيبويه أنها اسم 4، وقد تفتح راؤها، وقد ذهب قوم إلى أنها حرف من حروف الإجابة، وقيل: هي مصدر والمعني: حقّا لأفعلن، وبنيت لقلة تمكنها؛ لأنها لا تستعمل إلا في القسم ثم قال: وما ذكره الزجاجي من أن «عوض» يستعمل في القسم 5 مذهب كوفي والبصريون لا يعرفون القسم به.
قال: وقال صاحب الملخص 6: يعوض من القسم «عوض» وهو اسم مبني على الضم لقطعه عن الإضافة، أو على الفتح؛ لأنه أخف، ولا يقال: عوض والله لأفعلن، وإن جاء فقليل وهو الأصل، وفيه الجمع بين العوض والمعوض عنه.
انتهى.
ولا شك أن «عوض» ظرف من ظروف الزمان؛ فكيف يقسم بها؟! إلا أن يكون -

................................  اللفظ مشتركا بين المعنيين؛ فذاك شيء آخر، وأما «جير» فقد تقدم استدلال المصنف على حرفيتها بأمور ولم يطعن الشيخ في شيء منها.
وإنما شنع على المصنف بأنه جهل كلام سيبويه فيها أنها اسم لقوله في الشرح: وزعم قوم، وجرى معه في ذلك على عادته المعروفة.
وبعد ذلك كله فقد قال: والذي يظهر أنها من حروف الإجابة؛ للدلائل التي استدل بها المصنف 1، وأما قول الشيخ في «جير» 2: وقيل: هي مصدر، والمعنى: حقّا لأفعلن؛ فالظاهر أن هذا ليس قولا ثالثا فيها، وإنما القائل باسميتها وأنها يقسم بها يقول: معناها «حقّا»، ولا شك أن «حقّا» يقسم به؛ فكما يقسم بقولنا: «حقّا» يقسم بما هو بمعناه فهي إما حرف إجابة، أو اسم بمعنى حقّا كما قال المصنف.
والقائلون بأنها اسم قالوا: إنما بنيت لقلة تمكنها؛ لأنها لا تستعمل إلا في القسم بخلاف «سبحان»؛ لأنها تخص باب التعظيم، بل قد توجد تعجبا وإنكارا.
وقد استدل على اسميتها بتنوينها.
قال أبو علي الشلوبين: ويمكن أن يكون التنوين فيها جاء شاذّا كمجيء التنوين في اسم الفعل في الخبر في قولهم: قدإ لك، بكسر الهمزة، وأيضا فيمكن أن يكون من تنوين الترنم الذي يلحق القوافي عوضا من ياء ولا بد منها في الوزن 3. ومنها: قول المصنف: وربما أغنت هي و «لا جرم» عن لفظ القسم؛ فإن فيه كلاما.
أما كون «جير» أغنت عن لفظ القسم؛ فغير ظاهر إن أريد بإغنائها عنه أنها قامت مقامه وهو الظاهر؛ لأنا نقول في قول الشاعر: 2857 - قالوا قهرت فقلت جير ليعلمن... عمّا قليل أيّنا المقهور 4 إن القسم مقدر بعد «جير» أي: جير والله ليعلمن.
فقد عرفنا من كلامه أن القسم يستغنى عنه بجوابه إذا دل عليه دليل.
ولا شك أن الدليل هنا كلمة «جير» فإنها إنما تستعمل مع القسم ولا تستعمل دونه إلا قليلا، وإذا كان كذلك فلم تغن «جير» عن -

................................  القسم؛ لأن القسم مقدر والمقدر في حكم الموجود.
وأما «لا جرم» فأراد المصنف أن بعض العرب يستغني بها عن القسم، قال الشيخ: قاصدين بها معنى «حقّا» 1. وإذا كان معناها: «حقّا» فهي قسم لا مغنية عن قسم؛ لأن «حقّا» يقسم به، قال الشيخ: وقد صرح بعض الأعراب بالقسم مع «لا جرم».
قال لمرداس: لا جرم الله لأفارقنّك 2 قال: فأما قوله تعالى: لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ 3 فـ (لا) عند الخليل وسيبويه رد، و (جرم) فعل فاعله (أن) وما بعدها 4، وقال الكوفيون: (لا) نافية و (جرم) اسم «لا»، و «أن» على تقدير: من 5. وأما قول المصنف: وقد يجاب بـ «جير» دون إرادة قسم، فشاهده قول الشاعر: 2858 - وقائلة أسيت فقلت جير... أسيّ إنّني من ذاك إنّه 6 وأما «إي» فقد وافق الشيخ المصنف على أنها لا يعلم استعمالها إلا مع قسم 7. ثم قد بقي الكلام على مسائل ثلاث: الأولى: إذا جاء في كلام مثل: وزيد وعمرو وخالد لأقومنّ.
قال ابن عصفور: فينبغي أن تجعل الواو الأولى حرف قسم وما بعدها حرف عطف؛ فيكون القسم واحدا فيحتاج إلى جواب واحد فيكون «لأقومن» الجواب، ولو جعلت كل واو حرف قسم ولم تقدرها للعطف لكان «لأقومن» جوابا لقسم واحد منها وبقي سائرها بلا جواب فيحتاج أن يقدر لكل واحد من الأقسام 8 الباقية جوابا محذوفا، وإذا أمكن حمل الكلام على ألا يكون فيه حذف كان أولى، ومثل ذلك قوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها الآية الشريفة 9 [قال] 10 ابن هشام -

جارٍ التحميل