الباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنين
1 [تقدير التقاء ساكنين في الوصل المحض]
قال ابن مالك: (لا يلتقي ساكنان في الوصل المحض إلّا وأوّلهما حرف لين وثانيهما مدغم متّصل لفظا أو حكما، وربما فرّ من ذلك بجعل همزة مفتوحة بدل الألف، فإن لم يكن الثاني مدغما متصلا حذف الأول إن كان ممدودا أو نون توكيد خفيفة أو نون «لدن» غالبا، فإن كان غيرهن حرّك، إلّا أن يكون الثّاني آخر كلمة فيحرّك هو ما لم يكن تنوينا فيحرّك الأول، وربّما حذف الأول إن كان تنوينا، أو أثبت إن كان ألفا، ويتعين الإثبات إن أوثر الإبدال على التّسهيل في نحو: الغلام فعل؟ وربّما ثبت الممدود قبل المدغم المنفصل وقبل الساكن العارض تحريكه، وأصل ما حرّك منهما الكسر، ويعدل عنه تخفيفا، أو جبرا أو إتباعا، أو ردّا للأصل، أو تجنّبا للبس أو حملا على نظير، أو إيثارا للتجانس).
- وأما الرّجز، فقالوا: لا نعرف قائله، ولا يخفى بعد هذا التخريج، وأما الرجز، فإن جهل قوم قائله فقد لا يجهله آخرون، والظاهر العمل بقول الكوفيين، كما اختار المصنف، ولا شك أن الشعر يجوز فيه ارتكاب ما هو أشد من هذا، وقد عرفت قول المصنف: أن مد المقصور شبه بمنع الصرف للمنصرف، وهذا كاف في إثبات المقصور.
قال ناظر الجيش: الكلام على هذا الباب يرجع إلى أربعة مقاصد: ما يغتفر فيه باب التقاء الساكنين، وما يجب فيه حذف أول الساكنين، وما يحرّك فيه أحد الساكنين؛ إما الأول، وإما الثاني، وإما الحركة التي يحرك بها الساكن، وقد بدأ المصنف بذكر المقصد الأول، وثنى بذكر الثاني، وثلّث بذكر الثالث، وربّع بذكر الرابع، أما اغتفار باب التقاء الساكنين، فيكون في مواضع أربعة: أحدها: الوقف، وسواء أكان الساكن الأول حرفا صحيحا أم حرف علّة، -
الجزء: 9 - الصفحة: 4653
................................
نحو: بحر، وعمر، وقفل، وبرد، وورفد وجبر وثريد ورحوم ومختار.
وإنما كان ذلك مغتفرا لإمكانه.
ثانيها: ما كان الساكن الثاني فيه مدغما والساكن الأول حرف لين، وكان الساكن واللين في كلمة واحدة نحو: دابّة ودويبة وحوج زيد، وإنما جاز ذلك لما في المد (من التمكن من النطق بالساكن بعده، إما إذا كان المدغم في كلمة وحرف المد في كلمة أخرى، فإنه يجب حذف حرف المد، نحو: قالوا: ادّار أنا 2 وقالا:
ادّارأنا، وقولي ادّارأنا، فلم يغتفر باب التقاء الساكنين في مثل ذلك.
قالوا: والسر فيه أن حرف اللين لما كان آخر كلمة كان محلّا للتغير، فاغتفر حذفه لذلك بخلاف الوسط.
ثالثها: ما كان من الكلمات التي قبل آخرها حرف لين، وذكرت دون تركيب فإن باب التقاء الساكنين مغتفر في مثلها وصلا كما أنه يغتفر وقفا، نحو قولك:
تواب، غفور، رحيم، وعلى هذا ما جاء من الكلمات المفردة في فواتح السور الشريفة، وهو نحو: (لام ميم) 3، (قاف عين) 4، أما التقاؤهما في الوقف فقد علم أن ذلك جائز في ما قبل آخره حرف صحيح، فكيف في ما قبل آخره حرف لين، وأما التقاؤهما في الوصل فذكر في تعليله أنهم كأنهم قصدوا إلى الفرق بين ما بني لوجود المانع وبين ما بني لعدم المقتضي يعني أن المقتضي للإعراب إنّما هو التركيب فالكلمة بعد وجود التركيب، كأين وكيف من قولنا: أين زيد وكيف عمرو قد وجد فيها المقتضي للإعراب وهو التركيب ولكن وجد فيها مانع منه وهو شبه الحرف، فناسب بناءها على حركة، وأما الكلمة قبل أن تركب مع كلمة -
الجزء: 9 - الصفحة: 4654
................................
أخرى فلم يكن فيها مقتضى للإعراب وهو التركيب، فاستمرت على ما وضعت عليه من السكون، ولا شك أن هذا تعليل حسن لكن إنما يتم على قول من يقول: أن الكلمة قبل التركيب محكوم عليه بالبناء، أما من لا يقول ببنائها فيحتاج إلى ذكر العلة في جواز باب التقاء الساكنين فيها وصلا، وقد قيل: إن السكون في مثل ذلك للوقف كأنهم يعنون أنه بنيّة الوقف يريدون أن المتكلم نوى الوقف فسكن لأجله ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
رابعها: كل كلمة أولها همزة وصل مفتوحة ودخلت عليها همزة الاستفهام، وذلك فيما فيه لام التعريف مطلقا، وفي: آيمن الله، وآيم الله خاصة؛ إذ لا ألف وصل مفتوحة في غير ذلك، والسبب في الإبقاء أن همزة الوصل في مثل ذلك لو حذفت التبس الاستخبار بالخبر فأبدلت ألفا والتقت مع الساكن الذي بعدها، وقد تسهل الهمزة بين بين، كما سيذكر بعد إن شاء الله تعالى.
إذا تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب، فنقول: أما قوله: لا يلتقي ساكنان في الوصل، فيفهم منه أن الساكنين يجوز أن يلتقيا في الوقف مطلقا أي سواء كان الأول منهما حرف علة أم حرفا صحيحا وهذا أحد المواضع الأربعة من المقصد الأول.
أما قوله: المحض، فيجوز أن يكون احترز به من الكلمات التي تذكر سردا، ويجمع فيها بين ساكنين، وذلك كما في فواتح السور الشريفة من نحو: الم 5، حم وعسق 6 فإنهم قد عللوا جواز باب التقاء الساكنين فيها كما تقدم بأن المتكلم بها ناو للوقف، فقد يقال: إذا كان المتكلم بها ناويا للوقف مع كونه واصلا، وصدق أن يقال في هذا الوصل: أنه ليس بمحض إذ لو كان محضا لما جاز فيه باب التقاء الساكنين، فإن ثبت أن مراده بالمحض ما قلته كان هذا منه إشارة - أيضا - إلى الموضع الثالث من المواضع الأربعة ويدل على أن مراده قوله في شرح الكافية: واكتفي بعد همزة الاستفهام بمدّ الأوّل، [6/ 51] نحو: آلغلام قام 7، ثم قال: وكذلك اكتفي بمدّ الأول في (لام، ميم) ونحوهما؛ لأن الناطق بهم ناو للوقف 8، وأما قوله: إلا وأوّلهما حرف لين، وثانيهما مدغم فهو ثاني المواضع الأربعة - أيضا -، وأراد بقوله: متصل لفظّا ما تقدمت الإشارة إليه من أن المدغم واللين قبله يكونان في كلمة واحدة، وأما قوله: أو حكما فقد مثّل له الشيخ، -
الجزء: 9 - الصفحة: 4655
................................
بنحو: اضربنّ واضربنّ، قال: فهذا متصل في الحكم ولولا ذلك لقيل: اضربونّ، كما قيل: حوجّ زيد 9. انتهى.
وأقول: إن هذا التمثيل يعطي خلاف ما أراده المصنف فإن مراده بقوله: متصل حكما أن المساكن الأول يبقى كما بقى مع المفصل لفظّا والساكن في: اضربنّ واضربنّ قد حذف فلم يلتق في المثالين المذكورين ساكنان، ومراد المصنف أن الساكنين اللذين أولهما حرف لين، والثاني منهما مدغم يلتقيان في ما حكمه حكم الكلمة الواحدة، ومقتضى ما قاله الشيخ أن يكون مراد المصنف أن نحو: اضربون واضربين جائز فيه اجتماع الساكنين، وإن كانت نون التوكيد كلمة أخرى غير الكلمة المشتملة على حرف اللين؛ لأنها وإن كانت منفصلة فهي في حكم المتصلة، ولا شك أن هذا ليس بمراده؛ لأن بقاء الواو والياء في مثل ذلك غير جائز.
والشيخ نفسه قد صرح بأنه إنما يقال: اضربن واضربن بالحذف، ولا شك أن الحذف واجب؛ لأن النون - أعني نون التوكيد - وإن حذف لفظا فهو في حكم الملفوظ فيعد فاصلا بين الفعل وبينها ولهذا لما كان الساكن الأول قبلها غير حرف مدّ حرّك، فقيل: اخشون واخشين، ولو كان حكمهما حكم المتصل؛ لجاز اجتماع الساكنين.
كما في نحو: نصّة، نعم قد يسأل، فيقال: هذا الذي ذكر من أن نون التوكيد في حكم المنفصل إذا كان الفعل معها مسندا إلى ضمير بارز وهو الواو والياء، ولذلك يحذف الساكن الأول وهو الواو أو الياء، وإن كان حرف مدّ قبل مدغم؛ لأن ذلك ليس فيما حكمه حكم الكلمة الواحدة.
كلام واضح لكن يشكل عليه إبقاء الألف في نحو: اضربانّ، وهل يضربانّ؛ إذ لا فرق بينها وبين الواو أو الياء فكان الواجب أن النون مع الألف يحكم لها بحكم المنفصل كما لها بذلك مع أختي الألف - أعني الواو والياء ولا شك أن هذا إشكال ظاهر؛ لأن الساكن في مثل ذلك - أعني أن يكون الأول حرف مد، والثاني مدغما - إنّما يغتفر إذا جمع الساكنين كلمة واحدة، ونون التوكيد مع الضمير البارز محكوم لها بحكم المنفصل، ولهذا حذفت الواو والياء من نحو: هل يضربن، وهل تضربن.
وبعد فقد ذكروا أن الموجب؛ لإبقاء الألف إنما هو خفتها وشبهها قبل النون بالفتحة، فإن -
الجزء: 9 - الصفحة: 4656
................................
ثبت هذا التعليل كان كالجواب عن هذا الإشكال، ولو ضم إلى هذا التعليل أن يقال: ولو حذفت الألف؛ لالتبس المثنى بالواحد وحينئذ تكون العلة في الأصل، إنما هي الالتباس لكن ذلك ليس بمسوّغ للجمع بين الساكنين، فيقال: وإنما احتمل ذلك؛ لأن الألف لخفتها شبّهت قبل النون بالفتحة.
وأما رابع من هذا المقصد - أعني الأول - فقد أخره المصنف، وسيشير إليه بقوله: ويتعين الإثبات إن أوثر الإبدال على التسهيل في نحو: آلغلام، وأما قوله: وربما فرّ من ذلك بجعل همزة مفتوحة بدل الألف، فيريد الفرار من أن يلتقي ساكنان، وذلك أن بعض العرب تبدل الساكن الأول - من الكلمة التي يلتقي فيها ساكنان أولهما ألف، والثاني مدغم - همزة مفتوحة قال في الكشاف: وقرأ أيوب السختياني 10 ولا الضآلين 11 بالهمز كما قرأ عمرو بن عبيد 12 ولا جأن 13 وهذه لغة من جد في الهرب من باب التقاء الساكنين.
ومنها ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبّة ودأبّة 14. انتهى 15 وقد ورد ذلك في أبيات للعرب منها قول الشاعر:
4205 - وللأرض أمّا سودها فتجلّلت... بياضا وأمّا بيضها فادهأمّت 16
وقول الآخر: -
الحديث: 4205 - الجزء: 9 - الصفحة: 4657
................................
4206 - راكدة مخلاته ومحلبه... وجلّه حتّى ابيأضّ ملببه 17
وقول الآخر:
4207 - وبعد انتهاض الشّيب من كلّ جانب... على لمّتي، حتّى اشعألّ بهيمها 18
وقول المصنف: وربّما فرّ، يفهم منه أن ذلك قليل، ولا شك أن الأمر كذلك، وأما قوله: فإن لم يكن الثاني مدغما متصلا إلى قوله: غالبا، فهو إشارة منه إلى المقصد الثاني، وهو ما يجب فيه حذف الأول الساكنين.
وشمل قوله: فإن لم يكن الثاني مدغما متصلا، ما يكون الثاني فيه من الساكنين غير مدغم سواء كان ذلك في كلمة أم كلمتين، وما يكون الثاني فيه مدغما منفصلا ففي هذه المسائل الثلاث يحذف الساكن الأول إن كان ممدودا، كما قال: أو نون توكيد خفيفة أو نون لدن، مثال ما الساكن الثاني فيه غير مدغم، والساكنان في كلمة: خف، وبع وقل، ولم يخف، ولم يقل، ولم يبع، ومثال ذلك في كلمتين: يخشى القوم، ويغزو الجيش، ويرمي الغرض، ومثال ما لساكن الثاني فيه مدغم منفصل أي في كلمة أخرى قالوا: ادّارأنا، وقالا ادّارأناه، وقولي ادّارأنا وقد تقدمت الإشارة إلى العلة المقتضية إقرار الساكن الأول الذي هو لين فيما الساكن الثاني الذي هو مدغم إذا كآنا في كلمة واحدة، وحذفه إذا كانا في كلمتين، وفي الكتاب العزيز: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 19 وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ 20 وأَ فِي اللَّهِ شَكٌّ 21 وقد حذف الياء والألف من: إي الله لأفعلن، وهالله لأقومن 22 وهو القياس، وحكى إثباتهما على الشذوذ، ومثال نون التوكيد الخفيفة، قولك: اضرب الرّجل، أصله: اضربن، -
الحديث: 4206 - الجزء: 9 - الصفحة: 4658
................................
ومثال «لدن» قولك: ما رأيته من لد الصّباح، وحذف النون من لدن هو الكثير، وربما ثبتت، وكسرت للباب لالتقاء الساكنين، كقول الشاعر:
4208 - تنهض الرّعدة في ظهيري... من لدن الظّهر إلى العصير 23
وعن هذا احتراز المصنف بقوله: غالبا، ولولا أن نون التوكيد لا يجوز إقرارها، لجاز أن يرجع بقوله: غالبا إلى جميع ما ذكر قبله لثبوت: إي الله، وهالله، ثم هاهنا تنبيهان: أحدها: يدخل أيضا تحت قول المصنف: حذف الأول إن كان ممدودا، نحو: أتخشين يا امرأة، ونحو: ارمي، واغزوا، ونحو: ارمنّ واغزنّ؛ لأن الأصل في الأول: أتخشين، قلبت الياء التي هي لام الكلمة ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها مع ياء الضمير، فحذفت لالتقاء الساكنين، وارمى [6/ 52] يا امرأة، أصله: ارمي، فسكنت الياء التي هي لام الكلمة استثقالا لكسرتها بعد كسرة على الأصل المطّرد، فالتقت مع ياء الضمير، فحذفت لالتقاء الساكنين، واغزوا أصله:
اعزووا، وهو في الواو مثل: ارمي في الياء، وارمنّ أصله: ارمينّ يا امرأة استثقلت الكسرة على الياء بعد الكسرة فسكنت وحذفت لالتقائها مع النون الساكنة بعدها.
ثانيها: أن الساكن الثاني في مثل ذلك إذا حرّك قد تكون حركته عارضة فلا يعتد بها فلا يرد الساكن الأول، وقد تكون حركته غير عارضة، فيلزم الاعتداد بها وحينئذ يرد الساكن الأول الذي كان قد حذف، فمثال ما لحركة فيه عارضة، قولك: خف الله، واخشوا الله، واخشي الله، واخشونّ، واخشينّ، وذلك أن الحركة في الأمثلة المذكورة إنّما أتي بها في نحو: خف الله من أجل الساكن بعدها، والساكن في كلمة أخرى، وذلك غير لازم فمن ثم لم يعتد بها، وكذلك الحركة في واو: اخشوا الله، وأما اخشونّ واخشينّ، فلأن نون التوكيد محكوم لها في المثالين بحكم الانفصال من أجل أنها جاءت بعد ضمير بارز، ومثال ما الحركة فيه غير عارضة: خافا، وخافوا؛ وذلك لأن
الحركة فيه كالأصلية لاتصال ما بعدها -
الحديث: 4208 - الجزء: 9 - الصفحة: 4659
................................
بالكلمة اتصال الجزء؛ لأن الفاعل كالجزء من الفعل، فلما اتصل بالفعل صارت الحركة لازمة لأجله، فمن ثمّ ردت الألف، وفي كلام أبي عمرو بن الحاجب التمثيل، بقوله: (خافنّ) فإن 24 كان خافن بضم الفاء أو بكسرها، فالألف إنما ثبتت لأجل حركة الفاء من أجل واو الضمير في خافنّ، أو من أجل يائه في خافن لأجل نون التوكيد إذ لو كان ثبوت الألف لأجل حركة الفاء من أجل النون لزم أن تثبت الألف في اخشونّ واخشينّ ولم تثبت، فتبين أنه لأجل الحركة للضمير كما هو في خافا وخافوا لأجل النون، وأما إن كان بفتح الفاء على أنه للمخاطب فيشكل، وذلك أنّ ردّ الألف يكون للاعتداد بحركة الفاء؛ لأجل النون، وقد تبين في: اخشون أنه لا اعتداد بحركة الواو؛ لأجل النون فينبغي أن يكون هذا كذلك لكن يقال: أن الفرق بينهما أن النون إنّما جعلت في: اخشون كالمنفصلة من حيث أن الواو - أعني واو الضمير - فاصلة بين الفعل وبينها، وكذلك في: اخشين، الياء فاصلة أيضا بخلاف: خافنّ فإن النون باشرت الفعل نفسه فاعتد بحركة الفاء؛ لأجل النون فرد الساكن الذي كان قد حذف، فالحاصل أن كل فعل جاءت النون فيه بعد ضمير بارز كان حكم النون معه حكم المنفصل، وكل فعل ليس معه ضمير بارز حكم النون فيه حكم المتصل؛ لأن الضمير البارز يجعل كالحاجز بين الفعل والنون وما خلا الألف فإنها لم تجعل كالحاجز لما تقدم من أن الألف في نحو:
اضربان، وهل يضربان لا يجوز حذفها، ومما يدل على اعتبار النون وجعلها كالجزء إذا باشرت دون ما إذا لم تباشر، أنّ الفعل المضارع في المذهب الصحيح إذا أكّد بالنون لا يبنى إلا إذا كانت مباشرة له، وأما قوله: فإن كان غيرهنّ حرّك... إلى قوله: فيحرك الأول، فهو إشارة إلى المقصد الثالث وهو ما يحرك فيه أحد الساكنين.
والحاصل أن الساكن الأول إذا كان غير ممدود وغير نون توكيد خفيفة وغير نون: لدن يحرك، فدخل في ذلك الساكن الصحيح، نحو: اذهب اذهب 25 والم (1) اللَّهُ 26، والساكن الذي هو لين، نحو قولك: اخشوا الله واخشي -
الجزء: 9 - الصفحة: 4660
................................ الله، والتنوين داخل تحت قولنا: الساكن الصحيح، نحو: أكرم زيد العالم، هذا كله إذا لم يكن الساكن الثاني آخر كلمة، فإن كان الثاني من الساكنين آخر كلمة حرّك هو الأوّل، نحو: كيف، وأمس وحيث، نعم إن كان الساكن الثاني في مثل ذلك تنوينا حرّك الأول، نحو: إيه وصه وحينئذ ويومئذ؛ لأن ذال «إذا» ساكنة والتقت مع التنوين المأتي به عوضا، ومما يحرك فيه الساكن الثاني دون الأوّل، ما سكن الأول فيه تخفيفا، نحو: انطلق ولم يلده 27، وضابطه كل موضع سكن الأول فيه الغرض التخفيف، وهو معه في كلمة فيه الثاني؛ لأنهم لو حرّكوا الأول؛ لصاروا إلى ما فروا منه، وذلك كما انطلق، ولم يلده، فإن أصل انطلق: 28 انطلق سكنت اللام تخفيفا كما سكن، نحو: كيف فالتقى ساكنان هي والقاف فحركت القاف، وكذلك: لم يلده، وأشار بقوله: وربّما حذف الأوّل إن كان تنوينا إلى قراءة من قرأ 29 «قل هو الله أحد الله الصمد» 30 بحذف التنوين، وإلى قراءة من قرأ «ولا الليل سابق النهار» 31 وورد ذلك في الشعر كثير منه قول القائل: 4209 - عمرو الّذي هشم الثّريد لقومه... ورجال مكّة مسنتون عجاف 32 وأشار بقوله: أو أثبت إن كان ألفا 33... إلى قول من قال: (التقت حلقتا -
الحديث: 4209 - الجزء: 9 - الصفحة: 4661
................................ البطان) 34 بإثبات الألف، ومن ذلك ما تقدم لنا ذكره وهو قولهم في القسم: (إي الله وها الله) بإثبات الياء وإثبات الألف، ولكن ينبغي أن يعلم أن حذف التنوين قد ورد منه ما ورد نثرا ونظما، وأما إثبات الألف أو الياء فشاذ نادر، وأما قوله: ويتعين الإثبات إن أوثر الإبدال على التسهيل، فهو إشارة منه إلى رابع المواضع من المقصد الأول الذي تقدم لنا أنه سيشير إليه، وهو ما كان أول الكلمة فيه همزة وصل مفتوحة قد تقدمها همزة الاستفهام، وقد تقدم أن هذا يكون فيما فيه لام التعريف مطلقا وفي آيمن الله، وآيم الله خاصة؛ إذ لا ألف وصل مفتوحة في غير ذلك، وقد عرفت أن السبب في إبقائها واجتماع الساكنيين الخوف من التباس الاستخبار بالخبر، والحاصل أن همزة الوصل المفتوحة إذا تقدمها همزة الاستفهام للعرب فيها مذهبان 35: أحدهما: التسهيل بين بين، والثاني: إبدالها ألفا، وقرئ بالوجهين في السبعة، والإبدال أرجح من التسهيل، وإنما كان كذلك؛ لأن الإبدال يزيل صورتها، وأما في التسهيل فإنها متحركة فكأنها ما ذهبت. ومما يدل على ثبوت التسهيل بين بين قول الشاعر: 4210 - وما أدري إذا يمّمت أرضا... أريد الخير أيّهما يليني أأالخير الّذي أنا أبتغيه... أم الشّرّ الّذي هو يبتغيني 36
الحديث: 4210 - الجزء: 9 - الصفحة: 4662
................................
فسهل ألف الوصل بين بين بدليل أنه لو لم يجعلها بين بين لم يقم وزن البيت، وأما قوله: وربما [6/ 53] ثبتت الممدودة قبل المدغم المنفصل، وقبل الساكن العارض تحريكه فأشار به إلى مسألتين ثبت الساكن الأول فيهما مع وجود المقتضي لحذفه.
الأولى ثبوته قبل المدغم المنفصل ومثاله قراءة البزّي 37 عنه تلهى 38 ووَ لا تَيَمَّمُوا 39، المسألة الثانية: ثبوته قبل ساكن عارض تحريكه.
قال المصنف في شرح الكافية: وإذا حذف حرف المد لسكون ما بعده، ثم عرض تحريك ما بعده لساكن آخر لم يرد المحذوف (ولذلك) لم ترد ألف (يشاء) من قوله تعالى: مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ 40 ولا ياء (يريد) في قوله تعالى: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ 41 ولا واو (يكون) في قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا 42 (ثم نبهت على أن) بعض العرب قد تعتد بالحركة العارضة فيرد المحذوف فيقول في:
(رمت المرأة) (رمات المرأة)، وأنشد الكسائي قول الراجز:
4211 - يا حبّ قد أمسينا... ولم تنام العينا 43
وفي هذا شاهد أن: شاهد على رد الألف اعتدادا بحركة الميم وهي عارضة، وشاهد على حذف نون التثنية دون إضافة 44 انتهى.
وأما قوله: وأصل ما حرّك منهما الكسر، فهو إشارة إلى المقصد الرابع، وهو الحركة التي يحرك بها الساكن ما هي من كسرة أو فتحة أو ضمة، وليعلم أن - - أم الشّرّ الّذي لا يأتليني والشاهد في قوله: أألخير، حيث جاء بهمزة الوصل بين بين.
إذ دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل، والقياس حذفها، لكنها لم تحذف ولا سبيل إلى تحقيقها فخففت بالتسهيل.
وانظر معاني القرآن (2/ 112) وابن يعيش (9/ 138)، والخزانة (2/ 512)، وشرح شواهد الشافية (ص 188)، وديوانه (ص 212، 213).
الحديث: 4211 - الجزء: 9 - الصفحة: 4663
................................
الساكنين إذا التقيا قد يكونان من كلمة واحدة، وقد يكونان من كلمتين فإذا كانا من كلمة واحدة لم يكن للمتكلم في الحركة تصرف يعني أن الحركة التي حركت بها العرب ملتزمة، وهذا القسم الذي أشار إليه المصنف في هذا الفصل، وإذا كان الساكنان من كلمتين، وإنما يكون كذلك حيث تكون الكلمة التي تضمنت الساكن الأول موضوعة على السكون، فيتصرف فيه المتكلم ويحركه بما يؤمر به من كسر أو فتح أو ضم، وهذا القسم قد أفرده المصنف بالذكر في الفصل الذي ذكره بعد هذا الفصل 45، ثم الأصل في ما حرك من الساكنين أن يحرك بالكسر 46 والتحريك بغير الكسر إنما يكون لأمر اقتضى ذلك وجوبا أو استحسانا أو مساواة، قالوا: وإنما كان الأصل الكسر؛ لأن أصل الجزم السكون والجزم في الأفعال عوض عن الجر في الأسماء، فلما ثبت بينهما تعويض، واضطر هنا إلى تعويض عن السكون جعل أخوه عوضه على سبيل التقاضي والتعارض 47 ومن النحاة من قال:
يحتمل أن يقال: الفتح الأصل؛ لأنه أخف الحركات ولا يكون لغيره إلا لوجه آخر قبل، أو يقال: لا أصل في الالتقاء لحركة؛ بل يقتضي وجوده التحريك خاصة وتعيّن الحركة يكون لوجوه.
ثم ذكر المصنف: أنه يعدل عن الكسر لأمور سبعة:
أحدها: التخفيف، وذلك كما في: أين وكيف؛ لأن الساكن الثاني لو حرك بالكسر أدى إلى اجتماع الكسرة والياء وهو موجب للثقل.
ثانيها: الجبر، وذلك كما في: قبل وبعد، كأنهما جبرا بذلك لما حذف ما يضافان إليه، وقد قيل: إنهما لم يبنيا على الفتح ولا على الكسر؛ لأن كلا من الحركتين يكون لهما حال إعرابها فبنيا على الضم؛ لتخالف حال البناء حال الإعراب، فعلى هذا كان المناسب أن يقول المصنف: أو رفع إبهام، بدل قوله: أو جبرا.
ثالثها: الإتباع وذلك كما في: منذ، عدل عن الكسر إلى الضمّ لإتباع حركة الذال للحركة التي قبلها.
-
الجزء: 9 - الصفحة: 4664
[أحوال نون من وعن ولكن]
قال ابن مالك: (فصل تفتح نون من مع حرف مع التّعريف وشبهه وربّما حذفت، وتكسر مع غيره غالبا، والكسر معه أقلّ من الفتح مع غيره، وتكسر نون عن مطلقا، وربّما ضمّت مع حرف التعريف، وتضمّ الواو المفتوح ما قبلها إن كانت للجمع وإلّا كسرت، وقد ترد بالعكس وربّما فتحت وتحذف نون لكن للضّرورة).
رابعها: الرد إلى الأصل وذلك في: مذ اليوم التي أصلها منذ، وذلك أن النون حذفت فبني على السكون، فلما التقى ثم ضمه عند التقائه مع ساكن بعده.
خامسها: تجنب اللبس، وذلك كما في أنت، وذلك يعني أن تاء الخطاب وكاف الخطاب لو كسرا؛ لألبس ذلك بخطاب المؤنّثة هكذا مثل الشيخ: بمذ للثالث، ويمذ المقتطعة من منذ للرابع وبأنت وذلك للخامس 48، وذلك غير
ظاهر؛ لأن عقد هذا الفصل إنما هو لالتقاء الساكنين في كلمة واحدة لا في كلمتين، وأيضا فإن التاء من أنت والكاف من ذلك لم يوضعا على السكون؛ لأن الحرف الواحد لا يوضع ساكنا إنما يقال ذلك فيما يكون النطق به ساكنا، والحرف الواحد لا يمكن فيه ذلك.
ثم أقول: أما حركة تاء الخطاب وحركة كاف الخطاب فليست لالتقاء ساكنين كما عرفت، وإذا كان ما هو على حرف واحد إنما يوضع متحركا، فقد يسأل عن حركته بتلك الحركة دون غيرها من بقية الحركات، فقد يكون لذلك مناسبة وأما حركة (مذ).
فسيأتي الكلام عليها.
سادسها: الحمل على النظير، ومثل لذلك (بنحن) قالوا: لأن الضمة في (نحن) بمنزلة الواو في هم إذا حركنا الميم موصولة بالواو 49.
وسابعها: إيثار التجانس، ومثل لذلك (بأسحار) إذا سمي به ورخم، فإن ترخيمه بحذف الراء الآخرة، وحينئذ تصير الراء ساكنة بعد الألف، فإذا احتيج إلى تحريك الراء حركت بالفتحة لمجانستها الألف 50.
قال ناظر الجيش لما تقدم له قوله: وأصل ما حرك منهما الكسر، وكان ثمّ مواضع يعدل فيها عن الكسر إلى غيره شرع في ذكر ذلك، وقد عرفت أن ذلك إنما يتأتى -
الجزء: 9 - الصفحة: 4665
................................ في شيء يكون الساكن الأول فيه آخر كلمة، والساكن الثاني أول كلمة أخرى، وأن العدول عن الكسر إلى غيره من ضم أو فتح إنما يكون لأمر اقتضى ذلك وجوبا أو استحسانا أو مساواة، والحاصل أن من المواضع ما يجب فيه التزام الأصل، وهو الكسر وما يجوز فيه مع الكسر غيره؛ إما جوازا راجحا أو مرجوحا، وما يجب فيه الضم، وما يجوز فيه مع الضم غيره، إما جوازا راجحا أو مرجوحا، كما سيتضح ذلك عند ذكر الصور مفضلة، إن شاء الله تعالى. والمصنف في هذا الفصل إنما تعرّض إلى ذكر نون (من)، ونون (عن) والواو الدالّة على الجمع، والتي لا دلالة له لكونها جزء كلمة. فأما نون (من) فذكر أنها تفتح مع حرف التعريف وتكسر مع غيره، ولا شك أن هذا واجب، وقوله: غالبا لا [4/ 54] ينفي الوجوب، وإنما نبّه به على أن النون المذكورة قد تكسر مع حرف التعريف، وقد تفتح مع غير حرف التعريف، ولكن ذلك ضعيف، ولو قال المصنف: ويضعف خلاف ذلك؛ لكان أولى من قوله: غالبا، وإنما خففت حرف التعريف لكثرة وقوع من معه، فقصدوا إلى أخف الحركات؛ لتخفيف ما كثر، وإنما أتوا بالكسر على الأصل مع غير حرف التعريف؛ لأنه لم يكثر، فلم يستثقلوا فيه الكسرة، ولمّا كانت نون من تفتح في مثل: خذ من الزيد، ومن الذي يعطيك، واللام ليست للتعريف إنما هي زائدة، احتاج المصنف إلى أن يقول: وشبهه، وقوله: وربما خففت: يريد به أن النون قد تحذف إذا وليها حرف التعريف، كقول أبي صخر الهذلي: 4212 - كأنّهمام الآن لم يتغيّرا... وقد مرّ للدّارين من بعدنا عصر 51 وقول الآخر: 4213 - وكأنّ الخمر المدام من الإس... فنط ممزوجة بماء زلال 52
الحديث: 4212 - الجزء: 9 - الصفحة: 4666
................................
وقول الآخر:
4214 - ليس بين الحيّ والميت سبب... إنّما للحيّ ملميت النّصب 53
وقول الآخر:
4215 - وكنت لبين الحاجبيّة حاذرا... فلم تنج نفسي ملفراق حذارها 54
وذكر الجماعة لحذف هذه النون شرطا آخر، وهو أن تكون اللام ظاهرة أي غير مدغمة في ما بعدها، فلا يقال في من الظّالم: م الظّالم، ولا من اللّيل: م الليل، قالوا 55: ونظير ذلك حذف نون: بني فإنهم قد يحذفونها إذا كان بعدها لام ظاهرة، فتقول في بني الحارث بلحارث، ولا يقولون في بني 56 النجار: بلنجار 57، وقال الشيخ: قول
المصنف: (وربّما) يعطي أن حذف نون من قبل حرف التعريف قليل، وليس كذلك، بل قدّروا ذلك كثيرا في أشعار العرب، قال: ويجوز في سعة الكلام أيضا.
58 انتهى.
وقوله: وتكسر مع غيره أي مع غير حرف التعريف ظاهر، وذلك نحو: من ابنك و: من انطلاقك و: من اسم زيد نبّه على أن الكسر معه أي مع حرف التعريف أقل من الفتح من غير حرف التعريف يعني أن الكسر في نحو: من الرّجل أضعف من الفتح من نحو: من ابنك، وأما نون عن فتكسر مطلقا، أي مع حرف - - الخمر بالمؤنث في قوله: ممزوجة.
قال السجستاني: الخمر مؤنث، وقد يذكرها بعض الفصحاء.
وانظره في: اللسان (خمر)، والمذكر والمؤنث للفرّاء (ص 83)، والمذكر والمؤنث للأنباري (ص 338)، والمخصص (17/ 19)، وديوانه (ص 5).
الحديث: 4214 - الجزء: 9 - الصفحة: 4667
................................ التعريف وغيره، نحو: عن القوم وعن ابنك، وحكى الأخفش الضم 59 مع حرف التعريف، وذلك في غاية الندور، وقال بعضهم: هي قبيحة رديئة، وأما الواو الدالة على الجمع المفتوح ما قبلها فتحرك بالضم وجوبا؛ قال الله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ 60 وتقيدها بالمفتوح ما قبلها احتراز من المضموم ما قبلها، نحو: اقتلوا الرجل، وارموا المرأة، فإنها تحذف في مثل ذلك لما عرفت قبل، فإن كانت الواو لا دلالة لها، كواو (لو) كانت حركتها بالكسر على الأصل، نحو: لو استطعنا، وأشار بقوله: وقد ترد بالعكس، إلى أن واو الجمع قد تكسر، وأن واو لو قد تضم، ولا شك أن الأفصح هو الذي ذكر أولا؛ لأنهم قصدوا التفرقة بين واو الضمير وغيرها، وكان الضم لما هو ضمير أولى للمناسبة، وأشار بقوله: وربّما فتحت، إلى قراءة من قرأ: «اشتروا 61 الضّلالة بالهدى 62» وأما قوله: وتحذف نون (لكن) للضرورة، فشاهده قول الشاعر: 4216 - فلست بآتيه ولا أستطيعه... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل 63 وقد بقي على المصنف الكلام على أربع مسائل، وهي ما إذا الساكن الأول (ميم الجمع) أو كان (مذ) أو كان الساكن الثاني (لام التعريف) مقرونا بالجلالة المعظمة، أو كان بعد الساكن الثاني ضمة أصلية في كلمة ذلك الساكن، أما ميم -
الحديث: 4216 - الجزء: 9 - الصفحة: 4668
................................
الجمع فالواجب أن تحرك 64 بالضم وذلك في نحو (قوله تعالى): عَلَيْكُمُ الْقِتالُ 65 مما لم تقع الميم المذكورة فيه بعدها بعد هاء تلي ياء أو كسرة، وإنما ضمت ردّا إلى أصلها، ومن كسر في مثل (قوله تعالى): فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ 66 فإنما كسر للإتباع قصدا للخفة، وأما ذال (مذ) فالواجب فيها أيضا أن تحرك بالضم؛ لأن أصلها (منذ) 67 بذال
مضمومة، فلما سكنت الذال بعد حذف النون، واحتيج إلى تحريكها لملاقاة ساكن حركت بحركتها الأصلية، وأما ما الساكن الثاني فيه التعريف مصاحبا للاسم المعظم، وذلك نحو قوله تعالى:
الم (1) اللَّهُ 68 فيحرك الساكن الأول فيه بالفتح، وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاختيار، ظاهر كلامهم أن ذلك مختار لا واجب، والظاهر أن ذلك واجب، ويدل على ذلك قولهم: أنه لم يسمع فيه أحد الكسر، ولا قرئ به، وقال سيبويه: (فأما) الم (1) الله فلا يكسر؛ لأنهم لم يجعلوه في ألف الوصل بمنزلة غيره ولكنهم جعلوه كبعض ما يتحرك لالتقاء الساكنين، نحو: اعلمن ذلك، ولم يلده 69. انتهى.
والحق أن الفتح واجب للمحافظة على بقاء التفخيم في اسم الله تعالى 70 وقد تعرض المصنف إلى ذكر هذه المسألة في شرح الكافية 71 ولم يصرح فيها بوجوب ولا اختيار، وأما ما بعد الساكن الثاني فيه ضمة أصلية في كلمته، وذلك نحو: -
الجزء: 9 - الصفحة: 4669
................................
(قوله تعالى): وَقالَتِ اخْرُجْ 72 فهو الذي يستوي فيه الأمران أعني كسر الساكن الأول وضمه، وقد ذكر
المصنف هذه المسألة في شرح الكافية، فقال: وإن ولي ثاني الساكنين ضمة لازمة؛ جاز كسر الأول وضمه، نحو (قوله تعالى):
فَمَنِ اضْطُرَّ 73 ووَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ 74 وقُلِ ادْعُوا اللَّهَ 75 انتهى.
وقيدت الضمة بكونها أصلية لتقيد دخول، نحو: قالت: اغزي، في الضابط، وخروج نحو: قالت: ارموا منه، أما نحو: قالت: اغزي؛ فلأن الضمة منه إنما زالت لعرض؛ فهي في حكم الموجود فتعتبر، وأما نحو: قالت: ارموا، فلأن الضمة ليست أصلية، وإنما هي عارضة، فلم تعتبر، وكذا الضمة في: إن امرؤ؛ لأن الضمة في الراء إنما جيء بها للإتباع ولهذا تزول بزوال رفع امرئ، وقيدت أيضا بأنها تكون في كلمة ذلك الساكن الثاني؛ ليخرج به، نحو (قوله تعالى) إِنِ الْحُكْمُ 76 فإن الضمة وإن كانت لازمة لكنها ليست في كلمة الساكن الثاني؛ لأن الثاني من الساكنين لام التعريف وسرّه هو أنه إذا كان في كلمة أخرى صار غير لازم للساكنين فصار كالعارض كما في نحو: ارموا، وإن امرؤ، ونلخص أن مجموع ما أشير إليه مما يحرك من الساكن الأول إما بكسر أو بضم أو بفتح ثماني مسائل، وهي: نون (من) ونون (عن) وواو [6/ 55] الجمع وواو (لوئ) وما الساكن الأول فيه ميم الجمع أو ذال (مذ)، وما كان الساكن الثاني فيه حرف التعريف مقرونا بالجلالة المعظمة، وما كان بعد الساكن الثاني فيه ضمة أصلية.
فأما نون (من) فقد عرفت أنها تفتح مع حرف التعريف وتكسر مع غيره، وإن فعل عكس ذلك في الموضعين لا عبرة به؛ لأنه في غاية الندور؛ وأما نون عن فقد عرف أنها تكسر مطلقا، وأن ضمها مع حرف ففي غاية الندور أيضا، وأما واو الجمع المفتوح ما قبلها فإنها تضم وكسرها في غاية الندور، وأما واو (لو) فإنها تكسر وضمها في غاية الندور أيضا، وأما ميم الجمع فتضم بالقيد الذي عرف، وأما ذال (مذ) فكذلك تضم أيضا، (وأما ما الساكن فيه حرف التعريف مقرونا) بالجلالة المعظمة فله الفتح، والظاهر أنه على سبيل الوجوب، كما تقدمت الإشارة -
الجزء: 9 - الصفحة: 4670
[فك التضعيف في المجزوم والمبني]
قال ابن مالك: فصل: (استصحب بنو تميم إدغام الفعل المضعّف اللّام السّاكنها جزما أو وقفا في غير (أفعل) تعجّبا، والتزموا فتح المدغم فيه في (هلمّ) مطلقا، وفي غيرها قبل هاء غائبة، وضمّة في المضموم الفاء قبل هاء غائب، وربّما كسر وقد يفتح على رأي ولا يضمّ قبل ساكن بل يكسر، وقد يفتح، وإن لم يتّصل بشيء ممّا ذكر فتح أو كسر أو أتبع حركة الفاء، وفكّ الحجازيّون كلّ ذلك إلا (هلمّ)، والتزم غير بكر الفكّ قبل تاء الضّمير وأخويه، وحذف أوّل المثلين عند ذلك لغة سليم).
إلى ذلك، وأما ما بعد الساكن فيه ضمة أصلية في كلمته ففي الساكن الأول فيه وجهان الكسر والضم، وحاصل الأمر أن الكسر كما وجب في محل قد يجب الضم في محل آخر والفتح في محل آخر، وقد يجوز الوجهان أعني الكسر والضم على السواء، وقد يجيء الفتح فيما حقه الكسر نادرا، وقد يجيء الكسر فيما حقه الفتح نادرا، وقد يجيء الضم فيما حقه الكسر نادرا.
قال ناظر الجيش: من المعلوم أن من موجبات الإدغام التقاء المثلين متحركين في كلمة إلا فيما استثنى، وأن من موانع الإدغام سكون ثاني المثلين، فعلى هذا، إذا حصل إدغام مثل في مثل في كلمة، ثم عرض سكون الثاني منهما بجزم أو وقف وجب الفك؛ لتعذر الإدغام حينئذ فيقال في الأمر والمضارع من نحو: رد ومد وكر:
اردد، ولم يردد، وامدد، ولم يمدد، واكرر ولم يكرر، هذه هي لغة الحجازيين، وأما بنو تميم فإنهم لا يفكّون.
بل يستمرون في مثل ذلك على الإدغام 77، وعلل الأئمة جواز الإدغام في -
الجزء: 9 - الصفحة: 4671
................................
لغتهم بأنّ سكون المثل الثاني في ذلك عارض بسبب الجزم أو الوقف 78 وعورض هذا التعليل بأن، نحو: ظللت
مجمع على إدغامه مع أن سكون اللام فيه عارض، وأجيب عنه بأن السكون في ظللت لازم لا ينفكّ مع التاء، وفي: لم يردد، قد يزول لزوال الجازم، ورد هذا الجواب بأن اتصال التاء بظللت كاتصال الجازم، نحو: لم يردد فكما أن ذلك لازم عنده فكذلك الآخر، وأجيب بأن التاء منزّلة منزلة الجزء من الكلمة والجازم كلمة مستقلة، ولما أدغم التميميون مثل ذلك التقى ساكنان، فلما احتيج إلى تحريك أحد الساكنين حرّك الثاني لما عرفت من أن الحركة تكون للساكن الأول، إلا أن يكون الساكن الثاني آخر كلمة فيحرك هو دون الأول، كما في كيف، وأين، ثم إن الحركة له قد تكون بالفتح وقد تكون بالضم وقد تكون بالكسر يختلف ذلك بسبب المواضع، كما سنبين إن شاء الله تعالى.
وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب فنقول: قوله: استصحب بنو تميم إدغام الفعل المصنف اللام الساكنها جزما أو وقفا، عبارة حسنة؛ لإشعارها بأن بني تميم يستمرون في الجزم ويبقون ما كان مدغما قبل ذلك على إدغامه، فيقولون: لم يردّ، ولم يبرّ، ولم يفرّ، ولم يلمّ، وكذا يقولون: ردّ، وبرّ، وفرّ، وألمّ، وذكر الجماعة أن الذين لا يدغمون هم أهل الحجاز، وأما غيرهم من العرب فإنهم يدغمون بنو تميم وغيرهم 79، وسيبويه لما ذكر بني تميم، قال: وهو قول غيرهم من العرب وهم وكثير 80. انتهى.
قال الشيخ: قد أطلق المصنف هنا حيث قال: أو وقفا، ومن صور هذه: ارددن، ولم يرددن، قال: فهذان مبنيان وآخرهما قد سكن، وهو من المضعف اللام، ومع ذلك لا يدغمه بنو تميم.
انتهى.
والعجب من الشيخ كيف وهم أن هذا استدراك على المصنف، والمصنف قد قال في هذا الفصل: والتزم غير بكر الفك قبل تاء الضمير وأخويه، وأحد أخوي تاء الضمير هو نون الإناث؛ لأن كلّا منهما ضمير رفع، وغير بكر يشمل العرب أجمعين بني تميم وغيرهم، فثبت من هذا أن بني تميم لا يدغمون، نحو: ارددن، -
الجزء: 9 - الصفحة: 4672
................................
ولم يرددن، وكان هذا الكلام من المصنف تقييدا لكلامه السابق.
وأما قوله: في غير أفعل تعجبا، فأشار به إلى أن نحو: أشدد بحمرة زيد، لا يدغم عند جميع العرب 81 ولا شك أن العلة في عدم إدغام مثل ذلك ظاهرة؛ لأن الإدغام يوجب تحريك الثاني في وصل الكلام، وأفعل في التعجب يجب
سكون آخره؛ إذ لا يليه إلا متحرك، ثم إن المصنف شرع في ذكر بيان أن الحركة التي يحرك بها الساكن الثاني عند الاحتياج إلى ذلك ما هي من فتح أو ضم أو كسر، وقدم على ذلك الكلام (هلمّ) 82 ولاختصاصها بحكم لا يكون لغيرها من المدغم وهو أنها بفتح آخرها ولو قبل ضمة، نحو: هلمّه، أو قبل ساكن، نحو: هلمّ الرجل، ولا شك أن هلمّ اسم فعل في لغة الحجازيين، وفعل في لغة بني تميم، فالحجازيون لا يبرزون فاعلها في تأنيث ولا تثنية ولا جمع، وبنو تميم يبرزونه، فيقولون: هلمّي وهلما وهلمّوا وهلممن ويؤكدونه بالنون، نحو:
هلمّنّ، وقد استعمل لها مضارعا من قيل له: هلمّ، فقال: لا أهلمّ وأصل الكلمة عند البصريين: هالم، وعند الكوفيين: هل أم 83. قال المصنف: وقول البصريين أقرب إلى الصواب، ومعنى: هلمّ، احضر؛ قال الله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا 84 فأشار المصنف بقوله: والتزموا فتح المدغم فيه في هلمّ مطلقا.
يشير به إلى أن الذين يستعملونها فعلا، وهم بنو تميم يفتحونها مطلقا أي سواء اتصل بها هاء الغائبة، نحو: هلمّها، أم هاء الغائب، نحو: هلمّه، أم ساكن، نحو: هلمّ الرجل 85، فمراد المصنف بقوله: مطلقا أنها تفتح من هاء الغائبة وهاء الغائب والساكن، وهذا بخلاف غير: هلمّ من المدغم، -
الجزء: 9 - الصفحة: 4673
................................
نحو: ردّ مثلا، فإنه يضم مع هاء الغائب، ويكسر مع الساكن الذي بعده ولا يفتح إلا مع [6/ 56] هاء الغائبة كما سيأتي، وهلم يفتح مطلقا، وإذا كان المراد بقوله: (مطلقا) هذا، اندفع ما قاله الشيخ من أن قوله: مطلقا يوهم أنها تفتح دائما، وليس كذلك؛ لأنها تكسر قبل الياء وتضم قبل الواو وتسكن قبل نون الإناث، وأما غير هلم من المضعف اللام المستصحب إدغامه، فأشار إليه بقوله:
وفي غيرها، أي وفي غير هلم، وذكر أنه يجب فتحه في موضع وضمه في موضع وكسره في موضع.
فأما فتحه
فقيل هاء غائبة نحو: لم يردّها، وردّها، ولم تبرّها وبرّها، ولم يقرّها وأقرّها، وأما ضمه فقبل هاء غائب، نحو: ردّه.
ولم يردّه.
والسبب في أن وجب الفتح في ردّها والضم، في: ردّه أن الهاء خفيّة، فكأنك قلت: ردا وردوا، ولا شك أن ما قبل الألف يكون مفتوحا وما قبل الواو يكون مضموما، ويفهم من قوله: وضمة في المضموم الفاء.
أن الضمّ لا يجب في المكسور الفاء، نحو: شدّه وعلّه، ولم يشدّه ولم يعله على لغة من يكسر فاء الكلمة ولا المفتوحها، نحو: برّه ولم يبرّه، وعلى الناظر أن يحقق ذلك، فإني لم أقل ذلك نقلا وإنما لما أفهمه.
قول المصنف: وضمه في المضموم الفاء، فإنه ظاهر في ما أشرت إليه، ولا يبعد أن الأمر كذلك، ثم إن المصنف أشار إلى أن، نحو: رده قد يكسر وقد يفتح.
أما الكسر فذكروا أنه لغيّة، وأما الفتح فجوزه قوم وذكر الشيخ أنه رأي الكوفيين 86، قال ثعلب في فصيحه: أزرر عليك قميصك، وزرّه، وزرّه 87 وزرّه وغلّط الناس ثعلبا في ذكر الفتح لكونه ضعيفا، وكتابه إنما هو موضوع لذكر الفصيح.
قال الشيخ: وظاهر مذهب سيبويه هو ما ذكره ثعلب 88. ثم لما ذكر المصنف الفتح والضم أشار إلى الكسر بقوله:
ولا يضم قبل ساكن بل يكسر، وقد يفتح، فالمشهور أن يقال: ردّ الرجز ابنك؛ لأن هذه الحركة - أعني الكسرة - هي الأصل في تحريك أحد الساكنين إذا التقيا، قال ابن كيسان في لغة قيس وتميم ردّ القوم بالكسر أنشد الخليل (رحمه الله تعالى): -
الجزء: 9 - الصفحة: 4674
................................
4217 - ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى 89
بالكسر، وكذا قول الآخر:
4218 - فغضّ الطّرف إنّك من نمير 90
بالكسر أيضا.
قال أبو علي: ومنهم من يفتح مع الألف واللام 91. قال سيبويه: الأفصح والأكثر الكسر، وأما الضم مع الألف واللام فذكر سيبويه: أنه ليس من كلامهم 92 قيل: والقياس لا يبعده؛ لأنه كالفتح في عدم مراجعة الأصل، قيل: وحكاه ابن جني 93، وأشار المصنف بقوله: وإن لم يتصل بشيء مما ذكر فتح أو كسر وأتبع حركة الفاء إلى أن الفعل المدغم الذي الكلام فيه إذا لم يتصل بهاء الغائبة ولا هاء الغائب ولا الساكن جاز فيه ثلاثة الأوجه وهي: الفتح والكسر والإتباع 94 فيقال: ردّ وفرّ وغضّ بالفتح، قيل: وهي لغة لتميم وناس غيرهم.
وردّ وفرّ وغضّ بالكسر، قيل: وهي لغة كعب، وردّ وفرّ وغضّ بالإتباع لحركة الفاء، فقالوا:
وهذا أكثر في كلامهم 95. وأما قوك: وفكّ الحجازيون كل ذلك إلا (هلمّ).
فظاهر وتقدم الكلام في ذلك، (وإنما لم يدغموا؛ لأن الإدغام يؤدي إلى التقاء ساكنين ويحتاج بعد ذلك إلى عمل آخر من تحريك الساكن الثاني، وأكثر ما جاء في الكتاب العزيز من ذلك على لغتهم، قال الله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ 96 ووَ لا تُشْطِطْ 97 وإِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ 98 ووَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا -
الحديث: 4217 - الجزء: 9 - الصفحة: 4675
................................
كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 99 ووَ مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى 100 ووَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ 101 ووَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ 102 وأَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ 103 وقد قرئ في السبعة وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ 104 بالفكّ والإدغام 105. وأما هلمّ فقد عرفت أنها فعل في لغة بني تميم، وهم من شأنهم الإدغام، واسم فعل في لغة الحجازيين، وإذا كانت اسم فعل فمن أين يدخلها الفكّ، قال الشيخ: كان ينبغي للمصنف أن لا يستثنيها؛ لأنها لم تندرج في قوله: استصحب بنو تميم إدغام الفعل المضعف اللام الساكنها جزما ووقفا؛ لأنها ليست بفعل، قال فهو استثناء منقطع 106. انتهى.
ولك أن تقول: لم يستثن المصنف (هلمّ) من الفعل، بل من قوله: كل ذلك؛ لأنه يريد: وفكّ الحجازيون كل ذلك، أي كل ما ذكر في هذا الفصل وهلمّ من جملة ما ذكر وعلى هذا فالاستثناء متصل.
وأما قوله: والتزم غير بكر 107 الفك قبل تاء الضمير وأخويه، فالمراد بأخوي تاء الضمير نون الإناث، إذا كانت فاعلة؛ لأنها إنما تكون أخت تاء الضمير إذا كانت في موضع رفع، والمقصور بهذا الكلام أن جميع العرب - إلا بكرا - يلتزمون الفك، نحو: رددت، ورددنا، ورددن، والعلة لذلك ظاهرة وهي الفرار من التقاء ساكنين في الوصل المحض، وبنو بكر بن وائل يدغمون: وليس الإدغام عن كلهم، وإنما نقل ذلك ناس منهم، ولا يخفى ما في ذلك الثقل وعسر النطق، وقد قال بعضهم: أن هذا لا ينبغي أن يؤخذ به، ومراده أنه لا يقاس عليه ولا شك أن هذا اتفاق، وليعلم أن ما شذت العرب فيه وفكّته ولم تدغمه من المضاعف في الأفعال، لا تدغمه بنو بكر، وذلك نحو: لححت -
الجزء: 9 - الصفحة: 4676
................................
العين 108، وشكل 109 الفرس، وقطط 110 الشعر، وألل السّقاء 111، وحبب المكان، ودبب 112 الإنسان؛ لأن الوقوف على ما نطقت به العرب، وإن كان شاذّا، واجب.
وأما قوله: وحذف أول المثلين عند ذلك لغة سليم، فمراده أن حذف أول المثلين عند اتصال التاء ونا ونون الإناث بالفعل لغة من ذكره 113. ومثال ذلك:
ظلت في ظللت 114. قال الشيخ: هذا الحذف شاذّ، نص على ذلك سيبويه 115 وغيره، ونقل هذا عن المصنف أنه لغة لبني سليم.
قال الشيخ: ولم يذكر ذلك سيبويه على أنه لغة، بل إنما أورده مورد ما لا يقاس عليه، ومثّل: بظلت ومست، وقال: حذفوا وألقوا الحركة على الفاء، كما قالوا: خفت، وذكر مع ظلت ومست أحست، وقال: ولا نعلم شيئا من المضاعف شذ إلا هذه الأحرف.
انتهى كلام سيبويه.
قال الشيخ: ولكنّ المصنف نقل: أن ذلك لغة سليم، وهو كثير الاطلاع ثقة فيما ينقله.
الجزء: 9 - الصفحة: 4677