تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2283-2322

الباب الثامن والعشرون باب الحال

صفحات 2283-2322

................................  وأمّا تقديم الحال على المضاف إلى صاحب الحال: فيظهر من كلام المصنف جواز التقديم فيما إضافته غير محضة، ومنعه فيما إضافته محضة، فإنه قال: وإذا كان صاحب الحال مجرورا بإضافة محضة لم يجز تقديم الحال عليه بالإجماع؛ لأنّ نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول فإن كانت الإضافة غير محضة جاز تقديم الحال على المضاف كقولك: «هذا شارب السويق ملتوتا الآن أو غدا» لأنّ الإضافة في نية الانفصال، فلا يعتد بها. انتهى 1. وما ذكره المصنف في صورتي الجواز والامتناع إنما هو بالنسبة إلى عامل الحال 2، والكلام في هذا الفصل إنّما هو بالنسبة إلى صاحب الحال، إلّا أن يقول المصنف: يلزم من تقديمه على العامل تقديمه على صاحب الحال فلذا ذكره هنا. ثم قال المصنف: فإن ورد ما يوهم تقديم حال ما جرّ بإضافة محضة حمل على وجه لا خلاف في جوازه كقول الراجز: 1787 - نحن وطئنا خسّئا دياركم... إذ أسلمت حماتكم ذماركم 3 فقد يتوهم سامع هذا أنّ (خسّئا) بمعنى: بعداء مزدجرين، كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ 4 فيجعله [3/ 69] حالا من ضمير المخاطبين ويقول: قد تقدّم حال المضاف إليه على المضاف وليس كذلك، ولكن (خسّئا) جمع خاسئ، بمعنى: زاجر، من قولهم: خسأت الكلب، أي: أبعدته وزجرته، فهو حال وصاحبه الفاعل من (وطئنا). وقد يتوهم أنّ (فرّارا) من قول الشاعر: 1788 - ليست تجرّح فرّارا ظهورهم... وفي النّحور كلوم ذات أبلاد 5

................................  حال من الهاء والميم، و (ظهورهم) مرفوعة بـ (تجرّح) على أنه مفرّغ وليس كذلك، بل (تجرّح) مسند إلى ضمير الجماعة الموصوفة، وهو صاحب الحال و (ظهورهم) بدل بعض من كل، وهذا توجيه لا تكلف فيه 1. قال الشيخ: ومما يوجب البقاء على الأصل أن يكون العامل في صاحب الحال فعل تعجب نحو: «ما أحسن هندا متجردة» وفيه خلاف يذكر في باب التعجب 2. ومما يوجب الخروج عن الأصل: إضافة صاحب الحال إلى ضمير يعود إلى ما لابس الحال؛ إمّا بإضافة نحو: «جاء زائر هند أخوها».
وإما بغير إضافة نحو: «جاء منقادا لعمرو صاحبه» 3. ومنه أيضا عند قوم - وإليه أشار في المتن بقوله: على رأي - اقتران صاحب الحال بـ (إلّا) نحو: «ما قام مسرعا إلا زيد» وأنشد الأخفش: 1789 - وليس مجيرا أن أتى الحيّ خائف... ولا قائلا إلّا هو المتعيّنا 4 ثم قال: فإنّ هذا ليس بحسن، وهو كلام يجوز في الشعر، وهو مثل «ما أكل إلّا زيد الخبز، وما ضرب إلّا عمرو زيدا» 5 لا تريد به: ما أكل الخبز إلا زيد وما ضرب زيدا إلا عمرو، ولكنك تضمر الفعل بعد المستثنى على قبحه، وكذا إذا ورد نحو: «ما قام إلّا زيد مسرعا» أضمر ناصب الحال بعد صاحبها كقول الراجز: 1790 - ما راعني إلّا جناح هابطا... حول البيوت قوطه العلابطا 6 أراد: ما راعني إلا جناح راعني هابطا، و (جناح) اسم رجل.
-

................................  وإذا فقد موجب البقاء على الأصل، وموجب الخروج عنه جاز أن تقدّم الحال على صاحبه مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا بحرف: وأمّا المجرور بالإضافة فقد تقدّم الكلام عليه.
ولمّا كان المجرور بحرف فيه خلاف، وكذا في التقديم على المرفوع والمنصوب أشار المصنف إلى ذلك وبدأ بالمجرور وتقديم حاله عليه ليس بممتنع عند المصنف، لكنه ضعيف، ومنع التقديم أكثر النحويين فلا يجيزون في نحو «مررت بهند جالسة» أن يقال: «مررت جالسة بهند» ودليلهم في منع ذلك أنّ تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدّى لصاحبه بواسطة أن يتعدى إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك خوف التباس الحال بالبدل، وأنّ فعلا واحدا لا يتعدى بحرف واحد إلى شيئين، فجعلوا عوضا من الاشتراك في الواسطة التزام التأخير 1. وبعضهم يعلل منع التقديم بالحمل على حال المجرور بالإضافة.
وبعضهم يعلل بأنّ حال المجرور شبيه بحال عمل فيه حرف جر مضمن معنى الاستقرار، نحو: «زيد في الدار متكئا» فكما لا يتقدم الحال على حرف الجر في هذا وأمثاله، لا يقدّم عليه نحو: «مررت بهند جالسة» 2. قال المصنف 3: وهذه شبه وتخيلات لا تستميل إلّا نفس من لا تثبّت له، بل الصحيح جواز التقديم في نحو: «مررت بهند جالسة» وإنما حكمت بالجواز لثبوته سماعا، ولضعف دليل المنع.
أما ثبوته سماعا ففي قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ 4 وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ (كآفة) صفة لإرساله، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وهو قول الزمخشري 5. والثاني: أن (كآفة) حال من الكاف، وهو قول الزجاج، والتاء فيه للمبالغة 6. -

................................  والثالث: أنّ (كآفة) حال من (الناس)، والأصل: للناس كافة، أي: جميعا، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب أبي علي وابن كيسان، أعني تقديم حال المجرور بحرف، حكاه ابن برهان وقال: وإليه نذهب، كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ و (كآفة) حال من (الناس،) وقد تقدم على المجرور باللام، وما استعملت العرب (كافة) قط إلّا حالا.
كذا قال ابن برهان 1، وكذا أقول 2. ولا يلتفت إلى قول الزمخشري [والزجاج.
أما الزمخشري] 3 فإنّه جعل (كافّة) صفة، ولم تستعمله العرب إلا حالا، وهذا شبيه بما فعل في خطبة المفصل من إدخال باء الجرّ عليه، وإضافته، والتعبير به عمّا لا يعقل 4. وليته إذ أخرج (كافة) عن استعمال العرب سلك به سبيل القياس، بل جعله صفة لموصوف محذوف، لم تستعمله العرب مفردا ولا مقرونا بصفة - أعني إرساله - وحق الموصوف المستغني بصفته أن يعتاد ذكره مع صفته قبل الحذف، وأن لا تصلح الصفة لغيره، والمشار إليه بخلاف ذلك فوجب الإعراض عمّا أفضى إليه.
وأمّا الزجاج فبطلان قوله بيّن أيضا؛ لأنّه جعل (كافّة) حالا من مفرد ولا يعرف ذلك في غير محل النزاع، وجعله من مذكر مع كونه مؤنثا، ولا يتأتّى ذلك إلا بجعل تائه للمبالغة وبابه مقصور على السماع، ولا يأتي غالبا ما هي فيه إلّا على أحد أمثلة المبالغة كنسّابة، وفروقة، ومهذارة، وكافة بخلاف ذلك، فبطل أن تكون منها، لكونها على فاعلة، فإن [حملت على راوية] (5) حملت على شاذ الشاذ؛ لأنّ لحاق تاء المبالغة [لأحد أمثلة المبالغة] 5 شاذ، ولما لا مبالغة فيه أشذّ، فيعبر عنه بشاذ الشاذ، والحمل على الشاذ مكروه، فكيف على شاذ الشاذ.
وإذا بطل القولان تعيّن الحكم بصحة القول الثالث، وهو أن يكون الأصل: وما أرسلناك إلا للناس كافة [3/ 70]، فقدّم الحال على صاحبه مع كونه مجرورا.
ومن أمثلة أبي علي في التذكرة: «زيد خير ما تكون خير منك» على أنّ المراد: زيد خير -

................................  منك خير ما تكون، فجعل (خير ما تكون) حالا من الكاف المجرورة وقدّمه، وهذا موافق لقول ابن برهان. ومن التقديم المشار إليه قول الشاعر: 1791 - فإن تك أذواد أصبن ونسوة... فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال 1 أراد: فلن يذهبوا بدم حبال فرغا، أي: هدرا. وحبال: اسم رجل. ومنه: 1792 - لئن كان برد الماء هيمان صاديا... [إليّ حبيبا إنّها لحبيب 2 أراد: لئن كان برد الماء حبيبا إليّ هيمان صاديا] 3. ومنه أيضا. 1793 - إذ المرء أعيته المروءة ناشئا... فمطلبها كهلا عليه شديد 4 أراد: فمطلبها عليه كهلا شديد. ومن ذلك قول الآخر: 1794 - تسلّيت طرّا عنكم بعد بينكم... بذكراكم حتّى كأنكم عندي 5 أراد: تسلّيت عنكم طرّا. وربّما قدّم الحال على صاحبه المجرور وعلى ما يتعلق به الجار، كقول الشاعر: 1795 - غافلا تعرض المنيّة للمر... ء فيدعى ولات حين إباء 6

................................  أراد: تعرض المنية للمرء غافلا، ومثله قول الآخر: 1796 - مشغوفة بك قد شغفت وإنّما... حمّ الفراق فما إليك سبيل 1 أراد: شغفت بك مشغوفة.
وإذ قد بيّنت دلائل السماع مستوفاة، فلأبيّن ضعف شبه المنع: فمن ذلك: ادّعاء أنّ حقّ الحال إذا عدّي العامل لصاحبه بواسطة أن يعدّى إليه بتلك الواسطة، فيقال المدّعي ذلك: لا نسلم هذا الحق حتى يترتب عليه التزام التأخير تعويضا، بل حق الحال لشبهه بالظرف أن يستغني عن واسطة، على أنّ الحال أشدّ استغناء عن الواسطة، ولذلك يعمل فيها ما لا يعدّى بحرف جر كاسم الإشارة وحرف التنبيه والتشبيه والتمنّي.
ومن شبه التزام التأخير: إجراء حال المجرور بحرف مجرى حال المجرور بإضافة فيقال لصاحب هذه الشبهة: المجرور بحرف كالأصل للمجرور بالإضافة، فلا يصح أن يحمل حال المجرور [بحرف] 2 عليه لئلّا يكون الأصل تابعا والفرع متبوعا، وأيضا فالمضاف بمنزلة موصول، والمضاف إليه بمنزلة صلته، والحال منه بمنزلة جزء صلته، فوجب تأخيره كما يجب تأخير أجزاء الصلة، وحال المجرور بحرف لا يشبه جزء صلة، فأجيز تقديمه؛ إذ لا محذور في ذلك ومن الشبه: تشبيه باب «مررت بهند جالسة» بباب «زيد في الدار متكئا» وإلحاق أحدهما بالآخر، فيقال للمعتمد على هذا: بين البابين بون بعيد، وتفاوت شديد، فإنّ (جالسة) من قولنا: «مررت بهند جالسة» منصوب بـ (مررت) وهو فعل متصرف لا يفتقر في نصب الحال إلى واسطة، كما لا يفتقر إليها في نصب ظرف أو مفعول له أو مفعول مطلق، وحرف الجر الذي عدّاه لا عمل له إلا الجر، ولا جيء به إلّا لتعدية (مررت) والمجرور به بمنزلة منصوب فيتقدم حاله كما يتقدم حال المنصوب، ولكونه بمنزلة منصوب أجري في اختيار النصب «أزيدا مررت به» مجرى «أزيدا لقيته».
وأمّا (متكئا) في المسألة الثانية فمنصوب بـ (في) لتضمنها معنى الاستقرار، وهي أيضا رافعة ضميرا عائدا على (زيد) وهو صاحب الحال، فلم يجز لنا أن نقدم - - (2/ 746) والتذييل (3/ 747)، والبحر المحيط (7/ 281)، والدر المصون (5/ 447).

................................  [متكئا] 1 على (في)؛ لأنّ العمل لها، وهي عامل ضعيف متضمن معنى الفعل دون حروفه، فمانع التقديم في نحو: «زيد في الدار متكئا» غير موجود في نحو «مررت بهند جالسة».
وربّما قدّم الحال في نحو: «زيد في الدار متكئا» 2. وأمّا إذا كان صاحب الحال منصوبا أو مرفوعا: فالبصريون يجيزون تقديم الحال عليه مطلقا نحو: «لقيت راكبة هندا» و «جاء مسرعا زيد».
وأمّا الكوفيون فلهم تفصيل في ذلك 3، وهو أنّهم منعوا تقديم حال المنصوب عليه إذا كان ظاهرا، قالوا: لئلّا يتوهم كون الحال مفعولا وكون صاحبه بدلا، ولكون العلة هذه أجاز بعضهم التقديم إن كان الحال فعلا لزوال المحذور، وهو توهم المفعولية والبدلية، وإلى ذلك الإشارة بقوله: واستثنى بعضهم - أي: بعض الكوفيين - من حال المنصوب ما كان فعلا.
وأما المرفوع فإن كان ضميرا جاز التقديم عليه كقوله تعالى: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ 4. ومنه قول الشاعر: 1797 - مزبدا يخطر ما لم يرني... وإذا يخلو له الحمى رتع 5 وإن كان ظاهرا لم يجز عندهم تقديم حاله.
وبعض العلماء يزعم أنّ الكوفيين لا يمنعون تقديم حال المرفوع إذا كان الفعل متقدما نحو: «قام مسرعا زيد» وإنّما يمنعون تقديم حال إذا كان الفعل متأخرا، نحو: «مسرعا قام زيد» وهذا القول هو الذي أشار إليه المصنف في المتن بقوله: وفي المرفوع الظاهر المؤخر رافعه عن الحال ولم يذكر ذلك قيدا في المنصوب ولهذا قال: خلافا للكوفيين في المنصوب الظاهر مطلقا أي: قدّم عامله على الحال أو أخّر.
-

................................  والصحيح: ما ذهب إليه البصريون لورود السماع بذلك، ولضعف العلة التي أبدوها، فإن (راكبة) من قولنا: «لقيت راكبة هندا» يتبادر الذهن إلى حاليته، فلا يلتفت إلى عارض توهم المفعولية 1. ومن شواهد تقديم الحال على المنصوب الظاهر قول الشاعر: 1798 - وصلت ولم أصرم مسبين أسرتي... وأعتبتهم حتّى يلاقوا ولائيا 2 [3/ 71] أراد: وصلت أسرتي مسبين 3، ومثله قول الحارث بن ظالم: 1799 - وقطّع وصلها سيفي وإنّي... فجعت بخالد طرّا كلابا 4 ومن تقديم الحال عليه أيضا وهو فعل قول الشاعر: 1800 - لن يراني حتى يرى صاحب لي... أجتني سخطه يشيب الغرابا 5 أراد: لن يراني صاحب أجتني سخطه حتى الغراب يشيب.
ومن شواهد تقديم حال المرفوع الظاهر والفعل متقدّم قول الشاعر: 1801 - يطير فضاضا بينهم كلّ قونس... وتتبعها منهم فراش الحواجب 6 ومثله: - - وينظر: الشاهد في المقتضب (4/ 170)، وشرح المصنف (2/ 341)، وشرح الكافية الشافية (2/ 748)، والتذييل (3/ 758). ومزبدا: من أزبد الجمل: إذا ظهر الزبد على مشافره ساعة هياجه.
ويخطر: من الخطر، وهو ضرب الفحل بذنبه حين هياجه.
والحمى: ما يحميه الإنسان فلا يقترب منه أحد، ويروى: لحمي.

................................  1802 - فسقى بلادك غير مفسدها... صوب الغمام وديمة تهمي 1 ومثله: 1803 - ترحّل من أرض العراق مرقّش... على طرب تهوي سراعا رواحله 2 ومثله: 1804 - فما كان بين الخير لو جاء سالما... أبو حجر إلّا ليال قلائل 3 ومن تقديمه والفعل متأخر قول العرب: «شتّى تؤوب الحلبة» 4 أي: مفرّقين يرجع الحالبون.
ومثله قول الشاعر: 1805 - سريعا يهون الصّعب عند أولي النّهى... إذا برجاء صادق قابلوا اليأسا 5 وقد تقدّم الكلام على حال المجرور بإضافة بالنسبة إلى تقديمه على المضاف وعدمه، ولم يبيّن أي مضاف إليه يجيء الحال، وقد أشار إليه المصنف في آخر هذا الفصل بقوله: ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه إلا أن يكون المضاف جزأه أو كجزئه.
وينبغي أن يعلم أولا: أنّ حقّ المجرور بالإضافة ألّا يكون صاحب حال كما لا يكون صاحب خبر؛ لأنّه مكمل للمضاف وواقع منه موقع التنوين، فإن كان المضاف بمعنى الفعل حسن جعل المضاف إليه صاحب حال نحو: «عرفت قيام زيد مسرعا وهو راكب الفرس عريان» وإلى هذين المثالين الإشارة بقوله: ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه؛ لأنه يعلم منه أنّ إضافة عامل الحال إلى صاحب الحال جائزة، وأنّ -

................................  إضافة ما ليس عاملا في الحال إلى صاحبه غير جائزة إلا إن كان المضاف جزءا من المضاف إليه أو كجزء من المضاف إليه كما تضمنه كلامه 1، فأمّا إضافة عامل الحال إلى صاحبه: فقد تقدّم تمثيله ومنه أيضا قوله تعالى: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً 2. ومثله قول الشاعر: 1806 - تقول ابنتي إنّ انطلاقك واحدا... إلى الرّوع يوما تاركي لا أبا ليا 3 ومثال ما المضاف فيه جزء من المضاف إليه قوله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً 4، ومثال ما هو فيه كجزء قوله تعالى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً 5 وإنما حسن جعل الذي أضيف إليه جزؤه أو كجزئه صاحب حال؛ لأنه قد يستغنى به عن المضاف، ألا ترى أنه لو قيل في الكلام: ونزعنا ما فيهم من غلّ إخوانا، واتبع إبراهيم حنيفا؛ لحسن، بخلاف الذي يضاف إليه ما ليس بمعنى الفعل، وما ليس جزءا ولا كجزء، فإنّه لا سبيل إلى جعله صاحب حال؛ لأنّه لو قلت: «ضربت غلام هند جالسة» أو نحو ذلك لم يجز بلا خلاف 6. وقد ذكر ابن عصفور وغيره أنّ (إخونا) منصوب على المدح، وأنّ (حنيفا) حال من ملّة على تأولها بـ (دين).
وهذا بناء منهم على أنّ الحال لا تكون من المضاف إليه، إلّا إن كان المضاف عاملا فيه رفعا أو نصبا من حيث المعنى، وهو رأي -

[حكم تقديم الحال على عامله]

قال ابن مالك: (فصل: يجوز تقديم الحال على عاملها إن كان فعلا متصرّفا، أو صفة تشبهه، ولم يكن نعتا ولا صلة لـ «أل» أو حرف مصدريّ، ولا مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ، ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم.
ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرّف أو صلة لـ «أل» أو حرف مصدريّ، أو مصدرا مقدّرا بحرف مصدريّ، أو مقرونا بلام الابتداء أو القسم، أو جامدا ضمّن معنى مشتقّ، أو أفعل تفضيل، أو مفهم تشبيه.
واغتفر توسيط ذي التّفضيل بين حالين غالبا.
وقد يفعل ذلك بذي التّشبيه، فإن كان الجامد ظرفا أو حرف جرّ مسبوقا بمخبر عنه جاز على الأصحّ توسيط الحال بقوّة إن كانت ظرفا أو حرف جرّ، وبضعف إن كانت غير ذلك) 1.

  • الأكثرين 2. والذي اختاره المصنف سهل قريب، لا محذور فيه، وهو الظاهر من الآيات الكريمة فيتعين المصير إليه.
    قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على تقديم الحال بالنسبة إلى صاحبه شرع في الكلام على التقديم بالنسبة إلى العامل في الحال.
    وكما انقسم التقديم على صاحب الحال إلى ثلاثة أقسام، كذلك انقسم التقديم على العامل إلى ثلاثة أيضا: قسم يجب فيه التقديم، وقسم يمتنع فيه ذلك، وقسم يجوز فيه الأمران، وقد ذكر المصنف قسمي الجائز والممتنع وأنا أشير إلى الأقسام الثلاثة، قسما قسما، مع مراعاة لفظ المصنف وترتيبه.
    القسم الأول: ما يجوز فيه الأمران، وهو إذا كان العامل فعلا متصرفا نحو: «أتيت مسرعا، وضربت اللصّ مكتوفا» أو صفة تشبه الفعل المتصرف تتضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفرعية؛ لأنها في قوة الفعل، ويستوي في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة، كقول الشاعر [3/ 72]: 1807 - لهنّك سمح ذا يسار ومعدما... كما قد ألفت الحلم مرضى ومغضبا 3

................................  قال المصنف: فلو قيل في الكلام: إنّك ذا يسار ومعدما سمح، لجاز؛ لأنّ (سمحا) عامل قوي بالنسبة إلى أفعل التفضيل، لما تقدّم 1. وقال الشيخ جمال الدين بن عمرون في شرح المفصل: ذكر بعضهم تقديم الحال على الصفة المشبّهة، وهو سهو؛ لأنّ الصفة لا يتقدّم معمولها عليها 2. ثم إنّه قد يعرض للعامل المذكور ما يمنع تقدم الحال عليه: وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: ولم يكن نعتا... إلى قوله:... ولا مقرونا بلام الابتداء أو القسم إلّا أنّ المصنف عدّ من جملة ذلك كون العامل مصدرا مقدّرا بحرف مصدري، ولم يدخل تحت قوله الأول 3 ليخرجه كما أخرج المذكورات معه، والحكم صحيح، إلّا أنّ هذا ليس موضعه، وتقدير كلام المصنف: ولم يكن العامل نعتا، ولا كذا... ولا مصدرا مقدرا بحرف مصدري، ومثاله: «يعجبني ضرب اللصّ مكتوفا» فلا يجوز يعجبني مكتوفا ضرب اللصّ.
فمن الموانع: وقوع العامل نعتا كقولك: «مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها» فلا يجوز أن يقال: مررت برجل مكسورا سرجها ذاهبة فرسه.
قال الشيخ: فعلى ما قرّره المصنف يمتنع في «مررت برجل مسرع ضاحكا»: مررت برجل ضاحكا مسرع، قال: وهذا وهم منه؛ لأنّ النحاة نصّوا على جواز تقديم معمول النعت عليه، من مفعول به وحال وظرف ومصدر ونحوها، وإنّما منعوا من تقديم المعمول 4 على المنعوت، فيجوز في «مررت برجل يركب الفرس مسرجا»: مررت برجل مسرجا يركب الفرس، ولا يجوز: مررت مسرجا برجل يركب الفرس.
- - (ص 327)، والتذييل (3/ 762). لهنك: لغة في لأنك، وسمح: كريم.

................................  قال: وامتناع تقديم (مكسورا سرجها) ليس للذي ذكره، بل من حيث قدّم المضمر على مفسّره.
انتهى 1. وفي كون هذه المسألة ممنوعة من جهة تقديم الضمير على مفسّره نظر؛ لأنّه وإن تقدّم عليه لفظا فهو مؤخر رتبة؛ لأنّ (مكسورا) حال من (فرسه) المرفوع بـ (ذاهبة) ورتبة صاحب الحال قبلها، فلم يتقدم الضمير إلّا على مفسّر مقدّم الرتبة وإن كان مؤخرا لفظا، وحينئذ يحصل الإشكال؛ لأنّ الشيخ سلم المنع في هذه الصورة وأسنده إلى شيء لم يثبت 2، والظاهر دعوى الجواز في المثال المذكور إذ لا مانع منه 3، فعلى هذه لا حاجة إلى الاحتراز بقوله: ولم يكن نعتا.
ومن الموانع أيضا: وقوع العامل صلة لـ (أل) نحو: «أنت المصلي فذّا، أو أنا المعتكف صائما» أو لحرف مصدري، نحو: «لك أن تتنقل قاعدا» أو لاختصاص الحال بذلك، بل كل شيء يعلق بالعامل الواقع صلة لـ (أل) أو لحرف مصدري، حالا كان أو غير حال، ممتنع تقديمه عليه فلو كان العامل صلة لاسم غير (أل) لم يمتنع تقديم الحال عليه، كما لا يمتنع تقديم غيرها مثل قولك في «من الذي جاء مفاجئا»: من الذي مفاجئا جاء 4. ومنها: كون العامل مقرونا بلام الابتداء، نحو: «لأصبر محتسبا»، ولام القسم نحو: «لأقومنّ طائعا».
واعلم أنّ معمول مصحوب الأدوات التي تقدم ذكرها من حال أو غيره قد يمتنع -

................................  تقديمه مطلقا، أي: على الأداة، وعلى مصحوبها، كالمصاحب لـ (أل) وقد يمتنع تقديمه على الأداة مع جواز تقديمه على مصحوبها كالمقرون بلام الابتداء والقسم، كما تقول: لمحتسبا أصبر، ولطائعا أقومنّ.
وأما المصاحب بحرف مصدري فكالمصاحب لـ (أل) عند المصنف 1، ولابن عصفور فيه تفصيل، وهو أنّه إن كان الحرف المصدري عاملا امتنع التقديم، وإن كان غير عامل جاز تقديمه على مصحوبه دونه، نحو: عجبت ممّا ماشيا يجيء زيد، والأصل: مما يجيء زيد ماشيا وهذا التفصيل المذكور بالنسبة إلى الأدوات المذكورة لم يتعرض له المصنف بل حكم بمنع التقديم على العامل من غير تفصيل 2. القسم الثاني: ما يمتنع فيه التقديم، وليعلم أنّ الموجب لمنع التقديم أمران: أحدهما: يرجع إلى ذات العامل، والآخر: يرجع إلى أمر عارض له.
والأول منحصر في خمسة أشياء: وهي كون العامل غير متصرف، أو مصدرا مقدرا بحرف مصدري، أو جامدا ضمّن معنى المشتق، أو أفعل التفضيل، أو مفهم تشبيه.
وأمّا الأمر الآخر فمنحصر في ثلاثة: وهي الأمور التي أوردها المصنف في قسم الجائز، على أنّ عدمها شرط لجواز التقديم 3، ككون العامل صلة إمّا للألف واللام أو لحرف مصدري أو مقرونا بلام الابتداء أو مقرونا بلام القسم.
وإلى تفصيل صور الأمرين معا أشار المصنف بقوله: ويلزم تقديم عاملها إن كان فعلا غير متصرف... إلى آخره.
وإنّما فصل المصنف في الذكر من الفعل غير المتصرف ومن الجامد وما بعده وكان من حقّه أن يذكره مقرونا بتلك الأمور من جهة أنّ المنع فيها يرجع إلى العامل نفسه؛ لأنّ المصنف أراد أن يجري على بعض الشروط التي تقدّم له ذكرها في قسم الجائز فذكرها مرتبة ثم أتبعها غيرها وقد علمت أنّ صور هذا القسم ثمان، وتقدم تمثيل المصدر المقدر بحرف مصدري والعامل الواقع صلة لـ (ال) أو لحرف مصدري والعامل المقرون بلام الابتداء، والمقرون بلام القسم.
-

................................  وأما الفعل غير المتصرف فمثاله: «ما أنصرك مستنجدا» 1. وأما الجامد المضمّن معنى مشتق فإما أن يكون حرفا أو شبهه وسيذكران، وإما غيرهما، وذلك: أمّا، وحرف التنبيه والتمني [3/ 73] والترجي، واسم الإشارة، والاستفهام المقصود به التعظيم، والجنس المقصود به الكمال، والمشبّه به، هكذا أوردها المصنف من غير زيادة.
وبسط الشيخ الكلام عليها 2، فنقلت كلامه ملخصا ممزوجا بكلام غيره: أمّا (أمّا): فمثّلها بقولهم: «أمّا علما فعالم، وأمّا صديقا فأنت صديق» وهو غير واضح؛ لأنّ العامل ليس (أمّا) 3 وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة.
وأمّا حرف التنبيه واسم الإشارة: فنحو: «هذا زيد قائما» وقد أجازوا أن يكون العامل (ها)؛ لأنه بمعنى: أنبّه، وأن يكون العامل (ذا)؛ لأنه بمعنى: أشير، فنصب قائما بأحدهما، وهو حال من (زيد) في اللفظ، وفي المعنى من الضمير في أنبّه عليه، أو أشير إليه، والمختار أن يكون العامل اسم الإشارة لقربه، وإذا تقرر هذا علم امتناع «قائما هذا زيد» لتقدمه عليهما، وأمّا «ها قائما ذا زيد» فجائز إن كان العامل حرف التنبيه، لا إن كان العامل اسم الإشارة هذا مذهب الجمهور 4، وهو جواز نسبة العمل إلى كل منهما.
وذهب ابن أبي العافية إلى أنّ العامل اسم الإشارة ولا يجوز أن يكون حرف التنبيه، قال: لأنّ الحرف أتي به اختصارا واستغناء عن الفعل، فإعماله بما فيه من معنى الفعل تراجع عما اعترفوه من الاختصار 5. ويقوّي ما ذهب إليه أنّ همزة الاستفهام وحرف الاستثناء وما النافية لا يعمل شيء منها في الحال.
وذهب السهيلي إلى أنّ العامل ليس شيئا منهما، وإنّما العامل (انظر) مقدرا دلّ عليه اسم الإشارة، فإذا قلت: «هذا زيد قائما» فكأنك قلت: انظر إليه قائما، -

................................  ومنع تقديم الحال على شيء من أجزاء الجملة قال: لأنّ العامل المقدّر يشبه العامل المعنوي، واسم الإشارة هو الدّال عليه، فلم يجز التقديم 1. وقد ردّ مذهب السهيلي بأنه يلزم منه تقدير عامل لم يلفظ به قط، وأنّ الكلام يصير في تقدير جملتين، وظاهر الكلام أنه جملة واحدة وبأنه قد سمع التقديم على بعض أجزاء الجملة، وهو قد منعه، قال الشاعر: 1808 - أترضى بأنّا لم تجفّ دماؤنا... وهذا عروسا باليمامة خالد 2 وعلى اسم الإشارة أيضا، قال الشاعر: 1809 - ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له... وطع فطاعة مهد نصحه رشد 3 وفي هذا البيت الثاني ردّ على ابن أبي العافية فإنّه جعل اسم الإشارة عاملا، ولو كان عاملا لم يتقدم الحال عليه.
وقال جمال الدين بن عمرون: قال السخاوي: إذا قلت: «هذا زيد قائما» إنما صحّ إذا كان المخاطب يعرف زيدا، ولا يجوز إذا أردت تعريف المخاطب بزيد؛ لأنّ معنى الكلام إذ ذاك: هذا زيد في حال قيامه دون حال قعوده، وذا محال فإذا كان المخاطب عرف زيدا كانت الفائدة في الحال، وإذا كان يجهله كانت في المعرفة به.
وأما حرفا التمني والترجي 4: فهما «ليت، ولعلّ» وذكر المصنف (كأنّ) أيضا في الكافية 5، فقال - بعد ذكر (تلك): كذلك ليت ولعل وكأنّ.
فزاد التشبيه، وقد صرح بذكر الثلاثة صاحب المفصل 6 أيضا، وذلك نحو: ليت زيدا مقيما عندنا، ولعلّه، وكأنّك.
-

................................  وقال الشيخ: الصحيح أنّ (ليت) و (لعلّ) وباقي الحروف لا تعمل في حال ولا في ظرف، ولا تتعلق بها حروف جرّ إلّا (كأنّ) وكاف التشبيه، قال النابغة: 1810 - كأنّه خارجا من جنب صفحته... سفّود شرب نسوه عند مفتأد 1 ويدلّ على ذلك أنك لو قلت: «ليت زيدا اليوم ذاهب غدا» ونحوه، لم يجز ذلك بإجماع.
قال: وعلل الفارسي منع ذلك في «الحلبيات» بأنّها في دلالتها على المعاني قصد بها غاية الإيجاز، فالألف يغني عن أستفهم، و (ما) عن أنفي و (إنّ) عن أؤكد، فلو أعملت في الظرف والحال ومكنت تمكين الفعل لكان نقضا لما قصدوه.
قال: وهذا التعليل هو الذي أشار إليه ابن أبي العافية في منع عمل حرف التنبيه.
انتهى 2. وقال جمال الدين بن عمرون: إن قيل: إنّ (ها) حرف فلم جاز أن يعمل في الحال، وكذا (يا) و (ليت) و (كأنّ) و (لعلّ) ولم يجز عمل ما في الحروف من معنى الفعل؛ لأنّ الحرف أتي به للاختصار ولذا لا تعمل همزة الاستفهام وحرف الاستثناء و (ما) النافية في الحال؟ نصّ عليه أبو علي في القصريات.
قيل: إنّ (يا) نفس الفعل المعبّر عنه بـ (ناديت) و (ها) هي نفس الفعل المعبّر عنه بـ (نبّهت) وكذا (ليت) و (كأنّ) و (لعلّ) فلمّا كنّ نفس الفعل المعبر عنه بالفعل في (تمنّيت) و (شبّهت) و (ترجّيت) و (نبّهت) و (ناديت) صارت مشاهدتك الفعل دليلا على العبارة عنه، كما إذا رأيت من يضرب فتقول: زيدا، قامت مشاهدتك الفعل مقام لفظك بـ (اضرب) فلذا عملت بخلاف الهمزة في الاستفهام فليست المعبر عنه بـ (استفهمت)؛ لأن (استفهمت) عبارة عن طلب الفهم، فلو قال: افهم، لصحّ أن تقول: استفهم، فعلمت أنّ الهمزة في «أزيد -

................................  عندك؟» ليست المعبّر عنها بـ (استفهمت) وكذا حرف الاستثناء، فإن الاستثناء له حدّ، فالاستثناء عبارة عن المحدود بذلك، وكذا النفي ليس عبارة عمّا تحصل الفرق.
انتهى.
وفي كلامه 1 غموض، فليتأمله الواقف عليه، وفهم منه جواز إعمال (ليت) و (لعلّ) في الحال، كما أشار إليه المصنف.
قال الشيخ: وكما فارقته [3/ 74] (كأنّ) وأخواتها فعملت في الظروف والحال فارقتها أيضا في وقوعها نعتا لنكرة، وحالا من معرفة وخبرا لـ (كان) وأخواتها.
قال الشاعر: 1811 - فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة... من الرقش في أنيابها السمّ ناقع 2 وأما الاستفهام المقصود به التعظيم فنحو قولهم: 1812 - يا جارتا ما أنت جاره 3 فـ (جارة) منصوب على الحال، والعامل فيها (ما) الاستفهامية بما تضمنته من معنى التعظيم، فكأنه قال: ما أعظمك جارة.
قال الشيخ: وهذا تفسير معنى.
وتفسير الإعراب؛ أي: عظيمة أنت في حال كونك جارة 4، وهذا عجز بيت للأعشى، وصدره: 1813 - بانت لتحزننا عفاره وأجاز الفارسي أن تكون منصوبة على التمييز بدليل جواز دخول (من) عليه 5، كما قال الآخر: -

................................  1814 - يا سيدا ما أنت من سيد 1 وقد ذكره في باب التمييز 2، وسيأتي.
وجوّز بعضهم في (ما) أن تكون نافية تميمية أو حجازية، والنفي على وجهين: أحدهما: ما أنت جارة لبينونتك عنّا.
الثاني: ما أنت جارة بل أعظم من ذلك كقوله تعالى: ما هذا بَشَراً 3. وأمّا الجنس المقصود به الكمال: فنحو «أنت الرجل علما» وقد تقدّم الكلام عليه.
وأمّا المشبّه به: فنحو: «هو زهير شعرا» وتقدّم الكلام عليه أيضا.
ومقتضى كلام المصنف هنا أنّ العامل في الحال المشبّه به، ولهذا امتنع تقدّمها عليه، لكن قد تقدّم أنّ التقدير في ذلك: هو مثل زهير في حال شعر، وحينئذ لا يكون العامل المشبّه به، بل (مثل) المحذوفة، ويكون امتناع تقديم الحال من جهة أنّ العامل صفة لا تشبه الفعل المتصرف، وقد تقدّم استثناؤه، اللهمّ إلّا أن يلغى المحذوف، ويجعل الأول الثاني مجازا للمبالغة فتصحّ نسبة العمل إلى المشبّه به، ولعلّ ذلك مراد المصنف.
وأمّا أفعل التفضيل: فنحو: «هو أكفأهم ناصرا» وكان حق أفعل التفضيل أن يجعل له مزيّة على الجوامد المتضمّنة معنى الفعل؛ لأنّ فيه ما فيهنّ من معنى الفعل، ويفوقهنّ بتضمن حروف الفعل ووزنه، ومشابهة أبنية المبالغة في اقتضاء زيادة المعنى وفيه من الضعف - لعدم قبول علامة التأنيث والتثنية والجمع - ما اقتضى انحطاطه عن درجة اسم الفاعل والصفة المشبّهة فجعل موافقا للجوامد إذا لم يتوسط بين حالين كالمثال المتقدم، وجعل موافقا للصفة المشبّهة إذا توسط نحو: «تمرنا بسرا أطيب منه رطبا» 4 وسيأتي الكلام عليه.
-

................................  وأما مفهم التشبيه: فنحو: «زيد مثلك شجاعا، وليس مثلك جوادا».
وكذا إذا حذف (مثل) وضمّن المشبّه به معناه كقولك: «زيد زهير شعرا» و «أبو يوسف أبو حنيفة فقها» ومنه: 1815 - فإنّي اللّيث مرهوبا حماه... وعيدي زاجر دون افتراس 1 هكذا ذكره المصنف، وقد يقال: إذا ذكرت (مثل) فالمانع من التقديم كون العامل صفة لا تشبه الفعل المتصرّف، لا كونه أفهم التشبيه وإن اتفق أنّه كذلك إذا لم تذكر (مثل)؛ لأنّها مراده، ومع ذلك فقد فهم هذا الحكم من قوله أولا عند تعديد أقسام الجامد المضمّن معنى مشتق: والمشبّه به، ومثّله بنحو: «زهير شعرا» فلا فائدة إذا لقوله: أو مفهم تشبيه.
وأمّا الظرف وشبهه: فنحو: «زيد عندك مقيما، وعمرو في الدار قائما» وفي تقديم الحال على العامل هنا خلاف: مذهب سيبويه: المنع مطلقا، أي: صريحة كانت الحال أو غير صريحة 2. ومذهب الأخفش والكسائي والفراء: الجواز مطلقا 3. والمذهب الثالث، ونسبه الشيخ إلى ابن برهان: التفصيل بين أن يكون الحال ظرفا أو شبهه فيصح التقديم، أو غير ذلك فيمتنع 4. والخلاف المذكور جار فيما إذا تقدّمت الحال على عاملها المذكور فقط دون المسند إليه نحو: «زيد قائما عندك، أو في الدار» أمّا إذا تقدّمت عليهما فهي ممتنعة بلا خلاف نحو: «قائما زيد في الدار» 5؛ ولهذا قال المصنف: مسبوقا بمخبر عنه فجعل السبق قيدا في الجواز.
-

................................  ومستند سيبويه: أنّ العامل معنوي فلا يقوى في تقدّم معموله عليه وإذا منعوا أن يتقدم معمول الفعل غير المتصرّف فمعمول المعنى أحرى بالمنع. واستدلّ الأخفش ومن وافقه بقراءة بعض السلف: والسماوات مطويات بيمينه 1، وبقول ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: نزلت هذه الآية ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم متواريا بمكة 2. وبقول الشاعر: 1816 - بنا عاذ عوف وهو بادئ ذلّة... لديكم فلم يعدم ولاء ولا نصرا 3 وبقول النابغة: 1817 - رهط ابن كوز محقبي أدراعهم... فيهم ورهط ربيعة بن حذار 4 وبقول الآخر أنشده الفارسي: 1818 - أبنو كليب في الفخار كدارم... أم هل أبوك مدعدعا كعقال 5

................................  وبقول الآخر: 1819 - ونحن منعنا البحر أن تشربوا به... وقد كان منكم ماؤه بمكان 1 وقد تأوّل المانع ذلك كله بما يقرب تأويله وما يبعد، واختار المصنف جواز التقديم، غير أنّه جعله قويّا إن كانت الحال ظرفا أو شبهه، وضعيفا إن كانت غير ذلك، فقال: ويضعف [3/ 75] القياس على الصريحة لضعف العامل وظهور العمل... ولا يضعف القياس على تقديم غير الصريحة لشبه الحال فيه بخبر (إنّ) إذا كان ظرفا، فكما استحسن القياس على «إنّ عندك زيدا» لكون الخبر 2 فيه بلفظ الظرف الملغى، ولتوسعهم في الظروف بما لا يتوسع في غيرها بمثله كذا يستحسن القياس على: وقد كان منكم ماؤه بمكان انتهى 3. ولا يظهر لي أنّ قول الشاعر: «وقد كان منكم ماؤه بمكان» مما نحن بصدده؛ لأنّ «منكم» المحكوم بحاليته قد تقدم على العامل المعنوي وعلى المخبر عنه معا، وقد تقدّم أنّ من شرط الجواز ألّا يتقدم على المخبر عنه، وإنّما يحسن الاستشهاد بقول الآخر: 1820 - فقلت له لمّا تكشّر ضاحكا... وقائم سيفي من يدي بمكان 4 أي: وقائم سيفي كائنا من يدي بمكان.
ثم قال المصنف 5: ولا يجري مجرى العامل الظرفي غيره من العوامل المعنوية -

................................  باتفاق؛ لأنّ في العامل الظرفي ما ليس في غيره من كون الفعل الذي ضمّن معناه في حكم المنطوق به، لصلاحية أن يجمع بينه وبين الظرف دون استقباح بخلاف غيره فإنه لازم التضمّن غير صالح للجمع بينه وبين [لفظ] 1 ما تضمّن معناه، فلهذا اختص العامل الظرفي بجواز 2 تقديم الحال عليه دون غيره من العوامل المعنوية.
وأجاز الأخفش أيضا في الجملة الحالية المقرونة بالواو إذا كان العامل ظرفا ما أجاز في غيرها، فاستحسن أن يقال: «زيد وماله كثير في البصرة» 3. القسم الثالث: ما يجب فيه تقديم الحال على عاملها وهو الذي لم يتعرض إليه المصنف، وذلك إذا كان الحال اسم استفهام نحو: «كيف جاء زيد؟ وكيف كلّمت عمرا؟» 4. ولنرجع إلى الكلام على أفعل التفضيل إذا توسط بين حالين: وذلك قولك: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهذا المثال هو كالعلم على هذه المسألة، وقد اختلف في ذلك؛ فقيل: العامل في (بسرا) اسم الإشارة.
وقيل: حرف التنبيه.
والعامل في (رطبا) (أطيب) على القولين.
وقيل: العامل فيهما (كان) التامة، أي: هذا إذا كان بسرا أطيب منه إذا كان رطبا.
وقيل: العامل (كان) الناقصة، فـ (بسرا) خبر لها، وكذا (رطبا).
فعلى الأقوال الثلاثة الأول لم يتقدم الحال على عاملها المعنوي ولا غيره، وعلى القول الرابع ليس في المسألة حال.
وقيل: العامل فيهما معا أفعل التفضيل 5، وهو (أطيب) وإياه قصد المصنف 6. أمّا القول الأول؛ فنسب إلى جماعة منهم الفارسي في أحد قوليه وقد ضعف من وجوه: أحدها: أنّهم متفقون على جواز «زيد قائما أحسن منه قاعدا وتمر نخلتنا بسرا -

................................  أطيب منه رطبا» ولا إشارة، والمعنى في الصورة واحد.
الثاني: لو كان العامل (هذا) لوجب أن يكون في حال الخبر عنه بسرا؛ لأنه حال من المشار إليه، ولا شك في أنه يجوز أن يكون على غير ذلك بدليل قولك له وهو رطب أو تمر: «هذا بسرا أطيب منه رطبا».
الثالث: لو كان العامل (هذا) لوجب أن يكون الخبر عن الذات مطلقا؛ لأنّ تقييد المشار إليه باعتبار الإشارة لا يوجب تقييد الخبر بدليل قولك: «هذا قائما» أي: وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون الخبر بـ (أطيب) وقع عن المشار مطلقا فكأنك قلت: «هذا أطيب منه رطبا» إذ وجود الحال وعدمها - إذا كان العامل الإشارة باعتبار الخبر - على السواء، وإذا كان كذلك فسد المعنى؛ لأنّك فضّلت شيئا على نفسه من غير تقييد له فحصل به الأفضلية.
وما أبطل به عمل اسم الإشارة يبطل ببعضه عمل حرف التنبيه.
وأما القول الثالث؛ فنسب إلى سيبويه، وهو ظاهر كلامه، فإنه قال - بعد تمثيله بـ «هذا بسرا أطيب منه رطبا» -: فإن شئت جعلته حينا قد مضى نحو: إذ كان..، وإن شئت جعلته مستقبلا نحو: إذا كان... وإنما قال الناس: هذا منصوب على إضمار (إذا كان) فيما يستقبل، و (إذا كان) فيما مضى؛ لأنّ هذا لمّا كان ذا معناه أشبه عندهم أن ينتصب على إذ كان وإذا كان.
انتهى 1. وعلى ذلك حمل السيرافي كلام سيبويه 2 وأعمل في الظرفين (أطيب)؛ لأنّه بمعنى فعل ومصدر، ومعناه يريد طيبه، فجاز أن يعمل فيهما، وهذا التقدير المذكور إنّما يتّجه إذا كانت الإشارة إليه في غير حال كونه بسرا، فإن أشير إليه وهو تمر قدّر (إذ كان) أمّا إذا أشير إليه وهو بسر فلا يصح تقدير (إذ كان) ولا (إذا كان) وقد بطل أن يكون العامل اسم الإشارة فينبغي أن يكون العامل (أطيب) وإذا صحّ -

................................  عمل (أطيب) في صورة أمكن عمله في بقية الصور، فرجح اختيار المصنف على هذا، وسيأتي.
وأما القول الرابع؛ وهو أنّ (بسرا) و (رطبا) خبران لـ (كان) الناقصة، فقد ذكره ابن عصفور 1 وهو مخالف لنصّ الجمهور على الحالية.
وأما القول الخامس: وهو أنّ العامل فيهما أفعل التفضيل فهو مختار جماعة منهم المصنف 2، والحال الأولى من الضمير في (أطيب) والثانية من الضمير المجرور بـ (من) وجاز عمل أفعل التفضيل في حالين للعلة التي جاز لها عمله في ظرفين فإنّ لـ (أطيب) جهتين؛ لأنّ معناه: زاد طيبه، فعمل في (بسرا) باعتبار (زاد) وعمل في (رطبا) باعتبار الطيب.
قال المصنف - فور ذكر كلام سيبويه المتقدم -: فهذا نصّ منه على أنّ تقدير (كان) لم تدع إليه [3/ 76] حاجة من قبل العمل، بل من قبيل تقريب المعنى، والعامل إنّما هو أفعل، وقد تقدّم دليل ذلك 3. ثم قال: وغير السيرافي من الشارحين للكتاب مخالفون للسيرافي ذاهبون إلى ما ذهبت إليه (4). ثم قال: قال أبو علي في التذكرة: «مررت برجل خير ما تكون خير منك» وصحح أبو الفتح قول أبي علي في ذلك.
وقال أبو الحسن بن كيسان: تقول: «زيد قائما أحسن منه قاعدا» والمراد: يزيد حسنه في قيامه على حسنه في قعوده، فلما وقع التفضيل في شيء على شيء وضع كل واحد منهما في الموضع الذي يدل فيه على الزيادة ولم يجمع بينهما.
ومثل هذا أن تقول: «حمل نخلتنا بسرا أطيب منه رطبا».
انتهى 4. ولنعلم أنّ أفعل التفضيل المتوسط بين حالين لا يتعين كونه خبرا لمبتدأ، بل قد يقع صفة نحو: «مررت برجل خير ما يكون خير منك خير ما تكون» وقد يقع حالا -

................................  نحو: «مررت بزيد أصلح ما يكون أصلح منك أصلح ما تكون».
وقال ابن عصفور - في شرح الإيضاح 1 -: اعلم أن نصب الاسمين لا يجوز إلّا في ثلاثة أماكن: أحدها: أن يكون للشيء انتقالان لصحتهما صفة، تلك الصفة أقوى بالنظر إلى أحدهما منها بالنظر إلى الآخر، وذلك نحو: «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهذا مائحا أقوى منه راعيا.
والآخر: أن يكون الشيء الواحد يعتوره صفتان، وتلك الصفتان لصحتهما صفة هي في أحدهما أكثر منها في الأخرى أو أقل وذلك نحو قولك: «زيد قاعدا أخطب منه قائما، وزيد فارسا أقل مضاء منه راجلا».
والآخر: أن يشترك شيئان في صفة واحدة وتلك الصفة لأحدهما في حال من أحواله أكثر منها للآخر في حال من أحواله أو أقل، وذلك نحو قولك: زيد راجلا أمضى من عمرو فارسا، وزيد فارسا أمضى من عمرو فارسا، وزيد فارسا أقل مضاء من عمرو راجلا» وما عدا ذلك لا يجوز فيه نصب الاسمين بل رفعهما وذلك إذا اشترك الشيئان في صفة واحدة هي لأحدهما أكثر منها للآخر على كلّ حال، وذلك قولهم: «هذا بسر أطيب منه عنب» فـ (بسر) خبر (هذا) و (أطيب) مبتدأ و (عنب) خبره، والجملة في موضع الصفة لـ (بسر) ويجوز أن يكون (أطيب) خبرا مقدما و (عنب) مبتدأ، وجاز الابتداء بالنكرة لعمومها.
انتهى.
وقال ابن عصفور - في الشرح أيضا -: وزعم الزجاج أنّ السبب في أن لم تقدّم الحالان فيقال: «هذا بسرا رطبا أطيب منه» أو يؤخّرا فيقال: «هذا أطيب منه بسرا رطبا» أنّهم أرادوا أن يفصلوا بين المفضّل والمفضّل عليه، لئلّا يقع الإلباس بينهما.
وهذا التعليل حسن إلّا أنه لا مانع عندي 2 من أن يقال: «هذا أطيب بسرا منه رطبا» على أن يكون بسرا حالا من الضمير المستتر في (أطيب) و (رطبا) حال -

................................  من الضمير المجرور بـ (من)؛ لأنّ تقدّم إحدى الحالين على (من) وتأخر الأخرى عنها فاصل بين المفضّل والمفضّل عليه؛ إذ لا يكون بعد (من) إلا المفضول.
انتهى.
ولم يذكر المصنف في الشرح ما احترز عنه بـ (غالبا) في قوله: واغتفر توسيط ذي التفضيل بين حالين غالبا.
ويحتمل أنّ في غير الغالب قد يقدّم الحالان أو يؤخران، لكن قد علمت من كلام الزجاج أن تقديمهما وتأخيرهما غير جائز لعدم السماع، إلا أنّ ابن عصفور أجاز تأخيرهما بالشرط الذي تقدم ذكره، فيمكن صرف غير الغالب في كلام المصنف إلى ذلك.
والله تعالى أعلم.
وقول المصنف: وقد يفعل ذلك بذي التشبيه أي: يتوسط بين حالين فيعمل في أحدهما متقدّما وفي الآخر متأخرا كأفعل التفضيل وأنشد المصنف شاهدا على ذلك: 1821 - أنا فذّا كهم جميعا فإن أم... دد أبدهم ولات حين بقاء 1 وأنشد أيضا: 1822 - تعيّرنا أنّنا عالة... ونحن صعاليك أنتم ملوكا 2 قال: أراد ونحن في حال تصعلكنا مثلكم في حال ملككم، فحذف (مثلا) وأقام المضاف إليه مقامه مضمنا معناه، وأعمله بما فيه من معنى التشبيه 3. ومراد المصنف بقوله: وقد يفعل ذلك 4 أنّه إذا عمل في حالين جاز تقديم أحدهما وتأخير الأخرى كما كان ذلك مع أفعل التفضيل وإلى هذا أشار بقوله: ذلك فلا يرد عليه ما ناقشه الشيخ 5. -

[مسألتان بين الحالية والخبرية]

قال ابن مالك: (ولا تلزم الحاليّة في نحو: «فيها زيد قائما فيها» بل تترجّح على الخبريّة، وتلزم هي في نحو: «فيك زيد راغب» خلافا للكوفيين في المسألتين).
وقال الشيخ: وما ذهب إليه المصنف من أنّ أداة التشبيه تعمل في حالين، تتقدّم إحداهما عليها، وكذلك الضمير لقيامه مقام الأداة لا يصحّ؛ لأنها ليست كأفعل التفضيل، فإنه ناب مناب عاملين، وأداة التشبيه ليست كذلك، ولأنّ تقديم الحال على أداة التشبيه غير جائز، ولأنّ إعمال الضمير لا يجوز فالصحيح أن ينتصب (فذّا) و (صعاليك) على إضمار (إذا كان) كأنّه قال: أنا إذا كنت فذّا لهم جميعا، ونحن إذا كنّا صعاليك 1. انتهى وفي بعض كلامه نظر.
قال ناظر الجيش: إذا وجد اسم مخبر عنه مع ظرف أو جار ومجرور وقد صحبهما اسم آخر فقد [3/ 77] يحسن السكوت على المخبر عنه مع الظرف أو المجرور - أي: تتم بهما الفائدة - وقد لا يحسن - أي: لا تتم الفائدة بهما - فهاتان مسألتان: أما الأولى فلها ثلاث صور: إحداها: أن لا يتكرر الظرف ولا المجرور ولا المخبر عنه.
الثانية: أن يتكرر أحدهما دون المخبر عنه.
الثالثة: أن يتكرر أحدهما والمخبر عنه.
أما الصورة الأولى: فيجوز فيها جعل ذلك الاسم المصاحب المخبر عنه والظرف - - فقيرا غنيّا مثلك» ولا «زيد مثلك فقيرا غنيّا».
والمناقشة الثانية: أنه أشار بقوله: (ذلك) من قول: (وقد يفعل ذلك) إلى اغتفار التوسط في أفعل التفضيل بقوله: (غالبا) وهذا لا يمكن تقييده ذلك بقوله: (غالبا) لأمرين: أحدهما: قوله: (وقد يفعل)؛ لأنّ (غالبا) مشعرة بالكثرة، (وقد يفعل) مشعرة بالقلة، فتدافعا.
والأمر الآخر: أنه قد أمكن إبراز صورة ما في أفعل التفضيل على ما ذكره بعض أصحابنا مخالفة للغالب، وهما «هذا بسرا أطيب منه رطبا» وهنا لا يمكن ذلك البتة؛ لأنّ أداة التشبيه لا يمكن أن يفصل بينها وبين مجرورها بحال.
اه.

................................  خبرا، وحالا بلا خلاف نحو: «في الدار زيد قائم وقائما» فمع النصب يتعين الظرف للخبرية، ومع الرفع جاز كونه خبرا عند من يرى جواز تعدد الخبر، وجاز كونه في محل نصب متعلقا بذلك الاسم الواقع خبرا، وظاهر كلام سيبويه 1 حمله على الثاني؛ لأنه [كما] 2 قال الشيخ: إن قدمت الظرف في هذه الصورة على المخبر عنه كان النصب في الاسم الثالث مختارا عند سيبويه، نحو: «في الدار زيد قائما» لئلا يلغى الظرف متقدما، وإن أخرته عن المخبر عنه كان الرفع هو المختار عنده 3. قال: وقال أبو العباس: التقديم والتأخير في هذا واحد 4. انتهى 5. وكأنّ أبا العباس يسوّى بين النصب والرفع، قدّم الظرف أو أخّر.
وأمّا الصورة الثانية 6: وهي التي أشار إليها المصنف في شرح 7 الكتاب فيجوز فيها الوجهان أيضا، ويحكم برجحان النصب لنزول القرآن العزيز به، كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها 8 وكقوله تعالى: فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها 9. وادّعى الكوفيون أنّ النصب في مثل هذا لازم؛ لأنّ القرآن نزل به لا بالرفع 10. والجواب: أنّ هذا لا يدلّ على أنّ الرفع لا يجوز، بل يدلّ على أنّ النصب -

................................  أجود منه 1. ولا فرق في اختيار النصب هنا بين أن يتأخر الظرف عن الاسم كما في الآيتين الكريمتين أو يتقدّم على الاسم نحو: «في الدار زيد قائما فيها».
وأما الصورة الثالثة: فهي كالصورة الثانية في جواز الوجهين لكن الرفع راجح فيها على النصب لنزول القرآن العزيز به كقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ 2. وأما المسألة الثانية: وهي أن يكون الظرف أو حرف الجر فيها غير مستغنى به فيتعين جعل الاسم المصاحب فيها خبرا، وأشار المصنف إلى ذلك بقوله: وتلزم هي... إلى آخره؛ أي: الخبرية وسواء تكرر الظرف نحو: «فيك زيد راغب فيك» أو لم يتكرر نحو: «فيك زيد راغب» وأجاز الكوفيون نصب «راغب» وشبهه على الحال 3، وأنشدوا: 1823 - فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها... أخاك مصاب القلب جمّا بلابله 4 قال المصنف: والرواية المشهورة: «مصاب القلب جمّ» بالرفع، على أنّا لا نمنع رواية النصب، بل نجوّزها على أن يكون التقدير: فإنّ بحبّها أخاك شغف أو فتن، فإنّ ذكر الباء داخلة على الحب يدلّ على معنى شغف أو فتن، كما أنّ ذكر (في) داخلة على زمان أو مكان يدلّ على معنى استقرّ، وليس كذلك ذكر (في) داخلة على الكاف كقولك: «فيك زيد راغب» فلا يلزم من جواز نصب «مصاب القلب جمّا» الحكم بجواز نصب (راغب) ونحوه 5. وقد علمت من هذا معنى قول المصنف: خلافا للكوفيين في المسألتين يعني أنّهم يوجبون الحالية في المسألة الأولى، ويجوزونها في المسألة الثانية.

[تعدد الحال]

قال ابن مالك: (فصل: يجوز اتّحاد عامل الحال مع تعدّدها واتّحاد صاحبها أو تعدّده بجمع وتفريق، ولا تكون لغير الأقرب إلّا لمانع وإفرادها بعد «إمّا» ممنوع، وبعد «لا» نادر).
قال ناظر الجيش: إذا اتحد عامل الحال فقد تتعدد هي، وصاحبها واحد، وقد تتعدد لتعدد صاحبها، وحينئذ إما أن يمكن جمعها فتجمع، أو لا يمكن فتفرق، وعلى التقديرين قد يتفق إعراب صاحبها المتعدد وقد يختلف، وإذا أتي بها متفرقة جاز أن يلي كل حال صاحبها، وجاز أن يتأخر الحالان عن صاحبيهما فمثال تعدد الحال وصاحبها غير متعدد «جاء زيد مسرعا ضاحكا» وفي جواز تعدّدها مع اتحاد صاحبها خلاف: منع ذلك قوم 1 وأجازه آخرون.
قال المصنف 2: قد تقدّم أنّ للحال شبها بالخبر وشبها بالنعت فكما جاز أن يكون للمبتدإ الواحد والمنعوت الواحد خبران فصاعدا ونعتان فصاعدا فكذلك يجوز أن يكون للاسم الواحد حالان فصاعدا، فيقال: جاء زيد راكبا مفارقا عامرا مصاحبا عمرا» كما يقال في الأخبار: «زيد راكب مفارق عامرا 3 مصاحب عمرا» وفي النعت «مررت برجل راكب مفارق زيدا مصاحب عمرا» وزعم ابن عصفور أنّ فعلا واحدا لا ينصب أكثر من حال واحد لصاحب واحد قياسا على الظرف، وقال: كما لا يقال: «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» كذا لا يقال: «جاء زيد ضاحكا مسرعا» واستثنى الحال المنصوب بأفعل التفضيل، نحو: «زيد راكبا أحسن منه ماشيا» قال: فجاز هذا كما جاز في الظرف «زيد اليوم أفضل منه غدا، وزيد خلفك أسرع منه أمامك».
ثم قال: وصحّ ذلك في أفعل التفضيل؛ لأنه قام مقام فعلين، ألا ترى أنّ معنى قولك: «زيد اليوم أفضل منه غدا»: زيد يزيد فضله اليوم على فضله غدا 4. قلت: تنظير ابن عصفور «جاء زيد ضاحكا مسرعا» بـ «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» لا يليق بفضله، ولا يقبل من مثله؛ لأنّ وقوع قيام واحد في يوم الخميس -

................................  ويوم الجمعة محال، ووقوع مجيء واحد في حال ضحك وحال إسراع غير محال [3/ 78]، وإنّما نظير «قمت يوم الخميس يوم الجمعة» «جاء زيد ضاحكا باكيا»؛ لأنّ وقوع مجيء واحد في حال ضحك وحال بكاء محال، كما أنّ وقوع قيام واحد في يوم الخميس ويوم الجمعة محال ولكن المشرفي قد ينبو واللاحقي قد يكبو، على أنه يجوز أن يقال: «جاء زيد ضاحكا باكيا» إذا قصد أن بعض مجيئه في حال ضحك وبعضه في حال بكاء.
انتهى 1. وقال جمال الدين بن عمرون: يجوز أن يكون للاسم الواحد حالتان وأكثر مما يجوز اجتماعه نحو «قام زيد ضاحكا متحدثا» فإن لم يمكن اجتماعهما وصحّ أن يسبك منهما حال واحدة جاز كقولنا: «هذا الطعام حلوا حامضا» أي: مزّا، كما جاز في الخبر.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز، واحتجّ بأنّ الحال كالظرف والفعل إذا أعمل في ظرف لم يجز أن يعمل آخر من جنسه لاستحالة وقوع الفعل الواحد في زمانين أو مكانين، وإذا قلنا «هذا زيد ضاحكا جالسا» فالأولى عاملة في الثانية 2. والصحيح الأوّل؛ لأنّ امتناعه في الظرفين لاستحالة المعنى، وذا مفقود في الحال فحصل الفرق وجاز تعدد الحال كالخبر والصفة.
وتخريجه مثل «هذا زيد ضاحكا جالسا» على أنّ الأولى عاملة في الثانية ليس بشيء؛ لأنّ من الحال ما لا يصح أن يعمل نحو: «هذا زيد أسدا فارسا» ولا يصحّ فيه الصفة، ولأنّ قولنا: «مررت بزيد وجهه حسن جالسا» لا يكون (جالسا) صفة؛ لأنّ الجملة لا توصف، ولا يصح أن يكون معمولا لها.
انتهى 3. وهو يعضد دعوى المصنف وبحثه واستدلاله، وفي منعه أن يكون (فارسا) -

................................  معمولا لـ (أسد) أو صفة له نظر. ومثال تعدد الحال بجمع مع تعدد صاحبها: «جاء زيد وعمرو مسرعين، ولقي بشر عامرا راكبين». فالأول مثال تعددها بجمع لتعدد صاحبها مع اتحاد إعرابهما، والثاني مثال للتعدد والجمع مع اختلاف الإعراب 1. ومن الأول قول الله عز وجل: وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ 2 ومنه هذه ناقة وفصيلها راتعين» على قول من جعل فصيلها معرفة، وهي أفصح اللغتين، ومن جعله نكرة على تقدير الانفصال قال: «هذه ناقة وفصيلها راتعان» على النعت. ومن الثاني قول عنترة: 1824 - متى ما تلقني فردين ترجف... روانف أليتيك وتستطارا 3 ومثال تعددها بتفريق لتعدد صاحبها: «جاء زيد باكيا، وعمرو ضاحكا» ومثال ذلك والإعراب مختلف «لقيت منحدرا زيدا مصعدا» هذا إذا ولت كلّ ذي حالة حاله، وإذا أخرت الحالين عن صاحبيهما قلت: «جاء زيد وعمرو ضاحكا باكيا، ولقيت زيدا مصعدا منحدرا» والأولى حينئذ أن يجعل أولى الحالين لثاني الاسمين وأخراهما لأولهما، ويتعين ذلك إن خيف اللّبس كالمثال المذكور؛ لأنّه إذا فعل ذلك اتّصل أحد الوصفين بصاحبه وعاد ما فيه من ضمير إلى أقرب المذكورين واغتفر انفصال الثاني وعود ما فيه من ضمير إلى أبعد المذكورين؛ إذ لا يستطاع غير ذلك 4 مع أنّ اللبس مأمون حينئذ، وأما إذا جعل أولى الحالين لأول الاسمين وأخراهما لثانيهما فإنّه يلزم انفصال الوصفين معا، والأصل اتصالهما معا لكنه متعذر فيهما، ممكن في أحدهما، فلم يعدل عن الممكن مما يقتضيه الأصل 5، ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم: 1825 - وإنّا سوف تدركنا المنايا... مقدّرة لنا ومقدّرينا 6

................................  وقول الآخر: 1826 - عهدت سعاد ذات هوى معنّى... فزدت وعاد سلوانا هواها 1 ويعضد هذا ما نقله ابن عمرون من كلام الرماني أنّه إن لم تكن قرينة حكمنا بأنّ (مصعدا) لـ (زيد) و (منحدرا) للمتكلم؛ لأنّ الحال تلي صاحبها وهو زيد ثم تصير الثانية بمنزلة الاستدراك، كأنّ المتكلم بنى الكلام على «لقيت زيدا مصعدا» ثم استدرك فأحبّ أن يبيّن حالته.
انتهى.
وإلى هذا أشار المصنف بقوله: ولا تكون لغير الأقرب أي: عند التفريق والتأخير، ونبّه بقوله: «إلّا لمانع» على أنّه إذا منع من ذلك مانع وكان اللبس مأمونا جاز جعل الأولى من الحالين للأوّل، والثانية للثاني كقول امرئ القيس: 1827 - خرجت بها أمشي تجرّ وراءنا... على أثرينا ذيل مرط مرجّل 2 وأشار بقوله: وإفرادها بعد (إما) ممنوع... إلى آخره؛ إلى أنه إذا وقعت الحال بعد (إمّا) يجب لها أن تردف بأخرى معادا معها (إمّا) كقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً 3 وأنه إذا وقعت بعد (لا) وجب لها أيضا أن تردف بأخرى معادا معها (لا) كقولك: «من وجد فلينفق لا مسرفا ولا مقترا» إلّا أنّ الإفراد بعد (إمّا) ممنوع مطلقا، أي: في النثر والنظم، وأما الإفراد بعد (لا) فمستباح في الشعر 4 كقوله: -

[حذف عامل الحال جوازا أو وجوبا]

قال ابن مالك: (ويضمر عاملها جوازا لحضور معناه أو تقدّم ذكره في استفهام أو غيره، ووجوبا إن جرت مثلا، أو بيّنت ازدياد ثمن أو غيره شيئا فشيئا، مقرونة بـ «الفاء» أو «ثمّ»، أو نابت عن خبر، أو وقعت بدلا من اللّفظ بالفعل في توبيخ وغيره).
1828 - قهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخدائع والمكر 1 قال ناظر الجيش: يجيء الحال منصوبا بعامل 2 [3/ 79] مضمر كما كان ذلك في غيرها من المنصوبات، وذلك على ضربين: الضرب الأول: ما الإضمار فيه جائز، وذلك لسببين: أحدهما حضور معنى العامل، والثاني تقدّم ذكره.
فمثال الأول: قولهم للمرتحل: «راشدا مهديّا» وكذا «مصاحبا معانا» أي: اذهب، وللقادم من سفر: «مأجورا مبرورا» أي: رجعت، وللمحدّث: «صادقا» أي: تقول، ولمن تعرض لأمر: «متعرضا لغنى لم يعنه» أي: دنا، ومعنى لغنى: لأمر عنّ له، أي: عرض، والمراد به أنّه دخل في شيء لا يعنيه 3. وقد جوّزوا الرفع في هذه الأمثلة على إضمار مبتدأ 4. ومثال الثاني: قولك في استفهام: «راكبا» لمن قال لك: «كيف جئت؟» وفي غير استفهام: «بلى مسرعا» لمن قال: «لم تنطلق» بإضمار (جئت) في الأول، و (انطلقت) في الثاني، ومنه قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ 5 بإضمار (نجمعها) وهو تقدير سيبويه 6، وقال الفراء: إنه مفعول بـ (يحسب) دلّ عليه -

................................  أَيَحْسَبُ الأول، أي: فليحسبنا قادرين على أن نسوّي بنانه 1. الضرب الثاني: ما يجب فيه الإضمار، وذلك في صور: إحداها: ما جرت الحال فيه مثلا كقولهم: «حظيّين بنات صلفين كنّات» 2 بإضمار (عرفتم) أو نحو ذلك.
الثانية: الحال التي بيّنت ازدياد ثمن شيئا فشيئا نحو: «اشتريته أو أخذته بدرهم فصاعدا» أي: فذهب الثمن صاعدا 3، وهذا الكلام إنما يكون جوابا لمن قال: «بكم اشتريت هذا المتاع؟» فأخبر أن أدناه مشترى بدرهم والثمن حاله الزيادة بعد ذلك 4. وحاصل الأمر: أنه لا يقال في مشترى واحد، إنما يقال في أشياء متعددة مختلفة الأثمان أدون ما فيها بدرهم وما عداه أكثر من درهم.
الثالثة: الحال التي بينت غير الازدياد شيئا فشيئا نحو: «تصدّق بدينار فسافلا» أي: فانحط المتصدق به سافلا 5، وهذا الكلام أيضا إنما يقال: إذا كان المتصدق به متعددا مختلف المقدار، أعلاه دينار وما عداه أقل منه ثم أقل، عكس ما قيل في الصورة الأولى.
وشرط الحال في هاتين الصورتين: أن يكون مصحوبا بـ (الفاء) أو بـ (ثمّ)، كما نبّه عليه في المتن، والفاء أكثر في الكلام؛ نصّ على ذلك سيبويه 6، وعللّ ذلك بأنّ (ثم) للمهلة - ولا معنى للمهلة هنا - وأمّا الواو فلا تدخل في هذا الكلام لعدم إفادتها المعنى المراد.
-

................................  الصورة الرابعة: الحال النائبة عن خبر نحو: «ضربي زيدا قائما» 1 وقد سبق الكلام عليها في باب المبتدأ.
الخامسة: الحال الواقعة بدلا من اللفظ بالفعل [في] 2 توبيخ وغير توبيخ، فالتوبيخ قولك: «أقائما وقد قعد الناس؟» و «أقاعدا وقد سار الركب؟» وكذا إذا أردت ذلك المعنى - أي: التوبيخ - ولم تستفهم، تقول: «قاعدا قد علم الله وقد سار الركب» 3 ومنه أيضا: «أتميميّا مرّة وقيسيّا أخرى؟» بإضمار (أتتحول؟) 4، و «ألاهيا وقد جدّ قرناؤك؟» أي: أتعبث؟ 5، ومن التوبيخ أيضا قول الشاعر: 1829 - أراك جمعت مسألة وحرصا... وعند الحقّ زحّارا أنانا 6 الأنان: الأنين، والعامل فيه زحّارا؛ لأنّ (زحر) قريب المعنى من (أنّ).
وغير التوبيخ قولك: «هنيئا مريئا» أي: ثبت لك هنيئا أو هنّأه ذلك هنيئا، فعلى إضمار (ثبت) تكون الحال مقيدة وعلى إضمار (هنّأ) تكون الحال مؤكدة، ونصّ على التقديرين سيبويه 7. ويتناول غير التوبيخ الحال المضمر عاملها في الإنشاء كقول الشاعر: 1830 - ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا... وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني 8 أراد: وأعوذ عائذا بك، فحذف الفعل وأقام الحال مقامه كما كان يفعل بالمصدر لو قال: عائذا بك 9. -

[حكم حذف الحال]

قال ابن مالك: (ويجوز حذف الحال ما لم تنب عن غيرها أو يتوقّف المراد على ذكرها، وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها، خلافا لمن منع ذلك).
ويتناول غير التوبيخ قول النابغة: 1831 - أتاركة تدلّلها قطام... وضنّا بالتّحيّة والسّلام 1 وقد تقدم في باب المفعول المطلق الإعلام بأنّ المبرد يحمل (عائذا) و (أقاعدا) وأشباههما على أنهما مصادر جاءت على وزن فاعل 2، وتبيّن هنالك ضعف مذهبه بالدليل 3، فلا حاجة إلى إعادته هنا.
قال ناظر الجيش: الحال جائزة الحذف في الأصل لكونها فضلة، ثم إنه قد يعرض لها ما يجعلها بمنزلة العمد، كما يعرض لغيرها من الفضلات، وحينئذ يمتنع الحذف، وذلك أمران: أحدهما: نيابتها عمّا لا يستغنى عنه كالتي سدت مسد الخبر وكالواقعة بدلا من اللفظ بالفعل، وقد تقدم ذكرهما.
الثاني: توقّف فهم المراد على ذكرها، وذلك في صور: الأولى: حال ما نفي عامله أو نهي عنه كقوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ 4، وكقوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى 5، وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً 6. الثانية: الحال المجاب بها استفهام، كقولك: «جئت راكبا» لمن قال: «كيف جئت؟».
الثالثة: الحال المقصود بها حصر كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً 7. -

................................  الرابعة: الحال التي لا يتم فائدة الكلام التي هي فيه [3/ 79 مكرر] إلا بذكرها، كقوله تعالى: وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ 1، وَهذا بَعْلِي شَيْخاً 2، وكقول الراوي: «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الحيوان اثنين بواحد» 3 أي: متفاضلا، وكقول الشاعر: 1832 - إنّما الميت من يعيش كئيبا...... 4 ومما التزم ذكره من الفضلات غير الحال: المجرور في قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 5، والصفة في قولك: «ما في الدار رجل يبغضك» فلو حذف لَهُ أو (يبغضك) انتفت الفائدة 6. وقوله: وقد يعمل فيها غير عامل صاحبها: قال المصنف: الأكثر أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها؛ لأنها وإياه كالصفة والموصوف ولكنهما أيضا كالمميّز والمميّز، وكالخبر والمخبر عنه، ومعلوم أنّ ما يعمل في المميّز والتمييز قد يكون واحدا وغير واحد، وكذا ما يعمل في الخبر والمخبر عنه، فكذا الحال وصاحبها قد يعمل فيهما عامل واحد وقد يعمل فيهما عاملان.
ومثال اتحاد العامل في الأبواب الثلاثة: «طاب زيد نفسا، وإن زيدا قائم، وجاء زيد راكبا».
ومثال عدم الاتحاد في الثلاثة: «لي عشرون درهما، وزيد منطلق» - على مذهب سيبويه ومن وافقه - وإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً 7 فـ (أمة) حال، والعامل فيها اسم الإشارة، و (أمتكم) صاحب الحال، والعامل فيها (إن.) قال سيبويه: هذا باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة انتصابه إذا -

................................  كان ما قبله مبنيّا على الابتداء؛ لأنّ المعنى واحد في أنّه حال، وأنّ ما قبله قد عمل فيه، ومنعه الاسم الذي قبله أن يكون محمولا على (إنّ) وذلك «إنّ هذا عبد الله منطلقا»، وقال جلّ ذكره: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً 1. وقد تقدّم من كلامه 2 ما يدلّ على أنّ صاحب الحال في: 1833 - لعزّة موحشا طلل 3 هو المبتدأ لا الضمير المستكن في الخبر، وبيّنت رجحان قوله على قول من زعم أنّ صاحب الحال هو الضمير 4. ومن ورود الحال وعاملها غير عامل صاحبها: قولهم: «ها قائما ذا زيد» فنصب الحال بحرف التنبيه وليس له عمل في صاحبها ومنه قول الشاعر: 1834 - ها بيّنا ذا صريح النّصح فاصغ له...... البيت 5 انتهى كلام المصنف 6. وكلام سيبويه يشهد ظاهره بصحة ما ادّعاه، وقد تأول المخالفون ذلك فقالوا: إذا قلنا: «هذا زيد منطلقا» فالعامل في الحال إمّا معنى (ها) وهو: أنبّه، وإما معنى (ذا) وهو: أشير، وليس شيء منهما عاملا في (زيد) الذي هو صاحب الحال، لكن الحال من (زيد) في اللفظ، وفي المعنى من الضمير في «أنبّه عليه» أو «أشير إليه» وإذا كانت الحال من ضمير في أحدهما فالعامل في الحال وصاحبها بالحقيقة -

جارٍ التحميل