[تعريفه - وزنه من الثلاثي المجرد - الاستغناء ببعض الأوزان عن بعض]
قال ابن مالك: (اسم الفاعل، هو الصّفة الدّالّة على فاعل جارية في التّذكير والتّأنيث على المضارع من أفعالها لمعناه أو معنى الماضي، ويوازن في الثّلاثّي المجرّد «فاعلا» وفي غيره المضارع مكسور ما قبل الآخر، مبدوءا بميم مضمومة، وربّما كسرت في «مفعل» أو ضمّت عينه، وربّما ضمّت عين «منفعل» مرفوعا، وربّما استغني عن «فاعل» بـ «مفعل» وعن «مفعل» بـ «مفعول» فيما له ثلاثيّ وفيما لا ثلاثيّ له، وعن «مفعل» بـ «فاعل» ونحوه، أو بـ «مفعل»، وعن «فاعل» بـ «مفعل» أو «مفعل»، وربما خلف «فاعل» «مفعولا»، و «مفعول» «فاعلا»).
2145 - فتاتان أما منهما فشبيهة... هلالا والأخرى منهما تشبه البدرا 1
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: ذكر «الصّفة» مخرج للأسماء الجامدة 3، ومتناول لاسمي الفاعل والمفعول، وأمثلة المبالغة، والصفة المشبّهة، وغير المشبهة، وذكر (الدالة على الفاعل) مخرج لاسم المفعول، والمؤدّي معناه، وذكر (الجارية -
................................
على المضارع) مخرج للجارية على الماضي كـ: فرح، وحسن، ويقظ، ولغير الجارية كـ: سهل، وكريم، ومتناول لاسم الفاعل، ولنحو: ضامر الكشح 1، ومنطلق اللسان، من الصفات الموافقة اسم الفاعل، لفظا، لا معنى ولنحو:
أهيف 2، وأعمى، من الصفات التي على «أفعل» وفعلها على «فعل» فالنوعان جاريان على المضارع من أفعالهما، أي: موافقان له، في عدّة الحروف، وتقابل الحركات، والسكون فخرج باب «ضامر» بقولي: (لمعناه أو معنى الماضي) فإنّ «ضامرا»، ونحوه لا يتعرّض به لاستقبال، ولا مضيّ، وإنّما يراد به معنى ثابت، ولذلك أضيف إلى ما هو فاعل في المعنى، كما تضاف الصفة التي لا تجاري المضارع؛ فيقال: ضامر الكشح، كما يقال: لطيف الكشح، فخالف باب «ضامر» الفعل معنى، وإن وافقه لفظا 3.
وخرج باب «أهيف» بذكر التذكير والتأنيث، فإنّ مؤنثه على فعلاء، فلا مجاراة فيه، إلا في حال التذكير، بخلاف اسم الفاعل، فإنّ تأنيثه لا يغيّر بنيته فيعرى عن المجاراة، بل هو مستصحبها في حالة تذكيره وتأنيثه؛ لأنّ تأنيثه بالتاء، وهي في نية الانفصال، ولزم من تقييد اسم الفاعل بكونه (صفة جارية) خروج أمثلة المبالغة ولم يكن في ذلك ضمير؛ لأنّ اسم الفاعل غيرها، وجريانها في العمل مجراه سينبّه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ولمّا كمل الكلام على حدّ اسم الفاعل نبهت على كيفية صوغه من الأفعال:
فأعلمت أنه من الثلاثي المجرّد 4 على زنة «فاعل» كـ: ضارب، وشارب، ومن -
................................ غيره على زنة المضارع، بكسر ما قبل الآخر، وزيادة ميم مضمومة، موضع حرف المضارعة، كـ: مكرم، ومعلّم، ومتعلّم، ومستخرج، ومدحرج، ومطمئن، ومحرنجم، قالوا: أنتن الشيء فهو منتن، على القياس، وقالوا - أيضا -: منتن؛ بإتباع الميم العين، ومنتن 1؛ بإتباع العين الميم 2، وإليهما أشرت بقولي: (وربما كسرت في (مفعل) أو ضمّت عينه، ومثل «منتن» قولهم في «المغيرة» (3): «مغيرة» 3، ثمّ قلت: وربّما ضمّت عين «منفعل» مرفوعا، فأشرت بذلك إلى قولهم: هو منحدر، بضمّ الدال، إتباعا للراء، حكاه أبو الفتح بن جنّي وغيره 4. ثم قلت: وربّما استغنى عن «فاعل» بـ «مفعل» وعن «مفعل» بـ «مفعول» فيما له فعل ثلاثي، فأشرت بالأول إلى «حبّ» فهو محبّ، ولم يقولوا: حابّ، وأشرت بالثاني إلى قولهم: أحزنه الأمر، فهو محزون، فأغناهم عن محزن، وكذا: أحبّه، فهو محبوب، أغناهم عن محبّ، وندر قول عنترة: 2146 - ولقد نزلت فلا تظنّي غيره... منّي بمنزلة المحبّ المكرم 5 وأشرت بقولي: (فيما له فعل ثلاثي) إلى قول الشّاعر: 2147 - معي ردينيّ أقوام أذود به... عن عرضهم وفريصي غير مرعود 6
................................
ولم يقولوا: رعدت الفرائص، وإنّما قالوا أرعدت، ومثل «مرعود» بمعنى «مرعد» قولهم: مرقوق 1 بمعنى «مرقّ».
وأمّا قولي: وعن «مفعل» بـ «فاعل» ونحوه أو بـ «مفعل»، فأشرت [3/ 137] به إلى قولهم: أيفع الغلام إذا شبّ؛ فهو يافع، وأورس الزمت - وهو شجر - إذا اصفرّ؛ فهو وارس، وأقرب القوم؛ فهم قاربون، إذا كانت إبلهم قوارب، ولا يقال: مقربون.
وأشرت بقولي: ونحوه إلى قولهم: أعقّت الفرس فهي عقوق، إذا حملت، وأحصرت الناقة إذا ضاق مجرى لبنها، فهي حصور، وأشرت بقولي: أو بـ «مفعل» إلى قولهم: أسهب الرجل في الكلام، إذا أكثر، فهو مسهب، كذا إذا ذهب عقله من لدغ الحية، وألفج الرجل إذا ذهب ماله، فهو ملفج 2، وقيل أيضا: يفع، ودرس، وعقت، وحصرت، وأسهب اللديغ، وألفج ذو المال 3، فاستغني باسم فاعل الثلاثي عن اسم فاعل الرباعي، وبالمبني على أسهب اللديغ، وألفج ذو المال عن المبني على أسهب وألفج، ولم يرد في «أسهب» إلا فعل الفاعل، هذا إذا كان بمعنى أكثر الكلام 4، فأمّا «أسهب» بمعنى فصح 5 وبمعنى بلغ الرّجل في حفره، وبمعنى أكثر العطاء 6، وبمعنى تغيّر وجهه 7، وبمعنى نزل السهب، أي: المكان السهل 8، فاسم الفاعل الوصف منه بكسر الهاء على القياس، وكذا من: أسهب الفرس، إذا كان سابقا.
- - اللغة: فريصي: من الفريصة، وهي مضغة لحم، عند منبض القلب، أو بين الثدي والكتف، وهما فريصتان ترتعدان عند الفزع.
والشاهد فيه قوله: «مرعود»؛ فإنه اسم مفعول على غير قياس؛ لأنه من قولهم: أرعدت فرائصه.
ينظر الشاهد أيضا في: التذييل والتكميل (4/ 777) رسالة.
................................
وحكى ابن سيده 1 أنه يقال: عمّ الرجل بمعروفه، ولمّ متاع القوم فهو معمّ، وملمّ ولم يقل بهذا المعنى عامّ، ولا: لامّ، ولا نظير لهما 2، وإليهما أشرت بقولي: وعن «فاعل» بـ «مفعل» أو «مفعل»، ثم قلت: (وربما خلف «فاعل» «مفعولا»، و «مفعول» «فاعلا») فأشرت بالأول إلى نحو: كاس، بمعنى مكسو، وبالثاني إلى قولهم: قطّ السعر 3 فهو مقطوط، إذا غلا، ولم يقولوا:
قاطّ، ذكره ابن سيده، وهو نادر بمعنى مكسوّ.
وممّا خلف فيه فاعل مفعولا قول الشّاعر:
2148 - لقد عيّل الأيتام طعنة ناشره... أناشر لا زالت يمينك آشره 4
أي: مأشورة، والمأشورة: المقطوعة بمئشار 5، والله تعالى أعلم.
هذا كلام المصنف 6، وقد استفيد من قوله - في حدّ اسم الفاعل -: لمعناه -
................................ أو معنى الماضي ما أراده غيره بقوله: إنّ اسم الفاعل العامل هو المذهوب به مذهب الزّمان، فإنّ الذي لا يذهب به مذهبه يجري مجرى الأسماء الجامدة، فلا يعمل أصلا، نحو قول الحطيئة: 2149 - ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة... فاغفر عليك سلام الله يا عمر 1 فلم يرد بـ «كاسبهم» أنه كسب لهم، ولا أنّه يكسب لهم في حال ولا استقبال؛ فصار «كاسب» في البيت بمنزلة «والد» 2، كأنّه قال: ألقيت والدهم، فـ «والد» لا يعمل، كما لا يعمل «أب» فكذلك «كاسبهم» إذا أريد به هذا المعنى، وكذا يستفاد من قولي: (جارية في التذكير والتأنيث على المضارع من أفعالها) أنّ اسم الفاعل إذا لم يكن بهذه الصفة لا يعمل، فلا يجوز أن يقال: هذه امرأة مرضع ولدها؛ لأن اسم الفاعل - إذ ذاك - لا يذهب به مذهب الفعل، بل مذهب السبب، فمعنى «مرضع»: ذات إرضاع، ولو ذهب به مذهب الفعل لم يكن بدّ من التاء، كما قال: 2150 - كمرضعة أولاد أخرى........ البيت 3
[عمل اسم الفاعل غير المصغر والموصوف عمل فعله قد يحول «فاعل» للمبالغة إلى الأمثلة الخمسة]
قال ابن مالك: (فصل: يعمل اسم الفاعل غير المصغّر والموصوف خلافا للكسائي، مفردا وغير مفرد، عمل فعله مطلقا، وكذا إن حوّل للمبالغة من «فاعل» إلى «فعّال» أو «فعول» أو «مفعال» خلافا للكوفيّين، وربّما عمل محوّلا إلى «فعيل» أو «فعل» وربّما وربّما بني «فعّال» و «مفعال» و «فعيل» و «فعول» من «أفعل»، ولا يعمل غير المعتمد على صاحب مذكور أو منويّ، أو على نفي صريح أو مؤوّل، أو استفهام موجود أو مقدّر، ولا الماضي غير الموصول به «أل» أو محكيّ به الحال خلافا للكسائيّ، بل يدلّ على فعل ناصب لما يقع بعده من مفعول به يتوهّم أنّه معموله، وليس نصب ما بعد المقرون بـ «أل» مخصوصا بالمضيّ، خلافا للرّمّاني ومن وافقه، ولا على التّشبيه بالمفعول به، خلافا للأخفش، ولا بفعل مضمر خلافا لقوم). قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: قد تقدم أنّ اسم الفاعل هو الصفة الدالة على «فاعل» جارية في التذكير والتأنيث على المضارع، وشرح ذلك ببيان (تامّ) 2، ثم أشير - بعد ذلك - إلى عمله، ليعلم أنّه يعمل عمل فعله، إن أريد به الحال والاستقبال واعتمد على صاحب مذكور، نحو: زيد مكرم رجلا طالبا العلم، محققا معناه 3، أو على صاحب منويّ كقول الشاعر: 2151 - وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب 4
................................
وكقول الآخر:
2152 - إنّي حلفت برافعين أكفّهم... بين الحطيم وبين حوضي زمزم 1
وكقول الآخر:
2153 - وكم مالئ عينيه من شيء غيره... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمي 2
ويروى: «ومن مالئ».
وكقول الآخر:
2154 - إنّ النّدى وأبا العبّاس فارتحلوا... مثل الفرات إذا ما موجه زخرا
إن تبلغوه تكونوا مثل منتجع... غيثا يمجّ ثراه الماء والزّهرا 3
أو على نفي صريح كقول الشّاعر:
2155 - ما راع الخلّان ذمّة ناكث... بل من وفى يجد الخليل خليلا 4
-
- ينظر الشاهد في: ديوان أبي الأسود الدؤلي (ص 199)، والمؤتلف للآمدي (ص 224)، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي (2/ 273).
................................
أو على نفي مؤوّل كقوله:
2156 - وإنّ امرأ لم يعن إلّا بصالح... لغير مهين نفسه بالمطامع 1
وعلى استفهام موجود كقول الشّاعر:
2157 - أناو رجالك قتل امرئ... من العزّ في حبّك اعتاض ذلّا 2
أو على استفهام مقدّر كقوله:
2158 - ليت شعري مقيم العذر قومي... لي أم هم في الحبّ لي عاذلونا 3
ولا يعمل اسم الفاعل، إذا لم يقصد به معنى الفعل 4 كـ «صاحب» في أكثر - - المفعول به الذي هو قوله: «ذمة ناكث» بعد أن رفع الفاعل المغني عن الخبر، وإنما أعمل اسم الفاعل في المفعول به؛ لكونه معتمدا على حرف النفي، وهو «ما».
ينظر الشاهد في: التذييل والتكميل (4/ 802)، وشرح شذور الذهب بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (ص 388).
................................
الاستعمال؛ لعدم الاعتماد على صاحب مذكور، أو منويّ، ولا إذا صغّر أو وصف، أو قصد به المضي، ولم يوصل به الألف واللام، ولا حكيت به حال [3/ 138] فلا يقال: هذا ضويرب زيدا، ولا: هذا ضارب عنيف زيدا، ولا: هذا ضارب أمس زيدا، لا اليوم، وإنّما امتنع العمل بالتصغير والوصف؛ لأنّهما من خصائص الأسماء، فيزيلان شبه الفعل معنى ولفظا.
ولم ير الكسائيّ ذلك مانعا؛ لأنّه حكى عن بعض العرب: أظنّني مرتحلا وسويئرا فرسخا، وأجاز أن يقال: أنا زيدا ضارب، أي ضارب 1، ولا حجة فيما حكاه، لأنّ فرسخا ظرف، والظرف يعمل فيه رائحة الفعل، وأما إجازته: أنا زيدا ضارب، أيّ ضارب؛ فلا حجة فيه؛ لأنّه لم يقل: سمعته عن العرب، بل ذكره تمثيلا، ولو رواه عن العرب لم يكن فيه حجّة؛ لأنّه كان يحمل على أنّ «زيدا» منصوب بـ «ضارب» و «ضارب» خبر «أنا»، وأي ضارب خبر ثان، وهذا توجيه سهل موافق للأصول المجمع عليها، فلا يعدل عنه، وقد احتجّ الكسائي بقول الشاعر:
2159 - إذا فاقد خطباء فرخين رجّعت... ذكرت سليمى في الخليط المزايل 2
ولا حجّة في هذا أيضا؛ لإمكان تخريجه على جعل «فرخين» منصوبا - - لشبهه بالفعل المضارع في اللفظ والمعنى، أما اللفظ فلأن كل واحد منهما في الغالب على عدة حروف الآخر، وكل منهما متحرك الأول ساكن الثاني، وأما المعنى فلاشتراكهما في وقوعهما نعتا، وحالا، وفي لحوق حروف التثنية والجمع لهما، واتصال الظروف بهما، ودخول لام الابتداء عليهما) اهـ. وفيه أيضا: (فإن كان للمضي لم يعمل فلا تقول: مررت بضارب زيدا أمس؛ لأنه إنما عمل لما ذكرناه من الشبه بينه وبين المضارع، وأما الماضي، فلم تقو مشابهته له، فلا يعمل إذا كان بمعناه) اهـ.
................................
بـ «رجّعت» على إسقاط حرف الجرّ، وأصله: رجّعت على فرخين، فحذف «على» وتعدّى الفعل بنفسه فنصب، ويجوز نصب «فرخين» بـ «فقدت» مقدرا 1، مدلولا عليه باسم الفاعل الموصوف، فإنّ ما لا يعمل يجوز أن يدلّ على ما يعمل.
وقد يحتجّ الكسائيّ أيضا بقول الشاعر:
2160 - وقائلة تخشى عليّ: أظنّه... سيودي به ترحاله ومذاهبه 2
فإنّ «تخشى» صفة «قائلة» وقد وقعت قبل المقول، الذي هو «أظنّه» والجواب أن يقال: إنّ «أظنّه» محكيّ بـ «قالت» أو «تقول»، مقدرا، فبطل الاحتجاج 3.
ووافق 4 بعض أصحابنا الكسائيّ في إعمال الموصوف قبل الصفة؛ لأنّ ضعفه يحصل بعد ذكرها، لا قبله، فأجاز: أنا زيدا ضارب أيّ ضارب، ومنع: أنا ضارب، أي ضارب زيدا، واستدلّ صاحب هذا الرأي بقول الشاعر:
2161 - وولّى كشؤبوب العشيّ بوابل... ويخرجن من جعد ثراه منصّب 5
فرفع «ثراه» بـ «جعد» ثم نعته بـ (منصّب) 6. -
................................
وأجاز الكسائيّ أيضا إعمال اسم الفاعل المقصود به المضي، مع كونه عاريا من الألف واللّام، ومذهبه في هذه المسألة ضعيف؛ لأنّ اسم الفاعل الذي يراد به المضيّ لا يشبه الفعل الماضي إلا من قبيل المعنى، فلا يعطى ما أعطي المشابه لفظا ومعنى، أعني الذي يراد به معنى المضارع، كما لم يعط الاسم من منع الصرف بعلة واحدة ما أعطي ذو العلتين، وأيضا فإنّ الفعل المضارع محمول على اسم الفاعل في الإعراب فحمل اسم الفاعل عليه في العمل، ولم يحمل الفعل الماضي على اسم الفاعل في إعراب فلم يحمل اسم الفاعل عليه في العمل 1.
قال سيبويه: وإذا أخبر أنّ الفعل قد وقع وانقطع، فهو بغير التنوين البتة؛ لأنه إنما أجري مجرى الفعل المضارع له، كما أشبهه الفعل المضارع في الإعراب، فكلّ واحد منهما داخل على صاحبه 2، هذا نصّه، قلت 3: فالمسوي في العمل بين اسم الفاعل المقصود به معنى الماضي، وبين اسم الفاعل المقصود به معنى المضارع كالمسوي بين الفعل الماضي والفعل المضارع في الإعراب وهذا لا يصحّ، فلا يصحّ ما هو بمنزلته، فإن وقع الذي بمعنى الماضي صلة للألف واللام استوى هو والذي بمعنى المضارع في استحقاق العمل؛ لأنّه وقع موقعا يجب تأويله فيه بالفعل، كما يجل تأول الألف واللام بالذي، أو أحد فروعه، فقام تأويله بالفعل مقام ما فاته من الشبه اللفظي، كما قام لزوم التأنيث في المؤنث بالألف، وعدم التكسير 4 في الجمع مقام سبب ثان، في منع الصّرف، وإذا كان في وقوع الذي بمعنى الماضي صلة تصحيح لعمله، بعد أن لم يكن عاملا؛ كان في وقوع الذي بمعنى المضارع صلة توكيد لاستحقاق ما كان له من العمل.
والحاصل: أنّ اسم الفاعل الموصول به الألف واللام يعمل في المضيّ، والحضور، والاستقبال، وقد ظنّ قوم منهم الرماني 5 أنّه لا يعمل إلا في الماضي، وحملهم على -
................................ ذلك أنّ سيبويه - حين ذكر إعمال اسم الفاعل المقرون بالألف واللام لم يقدره إلا بالذي فعل، فقال: هذا 1 باب من الاستفهام، يكون فيه الاسم رفعا -: وممّا لا يكون فيه إلا الرفع: أعبد الله أنت الضاربه؟ 2 لأنك إنما تريد معنى: أنت الذي ضربه 3. وقال 4 - بعد هذا الباب بأبواب يسيرة -: هذا باب صار فيه الفاعل بمنزلة الذي فعل في المعنى 5، ثمّ قال بعد ذلك: قولك: هذا الضارب زيدا، فصار في معنى: هذا الذي ضرب زيدا، وعمل عمله 6، هذا نصّه، ثم تمادى على مثل هذا في جميع الباب، ولم يتعرّض للذي بمعنى المضارع؛ لأنّه قد صحّ له العمل دون الألف واللّام، فعمله عند اقترانه بهما، على معنى الذي أحقّ وأولى، للعلّة السابق ذكرها، ولو لم يكن إعمال الذي بمعنى المضارع مسموعا عند وصل الألف واللّام، لوجب الحكم بجوازه؛ للأولوية المشار إليها، فكيف وقد ثبت إعماله في القرآن العزيز وغيره؟. فمن إعماله في القرآن العزيز قوله تعالى: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ 7، ومن إعماله في غير القرآن قول الشاعر: 2162 - فبتّ والهمّ تغشاني طوارقه... منّ خوف رحلة بين الظّاعنين غدا 8 ومنه قول عمرو بن كلثوم [3/ 139]: 2163 - وأنّا المنعمون إذا قدرنا... وأنّا المهلكون إذا أتينا وأنّا الشّاربون الماء صفوا... ويشرب غيرنا كدرا وطينا 9
................................
ومنه قول الآخر:
2164 - إذا كنت معنيّا بمجد وسؤدد... فلا تك إلّا المجمل القول والفعلا
ولا تلف إن أوذيت يوما مكافئا... فمن كافأ الباغين لم يكمل الفضلا 1
ومذهب الأخفش أن النصب بعد مصحوب «أل»، على التشبيه بالمفعول به، وأصحابه يقولون: إن قصد بـ «أل» العهد، فالنصب على التشبيه بالمفعول، وإن قصد معنى الذي فالنصب باسم الفاعل 2، وقال قوم: النصب بفعل محذوف بعد ما قرن بـ «أل» من اسم فاعل، أو مصدر، وكلّ ذلك تكلف، لا حاجة إليه، وقد نبه على ذلك كله، في متن الكتاب، وإذا أضيف اسم الفاعل، الذي بمعنى الماضي، واقتضى بعد الإضافة - من جهة المعنى - مفعولا به، جيء
به منصوبا، كقولك: هذا معطي زيد (أمس) 3 درهما، ونصبه عند الجمهور بفعل مقدر مدلول عليه باسم الفاعل؛ لأنّ الدلالة يكتفى فيها بالمعنى المجرّد فأن يكتفى فيها بمعنى ولفظ يتضمن حروف المدلول عليه أحقّ وأولى.
وأجاز السيرافي نصبه باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي 4؛ لأنّه اكتسب - - والشاهد في قوله: «المنعمون إذا قدرنا، المهلكون إذا أتينا»؛ حيث أعمل اسم الفاعل المحلى بـ «أل» مع دلالته على الاستقبال.
ينظر الشاهد أيضا في: شرح معلقة ابن كلثوم (ص 108)، تحقيق د/ محمد إبراهيم البنا، وجمهرة أشعار العرب (1/ 363)، والتذييل والتكميل (4/ 818).
................................
بالإضافة إلى الأول شبها بمصحوب الألف واللام، ولأنّ ارتباطه بما يقتضيه لا بدّ منه، والارتباط إما بالإضافة، وإما بنصبه إياه، امتنعت الإضافة؛ لأنّ شيئا واحدا لا يضاف إلى شيئين، فتعيّن الارتباط بنصبه إياه، ونزّل هذا منزلة رفع «أفعل» التفضيل الظاهر في مسألة الكحل، ونظائرها، وإن كان أصله المنع، وقوى أبو علي الشلوبين 1 مذهب السيرافي بقولهم: هو ظانّ زيد أمس فاضلا، فإنّ «فاضلا» يتعين نصبه بـ «ظان»؛ لأنّه إن أضمر له ناصب لزم حذف أول مفعوليه، وثاني مفعولي «ظان»، وذلك لا يجوز؛ لامتناع الاقتصار على أحد مفعولي ظنّ، والصحيح قول الجمهور والتعليل بشبه المضاف بذي الألف واللّام ضعيف؛ لأنّ عمل ذي الألف واللّام إنما صحّ لوقوعه صلة، ووجوب تأويله لذلك بفعل، والمضاف بضد ذلك.
وأمّا الارتباط بزائد على المضاف إليه، فيكفي فيه شعور الذهن به، وأما: هو ظانّ زيدا أمس فاضلا، فليس إلا حذف أول مفعولي «ظنّ» المدلول عليه بـ «ظان»، وذلك شبيه بحذف ثاني مفعولي «ظنّ» المحذوف في: أزيدا ظننته فاضلا؟ 2، وأمّا «ظان» فليست إضافته على نية العمل، فيطلب مفعولا ثانيا، ولكن إضافته كإضافة اسم جامد، وكاستعماله غير مضاف في نحو، هذا ظانّ أمس زيدا فاضلا، على نصب زيد، وفاضل بـ «ظنّ» مدلولا عليه باسم الفاعل فهذا وأمثاله لا خلاف في جوازه، وبه يتخلص من إعمال اسم الفاعل الماضي، غير موصول به الألف واللام، ولا يمنع التثنية، ولا الجمع مطلقا إعمال اسم الفاعل، المستوفي شروط العمل، ولا فرق في ذلك بين جمع التكسير، وجمعي التصحيح، فإن قيل: - - الفعل بعينه؛ وذلك لأن الفعل الماضي فيه بعض المضارعة، ولذلك بني على حركة، فبذلك الجزء من المضارعة يعمل الاسم الجاري عليه عملا ما، دون الاسم الجاري على الفعل المضارع، فعمل في الاسم الثاني لما لم يمكن إضافته إليه؛ لأنه لا يضاف إلى اسمين، فأضيف إلى الاسم الذي قبله، وصارت إضافته بمنزلة التنوين له، وعمل في الباقي بما فيه من معنى الفعل والتنوين) اهـ.
................................ هلّا امتنع بجمع التكسير العمل، كما امتنع بالتصغير، لاستوائهما في تغيير نظم الواحد، فالجواب: أنّ التصغير لم يمنع العمل، لتغيير نظم الواحد فحسب، بلّ لكونه مغيرا نظم الواحد، ومحدثا فيه معنى غير لائق بالفعل وهو معنى الوصفية، فإنّ معنى قولك: ضويرب: ضارب صغير، والجمع - وإن غير نظم الواحد - ليس محدثا 1 في المجموع معنى لا يليق بالفعل؛ لأن الجمع بمعنى العطف، فإنّ معنى قولك: ضرّاب: ضارب، وضارب، وضارب والعطف لائق بالفعل، فلذلك امتنع عمل اسم الفاعل بالتصغير دون التكسير، وأما التثنية وجمع التصحيح فحقيقان بأن يبقى العمل معهما؛ لأنّهما يساويان جمع التكسير في تضمّن معنى العطف، ويفوقانه بأنهما لم يغيرا نظم الواحد، ويساوي اسم الفاعل - في العمل بالشروط المذكورة، في إفراده وغيره - ما قصد به المبالغة، من موازن: فعّال، ومفعال، وفعول، كقول من سمعه سيبويه: أما العسل فأنا شرّاب 2، وكقول الشاعر: 2165 - أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها... وليس بولّاج الخوالف أعقلا 3 وكقول رؤبة: 2166 - كم رامنا من ذي عديد مبز... حتّى وقفنا كيده بالرّجز برأس دمّاغ رؤوس العزّ 4
................................ وكقول الآخر: 2167 - هجوم عليها نفسه غير أنّه... متى يرم في عينيه بالشّبح ينهض 1 وكقول الآخر: 2168 - عشيّة سعدى لو تراءت لراهب... بدومة تجر عنده وحجيج قلا دينه واهتاج للشّوق إنّها... على الشّوق إخوان العزاء هيوج 2
-
- في ديوان رؤبة (ص 64)، من قصيدة يمدح بها أبان بن الوليد البجلي، ولفظ الديوان: إلا وقمنا كيده بالرجز اللغة: الدماغ: مبالغة «دامغ» وهو الذي يبلغ بالشجة إلى الدّماغ، رؤوس العز: أي رؤوس أهل العز، والرجز: العذاب، والرأس: الرئيس.
والشاهد فيه قوله: «دماغ رؤوس العز»؛ حيث نصب «رؤوس العز» بـ «دماغ» صيغة مبالغة.
ينظر الشاهد في: الديوان (ص 64)، والكتاب (1/ 113)، ومنهج السالك (ص 322)، والتذييل والتكميل (4/ 790).
- في ديوان رؤبة (ص 64)، من قصيدة يمدح بها أبان بن الوليد البجلي، ولفظ الديوان: إلا وقمنا كيده بالرجز اللغة: الدماغ: مبالغة «دامغ» وهو الذي يبلغ بالشجة إلى الدّماغ، رؤوس العز: أي رؤوس أهل العز، والرجز: العذاب، والرأس: الرئيس.
................................ وكقول بعض العرب: إنّه لمنحار بوائكها 1. وكقول الشاعر: 2169 - ثمّ زادوا أنّهم في قومهم... غفر ذنبهم غير فجر 2 وكقول الآخر: 2170 - شمّ مهاوين أبدان الجزور مخامي... ص العشيّات لا خور ولا قزم 3 فـ «غفر» جمع غفور، و «مهاوين» جمع «مهوان»، وكان أصله «مهينا» فبني على «مفعال»؛ لقصد المبالغة، واستصحب العمل له مفردا أو مجموعا، وكذلك فعول إذا جمع على فعل، كما قال: ...... غفر ذنبهم... ولو كسّر «فعّال» لاستصحب أيضا عمله، إلّا أن العرب استغنت بتصحيحه عن تكسيره، لاستثقال فكّ التضعيف، وألحق سيبويه بالثلاثة «فعيلا» و «فعلا»، -
................................ مقصودا بهما المبالغة 1، ثمّ قال: و «فعل» أقل من «فعيل» بكثير 2، ثم قال: (ومنه قول) ساعدة بن جؤية 3: 2171 - حتّى شآها كليل موهنا عمل... باتت طرابا، وبات اللّيل لم ينم 4 قال أبو الحجّاج يوسف بن سليمان الشنتمري 5: قال النحويون: هذا غلط من سيبويه، وذلك [3/ 140] أنّ الكليل هو البرق الضعيف، وفعله لا يتعدّى، والموهن الساعة من الليل، فهو منتصب على الظرف، واعتذر لسيبويه أن «كليلا» بمعنى «مكل»، كأنه قال: هذا البرق مكل الوقت بدوامه عليه، كما يقال: أتعبت يومك، وغير ذلك من المجاز، قال محمد بن مالك: وهذا عندي تكلف، لا حاجة إليه، وإنما ذكر سيبويه هذا البيت شاهدا على أنّ «فاعلا» قد يعدل به إلى «فعيل» و «فعل» على سبيل المبالغة، كما يعدل به إلى «فعول» و «فعّال» و «مفعال» فذكر هذا البيت لاشتماله على «كليل» للعدل عن «كالّ» وعلى «عمل»، للعدل به عن «عامل»، ولم يتعرض لوقوع الإعمال، وإنما يحتج له في ثبوت إعمال «فعيل» بقول بعض العرب: إنّ الله سميع دعاء من دعاه، رواه بعض الثقات 6. وممّا يحتجّ له به قول الشاعر: -
................................
2172 - فتاتان أمّا منهما فشبيهة... هلالا والأخرى منهما تشبه البدرا 1
فأعمل «شبيهة»، أنثى «شبيه»، مع كونه من «أشبه»، كـ «نذير» من «أنذر» 2، وإذا ثبت إعمال «فعيل» من «أفعل» مع قلة نظائره، كان إعمال «فعيل» من الثلاثي أولى لكثرته، وأنشد سيبويه - مستشهدا على إعمال «فعيل» 3 - قول الشاعر:
2173 - حذر أمورا لا تضير وآمن... ما ليس منجيه من الأقدار 4
وروي عن المازني أنّ اللاحقيّ 5 قال: سألني سيبويه عن شاهد في تعدّي «فعل» فعملت له هذا البيت.
وينسب مثل هذا القول إلى ابن المقفّع 6، والاختلاف في تسمية هذا المدّعي يشعر بأنّها رواية موضوعة، ووقوع مثل هذا مستبعد، فإنّ سيبويه لم يكن ليحتج بشاهد، لا يثق بانتسابه إلى من يحتجّ بقوله:
وإنما يحمل القدح في البيت المذكور على أنّه من وضع الحاسدين، وتقوّل المتعنتين، وقد جاء إعمال فعل فيما لا سبيل إلى القدح فيه، وهو قول زيد الخيل: -
................................
2174 - أتاني أنّهم مزقون عرضي... جحاش الكرملين لها فديد 1
فأعمل «مزقا» وهو «فعل» عدل به للمبالغة عن «مازق».
ووافق الجرمي سيبويه في إعمال «فعل» وقال: إنّه على وزن الفعل، فجاز أن يجرى مجراه، وحقّ لـ «فعل» أن يكثر استعماله؛ لأنه مقصور «فاعل» 2، ومنه قول الشاعر:
2175 - أصبح قلبي صردا... لا يشتهي أن يردا
إلّا عوارا عردا... أو صليانا بردا 3
أراد: عاردا، وباردا.
وكثر ذلك في المضاعف، كقولهم: برّ، وشرّ، بمعنى: بارّ، وشارّ 4، -
................................
والمشهور بناء هذه الأمثلة من الثلاثي، وقد يبنى من «أفعل» «فعّال»، كأدرك؛ فهو درّاك، وأسأر، فهو سآر 1، و «فعيل»، كأنذر؛ فهو نذير، وآلم؛ فهو أليم، وأسمع؛ فهو سميع، ومنه قول الشّاعر:
2176 - أمن ريحانة الدّاعي السّميع... يؤرّقني وأصحابي هجوع 2
أي: الدّاعي المسمع.
وقد بني أيضا من «أفعل» «مفعال»، كمعطاء، ومهداء، ومعوان، ومهوان، وندر بناء فعول ذي المبالغة، من «أفعل»، في قول الشاعر يصف ناقة جهول:
2177 - جهول، وكان الجهل منها سجيّة... غشمشمة للقائدين زهوق 3
أي: كثيرة الإزهاق من يقودها، هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى وهو كلام شاف واف بالمقصود 4، ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أمور:
منها: أنك عرفت - من قول المصنف: يعمل اسم الفاعل غير المصغّر والموصوف دون تقييد بكون الوصف قبل العمل أو بعده، ومن قوله - في الشرح -: ووافق بعض أصحابنا الكسائيّ في إعمال الموصوف قبل الصفة - أنّ اسم الفاعل متى وصف لا يعمل، سواء أكان الوصف قبل العمل، أم بعده.
-
................................
لكنّ ابن عصفور يقول: إن المانع من عمل اسم الفاعل هو وصفه قبل العمل، وأما وصفه بعد العمل فسائغ؛ لأنه لم يوصف إلا بعد أن استحقّ العمل بشبه الفعل، ووصفه قبل العمل يبعد شبهه به، فلا يجوز: هذا ضارب ظريف، زيدا، ويجوز: هذا ضارب زيدا ظريف 1.
ومن ثمّ قال الشيخ في شرحه، عند ذكر هذه المسألة: هذا الذي ذكره - يعني المصنف - لا نعلم فيه خلافا، من أنّه إذا وصف بعد أخذه مفعوله، جاز ذلك، وليس وصفه، بعد أخذه معموله قادحا في عمله 2 انتهى.
والذي اختاره المصنف هو الذي يقتضيه النظر، وذلك أنّ العلة المانعة من عمل الموصوف إنما هي كون الوصف من خصائص الأسماء، كما أنّ التصغير كذلك، ولا شكّ أنه إذا اقترن بالاسم المشبه الفعل، ما هو من خصائص الأسماء، أزال اقترانه به ذلك الشبه.
ومعلوم أنّ اتصال الصفة بالموصوف، أشدّ من اتصال العامل بالمعمول، وإذا كان كذلك فلا فرق، أن يذكر الوصف مقدما على المعمول، أو مؤخرا عنه 3.
ومنها: أنّ من جملة شروط عمل اسم الفاعل الاعتماد - كما عرفت - إما على صاحب من مبتدأ، أو صاحب حال، أو موصوف، وإما على نفي، أو شبهه، من نهي، أو استفهام 4، وإنّما كان ذلك شرطا؛ لأنّ الاعتماد على النفي والاستفهام يقوّي في الاسم جانب الفعلية، وهذا ظاهر، وأما الاعتماد على صاحب فلأنّ الوصف لا يكون إلا بالمشتق، أو بما هو في حكمه وكذلك الحال أيضا لا يكون إلا بما هو كذلك، وأما الخبر فلأنّ المشتق منه يعامل معاملة الفعل، بدليل تحمّله للضمير.
ولا شكّ أن الخبر - إذا كان مشتقّا - هو المبتدأ في المعنى، فلولا أنّه جرى -
................................
مجرى الفعل، الذي هو غير المبتدأ في المعنى لما احتيج فيه إلى ذكر ضمير يعود إلى المبتدأ، أشار إلى هذا التعليل ابن عصفور 1، ولم يظهره لي ما ذكره، أما قوله: إن الوصف لا يكون إلا بالمشتق، وكذلك الحال أيضا فهذا إنما كان يفيد لو كان اسم الفاعل غير مشتق، فيقال: إنما ساغ عمله؛ لأنه وقع موقعا هو المشتق، لكنّ اسم الفاعل الذي الكلام فيه مشتق، فكيف نعلل اشتراط اعتماده على موصوف، أو ذي حال، بأنّ الوصف والحال لا يكونان [3/ 141] إلا بالمشتق.
وأمّا قوله: إنّ المشتقّ إذا وقع خبرا يعامل معاملة الفعل؛ فهذا إنما كان يفيد أنّه لو كان صالحا لا يحتمل ضميرا، وإنما عمله تشبيها له بالفعل، وليس الأمر كذلك؛ لأنّ المشتقّ من حيث هو مشتق يجب عمله في الضمير مع قطع
النّظر عن الفعل؛ لأنّ المشتقّ في الاصطلاح هو الدالّ على ذات قام بها معنى وإذا كان كذلك لم يتوجه ذكره، والذي ذكره غيره وهو أولى أنّه إنما اشترط اعتماد اسم الفاعل حال العمل على صاحب له؛ لأنّ ذلك أصل وضعه؛ لأنّه صفة في المعنى ولا بدّ من محكوم عليه، والمحكوم عليه به قد يكون مبتدأ وقد يكون موصوفا، ولا شكّ أنّ صاحب الحال حكمه حكم المبتدأ، وحكم الموصوف، فإنما اكتفى بالاستفهام والنفي إذا قدما ولم يحتج إلى اعتماد على صاحب؛ لأنهم لم يستعملوا الصفة قائمة مقام الفعل إلا في هذين الموضعين.
والذي يدلّ على أنّه موضوع موضع الفعل لا موضع الأسماء والصفات أنه يستقل بفاعله كلاما في قولنا: أقائم الزيدان، ولولا أنّه بمثابة قولك: أيقوم الزيدان؟
لم يستقل كلاما؛ إذ الصفة لا يثبت استقلالها بفاعلها، ولو قيل: إنّما اشترط في عمل اسم الفاعل الاعتماد على صاحبه، ليحقق كونه وصفا، فيتبين أنه يستحقّ العمل؛ إذ لو لم يكن خبرا ولا صفة ولا حالا لم تحقق وصفيته واحتمل أن يكون قد استعمل استعمال الأسماء كـ «والد» لكان أقرب.
ومنها: أنّ الأخفش والكوفيين لا يشترطون في إعمال اسم الفاعل الاعتماد، ومن ثمّ أجازوا: قائم «الزيدان»، و: قائم الزيدون؛ على أنّ «قائما» مبتدأ، وما بعده فاعل به 2، -
................................
واستدل الأخفش بقوله تعالى: وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها 1 في قراءة من رفع دانية 2.
والجواب عن ذلك ظاهر، والذي عليه الجمهور أنّ ذلك لا يجوز، قالوا: لأنّ اسم الفاعل لا يسوغ له العمل إلّا في موضع يسوغ فيه وقوع الفعل، قال ابن عصفور:
ولذلك منع النحويون أن يقال: هذان ضارب زيدا وتاركه، إذا أردت أن أحدهما يضربه والآخر يتركه؛ لأنّه لا يجوز أن يقع الفعل في موضعه، لا تقول: هذان يضرب زيدا ويتركه، وأنت تريد أنّ أحدهما يضربه، والآخر يتركه 3 انتهى.
وإنما عمل اسم الفاعل في «أقائم الزيدان؟» لما تقدّم تقريره.
ومنها: أنك قد عرفت أنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي ولم يكن صلة للألف واللام لا يعمل إلّا إذا قصد به حكاية الحال لكنّ المصنف لم يذكر مثالا للعامل محكيّا به الحال، والشاهد لذلك قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ 4 قال ابن عصفور: والدليل على أنّ اسم الفاعل إذا كان ماضيا وعمل دون ألف ولام كان المراد به حكاية الحال أنه لا يوجد عاملا إلّا في موضع يسوغ فيه الفعل المضارع، نحو قولنا: كان زيد ضاربا عمرا، فلا شكّ أنّ «ضاربا» معناه المضيّ، وأنت لو صرحت بالفعل فيه لقلت: كان زيد يضرب عمرا.
قال ابن عصفور: وقوع الماضي هنا قبيح، فلولا أنهم أرادوا حكاية الحال في هذا الموضع لما كان وجه لوقوع الماضي فيه، وكذلك قولك: جاء زيد واضعا يده على رأسه، فـ «واضعا يده على رأسه» في هذا الكلام ماض من جهة المعنى، واسم الفاعل قد عمل؛ لأنك لو أتيت بالفعل في موضعه لقلت: جاء زيد يضع يده على -
................................ رأسه قال: فدلّ ذلك على أنهم قصدوا حكاية الحال، وكذلك قول امرئ القيس: 2178 - ومجر كغلّان الأنيعم بالغ... ديار العدوّ ذي زهاء وأركان 1 فـ «بالغ» - فيه - بمعنى الماضي، بدليل قوله بعده: 2179 - سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان 2 وهو - مع ذلك - قد عمل؛ لأنك لو أتيت في موضعه بفعل مضارع لساغ، قال: فلّما رأينا اسم الفاعل، إذا كان بمعنى المضي لا يعمل إلّا في موضع يقع فيه الفعل المضارع دلّ ذلك على أنّه إنما عمل لقصد حكاية الحال قال: «وإذا ثبت ما ذكرناه لم يكن في الآية الشريفة حجّة؛ لأنّ قوله سبحانه تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ 3 جملة في موضع الحال 4. فقد وقع اسم الفاعل في موضع يقع فيه الفعل المضارع بدلا عنه، وإن كان من جهة المعنى ماضيا، ألا ترى أنك تقول: جاء زيد وأبوه يضحك، ولا يحسن أن -
................................
تقول: جاء زيد وأبوه ضحك، وإنّما كان يثبت ما قال الكسائيّ: لو جاء من كلامهم: هذا ضارب زيد أمس، ولا يحسن أن تقول: هذا يضرب زيدا أمس، قال: ومما يبين فساد مذهب الكسائي أنّ اسم الفاعل بمعنى الماضي، لو كان عاملا لم يتعرف بالإضافة، ولكنه يتعرف بها ولذلك وصف بالمعرفة، في قول الشاعر:
2180 - لئن كنت قد بلّغت عنّي وشاية... لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب 1
انتهى كلام ابن عصفور، ولا شكّ أن مذهب الكسائي في هذه المسألة باطل، لكن في إبطاله بما أنشده نظر، فإنّ الإضافة اللفظية يجوز فيها أن تصير معنوية إلا ما استثني، وحينئذ تعود الإضافة محضة فيحصل بها التعريف، وهو ذكر ذلك في كتبه.
بقي هنا أن يشار إلى مسألتين تتعلقان باسم الفاعل الذي معناه ماض:
إحداهما:
أنّ الخلاف المذكور في عمله إنما هو بالنسبة إلى المفعول به، أما رفعه الفاعل فالظاهر أنه لا بدّ منه، لكن من النحاة من منع رفعه [3/ 142] الفاعل أيضا وبه قال ابن جنّي، واختاره الشلوبين 2، والمتأخرون من المغاربة خلا ابن عصفور، هذا إذا كان الفاعل ظاهرا، فإن كان الفاعل مضمرا؛ فحكى ابن عصفور الاتفاق على أنه يرفعه.
قال الشيخ: وليس كذلك بل ذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أنّه لا يرفع المضمر أيضا، قال: والذي تلقيناه أنّه لاشتقاقه يتحمل الضمير 3. انتهى.
وأقول: لا يتوجه لي كون اسم الفاعل الماضي لا يرفع، وذلك أنّ المشتقّ بذاته من حيث هو مشتق يستلزم مرفوعا، فليس محله الرفع بمشابهة الفعل، بل العمل الذي يعمله لمشابهته الفعل إنما هو النصب، ومما يدل على ذلك أنّ اسم الفاعل الذي معناه ماض معنى الوصفية فيه باق، ولا يتصور وجود معنى الوصف دون من يقوم به ذلك، وإذا ثبت أنّه لا بدّ له من مرفوع يقتضيه لذاته؛ فلا فرق فيه بين أن يكون مضمرا أو ظاهرا.
-
................................ المسألة الثانية: أنّ اسم الفاعل الذي معناه ماض إذا أضيف، واقتضى بعد الإضافة من جهة المعنى مفعولا به، بأن يكون من فعل يتعدّى إلى مفعولين، جيء بذلك الذي يقتضيه بعد الإضافة منصوبا، كقولك: هذا معطي زيد درهما أمس، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، في كلام المصنف رحمه الله تعالى، وقد عرفت أنّ مذهب الجمهور أنّه منصوب بفعل مقدّر مدلول عليه باسم الفاعل وأنّ السيرافيّ يرى نصبه باسم الفاعل وإن كان بمعنى الماضي 1، وأنّ المصنف اختار مذهب الجمهور 2، وقد تعرض الشيخ في شرحه 3 لذكر المسألة فقال: ذهب الجمهور ومنهم الجرميّ 4، والفارسيّ 5، إلى أنّ الثاني منصوب بفعل مضمر يفسّره اسم الفاعل، ووقفوا في ذلك مع الأصل، وهو أنّ اسم الفاعل بغير «أل» لا يعمل إذا كان معناه ماضيا فالتقدير: أعطاه درهما، وذهب السيرافيّ والأعلم، وبعض المحققين، كالأستاذ أبي عليّ 6، وأصحابه إلى أنه منصوب باسم الفاعل، وإن كان بمعنى الماضي، قالوا: لأنه قوّى شبهه بالفعل هنا، وذلك أنه يطلب ما بعده من جهة المعنى ولا يمكن إضافته -
................................ إليه؛ لأنه قد اشتمل بإضافته إلى الأول فأشبه الفعل بهذا؛ لأنّ الفعل يطلب ما بعده، ولا يمكن إضافته إليه، وصار في ذلك كالمعرّف بالألف واللام، واستدلّ لصحة هذا القول باسم الفاعل من باب «ظنّ» إذا قلت: هذا ظان زيدا قائما أمس، فإنّه يطلب اسمية، ولا يجوز حذف أحدهما اقتصارا ولو نصبت «قائما» بمضمر لزمك حذف الثّاني، الذي يطلب «ظان» ولا يجوز حذفه اقتصارا، فيبقى حذفه اختصارا، والمحذوف اختصارا بمنزلة الثابت، فيلزم أن يكون اسم الفاعل عاملا فيه أو نقدر ذلك المحذوف عاملا فيلزم حذف الثّاني لاسم الفاعل ويرجع الكلام في ذلك إلى المحذوف الثّاني، ويتسلسل إلى ما لا نهاية له، وبهذا اعترض أبو الفتح 1 على أبي عليّ فسكت 2، وإذا لزم إعمال «ظان» بمعنى الماضي في الاسم الثّاني، وجب أن يعتقد أنّ الثاني منصوب بفعل مضمر، إلا أن يقول: إنّ العرب لا تقول: هذا ظانّ زيد قائما أمس، وإنها استغنت عنه بقولها: هذا ظنّ زيدا قائما أمس؛ لكن في هذا القول خروج عما عهد في الأفعال المتصرفة، من جواز بناء اسم الفاعل منها للحال والاستقبال، والمضي 3. قال الشيخ: وسألت شيخنا الأستاذ أبا الحسن ابن الضائع عن هذه المسألة، وذكرت له المذهبين، واعتراض ابن جني وسكوت أبي عليّ؛ فقال: سكوت أبي عليّ عنه استهزاء به، وتضعيف لاعتراضه لا قصور 4، والصحيح ما ذهب إليه أبو عليّ، ثم أملى عليّ ما نصّه: فإنّ قيل: هذا لا يتصور في باب الظن من قبيل أنّه لا يجوز فيه الاقتصار، وكذلك الاختصار؛ لأنّ المحذوف اختصارا كالمنطوق به، فإن قدرت عاملا لزم التسلسل، فالجواب من وجهين: أحدهما: أنّ قولهم: هذا ظان زيدا، إنما يكون على حد قولهم: ظننت بزيد، ثمّ جئت باسم الفاعل منه فقلت هذا ظانّ زيد وأصله ظان بزيد فلا يحتاج هذا إلى مفعولين ثمّ حذفت وأضفت فـ «زيد» في الموضعين ليس مذكورا على أنّه مفعول به بل على أنّه محل لوقوع الظن 5. -
................................
الوجه الثّاني: قال 1 وهو الذي انفصل به شيخنا أبو زكريا ابن ذي النّون 2 عما ألزم به أبو عليّ أنّ حذف الاقتصار وإنما يمتنع حيث لا يذكر المفعول الثاني أما إذا كان الكلام قد اشتمل على المفعولين معا وإن لم يذكر الثاني على أنه مفعول بذلك الفعل فإنّه يجوز كقولهم: ظننت أنّ زيدا منطلق؛ لمّا اشتمل الكلام على ذكر المفعولين معا وإن لم يكن لظننت إلا مفعول واحد هنا جاز، فكذلك مسألتنا قد اشتمل الكلام فيها على ذكر المفعولين معا وكذلك في الاشتغال، إذا قلت: أزيدا ظننته منطلقا فلا يحتاج هنا إلى تقدير مفعول ثان لظننت المحذوفة؛ لأنّ المفعول
الثّاني قد ذكر مع المفسر 3. انتهى.
قال الشيخ في الوجه الأول: هذا الوجه هو إحالة لصورة المسألة؛ لأنّ الخلاف إنما وقع في اسم الفاعل الماضي المضاف إلى المفعول الأول والجائي بعده المفعول الثاني منصوبا فهل ينسب العمل في الثاني إليه أو إلى فعل محذوف فلم يقع الخلاف [3/ 143] في هذا التركيب إلّا على هذا التقدير، وأما إجازته على أنه اسم فاعل من قولهم: ظننت بزيد، (أي: جعلته محلّ ظنّي ولا يتعدّى ذلك إلى مفعولين) 4؛ فليس المتنازع فيه، بل تخريج هذا التركيب على هذا التأويل هو اعتراف بصحّة الإلزام فنقلت:
قال: وأما الوجه الثاني، الذي انفصل به أبو زكريّا فقد تقدمه إلى مثله الأستاذ أبو جعفر أحمد بن أبي الحسن بن الباذش نقلت من خطه ما يدلّ على أنّ (سكنا) من قوله تعالى: وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً 5 منصوب بإضمار فعل، على ما ذهب إليه أبو عليّ 6 في قولهم: عبد الله أظنّه ذاهبا، ولولا قياس إحدى الجملتين بالأخرى ما جاز أن تقول: أظنّ عبد الله؛ لأنّ الاقتصار لا يجوز، ولكنّ الحذف لدلالة المفعول في الجملة الثانية 7. انتهى ما نقله الشيخ.
-
................................
وأقول:
أما الوجه الأول من وجهي جواب ابن الضائع، وهو أنّ «ظأنّا» - من قولنا:
هذا ظان زيد أمس قائما - ليس له عمل، ولا يحتاج إلى مفعول، فقد قرره المصنف على وجه أولى من الوجه الذي قرره ابن الضائع عليه، وهو أنّ إضافته ليست على نية العمل، فيطلب مفعولا ثانيا، ولكنّ إضافته كإضافة اسم
جامد، وكاستعماله غير مضاف في نحو: هذا ظان أمس زيدا فاضلا، على نصب: «زيد، وفاضل» بـ «ظنّ» مدلولا عليه باسم الفاعل، ثمّ إنه لا يتوجه عليه ما اعترض به الشيخ على ابن الضائع 1، من أنّ هذا تركيب آخر، وهب أنّ هذا الجواب يتمشّى له في: هذا ظان زيد أمس قائما، فكيف يتأتّى له جوابا على حذف المفعول الأول للفعل المقدر، الذي هو «ظنّ»؟ فانظر إلى هذا الرجل - أعني المصنف - كيف أتى بجواب شاف، فتضمّن أن اسم الفاعل، الذي هو «ظان»، لا مفعول له البتة، وأنّ المفعول الأول الذي هو معمول للفعل المقدّر حذف؛ للدلالة عليه بالمضاف إلى «ظان»، وهو «زيد»، وابن الضائع لم يتعرض إلى الجواب عن حذف أول مفعولي الفعل المقدّر أصلا.
وأمّا الوجه الثاني المنقول عن الشّيخ أبي زكريّا، وهو أنّ حذف الاقتصار إنما يمتنع حيث لا يذكر المفعول الثاني، أما إذا اشتمل الكلام على معمولين معا، وإن لم يذكر الثاني على أنه مفعول بذلك الفعل فإنه يجوز، كقولهم: ظننت أنّ زيدا منطلق، إلى آخره؛ ففيه بحث، وهو أن يقال: أما نحو: ظننت أنّ زيدا منطلق فالجملة المشتملة على المسند إليه والمسند واحدة، وما اشتملت عليه مفيد ما يفيده التصريح بذكر المفعولين، فاكتفى بذلك عن مفعول ثان، وأما المسألة التي الكلام فيها، وهي: هذا ظان زيدا أمس قائما، فقد قرر أنّ التقدير فيها: ظنّه أمس قائما، فـ «قائم» الذي هو المفعول الثاني للفعل المقدّر من جملة أخرى مستقلة، فكيف يكون مكتفى به عن ثاني مفعولي «ظانّ» من قولنا: هذا ظانّ زيد أمس، وهو من جملة أخرى لا تعلق لها بالثانية.
وحاصل الأمر: أنّه لا يلزم من الاكتفاء بالمسند إليه، والمسند، عن المفعول الثاني إذا حلّا محلّ المفعول الأول في جملة واحدة، أن يحصل الاكتفاء بهما عنه في جملتين.
-
................................
فإن قيل: يدلّ على الاكتفاء بذلك في جملتين مسألة الاشتغال، وهي: أزيدا ظننته منطلقا، فإن التقدير: أظننت زيدا منطلقا ظننته منطلقا، فحذف المفعول الثاني من الجملة الأولى، لاشتمال الجملة الثانية عليه، فالجواب: أنّ الجملة الثانية في الاشتغال مفسرة للجملة الأولى، والمفسّرة في باب الاشتغال هي المفسّرة نفسها، ومن ثم لم يجز الجمع بينهما، وكان شرط العامل المقدّر أن يضمر عمله في الاسم السابق، لو سلّط عليه، وإذا كان كذلك فكأنّ الجملة الثانية هي الجملة الأولى، فالمذكور فيها كالمذكور في الجملة التي قبلها، ثمّ هذا البحث، على أنّ الحذف في مسألة اسم الفاعل حذف اقتصار، أمّا الحذف اختصارا فقد عرفت أنّهم أبطلوه، لما لزم من القول به التسلسل، كما مرّ، وفي النفس - من منع الحذف اختصارا - شيء، ولكنّ الأئمة قد قرروه، فلم يسغ إلا التسليم.
واعلم أنّ أبا الحسين 1 بن أبي الربيع أنكر مجيء نحو: هذا ظانّ زيد أمس شاخصا، قال: وإنما يقول العرب: هذا الظان زيدا أمس شاخصا؛ لأنك إن نصبت «شاخصا» بإضمار فعل كنت قد اقتصرت على واحد، ولا يجوز في باب «ظنّ»، وإن نصبته بـ «ظان» أعملت اسم الفاعل، بمعنى الماضي، وهذا لم يثبت.
قال 2: وكان الأستاذ أبو عليّ يأخذ في الانفصال عنه 3 بوجهين:
أحدهما: أنّ العرب لا تقول: هذا ظانّ زيد أمس شاخصا، وإنما تقول: هذا الظانّ زيدا أمس شاخصا 4.
ثانيهما: أن يفرق بين باب «ظننت» فينصب باسم الفاعل؛ لعدم جواز -
................................ الاقتصار، وبين باب «أعطيت» فينصب فيه بإضمار فعل؛ لجواز الاقتصار. ومنها: أنّ الكوفيين منعوا إعمال أمثلة المبالغة، كما أشار المصنف إلى ذلك في متن الكتاب، ومستند الكوفيين في عدم إعمالها أنها ليست جارية على الفعل، وإنما هي جارية مجرى الأسماء التي يمدح بها ويذمّ، وعندهم أنّ ما يذكر بعدها يجرّ بإضافتها إليه، فإن نوّن شيء منها، ونصب ما بعده كان نصبه بإضمار فعل يدل على الصفة، ومن ثمّ لم يجيزوا تقديم المنصوب على الصفة؛ لأنّ الصفة دالة على الفعل الناصب له، وباب الدليل أن يكون متقدما على ما يدل عليه 1. [3/ 144] واستدلّ ابن عصفور على بطلان دعواهم بأنّها لو كانت عاملة النصب فيما بعدها لوجب أن تتعرف بالإضافة إلى معرفة؛ لأنها عندهم ليست من نصب، لكنها تضاف إلى المعرفة، ولا تتعرّف، قال الشاعر: 2181 - أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها... وليس بولّاج الخوالف أعقلا 2 فوصف «ولّاج الخوالف» مع كونه مضافا إلى معرفة بـ «أعقل» وهو نكرة. وقال الآخر: 2182 - ربّ ابن عمّ لسليمى مشمعل... طبّاخ ساعات الكرى زاد الكسل 3
................................ فـ «طباخ» نكرة، بدليل وصف «ابن عمّ» به، مع كونه مضافا إلى معرفة، وهي: إما «ساعات الكرى»، في رواية من نصب «زاد الكسل»، وإمّا «زاد الكسل» في رواية من خفضه، قال: وأما منعهم تقديم المفعول فباطل أيضا بدليل قول الشاعر: 2183 - قلا دينه واهتاج للشّوق إنّها... على الشّوق إخوان العزاء هيوج 1 وقول الآخر: 2184 - بكيت أخا لأواء يحمد يومه... كريم رؤوس الدارعين ضروب 2 قال 3: وأمّا البصريّون فاتفقوا على جواز إعمال: «فعول، وفعّال، ومفعال»؛ لكثرة ورودها في كلام العرب معملة، واختلفوا في إعمال: «فعل، وفعيل»، فمذهب سيبويه ومن تابعه الجواز، ومنع ذلك البغداديون، ونازعوا فيما استدلّ به سيبويه على الإعمال 4، أشار إلى ذلك ابن عصفور، وأطال، وقد تقدّم من كلام -
................................
المصنف في ذلك ما فيه غنية.
قال الشيخ: والإنصاف في هذه المسألة القياس على «فعول، وفعّال، ومفعال»، والاقتصار في «فعيل وفعل» على موارد السّماع 1.
ومن النحويين من أجاز هذه الأمثلة، وإن كان معناها ماضيا، قال: لما فيها من قوة معنى الفعل، بسبب المبالغة، وإلى ذلك ذهب ابن خروف 2 من المتأخرين مستدلّا بقول الشاعر:
2185 - كريم رؤوس الدّارعين ضروب
قال: لأنه يرثي رجلا شجاعا، فمدحه بما ثبت واستقرّ، والجواب أنّ هذا إنما هو على حكاية الحال 3.
ومنها: أنّ الموجب لقول الأخفش: إنّ نصب ما بعد اسم الفاعل المقرون بـ «أل» إنما هو على التشبيه بالمفعول به؛ أنّه يرى أنّ «أل» التي باشرت اسم الفاعل إنما هي للتعريف، كما هي في «الرجل»، فخالف الجمهور في القول بأنها اسم موصول 4، وإذا كانت حرف تعريف كان دخولها على اسم الفاعل مبطلا لعمله كما يبطله التصغير والوصف؛ لأنّه يبعد عن الفعل بمباشرة ما هو من خواصّ الأسماء له: فلذلك احتاج أن يقول: إن النصب على التشبيه بالمفعول به، ولا شكّ أنّ هذا المذهب مرغوب عنه، وقد ذكرت الأدلة على بطلانه في غير هذا الموضع 5.
[إضافة اسم الفاعل المجرّد من «أل» إلى المفعول أو ما يشبه المفعول - إضافة المقرون بالألف واللام - حكم المعطوف على مجرور ذي الألف واللام]
قال ابن مالك: (يضاف اسم الفاعل المجرّد الصّالح للعمل إلى المفعول به جوازا، إن كان ظاهرا متّصلا، ووجوبا إن كان ضميرا متّصلا، خلافا للأخفش وهشام في كونه منصوب المحلّ، وشذّ فصل المضاف إلى ظاهر بمفعول، أو ظرف، ولا يضاف المقرون بالألف واللّام إلّا إذا كان مثنّى أو مجموعا على حدّه، أو كان المفعول به معرّفا بهما، أو مضافا إلى معرّف بهما، أو إلى ضميره، ولا يغني كون المفعول به معرّفا بغير ذلك، خلافا للفرّاء، ولا كونه ضميرا، خلافا للرّماني، والمبرّد، في أحد قوليه، ويجرّ المعطوف على مجرور ذي الألف واللّام إن كان مثله، أو مضافا إلى مثله، أو إلى ضمير مثله، لا إن كان غير ذلك، وفاقا لأبي العبّاس).
قال ناظر الجيش: لما أنهى المصنف الكلام على اسم الفاعل، بالنسبة إلى نصبه المفعول به، وعدم نصبه إياه، شرع الآن في بيان إضافة العامل منه إلى معموله، ولا شكّ أنّ إضافته بحسب مواقعه جائزة، وواجبة، وممتنعة 1، فتجوز في صورتين:
إحداهما: أن يكون اسم الفاعل مجردا من الألف واللّام، ومعموله ظاهر متصل باسم الفاعل، أي: غير مفصول بينهما بشيء، نحو: زيد مكرم عمرو 2.
الثانية: أن يكون اسم الفاعل مقرونا بالألف واللام، وهو مثنّى أو مجموع على - - (199 / أ)، والمساعد لابن عقيل (151 / أ) مخطوط.
وفي التذييل والتكميل (4/ 819): (وردّ هذا المذهب بأن المنصوب بالصفة المشبهة لا يكون إلا سببيّا، مشروطا فيه شروط تذكر في باب الصفة المشبهة، وهذا ينصب السببي والأجنبي، نحو: مررت بالضارب غلامه، وبالضارب زيدا.
وردّ أيضا بأن اسم الفاعل بمعنى الماضي لو كان المنتصب بعده، على طريق التشبيه لجاز أن ينتصب الاسم بعده، وإن لم تدخل عليه «أل» فلما لم ينتصب بعده دل على بطلان مذهبه، وتبين أنه مفعول باسم الفاعل) اهـ.
................................ حدّه، نحو: هذان الضاربا زيد، وهؤلاء المكرمو عمرو، أو يكون المعمول معرفا بالألف واللام، أو مضافا إلى معرّف بهما، أو إلى ضمير معرّف بهما، نحو هذا الضارب الرجل، والمكرم غلام الرجل، والرجل أنت الضارب غلامه 1. [3/ 145] وتجب في صورة واحدة: وهي أن يكون اسم الفاعل مجردا من الألف واللام، والمعمول ضمير متصل بالعامل، أي لم يفصل بينهما بشيء، نحو: زيد مكرمك، والزيدان مكرماك، والزيدون مكرموك 2، فلو فصل بينهما بمعمول آخر كانت الإضافة إلى ذلك المعمول، ووجب النصب في المعمول الثاني نحو: الدّرهم أنا معطيكه 3، وتمتنع في صورتين: إحداهما: أن يكون اسم الفاعل غير مثنّى، ولا مجموع على حده، وهو مقرون بالألف واللام، والمعمول ظاهر، ليس فيه ألف ولام، ولا مضافا إلى ما هما فيه، ولا إلى ضمير ما هما فيه، نحو: هذا الضارب زيدا والمكرم رجلا 4. الثانية: أن يكون اسم الفاعل غير مثنّى، ولا مجموع على حدّه، وهو مقرون بالألف واللام، والمعمول ضمير، نحو: هذا المكرمك 5، وهذه الصور في بعضها خلاف، كما أشار إليه المصنف في متن الكتاب، وستعرفه، ولكنّ الذي نشير إليه، -
................................
إنما هو على أصحّ المذاهب فيها، كما سيبين، ثم إنّ المصنف أشار - مع ذكر هذه المسائل، في هذا الفصل - إلى أمرين آخرين:
أحدهما: الفصل بين اسم الفاعل، وما أضيف إليه، من معموله الظاهر.
ثانيهما: حكم المعطوف على مجرور اسم الفاعل المقرون بالألف واللّام بالنسبة إلى جواز جره، وعدم جوازه.
وبعد: فأنا أورد كلام المصنف ليعرف منه تفصيل ما وقعت الإشارة إليه إجمالا، ثم إن تعلق به شيء ذكرته بعد ذلك.
قال - رحمه الله تعالى - 1: اسم الفاعل المجرّد هو العاري من الألف واللّام، وذكره مخرج للمقرون، وذكر الصالح للعمل مخرج للمجرّد الذي أريد به المضي 2، ومدخل للمحوّل إلى أحد أبنية المبالغة؛ فإن اسم الفاعل واقع عليه بعد التحويل.
والحاصل: أنّ اسم الفاعل المشار إليه ذكر بعده مفعول به ظاهر متصل جاز نصبه بمقتضى المفعولية، وجرّه بمقتضى الإضافة، وإن كان المفعول به ضميرا متصلا وجب كونه مجرورا بالإضافة.
فمثال ذي الوجهين لكون المعمول ظاهرا متصلا قوله تعالى: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ 3، وقوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ 4.
ومثال ذي الوجه الواحد - لكون المعمول ضميرا متصلا - قولك: هذا مكرمك، وهذان مكرماك، وهؤلاء مكرموك، فالكاف - في الأمثلة الثلاثة - وشبهها في موضع جرّ، على مذهب سيبويه، وأكثر المحققين 5، وهو الصحيح؛ لأن الظاهر هو الأصل، والمضمرات نائبة عنه، فلا ينسب إلى شيء منها إعراب؛ لا ينسب -
................................
إليه، إلا إذا كان المضمر بلفظ غير صالح لإعراب الظاهر، كالكاف والهاء من:
لولاك ولولاه؛ فإنّ الجرّ منسوب إليهما عند سيبويه مع أنّه إعراب غير صالح للظاهر، الذي وقع موقعه، وحمله على ذلك أنّ لفظ الكاف والهاء غير صالح للرفع، بل للنصب والجر، ولكنّ النصب ممتنع لامتناع لازمه، وهو أن يقال: لولاني دون لولاي، وإنما يقال: لولاي، دون لولاني، فتعين الحكم بالجر.
وزعم الأخفش، وهشام 1 الكوفي أنّ كاف «مكرمك» وشبهه في موضع نصب؛ لأنّ موجب النصب المفعولية، وهي محققة، وموجب الجر الإضافة، وهي غير محقّقة؛ إذ لا دليل عليها إلا حذف التنوين، ونوني التثنية والجمع، ولحذفهما سبب غير الإضافة، وهو صون الضمير المتصل من وقوعه منفصلا 2، وهذه شبهة، تحسب قوية، وهي ضعيفة؛ لأنّ النصب الذي تقتضيه المفعولية لا يلزم كونه لفظيّا، بل يكتفى فيه بالتقدير، فلذلك جاز أن يراد بعض حروف الجر، مع بعض المفعولات، نحو: رَدِفَ لَكُمْ 3، وخشّنت بصدره 4، ولولا ذلك لامتنعت إضافة اسم الفاعل إلى المفعول به الظاهر، وأيضا؛ فإنّ عمل الأسماء النصب أقلّ من عملها الجرّ، فينبغي - عند احتمال النصب والجر في معمول اسم - أن يحكم بالجر، حملا على الأكثر.
وأمّا جعل سبب حذف التنوين والنونين صون الضّمير المتّصل من وقوعه منفصلا فمستغنى عنه لوجهين:
أحدهما: أن حذفه للإضافة محصّل لذلك فلا حاجة إلى سبب آخر.
-