الباب السادس والخمسون باب همزة الوصل
[مواضع همزة الوصل]
قال ابن مالك: (وهي المبدوء بها في الأفعال الماضية الخماسيّة والسّداسيّة ومصادرها والأمر منها ومن الثّلاثيّ السّاكن ثاني مضارعه لفظا عند حذف أوّله، وفي «ابن» و «اثنين» و «امرئ» وإناثها، و «اسم» و «است» و «ابنم» و «ايمن» المخصوص بالقسم والمبدوء بها «أل» 1 وتفتح مع هذين وتضمّ مع غيرهما قبل ضمّة أصليّة موجودة أو مقدّرة، وتشمّ قبل المشمّة، وتكسر فيما سوى ذلك، وقد تكسر في «ايمن» وربّما كسرت قبل الضّمّة الأصليّة وأصلها الكسر على الأصح).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: لما فرغ من استيفاء أبنية الأفعال وعلم المبدوء منها بهمزة، وما ليس كذلك، واحتيج إلى تبيين همزة الوصل 3 استعين على ذلك بالإحالة على ما تقدم، فاحترز بذكر «الماضية» من همزة المتكلم فإنها همزة قطع في الأفعال كلها 4.
واحترز بـ «الخماسية والسداسية» من الرباعي الذي وزنه «أفعل» كـ «أكرم»، و «فاعل» كـ «آخذ» ماضي «يؤاخذ»، ومن الثلاثي الذي أوله همزة كـ «أخذ» 5، وأمثلة الخماسي والسداسي قد ذكرت فلا حاجة إلى ذكر شيء منها، وقد علم أن كل مثال منها مفتوح الثالث، فإذا قصد مصدره كسر ثالثه وزيد قبل آخره ألف، وترك ما سوى ذلك على ما كان عليه عند قصد الفعلية إلا أن -
الجزء: 8 - الصفحة: 3777
................................
يكون ذا إدغام مع الفعلية فيجب مع المصدرية الفكّ من أجل الألف كقولك في ما لا إدغام فيه: استمع استماعا، واستخرج استخراجا، وفي ما فيه إدغام: اشتدّ اشتدادا، واستعدّ استعدادا.
ومثال المبدوء بهمزة وصل من أمر الخماسي والسداسي: استمع واستخرج، وقد سبق الكلام على كيفية صوغ فعل الأمر، وبيان ما هو منه مفتقر لهمزة الوصل 6 فردت الآن بيانا بالتنبيه على الأمر من الخماسي والسداسي، ثم نبهت على الأمر من الثلاثي، وقيدته بسكون ثاني حرف المضارعة منه لفظا عند حذف أوله، فعرف بذلك أن الأمر من: يعلم ويضرب ويخرج: اعلم، واضرب، واخرج، وكذلك ما أشبهها، وقد عرف ذلك أيضا من الفصل السابق، ولكن زيادة البيان أحوط.
وخرج بتقييد السكون باللفظ المحرك ثانيه لفظا لا تقديرا كـ «يقوم» و «يردّ» و «يرى» و «يسيل» فإن ثوانيها محركة لفظا مسكنة تقديرا، فلو لم يقيد السكون باللفظ لتناولت العبارة ما هو مستغن عن همزة الوصل من المحرك ثانيه لفظا المسكن تقديرا.
وخرج بقولي: «عند حذف أوّله» خذ، وكل، ومر، وكان حقّها أن يقال فيها: أؤخذ وأؤكل وأؤمر كما يقال في الأمر من: أثر الحديث وأجر الأجير: أؤثر، وأؤجر، لكن كثر استعمال الأفعال الثلاثية فحذفت الهمزة في الأمر منها على غير قياس 7، وللكلام على الحذف موضع هو أولى من هذا.
ولما حصرت مواقع همزة الوصل في الأفعال والمصادر كمّلت ذلك بضبط مواقعها الباقية وهي: «ابن» و «ابنة» و «اثنان» و «اثنتان» و «امرؤ» و «امرأة» و «اسم» -
الجزء: 8 - الصفحة: 3778
................................
و «است» و «ابنم» و «ايمن» المخصوص بالقسم و «أل» موصولة كانت أو معرّفة، أو زائدة 8.
وقيّد «ايمن» بكونه المخصوص بالقسم احترازا من: «أيمن» جمع يمين 9، وقد تقدم الكلام في باب «القسم» على «ايمن» مكمّلا لكن بعد العهد به فلم أر بأسا بإعادة بعض ذلك تأكيدا للبيان، وتوقّيا للنسيان.
ولما كان سبب الإتيان بهمزة الوصل التوصل إلى الابتداء بالنطق بالساكن وجب كونها متحركة كسائر الحروف المبدوء بها، وأحق الحركات بها الكسرة 10 لأنها راجحة على الضمة، بقلة الثقل، وعلى الفتحة بأنها لا توهم استفهاما، بخلاف الفتحة فإنها توهمه، فإنه لو قيل في «اصطفى»: أصطفى والاستفهام غير مراد لكان لفظه كاللفظ به والاستفهام مراد، فإذا قيل في الإخبار: اصطفى - بالكسر - وفي الاستفهام: أصطفى - بالفتح - أمن الإيهام وتأكّد الإفهام.
وفي فتح همزة الوصل أيضا محذور آخر: وهو تأديته إلى التباس الأمر بالمضارع المسند إلى المتكلم، وذلك أنه لو قيل في الأمر بالانطلاق: أنطلق بفتح الهمزة لتوهّم أنه مضارع [5/ 16] مسند إلى المتكلم، ولا يكفي الفرق بالسكون، فإن المضارع قد يسكن في موضع الرفع تخفيفا كتسكين أبي عمرو وَيَنْصُرْكُمْ 11 وأخواته 12.
ولما استحقت همزة الوصل الكسر في الأفعال كسرت أيضا في الأسماء لتجري على سنن واحد، فإن عرض في ما يلي الساكن الذي جيء بها لأجله ضمّة لازمة -
الجزء: 8 - الصفحة: 3779
[أحكام خاصة بهمزة الوصل]
قال ابن مالك: (فصل: لا تثبت همزة الوصل غير مبدوء بها إلّا في ضرورة، ما لم تكن مفتوحة تلي همزة استفهام
فتبدل ألفا أو تسهّل، وثبوتها قبل حرف التّعريف المحرّك بحركة منقولة راجح، ويغني عنها في غيره، وشذّ في «سل» اسل، وإن اتّصل بالمضمومة ساكن صحيح أو جار مجراه جاز كسره وضمّه).
ضمّت هي إتباعا وتخلّصا من تتابع كسر وضم، وبعض العرب يغتفر ذلك لأجل الانفصال بالساكن، والضمّ هو المأخوذ به حتى في نحو: «اغزي» إتباعا للضمة المنوية قبل الياء 13.
ومن أشمّ في «اختير» و «انقيد» لزمه الإشمام في الهمزة 14.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 15: مثال ثبوتها غير مبدوء بها في الضرورة: قول الشاعر 16:
3574 - إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه... بنثّ وتكثير الحديث قمين 17
ومثال إبدالها ألفا لكونها مفتوحة بعد همزة استفهام: قوله تعالى: آلذَّكَرَيْنِ -
الحديث: 3574 - الجزء: 8 - الصفحة: 3780
................................ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ 18 وكان حقّها أن تحذف كما يحذف غيرها من همزات الوصل إذا وليت همزة الاستفهام نحو: أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ 19 إلا أنها لو حذفت لم يعلم أن الباقية همزة استفهام لأنها مفتوحة، واللفظ بالاستفهامية في موضعها كاللفظ بها دون استفهام فلو لم تبدل أو تسهل بعد همزة الاستفهام لكان الاستفهام لا يعرف به، والمشهور إبدالها ألفا، وقد تسهل كقول الشاعر: 3575 - وما أدري إذا يمّمت أرضا... أريد الخير أيّهما يليني الخير الّذي أنا مبتغيه... أم الشّرّ الّذي هو يبتغيني 20 وكقول الآخر: 3576 - الحقّ إن دار الرّباب تباعدت... أو انبتّ حبل أنّ قلبك طائر 21 وإذا نقلت حركة همزة إلى الساكن الذي جيء بهمزة الوصل لأجله استغني عن همزة الوصل كقول بعض العرب: «ن نؤيك» يريد: انأ نؤيك أي: أصلحه 22. -
الحديث: 3575 - الجزء: 8 - الصفحة: 3781
................................ وكذا يقال لمن يؤمر بالنّأي: ن عنّي، والأصل: انأ فنقلت حركة الهمزة إلى النون، واستغني عن همزة الوصل كما استغني في الإدغام إذا قلت في اردد: ردّ، وشذ قول بعض العرب في سل: اسل 23، فلو كان الساكن المنقول إليه الحركة لام «أل» لجاز حذف الهمزة وثبوتها، والثبوت أجود لأن استعماله في القراءة أشهر 24. وإذا اتصل بهمزة الوصل المضمومة ساكن صحيح أو جار مجرى الصحيح 25 حذفت وكسر الساكن أو ضمّ 26 نحو: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ 27، وأَنِ اقْتُلُوا، أَوِ اخْرُجُوا.
الجزء: 8 - الصفحة: 3782