تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 3503-3523

الباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسق

صفحات 3503-3523

................................  وذكر الشيخ هنا فرعا.
وهو أنك تقول: رويدك أنت وزيد فلا تعطف على الضمير المستكن في رويدك إلا بعد تأكيده.
قال: ولم يعتدوا بالكاف فاصلة لأنها قد تنزلت منزلة الجزء مما قبلها وصارت كنا وأنت من أنا.
قال: وإذا كانوا لا يعطفون على تم من قمتم وزيد لاتصاله بما قبله مع أنه المعطوف عليه فأحرى أن لا يعطف مع هذا 1. ومنها: أن المصنف ذكر في العطف على ضمير الجر مذهبين.
جواز ترك إعادة الجار مع المعطوف ووجوب إعادته.
فذكر الشيخ مذهبا ثالثا وهو جواز ترك إعادة الجار في الكلام أن أكد الضمير نحو مررت بك أنت وزيد وإن لم يؤكد الضمير فلا يجوز 2. قال: وهذا مذهب الجرمي والزيادي 3. ثم إنك قد عرفت من كلام المصنف أن إعادة الجار مع المعطوف مختارة لا واجبة وأن ذلك مذهب يونس والأخفش والكوفيين.
وقد أطال الشيخ الكلام في المسألة بما نقله عن النحاة 4 ثم قال: والذي أختاره في المسألة جواز العطف لفساد العلل التي ذكروها ولا يلتفت إليها على تقدير صحتها لمصادمتها النص من لسان العرب.
ثم استدل على ذلك بما استدل به المصنف من السماع والقياس على التوكيد منه والبدل، وأنشد بيتا زائدا على ما أنشده المصنف وهو قول الشاعر: 3352 - وقد رام آفاق السّماء فلم يجد... له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا 5 ثم إنه ذكر أن لولا تجر المضمر في مذهب سيبويه 6 قال: فلو عطفت على مجرورها مظهرا لم يجز لما يلزم من جر لولا المظهر وهو لا يجوز.
قال: وعلى هذا ينبغي أن يفيد العطف على الضمير المجرور بأن يكون الحرف ليس مختصّا -

................................  بجر الضمير 1. ومنها: أنك قد عرفت قول المصنف: وأجمعوا على منع العطف على عاملين إن لم يكن أحدهما جارّا وكذا إن كان أحدهما جارّا وفصل المعطوف من العاطف بغير لا.
ويعضد نقل المصنف الإجماع في هذه المسألة ما ذكره الشيخ بهاء الدين بن النحاس - رحمه الله تعالى - وهو أنه في قول ابن الحاجب: وأما الذين أجازوا العطف على عاملين مطلقا 2 قال: «ما ذكره - يعني - ابن الحاجب من جواز العطف على عاملين مطلقا مذهب لم أر أحدا حكاه غيره مع جهدي في الكشف عن هذا المذهب.
وكذلك قال شيخه ابن عمرون رحمهما الله تعالى» 3. لكن الشيخ قال: إن الذي قاله ابن الحاجب ذكره الفارسي في بعض كتبه عن قوم من النحويين ثم إنه أطال الكلام في المسألة 4. ولكنه أشار في الارتشاف إلى ذكر ما بسطه في الشرح فاقتصرت على إيراده.
قال رحمه الله تعالى: «لا يجوز نيابة حرف العطف عن أكثر من عاملين.
وتصوير ذلك أن تقول: أن زيدا في البيت على فراش والقصر نطع عمرا.
التقدير: وإن في القصر على نطع عمرا.
فنابت الواو مناب إن ومناب في ومناب على.
ومثل ذلك: جاء من الدار إلى المسجد زيد والحانوت البيت عمرو نابت الواو مناب جاء ومناب من ومناب إلى إذ التقدير: وجاء من الحانوت إلى البيت عمرو.
فلو نابت مناب عاملين فمذاهب: أحدها: القول بالجواز مطلقا، سواء أكان أحد العاملين جارّا أم لم يكن، فإن لم يكن جارّا نحو: كان آكلا طعامك زيد وتمرا عمرو.
أي: وكان آكلا تمرا عمرو.
فذكر ابن مالك في شرحه الإجماع على منع ذلك، وليس بصحيح، بل ذكر الفارسي في بعض كتبه جواز ذلك مطلقا عن قوم من النحويين ونسب إلى الأخفش.
وإن كان أحد العاملين جارّا فقال المهدوي 5: إن تأخر المجرور نحو: زيد في الدار وعمرو القصر -

................................  لم يجزه أحد 1. وليس كما ذكر، بل من أجاز ذلك مطلقا أجاز هذه الصورة.
ونص بعضهم على أنه لا بد في العطف على من أن يكون أحدهما جارّا، وإذا كان أحدهما جارّا وتقدم [4/ 173] المجرور والمعطوف فالمشهور عن سيبويه المنع مطلقا 2. ونقل عنه أبو جعفر النحاس الجواز.
وأما الأخفش فعنه في هذه الصورة قولان: أحدهما: الجواز مطلقا وهو المشهور عنه وهو مذهب الكسائي والفراء والزجاج وتبعهم من أصحابنا أبو جعفر بن مضاء 3 وأبو بكر بن طلحة 4. والقول الثاني: المنع ذكره في كتاب «المسائل» 5 له وهو مذهب هشام والمبرد وابن السراج 6. فعلى المشهور من مذهب الأخفش ومن تبعه يجوز ذلك.
وسواء أكان المجرور متقدما في المعطوف عليه نحو: إن في الدار زيدا والحجرة عمرا.
أم متأخرا نحو: إن زيد في الدار والحجرة عمرا.
وفصل قوم بين أن يتقدم المجرور في المتعاطفين معا فيجوز نحو: إن في الدار زيدا والقصر عمرا، أو لا فيمتنع نحو: إن زيدا في الدار والحجرة عمرا 7 فتحصل في هذه المسألة مذاهب.
القول بالجواز مطلقا والقول بالمنع مطلقا والتفصيل بين أن يكون أحد العاملين جارّا فيجوز أو ليس جارّا فيمتنع.
وإذا كان جرّا فمذهبان.
إن تقدم المجرور والمعطوف جاز وإلا فيمتنع.
والثاني: إن تقدم المجرور في المتعاطفين جاز وإلّا فلا.
انتهى.
واعلم أنا لم نستفد من ذلك إلا ذكر خلاف في صور المسألة.
والذي ذكره المصنف كاف؛ لأنه جرى نصّا وتمثيلا على ما قال الشيخ أنه الأصح في كل صورة -

[من أحكام الواو، والفاء، وأم، وأو

....] قال ابن مالك: فصل: (قد تحذف الواو مع معطوفها ودونه، وتشاركها في الأوّل الفاء و «أم»، وفي الثّاني «أو» ويغني عن المعطوف عليه المعطوف بالواو كثيرا وبالفاء قليلا، ونذر ذلك مع «أو».
وقد يقدّم المعطوف بالواو للضّرورة، وإن صلح لمعطوف ومعطوف عليه مذكور، بعدهما طابقهما بعد الواو، وطابق أحدهما بعد «لا» و «أو» و «بل» و «لكن».
وجاز الوجهان بعد «الفاء»، و «ثمّ»).
من صور المسألة على أنه قال آخرا: والأصح المنع مطلقا وأن ما أوهم الجواز كان جره بمحذوف مدلول عليه بما قبل العاطف وإذا كان الأصح هو المنع على الإطلاق حصل الاستغناء عن تفاصيل تذكر.
واعلم أن الشيخ قال: في قول المصنف: واتصل المعطوف بالعاطف يحتاج أن يقيده فيقول: واتصل المعطوف المجرور بالعاطف لأن غير المجرور لو اتصل بالعاطف لا يجيزه الأخفش نحو: إن في الدار زيدا وعمرا الحجرة 1. قال ناظر الجيش: اشتمل كلامه هذا على مسائل أربع: الأولى: أن كلّا من أربعة الأحرف أعني الواو والفاء وأم وأو [قد تحذف] لكن الواو قد تحذف مع معطوفها وقد تحذف هي دون معطوفها، والفاء وأم قد يحذف كل منهما لكن مع معطوفه، وأو قد تحذف لكن دون معطوفها.
فمن أمثلة حذف الواو مع معطوفها: قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ 2 أي تقيكم الحر والبرد ومنه: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ 3 أي ولم تعبدني والتعبد: الاستعباد، ومنه: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ 4 أي ومن أنفق من بعده وقاتل.
ومنه: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ 5 أي بين أحد وأحد، ومثله قول النابغة الذبياني: -

................................  3353 - فما كان بين الخير لو جاء سالما... أبو حجر إلّا ليال قلائل 1 أي فما كان بين الخير وبيني إلّا ليال قلائل، ومنه قول امرئ القيس: 3354 - كأنّ الحصى من خلفها وأمامها... إذا نجلته رجلها خذف أعسرا 2 ومنه قول الراجز يصف رجلا خشن القدم: 3355 - قد سالم الحيّات منه القدما... الأفعوان والشّجاع الشّجعما 3 أراد قد سالم الحيات منه القدما والقدم الأفعوان الشجاع الشجعا وذات قرنين. ومن أمثلة حذف الفاء مع معطوفها: قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 4 أي فأفطر فعدة من أيام أخر قال المصنف: وقد حذفت الفاء دون المعطوف بها ومعه ومع المعطوف عليه وفي قوله تعالى: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ 28 قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ 5 لأن المعنى فذهب فألقاه فقالت: وحذف أكثر من ذلك في قوله تعالى: فَأَرْسِلُونِ 45 يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ 6؛ لأن المعنى فأرسلوه فأتاه فقال. وأقول: إن قوله وقد حذفت الفاء دون المعطوف بها ينقض قوله في المتن: وتشاركها في الأول الفاء؛ لأن الأول إنما هو حذف الواو مع المعطوف. ودلّ هذا منه على أن الفاء لا تشارك الواو في الثاني وهو حذفها دون المعطوف. ومن أمثلة حذف أم مع معطوفها: قول أبي ذؤيب: 3356 - دعاني إليها القلب إنّي لأمرها... سميع فما أدري أرشد طلابها 7

................................  أي فما أدرى أرشد طلابها أم غيّ.
ومن حذف الواو وبقاء ما عطفت قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تصدّق رجل من ديناره من درهمه من صاع برّه من صاع تمره» 1 أي من ديناره إن كان ذا دنانير، ومن درهمه إن كان ذا دراهم، ومن صاع بره إن كان ذا بر، ومن صاع تمره إن كان ذا تمر.
ومنه سماع أبي زيد: أكلت خبزا لحما تمرا أراد خبزا ولحما وتمرا.
ومنه قول الشاعر: 3357 - كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا... يغرس الود في فؤاد الكريم 2 أراد قول: كيف أصبحت وكيف أمسيت، فحذف المضاف والواو.
ومن حذف أو بقاء ما عطفت: قول عمر رضي الله عنه «صلّى رجل في إزار ورداء في إزار وقميص في إزار وقباء» 3 أي ليصل رجل في إزار ورداء أو في إزار وقميص أو في إزار وقباء.
وحكى أبو الحسن في المعاني أن العرب تقول: أعطه درهما درهمين ثلاثة بمعنى أو درهمين أو ثلاثة.
وليعلم أن منع ابن جني، والسهيلي، وابن الضائع حذف حرف العطف 4 فيه نظر؛ لأن هذه [4/ 174] الشواهد المذكورة تدفعه.
وقد تأول المانع بعض ما استشهد به على وجه لا يقبل ظاهرا.
والحق ما ذكره المصنف، وكلام ابن عصفور موافق له في إجازة ذلك.
المسألة الثانية: جواز حذف المعطوف عليه استغناء عنه بالمعطوف، وذلك مع ثلاثة أحرف: الواو والفاء وأو إلّا أنه مع الواو كثير، ومع الفاء قليل، ومع أو نادر.
ومثال ذلك مع الواو قولك لمن قال: ألم تضرب زيدا: بلى وعمرا، ولمن قال: -

................................  ألقيت سعدا: نعم وأخاه، وقول بعض العرب: وبك أهلا وسهلا لمن قال: مرحبا وأهلا أي: وبك مرحبا وأهلا، ومنه قول نهشل بن ضمرة 1: 3358 - قبح الإله الفقعسيّ ورهطه... وإذا تأوهت القلاص الضمر 3359 - ولحا الإله الفقعسيّ ورهطه... وإذا توقد في النجاة الخزوّر 2 أي قبحه الله كل حين وإذا تأوهت القلاص، ولحاه الله كل حين وإذا توقد في النجاة الخزور، ومنه والله أعلم قوله تعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ 3 أي لو ملكه ولو افتدى به ومثله: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي 4 أي لترحم ولتصنع على عيني، ومثل ذلك مع الفاء قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً 5 وقوله تعالى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ 6 أي: فضرب فانفجرت، وفضرب فانفلق، ومثال ذلك مع أو قول أمية الهذلي: 3360 - فهل لك أو من والد (لك) قبلنا... يوشّح أولاد العشار ويفضل 7 أراد فهل لك من أخ أو من والد.
ولابن عصفور في قوله تعالى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ تقرير عجيب، وهو أن حرف العطف لم يحذف وإنما حذف المعطوف عليه وحده دون الفاء وحذفت الفاء من المعطوف وأقرت الفاء من المعطوف عليه واتصلت بالمعطوف فأبقى من كلّ ما دلّ على المحذوف 8. قال الشيخ: وهذا ليس بشيء؛ لأن القرآن العزيز ملآن من حذف جمل معطوفة -

................................  بالفاء وكثر ذلك في قصة يوسف وقصة سليمان مع الهدهد عليهما الصلاة والسّلام وقد حذف في قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ 1 تقديره «فأفطر»؛ إذ لا يجوز أن تنوب فاء المعطف مناب فاء الجزاء 2. المسألة الثالثة: أن المعطوف بالواو قد يقدم على المعطوف عليه للضرورة. وقد أنشد المصنف شاهدا على ذلك قول أبي مسافع الأشعري 3: 3361 - إن الغزال الّذي كنتم وحليته... تقنونه لخطوب الدّهر والغير طافت به عصبة من شرّ قومهم... أهل العلا والنّدى والبيت ذي السّتر 4 وقول كثير: 3362 - كأنّا على أولاد أحقب لاحها... ورمي السّفى أنفاسها بسهام جنوب ذوت عنها التّناهي وأنزلت... بها يوم ذبّات السّبيب صيام 5 والأصل في الأول: كنتم تقنونه وحليته، والأصل في الثاني: لاحها جنوب ورمي السفى. ومن الشواهد أيضا قول الآخر: 3363 - جمعت وفحشا غيبة ونميمة... ثلاث خصال لست عنها بمرعوي 6 أي جمعت غيبة وفحشا ونميمة. وقول الآخر: 3364 - ألا يا نخلة من ذات عرق... عليك ورحمة الله السّلام 7

................................  أي عليك السّلام ورحمة الله.
وقول الآخر: 3365 - وأنت غريم لا أظنّ قضاءه... ولا العنزيّ القارظ الدّهر جائيا 1 أي لا أظن قضاءه جائيا هو ولا العنزي.
وعرف من تقييد المصنف هذا الحكم بالواو أنه لا يجوز تقديم المعطوف بغيرها من أدوات العطف.
ولهذا قال ابن عصفور: ولا يجوز تقديم المعطوف على المعطوف عليه إلّا في الواو خاصة 2. ثم قال: فإن قيل قد جاء التقديم في أو قال الشاعر: 3366 - فلست بنازل إلّا ألمّت... برحلي أو خيالتها الكذوب 3 يريد إلا ألمت الكذوب أو خيالتها.
فالجواب: أن الكذوب صفة لخيالتها.
وقوله: أو خيالتها عطف على الضمير في ألمت.
ولم يحتج لتأكيد؛ لطول الكلام بالمجرور وهو: برحلي.
إلا أنه ذكر لجواز تقديم المعطوف بالواو ثلاثة شروط: أحدها: أن لا يؤدي التقديم إلى وقوع حرف العطف صدرا فلا تقول: وعمرو زيد قائمان.
ثانيها: أن لا يؤدي إلى مباشرة حرف العطف عاملا غير متصرف فلا تقول: إن وعمرا زيدا قائمان.
ثالثها: أن لا يكون المعطوف مخفوضا فلا تقول: مررت وعمرو بزيد 4. وفي شرح الشيخ أن مذهب هشام أن الفعل لو كان مما لا يستغنى بفاعل واحد نحو اختصم زيد وعمرو لا يجوز تقديم المعطوف في مثله.
وجعله أبو جعفر النحاس مذهب البصريين.
قال الشيخ: فتكون إذ ذاك الشروط خمسة - يعني هذا الشرط والثلاثة التي -

................................  ذكرها ابن عصفور والخامس: كون العطف بالواو - ثم إن التقديم مع ذلك لا يجوز إلّا في الشعر.
قال الشيخ: هذا مذهب البصريين وهو عندهم في المنصوب أقبح منه في المرفوع لأن الفعل بالمرفوع مرتبط ومذهب الكوفيين جواز ذلك في الشعر وفي الكلام.
وذكر الشيخ أيضا أن هشاما أجاز تقديم المعطوف بالفاء وثم وأو ولا 1. المسألة الرابعة: الإشارة إلى حكم ما يذكر بعد التعاطف مما هو صالح لما قبله من ضمير وخبر وغيرهما بالنسبة إلى مطابقته لما تقدمه أو إفراده.
وأقسام المسألة ثلاثة: ما يجب فيه المطابقة للمجموع، وما تجب فيه الواحد، وما يجوز فيه الأمران كما يستفاد ذلك من متن الكتاب.
قال المصنف: حكم الاسمين المعطوف [4/ 175] أحدهما على الآخر بالواو حكم المثنى فلابد في ما تعلق بهما من خبر وضمير وغيرهما من المطابقة كما لا بد منها في ما تعلق بالمثنى فيقال: زيد وعمرو منطلقان، ومررت بهما، كما يقال: الرجلان منطلقان ومررت بهما.
فان كان العطف بلا أو بأو أو ببل أو بلكن وجب إفراد ما بعده من خبر وغيره، فيقال: زيد لا عمرو منطلق، ومررت به، وكذا يقال بعد أو وبل ولكن.
وإن كان العطف بالفاء أو ثم جاز الإفراد والمطابقة فيقال: زيد فعمرو منطلق ومررت به، وبشر ثم محمد ذاهب ونظرت إليه، ويجوز: منطلقان ومررت بهما وذاهبان ونظرت إليهما.
وقال ابن عصفور 2: إذا تقدم معطوف ومعطوف عليه وتأخر عنهما ضمير يعود عليهما: فإما أن يكون العطف بالواو أو بالفاء أو بثم أو بحتى أو بغير ذلك من حروف العطف.
فإن كان بالواو كان الضمير على حسب ما تقدم نحو زيد وعمرو قاما، وزيد وعمرو وجعفر خرجوا، ولا يجوز أن يفرد الضمير فيجعل على حسب الآخر إلا حيث سمع ويكون على الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ 3 التقدير والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه -

................................  فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ومن ذلك قول الشاعر: 3367 - إنّ شرخ الشّباب والشعر الأس... ود ما لم يعاص كان جنونا 1 التقدير إن شرح الشباب ما لم يعاص كان جنونا والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا وحتى في ذلك بمنزلة الواو.
فإن كان العطف بالفاء جاز أن يكون الضمير على حسب ما تقدم فتقول: زيد فعمرو قاما؛ لكون الأول شريك الثاني في اللفظ.
والمعنى ويجوز أن تقول: زيد فعمرو قام فتفرد، ويحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
وإنما جاز ذلك لأن الفاء لما فيها من الترتيب تقتضي إفراد خبر الأول من خبر الثاني وكلاهما حسن.
وإن كان العطف بثم جاز الوجهان معا والأحسن الإفراد لما في ثم من المهلة الموجبة لفصل خبر الأول من الثاني.
وإن كان العطف بغير ذلك من حروف العطف فانما يكون الضمير على حسب المتأخر خاصة، فتقول: زيد أو عمرو قام.
وكذلك في سائر ما بقي من حروف العطف ولا يجوز أن يكون الضمير على حسب ما تقدم إلا في أو خاصة قال الله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما 2. انتهى 3. وليعلم أن قول المصنف: يطابق أحدهما بعد لا وأو وبل ولكن أولى من قول ابن عصفور: وإن كان العطف بغير ذلك من حروف العطف فإنما يكون الضمير على حسب المتأخر.
بل هو المتعين؛ لأن لا يتعين معها كون المذكور بعد المتعاطفين للمعطوف عليه، وبل ولكن يتعين معهما كونه للمعطوف.
وأما أو فيجوز معها كونه لهذا أو لهذا فيقال: زيد أو أمة الله منطلق وكذا يقال: زيد أو أمة الله منطلقة لا يقال أن المصنف أبهم في قوله أحدهما؛ لأن الأمر مختلف كما عرفت فمع بعض الحروف تكون المطابقة للأول ومع بعض تكون المطابقة للثاني؛ لأن كون الحكم مع لا للمعطوف عليه ومع بل ولكن للمعطوف معلوم.
فالمذكور بعد إنما يكون لمن سبق الحكم له وأما مع أو فمعلوم أيضا أن أحدهما غير متعين فكان كل -

[عطف الفعل على الاسم والماضي على المضارع، وعكسه]

قال ابن مالك: (ويعطف الفعل على الاسم، والاسم على الفعل، والماضي على المضارع، والمضارع على الماضي، إن اتّحد جنس الأوّل والثّاني بالتأويل).
منهما صالحا لتعلق المذكور بعد به.
ثم استثناء ابن عصفور أو بقوله: ولا يجوز أن يكون الضمير على حسب ما تقدم إلا في أو خاصة غير مرضي.
والآية الشريفة لا دليل له فيها على ما ادعاه؛ لأن الأئمة ذكروا أن فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما 1 جملة اعتراضية اعترض بها بين الشرط وجوابه وهذا هو الظاهر.
وإذا كان كذلك لم يكن قوله تعالى: فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما مرتبطا بقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً (2)، فيلزم توحيد الضمير العائد على ما تقدم.
وأما ما ذكره من أن ثم محذوفا في قوله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ 2 وكذا يقدر محذوف في قول الشاعر: 3368 - إنّ شرخ الشّباب........ البيت فهو المشهور لكن المنقول عن الفارسي أنه إنما ساغ الإفراد في الآية الشريفة لأن إرضاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم إرضاء الله تعالى فهما في حكم واحد وعلى هذا فلا حذف.
وكذا ذكر في قوله: إن شرخ الشباب... قال: لأن كلّا منهما بمعنى الآخر، ألا ترى أنهما لا يفترقان 3. قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: يجوز عطف الفعل على الاسم وعطف الاسم على الفعل إذا سهل تأولهما بفعلين أو اسمين.
فمن عطف الفعل على الاسم قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ 5، وقوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً 3 فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً 6 ومن عطف الاسم على الفعل قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ 7. وقول الراجز: -

................................  3369 - يا ربّ بيضاء من العواهج... [أمّ] صبيّ قد حبا أو دارج 1 ومثله قول الآخر: 3370 - بات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسؤقها وجائر 2 وحسن ذلك سهولة تأول المخالف بموافق كتأول «ويقبضن» بقابضات و «أثرن» بالمثيرات و «مخرج» بيخرج.
ونبهت أيضا على جواز عطف الفعل الماضي على المضارع والمضارع على الماضي إذا كان زمانهما واحد نحو قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً 3 وإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 4. انتهى.
وعلم من قوله: إذا كان زمانهما واحدا [4/ 176] أن قوله: (إن اتّحد جنس الأول والثاني بالتأويل) راجع إلى (المسألتين) 5 أعني التعاطف بين الاسم والفعل والتعاطف بين الماضي والمضارع لأن الفعلين إذا اتحد زمانهما كان جنسهما متحدا.
قال ابن عصفور: ولا يجوز عطف الاسم على الفعل ولا الفعل على الاسم إلا في موضع يكون الفعل فيه في موضع الاسم أو الاسم في موضع الفعل.
فالموضع الذي يكون فيه الاسم في موضع الفعل اسم الفاعل واسم المفعول اذا وقعا في صلة الألف واللام نحو: الضارب والمضروب فلذلك يجوز أن يعطف الفعل على الاسم هنا فتقول: جاءني الضارب وقام تريد الذي ضرب وقام.
وقام قال الله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً 6. فـ (أقرضوا الله) معطوف على (المصّدّقين) كأنه قيل إن الذين تصدقوا وأقرضوا.
والموضع الذي يقع فيه الفعل في موضع الاسم أن يقع خبرا لذي خبر أعني خبرا لمبتدأ أو لكان وأخواتها أو لإن وأخواتها أو لما أو حالا لذي حال أو صفة لموصوف أو في -

................................  موضع المفعول الثاني من باب ظننت أو الثالث من باب أعلمت.
فمما جاء من عطف الاسم على الفعل لوقوع الفعل موقع الاسم قول القائل: 3371 - فألفيته يوما يبيد عدوّه... وبحر عطاء يستخفّ المعابرا 1 وقول الآخر: 3372 - بات يعشّيها بعضب باتر... يقصد في أسؤقها وجائر 2 يريد قاصد في أسؤقها وجائر.
ومما جاء من عطف الفعل على الاسم لكون الفعل في موضع الاسم أيضا قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ 3 التقدير وقابضات.
ولا يجوز عطف فعل على فعل إلا بشرط أن يتفقا في الزمان نحو: إن قام زيد ويخرج عمرو يقم خالد، ومن ذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً 4 ومنه قول الشاعر: 3373 - ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني 5 لأن أمر في المعنى ماض ألا ترى أن المعنى: ولقد مررت فعطفت عليه مضيت 6. انتهى.
والتقييد الذي ذكره في التعاطف بين الاسم والفعل غير ظاهر، لأنه قال: فالموضع الذي يكون فيه الاسم في موضع الفعل اسم الفاعل واسم المفعول... إلى آخره، وهذا يقتضي ألا يجوز عطف الفعل على الاسم في غير هذا، وقد قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ، ولا شك أن «صافّات» لم يكن واقعا موقع الفعل؛ لأنه حال والأصل في الحال الإفراد، وكذا قال في الشق الآخر: والموضع الذي يقع فيه الفعل في موضع الاسم أن يقع خبرا لذي خبر... -

الفصل بين العاطف والمعطوف

قال ابن مالك: (وقد يفصل بين العاطف والمعطوف إن لم يكن فعلا بظرف أو جارّ ومجرور، ولا يختصّ بالشّعر، خلافا لأبي عليّ، وإن كان مجرورا أعيد الجارّ أو نصب بفعل مضمر).
إلى آخره... وهذا أيضا يقتضي أن لا يجوز عطف الاسم على الفعل في غير ما ذكره.
وقد قال الله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ 1. ولا شك أن «يخرج» كلام مستأنف وليس خبرا ولا حالا ولا صفة ولا في موضع مفعول ثان لشيء من باب ظننت ولا في موضع ثالث لشيء من باب أعلمت.
وإذا تقرر هذا علم أن عبارة المصنف في ذلك أسد مع ما اشتملت عليه من الاختصار لأنه إنما اشترط اتحاد جنس الأول والثاني بالتأويل وعلى هذا فـ «يقبضن» هو المؤول وكذا «أثرن» وكذا «مخرج» كما تقدم من كلام المصنف رحمه الله تعالى.
وليعلم أن الجملة إذا كانت في تأويل مفرد جاز عطفها عليه؛ قال الله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 2. وقد ذكر الشيخ عن بعضهم أنه خالف في عطف الفعل على الاسم 3، ومثل هذا الخلاف لا يعبأ به؛ كيف وقد ثبت العطف في الكتاب العزيز.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: جعل أبو علي الفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف والجار والمجرور مخصوصا بالشعر واستدل بقول الأعشى: 3374 - يوما تراها كشبه أردية العص... ب ويوما أديمها نغلا 5 وهو جائز في أفصح الكلام المنثور إن لم يكن المعطوف فعلا ولا اسما مجرورا وهو في القرآن كثير، كقوله تعالى: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ 6، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ -

................................  إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ 1 وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا 2 وقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ 3. فلو كان المعطوف فعلا لم يجز الفصل المذكور بوجه.
فلو كان اسما مجرورا أعيد معه الجار نحو: مر الآن بزيد وغدا بعمرو، وإن لم يعد وجب النصب بفعل مضمر، كقوله تعالى: فبشرنها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب 4 «في قراءة حمزة وابن عامر وحفص، أي: ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوب» 5. ويجوز جر يعقوب بباء محذوفة وهو أسهل من الجر بمضاف محذوف بعد فصل كقراءة من قرأ: (والله يريد الآخرة) أي عرض الآخرة 6. انتهى.
ويتعلق بما ذكره تنبيهات: الأول: أن الآيتين الشريفتين وهما قوله تعالى: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً 7. وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ليس فيهما فصل بل عطف في كل منهما معمولان على عاملين.
وقد قال الشيخ: لا حجة في الآيتين الشريفتين، لأن هذا من عطف المجرور على المجرور والمفعول على المفعول.
فـ فِي الْآخِرَةِ معطوف على فِي الدُّنْيا وحَسَنَةً على حَسَنَةً وكذلك وَمِنْ خَلْفِهِمْ عطف على مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ [4/ 177] وسَدًّا على سَدًّا، وليس من باب الفصل في شيء 8. والذي قاله حق، والعجب كيف خفي هذا على المصنف.
وأما قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.. 9 الآية الشريفة فالفصل فيها ظاهر.
وكذا في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ... الآية -

................................  الشريفة الأخرى.
وقد ذكر الشيخ أن الآية الأولى تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ثم ظرف محذوف لدلالة المعنى عليه.
والتقدير أن الله يأمركم إذا أؤ تمنتم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وتكون الواو عاطفة ظرفا على ظرف ومفعولا على مفعول.
والثاني: أن بعد الواو فعلا محذوفا لدلالة السابق عليه تقديره ويأمركم إذا حكمتم أن تحكموا بالعدل فيصير ذلك من عطف الجمل لا من عطف المفردات، وأن الآية الثانية يضمر فيها فعل بعد الواو وتقديره: وخلق من الأرض مثلهن، فيصير من عطف الجمل حينئذ 1. انتهى.
ولا شك أن تقدير محذوف خلاف الأصل والقول بالفصل أقرب وأولى.
ثم إن البيت الذي استدل به أبو علي وهو: 3375 - يوما تراها كشبه أردية العص... ب ويوما أديمها نغلا 2 قد ذكر الناس ألّا فصل فيه أيضا.
وإنما الظرف معطوف على الظرف والمفعول على المفعول والحال على الحال.
وهذا هو الحق.
ولابن أبي الربيع كلام في هذا البيت تكلف فيه تقدير ما قاله أبو علي، ولكنه ليس بظاهر.
الثاني: أنك قد عرفت أن المصنف لم يفرق في مسألة الفصل بين حرف وحرف، بل أطلق القول.
ونقل الشيخ عن المغاربة أنهم يفصلون في ذلك بين أن يكون حرف العطف على حرف واحد أو أكثر.
إن كان على الأكثر جاز الفصل بينه وبين المعطوف بالقسم والظرف والجار والمجرور 3. قال: وقد أهمل المصنف ذكر القسم نحو: قام زيد ثم والله عمرو، وقام زيد بل والله عمرو، وما ضربت زيدا لكن في الدار عمرو.
وإن كان على حرف واحد كالواو والفاء فلا يجوز الفصل إلا في ضرورة الشعر، فلا يجوز في الكلام أن تقول: قام زيد فو الله عمرو ولا قام زيد وو الله عمرو، ولا ضربت زيدا ففي البيت عمرا، ولا خرج زيد والساعة عمرا» 4. انتهى.
وما ذهب إليه المغاربة غير ظاهر.
وكفى بما استشهد به المصنف من الكتاب -

................................  العزيز دافعا لما ذكروه.
وقد استثنى المصنف المعطوف إذا كان فعلا بقوله: إن لم يكن فعلا وقد تقدم قوله في الشرح: فلو كان المعطوف فعلا لم يجز الفصل المذكور بوجه.
ومثال ذلك: قام زيد وفي الدار قعد، وزيد يقوم وو الله يقعد.
لكن قال الشيخ: وإطلاق أصحابنا - يعني المغاربة - يقتضي جواز ذلك إذا كان حرف العطف على أكثر من حرف واحد نحو: قام زيد ثم في الدار قعد، وقام زيد ثم والله قعد، وقام زيد بل والله قعد 1. انتهى.
ولا يظهر لامتناع الفصل اذا كان المعطوف فعلا وجه.
والظاهر أنه لا فرق بين الفعل والاسم في ذلك.
الثالث: إنما وجب مع الفصل النصب في المعطوف على المجرور أو إعادة الجار لأن الخافض ضعيف غير متصرف فلم يقو أن يعطف على معموله مع الفصل بين المتعاطفين على أن المنقول عن الفراء أنه خرج قراءة حمزة وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ 2 على أنه مجرور بالعطف على المجرور قبله 3. وهذا يدل على أنه يجيز العطف على المجرور مع الفصل دون إعادة الجار.
وبعد: فقد عرفت ما ذكره من أن يعقوب: في الآية الشريفة منصوب لا مجرور، والنصب فيه بفعل مقدر، التقدير: ووهبنا لها من وراء إسحق يعقوب، ونظير هذا ما ذكره سيبويه في قراءة من قرأ «وحورا عينا» فإنه نصب بإضمار فعل يدل عليه معنى الكلام، التقدير: ويعطون حورا عينا، ومن رفع وَحُورٌ عِينٌ 4 فإنه معطوف على المعنى أيضا لأن ما قبله معناه عندهم ذلك وعندهم حور عين، ومن جر وَحُورٌ عِينٌ فجرّه يحتمل الحمل على المعنى أي وينعمون بذلك وبحور عين 5، ويحتمل أن يكون الولدان يطوفون على المؤمنين بالحور العين، فيكون ذلك عطفا على لفظ بأكواب وأباريق وكأس.
وقد أجاز المصنف أن يكون يعقوب مجرورا بباء محذوفة كما عرفت.
-

................................  ولنختم الكلام على الباب بمسألتين: الأولى: أن الشيخ قال في الارتشاف: من أحكام حروف العطف أن ما كان معمولا لعامل بعدها لا يجوز أن يتقدم ذلك المعمول على حرف العطف فلو قلت: زيد قائم وضارب عمرا ما جاز أن تقول عمرا وضارب 1. وأقول: إن امتناع تقديم المعمول في ما ذكره ظاهر، لأن المعمول إنما يتقدم حيث يجوز تقديم العامل غالبا، وإذا كان كذلك فذكر هذه المسألة مستغنى عنه.
الثانية: أن ابن عصفور قال: وإذا نفيت في هذا الباب فمذهب المازني أن الكلام يكون بعد دخول حرف النفي عليه على حسب ما كان قبل دخوله فتقول في نفي قام زيد فعمرو: ما قام زيد فعمرو، وفي نفي مررت بزيد وعمرو: ما مررت بزيد وعمرو، وفي نفي قام زيد ثم عمرو: ما قام زيد ثم عمرو.
وسيبويه يوافقه في ذلك كله إلا في الواو 2 فإذا قلت: مررت بزيد وعمرو فإنه يفصّل فيقول: لا يخلو أن يكون الكلام على فعلين، أعني أن يكون مررت بزيد على حدته ومررت بعمرو على حدته، أو يكون على فعل واحد، أعني أن يكون مررت بزيد وعمرو مرورا واحدا فتقول في النفي: إذا عنيت مرورين ما مررت بزيد وما مرت بعمرو فتكرر الفعل.
وتقول في النفي اذا عنيت مرورا واحدا: ما مررت بزيد وعمرو.
وإنما لم يكن في الأول بدّ من تكرير الفعل؛ لخوف اللبس لأنك لو قلت: [4/ 178] ما مرت بزيد وعمرو لاحتمل أن تريد أنك لم تمر بهما ولا بواحد منهما، وأن تريد أنك لم تمر بهما معا، بل مررت بأحدهما، فلما كان النفي من غير إعادة العامل ملبسا لذلك لم يكن بد من إعادته.
وحجة المازني أن حرف النفي لا يغير ما بعده عما كان عليه قبل دخوله نحو: ما قام زيد ألا ترى أنه كان قبل دخول ما قام زيد 3. والصحيح ما ذهب إليه -

................................  سيبويه؛ لأنه قد وجد النفي مغيرا لما دخل عليه عن حاله قبل ذلك.
ألا ترى أنك تقول في نفي سيفعل: لن يفعل، وفي نفي قد فعل: لما يفعل، وفي نفي فعل: لم يفعل، ولا تقول لن سيفعل، ولا لما قد فعل، ولا لم فعل.
فإذا كانوا يغيرون ما بعد حرف النفي عما كان عليه مع أنه لم تدع إليه ضرورة، فالأحرى أن يجوز ذلك إذا دعت إليه ضرورة (وهي) 1 خوف اللبس 2. انتهى.
وأقول: إنني لم يتجه (لي) 3 الأمر في هذه المسألة؛ لأن القائل يقول اللبس الذي قيل إنه يحصل في النفي حاصل في الإثبات أيضا.
فلأي شيء لم يوجب التكرير في قولنا: مررت بزيد وعمرو إذا كان المرور بكل منهما على حدته، وإذا كان لا فرق بين الإثبات والنفي في ذلك فلأي شيء يتعرض إلى ذكر النفي دون الإثبات.
ثم قول ابن عصفور أنه قد وجد النفي مغيرا لما دخل عليه عن حاله قبل ذلك قد ينازع فيه.
وما ذكره من الاستدلال فيه بحث؛ لأن الذي ظهر أن مراد النحاة بقولهم: لن لنفي سيفعل أن المنفي بلن مستقبل كما أن المقرون بالسين مستقبل، وكذا مرادهم بقولهم إن لما لنفي قد فعل وأن لم لنفي فعل أن لما لنفي الماضي القريب زمنه من زمن الحال وإن لم لنفي الماضي البعيد زمنه من زمن الحال.
وبتقدير أن يكون مرادهم أن ثلاثة ألأحرف لنفي هذه الصيغ أنفسها، فلا يتم الاستدلال؛ لأن التغيير عند دخول حرف من هذه الأحرف واجب، وذلك أن لن للاستقبال والسين للاستقبال فلا يتأتى اجتماعهما.
وأما لما ولم فإنهما لا يباشران إلا لفظ المضارع فكان العدول عن لفظ الماضي إليه متعينا وليس معينا في قام زيد وعمرو إذا قلنا: ما قام زيد وعمرو ما يوجب التغيير.
والذي يظهر في هذه المسألة أنه لا فرق بين الإثبات والنفي.
فمن قصد الإخبار بمرورين مثبتا لهما أو نافيا لهما لا بد له أن يكرر الفعل، ومن لم يقصد ذلك استغنى عن التكرير.

................................  وبعد..... فالذي ذكره ابن عصفور يحتاج إلى تحقيق.
وقد تعرض في المقرب إلى ذكر هذه المسألة أيضا 1. فقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس - رحمه الله تعالى - متكلما عليها بما نصه: اعلم أن الفاء تعطي الترتيب والتعقيب كما مر فنفيه حينئذ يكون بأحد أمور خمسة.
وهو إما أن يكون لم يقم واحدا منهما، أو لم يقم زيد فقط، أو لم يقم عمرو فقط، أو قاما لكن عمرو قام قبل زيد، أو قاما وعمرو بعد زيد كما في اللفظ لكن تخلل بين قياميهما زمان كان ممكن فيه قيام عمرو ولم يقم فينتفي هاهنا التعقيب الذي تقتضيه الفاء.
أما إذا قلت: قام زيد وعمرو، ثم نفيت، فقلت: ما قام زيد وعمرو، فإن نفيه هنا يكون بأحد أمور ثلاثة.
إما بأن لم يقم واحد منهما، أو بأن قام زيد دون عمرو، أو بأن قام عمرو دون زيد؛ لأن الواو للجمع فقط، وانتفاء الجمع يكون بأحد الأمور الثلاثة كما ذكرنا.
وفي كل حرف يكون النفي داخلا على ما أعطاه ذلك الحرف من المعنى على حسب ما ينتفي به ذلك المعنى.
انتهى.
فلم يتعرض إلى الذي ذكره صاحب الكتاب من أنك في النفي تكرر العامل إن كان مروان، ولا تكرر إن كان مرور واحد 2. والمسألة تفتقر إلى نظر.
والله تعالى أعلم.

جارٍ التحميل