تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 681-720

الباب التاسع باب الموصول

صفحات 681-720

................................  370 - إذا ما أتيت بني مالك... فسلّم على أيّهم أفضل 1 وقال آخر: 371 - أباهل لو أنّ الرجال تبايعوا... على أيّنا شرّ قبيلا وألأم 2 وقال آخر: 372 - فادنوا إلى حقّكم يأخذه أيّكم... شئتم وإلّا فإيّاكم وإيّانا 3 وقال آخر: 373 - أمّا النّساء فأهوى أيّهن أرى... للحبّ أهلا فلا أنفكّ مشغوفا 4 وعلى ذلك قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ 5. قال سيبويه 6: «وحدّثنا هارون 7 أن ناسا وهم الكوفيّون يقرؤون: -

................................  ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا.
وهي لغة للعرب جيدة نصبوها كما جرّوها حين قالوا «امرر على أيّهم أفضل» [1/ 226] فأجرى هؤلاء مجرى الّذي إذا قلت: اضرب الّذي أفضل» انتهى 1. واعلم أن أيّا من الكلمات التي تلازم الإضافة موصولة كانت أو غير موصولة، وسيذكر أحكام غير الموصولة مستوفاة في فصل مفرد من فصول هذا الباب 2 وهو الآن يذكر أحكام الموصولة لأن الكلام فيها وقد ذكر لها أربعة أحكام: أحدها: إضافتها لفظا كقولك: أقصد أيهم هو أكرم أو نية كقولك سل منهم أيّا تلقاه ولم تكن الإضافة مختصة بالموصولة، بل أقسام أي كلها مشتركة في لزوم الإضافة فلم يذكر الإضافة لخصوصها، بل إنما ذكرها لكون المضاف إليه يلزم كونه معرفة إذا كانت أي موصولة بخلاف بقية الأقسام.
وقال الشيخ تابعا لابن عصفور: «وقد يضاف إلى النّكرة فيقال أي رجل عندك وأيّ رجال عندك وأيّ امرأة وأي امرأتين» انتهى 3. ويحتاج إثبات ذلك إلى دليل.
ثم إن المصنف إنما مثل بالإضافة إلى الضمير.
وقال الشيخ: «إذا قلت يعجبني أي الرجال عندك يتبين بإضافة أي إلى الرجال - - الدمشقي وذلك لصغر عينيه مع ضعف بصره، كان عارفا بالتفسير والنحو والمعاني والبيان والغريب والقراءات السبع، وقد صنف كتابا في القراءات، وعنه اشتهرت قراءة أهل الشام توفي سنة (292 هـ)، وكان قد ولد سنة (201 هـ) (غاية النهاية (2/ 347) الأعلام: 9/ 45).

................................  أو إلى ضميرهم أنّ الذي أعجبك مذكر عاقل، ويحتمل أنّ يكون مفردا أو مثنى أو مجموعا.
وكذلك يعجبني أي النساء عندك أو أيهنّ عندك فتبين أنّ أعجبك مؤنّث عاقل» 1. ثانيها وثالثها: استقبال العامل فيها أي كونه مستقبلا، وتقديمه عليها لازم على قول غير لازم على قول.
ونسب المصنف القول بلزوم الأمرين إلى الكوفيين 2 وهذا مستفاد من قوله: ولا يلزم استقبال عامله ولا تقديمه خلافا للكوفيين كأنهم يلتزمون ذلك.
وقال في الشرح 3: «ولا يلزم استقبال عامله ولا تقديمه كما لا يلزم مع غيره وقال الكوفيون بلزوم ذلك ولا حجة لهم إلا كون ما ورد على وفق ما قالوا كقوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ... 4 الآية ونحو قول الشاعر: 374 - فادنوا إلى حقكم يأخذه أيّكم... البيت انتهى.
أما لزوم استقبال العامل: فقد ذكروا أنه صحيح، ولهذا قال الشيخ 5 مشيرا إلى كلام المصنف: «وهذا الذي اختاره ليس مذهب الجمهور، بل الجمهور ذهبوا إلى أن أيّا إذا كانت موصولة لم يعمل فيها الفعل الماضي لا يجوز أن يقال: أعجبني أيهم قام.
قالوا: وسبب ذلك أنها وضعت على الإبهام والعموم، فإذا قلت: يعجبني أيهم يقوم فكأنك قلت: يعجبني الشخص الذي يقع منه القيام كائنا من كان، فلو جعلت معمولة للفعل الماضي أخرجها ذلك عما وضعت له من العموم، ألا ترى أنك إذا قلت أعجبني أيهم خرج لم يقع إلا على الشخص الذي خرج.
وسئل الكسائي في حلقة يونس: هل يجوز أعجبني أيهم قام فمنع من ذلك فسئل عن العلة المقتضية لذلك فقال: أيّ هكذا خلقت 6. -

................................  قالوا: فلم يلح له الوجه الذي لأجله امتنع ذلك، والمنقول عن الأخفش أنه يجوز فيها أن تكون معمولة للفعل الماضي إلا أن ذلك قليل» 1. وأما لزوم تقديمه: فيظهر من كلام غير المصنف 2 أن التقديم لازم، أعني تقديم العامل، ويؤيد ذلك قول المصنف: إن الوارد إنما ورد مقدما فيه العامل، [1/ 227] ولكن الشيخ وافق المصنف في هذا الحكم على ما اختاره من القول بعدم لزوم التقديم فإنه قال 3: «أيّ الموصولة كغيرها من الأسماء يعمل فيها العامل متقدما ومتأخّرا نحو أحبّ أيّهم قرأ وأيّهم قرأ أحبّ».
رابعها: أنها إذا أريد بها التي فقد تؤنث بالتاء وإلى ذلك الإشارة بقوله: وقد تؤنّث بالتّاء موافقا للّتي أي حال كونه موافقا للتي.
قال المصنف: «وتقول في أيّ قاصدا معنى الّتي: عليك من النّساء بأيّهن يرضيك وبأيّتهنّ ترضيك.
قال الشاعر: 375 - أما النّساء فأهوى أيّهن أرى... للحب أهلا فلا أنفكّ مشغوفا 4 وقال آخر: 376 - إذا اشتبه الرّشد بالحادثا... ت فارض بأيّتها قد قدر 5 انتهى 6. والذين ذكروا أن أيّا الموصولة قد تؤنث بالتاء ذكروا أيضا أنها قد تثنى وتجمع وأن -

................................  ذلك لغة من أنّث؛ فحاصله أنه يلحق أيّا الموصولة علامات الفرعية وهي علامات التأنيث وعلامة التثنية والجمع.
وقد صرح ابن عصفور بذلك في المقرب 1 وعلى الجملة هي لغة ضعيفة وكأنها لضعفها ذكر المصنف ما وجد له شاهدا وترك ما لم يجد شاهده 2.

  • وأما الألف واللام: فإن المصنف أطال فيها الكلام فأنا أورد كلامه ثم أتبعه بما ذكره غيره.
    قال المصنف 3: «ومن المستعمل بمعنى الذي وفروعه: الألف واللام نحو رأيت الحسن وجهه والحسن وجهها والكريم أبوهما والكريم أبوهم والكريم أبوهن.
    وزعم المازني أنها للتعريف 4 وأن الضمائر عائدة على موصوفات محذوفة وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن ذلك لو جاز مع الألف واللام المعرفة لجاز مع التنكير إذ لا فرق بين تقدير الموصوف منكرا وتقديره معرفا، بل كان ذلك مع التنكير أولى؛ لأن حذف المنكر أكثر من حذف المعرف.
    الثاني: أن الألف واللام لو كانت المعرفة لكان لحاقها اسم الفاعل قادحا في صحة عمله مع كونه بمعنى الحال والاستقبال.
    والأمر بخلاف ذلك: فإن لحاق الألف واللام به يوجب صحة عمله وإن كان ماضي المعنى فعلم من ذلك أن الألف واللام غير المعرفة وأنها موصولة بالصفة؛ لأن الصفة بذلك يجب تأولها بفعل ليكون في حكم الجملة المصرح بجزأيها ولأجل هذا -

................................  التأويل وجب العمل مطلقا وحسن أن يعطف على اسم الفاعل الموصول به فعل صريح كقوله تعالى: فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً 1. إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً 2. ثم قال بعد ذلك كلام 3: قال الشلوبين الدليل على أن الألف واللام حرف: قولك: جاء القائم؛ فلو كانت اسما لكانت فاعلا واستحق قائم البناء، لأنه على هذا التقدير مهمل؛ لأنه صلة والصلة لا يتسلط عليها عامل الموصول.
والجواب أن يقال: قد قام الدليل على أنها غير المعرفة بدخولها على الفعل كما سيأتي: وتصحيحها عمل اسم الفاعل ذي المضي فلم يبق إلا كونها اسما موصولا؛ [1/ 228] إذ لا ثالث.
والجواب عن شبهة الشلوبين: أن يقال: مقتضى الدليل أن يظهر عمل عامل الموصول في آخر الصلة؛ لأن نسبتها منه نسبة عجز المركب منه لكن منع من ذلك كون الصلة جملة والجمل لا تتأثر بالعوامل.
فلما كانت صلة الألف واللام في اللفظ غير جملة جيء بها على مقتضى الدليل» انتهى 4. وهذا الذي استدل به الشلوبين على أن أل حرف هو الذي استدل به المازني على الحرفية، وقد عرفت جوابه.
ثم اعلم أن الذي ذكره المصنف في هذه المسألة، أعني كون أل حرف تعريف - نقله المغاربة عن الأخفش 5. قالوا: فأل في نحو الضارب عنده كأل في نحو الغلام، قالوا: وأورد عليه أنه يلزم من قوله جواز تقديم المنصوب باسم الفاعل على أل نحو هذا زيدا الضّارب.
فأجاب بأن اسم الفاعل بطل عمله بدخول أل عليه كما يبطل إذا صغر أو وصف؛ لأنها من خواص الاسم كما أنهما من خواصه، وأن المنتصب بعده إنما هو منصوب على التشبيه بالمفعول، والمنصوب على التشبيه بالمفعول به لا يجوز تقديمه على الوصف.

................................  ورد ذلك: بأن المنصوب على التشبيه لا بد أن يكون سببا ولا يكون إلا نكرة أو معرفا بأل أو مضافا إلى شيء خاص معلوم في بابه وزيد في هذا الضارب زيدا ليس سببيّا ولا شيئا من الثلاثة التي ذكرت.
ونقل عن المازني أنه يقول بأنها حرف موصول: قال الشيخ 1: «والّذي حكاه المصنّف عن المازنيّ هو الّذي حكي أنّه مذهب الأخفش.
والمحكيّ عن المازنيّ أن أل موصول حرفيّ قال: والجمع بين الحكايتين أنّ أل معرّفة في مذهب الأخفش ومذهب المازنيّ.
إلا أنّ مذهب المازني هي عنده موصول حرفي، وعند الأخفش هي معرّفة وليست موصولة، فقد اشترك المذهبان في التّعريف واختصّ مذهب المازني بالوصل» انتهى 2. ولم يظهر لي فائدة من هذه التفرقة، أعني فائدة معنوية؛ غايته أنه ذكر تفرقة في العبارة والتفرقة في العبارة معلومة من حكاية المذهبين أولا.
وقد أبطل قول من يقول إنه حرف موصول: بأنه لم يوجد في كلامهم حرف موصول إلا وهو مع ما بعده بمنزلة المصدر فدل على أنه اسم.
وإذا تقرر هذا وثبت أن أل اسم موصول فاعلم 3 أنها توصل بصفة محضة كما ذكر في الكتاب.
قال المصنف 4: «وعنيت بالصّفة المحضة أسماء الفاعلين وأسماء المفعولين والصّفات المشبّهة بأسماء الفاعلين».
قال الشيخ 5 «واحترز بالمحضة مما يوصف به وليس بصفة كالأسد فإنّ أل فيه معرّفة وليست موصولة بأسد وإن كان يوصف به».
ومثّله غير الشيخ بما غلبت عليه الاسمية من الصفات كأبطح وأجرع 6 ووالد وصاحب ولا بعد أن يكون التمثيل بذلك أقرب إلى المراد مما مثل به الشيخ.
-

................................  ومثال وصل أل بفعل مضارع: قول الشاعر: 377 - ما أنت بالحكم الترضى حكومته... ولا الأصيل ولا ذي الرّأي والجدل 1 [1/ 229] وقول الآخر: 378 - يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا... إلى ربّها صوت الحمار اليجدّع 2 وقول الآخر: 379 - ما كاليروح ويغدو لا هيا فرحا... مشمّرا يستديم الحزم ذا رشد 3 وقول الآخر: -

................................  380 - ليس اليرى للخلّ دون الّذي يرى... له الخلّ أهلا أن يعدّ خليلا 1 قال المصنف 2: واستدل ابن برهان 3 على موصولية الألف واللام بدخولها على الفعل واستدلاله قوي؛ لأن حرف التعريف في اختصاصه بالاسم كحرف التنفيس في اختصاصه بالفعل، فكما لا يدخل حرف التنفيس على اسم لا يدخل حرف التعريف على فعل، فوجب اعتقاد كون الألف واللام في الترضى واليجدّع واليروح والتي أسماء بمعنى الذي، لا حرف تعريف.
ثم قال المصنف 4: «وعندي أن مثل هذا غير مخصوص بالضرورة لممكن قائل الأول من أن يقول: المرضيّ حكومته، وقائل الثاني من أن يقول: صوت حمار يجدّع، والثالث من أن يقول: ما من يروح، والرابع من أن يقول: وما من يرى للخلّ.
فإذا لم يفعلوا ذلك مع استطاعته ففي ذلك إشعار بالاختيار وعدم الاضطرار، وأيضا فمقتضى النظر وصل الألف واللام إذ هي من الموصولات الاسمية بما يوصل به أخواتها من الجمل الاسمية والفعلية والظروف فمنعوها ذلك حملا على المعرفة؛ لأنها مثلها في اللفظ وجعلوا صلتها بما هو جملة في المعنى ومفرد في اللفظ صالح لدخول المعرفة عليه وهو اسم الفاعل وشبهه في الصفات.
ثم كان في التزام ذلك فيه إيهام أن الألف واللام فيه معرفة لا اسم موصول فقصدوا التنصيص على مغايرة المعرفة فأدخلوها على الفعل المشابه لاسم الفاعل وهو -

................................  المضارع.
فلما كان حاملهم على ذلك هو السبب وفيه إبداء ما يحق إبداؤه وكشف ما لا يصلح خفاؤه - استحق أن يجعل مما يحكم به بالاختبار ولا يخص بالاضطرار ولذلك لم يقل في أشعارهم كما قل الوصل بجملة من مبتدأ وخبر: كقول الشاعر: 381 - من القوم الرسول الله منهم... لهم دانت رقاب بني معدّ 1 وبظرف: كما قال الراجز: 382 - من لا يزال شاكرا على المعه... فهو حر بعيشة ذات سعه 2 التقدير: الذين رسول الله منهم وعلى الذين معه».
انتهى كلام المصنف 3 ولا يخفى حسنه.
قال الشيخ: «ولا خلاف أنّ وصل أل بالمضارع لا يختصّ بالشّعر».
انتهى 4 فيكون وصل أل بالمضارع اضطرارا لا اختيارا.
وهذا الذي ذكره مبني على تفسير الضرورة ما هي؟.
-

................................  فالجماعة يقولون: ما جاء في الشعر ولم يجئ في الكلام سواء اضطر إليه الشاعر أم لا.
وعند المصنف: أن الضرورة هي ما يضطر إليه الشاعر، أما ما لا يضطر إليه فلا ضرورة فيه.
والمنقول عن الكوفيين 1: أن الأسماء المعرفة بأل كلها يجوز أن تستعمل موصولة.
واستدلوا بقول [1/ 230] الشاعر: 383 - لعمري لأنت البيت أكرم أهله... وأقعد في أفيائه بالأصائل 2 فالبيت خبر أنت وأكرم صلة البيت كأنه قال: لأنت الذي أكرم أهله.
وخرج البصريون ذلك على حذف صفة وجعل أكرم خيرا ثانيا، والتقدير: لأنت البيت المحبوب عندي أكرم أهله، وفي هذا التخريج نظر.
ولو قيل بأن أنت البيت كلام تام لا يفتقر إلى شيء لجاز، وذلك بأن يجعل اللام في البيت لشمول خصائص الجنس كما قالوا في قولهم: أنت الرّجل إذا أرادوا بذلك الرجل الكامل الجامع خصال الرجال المحمودة، فكأنه قيل: أنت البيت إذ لا بيت يشبهه.
وأما أكرم أهله فجملة مستأنفة أخبر عن نفسه أنه يكرم أهل هذا البيت لشرفه وعظمته.

[حذف عائد الموصول بأنواعه]

قال ابن مالك: (ويجوز حذف عائد غير الألف واللام إن كان متصلا: منصوبا بفعل أو وصف أو مجرورا بإضافة صفة ناصبة له تقديرا، أو بحرف جرّ بمثله معنى ومتعلّقا الموصول أو موصوف به.
وقد يحذف منصوب صلة الألف واللّام والمجرور بحرف وإن لم يكمل شرط الحذف.
ولا يحذف المرفوع إلا مبتدأ ليس خبره جملة ولا ظرفا بلا شرط آخر عند الكوفيين وعند البصريين بشرط الاستطالة في صلة غير أيّ غالبا وبلا شرط في صلتها).
قال ناظر الجيش: لما تقدم أن الموصولات لا بد لها من صلة وعائد بين الصلة بأقسامها وشروطها وكان العائد هو الضمير الذي يربط الصلة بالموصول، منه ما يجوز حذفه ومنه ما لا يجوز حذفه - شرع في الكلام على ذلك.
وينبغي أن يعلم أن العائد قد يكون زائدا على جزأي الإسناد الذي اشتملت عليه الصلة وقد يكون أحد جزأي الإسناد.
ثم الضمير العائد إما أن يكون مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا، أي محكوما على وضعه برفع أو بنصب أو بجر وقد قدم المصنف الكلام على المنصوب وثنى بالمجرور وثلث بالمرفوع.
ثم لما كان بعض الموصولات لا يجوز حذف عائده وهو الألف واللام أخرجه أولا بقوله: ويجوز حذف عائد غير الألف واللام.
فعلم أن الكلام في الحذف إنما هو بالنسبة إلى الموصولات غير ما أخرجه.
إذا تقرر هذا فاعلم أن المصنف ذكر لجواز حذف العائد المنصوب شرطين: أن يكون متصلا وأن يكون الناصب له فعلا أو وصفا - ولجواز 1 حذف العائد المجرور بالإضافة شرطا واحدا وهو أن يكون جره بإضافة صفة ناصبة تقديرا.
وبالحرف شرطا واحدا 2 وهو أن يكون الموصول جر بحرف مثل الحرف الذي جر -

................................  العائد إليه معنى ومتعلقا - ولجواز حذف العائد المرفوع ثلاثة شروط إن كان الموصول غير أي: أن يكون مبتدأ، وأن يكون خبره ليس جملة ولا ظرفا وأن تكون الصلة فيها استطالة [1/ 231] وشرطية إن كان الموصول أيّا وهما ما ذكر غير الاستطالة، هذا عند البصريين.
وأما عند الكوفيين فالاستطالة عندهم غير مشترطة فغير أي عندهم يجري مجرى أي عند الجميع، وإذا عرف هذا إجمالا فلنذكره مفصلا: قال المصنف 1: قيد العائد الذي يجوز حذفه بكونه لغير الألف واللام لأن عائدهما عند الأكثر لا يحذف؛ لأنه يكمل صلتهما تكميل صلة غيرها ويميزهما من المعرفتين ويبدي من التأنيث والتثنية والجمع ما لا يبديانه، وقيد بالنصب احترازا من غير المنصوب فإن فيه تفصيلا يأتي ذكره.
وقيد المنصوب بالاتصال احترازا من المنفصل فإنه لا يجوز حذفه إذ لو حذف لجهل كونه منفصلا.
واشترط في المتصل انتصابه بفعل أو وصف احترازا من نصبه بغيرهما نحو: رأيت الذي كأنه أسد فإن حذفه لا يجوز.
ومثال المتصل الجائز الحذف لنصبه بفعل قوله تعالى: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ 2 ومنه قول الشاعر: 384 - كأنّك لم تسبق من الدّهر ساعة... إذا أنت أدركت الّذي كنت تطلب 3 ومثله قول الآخر: -

................................  385 - وحاجة دون أخرى قد سنحت بها... جعلتها للّذي أخفيت عفوانا 1 ومما جاء بوجهين يعني بالإثبات والحذف قوله تعالى: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ 2 وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ 3. ومثال المتصل الجائز الحذف لنصبه بوصف قول الشاعر: 386 - ما الله موليك فضل فاحمدنه به... فما لدى غيره نفع ولا ضرر 4 وقول الآخر: 387 - وليس من الرّاجي يخيب بماجد... إذا عجزه لم يستبن بدليل 5

................................  تقدير الأول: موليكه، وتقدير الثاني: من الراجيه.
قال الشيخ: «وأغفل المصنف شرطين في جواز حذف الضمير المنصوب بالفعل: أحدهما: أن يكون الضمير يتعين الربط به نحو: جاءني الذي ضربته.
فإن لم يتعين الربط لم يجز حذفه نحو: جاءني الذي ضربته في داره لا يجوز أن تقول: جاءني الذي ضربت في داره؛ لأنه لا يدري أهو المضروب أم غيره.
الثاني: أن يكون الفعل تامّا فإن كان ناقصا لم يجز حذف الضمير المنصوب.
تقول: جاءني الذي ليسه زيد ولا يجوز ليس زيد».
انتهى 1. وهذان الشرطان اللذان استدركهما على المصنف ذكرهما أبو الحسن ابن عصفور وعبر عن اشتراط الأول بأن لا يكون في الصلة ضمير آخر عائد على الموصول 2 وتعبير الشيخ بقوله: «أن يتعيّن الضّمير للرّبط» أولى من تعبير ابن عصفور بألا يكون في الصلة ضمير آخر عائد على الموصول.
فإن حذف الضمير المنصوب في مثل: جاءني الذي ضربته لسوء أدبه لا يمنع.
وعبارة ابن عصفور تقتضي بظاهرها منعه بخلاف ما عبر به الشيخ.
ثم أقول: لا استدراك على المصنف في هذين الشرطين: أما الأول: فلا شك أن قاعدة كلية وهي أن شرط الحذف في كل باب [1/ 232] أن يدل دليل على المحذوف ثم في بعض المواضع قد يحتاج الحذف إلى قيود غير ذلك فتذكر.
وأنت إذا ادعيت أن ثم ضميرا حذف في نحو: جاءني الذي ضربت في داره قيل لك: ليس في الكلام ما يدل على ما أردت؛ لأن الربط قد حصل بالضمير المجرور فالقائل يقول: في مثل: جاءني الذي ضربت في داره لم يكن ثم ضمير وحذف إذ لو حذف لم يكن دليل على حذفه.
وأفاد هذا الكلام أن الضرب وقع في داره ولا يلزم أن يكون الجائي هو المضروب - - في محل نصب، وهو رأي سيبويه (شرح الأشموني: 2/ 246). والبيت في شرح التسهيل (1/ 205)، وفي التذييل والتكميل: (3/ 73)، وليس في معجم الشواهد.

................................  وإذا قال: جاء الذي ضربته في داره أفاد مع ذلك أنه هو المضروب، ولم يكن هذا التركيب أصلا لذلك التركيب لما عرفت فامتناع الحذف هذا ليس له موجب إلا عدم الدلالة على الحذف وهذا بخلاف قولنا: جاء الذي إياه ضربته، حيث قلنا إنه يمتنع حذفه، فإن الحذف لو حصل لكان معنا دليل يدل على أن العائد محذوف إذ تقدير العائد من ضرورة صحة الكلام ولكن لا دلالة على كونه منفصلا.
وقد يكون الإتيان به منفصلا مطلوبا لغرض لا يفيده إلّا الانفصال فمن ثم لزم القول بامتناع حذفه.
وأما الثاني 1: فلأن حذف أخبار الأفعال الناقصة قد علم امتناعه في مكانه والشيء إذا كان معلوم الحكم في باب وذكر لنا حكم مناقض في باب آخر يمكن أن يشمل المذكور في ذلك الباب وجب ألا ينسحب عليه الحكم المذكور لئلا يلزم التناقض، فإذا قيل في باب كان: إن المنصوب بها وبأخواتها لا يحذف 2 ثم يقال في باب آخر: إن المنصوب بالفعل يجوز حذفه مثلا وجب أن يحمل ذلك على غير باب كان لما قلناه وهذا ظاهر.
ثم اعلم أنهم ذكروا هنا مسألة 3: وهي أن هذا الضمير المنصوب إذا حذف بشرطه ففي توكيده والنسق عليه خلاف كقولك: جاء الذي ضربت نفسه وجاء الذي ضربت وعمرا فأجاز ذلك الأخفش والكسائي ومنعه ابن السراج 4 وجماعة واختلف النقل عن الفراء في ذلك -

................................  واتفقوا على جواز مجيء الحال من الراجع المحذوف إذا كانت مؤخرة عنه في التقدير، واختلفوا إذا كانت في التقدير مقدمة عليه فأجازها ثعلب ومنعها هشام 1.

  • ومثال المجرور بإضافة صفة ناصبة تقديرا قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ 2 فهذا مثال الإثبات، ومثال الحذف قوله تعالى: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ 3. ومنه قول الشاعر: 388 - لعمرك ما تدري الضّوارب بالحصى... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع 4 وقول الآخر: 389 - سأغسل عني العار بالسّيف جالبا... عليّ قضاء الله ما كان جالبا 5 وقول الآخر: -

................................  390 - ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا... [ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد] 1

  • ومثال المجرور بحرف جر مثله الموصول أو موصوف به: مررت بالذي مررت به أو بالرجل الذي مررت به فهذا مثال الإثبات.
  • ومثال الحذف قوله تعالى: وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ 2 ومنه قول الشاعر: 391 - نصلّي للّذي صلّت قريش... ونعبده وإن جحد العموم 3 [1/ 233] أي للذي صلت له.
  • وكذا لو كان أحد المتعلقين فعلا والآخر صفة بمعناه كقول القائل: 392 - وقد كنت تخفي حبّ سمراء حقبة... فبح لان منها بالذي أنت بائح 4
    • ترجمة الشاعر: هو سعد بن ناشب من بني العنبر كان أبوه ناشب أعور وكان من شياطين العرب وكذلك كان سعد ابنه.
      انظر بعض أخباره في الشعر والشعراء (1/ 700).

................................  فهذه أمثلة انجرار الموصول بمثل الحرف الذي جر به العائد في المعنى والمتعلق.
وأما انجرار الموصوف بالموصول بمثل ذلك فكقول الشاعر: 393 - إن تعن نفسك بالأمر الّذي عنيت... نفوس قوم سموا تظفر بما ظفروا 1 أي الذي عنيت به.
واعلم أن ابن عصفور ذكر أن من الصور التي يجوز فيها حذف العائد المجرور بحرف: «أن يكون مثل ذلك الحرف معنى ومتعلّقا قد جرّ مضافا إلى الموصول نحو: مررت بغلام الّذي مررت 2». ولكنه لم يذكر الصورة التي ذكرها المصنف وهي أن يكون الحرف قد جر الموصوف بالموصول فالذي يتحصل من كلام الرجلين ثلاث صور 3. -

................................  وأشار المصنف بقوله: وقد يحذف منصوب صلة الألف واللّام والمجرور بحرف وإن لم يكمل شرط الحذف - إلى أن هذين الأمرين في غاية القلة.
فأما حذف منصوب صلة الألف واللام فكقول الشاعر: 394 - ما المستفزّ الهوى محمود عاقبة... ولو أتيح له صفو بلا كدر 1 التقدير: ما المستفزه.
قال المازني: لا يكاد يسمع حذفه من العرب إلا أنه ربما جاء في الشعر.
وأما حذف المجرور بحرف إذا فقد الشرط المتقدم الذكر ففي صور:

  • وذلك إما بأن لا يجر الموصول كقول حاتم: 395 - ومن حسد يجور عليّ قومي... وأي الدّهر ذو لم يحسدوني 2 أي لم يحسدوني فيه.
    ومثله قول الفرزدق: 396 - لعلّ الّذي أصعدتني أن يردّني... إلى الأرض إن لم يقدر الحين قادره 3 أراد أصعدتني به.
    -

................................  وإما بأن يجر الموصول بحرف مثل الحرف الذي جر به العائد معنى لا متعلقا كقول الشاعر: 397 - فأبلغن خالد بن فضلة وال... مرء معنّى يلوم من يثق 1 أي يلوم من يثق به فالمتعلق مختلف.
ومثله قول الشاعر: 398 - وإنّ لساني شهدة يشتفى بها... وهو على من صبّه الله علقم 2 أراد على من صبه الله عليه.

  • وإما أن لا يجر الموصول كالصورة الأولى لكن مثل ذلك الحرف الذي يقدر مع العائد المحذوف بعد الصلة كقول الشاعر: 399 - ولو أنّ ما عالجت لين فؤادها... فقسا استلين به للان الجندل 3

................................  أراد: ولو أن ما عالجت به لين فؤادها فقسا؛ فحذف المتصل بعالجت استغناء منه بالمتصل باستلين وإن كان بعد الصلة لأنه عائد على ما والكلام واحد.
قال الشيخ: «وقد نقص المصنف شروطا أخر في المسألة يعني في حذف العائد المجرور بحرف».
أحدها: «ألا يكون الضمير وحرف الجر في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله فإنه إذ ذاك لا يجوز الحذف وإن استوفى [1/ 234] الشروط التي ذكرها المصنف، مثاله: مررت بالّذي مرّ به وغضبت على الذي غضب عليه لا يجوز حذف به ولا حذف عليه لأنه في موضع رفع».
الثاني: «ألا يكون الضمير محصورا في موضع المحصور نحو مررت بالذي ما مررت إلا به ومررت بالذي إنما مررت به».
الثالث: «ألا يكون ثم ضمير آخر يصلح للربط نحو مررت بالذي مررت به في داره فلا يجوز حذفه».
انتهى 1. ولم ينقص المصنف شيئا من الشروط.
وهذه الثلاثة التي ذكرها الشيخ لا يحتاج المصنف إلى ذكرها بل لو ذكرها كان ذكرها عيّا: أما الثالث فقد عرفت جوابه فيما تقدم عند ذكر المنصوب المتصل.
وأما الأولان فالعجب من الشيخ كيف ذكرهما استدراكا ومنع حذف ما أقيم مقام الفاعل معلوم وكذا منع حذف المفعول المحصور والحكم إذا علم في بابه بشيء كان قيد الحكم الذي يذكر مطلقا في باب آخر، وقد قال المصنف في باب الفاعل 2: «ولا يحذف الفاعل إلا مع رافعه المدلول عليه».
ثم قال في باب النائب عن الفاعل ما نصه 3: «قد يترك الفاعل فينوب عنه في كلّ حاله».
- - الجاريات شعره لرقته وعذوبته (أخباره في الشعر والشعراء: 2/ 535) (خزانة الأدب: 1/ 231) وله ديوان شعر مطبوع.

................................  ولا شك أن هي جملة أحكامه أنه لا يحذف فلزم من هذين الكلمتين أن القائم مقام الفاعل لا يحذف.
وقال المصنف أيضا في باب تعدي الفعل ولزومه: «يحذف كثيرا المفعول به غير كذا وكذا والمحصور» 1 فثبت أن المحصور لا يحذف، ولا يخفى أن مثل هذه الأمور لا ينبغي أن تستدرك والشيخ قدره أجل من أن يورد ما يشبه هذا الاستدراك أو غيره.
وقد انقضى الكلام على العائد المنصوب والعائد المجرور.
وأما العائد المرفوع: فقد عرفت شروط جواز حذفه 2 وما يختص به الموصول غير أي من اشتراط أمر زائد على ما يشترط في أي.
قال المصنف 3: «وقيدت جواز حذف العائد المرفوع بكونه مبتدأ احترازا من غير المبتدأ كالفاعل فإن حذفه وحذف ما أشبهه لا يجوز.
وأما المبتدأ فإن عاد على أي جاز حذفه بإجماع طالت الصلة أو لم تطل ما لم يكن خبره جملة أو ظرفا وإن عاد على غير أي ولم يكن خبره جملة ولا ظرفا جاز حذفه عند الكوفيين مطلقا كجوازه في صلة أي ولم يجز حذفه عند البصريين دون استكراه إلا إذا استطيلت الصلة كقول بعض العرب «ما أنا بالّذي قائل لك سوءا».
أراد بالذي هو قائل فحسن الحذف لطول الصلة بالمجرور والمنصوب فإن زاد الطول ازداد الحذف حسنا كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ 4 (التقدير 5 والله أعلم وهو الذي هو في السماء إله وهو في الأرض - - «قد يترك الفاعل لغرض لفظي أو معنوي جوازا أو وجوبا فينوب عنه جاريا مجراه في كلّ ماله مفعول به أو جار مجراه أو مصدر...» إلخ.

................................  إله) 1 فإن عدمت الاستطالة ضعف الحذف وإن لم يمتنع كقول الشاعر: 400 - من يعن بالحمد لا ينطق بما سفه... ولا يحد عن طريق الحلم والكرم 2 [1/ 235] أراد بما هو سفه. ومثله قراءة بعض السلف (تماما على الذي أحسن) 3 بالرفع أي على الذي هو أحسن واشترط في جواز الحذف كون الخبر غير جملة ولا ظرف لأنه لو كان أحدهما ثم حذف المبتدأ لم يعلم حذفه؛ لأن ما يبقى من الجملة أو الظرف صالح للوصل به دون شيء آخر فامتنع الحذف. انتهى 4. وعن نحو «لا ينطق بما سفه، ونحو تماما على الّذي أحسن» احترز المصنف بقوله غالبا بعد قوله: بشرط الاستطالة في صلة غير أيّ. ومما حذف فيه العائد لطول الصلة قول الشاعر: 401 - وأنت الجواد وأنت الّذي... إذا ما النّفوس ملأن الصّدورا جدير بطعنة يوم اللّقا... ء تضرب منها النّساء النّحورا 5

................................  قال الشيخ: «وقد نقص المصنف في جواز حذف هذا المبتدأ شروطا.
أحدهما: ألا يكون معطوفا على غيره نحو: جاءني الذي زيد وهو منطلقان فلا يجوز حذف هو.
الثاني: ألا يكون معطوفا عليه غيره نحو: جاءني الذي هو وزيد فاضلان وفي هذا خلاف للفراء فإنه أجاز حذفه فتقول: جاءني الذي وزيد فاضلان ولم يسمع.
الثالث: ألا يكون محصورا نحو: جاءني الذي ما في الدار إلا هو.
الرابع: أن لا يكون في معنى المحصور.
الخامس: ألا يكون بعد حرف نفي نحو: الذي ما هو قائم.
السادس: ألا يكون بعد لولا نحو: جاءني الذي لولا هو لقمت.
انتهى 1. والشرطان الأولان ذكرهما في المقرب 2. والحق أنه لا يحتاج إلى اشتراطهما ولا إلى اشتراط ما بعدهما؛ لأن هذه الصور المذكورة في كلّ منهما مانع يمنع الحذف وقد علم في مكانه.
فإذا أطلق القول بالحذف هنا كان من المعلوم أن ذلك مقيد بانتفاء ذلك المانع الذي يمنع منه.
ولا شك أنهم في باب العطف قد ذكروا أن حذف كل من المعطوف والمعطوف عليه لا يجوز وإن قيل بذلك فهو في غاية القلة على أنه في موضع خاص - - وهو في هذين البيتين يصف ممدوحه بالشجاعة والإقدام في أيام الهول والحرب إذا خافت النفوس وهرعت النساء تحارب مع الرجال أو صرخت من أجلهن.
وشاهدهما قوله: جدير بطعنة يوم اللقاء حيث حذف عائد الموصول لطول الصلة وكان حقه أن يقول: وأنت الذي هو جدير.
والبيتان في التذييل والتكميل (3/ 86). وليسا في معجم الشواهد.

................................  فلا يتعداه 1. وأما المحصور وما في معناه فقد تقدم أنهم نصوا على أنه لا يحذف وهو فضلة فكيف يجوز حذفه وهو عمدة؟ والسر في ذلك أنه المقصود بالذكر فإنما سبق الكلام ليذكر انحصار الحكم فيه فكيف يجوز حذفه.
وأما الواقع بعد لولا فقد علمت أن خبره محذوف واجب الحذف ولا يجوز مع حذف الخبر حذف المبتدأ؛ لأن ذلك مؤد إلى الإجحاف.
نعم إذا وقعت الجملة المركبة من مبتدأ وخبر وخبر لمبتدأ آخر جاز حذف تلك الجملة من حيث هي خبر ودل الدليل عليها والجملة بعد لولا ليست بخبر فلا يجوز ذلك فيها.
وأما الواقع بعد حرف نفي فقد يمنع ما ذكره من منع الحذف ويدعي جوازه إذ لا يظهر فيه مانع، نعم إنما امتنع المثال الذي مثل به لأن الصلة فيه لم تطل.
ثم قال الشيخ 2 بعد إنقضاء الكلام على حذف العائد: «هذا حكم الضّمير [1/ 236] المشتمل عليه الصلة إذا كان أحد جزأيها، فتقول: أين الرجل الذي قلت وأين الرّجل الذي زعمت، تريد: أين الرجل الذي قلت أنه يأتي، أو زعمت أنه يأتي أو نحو ذلك مما يكون المعنى عليه قال الله تعالى: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ 3 «أي تزعمون أنهم شركاء».

[حكم أي الموصولة من البناء والإعراب]

قال ابن مالك: (وهي حينئذ باقية على موصوليّتها مبنيّة على الضّمّ غالبا خلافا للخليل ويونس وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقا وإن أنّثت بالتّاء حينئذ لم تمنع الصّرف خلافا لأبي عمرو).
قال ناظر الجيش: اعلم أن أيّا معربة في جميع أقسامها وقد عرف هذا في أول الكتاب عند قوله: ويمنع إعراب الاسم مشابهة الحرف بلا معارض فأخرج بلا معارض أيّا لأنها تشبه الحرف في جميع أقسامها لكن عارض هذا الشبه لزومها الإضافة التي هي من خصائص الأسماء ولا شك أن من جملة أقسام أي أن تكون موصولة فهو لا يحتاج هنا إلى ذكر كونها معربة؛ لأن ذلك علم مما تقدم لكنها - أعني الموصولة - لها أربعة أحكام: لأنها إما أن يذكر العائد إليها الذي هو صدر صلتها أو لا يذكر.
وعلى كلا التقديرين إما أن يذكر العائد الذي تضاف هي إليه أو لا يذكر؛ فهي في ثلاثة أحوال من هذه الأربعة معربة: وهي إذا لم تضف ذكر العائد أو لم يذكر أو أضيفت وكان العائد الذي هو صدر صلتها مذكورا وفي حالة واحدة تبنى وهي أن يذكر ما أضيفت إليه ولا يذكر العائد الذي هو صدر الصلة.
والصور الثلاث الأول لا يحتاج أن يذكر أيّا فيها معربة؛ لأن كونها معربة قد علم قبل.
ولما كانت تبنى في هذه الصورة الخاصة أعني الرابعة احتاج أن ينبه على بنائها فأشار إلى ذلك بقوله: وهي حينئذ باقية على موصوليّتها مبنية على الضّمّ، والضمير يعود على أي لتقدم ذكرها.
وقوله حينئذ أي حين إذ حذف العائد إليها الذي هو المبتدأ؛ لأن كلامه المتقدم يتضمن ذلك فاستغنى عن إعادته، لكنه لم يذكر الأمر الآخر وهو أن يكون ما أضيفت هي إليه مذكورا وهو لا بد منه في اقتضاء البناء كما تقدم، ولكننا نستفيد ذلك من قوله: وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقا فعلمنا بذلك أن الصورة التي ذكر أن أيّا فيها تبنى لا بد أن تكون أيّا فيها مضافة ولعل هذا هو الموجب له أن -

................................  يقال: وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقا وإلا فهو مستغن عن التنبيه على ذلك لما قلنا إن أيّا معربة فإذا بين الصورة التي تبنى فيها كفى، فكانت بقية الصور على إعراب الذي هو ثابت لها. ولا يقال: إن المصنف أراد بقوله: وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقا أي سواء ذكر العائد الذي هو المبتدأ أو لم يذكر أن يستوعب 1 أحوال أي الموصولة بالذكر فبين الصورة التي تبنى فيها ثم بين الصورة التي فيها معربة، واستفيد من ذلك [1/ 237] الأمر الذي أشرت أنه لا بد منه في اقتضاء البناء؛ لأنا نقول لم يستوعب المصنف الصور جميعها إذ بقيت صورة هي فيها معربة وهو لم يتعرض إليها وهي ما إذا ذكر ما تضاف أي إليه وذكر العائد إليها الذي هو المبتدأ. والحق أنه كان مستغنيا عن أن يقول: وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقا وكان يكتفي بذكر صورة البناء فيبقى ما عداها على الأصل الذي هو إعراب أي ولكنه كان يحتاج أن يزيد قيدا فيقول: «وهي حينئذ باقية موصوليّتها مبنيّة على الضّم إن أضيفت لفظا». إذا تقرر ما قلناه فلنورد كلام المصنف ثم نتبعه بما يزيده توضيحا: قال رحمه الله تعالى 2: مذهب الخليل ويونس أن أيّا الموصولة معربة أبدا 3 وما ورد عنهم مما يوهم البناء عند حذف صدر صلتها كقوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا 4 جعله الخليل محكيّا بقول مقدر وحكم يونس بتعليق الفعل قبلها لأن التعليق عنده غير مخصوص بأفعال القلوب. والحجة عليهما قول الشاعر: 402 - إذا ما أتيت بني مالك... فسلّم على أيّهم أفضل 5

................................  لأن حروف الجر لا تعلق ولا يضمر قول بينها وبين معمولها أي لا يحذف المجرور بها وتبقي هي.
وإذا بطل التعليق وإضمار القول تعين البناء إذ لا قائل بخلاف ذلك.
ونبهت بقولي: غالبا على أن بناء أي عند حذف صدر صلتها غير لازم وإنما هو أحق من الإعراب.
ومن شواهد الإعراب: قراءة طلحة بن مصرف ومعاذ بن مسلم (ثم لننزعنّ من كلّ شيعة أيّهم أشد) بالنصب وإعرابها حينئذ مع قلته قوي لأنها في الشرط والاستفهام تعرب قولا واحدا لمخالفتها غيرها من أسماء الشرط والاستفهام بإضافتها ووفاقها في المعنى لبعض إن أضيفت إلى معرفة ولكل إن أضيفت إلى نكرة، والموصولة أيضا مخالفة لغيرها من الأسماء الموصولة بإضافتها إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة فوافقت في المعنى بعضا دون كل فضعف بذلك موجب إعرابها فجعل لها حالان: حال بناء وحال إعراب.
وكان أولى أحوالها بالبناء الحال التي يحذف فيها شطر صلتها مع التصريح بما تضاف إليه؛ لأن حذف شطر صلتها لم يستحسن فيها ولا في غيرها إلا لتنزيل ما تضاف إليه منزلته وذلك يستلزم تنزيلها حينئذ منزلة غير مضاف لفظا ولا نية.
وإنما أعربت لإضافتها؛ فإذا صارت في تقديم ما لم يضف، ضعف سبب إعرابها فبنيت غالبا.
فإن حذف ما تضاف إليه أعربت على كل حال؛ لأن ذلك يبدي تمكنها في الإضافة لاستغنائها بمعناها عن لفظها وإلحاق التنوين بها عوضا فأشبهت بذلك كلا، فإن كلا يحذف ما تضاف إليه كثيرا ويجاء بالتنوين عوضا منه.
انتهى 1. وحاصل الأمر: أن القول ببناء «أي» إذا حذف شطر صلتها وصرح بما تضاف إليه هو مذهب سيبويه وعليه الجمهور.
[1/ 238] قال سيبويه: «إنّها تغيّرت عمّا عليه أخواتها فحذف معها أحد جزأي - - فقيل: على الإعراب وهو رأي الخليل ويونس ورد عليهما ابن مالك في الشرح.
وقيل: إنها ضمة بناء وهو رأي سيبويه واختاره ابن مالك.
كما روي البيت بالجر على الإعراب قولا واحدا.

................................  الجملة الابتدائية فلما تغيرت كان من فعلهم أن غيروها تغييرا ثانيا إذ قد ثبت أنّ التّغيير يأنس بالتّغيير دليل ذلك يا ألله» انتهى 1. ولكن إعراب أي حينئذ جائز ولكنه أضعف من البناء، ولكون إعرابها في هذه الصورة جائزا أعقب قوله: مبنيّة على الضّمّ بقوله: غالبا.
وأما الخليل ويونس: فلا يريان بناءها بل هي عندهم مستمرة على الإعراب في هذه الحالة التي ذهب سيبويه فيها إلى بنائها كما هي معربة في بقية أحوالها وخرّجا أيّا في الآية الشريفة على أنها استفهامية، فقد اتفق قولاهما على أن أيّا في الآية الشريفة معربة وأنها استفهامية.
لكن الخليل جعلها محكية ويونس جعلها في موضع المفعول وحكم بتعليق لننزعن عنها كما عرفت.
وأما التعليل الذي ذكره المصنف لكون أي الموصولة لها حالان: حال تقتضي الإعراب وحال تقتضي البناء، وأن أولى أحوالها بالبناء الحالة التي ذكر أنها تبني فيها إلى آخر كلامه.. فلا يخفى ما فيه من اللطافة.
وإن الذي يعين على قبوله إنما هو الذوق.
ثم قال المصنف 2: وإذا قيل في أي أية لإرادة معنى التي فإما أن يصرح ما تضاف إليه وإما أن يحذف وينوي فإن صرح به فحكم أي معه حكم أي حين يصرح بما تضاف إليه بلا خلاف.
وإن نوى فكذلك أيضا.
وكان أبو عمرو 3 يمنعها الصرف حينئذ للتأنيث والتعريف؛ لأن التعريف بالإضافة المنوية شبيهة التعريف بالعلمية.
ولذلك منع من الصرف «جمع» المؤكد به لأن فيه عدلا وتعريفا بإضافة منوية فكان كالعلم المعدول إلا أن شبه جمع أشد من شبه أيّة لأن جمع لا يستعمل مضافا إليه بخلاف أي فإن استعمال ما تضاف إليه أكثر من عدمه فلم يشبه العلم.

[حكم أنت الذي فعل وفعلت]

قال ابن مالك: (ويجوز الحضور أو الغيبة في ضمير المخبر به أو بموصوف عن حاضر مقدّم ما لم يقصد تشبيهه بالمخبر به فتتعيّن الغيبة ودون التّشبيه يجوز الأمران إن وجد ضميران). قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: «الإشارة بهذا الكلام إلى نحو: أنت الذي فعل وأنت فلان الذي فعل وأنت رجل فعل ففي فعل الأول ضمير عائد على موصول مخبر به، وفي فعل الثاني ضمير عائد على موصول موصوفه مخبر به، وفي فعل الثالث ضمير عائد على نكرة مخبر بها. والمخبر عنه في الأمثلة الثلاثة حاضر مقدم وقد جيء بمضمر خبره غائبا معتبرا به حال المخبر به 2 ولو جيء به حاضرا معتبرا به حال المخبر عنه جاز فكنت تقول فعلت في الأمثلة الثلاثة لأن المخبر عنه والمخبر به شيء واحد في المعنى. وفي حديث محاجة موسى آدم عليه السّلام: «أنت آدم الّذي أخرجتك خطيئتك من الجنّة، فقال آدم: أنت موسى الّذي اصطفاك الله برسالاته. وفي رواية: أنت الّذي أعطاه الله علم كلّ شيء واصطفاه على النّاس برسالاته» 3. ومن اعتبار حال المخبر عنه قول الفرزدق: 403 - وأنت الّذي تلوي الجنود رؤوسها... إليك وللأيتام أنت طعامها 4

................................  [1/ 239] ومثله قول قيس العامري: 404 - وأنت الّتي إن شئت نعّمت عيشتي... وإن شئت بعد الله أنعمت باليا 1 ومن اعتبار حال المخبر به قول الفرزدق: 405 - وأنت الّذي أمست نزار تعدّه... لدفع الأعادي والأمور الشّدائد 2 فلو قصد تشبيه المخبر عنه بالمخبر به تعين كون العائد بلفظ الغيبة كقولك: أنت الذي فعل بمعنى كالذي فعل، وكذلك تتعين الغيبة عند تأخير ما يدل على الحضور كقولك: الذي فعل أنت ولذلك قلت في الأصل: عن حاضر مقدّم. ومثال ما يجوز فيه الأمران إن وجد ضميران مع عدم التشبيه قول بعض الأنصار رضي الله عنه: 406 - نحن الّذين بايعوا محمّدا... على الجهاد ما بقينا أبدا 3 ومثله: 407 - أأنت الهلاليّ الّذي كنت مرّة... سمعنا به والأرحبيّ المعلّق 4

................................  أي ومعه الأرحبي».
انتهى 1. واعلم أن ها هنا أمورا ينبه عليها:

  • الأول: أن الحضور يشمل التكلم كما يشمل الخطاب ولا فرق بين أنت الذي فعل وأنا الذي فعل: وكذا أنا فلان الذي فعل وأنا رجل فعل لا فرق بينهما وبين أنت فلان الذي فعل وأنت رجل فعل قال: 408 - أنا الّذي فررت يوم الحرّة... [والشّيخ لا يفرّ إلّا مرّة] 2 وقال الآخر: 409 - وإنّا لقوم لا نرى القتل سبّة... [إذا ما رأته عامر وسلول] 3
    • «إلّا إنّه إذا اجتمع الحملان فالأحسن أن يبدأ بالحمل على لفظ الّذي قبل الحمل على المعنى».
      (التذييل والتكميل: 1/ 662). وهو عكس ما فعله الشاعر إلا أنه ينطبق على قول الآخر: نحن الّذين بايعوا محمّدا وبيت الشاهد في معجم الشواهد (ص 37) برواية المهلب و (ص 245) برواية المعلق وهو في شرح التسهيل لابن مالك (1/ 211) ولأبي حيان (2/ 124)، (3/ 103).

................................  وقال الآخر: 410 - وأنا ابن حرب لا يزال يشبّها... [نارا تسعّر طالبا أو أطلب] 1 ثم لا فرق بين الواحد وغيره.
قال الله تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ 2 والحكم بعد دخول ناسخ على ضمير الحضور فيما ذكر كالحكم قبل دخوله وفي الحديث: «إنّك امرؤ فيك جاهليّة» 3. وقال الشاعر: 411 - وكنّا أناسا قبل غزوة قرمل... ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا 4

  • الثاني: يفهم من قول المصنف: ويجوز الحضور أو الغيبة في ضمير المخبر به - - أو مخاطبا.
    وبيت الشاهد من النوع الأخير والشاهد الذي بعده من النوع الأول.
    والبيت في التذييل والتكميل: (3/ 99) وليس في معجم الشواهد.

................................  أو بموصوف عن حاضر مقدّم أن الضمير للمخبر به وللموصوف لا لما وقعا خبرا عنه سواء كان بلفظ الحضور أو الغيبة، فإن كان بلفظ الغيبة فهو عائد على الظاهر الذي هو الخبر أو الموصوف ولا إشكال.
وإن كان بلفظ الحضور فهو أيضا عائد على الظاهر خبرا كان أو موصوفا حملا على المعنى لأن الظاهر المذكور هو الضمير المخبر عنه في المعنى.
وقال الفارسي: إذا قلت أنت الّذي فعلت لم يعد على الصّلة ضمير وإنّما عاد على أنت ومن ثم قال: إن الحمل على اللفظ أكثر في الصلة والصفة.
وأكد كلامه بأن قال: «إذا قلت أنتم كلّكم بينكم درهم لم يعد على كلّ من خبره شيء».
وكذلك الموصول الذي مثلنا به وهي كلها تحتاج إلى ضمائر فخلوها عن ذلك خروج عن القياس.
قال: وهو قول أبي عثمان.
وقال أبو عثمان: «لولا أنّه مسموع من العرب لرددناه لفساده فعلى هذا لم يعد على كل ضمير إذا خاطبت لكن صحّ الكلام للحمل على المعنى؛ لأنه إذا عاد على أنتم وهو كلّ في المعنى فكأنّه عاد على كلّ» انتهى 1. ولا يخفى أرجحية ما ذكرناه أولا على ما ذكره [1/ 240] أبو علي.

  • الثالث: قد عرف من تمثيل المصنف بأنت الذي فعل وأنت فلان الذي فعل وأنت رجل فعل أن المخبر به عن الاسم الدال عن الحضور إما موصول أو موصوف بموصول إن كان معرفة 2 أو بجملة إن كان نكرة ولكن ليس في عبارة المتن ذكر الموصول لكن قد يقال قد ذكر ذلك في باب الموصول يرشد إلى أن المقصود هو -

................................  الموصول.
ثم لم يظهر لي ما عطف عليه قوله: أو بموصوف، ولم يتيسر لي حل هذه العبارة أعني قوله: بموصوف 1 ويظهر أنه لو قال في ضمير المخبر به من موصول أو موصوف لكان أوضح وأبين مع أنه واف بتأدية مراده.

  • الرابع: إنما تعرض ابن عصفور إلى ذكر الموصول وأهمل ذكر الموصوف لكنه قيد الموصول بالذي والتي وتثنيتهما وجمعهما 2. ومن ثم قال الشيخ: «إنّ الّذي ذكره المصنف يحتاج إلى تحرير وتقييد وذكر أمرين 3: أحدهما: ما ذكره ابن عصفور أن ذلك إنّما يكون في الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما ولا يجوز في غير ما ذكر فلا يقال أنا من قمت وإنما يقال: أنا من قام وكذا لا يقال: أنت من ضربت وإنما يقال: أنت من ضرب».
    ولا شك أنه كان ينبغي للمصنف التنبيه على ذلك وكأنه إنما لم يتعرض إليه؛ لأن الإتيان بالعائد في مثل ذلك بلفظ الحضور إنما هو بالحمل على المعنى وهو خلاف ما يقتضيه اللفظ.
    ومثل هذا لا ينبغي أن يتجاوز به مورد السماع.
    والسماع إنما ورد في الذي وفروعه فيجب الاقتصار عليه لكن عبارته في المتن شاملة فمن ثم كان ينبغي له أن يأتي بما يدفع الشمول.
    الثاني 4: أنه قال: «من شروط مراعاة الحضور أن يتأخر الخبر ولو تقدّم لم يجز -

................................  إلّا مراعاة الظاهر فيعود غائبا فتقول في أنا الّذي قمت إذا قدمت الخبر: الّذي قام أنا وكذا تقول في أنت الّذي قمت إذا قدمت: الّذي قام أنت لأن الحمل على المعنى قبل تمام الكلام لا يجوز لأنه يلزم منه الحمل على المعنى قبل حصول المعنى في اللّفظ».
وهذا عجب من الشيخ كيف جعل هذا استدراكا والمصنف قد ذكر ذلك واحترز عنه بقوله: عن حاضر مقدّم وبين في الشرح أنه احترز بقوله مقدّم من أن يتقدم الخبر على المبتدأ المذكور فلا يجوز في الضمير إلا الغيبة.
واعلم أن الكسائي خالف في ذلك فيجوز في تقديم الخبر أن يكون العائد مطابقا لضمير الحضور كحاله لو كان متأخرا فتقول: الّذي قمت أنا والّذي قمت أنت 1.

  • الخامس: ذكر ابن عصفور أنه «إذا اجتمع في كلام واحد الأمران أعني الحمل على اللفظ والحمل على المعنى فالأولى أن يبدأ بالحمل على اللفظ قال: ويجوز البداءة بالحمل على المعنى وأنشد: 412 - أأنت الهلالي الّذي كنت مرّة...... البيت وإنّ الكوفيين لا يجيزون الجمع بين الحملين إلا إذا حصل فصل فلا يقولون أنا الّذي قمت وخرج وإن البصريين أجازوا ذلك قال: والسّماع إنّما ورد [1/ 241] على وفق قول الكوفيين» 2.

[حكم وقوع شبه الجملة صلة للموصول]

[1/ 241] قال ابن مالك: (ويغني عن الجملة الموصول بها ظرف أو جارّ ومجرور منويّ معه استقر أو شبهه وفاعل هو العائد أو ملابس له ولا يفعل ذلك بذي حدث خاصّ ما لم يعمل مثله في الموصول أو موصوف به وقد يغني عن عائد الجملة ظاهر).
قال ناظر الجيش: قد تقدم في أول الباب أن جملة الصلة تكون مؤولة كما تكون صريحة وأن العائد له خلف.
ولما تقدمت الإشارة إلى ذلك إجمالا 1 أشار الآن إلى ذلك مفصلا فقال في شرح هذا الكلام 2: «الظرف الموصول به جملة في المعنى لأنه لا بد من تعلقه بفعل.
والفعل لا يستغني عن فاعل وكذا حرف الجر الموصول به فلو استغنيت بذكر الجملة عن ذكرها لكان لائقا إلا أن التصريح بذكرهما أجود وذلك نحو عرفت الّذي عندك أي الذي استقر عندك والذي في الدار أي الذي استقر فيها، وتقدير الفعل هنا مجمع عليه بخلاف تقديره في غير صلة ففيه خلاف يذكر في باب المبتدأ إن شاء الله تعالى.
ولو تعلق الظرف أو الجار بذي حدث خاص كجلس أو نام لم يجز الاستغناء بتقديره؛ إذ ليس بعض المقدرات بأولى من بعض فإن عمل مثله في الموصول أو موصوف به جاز الاستغناء به فقد حكى الكسائي نزلنا المنزل الّذي البارحة والمراد نزلنا المنزل الذي نزلناه البارحة» انتهى.
ومثال عمل ذي الحدث الخاص في الموصول نفسه: نزلنا الذي البارحة، أي نزلنا البارحة وكما لا يجوز تقدير الحدث الخاص في الصلة بأن يحذف ويبقى الظرف والمجرور مغنيا عنه لا يجوز ذلك في غير الصلة كالخبر والحال والصفة.
وحاصل الأمر: أن متعلق الظرف وشبهه إن كان كونا خاصّا لا يجوز حذفه، -

................................  ولا يحذف إلا أن يكون كونا مطلقا وهو الأمر الجاري على ألسنة المعربين ومثال الملابس للعائد جاء الذي في الدار أبوه وهذا كله واضح.
قال الشيخ: 1 «وهذا الّذي ذكره المصنف فيه إخلال بقيد وقياس فاسد في موضعين: أمّا الإخلال بالقيد: فإنه كان ينبغي أن يقيد الظرف بكونه قريبا من زمان الإخبار فإنه إن كان غير قريب لم يجز حذف الصلة.
قال الكسائي 2: ولا يحذفون الصلة إلا مع ما قارب من الظروف نحو نزلنا المنزل الذي أمس ونزلنا المنزل الذي البارحة ونزلنا المنزل الذي آنفا ولا يقولون نزلنا المنزل الذي يوم الخميس ولا المنزل الذي يوم الجمعة».
وأمّا القياس الفاسد في موضعين: فالأول: «هو أن المصنف قاس المجرور على الظرف، والظرف يتصور فيه أن يكون قريبا وبعيدا وأما المجرور فلا يتصور فيه ذلك».
والثاني: «أنّ محلّ السماع إنما هو حذف الصلة في الموصول الموصوف به غيره نحو [1/ 242] نزلنا المنزل الذي البارحة لا في الموصول الداخل عليه عامل مثل الصلة المحذوفة وهذا الذي حكاه الكسائي خارج عن القياس فلا ينبغي أن يقاس عليه وإنما يقال فيه ما قالته العرب» انتهى 3. والحقّ أنه لا إخلال ولا قياس فاسد، إن كان ثمّ قياس: وذلك أن المصنف لم يعط كلامه أن حذف الحدث الخاص أمر مطرد في كل موطن وإذا لم يكن كذلك وجب الاقتصار على ما ذكره من ذلك ولا يعدو الحكم فيه إلى غيره وحينئذ لا يحتاج إلى ذكر المقيد بالقرب فينسب إلى الإخلال.
ولا نحكم بجواز ذلك مع المجرور لأنه إنما مثل بالظرف خاصة، وأما أن المصنف أجرى الموصول في ذلك مجرى الموصوف بالموصول فلا يخفى أن الحكم المذكور إذا ثبت مع الموصوف -

................................  بالموصول كان ثبوته مع الموصول دون موصوف أولى بالجواز.
ثم قال المصنف 1: ومثال ورود الظاهر مغنيا عن عائد الجملة قول الشاعر: أنشده الكسائي: 413 - فيا ربّ ليلى أنت في كلّ موطن... وأنت الّذي في رحمة الله أطمع 2 أراد أنت الذي في رحمته أطمع، فاستغنى بالظاهر عن المضمر.
ومثله: 414 - إنّ جمل الّتي شغفت بجمل... ففؤادي وإن نأت غير سالي 3 ومثله: 415 - سعاد الّتي أضناك حبّ سعادا... وإعراضها عنك استمرّ وزادا 4 أراد سعاد التي أضناك حبها فاستغنى بظاهر سعاد عن ضميرها.
ومن هذا القبيل أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، ومثل هذا في الصلة نادر، وإنما يكثر الاستغناء بالظاهر عن المضمر في الأخبار، وله موضع يأتي إن شاء الله تعالى 5.

جارٍ التحميل