................................
1721 - أنيخت فألقت بلدة بعد بلدة... قليل بها الأصوات إلّا بغامها 1
أي: الأصوات غير بغامها، وقول الآخر 2:
1722 - ويوم الحول إذ حشرت معدّ... وكان الناس إلا نحن دينا 3
أي: وكان النّاس المغايرون لنا دينا، ومثال شبه الجمع قول الشّاعر: أنشده سيبويه:
1723 - لو كان غيري سليمى الدهر غيره... وقع الحوادث إلّا الصّارم الذّكر 4
قال سيبويه: كأنّه قال: لو كان غيري غير الصارم الذكر لغيره، وقع الحوادث، إذا جعلت «غير» الآخرة صفة للأولى، فالمعنى أنّه أراد أن يخبر أنّ الصّارم الذكر لا يغيره شيء 5. انتهى، ويمكن أن يكون من أمثلة شبه الجمع: ما أتاني أحد إلّا زيد، قال سيبويه - بعد أن مثّل به -: فأنت بالخيار، وإن سميت جعلت (إلّا زيد) بدلا، وإن شئت جعلته صفة.
انتهى.
وقوله: جعلت (إلّا زيد) بدلا - فيه تجوّز، فإنّ البدل إنّما هو (زيد) وحده، لا (إلّا زيد) ومستغنى عنه لوضوحه، ولم يمثل المصنف لشبه الجمع معرفا بالأداة، -
................................
وإن انطوى كلامه في المتن عليه - ويظهر أن قوله: «منكّر»، أو معرّف بأداة جنسية، تقسيم للجمع، لا لشبه الجمع، ولمّا مثّل بما تقدّم من قول الشّاعر:
1724 - لو كان غيري...
قال: ومن وقوعها صفة لشبه الجمع المنكّر معنى، الشبيه بالمعرفة لفظا قول الشّاعر:...
وأنشد البيت المذكور، فأمّا كون إِلَّا في الآية الكريمة صفة آلِهَةٌ فهو رأي الأكثرين، وهو قول سيبويه 1، والأخفش 2.
قال المصنف 3: ومعنى الصفة - في هذا الباب - التّوكيد لا التّخصيص، فلا فرق بين ثبوتها، وسقوطها، ولذلك إذا قال المقرّ: له عندي عشرة إلّا درهم، حكم عليه بعشرة كاملة، ولا يجوز جعل ما بعد (إلّا) في الآية الكريمة بدلا [3/ 49] ممّا قبلها؛ لأنّ شرط البدل في الاستثناء صحة الاستغناء به عن الأول، وذلك ممتنع بعد (لو) كما يمتنع بعد (أن)؛ لأنهما حرفا شرط، والكلام معهما موجب؛ ولذا قال سيبويه: لو قلت: لو كان معنا إلّا زيد لهلكنا، لكنت قد أجلت 4، أي: أتيت بممنوع، فصحّ.
يقول سيبويه 5: إنّ (لولا) تفرّغ العامل الّذي بعدها لما بعد (إلّا) كما فرّغ بعد النّفي، وإذا لم يصحّ التفريغ امتنع البدل، لما تقدّم.
قال المصنف 6: وكلام المبرد في المقتضب مثل كلام سيبويه وكلام الأخفش أعني أنّ التفريغ والبدل بعد (لو) غير جائز، وذكر ابن السرّاج عن المبرد أنّه قال:
لو كان معنا إلّا زيد أجود كلام، وأحسنه 7 فيجوز التفريغ، ومقتضاه جواز البدل، وتجويز الأمرين منقول عنه،
ومستند القائل بجواز البدلية، أمّا المبرّد، أو غيره أنّ ما يدلّ عليه (لو) من الامتناع شبيه بالنّفي، ومعنى: لَوْ كانَ فِيهِما -
................................
آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ 1: ما فيهما آلهة إلّا الله، فما كان معناه معنى النّفي جرى في البدل مجراه، وقد ردّ القول بالبدلية بأوجه:
أحدها: أنّه لو كانت (لو) بذلك مستحقة لتفريغ ما يليها من العوامل، لكانت مستحقة بغير ذلك، ممّا يختصّ بحروف النّفي، كزيادة (من) في معمول ما يليها، وإعماله في (أحد)، و (غريب)، ونحوهما، وكنصب جواب مقرون بالفاء.
الثاني: أنّه لا يجري النّفي المعنوي مجرى النفي اللفظيّ، ألا ترى أنّك تقول:
أتى القوم إلّا زيدا، بالنصب، ليس إلّا، ولو كان النفي المعنوي كاللفظيّ لجاز: أتى القوم إلّا زيد، وكان المختار، وههنا أولى؛ لأنّ النفي محقّق، غير مقدّر فيه إثبات، وفي (لو) يقدّر فيما بعدها الإثبات، وإنّما قدّر فيه النّفي لمّا كان الإثبات تقديرا.
الثالث: أنّه لو كان على البدل لكان معناه معنى الاستثناء، ولو كان معناه معنى الاستثناء لجاز: «إلّا الله» بالنصب، ولا يستقيم المعنى؛ لأنّ الاستثناء إذا سكت عنه دخل ما بعده فيما قبله، ألا ترى أنّك لا تقول: جاءني رجال إلّا زيد، فكذلك لا يستقيم: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ، وقد نصّوا على أنّه لا يكون المخرج منه في الاستثناء إلّا مختصّا، وممّا يدل أيضا على أنّه ليس بمعنى الاستثناء أنّه لو كان النصب على الاستثناء، لكان المعنى - إذ ذاك - لو كان فيهما آلهة، ولم يكن الله في تلك الآلهة لفسدتا، وهو غير مستقيم؛ لأنّه يلزم عنه لو كان فيهما آلهة فيها الله لم تفسدا،
وذلك باطل.
قال السيرافي - شارحا لقول سيبويه -: لكنت قد أحلت لأنّه يصير المعنى:
لو كان معنا إلّا زيد لهلكنا؛ لأنّ البدل بعد إلّا في الاستثناء موجب، قال: وكذا لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا، ولو كان على البدل لكان التقدير: لو كان فيهما الله لفسدتا، وهذا فاسد 2. انتهى، وفيه نظر وممّا وقعت فيه (إلّا) مع ما بعدها وصفا بيت ذي الرّمة المتقدّم، وهو من إنشادات سيبويه 3. قال سيبويه كأنّه -
................................
قال: قليل بها الأصوات، غير بغامها، إذا كانت غير استثناء، قال سيبويه: ومثل ذلك قول الله عز وجل: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 1، يعني في وقوع (غير) صفة لما فيه ألف ولام، فإن رفع كان صفة لـ (القعدون) وإن جرّ كان صفة لـ (المؤمنين.)
قال المصنف 2: ولا يصحّ جعل (غير) في الآية الكريمة بدلا؛ لأنّه لا يستغنى به عمّا قبله، ومن وصف ذي الألف واللام أيضا بـ (غير) قول لبيد:
1725 - وإذا أقرضت قرضا فأجزه... إنّما يجزي الفتى غير الجمل 3
قال السيرافي: وأمّا قول الشّاعر:
1726 - قليل بها الأصوات إلّا بغامها 4
ففيه وجهان: أحدهما: ما قاله سيبويه، ومقتضاه، أنّه أثبت بها أصواتا قليلة، وجعل: (إلّا بغامها) نعتا للأصوات.
والوجه الثاني: يكون (قليل) بمعنى النّفي، كأنّه قال: ما بها أصوات إلّا -
................................
بغامها، وهو استثناء، وبدل صحيح، كما يقول: أقل رجل يقول ذلك إلّا زيد 1.
ورّدّ الشّلوبين البدل ههنا، وقال: لا يتصوّر؛ لأنّه يؤول إلى التّفريغ، وهو فاسد.
ألا ترى أنّه لم يرد أن يقول: ما بها إلّا بغامها، وكيف يقول ذلك وبها القليل، والراحلة، ورحلها، وغير ذلك، وإنّما أراد ما بها صوت مغاير لبغامها، و (قليل بها الأصوات) في معنى النّفي 2.
قال المصنف: عند نهاية الكلام على الشروط المعتبرة في الوصف بـ (إلّا) والحاصل أنّ (إلّا) لا يوصف بها مفرد محض، ولا يجوز: جاء الرجال إلّا زيد، على أن يكون (الرجال) معهودين؛ لأنّ معرفتهم حينئذ محضة، فلو قصد الجنس لم يمتنع وصفهم بـ (إلّا)، كما لا يمتنع وصفهم بـ (غير) 3، كقوله تعالى:
غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 4. انتهى، وبقي عليه أن يذكر مثالا ثالثا، لا يصح فيه الاستثناء، كما ذكر مثال المفرد المحض، والمعرّف تعريفا محضا، إلّا أنّه يكون استغنى عن ذلك بالتمثيل بـ: (قام رجل إلّا زيد)؛ لأنّه لا يصلح للاستثناء منه، لكونه مفردا، وقد تضمن كلام المصنف في الشرح 5 اشتراط أمور في وقوع (إلّا) مع ما بعدها وصفا:
الأمر الأول: أن يكون الموصوف بها جمعا، أو شبه جمع، كما تقدّم تمثيله، ووافق في ذلك ابن السراج، فإنّه قال: لا تكون (إلّا) وصفا، إلّا بعد جماعة أو واحد في معنى الجماعة 6، ولا يظهر من كلام سيبويه اشتراط ذلك، فإنّه مثّل المسألة بقوله: لو كان معنا رجل إلّا زيد لغلبنا 7، فجعل (إلّا زيد) وصفا لـ (رجل)، مع أنّه ليس جمعا، ولا شبه
جمع؛ إذ لا عموم له، ولا يمتنع من جهة الدليل وقوع (إلّا) وصفا للمفرد المحض؛ لأنّه إذا ثبت حمل (إلّا) على (غير) في الوصف بها، لم يكن لغير المفرد خصوصة بذلك [3/ 50] على المفرد، ووقوعها صفة له لا يدفع أصالة (غير) في الوصفية، فإنّ الأصالة قد تتميز بغير ذلك، كما سيأتي.
-
................................
الأمر الثاني: أن يكون الجمع المذكور منكّرا، أو معرّفا بأداة جنسيّة، ونقل المصنف عن المبرد أنّه قال: لا يوصف بـ (إلّا) إلّا ما يوصف بـ (مثل) و (غير) وذلك النكرة والمعرفة التي بالألف واللام على غير نحو: ما يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك، وقد أمرّ بالرجل غيرك، فيكرمني 1. ونقل الشيخ عن الأخفش قريبا من هذا 2، وللنحويين في ذلك اضطراب: فمنهم من قال: لا يوصف بـ «إلّا» وما بعدها، إلّا النكرة خاصة (3)، ومنهم من زاد المعرّف بالأداة الجنسية، كما هو رأي المصنف 3، ومنهم من فصّل فقال: إن كان ما بعد (إلّا) معرفة، جرت على النكرة وعلى المعرفة، وإن كان ما بعدها نكرة، جرت على النكرة، لا المعرفة، ومنهم من أطلق القول في ذلك، فأجاز أن يقع صفة للنكرة والمعرفة، ولم يقيدها بالأداة الجنسية، وهو ظاهر من قول سيبويه، حتّى أنّهم أجازوا أن يقع صفة للضمير أيضا، وأنشد عليه قول الشاعر:
1727 - وبالصّريمة منهم منزل خلق... عاف تغيّر إلّا النؤي والوتد 4
فـ (إلّا النّؤي، والوتد) صفة للضمير المستكنّ في (تغيّر)، ومنهم من ادّعى أنّها عطف بيان في هذا البيت؛ لأنّه قد تقرّر أنّ الضّمائر لا تنعت، وقد تقدّم الكلام على هذا البيت، وأنّه من قبيل المفرغ، بتأويل (تغيّر) بـ (لم يبق على حاله) فعلى هذا لا يتعين الوصف بـ (إلّا) فيه.
الأمر الثالث: أن يكون الموصوف بـ (إلّا) مذكورا، غير محذوف، وهذا بخلاف الموصوف بـ (غير) وقد تقدّم أنّ
(غير) لأصالتها اختصت بذلك دون (إلّا)، وبهذا الأمر تتحقق أصالة (غير) في الوصفية، وفرعية (إلّا)، وهو كاف في ذلك، فلا يضرّ جريان (إلّا) مجرى (غير) في كلّ حالاتها، حتّى وصف المفرد بها أيضا، كما تقدّم التنبيه عليه، وهذا الشرط - أعني كون الموصوف بـ (إلّا) مذكورا غير محذوف - لم يخالف فيه أحد، وقال سيبويه: ولا يجوز أن -
................................
تقول: ما أتاني إلّا زيد، وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة (مثل)، وإنّما يجوز ذلك صفة، ونظير ذلك من كلام العرب (أجمعون) لا تجري في الكلام إلا على اسم، ولا يعمل فيه رافع، ولا ناصب، ولا جارّ 1. اه، وكأنّه يعني بقوله: إنمّا يجوز ذلك صفة - أنّها تكون تابعة لمذكور، فإنّه إذا حذف موصوفها صارت بمنزلة (مثل) فجرت مجرى الأسماء، فكأنه قال: لا تجري مجرى الأسماء، إنما تكون صفة ولا يتحقق كونها صفة، إلّا مع ذكر موصوفها.
الأمر الرابع: أن تكون (إلّا) المذكورة، واقعة حيث يصلح الاستثناء، ونصّ على اشتراط ذلك المبرّد 2، والأخفش 3، وعليه الأكثرون 4، حتى قال الشيخ: هذا كالمجمع عليه من النحويين، وعلى ذلك يجوز: عندي درهم إلّا دانق، لجواز: إلّا دانقا، ويمتنع: عندي درهم إلّا جيد، لعدم جواز: إلا جيدا، هكذا مثّلوه، وفي تجويز عندي درهم إلا دانق - على رأي المصنف - نظر؛ لأنّه قد تقدّم عنه أنّ الموصوف بـ (إلّا) لا يكون إلّا جمعا، أو شبه جمع، ولا شك أنّ (درهما) ليس كذلك، وقد يقال: إنّ قولنا: إلّا دانقا 5 يفيد إرادة الجمعيّة بـ «درهم» المذكور، فهو وإن كان مفردا لكونه واحدا لدرهم جمع، لدلالته على دوانق متعددة، على أنّني لم أقف على هذا المثال، في شرح المصنّف، ثمّ الظاهر من كلام سيبويه أنّ الّذي ذكروه، غير لازم، وذلك أنّه مثّل المسألة بقوله: لو كان معنا رجل إلّا زيد لغلبنا، ولا يصلح في هذا المثال الاستثناء أصلا، وقد تقدّم أيضا أنّ قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 6 لا يتصوّر فيه الاستثناء، لفساد المعنى به، فقد وقعت إِلَّا وصفا، في الآية الكريمة، وفي مثال سيبويه 7، والاستثناء غير صالح فيهما، وقد رام -
................................
بعضهم تقدير هذا الشّرط، والتزامه في الآية الكريمة 1، والمثال المذكور، على الانقطاع، وقال: إنّما قصد النحاة صحّة الاستثناء مطلقا، متّصلا كان، أو منقطعا، والانقطاع متصوّر هنا، والتقدير: لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا، لكن فيهما الله، وهو واحد، فلم تفسدا، وكذا المثال الّذي ذكره سيبويه؛ التقدير: لو كان معنا رجل لغلبنا، لكن معنا زيد، فلا نغلب، وفيما ذكره هذا القائل بعد، وأيضا فإنّه يؤدّي إلى أنّه لا فائدة في اشتراط صحّة الاستثناء، إذا جاء من موضع تقع فيه (إلّا) صفة إلّا، ويمكن صحة المنقطع فيه، واشترط المبرد أمرا خامسا - لم يتضمّنه كلام المصنف - وهو أن تكون (إلّا) الموصوف بها، واقعة موقعا يصلح فيه البدل 2، ويعني به أن يكون الكلام الّذي قبلها غير موجب، والصحيح أنّ ذلك لا يشترط؛ لأنّه قد جاء الوصف بـ (إلّا) حيث لا يجوز البدل، كقوله:
1728 - وكلّ أخ مفارقة أخوه... لعمر أبيك إلّا الفرقدان 3
وقد ظهر من المباحث المتقدمة أنّ أكثر الأمور المشترطة في وقوع «إلّا» وصفا غير لازمة، ولم يتحقق منها سوى شرط واحد، وهو أن يكون الموصوف بها مذكورا، وما نصّ سيبويه إلّا عليه، ولم يتعرض إلا إليه، بل أمثلته الّتي مثّل بها تدفع غير ذلك، كاشتراط الجمعية، أو شبهها وعدم التعرف، وكاشتراط الصلاحية للاستغناء، ولا ينبغي العدول عمّا قاله سيبويه؛ إذ لم ينهض على مخالفته دليل.
ونقل الشيخ عن صاحب البسيط - وهو رجل يقال له: ابن العلج 4، ورأيت -
................................
الشيخ يعظّمه، ويقبل كلامه، ويستكثر نقله - أنّه قال: جمهور النحويين على جواز كون (غير) تجري على المعرفة، فكذلك [3/ 51] (إلّا) 1، و (هذا) - من: هذا الرجل - يدلّ على أنّ الجمهور لا يشترطون التنكير، ونقل عنه أيضا أنّه قال: والظاهر أنّها تقع بمعنى (إلّا) فيما تقع فيه (غير)، إلّا في الموضع الذي لا يتقدّمها موصوف، سواء كان في النّفي، أم في الإثبات، وكان - يعني الموصوف بها، مجموعا أو مفردا، أو منكرا، أو معرّفا (2)، وهذا النّقل صريح، في عدم اشتراط شيء من ذلك.
قال صاحب البسيط (3) أيضا: ولمّا كانت (غير) من أخوات (مثل) و (شبه) وكان يصحّ فيها قصد التعريف، صحّ جريها على المعرفة والنّكرة، فكذلك (إلّا) بمعناها، تجري على النكرة، وعلى المعرفة 2. انتهى.
وكما جاز أن تكون (إلّا) مع ما بعدها، وصفا لما قبلها، (غير) أجاز بعضهم أن تكون بدلا ممّا قبلها، كما يجوز في (غير) أن تكون بدلا، وممّن أجاز ذلك صاحب البسيط المتقدم الذكر، قالوا: ويشعر به كلام ابن الضّائع، أيضا قال في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 3 لا يصحّ المعنى عندي إلّا على أن تكون (إلّا) في معنى (غير) التي يراد بها البدل، أي: لو كان فيهما آلهة، عوض واحد، أي بدل الواحد الّذي هو الله لفسدتا.
قلت: وليس في كلام ابن الضّائع إشعار بالبدليّة؛ لأنه إنّما قال: (إلّا) في معنى (غير) التي يراد بها البدل، وقد بيّن هو مراد نفسه بقوله: أي لو كان فيهما آلهة عوض واحد، أي بدل الواحد، الذي هو الله تعالى، يعني أنّ المراد بـ (غير) التي وقعت (إلّا) موقعها، في الآية الشريفة، ما يراد بقوله: بدل، وعوض، لا الوصف الحقيقي، وهذا الّذي قاله يظهر أنّه الحقّ، والله تعالى أعلم بمراده.
- - وصنف بها كتابا سماه: البسيط في النحو، وهو كتاب كبير يقع في عشرة مجلدات.
ينظر النحاة لابن شهيد الأسدي (1/ 159)، مخطوط بدار الكتب المصرية، والبحر المحيط (8/ 47)، والتذييل والتكميل لأبي حيان (6/ 236) رسالة، وينظر: طبقات الأشباه والنظائر للسيوطي (2/ 166)، ومبسوط الأحكام للتبريزي (2/ 417).
[إيلاء «إلا» نعت ما قبلها]
قال ابن مالك: (ولا يليها نعت ما قبلها، وما أوهم ذلك فحال، أو صفة بدل محذوف، خلافا لبعضهم ويليها في النّفي فعل مضارع بلا شرط، وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ (قد)، ومعنى «أنشدك إلّا فعلت» أي:
ما أسألك إلّا فعلك).
وجوّز ابن السيّد 1 أيضا أن تقع (إلّا) حالا، كما تقع (غير) حالا، وقال:
إنّها تكون صفة للنكرة، وتتقدّم، وتنصب على الحال 2، وأجاز في قول الشاعر:
1729 - وما لي إلّا الله غيرك ناصر 3
أربعة أوجه: أن يكونا معا حالين من (ناصر) واستثناءين مقدّمين، أو أحدهما استثناء، والآخر حال، ودعوي البدلية - كما يقول صاحب البسيط، ومن وافقه في ذلك - فيه نظر، وأما دعوى الحالية فبعيد جدّا، ونقل الشيخ عن بعضهم أنّ أكثر النّحاة ينكرونه 4.
قال ناظر الجيش: شرع في ذكر أحكام تتعلق بـ (إلّا) الّتي هي أداة استثناء، فأشار بقوله: ولا يليها نعت ما قبلها إلى قول الأخفش - في كتاب المسائل له -:
لا يفصل بين الموصوف والصفة بـ (إلّا) قال: ونحو: ما جاءني رجل إلّا راكب، يقدّر: ما جاءني رجل إلّا رجل راكب، فـ (راكب) صفة لـ (رجل) المحذوف، و (رجل) بدل من الأول، قال الأخفش: وفيه قبح لجعلك الصفة كالاسم» 5 وقد تقدّم أيضا، عن أبي عليّ أنّه قال في: ما مررت بأحد إلّا قائما إلّا أخاك: إنّ (قائما) لا يجوز كونه صفة لـ (أحد)؛ لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصّفة والموصوف، فهذا تصريح من أبي الحسن، وأبي علي بأنّ (إلّا) لا تفصل بين صفة -
................................
وموصوف.
قال المصنّف: وما ذهبا إليه هو الصّحيح؛ لأنّ الموصوف والصفة كشيء واحد، وسيأتي أنّهما كشيء واحد، لا يختلفان بنفي الحكم عن أحدهما وإثباته للآخر كالمتوسط بينهما (إلّا)، ولأنّ الصفة توضح موصوفها، كما توضح الصلة الموصول، وكما يوضح المضاف إليه المضاف، فكما لا تقع (إلّا) بين الموصول، والصّلة ولا بين المضاف والمضاف إليه، كذا لا تقع بين الموصوف والصفة، ولأنّ (إلّا) وما بعدها في حكم جملة مستأنفة، والصفة لا تستأنف، ولا تكون في حكم مستأنف 1. وإذا تقرّر أنّ (إلّا) لا تعترض بين الموصوف والصفة وجب تأويل ما أوهم ذلك؛ فيجعل ما بعد (إلّا) في مثل: ما جاءني رجل إلّا راكب، صفة لموصوف محذوف، بدل من الاسم الذي قبل (إلّا) والتقدير: إلّا رجل راكب، كما تقدّم، وفي مثل: ما جاءني أحد إلّا زيد خير منه تجعل الكلمة التي بعد (إلّا) حالا من الاسم الذي قبلها، وإليهما أشار بقوله: وما أوهم ذلك فحال، أو صفة بدل محذوف، وأشار المصنف أيضا بقوله: خلافا لبعضهم إلى أنّ الزمخشري جعل ما بعد (إلّا) في مثل: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، جملة ابتدائية، واقعة صفة لـ (أحد)، وقد قلت: إنّ المصنف منع ذلك؛ لأنّ (إلّا) لا تعترض بين الصفة والموصوف، للعلّة التي تقدمت على الخلاف لذلك، وما منعه المصنف فيه نظر، فإنّه قد تقدّم عنه الكلام على الاستثناء المفرغ أنّ التفريغ يكون باعتبار الصفات، كما يكون باعتبار غيرها، وإنّ من ذلك: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، وكذا:
ما جاءني من أحد إلّا قائم؛ لأنّ الوصف يكون مفردا، ويكون جملة، وحكمها في الصّحّة واحد، وإذا قصد التفريغ باعتبار الوصف تعيّن دخول (إلّا)؛ لأنّ المعنى المقصود بالتفريغ - وهو قصر الموصوف على الصّفة في مثل: ما جاءني رجل إلّا راكب - يفوت لو لم يأت بها، وقد أوضح هذا المعنى سيبويه حيث قال في قولك: ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه: كأنك قلت: مررت بقوم زيد خير منهم، إلّا أنك أدخلت (إلّا) لتجعل (زيدا) خيرا من جميع من مررت به، ولو قلت: مررت بناس زيد خير منهم، لجاز أن يكون قد مرّ بناس آخرين هم خير من زيد، فإنّما قال: ما مررت
بأحد إلّا زيد خير منه، ليخبر أنّه لم يمرّ بأحد يفضل -
................................
زيدا 1. انتهى كلام سيبويه.
والظاهر منه أنّ الجملة الواقعة بعد (إلّا) في قولك:
ما مررت بأحد إلّا زيد خير منه، صفة لـ «أحد»، وأنّ «إلّا» دخلت بين الموصوف والصفة، لتقيد المعنى الذي أشار إليه، فهي ملغاة لفظا، معتبرة معنى، وإذا [3/ 52] تقرّر هذا بعد المنع الذي أشار إليه المصنف إلّا أن يمنع التفريغ باعتبار الصفات، ولما منع المصنف كون الجملة المشار إليها وصفا، جعلها حالية كما تقدّم، وجعلها حالا لا يمتنع، ويكون ما قبل (إلّا) مفرغا لما بعدها، باعتبار الأحوال، نحو: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ 2، وقد تقدّم.
وطرد الزمخشريّ الحكم المتقدم، فجعل: وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ 3 - من قوله تعالى: وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ 4 جملة واقعة صفة لـ قَرْيَةٍ وسطت الواو بينهما لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما يقال - في الحال -: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني زيد وعليه ثوب 5، وردّ ذلك المصنف بأوجه خمسة 6:
منها: أنّه قاس في ذلك الصفة على الحال، وبين الصفة والحال فروق كثيرة، كجواز تقدّمها على صاحبها، وجواز تخالفها بالإعراب، وجواز تخالفها بالتعريف، والتنكير، وجواز إغناء الواو عن الضّمير في الجملة الحالية، وامتناع ذلك في الواقعة نعتا، فكما بينت المخالفة بينهما في هذه الأشياء سبب المخالفة في الاقتران بالواو، جاز في الحاليّة وامتنع في الواقعة نعتا.
ومنها: أنّ مذهبه - في هذه المسألة - مذهب لا يعرف لبصري ولا لكوفي.
ومنها: أنّه تعلل بما لا يناسب؛ وذلك أنّ الواو تدلّ على الجمع بين ما قبلها، وما بعدها، وذلك مستلزم لتغايرهما، وهو ضدّ لما يراد من التّوكيد.
ومن الأحكام المتعلقة بـ (إلّا) وقوع الفعل بعدها: فاعلم أنّ (إلّا) إنّما هي - أبدا - للاستثناء لفظا أو معنى، ولما كان الذي يتصوّر استثناؤه إنّما هو الاسم، -
................................
لم تدخل (إلّا) عليه، أو على الجملة الاسمية؛ لأنّ (إلّا) إذا دخلت عليها في اللفظ مباشرة للاسم، فأشبه دخولها على الجملة الاسمية دخولها على الاسم المسبوق بفعل، أو على ما يشبه الاسم وهو المضارع، أو الماضي المقرون بـ (قد) وشرطوا في مباشرتها الفعل وجود نفي قبلها، فقول المصنف: ويليها في النّفي مضارع بلا شرط إشارة إلى أنّه لا يشترط في وقوع الفعل المضارع بعد (إلّا) تقدم فعل، بلا وجود نفي كاف، فعلا كان ما ولي النّفي أو اسما، نحو: ما كان زيد إلّا يضرب، وما زيد إلا يسير، وقوله:
وماض مسبوق بفعل، أو مقرون بـ (قد) إشارة إلى أنّه يشترط في وقوع الفعل الماضي بعدها - مع وجود النّفي - تقدم فعل، نحو: قوله تعالى: وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ 1 واقتران الماضي بـ (قد) كقول الشاعر:
1730 - ما المجد إلّا قد تبيّن أنّه... بندى وحلم لا يزال مؤثّلا 2
فإن لم يسبق الماضي فعل، ولم يقترن بـ (قد) لم يجز وقوع الماضي بعد (إلّا)، فيمتنع: ما زيد إلّا قام.
قال المصنف 3: وإنّما أغنى اقتران الماضي بـ (قد) عن تقدّم فعل، إلّا أنّ اقترانه بها يقرّبه من الحال، فيكون بذلك شبيها بالمضارع وإنما كان المضارع مستغنيا عن شرط في وقوعه بعد (إلّا) لشبهه بالاسم، والاسم بـ (إلّا) أولى؛ لأنّ المستثنى لا يكون إلّا اسما، أو مؤولا، وإنّما ساغ لتقديم الفعل وقوع الماضي بعد (إلّا)؛ لأنّ تقدّم الفعل مقرونا بالنفي يجعل الكلام بمعنى: كلّما كان كذا وكذا كان كذا وكذا، فكان فيه فعلان كما كان مع (كلّما) 4، وقوله: ومعنى: أنشدك إلّا فعلت كذا، كأنّه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن يقال: قد وقع الفعل بعد (إلّا) ولم يوجد النّفي قبلها، وقد شرطوه فقال: هو مؤول بالنّفي، فصورته موجب، -
[عمل ما قبل «إلا» فيما بعدها وعكسه]
قال ابن مالك: (ولا يعمل ما بعد «إلّا» فيما قبلها مطلقا، ولا ما قبلها فيما بعدها إلّا أن يكون مستثنى، أو مستثنى منه، أو تابعا له، وما ظنّ من غير الثلاثة معمولا لما قبلها قدّر له عامل خلافا للكسائي في منصوب ومخفوض، وله ولابن الأنباري في مرفوع).
والمعنى بخلاف ذلك، و (فعلت) الواقع بعد (إلّا) مؤول أيضا بالمصدر، والتقدير - كما بيّنه المصنف -: ما أسألك إلّا فعلك، قال بعضهم: وجاز ذلك هنا؛ لأنّ باب القسم قد اتّسع فيه لكثرته في الكلام، فجاز فيه ما لا يجوز في غيره 1.
قال ناظر الجيش: الاستثناء في حكم جملة مستأنفة؛ لأنّك إذا قلت: جاء القوم إلّا زيدا، فكأنّك قلت: جاء القوم ما منهم زيد، فمقتضى هذا ألّا يعمل ما بعد (إلّا) فيما قبلها، ولا ما قبلها فيما بعدها 2 على الإطلاق، فاستمرّ على ما اقتضته هذه المناسبة من منع إعمال ما بعدها فيما قبلها نحو: ما زيد إلّا أنا ضارب، فلا يجوز إعمال (ضارب) في (زيد) لذلك؛ بل رفع (زيد) بالابتداء 3، ويقدّر العائد على المبتدأ من (ضارب) محذوفا، وكذلك استمرّ على ما اقتضته المناسبة، من منع إعمال ما قبلها فيما بعدها، إلّا فيما لا مندوحة عنه، من إعمال ما قبلها في مستثنى فرّغ له العامل، نحو: ما قام إلّا زيد، أو مستثنى منه، نحو: ما -
................................ قام إلّا زيدا أحد، أو تابع للمستثنى منه، نحو: ما مررت بأحد إلّا زيدا خير من عمرو، ولم تجز الزيادة على هذه الثلاثة لئلّا تكثر مخالفة الأصل، ويترك مقتضى الدليل، دون ضرورة؛ فلا يقال: ما ضرب إلّا زيد عمرا، ولا: ما ضرب إلّا زيدا عمرو، ولا: [ما] مرّ إلا زيد بعمرو، بل الواجب أن نؤخر المقرون بـ (إلّا) باستمرار على مقتضى الدليل المذكور، فإن ورد ما يخالف ذلك قدّر له عامل بعد «إلّا» 1 كقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ 2، أي: أرسلناهم بالبينات، وهذا مثال تأخّر المجرور، ومثال تأخّر المنصوب قول الشاعر: 1731 - ما كفّ إلّا ماجد ضير بائس... أمانيه منه أتيحت بلا منّ 3 أي: إلّا ماجد كفّ ضير بائس 4، ومثال تأخّر المرفوع قول الشاعر: 1732 - تزوّدت من ليلى بتكليم ساعة... فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها 5 ومثله قول الآخر [3/ 53]: 1733 - وهل ينبت الخطيّ إلّا وشيجه... وتغرس إلّا في منابتها النّخل 6
................................
ومثله - أيضا - ما أنشده سيبويه من قول الآخر:
1734 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعبا إلّا ببين غرابها 1
وأجاز الكسائي الأوجه الثلاثة على تعليق المعمولات، وما قبل (إلّا) واوفقه الأخفش، في الظرف، والجارّ والمجرور، والحال، نحو: ما جلس إلّا زيد عندك، وما أوى إلا عمرو إليك، وما جاء إلّا محمّد محللة له الغنائم، ووافقه ابن الأنباري 2، في المرفوع خاصة، وفرق بينه وبين غيره بأن قال: الدليل يقتضي ألّا يتأخر مرفوع، ولا غيره؛ لأنّ مسائل الاستثناء المفرغ فيها العامل لما بعد (إلّا) جديرة بأن تختم بالمستثنى، فإن كان الواقع بعده مرفوعا نوي تقديمه، واتصاله برافعه؛ لأنه كجزء منه، وتأخيره لفظا لا يمنع أن ينوى تقديمه؛ لأنّه الأصل، ويلزم من ذلك تقدير المستثنى مختوما به، وإن كان الواقع بعد المستثنى غير مرفوع لم يجز أن ينوى تقديمه؛ لأنه متأخر بالأصالة وقد وقع في موضعه، فيلزم من تجويزه منع كون المستثنى المفرغ له العامل غير مختوم به لفظا ولا تقديرا.
انتهى كلام ابن الأنباري 3.
وقد تقدّم القول في هذه المسألة في باب النائب عن الفاعل 4. - والمعنى: أن القناة لا تنبت إلا لقناة، ولا يغرس النخل إلا بحيث ينبت، فكذلك الكرام، لا يولدون إلا في موضع كريم.
والشاهد: في قوله: «النخل»؛ حيث إنه نائب فاعل، لفعل قبل (إلا) على مذهب الكسائي، وابن الأنباري والجمهور يرفعه بعامل محذوف، أما الفاعل في الشطر الأول «وشيجه» فإن العامل قد فرغ له.
والبيت في ديوان زهير بن أبي سلمى (ص 63)، العيني (2/ 482)، التصريح (1/ 282).
[أحكام الاستثناء بـ «حاشا»، و «عدا»، و «خلا»]
قال ابن مالك: (فصل: يستثنى بـ «حاشا» و «خلا» و «عدا» فيجررن المستثنى أحرفا، وتنصبنه أفعالا، ويتعيّن الثاني لـ «خلا» و «عدا» بعد «ما» عند غير الجرمي، والتزم سيبويه فعلية «عدا» وحرفيّة «حاشا» وإن وليها مجرور باللّام لم تتعيّن فعليتها، خلافا للمبرّد، بل اسميتها، لجواز تنوينها، وكثر فيها «حاش»، وقلّ «حشا، وحاش»، وربما قيل: ما حاشا، وليس «أحاشي» مضارع «حاشا» المستثنى بها، خلافا للمبرّد، والنصب في: «ما النساء وذكرهنّ» بـ «عدا» مضمرة، خلافا لمن أوّل «ما» بـ «إلّا»).
قال ناظر الجيش: من أدوات الاستثناء (حاشا)، و (خلا)، و (عدا) والمستثنى بهنّ منصوب، أو مجرور، فإن كان مجرورا فهنّ أحرف جرّ، وإن كان منصوبا فهنّ أفعال، مستحقة منع التصرف، لوقوعها موقع الحرف، وتأديتها معناه، فاستدلّ بالعمل على حرفيتها أو فعليتها؛ لأنّ الجرّ من عمل الحروف، والنصب من عمل الأفعال.
قال الشيخ: ولو زعم زاعم أنّها حال كون ما بعدها مجرورا، أسماء مستثنى بها، كـ (غير) و (سوى) وأنّها حال كون ما بعدها منصوبا أحرف، محمولة على (إلّا) لتوافقها مع (إلّا) في المعنى لم يكن ذلك ببعيد 1. انتهى.
وفيما أشار إليه نظر: فإنّها لو كانت حال الجرّ بها اسما لجاز تفريغ العامل لها، كما يفرغ لـ (غير) وهو لا يفرغ، ولو كانت حال النصب بها أحرفا كـ (إلّا) لجاز أيضا تفريغ العامل لما بعدها، كما يفرّغ لما بعد (إلّا) وهو لا يجوز، ولكانت نون الوقاية معها غير لازمة، إذا اتصلت ياء المتكلّم بها، وهي لازمة إذا امتنعت اسميتها حال الجرّ، والفعلية منفية؛ لأنّ الفعل لا يجرّ - تعينت الحرفية، وإذا امتنعت الحرفية حال النصب والاسمية منتفية؛ لأنّ ما بعدها معمول
لها، وليست من قبيل الأسماء العاملة، ولاتصال نون الوقاية، وهي لا تتصل بالأسماء - تعيّنت الفعلية.
-
................................
وقد التزم سيبويه فعليّة (عدا) وحرفية (حاش) وأمّا (خلا) فغلب فعليتها على حرفيتها، قال: وما جاء من الأفعال فيه معنى (إلّا) فـ (ليس) و (لا يكون) و (عدا) و (خلا) وما فيه ذلك المعنى من حروف الإضافة، وليس باسم كـ (حاش) و (خلا) في بعض اللغات 1 هذا نصّه، وقال - في آخر أبواب الاستثناء -: وبعض العرب يقول: ما أتاني القوم خلا عبد الله، فجعل (خلا) بمنزلة (حاش) 2. انتهى.
قال المصنف 3: وكون (حاشا) حرفا جارّا هو المشهور ولذلك لم يتعرض سيبويه لفعليتها، أو النصب بها، إلّا أنّ ذلك ثابت بالنّقل الصحيح، عمّن يوثق بعربيته، فمن ذلك قول بعضهم: «اللهمّ اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطان، وأبا الإصبع» 4 رواه أبو عمرو الشيباني 5 وغيره.
وأنشد ابن خروف - في شرح الكتاب - قول الشاعر:
1735 - حاشا قريشا، فإنّ الله فضّلهم... على البريّة بالإسلام والدّين 6
وقال الفرّاء: إذا استثنيت بـ (ما عدا) و (ما خلا) ضمير المتكلم قلت:
ما عداني وما خلاني، ومن نصب بـ (حاش) قال: حاشاني ومن خفض قال: -
................................
حاشاي 1، هذا نصّه.
وتعصّب بعض المتأخرين، مانعا فعلية (حاشا) لقول بعض العرب: (حاشاي) وأنشد:
1736 - في فتية جعلوا الصّليب إلههم... حاشاي إنّي مسلم معذور 2
وأجاب المصنف بأنّ ذلك ورد على استعمالها حرفا؛ لأنّه أكثر من استعمالها فعلا، ولو أنّ من قال: حاش الشيطان دعته حاجة إلى استثنائه نفسه، قاصدا للنصب لقال: حاشاني، كما يقال: عساني 3، وقال بعض المتعصبين 4 - أيضا -:
لو كانت (حاش) فعلا لجاز أن يوصل بها (ما) كما 5 وصلت بـ (عدا) و (خلا) وما ذكره غير لازم، فإنّ من أفعال هذا الباب (ليس) و (لا يكون) ولم توصل (ما) بهما، وأيضا فالدليل يقتضي ألّا توصل (ما) وغيرها، من الحروف الموصلة بالأفعال، إلّا بفعل له مصدر مستعمل، حتى يقدّر الحرف وصلته واقعين موقع ذلك المصدر، ومعلوم أنّ أفعال هذا الباب ليس لها مصادر مستعملة فإذا وصل بها حرف مصدري فهو على خلاف الأصل، فلا يبالى بانفراده بذلك فيقال: لم لم يوافقه غيره، فإنّ موافقته تكثير للشذوذ ومخالفته استمرار على مقتضى الدليل، ومن ورود الجرّ بـ (حاش) - وإن كان هو المجمع عليه - قول الشاعر [3/ 54]: -
................................ 1737 - حاشا أبي ثوبان إنّ أبا... ثوبان ليس ببكمة فدم عمرو بن عبد الله إنّ به... ضنّا عن الملحاة والشّتم 1 وقبلها قوله: 1738 - وبنو رواحة ينظرون إذا... نظر النّديّ بآنف خشم 2 قال المصنف: وروي: «أبا ثوبان» بالنصب 3. ومن شواهد الجرّ بـ (عدا) قول الشاعر: 1739 - تركنا في الحضيض بنات عوج... عواكف قد خضعن إلى النّسور أبحنا حيّهم قتلا وأسرا... عدا الشمطاء والطّفل الصّغير 4 ومن شواهد الجرّ بـ (خلا) قول الشاعر: 1740 - خلا الله لا أرجو سواك إنمّا... أعدّ عيالي شعبة من عيالكا 5
................................ قال المصنف: رواه من يوثق بروايته: «خلا الله» بالجرّ 1، ومن النّصب بـ (عدا) وإن كان المشهور - قول الشاعر: 1741 - يا من دحا الأرض ومن طحاها... أنزل بهم صاعقة أراها تحرّق الأحشاء من لظاها... عدا سليمى، وعدا أباها 2 ومن النّصب بـ (خلا) قول الآخر: 1742 - وبلدة ليس بها طوريّ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ 3 واتفق الجمهور على وجوب النّصب بـ (عدا) و (خلا)، مصحوبين بـ (ما) كقوله: 1743 - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل 4. وقول الآخر: 1744 - تملّ الّندامى ما عداني فإنّني... بكلّ الذي يهوى نديمي مولع 5 وسبب ذلك أنّ (ما) مصدرية، ولا يليها حرف جرّ، وإنمّا توصل بجملة فعلية، أو اسمية قليلا، وأجاز الجرمي جرّ ما بعدهما حينئذ - ورواه عن العرب 6، والوجه فيه أن تجعل (ما) زائدة، و (عدا، وخلا) حرفي جرّ، وفيه شذوذ؛ لأنّ -
................................
(ما) إذا زيدت مع حرف الجرّ لا تتقدم عليه، بل تتأخر عنه، نحو: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ 1 وعَمَّا قَلِيلٍ 2 وحيث نصب الاسم بعد (عدا) و (خلا) موصولين بـ (ما) أو غير موصولين بـ (ما) نصبه الأفعال، على أنه مفعول به وسيأتي الكلام على فاعل الأفعال المشار إليها وعلى محلّها أيضا، واعلم أنه تجرد (حاشا) عن معنى الاستثناء، وتستعمل مقصودا بها تنزيه الاسم المذكور بعدها عن السوء، فيقال: - حينئذ - حاش زيد، وحاشا لزيد؛ منونة، وغير منونة، وقد يبتدئون بتنزيه اسم الله تعالى، على جهة التعجّب، كما في قوله تعالى: قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ 3، وإذا قصد بها هذا المعنى خرجت عن أن تكون حرفا؛ لأنّ الحرف لا يضاف، ولا ينوّن ولا يباشر حرفا مثله، وهل هي اسم أم فعل؟ في ذلك خلاف.
قال المصنف 4: وإذا ولي حاشا مجرور باللّام فارقت الحرفية بلا خلاف؛ إذ لا يدخل حرف جرّ على حرف جرّ، وإذا لم تكن حرفا فهي إمّا فعل، وإمّا اسم، فمذهب المبرّد أنّها - حينئذ - فعل 5، والصّحيح أنها اسم، منتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بالفعل، فمن قال: حاشَ لِلَّهِ بالإضافة - وهي قراءة ابن مسعود 6 - فهي مثل: سبحان الله، ومعاذ الله 7، ومن قال: (حاشا لله)، بالتنوين - وهي قراءة أبي السّمّاك 8 - فهو مثل: رعيا لزيد، وأما القراءة -
................................
المشهورة وهي: حاشَ لِلَّهِ - بغير تنوين - فالوجه فيها أن يكون (حاشا) مبنيّا، لشبهه بـ (حاشا) التي هي حرف، فإنّه شبيه بها لفظا، ومعنى، فجرى مجراه، في البناء 1 كما جرى في (عن) من:
1745 -... من عن يميني تارة وأمامي 2
مجرى (عن) في نحو: رويت عن زيد.
انتهى.
وقد أفهمت عبارة المصنّف - في المتن 3 أنّ المبرد دائما يدّعي الفعلية فيها إذا وليها المجرور باللّام، وهو الظاهر فإنه حال إضافتها - لا يمكن أن يكون فعلا، وكذا إذا نونت وإن وليها المجرور المذكور، وحينئذ تبعد دعوى المبرد؛ لأنّ معناها - مضافة وغير مضافة، منونة - وغير منونة واحد، وهو التّنزيه، كما تقدّم، فكيف يدّعي الفعليّة في بعض الصور، دون بعض مع إمكان غيرها؟ فالظاهر اتفاقهم، وإن وليها اللام، كما قال المصنف، وفي (حاشا) لغات أربع:
إحداها: إثبات الألف الأولى والأخيرة.
الثانية: إثبات الأولى، وحذف الأخيرة.
الثالثة: عكسها.
الرابعة: حذف الألف الأخيرة، مع سكون آخرها 4.
وقال الشيخ - ما معناه -: إنّ هذه اللغات في (حاشا) التي تستعمل للتنزيه، والمرادة من الصور، ظاهر عبارة المصنّف أنّ اللغات المذكورة في المستثنى بها أيضا، -
................................ وقد نقل غير المصنف أنّ (حشى) جاءت للاستثناء حاش 1، وأنشد عليه: 1746 - حشى رهط النّبيّ فإن منهم... بحورا لا تكدّرها الدّلاء 2 وأشار المصنف بقوله: وربّما قيل: (ما حاشا) إلى ما روي من قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أسامة أحبّ الناس إليّ ما حاشا فاطمة» 3 وأنشد الشيخ على ذلك 4: 1747 - رأيت الناس ما حاشا قريشا... فإنّا نحن أفضلهم فعالا 5 وأشار المصنّف أيضا بقوله: وليس (أحاشي) مضارع (حاشا) المستثنى بها إلى أنّ المبرد استدلّ على فعلية (حاشا) 6 التي هي أداة الاستثناء بقول النابغة: 1748 - ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه... وما أحاش من الأقوام من أحد 7 قال المصنف: وهذا منه غلط؛ لأنّ (حاشا) إذا كانت فعلا، وقصد بها الاستثناء، فهي واقعة موقع (إلّا) ومؤدية معناها، فلا تتصرف، كما لا تتصرف -
................................ (عدا) و (خلا) و (ليس) و (لا يكون) بل هي أحقّ بمنع الصّرف؛ لأنّ فيها مع مساواتها (إلّا) - وقع شبيهها بـ (حاش) الحرفية لفظا ومعنى، وأمّا (أحاشي) فمضارع (حاشيت) بمعنى استثنيت، وهو فعل متصرف مشتقّ من لفظ (حاش) المستثنى بها، كما اشتقّ (سوفت) من لفظ (سوف) و (لوليت) من لفظ (لولا) و (أنّهت) من لفظ (إنّها) وأمثال ذلك كثيرة 1. وأشار أيضا بقوله: والنصب في: ما النّساء إلى ما روي من كلام العرب: «كلّ شيء مهمه ما النساء وذكرهنّ» 2، ومعناه: كلّ شيء يستر، ما عدا النساء وذكرهنّ، فحذفوا (عدا) وأبقوا عملها 3. قال المصنف: وزعم بعض الناس أنّ (ما) - هنا - بمعنى (إلا)، وليس بشيء 4 قال الشيخ: لأنّ (ما) لم يثبت لها قطّ معنى (إلّا) في لسان العرب بخلاف كونها مصدريّة 5، قال: وإنّما أضمر [3/ 55] (عدا) لأنّها متفق على فعليتها، بخلاف (خلا) و (حاشا) فكانت أولى، ونقل عن السهيليّ أنّ (ما) في هذا المثال المذكور بمعنى (ليس) أي: ليس النساء وذكرهنّ 6. قال الشيخ: فهذا مذهب ثالث؛ لأنّها عنده نافية، ليست مصدريّة، ولا بمعنى (إلا) 7.
[أحكام الاستثناء بـ «ليس» و «لا يكون»]
قال ابن مالك: (ويستثنى بـ «ليس» و «لا يكون» فينصبان المستثنى خبرا، واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه، لازم الحذف، وكذا فاعل الأفعال الثلاثة وقد يوصف - على رأي - المستثنى منه، منكّرا، أو مصحوبا بـ «أل» الجنسيّة بـ «ليس» و «لا يكون» فيلحقها ما يلحق الأفعال الموصوف بها من ضمير وعلامة).
قال ناظر الجيش: اعلم أنّ من أدوات الاستثناء (ليس) و (لا يكون) وهما الرافعان الاسم الناصبان الخبر ولهذا يجب نصب ما استثنى بهما؛ لأنه الخبر، ولوقوعهما موقع (إلّا) لزم عدم الإتيان باسمهما لفظا؛ لئلّا تفصلهما من
المستثنى فيجهل قصد الاستثناء وجعله المصنف ظاهرا محذوفا لازم الحذف، وإليه الإشارة بقوله: واسمهما بعض مضاف إلى ضمير المستثنى منه لازم الحذف 1. فتقدير: قام القوم ليس زيدا، ولا يكون زيدا: ليس بعضهم زيدا، ولا يكون بعضهم زيدا، والأصل: قام القوم إلا زيدا، فلما وقعت (ليس) و (لا يكون) موقع (إلّا) ولأجل أنّ اسمهما البعض المذكور لم يختلف اللفظ بهما فيقال: جاءني القوم لا يكون زيدا وليس عمرا، ومررت بالنساء لا يكون فلانة وليس فلانة 2، وكذا لو كان المستثنى بها مثنى أو مجموعا نحو: جاء الناس ليس الزيدين، أو لا يكون الزيدين، وليس العمرين، أو لا يكون العمرين، والجمهور على أنّ اسمهما ضمير مستكنّ فيهما، عائد على البعض المفهوم من معنى الكلام المتقدّم وإن لم يذكر فالتقدير: ليس هو زيدا، أو لا يكون هو زيدا؛ لأنه إذا أخبر عن معهودين وزيد من جملتهم، فقيل: أتى القوم، حصل في نفس المخاطب أنّ بعض الآتين زيد، فعاد الضّمير على ذلك البعض المفهوم ولهذا أيضا لم يختلف لفظ: (ليس) و (لا يكون) لاختلاف (المستثنى) بهما، كالأمثلة المتقدمة؛ لأنّ الضمير مفرد، مذكر لعوده على (بعض) الذي هو كذلك - أي: مفرد مذكر - وإنّما قدّر مضمرا، ولم يجعل مظهرا كما قال المصنف، وإن كان المعنى في التقديرين -
................................
واحدا، لما يلزم من حذف اسم (ليس) و (لا يكون) وقد نصّوا على أنّ الاسم في باب كان وأخواتها لا يحذف، لشبهه بالفاعل فإذا قدّر مضمرا أمن من ذلك، ولا شك في وضوح هذا القول ورجحانه على دعوى المصنف، على أنّ في عبارة سيبويه إشعارا برأي المصنف، ولعلّها هي الموقعة له في ذلك فإنّه قال - بعد أن ترجم باب (لا يكون) و (ليس) وما أشبههما -: فإذا جاءتا وفيهما معنى الاستثناء (فإنّ فيهما إضمارا وعلى هذا وقع فيهما معنى الاستثناء) 1 فقوله: فإنّ فيهما إضمارا يفهم بأنّ الاسم مضمر فيهما، ثم قال - بعد أن مثل بنحو: أتاني القوم ليس زيدا - كأنّه - حين قال: أتوني - صار المخاطب عنده قد وقع في خلده أنّ بعض الآتين زيد، حتّى كأنّه قال: بعضهم زيد، فكأنه قال: ليس بعضهم زيدا، وترك إظهار (بعض) استغناء، كما ترك الإظهار في (لات حين) (2) فقوله:
فكأنّه قال: ليس بعضهم زيدا، يشعر بأنّ الاسم مظهر غير مضمر، إلّا أن يقال:
إنمّا أراد بذلك تفسير المعنى، لا التقدير الصناعيّ ولكن يبعد هذا القول قوله - بعد ذلك - كما ترك الإظهار في (لات حين) 2 شبه 3 ترك الإظهار في ليس وأخواتها، بترك الإظهار في: (ولات حين)، ولا يدّعي أحد أن اسم
(لات) مضمر، بل محذوف، ثم قال: قول سيبويه - أولا - فإنّ فيهما إضمارا محمول على أنه أراد بالإضمار التقدير لا أنّ الاسم، غير مظهر.
وقد شنّع الشيخ على المصنف في قوله: واسمهما بعض لازم الحذف فقال: هذا الذي قاله لم يذهب إليه أحد من النحويّين، بل اتفق الكوفيون والبصريّون على أنه مضمر فيهما، ليس ظاهرا محذوفا، قال البصريون: هو عائد على البعض المفهوم من الكلام السابق وقال الكوفيون: هو عائد على الفعل المفهوم من الكلام الأول فتقدير: (قام القوم ليس زيدا): ليس فعلهم فعل زيد، فحذف المضاف إلى (زيد) وأقيم (زيد) مقامه، وردّ هذا المذهب بأنّ فيه دعوى مضاف محذوف لم يلفظ به قطّ 4، وبأنك تقول: قام القوم إخوتك ليس زيدا، وليس فيه فعل يقدر الضمير -
................................
عائدا عليه 1. اه.
وقد علمت ما في عبارة سيبويه 2 من الاحتمال على أنّ الشيخ - بعد تشنيعه - نقل عن صاحب البسيط أنه قال: يقول المصنف في هذه المسألة، ونقل عنه استدلالا على ذلك وتقوية له 3. وقد يمنع المصنف عدم جواز حذف الاسم في باب (كان) ويدّعي جواز الحذف لدليل، كما كان يجوز فيه وهو مبتدأ، قبل دخول (كان) عليه، ولا يلزم من تشبيهه بالفاعل في بعض الأحوال أن يشبهه في كلّ ما له ومن شواهد الاستثناء بـ (ليس) قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يطبع المؤمن على كلّ خلق ليس الخيانة والكذب» 4 أي: إلّا الخيانة والكذب 5.
وأما فاعل (عدا) و (خلا) و (حاشا) ففيه أقوال:
أحدها: أنه كفاعل (6) (ليس) و (لا يكون) وإليه أشار بقوله: وكذا فاعل الأفعال الثلاثة فقدّر «قام القوم عدا زيدا»: عدا بعضهم زيدا، أو عدا هو أي بعضهم زيدا، على ما عرفت من التقديرين المتقدمين إلا أنّ مدلول البعض المقدّر فاعلا لهذه الأفعال غير مدلول البعض المقدر اسما، لـ (ليس) و (لا يكون)؛ لأنّ البعض المقدر اسما لهما هو نفس [3/ 56] المستثنى؛ لأنه مخبر عنه به، والمبتدأ والخبر متّحدان 6، وأما البعض المقدر فاعلا لـ (عدا) 7 وأختيها
فمدلوله ما بقي -
................................
من المستثنى منه بعد إخراج المستثنى، ويرجّح دعوى كون فاعل هذه الأفعال ضميرا لبعض، على دعوى كونه ظاهرا محذوفا؛ لأنّ فاعليته متحققة والفاعل لا يحذف.
القول الثّاني: أنّ الفاعل ضمير، كما هو في أحد التقديرين في القول الأوّل، إلّا أنّه لا يعود على البعض وإنّما يعود على (من) المفهوم من معنى الكلام المتقدّم، فتقدير «قام القوم عدا زيدا»: عدا هو زيدا، أي: عدا من قام زيدا وهو رأي المبرّد 1.
القول الثالث: للمصنّف: (الذي) 2 ذكره في الشرح أنّ الفاعل مصدر ما عمل في المستثنى منه، فتقدير: قاموا عدا زيدا، جاوز قيامهم زيدا، ولم يقدره المصنف ضمير المصدر، بل جعل فاعل المصدر الظاهر محذوفا على طريقته التي عرفتها.
قال المصنف: وتقدير: عدا قيامهم زيدا أجود من تقدير: عدا بعضهم زيدا؛ لأنّه لا يستقيم إلّا أن يراد بالبعض ما سوى زيد، وهذا - وإن صحّ إطلاق البعض على الكلّ إلّا واحدا، لا يحسن، لقلته في الاستعمال 3. انتهى.
وللعلّة التي أشار إليها المصنف جنح المبرد إلى القول الذي تقدم نقله عنه.
قال الشيخ: وهذا الذي ذهب إليه - يعني المصنف - لا يطرأ له، فإنّ من صور الاستثناء ألّا يتقدم فعل، ولا ما يجري مجرى الفعل، نحو: القوم إخوتك عدا زيدا، والقوم قرشيّون، ما خلا زيدا، وهنا لا يمكن أن تقدر: جاوز فعلهم زيدا؛ لأنّه لم ينسب إليهم فعل 4. اه.
وفيه نظر، ونقل الشيخ أنّ الفراء ذهب إلى أنّ (حاشا) فعل ولا فاعل له 5، ثم قال الشيخ: ويمكن القول في (عدا) و (خلا) كذلك.
وأنّ النصب بعدهما إنّما هو بالحمل على (إلّا) والتزم فيه النصب 6؛ لأنّه لم يتمحص للحرفية، والفروع يقتصر فيها على بعض الأحكام ولا ينكر أن يعرى الفعل من الفاعل إلّا إذا استعمل استعمال الحروف كما أنّ (قلّما) لما استعملت للنفي - - المباني للمالقي (ص 366).
................................
المحض استغنت عن فاعل، فتقول: قلّما يقوم زيد، أي: ما يقوم زيد، وكذلك يقدّر: قاموا عدا زيدا، قاموا إلا زيدا، فيجرى (عدا) مجرى (إلّا) 1. اه.
وبقي الكلام على مواضع هذه الكلمات من الإعراب:
فاعلم أنّ (عدا وخلا، وحاشا) إذا كنّ أحرف جرّ: كانت متعلقة بما قبلها وهي والمجرور بها في موضع نصب، وأما المذكورات إذا كنّ أفعالا غير موصول شيء منها بـ (ما، وليس، ولا يكون) فيجوّز السيرافي فيه وجهين: أحدهما: أن يكون لها موضع من الإعراب، ويكون في موضع نصب على الحال، وكأنك قلت: قام القوم خالين زيدا وعادين زيدا وحاشين زيدا، أي مجاوزا هو أي بعضهم زيدا 2، قال بعضهم: ويستثنى هذا من القاعدة المقررة، وهي أنّ الجملة الحالية إذا صدّرت بفعل ماض غير ما استثنوه لا بدّ معها من (قد) ظاهرة أو مقدّرة.
الوجه الثاني:
أن لا موضع لها من الإعراب، وإن كانت جملة فمفتقرة من جهة المعنى إلى الكلام الذي قبلها، من حيث كان معناها كمعنى (إلّا) ونظيره مذ يومان، من قولك: ما رأيته مذ يومان فإنّها جملة ابتدائية، لا موضع لها من الإعراب وهي مفتقرة إلى ما قبلها 3 واختار ابن عصفور هذا الوجه، قال: لأنّك إذا جعلتها حالا احتاجت إلى رابط يربطها بذي الحال، ولا رابط؛ لأنّ الضمير في (عدا) و (خلا) و (حاشا) ليس عائدا على المستثنى منه، وإنما هو عائد على البعض المفهوم وهو مضاف إلى القوم ولا يقال: إذا كان البعض مضافا إلى القوم فقد حصل الربط، لأنه كالمصرّح به لأنّ هذا رابط بالمعنى والربط بالمعنى لا ينقاس، ألا ترى قصوره على السماع في نحو مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، ومنعوه في: مررت برجل قائمين، لا قاعد أبواه، على إعمال (قاعد) في الأبوين لأنّ الربط بالمعنى إنما سمع في الصفة الثانية لا في الصفة الأولى فلم يتجاوزوا به موضع السّماع 4. اه.
وأما إذا كانت (عدا) و (خلا) موصولتين بـ (ما): -
................................
فموضع (ما) والفعل نصب، واختلفوا في محلّ انتصابه: فزعم السيرافي أنّه بتأويل مصدر منصوب وأنّه لا خلاف في ذلك بين البصريّين والكوفيّين ثم اختار السيرافي أنّه مصدر موضع موضع الحال، وفيه معنى الاستثناء، قال: وجاز وقوع (ما) المصدريّة مع صلتها موضع الحال، إجراء لها مجرى المصدر الذي هي في تقديره كما وصف بها في قولك: مررت برجل ما شئت من رجل؛ إجراء لها مجرى المصدر الموصوف به في نحو: مررت برجل عدل.
قال المصنف: ولا يمنع من ذلك كونه معرفة فإنّ وقوع المعرفة حالا لتأولها بالنكرة سائغ شائع.
وزعم ابن خروف والشلوبين أنّ انتصاب المصدر المذكور على الاستثناء 1، قال المصنف:
وهو غلط منهما؛ لأن المنصوب على معنى لا يقوم ذلك المعنى بغيره ومعنى الاستثناء قائم بما بعد (ما) وصلتها لا بـ (ما) فلا يصحّ القول بأنّهما منصوبان على الاستثناء؛ لأنهما مستثنى بهما لا مستثنيان.
وزعم ابن الضائع - ونقله الشيخ عن صاحب البسيط أيضا - أنّ انتصاب المصدر المذكور على الظرف ودخله معنى الاستثناء، فيقدّر (قام القوم ما عدا زيدا) بـ: (قام القوم وقت مجاوزتهم زيدا)، قال: (وما) المصدرية كثيرا ما تكون ظرفا ولم يثبت فيها
النصب على الحال 2.
وجعل ذلك صاحب البسيط نظير: (أتاني مقدم الحاجّ، وخفوق النّجم) 3.
وأشار المصنّف بقوله: وقد يوصف - على رأي - المستثنى منه... إلخ إلى أنّ (ليس) و (لا يكون) قد يوصف بهما ما قبلهما، كما يوصف بسائر الأفعال فعلى هذا يتعين كون [3/ 57] الموصوف بهما نكرة؛ لأنّ الجملة صفة للمعرفة ولمّا كان المعرف بالأداة الجنسية - عند المصنف - يجري مجرى النكرة أدرجه معها في الحكم المذكور، ويتعين أيضا لحاقها ما يلحق الأفعال الموصوف بها، من ضمير مطابق للموصوف؛ في إفراد، وتثنية، وجمع، ومن علامة تأنيث إن كان الموصوف مؤنثا نحو: أتاني رجل لا يكون زيدا، أو ليس زيدا، أو أتتني امرأة لا تكون فلانة 4 -
................................
أو ليست فلانة، ومثال المعرف بالأداة الجنسيّة قولك: أتاني القوم ليسوا إخوتك، مثل به المصنف، وقال: من أمثلة أبي العبّاس 1 وعبارة المصنف في هذا قريبة من عبارة سيبويه، فإنه - بعد أن ذكر أنّ (ليس) و (لا يكون) يجيئان، وفيهما معنى الاستثناء - قال: وقد يكونان صفة وهو قول الخليل 2 فأتى بـ (قد) المشعرة بالتقليل، كما فعل المصنّف وكأنّه أراد بقوله: على رأي: ما أراد سيبويه بقوله: وهو قول الخليل.
وقد صرّح ابن عصفور بذلك في المقرّب فقال: ومن العرب من يجعل الضمير الذي فيهما - يعني في (ليس) و (لا يكون) - على حسب الاسم المتقدّم فيقال: ورجلان لا يكونان زيدا أو ليسا زيدا، ورجال لا يكونون زيدا، وليسوا زيدا، فتكون الجملة - على هذه اللغة - صفة للاسم المتقدّم 3، ومراد المصنّف بقوله: وقد يوصف على رأي المستثنى منه الذي كان يكون مستثنى منه، لو لم يوصف؛ لأنه - حال كونه موصوفا بهما - ليس مستثنى منه وليس مراده أنّ (ليس) و (لا يكون) لا يجريان وصفا على ما قبلهما إلّا إذا كان صالحا لأن يكون مستثنى منه، بل أعمّ من ذلك على أنّه لو قال:
وقد يوصف بـ (ليس) و (لا يكون) ما قبلهما، كان أولى.
وقال الشيخ - وهو قول النّحويين -: إنّ (ليس) و (لا يكون) قد يوصف بهما، إنما يعنون أنهما يكونان وصفين، في
المكان الذي يكونان فيه صالحين للاستثناء.
اه 4. وفيما ذكر نظر؛ لأنّ الوصف بهما كالوصف بسائر الأفعال وليس الوصف بـ (ليس) و (لا يكون) فرعا على الوصف بغيرهما حتّى يشترط فيهما ذلك، وهذا الشرط لم يثبت في الوصف بـ (إلا) مع أنها فرع على الوصف بـ (غير) فكيف يلتزم في الوصف بالجملة الفعلية 5. قال الشيخ: ونصّ الأبذي على أنه إذا كان ما قبلهما معرفة كانا في موضع نصب على الحال نحو: جاء القوم ليسوا إخوتك وجاءتني النساء، ليست الهندات 6. اه.
وهو واضح، فإنّ الجملة - - ليس بصحيح فيما ادعاه؛ لأن قوله: امرأة في سياق الإثبات فيصح أن يكون مستثنى منها، ألا تراه قال: ما أتتني امرأة لا تكون فلانة وما أتتني امرأة ليست فلانة.
اه.
................................
بعد المعرفة لا يصحّ كونها نعتا، فتعين الحالية ونصّ سيبويه على أنّ (عدا) و (خلا) لا يكونان صفة 1 ولم يعلل ذلك.
وذكر سيبويه أيضا في باب (ليس) و (لا يكون) - وهو آخر أبواب الاستثناء في الكتاب - مسألة: وهي أتوني إلّا أن يكون زيد.
قال سيبويه - بعد أن مثل بذلك -:
فالرفع جيّد بالغ وهو كثير في كلام العرب؛ لأنّ (يكون) صلة لـ (أن) وليس فيها معنى الاستثناء و (أن يكون) في موضع اسم مستثنى، كأنّك قلت 2: لا يأتونك إلّا أن يأتيك زيد، والدليل على أنّ (يكون) ليس فيها - هنا - معنى الاستثناء أنّ (ليس) و (عدا) و (خلا) لا تقعن هنا ومثل الرفع قول الله عز وجل: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ 3 وبعضهم ينصب على وجه النصب في (لا يكون) والرفع أكثر هنا 4. انتهى كلام سيبويه.
أما الآية الكريمة فقد قرئت برفع (تجرة) ونصبها، أمّا الرفع فعلى أنّ (تكون) تامة، وأمّا النصب فعلى أنّها الناقصة والتقدير: إلّا أن تكون التجارة تجارة.
وقد فهم من كلام سيبويه أنّ قراءة الرفع أرجح، وإنّما رجح الرفع لعدم الإضمار معه وكأنّ
مراد سيبويه - في قوله: وبعضهم ينصب على وجه - النصب في (لا يكون) أن النصب إنما يكون على الخبرية 5 والاسم مضمر في (تكون) في (إلّا أن تكون) هي أداة استثناء كما أنّ (لا يكون) أداة استثناء؛ إذ لا يتأتى ذلك فيها وقيل: مراد سيبويه أنّ الضمير الذي في (يكون) يلزم إفراده وتذكيره، كما أنّه كذلك في (لا يكون) المستثنى بها، وهذا لا يمكن حمل الآية الكريمة عليه؛ لأنّ (تكون) فيها مؤنثة إلّا أن يقال: إنّ قول سيبويه:
وبعضهم ينصب... إلخ لا يعود إلى الآية الكريمة إنما يعود إلى المثال الذي مثل به أولا وهو قوله: «أتوني إلا أن يكون زيد»، وفيه نظر 6.
[أحكام الاستثناء بـ «غير» وبيد»]
قال ابن مالك: (فصل: يستثنى بـ «غير» فتجرّ المستثنى معربة بما له بعد «إلّا» ولا يجوز فتحها مطلقا لتضمّن معنى «إلّا» خلافا للفراء، بل قد تفتح في الرفع والجرّ، لإضافتها إلى مبنيّ، واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها وب «إلا» جائز، ويساويها في الاستثناء المنقطع «بيد» مضافا إلى «أنّ» وصلتها).
قال ناظر الجيش: الاستثناء بـ (غير) حمل على (إلّا) والوصف بها هو الأصل، والاستثناء بـ (إلّا) هو الأصل والوصف بها وبما بعدها حمل على (غير) وقد تقدم ذلك، ولذلك لا يحكم على (غير) بأنها يستثنى بها حتّى تكون في موضعها صالحة لـ (إلّا)، فتقدّر (إلّا) في موقعها، وينظر ما يستحقه الواقع بعدها من نصب لازم أو نصب مرجح عليه الإتباع أو نصب مرجح على الإتباع أو تأثر بعامل مفرغ فيعطاه (غير) ويجرّ هو على مقتضى الإضافة فتقول: جاؤوني غير زيد، بنصب لازم، وما جاءني أحد غير زيد بنصب مرجح عليه الإتباع، وما لزيد علم غير ظن،
بنصب مرجح على الإتباع، لرجح اللغة الحجازية على التميمية في ذلك وما جاء في غير زيد 1 بإيجاب التأثر لتفرغ العامل فتفعل بـ (غير) ما كنت تفعل بالواقع بعد (إلّا) وإذا انتصب (غير) 2 في الاستثناء غير المفرغ ففي انتصابه خلاف، فرأي المصنف - ونسبه إلى الفارسيّ -: أنّها منصوبة على الحال 3، وفيها معنى الاستثناء كما تقدم، في (ما عدا) و (ما خلا) ورأي أكثر المتأخرين أنّ انتصابها كانتصاب الاسم الواقع بعد (إلا) فهي منصوبة على الاستثناء 4 وقد تقدم ما يضعف ذلك وهو أنّ المنصوب [3/ 58] على معنى لا يقوم ذلك المعنى بغيره، ومعنى الاستثناء قائم بما بعد (غير) لا بـ (غير) ولا يصحّ القول بأنها منصوبة على الاستثناء؛ لأنها مستثنى بها، لا مستثناة، وذهب السيرافي وابن الباذش إلى أنها -
................................
منصوبة بالفعل السابق، وهي عند ابن الباذش مشبهة بالظرف المبهم، فكما يصل الفعل إليه بنفسه فكذلك يصل إلى غيره بنفسه 1. قال ابن عصفور - بعد نقله ذلك عنهما -: وهذا خطأ؛ لأنها قد تنصب (غير) ولم يتقدمها فعل ولا ما يشبهه نحو:
القوم إخوتك غير زيد 2 وأجاز الفراء بناء «غير» على الفتح عند تفريغ العامل سواء كان المضاف إليه معربا أم مبنيّا فيقال - على رأيه -: ما جاء غير زيد وما جاء غيرك 3، ولم يذكر - في الاحتجاج لذلك - من كلام العرب (غير) مضاف إلى مبني.
قال المصنف: وكان حامله على العموم جعل سبب البناء تضمّن معنى (إلّا) وذلك عارض فلا يجعل وحده سببا بل إذا... أضيفت (غير) إلى مبنىّ جاز بناؤها، صلح موضعها لـ (إلّا) أو لم يصلح 4 فمثال الأول:
1749 - لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت... حمامة في غصون ذات أو قال 5
ومثال الثّاني قول الآخر:
1750 - لذ بقيس حين ينأى غيره... تلقه بحرا مفيضا خيره 6
وأشار المصنّف بقوله: واعتبار المعنى في المعطوف على المستثنى بها جائز إلى قول سيبويه - في الباب الذي ترجمته: هذا باب ما أجري على موضع (غير) لا على ما بعد (غير) -: زعم الخليل ويونس أنّه يجوز: ما أتاني غير زيد وعمرو، والوجه -
................................
الجر؛ وذلك أنّ (غير زيد) في موضع (إلّا زيد) وفي معناه، فحمل على الموضع كما قال:
1751 -... فلسنا بالجبال ولا الحديدا 1
فلمّا كان في موضع (إلّا زيد) ومعناه كمعناه حملوه على الموضع؛ والدليل على ذلك أنك إذا قلت: (غير زيد) كأنك قلت: (إلا زيد) ألا ترى أنك تقول:
ما أتاني غير زيد وإلا عمرو، ولا يقبح الكلام كأنك قلت: ما أتاني إلا زيد وإلا عمرو 2. انتهى.
قال المصنف - بعد نقل كلام سيبويه هذا -: قلت: إذا قيل: ما أتاني غير زيد وعمرو، بالرفع فلا يخلو؛ إمّا أن يحكم لـ (غير) - هنا - بحكم (إلّا)، أو لا، فإن لم يحكم لها بحكم (إلّا) فسد المعنى المراد وذلك أنّ المراد إدخال زيد وعمرو
في الإتيان وإن قال: ما أتاني غير هذين فإن لم يجعل (غير) بمنزلة (إلا) ورفع (عمرو) كان المعنى إخراجه من الإتيان وكأنه قيل: ما أتاني غير زيد، وما أتاني عمرو والمراد خلاف ذلك، فلزم أنه لا يصحّ المعنى حتى ينزل (غير) منزلة (إلا) ويعرب «عمرو» بإعراب ما بعد (إلا) أو بإعراب ما بعد (غير) لا بإعرابها نفسه.
3 قال الشيخ: وظاهر كلام سيبويه أنه عطف على الموضع؛ لأنّ (غير) دخيلة في الاستثناء فالمستثنى بعدها أصله أن يكون معمولا لما قبل (إلّا) فالمجوز -
................................
موجود وهو طالب الرفع والنّصب وإن كان ما بعد (غير) مجرورا 1. انتهى.
أمّا قوله: إنّ ظاهر كلام سيبويه أنّه عطف على الموضع فصحيح، وأما قوله:
«والمجوز موجود وهو طالب الرفع والنصب فلا يتمّ إلّا على القول بأنّ العامل في المستثنى تمام الجملة، وأمّا على القول بأنّ العامل ما قبل (إلّا) بتقوية (إلّا) فلا يتمّ.
وزعم الشلوبين أنّ العطف هنا على التوهّم لا على المرجّح، وحمل عليه كلام سيبويه، وهو بعيد، لتنظيره، المسألة بقوله:
1752 - فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وكأن الشلوبين لمّا لم يجد مجوّزا ادّعى التوهّم 2 وظهر من المصنف أنّ الحكم المذكور مقصور على المعطوف دون غيره من التوابع كما يشعر به تمثيل سيبويه 3، ولا يعدّ في إجراء بقية التوابع مجراه، لعدم الفرق، وعبارة ابن عصفور - في المقرب 4 - تشعر بذلك فإنّه قال - بعد ذكر (غير): إلّا أنك إذا اتبعت الاسم الواقع بعد
(غير) كان لك في التابع وجهان الخفض، وأن يكون على حسب إعراب (غير).
وأنشد قول الشاعر - إلا أنه شاهد على العطف -:
1753 - لم يبق غير طريد غير منفلت... وموثق في حبال القدّ مسلوب 5
فإنّه روي بخفض «موثق» ورفعه.
وقال ابن عصفور: ولا يجوز لك في إتباع الاسم الواقع بعد (إلّا) غير الحمل على اللفظ خاصّة 6، يعني أنّه لا يجوز فيه الحمل على تقدير وجود (غير) كما كان ذلك في عكسه وعللوا ذلك بأنّ الاسم الواقع بعد (إلّا) لا موضع له يخالف لفظه، بل لفظه، وموضعه واحد بخلاف الواقع بعد -
................................
(غير) وذلك لأصالة (إلّا) وفرعية (غير).
قال الشيخ: وقد ذهب بعض النحويّين - ومنهم ابن خروف - إلى إجازة ذلك وحمل عليه قول الشاعر:
1754 - وما هاج هذا الشّوق إلّا حمامة... تغنّت على خضراء سمر قيودها 1
وروي برفع (سمر) على لفظ (حمامة) وبجرّه على تقدير غير حمامة سمر قيودها، ومع منع ذلك أوّل الجر على أنّه خفض على الجوار، أو على أنّ (سمرا) نعت لـ (خضراء) ويكون المراد بالقيود: عروق الشّجر 2.
قال الشيخ أيضا: في الاستدلال بـ (سمر قيودها) بالجرّ دليل على إجراء النعت مجرى العطف يعني في الحمل على المعنى بعد (غير) وبعد (إلّا) إن قيد به، وذكر الشيخ أنّ (غيرا) إذا كانت استثناء ففي العطف بعدها بـ (إلّا) خلاف ذهب جماعة منهم الأخفش وابن السّراج 3 والزجاج، وأبو عليّ، إلى جواز ذلك إمّا على تقدير زيادة (لا) وإمّا على الحمل على المعنى؛ لأن الاستثناء في معنى النّفي 4. وذهب الفراء وثعلب إلى أنّ ذلك غير جائز، كما أنه لا
يجوز بعد (إلّا) فلا تقول: جاءني القوم غير زيد ولا عمرو، كما لا تقول: جاءني القوم إلا زيد وإلا عمرا 5.
قال الشيخ: وأجاز النحويون: عندي غير زيد ولا عبد الله ولم يجيزوا: عندي سوى عبد الله ولا زيد، وأجاز بعضهم: أنت زيدا غير ضارب، ولم يجوّزوا: أنت زيدا مثل ضارب، لجعلهم (غيرا) بمنزلة (إلّا).
انتهى 6.
ومثال مساواة [3/ 59] (بيد) لـ (غير) في الاستثناء المنقطع قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم: -
[أحكام الاستثناء بـ «سوى»]