تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 1493-1532

الباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام

صفحات 1493-1532

................................  أداة نفي لم تلغ أصلا 1، يعني أن الأفعال المذكورة إذا دخل عليها ناف لا يجوز فيها إلا الإعمال، وجاء الشيخ فذكر هذا، وذكر هو أمرا آخر لا يجوز معه إلا الإلغاء، كأنه يستدرك على المصنف هذين الأمرين فقال: وهذا الذي ذكره المصنف من جواز الإلغاء مع التأخير، والتوسط له شرطان أهملهما المصنف.
أحدهما: أن لا تدخل لام الابتداء على الاسم، فإن دخلت فلا يجوز إلا الإلغاء نحو: لزيد قائم ظننت ولزيد قائم.
الشرط الثاني: أن لا تكون منفية، فإن كانت منفية فلا يجوز إلا الإعمال نحو: زيد منطلقا لم أظن، وزيدا لم أظن منطلقا، لأنه لا يجوز لك إذ ذاك أن تبني كلامك على المبتدأ والخبر، ثم يعترض بالظن المنفي، ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول زيد منطلق إلا وأنت عالم بصحة ذلك أو ظان له، وهذا المعنى لا يتصور مع قولك: لم أظن أو لم أعلم، فلم يبق إلا أن يكون الكلام مبينا على الظن المنفي أو العلم المنفي قال: ولا يبطل هذا الذي ذكره بقول كعب: 1135 - وما أخال لدينا منك تنويل 2 لأن أداة النفي إنما هي داخلة في المعنى على ما بعد «أخال» 3 انتهى.
وما ذكره فيه نظر: أما نحو لزيد قائم ظننت، ولزيد ظننت قائم وأنه لا يجوز فيه إلا الإلغاء، فلم يتجه لي، لأن لام الابتداء علقت الفعل عن العمل فرجعت المسألة إلى حكم التعليق، وخرجت عن حكم الإلغاء، فكيف يستدرك على المصنف، وأما كون الفعل إذا نفى وجب الإعمال وامتنع الإلغاء، فلم أعلم ما يعلل به ابن عصفور ذلك، وأما العلة التي ذكرها الشيخ فإنما يعلل بها من يجعل الإلغاء إنما يكون بحسب القصد، والمصنف لا يرى ذلك بل الإلغاء عنده راجع إلى اختيار المتكلم حيث وسّط العامل أو أخّره كما تقدم تقرير القولين، وإذا كان المصنف لا يرى ذلك فالعلة المذكورة عنده معتبرة وإذا لم تعتبر بطل الحكم المرتب عليها.

................................  الأمر الثالث: قد حكم المصنف بضعف الإلغاء في نحو: متى ظننت زيد قائم كما عرفت ولما كانت «متى» في هذا التركيب يحتمل أن يكون ظرفا للفعل الذي هو ظننت وللخبر الذي هو قائم قيد ذلك في الشرح بقوله: وبتقليل قبحه بعد معمول الخبر نحو: متى ظننت زيد قائم، فعلم أن الإلغاء في مثل هذا المثال إنما يجوز إذا كان الظرف المتقدم من متعلقات الخبر، لا من متعلقات الفعل، لكن ظاهر كلام ابن عصفور يعطي أنه لا يشترط أن يكون ما تقدم على الفعل من متعلقات [2/ 183] الخبر ولا من متعلقات الفعل أيضا، فإنه قال: فإن لم يقع أولا يعني فإن لم تقع الأفعال المذكورة أول الكلام، فالإعمال أحسن والإلغاء ضعيف 1، ومن الإلغاء قوله 2: 1136 - كذلك أدّيت حتّى صار من خلقي... أنّي رأيت ملاك الشّيمة الأدب 3 وهذا البيت إنما تقدم فيه على الفعل حرف والحرف ليس معمولا لشيء، والذي يظهر أن الذي قاله المصنف هو الحق، لأن تقدم الفعل في هذا الباب وعدم تقدمه إنما هو معتبر بالنسبة إلى معموليه أو إلى ما هو من متعلقات أحد معموليه؛ لأنه إذا تقدم عليه معمول لأحد معموليه صدق عليه أنه توسط في الجملة بالنسبة إلى ما هو من معمولاته، أما إذا لم يتقدم شيء من ذلك، فإن التوسط لا يصدق عليه، وقد قال ابن أبي الربيع رحمه الله تعالى: إذا قلت اليوم ظننت زيدا شاخصا كان لك فيه معنيان: -

................................  أحدهما: أن تريد أن ظنك وقع في هذا اليوم وليس الشخوص فيه فإذا قصدت هذا لم يكن في الظن إلا الإعمال لأنها متقدمة.
الثاني: أن تريد أن الشخوص وقع في هذا اليوم وربما كان ظنك قبل هذا اليوم بزمان كثير، فإذا أردت هذا كان لك فيه وجهان: الإعمال والإلغاء وتقول: متى ظننت زيدا قائما فيجوز لك وجهان: الإلغاء والإعمال إذا جعلت الظرف متعلقا بقائم، فإن جعلته متعلقا بظننت لم يكن فيه الإعمال لأن الظن متقدم، وإذا قلت: هل ظننت زيدا شاخصا، فالاختيار الإعمال لأن ظننت متقدمة، ويظهر من كلام سيبويه أنه يجوز فيه الإلغاء 1، ووجه ذلك: أن هل استفهام وجيء بها للجملة التي بعدها فهي بعض من الجملة، فقد تكون الجملة التي جيء بها لها زيد شاخص، وليس في نيتك إلا ذلك، ثم لما نطقت بـ «هل» على هذا القصد خطر لك الظن فجئت به بعد النطق بـ «هل» وفي النفس البناء على الابتداء والخبر، فصار مجيئها بعد «هل» كمجيئها بعد زيد من: زيد ظننت قائم إلا أن الاختيار متى كان ذلك، أن تأتي بالظن آخرا.
انتهى.
وهذا يحقق ما اعتبره المصنف؛ غير أن ابن عصفور قد يتمسك بإجازة سيبويه الإلغاء في هل ظننت زيدا شاخصا، فإن ظاهره يقوي كلام ابن عصفور.
وبعد فجواز الإلغاء في هذا المثال مشكل من جهة النظر، وقد تلطف ابن أبي الربيع وتحدى في توجيهه، ولكنه لم يرفع الإشكال رأسا، وفي شرح الشيخ: فإن كان المتقدم حرفا لم يجز الإلغاء، وذلك: أتظن زيدا منطلقا، قال: لأنه لم يتقدم معمول أصلا 2، وهذا جار على الأصل الذي تقدم تقريره إلا أن الشيخ لم يتعرض ما ذكره ابن أبي الربيع عن سيبويه في: هل ظننت [2/ 184] زيدا شاخصا من جواز الإلغاء، ثم عقب الشيخ كلامه الذي نقلناه عنه آنفا بأن قال: ومن صور هذه المسألة - وهي أن لا تتصدر ظننت مع كونها متقدمة على المعمولين - صورة لا -

................................  يجوز فيها إلا الإلغاء، ولا يجوز الإعمال. وهي: ما حكاه الأخفش: إنّ زيدا لظننت أخوه منطلق، ألغى ظننت لما توسطت بين لام «إنّ» والجملة التي في موضع الخبر، ولا يجوز إعمالها هنا لأن لام إنّ تكون إذ ذاك داخلة على ظننت وهو ماض متصرف ولام إن لا يجوز دخولها على الماضي المتصرف إذا وقع خبرا، فإذا لام الابتداء داخلة على الجملة الواقعة خبرا لإن واعترض بظننت بينهما 1. اه. وقد بقي التنبيه ها هنا على شيء: وهو أنّ الفعل الذي يجوز إلغاؤه وإعماله قد يكون مفعوله الثاني جملة اسمية أو شرطية نحو: زيد أبوه منطلق ظننت، وزيد ظننت ما له كثير، وإن تكرمه يكرمك خلت عمرو، فهذا على الإلغاء، وإن أعملت نصبت المفعول الأول، فقلت زيدا منطلقا أبوه منطلق، وزيدا ظننت ماله كثير، وإن تكرمه يكرمك خلت عمرا ولا شك أن هذا واضح، ولكن قد يجبن الطالب عن إجازة الإعمال فكان التنبيه عليه واجبا، ثم أشار المصنف بقوله: وقد يقع الملغى بين معمولي إنّ إلى آخره إلى أن الملغي قد يتصور حيث لا يتصور إعمال ولا إلغاء، وذلك في ثلاثة مواضع: الأول: بين اسم «إنّ» وخبرها نحو: 1137 - إنّ المحبّ علمت لمصطبر... ولديه ذنب الحبّ مغتفر 2 الثاني: بين سوف ومصحوبها نحو: 1138 - وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء 3 الثالث: بين المتعاطفين نحو: 1139 - فما جنّة الفردوس أقبلت تبتغي... ولكن دعاك الخير أحسب والتّمر 4

................................  واعلم أن وقوع الفعل ملغى في هذه المواضع فيه تقوية كقول من يقول 1 إن المتكلم المخبر يبني كلامه أولا على الإخبار المجرد ثم يعرض له إما يقين ذلك الخبر وإما ظنه فيأتي في أثناء كلامه بالفعل للدلالة على مراده فقط، يريد أن هذا الذي أخبرت به واقع في علمي أو في ظني مثلا، فلم يكن يبني كلامه أولا على الإخبار بأن علمه أو ظنه تعلق بشيء.
ولهذا لم يكن للفعل حينئذ متعلق يتسلط عليه، ومن ثم يصح أن يحكم لعلمت ولأخال، ولأحسب في الأبيات الثلاثة بما حكم به لكان من الزيادة في نحو ما كان أحسن زيدا ولا يضر كونها رافعة لفاعل، فقد عرفت أن كان الزائدة قد قيل بأن لها فاعلا، بل قد قيل بزيادتها مع تحقق كونها رافعة في: 1140 - وجيران لنا كانوا كرام 2 3

    • (2/ 1002)، والهمع (1/ 153)، والدرر (1/ 136). والشاهد قوله: (دعاك الخير أحسب والتمر) حيث وقعت «أحسب» بين المعطوف والمعطوف عليه فألغيت.

................................  وعلى هذا يكون المراد بالإلغاء في ثلاثة الأبيات المذكورة الزيادة لأنه لم يكن [2/ 185] فيها للأفعال التي ذكرت معمولات، فيقال: إنها ألغيت عنها.
ثم أشار المصنف بقوله: وإلغاء ما بين الفعل ومرفوعه جائز لا واجب خلافا للكوفيين إلى نحو: قام أظن زيد، ويقوم أظن زيد، وهو أن يقع فعل من أفعال هذا الباب بين فعل ومرفوعه، فالكوفيون يوجبون الإلغاء، فلا يجوز عندهم نصب زيد في المثالين المذكورين، والصحيح جواز النصب والرفع 1، فإذا رفعت فظاهر، وإذا نصبت فالفعل المتقدم مفعول ثان وقد ورد بالنصب والرفع قول الشاعر: 1141 - شجاك أظنّ ربع الظّاعنينا... ولم تعبأ بعذل العاذلينا 2 قال الشيخ: والذي يقتضيه القياس أنه لا يجوز إلا الإلغاء، لأن الإعمال مترتب على كون الجزأين كانا مبتدأ وخبرا والجزآن هنا لا يكونان مبتدأ وخبرا، لأن النحويين يمنعون تقديم الخبر إذا كان فعلا رافعا ضمير المسند إليه مستكنّا والإعمال يؤدي إلى ذلك فلا يجوز 3 انتهى.
ولك أن تقول: الموجب لامتناع تقديم الخبر في نحو زيد يقوم إنما هو خوف ليس تركيب بتركيب، ولهذا إذا أمن اللبس يجوز نحو: قاما الزيدان، ويقومان العمران 4 - - مذهب المبرد وأكثر النحويين فهو إن كان في البيت ليست بزائدة بل هي الناقصة والضمير وهو واو الجماعة اسمها و «لنا» خبرها والجملة في موضع الصفة لـ «جيران» وكرام صفة بعد صفة.
ينظر الكتاب (2/ 153)، والمقتضب (4/ 116)، والتصريح (1/ 192).

................................  ولا شك أن النصب هنا قرينة مزيلة للبس فجاز لنا أن نتصور أن «يقوم» من نحو من يقوم زيد خبر مقدم حين يقصد إدخال نحو ظننت بينهما وإعمالها اتكالا على ما سيبينه نصب زيد من أنه كان مبتدأ وأن الفعل المقدم خبره، ثم أشار المصنف بقوله: وتوكيد الملغي بمصدر منصوب قبيح إلى آخره إلى ما أذكره.
اعلم أن أصل المسألة: إذا ألغي فعل من أفعال هذا الباب لا يؤكد بمصدره فلا يقال نحو: زيد ظننت ظنّا مقيم ولا زيد مقيم ظننت ظنّا، للعلة التي ستذكر، لكنهم جوزوا حذف الفعل والتعويض عنه بالمصدر نحو: زيد منطلق ظنّا، قالوا: وهو بدل من الفعل، فلا يجوز الجمع بينهما 1، وقد تقدم ذكر إجازة هذه المسألة أثناء المنصوب ما نقله من كلام ابن أبي الربيع، فقد أكد بالمصدر الصريح المنصوب مع إلغاء الفعل عن العمل من جهة أنه لم يجمع بينهما وكان المصدر بدلا منه، ولا شك أنه لو لم يذكر المصدر وذكر الفعل متوسطا أو متأخرا لجاز إلغاؤه، فلما أنيب المصدر منابه وعوض به عنه كان حكمه حكمه، فقد صح لنا من هذا أن فعلا من أفعال هذا الباب إذا أكد بالمصدر وجب إعماله تقدم أو توسط أو تأخر نحو: ظننت ظنّا زيدا قائما، وزيدا ظننت ظنّا قائما، وزيدا قائما ظننت ظنّا 2 [2/ 186] هذا إذا كان المصدر صريحا منصوبا، أما إذا كان صريحا غير منصوب بأن يكون مضافا إلى ياء المتكلم، أو غير صريح بأن يكون ضمير المصدر أو اسم إشارة إليه فسيأتي الكلام فيه.
وقد اختلف تعليل النحاة لعدم جواز الإلغاء أي إلغاء الفعل حين يؤكد بما ذكرنا: فمنهم من قال: لو ألغينا الفعل مع التأكيد بالمصدر لأدى ذلك إلى التناقض، وذلك أنك تكون معملا للفعل ملغيّا له في حين واحد.
ومنهم من قال: لو ألغيت كنت من حيث تلغي غير بان الكلام على الفعل ولا يكون معتمد الكلام على الإتيان به، بل يقدر أنه عرض له ذكره بعد بناء الكلام على أن لا يكون فيه، ومن حيث تؤكد بالمصدر تكون قد جعلته أي الفعل معتمدا عليه في الكلام؛ إذ لا يؤكد من الكلام إلا موضع الاعتماد، والفائدة 3 وهذا -

................................  التعليل الثاني أظهر من الأول؛ لأن الأول منقوض بأنك تقول: زيد ظننت اليوم مقيم، فإنك أعملت ظننت في الظرف مع أنها ملغاة عن المفعولين، إلا أن يجاب عن هذا بأن يقال: المصدر لا يعمل فيه إلا الفعل أو ما شاركه في الحروف والمعنى بخلاف الظرف، وإذا كان العامل في المصدر لا يكون إلا كذلك كان عمل الفعل في المصدر أقوى من عمله في الظرف، فيدل ذلك على قوته، وإلغاؤه يدل على ضعفه فتنافيا، وأيضا فإن التأكيد بالمصدر فيه قوة للفعل لأنه في حكم تكريره فيزداد بالتوكيد قوة، وإذا كان كذلك امتنع إلغاؤه وخصوصا عند من يرى أن مسوغ الإلغاء إنما هو الضعف بالتوسط أو التأخر 1. ومنهم من قال: العلة في ذلك أن العرب قد تقيم المصدر إذا توسط مقام الفعل وتلغيه مع ذلك وتجعله بدلا فتقول: زيد ظنّا منطلق فيكون المصدر إذ ذاك منصوبا بظننت مضمرا، وجاز إضمار الفعل لدلالة الكلام عليه من جهة أنك إذا قلت: زيد ظنّا منطلق علم أنك لم تقل هذا الكلام إلا بعد أن ظننتم كذلك، فلما كانوا يجعلون المصدر إذا توسط ورفعوا الاسمين عوضا من ظننت كرهوا أن يجمعوا بينهما لأن الجمع بين العوض والمعوض منه قبيح 2 قال الشيخ مشيرا إلى هذا التعليل: إنه هو المعلل به عند سيبويه وحذاق النحويين 3، وأما إذا كان الفعل مؤكدا بمصدر صريح غير منصوب أو بضمير المصدر أو باسم إشارة إليه نحو: زيد ظننت ظني منطلق، وزيد ظننته أو ظننت ذاك منطلق، فالإعمال هو الكثير، ويجوز الإلغاء على قلة 4 على أن عبارة المصنف يفهم منها أن الإلغاء جائز مع التوكيد بالمصدر الصريح المنصوب مع أنه محكوم بقبحه، وقد جعل المرتب بالنسبة إلى ما يؤكد به الفعل ثلاثا [2/ 187] منها ما هو قبيح، ومنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو أقل ضعفا كما تضمنه لفظ الكتاب 5 وقال في الشرح: ويقبح توكيد الملغي -

................................  بمصدر صريح منصوب نحو: زيد ظننت ظنّا منطلق، ويزيل بعض القبح عدم ظهور النصب نحو: زيد ظننت ظني منطلق، ويكتسي بعض الحسن يكون المصدر ضميرا أو اسم إشارة نحو: زيد ظننته أو ظننت ذاك منطلق 1 انتهى.
وقد جعل التوكيد بالضمير أو باسم الإشارة في رتبة، وابن عصفور يقول: الإلغاء مع الإشارة إلى المصدر أقوى من الإلغاء مع ضمير المصدر، وعلل ذلك بأن الضمير وإن كان مبنيّا أقرب إلى المصدر المعرب من حيث كان صيغة الضمير تبني عن النصب، فصارت الصيغة بمنزلة الإعراب في المصدر واسم الإشارة ليس فيه إعراب ولا صيغة تقوم مقام الإعراب فبعد شبهه من المصدر.
قال: وإنما جاز الإلغاء مع الضمير واسم الإشارة ولم يجز مع المصدر لكونهما مبنيين لم يظهر للعامل فيهما عمل، فلا يكون مع الإعمال كأنك معمل ملغ في حال واحد بل يكون الفعل ملغى بالنظر إلى المفعولين وكالملغى بالنظر إلى الضمير واسم الإشارة من حيث لم يظهر له عمل فيهما.
انتهى 2. ونقل الشيخ أن ظاهر كلام سيبويه أن الإلغاء مع اسم الإشارة أضعف من الإلغاء مع الضمير، قال: لأنه اسم ظاهر منفصل فهو أشبه بالمصدر 3. قلت: لم يظهر لي قوة هذا التعليل الذي علل به زيادة ضعف الإلغاء مع اسم الإشارة على ضعف الإلغاء مع الضمير أعني ضمير المصدر، ثم أشار المصنف بقوله: وتؤكد الجملة بمصدر الفعل بدلا من لفظه منصوبا فيلغى وجوبا إلى المسألة التي أسلفت ذكرها وهي: أنهم جوزوا حذف الفعل والتعويض عنه بالمصدر نحو: زيد منطلق ظنّا، وأنهم جعلوا المصدر بدلا من الفعل، ومن ثم لم يجز الجمع بينهما وإنما تقدم لنا ذكرها لتعلقها بما ذكرت معه وهو أنه إذا ألغى فعل من هذه الأفعال لا يؤكد بمصدره ولكن المصنف إنما ذكرها ها هنا، قال في الشرح: وقد ينوب عن الفعل مصدره منتصبا انتصاب المصدر المؤكد، فيجب إلغاؤه نحو: زيد منطلق ظنك أو زيد ظنك منطلق، ثم قال: ويقبح تقديمه، لأن ناصبه فعل تدل عليه الجملة فقبح -

................................  تقديمه كما قبح تقديم «حقّا» من قولك: زيد قائم حقّا.
ولذلك لم يعمل، لأنه لو عمل وهو مؤكد لاستحق التقديم بالعمل والتأخير بالتوكيد واستحقاق شيء واحد تقديما وتأخير في حال واحدة محال.
انتهى 1. وقد علل عدم العمل بشيء آخر وهو: لو نصب المفعولان بالمصدر لكانا حينئذ من صلته، وإذا كانا من صلته لم يكن للفعل المضمر [2/ 188] ما يدل عليه، فثبت أن الموجب لإلغائه أحد أمرين، وهو استحقاق التقديم لو أعمل والفرض أنه مستحق التأخير من حيث إنه مؤكد أو فقد الدلالة على الفعل الذي أضمر عاملا، ويجوز أن يكون موجب الإلغاء كلا الأمرين، فيكون كل منهما جزء علة، ثم قال الشيخ: والمراد بالقبح هنا عدم الجواز قال: وأجاز تقديمه الأخفش، فيقال على رأيه: ظنك عبد الله حسن 2 انتهى.
والذي تحصل لنا من هذا الكلام أعني على قول المصنف: وتؤكد الملغى بمصدر منصوب قبيح وعلى قوله: وتؤكد الجملة بمصدر الفعل بدلا من لفظه منصوبا فيلغى وجوبا: أن المصدر الصريح المنصوب إذا ذكر معه المفعولان في هذا الباب، إما أن يذكر الفعل (الناصب معه) 3 أولا إن ذكر الفعل فالإعمال أعني إعمال الفعل حينئذ، سواء أكان المصدر مقدما أم متوسطا أم متأخرا، ولا يجوز الإلغاء إلا قبيحا 4، وهذا الحكم هو الذي عبر عنه المصنف بقوله: وتوكيد الملغى بمصدر منصوب قبيح.
فعلمنا إن إعمال الفعل متى ذكر المصدر كان واجبا، وإن ألغي كان قبيحا، وإن لم يذكر الفعل، بل أتي بالمصدر بدلا منه كان مؤكدا لمضمون الجملة 5، كما أنه لا يذكر إلا مع الفعل العامل دون الملغي وهذا الحكم هو الذي عبر عنه المصنف بقوله: وتؤكد الجملة بمصدر الفعل إلى قوله: فيلغى وجوبا.
قلت: ولم يزل يدور في خاطري من هذا شيء أعني وجوب إلغاء المصدر المذكور ولا أتجرأ على إجازة الإعمال توهما أن المسألة إجماعية، إلى أن رأيت الشيخ نقل في شرحه إجازة ذلك فقال: وذهب أبو العباس والزجاج وأبو بكر إلى جواز إعماله، فعلى مذهبهم تقول: زيدا ظنك منطلقا، وزيدا منطلقا ظنك، فتعمل لأنه -

................................  عندهم بدل من الفعل العامل 1 انتهى.
وقد عرفت أن تقديم المصدر على الجملة لا يجوز، وأن الأخفش أجاز ذلك 2. قال الشيخ: فإذا قدم على قول المجيز لتقديمه فهل يعمل؟ قال: منهم من أجاز ذلك فتقول: ظنك زيدا قائما قال: والصحيح عند أكثر من أجاز التقديم أنه لا يجوز الإعمال وعللوا ذلك بأنه لا دليل إذ ذاك على الفعل المحذوف 3 انتهى.
ولم يظهر لي صحة هذا التعليل أعني كونه علة لمنع الإعمال، لأنا إذا أعملنا كان العمل للمصدر لا للفعل، فكيف يتجه أن يقال بأن العلة إنما هي عدم الدلالة إذ ذاك على الفعل المحذوف؟ نعم هذه علة منع تقديم المصدر على الجملة كما تقدم من كلام المصنف أن ناصب هذا المصدر فعل يدل عليه الجملة فقبح تقديمه كما قبح تقديم حقّا من قولك: زيد [2/ 189] قائم حقّا، وإذا لم يثبت كون ما ذكر علة، فنقول: إنما كان الصحيح عند أكثر من أجاز التقديم أنه لا يجوز الإعمال بسبب أن الذي أجاز التقديم هو الأخفش والذي أجاز الإعمال غيره، فالمخبر الإعمال لا يجيز التقديم ومجيز التقديم ليس هو المجيز للإعمال، وأما قول المصنف: ويقل القبح إلى آخره، فاعلم أن المصنف قال في شرحه: وكما قل القبح بتقديم «متى» في: متى تظن زيد ذاهب، يقل في متى ظنك زيد ذاهب.
انتهى.
وظاهر هذا الكلام أن القبح في تقديم المصدر على الجزأين يقل إذا تقدم على المصدر شيء متعلق بالخبر كما في متى ظنك ذاهب، هذا مع بقاء المصدر على إلغائه لأن المصنف عقب بهذا الكلام بقوله: ويقبح تقديمه 4 هكذا فهمت هذا الموضع بعد التأمل، لكن قال الشيخ بعد أن ذكر كلام المصنف: ومن أجاز النصب في: ظنك زيدا ذاهبا كان عنده هنا أجوز فتقول: متى ظنك زيدا ذاهبا، لأن أدوات الاستفهام طالبة للفعل فجاز إضمار الفعل بعدها، لذلك قال: وممن ذهب إلى إجازة ذلك ومنعه ظنك زيدا ذاهبا ابن عصفور 5 انتهى.
-

................................  فحمل الشيخ كلام المصنف هنا على أنه مقصود به الإشارة إلى الإعمال وعدمه ولا شك أن الذي ذكره الشيخ مسألة برأسها وحكم مستقل، وهو أنه من أجاز كذا فهو لكذا أجوز، وهذا لا منازعة فيه.
وأما أن المصنف أراد ذلك فنحمل كلامه عليه، فلم يتجه لي لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى: أما اللفظ فلأن كلام المصنف الآن هو في التقديم لا في الإعمال لأنه بعد ذكره المصدر، وأنه يؤتى به بدلا من الفعل، وأنه يلغى وجوبا قال: ويقبح تقديمه.
ولا شك أن هذا مع كونه ملغى، ثم قال: ويقل القبح في كذا، فوجب أن يحمل على المراد، ويقل القبح في التقديم، لأن الكلام فيه، لا على أنه يقل القبح في العمل، لأن العمل لم يتقدم له ذكر، بل الذي ذكره إنما هو وجوب الإلغاء فمن أين يفهم أن المراد ويقل القبح في الإعمال.
وأما من حيث المعنى فلأن تقدم «متى» على الفعل في نحو: متى تظن زيد ذاهب، إنما هو مسوغ للإلغاء الذي كان ممنوعا لو لم يتقدم شيء 1، وتقديم «متى» في نحو متى ظنك زيد ذاهب على ما حمل الشيخ عليه كلام المصنف إنما هو مسوغ للأعمال، وإذا كان كذلك فكيف يصح التنظير.
وإذا تقرر هذا البحث فالذي يتعين حمل كلام المصنف عليه أن الذي قصده بالتنظير أن تقديم «متى» في نحو: متى تظن زيد ذاهب أخرج تظن عن كونها صدرا فجاز إلغاؤها هكذا التقديم [2/ 190] في متى ظنك زيد ذاهب أخرج المصدر عن أن يكون صدرا فجاز ذكره متقدما على الجزأين وقد كان قبيحا أي ممتنعا أو جائز على قبح، فقل القبح.
ومما يؤيد البحث المتقدم أن هذا المصدر لم يكن ممتنع الإعمال لكونه متقدما صدرا فيجوز إعماله إذا تقدمه شيء يخرجه عن كونه صدرا بل إنما امتنع إعماله للأمر الذي تقدم ذكره 2، وإذا كان امتناع إعماله لذلك فلا فرق بين أن يكون -

................................  صدرا أو لا يكون.
وقول المصنف: وإن جعل «متى» خبرا يشير به إلى أنه إن جعل «متى» خبرا وظنك مبتدأ رفعته ووجب إعماله فيقال: متى ظنك زيدا قائما، قال الشيخ: لأنه إذ ذاك ليس بمصدر مؤكد، ولا يدل من اللفظ بالفعل، وإنما هو مقدر بحرف مصدري والفعل كما تقول: متى ضربك زيد 1 انتهى.
وكونه مقدرا بحرف مصدري والفعل إنما هو مسوغ لإعماله والمقصود ذكر علة موجبة لإعماله، والظاهر أن الموجب للإعمال حينئذ إنما هو تقدمه على المعمولين ولا شك أن الإلغاء مع كون العامل متقدما على الجزأين لا يجوز، وقد يقال: قد جوز المصنف إلغاء الفعل متقدما وإن كان جعله قبيحا فليكن حكم المصدر حكم الفعل.
وأما قول المصنف: وأجاز الأخفش والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام فقد شرحه هو بأن قال: وأجاز الأخفش والفراء النصب والإعمال في الأمر والاستفهام، لأنهما يطلبان الفعل نحو: ظنك زيدا منطلقا ومتى ظنك زيدا منطلقا، بمعنى ظن ظنك زيدا منطلقا، ومتى ظننت ظنك زيدا منطلقا 2 انتهى.
وهذا الكلام في المتن والشرح يشعر بأن هذه المسألة من متعلقات ما تقدم أعني كون المصدر هنا مؤكدا للجملة لقوله: إنهما أجازا إعمال المنصوب وقد تقدم له ذكر منصوب، ومرفوع، وأن المرفوع يجب إعماله، وأن المنصوب يجب إلغاؤه 3. ولا شك أن اللام في «المنصوب» للعهد فتعين أن يكون المراد ما قلناه، وإذا كان كذلك أشكل الأمر، لأن ظنّا في المثالين اللذين ذكرهما إنما هو مؤكد للعامل لا للجملة أيضا ولو كان مؤكدا للجملة ما جاز تقديمه عليها، ولا يلزم من كونه صار بدلا من الفعل أن يكون مؤكدا للجملة، لأن المؤكد الذي جعل بدلا من فعله قسمان: قسم مؤكد للعامل كما في: ضربا زيدا، وقسم مؤكد لمضمون الجملة -

................................  كما في زيد ابني حقّا 1 [2/ 191] فإن قيل: ليس في كلام المصنف تصريح بأن المصدر المشار إليه في المثالين يؤكد جملة، فليحمل على أنه المؤكد للعامل، أجيب بأنه إذا كان الأمر كذلك فلا حاجة إلى تخصيص الأخفش والفراء بإجازة ذلك، إذ غيرهما لا يمنعه.
ثم إن كلام المصنف في شرح الكافية يخالف ظاهره هذا الذي ذكره هنا فإنه بعد أن ذكر المصدر على ضربين: ضرب يقدر بالفعل وحرف مصدري، وضرب يقدر بالفعل وحده، وأن هذا هو الآتي بدلا من اللفظ بفعله - قال مشيرا إلى هذا الضرب الثاني 2: وأكثر وقوعه أمرا أو دعاء بعد الاستفهام، فالأمر كقول الشاعر 3: 1142 - فندلا زريق المال ندل الثّعالب 4 والدعاء كقول الآخر: 1143 - يا قابل التّوب غفرانا مآثم قد... أسلفتها أنا منها خائف وجل 5 ومثله وقوعه بعد الاستفهام قول الشاعر: -

................................  1144 - أعلاقة أمّ الوليد بعد ما...... 1 ثم (قال) 2 عقب هذا الكلام بأن قال: وهو مطرد عند الأخفش والفراء في الخبر والطلب، ومما مثل به الأخفش: ظنك زيدا منطلقا، وسمع أذني أخاك تقول: ذاك وبصر عيني أخاك 3 انتهى.
وأفهم كلامه هذا أن الخلاف بين الأخفش والفراء وبين غيرهما إنما هو في الإطراد، لا في الوقوع، وفي وقوعه في الخبر، أما وقوعه في الطلب فلا، وإذا كان كذلك أشكل قوله في التسهيل وأجاز الأخفش والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام، لأن هذا يوهم أن غيرهما لا يجيز الإعمال، وقد تبين من كلامه في شرح الكافية أن الخلاف بينهما وبين غيرهما إنما هو في الاطراد.
وبعد فهذا الموضع مما أشكل على تحققه والشيخ لم يتعرض إلى شيء مما أشرت إليه غير أنه بعد نقله عبارة المصنف في الشرح قال: وهذا الذي حكاه المصنف عن الأخفش والفراء هو القياس فكم جاز ذلك في نحو ضربا زيدا أي اضرب زيدا وقوله: 1145 - أعلاقة أمّ الوليد... 4 أي: أتعلق أم الوليد؟ جاز ذلك في باب «ظن»، ثم قال: وقال صاحب الملخص 5: تقول: ظنّا زيدا منطلقا كما تقول: ضربا زيدا وتعمل ظنّا كما يعمل ظننت إذا تقدمت، وكذلك لو وسطت ظنّا أو أخرته فالإعمال ولا يجوز الإلغاء لأنها في نية التقديم، ولأن الأمر طالب بالفعل ومبني الكلام عليه، فإن جئت بظنّا بعد ما بنيت الكلام على الإخبار بلا عمل لظن جاز، كما تقول: زيد منطلق أظن هذا موجود أو تقول: أظنّا زيدا منطلقا، ليس إلا الإعمال لتقدمها، فإن توسطت -

التعليق وأحكامه في الأفعال القلبية في هذا الباب

قال ابن مالك: (وتختصّ أيضا القلبيّة المتصرّفة بتعدّيها معنى لا لفظا إلى ذي استفهام، أو مضاف إليه [2/ 192] أو تالي لام الابتداء، أو القسم أو «ما» أو «إن» النّافيتين أو «لا» ويسمّى تعليقا).
أو تأخرت جاز الإلغاء والإعمال، كما يجوز في الخبر 1. قال ناظر الجيش: قد تقدم أن التعليق عبارة عن إبطال العمل لفظا لا محلّا على سبيل الوجوب وأنه حكم مختص بالأفعال القلبية المتصرفة من أفعال هذا الباب، وأنه قد يشاركها في ذلك أفعال أخر، وتقدم أيضا ذكر السبب الموجب لاختصاصها بالتعليق.
قال المصنف 2: وسمي الإبطال على هذا الوجه تعليقا، لأنه إبطال في اللفظ مع تعليق العامل بالمحل، وتقدير إعماله فيه، ويظهر ذلك في المعطوف نحو: علمت لزيد صديقك وغير ذلك من أمورك انتهى، وكذا يجوز أن تقول: علمت لزيد منطلق وعمرا قائما نصبا على محل لزيد منطلق 3، وقد فسر المصنف التعليق في متن الكتاب بقوله: بتعديها معنى لا لفظا، وهو تفسير حسن، قال المصنف: وسبب التعليق كون المعمول تالي الاستفهام أو مضمنا معناه أو مضافا إلى مضمنه، أو تالي لام الابتداء أو القسم أو «لو» أو «ما» أو «إن» النافيتين أو «لا» نحو [قوله تعالى]: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ 4، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ 5 ونحو: علمت غلام من أنت [وقوله تعالى]: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ 6 وكقول الشاعر: -

................................  1146 - ولقد علمت لتأتينّ منيّتي... إنّ المنايا لا تطيش سهامها 1 وكقول الآخر: 1147 - وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما... يريد ثراء المال أمسى له وفر 2 وكقوله تعالى: لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ 3 وكقوله تعالى: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا 4 ومن أمثلة ابن السراج: أحسب لا يقوم زيد 5 انتهى 6. وعلم منه أن الموجب للتعليق إما نفس المعمول بأن يكون اسم استفهام أو مضافا إليه، وإما أن يفصل بين العامل والمعمول أحد الأدوات التي ذكرها وهي: حرف استفهام «كالهمزة وهل» أو لام الابتداء أو القسم أو «لو» أو ما النافية، أو إن «النافية، أو «لا» فهي سبع أدوات منها الست التي ذكرها المصنف في متن الكتاب والتي ذكرها في الشرح وهي «لو».
وزاد الشيخ في الأدوات المعلقة «لعلّ»: قال في شرح الألفية: ومما يظهر لي أنه من أسباب التعليق «لعل» وهو شيء أهمله -

................................  النحويون ولم أجد فيه نصّا لبصري ولا كوفي.
والدليل على صحة ما ذهب إليه وأنه مسموع من لسان العرب وإن لم ينبه النحويون عليه قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ 1 وقوله تعالى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 2 وقوله: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً 3 ودرى من الأفعال التي تعلق كما علقت في قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ 4 وقوله تعالى: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ 5، وَما أَدْراكَ مَا [2/ 193] الْقارِعَةُ 6 وإنما كانت من أسباب التعليق لشبهها بأدوات الاستفهام حتى إن بعض الكوفيين زعم أن «لعل» تكون استفهاما كما ذكر في باب «إنّ» قال صاحب الواضح: لعل من حروف الاستفهام، يقول الرجل لمخاطبه: لعلك تسبني فأعاقبك؟ تريد: هل تسبني؟ وقد قال الله تعالى وله المثل الأعلى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً 7 فجعل «لعل» في موضع الاستفهام مقرونا بدليل الاستفهام وهو «تدري» 8. وقال في شرح التسهيل بعد أن ذكر ما نقلته عنه من شرح الألفية: ورأيت نصب الفعل في هذه الآيات الشريفة على جملة الترجي، فهي في موضع نصب بالفعل المعلق إلى أن وقعت لأبي علي الفارسي على شيء من هذا، قال - وقد ذكر وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى 9، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً 10 - ما نصه: «والقول في لعل وموضعها وأنه يجوز أن يكون في موضع نصب وأن الفعل لما كان بمعنى العلم علق عما بعده، وجاز تعليقه لأنه مثل الاستفهام، ألا ترى أنه بمنزلته في أنه غير خبر، وأن ما بعده منقطع مما قبله ولا يعمل فيه، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يقع موقع المفعول، كما يقع الاستفهام موقعه، فعلى هذا تكون لعل وما بعدها بعد هذه الأفعال في موضع نصب» 11. -

................................  ثم ها هنا أمور ننبه عليها: الأول: قال الشيخ: أكثر أصحابنا لم يذكروا لام القسم في أسباب التعليق، قال: وهو الصحيح وذلك أن الجملة المعلق عنها الفعل لها موضع من الإعراب، والجملة التي تقع جوابا للقسم لا موضع لها من الإعراب فتدافعا قال ذلك في شرح الألفية 1، والظاهر أن الذي ذكره هو الحق، ولم يذكرها ابن عصفور في المعلقات غير أنه ذكر مسألة مستقلة بنفسها: وهي أنه قال: وانفردت أيضا أفعال القلوب بجواز تضمنها معنى القسم، فإذا فعل ذلك بها تلقيت بما يتلقى به القسم، تقول: علمت ليقومنّ زيد وظننت لقد قام عمرو، كما تقول: والله ليقومن زيد، وو الله لقد قام عمرو، ثم إن كان الفعل غير متعد فلا موضع لجملة الجواب من إعراب نحو قولك: بدا لي ليقومنّ زيد، قال الله تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 2 وإن كان الفعل متعديا نحو: علمت ليقومن زيد، وعرفت ليخرجن عمرو: فمن النحاة من يجعل الجملة نائبة مناب معمول الفعل، فإن كان الفعل يتعدى إلى مفعولين نحو: «علمت» كانت الجملة في موضعهما، وإن كان يتعدى إلى واحد نحو: «عرفت» كانت الجملة في موضع ذلك المفعول، ومنهم من يجعل الجملة لا موضع لها من الإعراب، لأن الفعل وإن كان متعديا، قد ضمن [2/ 194] معنى ما لا يتعدى، فلذلك لا يتعدى كما أن «نبئت» وإن كانت في الأصل لا تتعدى لما ضمنت معنى ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين تعدت تعديته وهذا هو الصحيح 3 انتهى.
وهو كلام حسن مذوق مقبول.
الثاني: في شرح الشيخ: ذهب ابن كيسان وثعلب وحكي عن المبرد: لا يعلق من أفعال القلوب إلا العلم، وأما الظن ونحوه فلا يعلق وجعله الشلوبين هو الوجه، وزعم أنه رأى سيبويه على ما فهم عنه لأنه ما مثل به في في أبواب التعليق قال الشلوبين: والذي يدل عليه أن آلة التعليق بالأصل حرف الاستفهام وحرف التأكيد، أما التحقيق فلا يكون بعد الظن لأنه نقيضه، ولذلك قال ثعلب: فإذا قلت: ظننت -

................................  أنك لقائم تريد ما غلب عليك من اليقين فتكون «ظننت» بمعنى «علمت» فهو جائز، وإن أردت الشك كنت كالكذاب، وأما الاستفهام فالمراد الإبقاء مع إنك قد زال ترددك فإذا دخلت ظننت بمعنى التردد، فلا فائدة في التسوية، لأنك شاك مثله فلا تدخلها على الاستفهام قال هذا القائل: وظننت في تمثيل سيبويه ظننت زيدا أبو من هو، إنما هو بمعنى العلم، قال في البسيط: وهذا تكلف في التأويل ولو سلم ذلك لقيل فما المانع من أن تعلق الظن بغيره هذه من الحروف كما ولا؟ 1 انتهى.
ولا يخفى ضعف ما ذهب إليه ابن كيسان وثعلب من ذلك وضعف ما استدل به الشلوبين 2. والحق خلاف ذلك كله، وقد يفهم من كلام صاحب البسيط أن الأمر كما قلت.
الأمر الثالث: قد أشكل على الناس في نحو: علمت أيهم أخوك، وعلمت أزيد في الدار أم عمرو، وتعلق إحدى الجملتين بالجملة الأخرى، وللعلماء في ذلك كلام 3. وقد أورد الشيخ هذا البحث في شرح الألفية إيرادا حسنا فقال بعد ذكر مسائل التعليق: فإن قلت: الجملة التي يعلق عنها هذه الأفعال على قسمين: خبرية وغير خبرية.
فالخبرية: تعلق هذه الأفعال عنها في نحو: علمت لزيد قائم، لأن العلم قد يتعلق بالوجود وقد يتعلق بالعدم.
وأما غير الخبرية نحو: علمت أيهم في الدار، فإنه يشكل انعقاد هذه الجملة الاستفهامية بالجملة الخبرية التي هي علمت، لأن علمت يفيد حصول العلم، وأيهم في الدار معناه طلب الإعلام بمن في الدار، فهذا الكلام يدافع أوله آخره، لأن حصول العلم ينافي طلب العلم فمن حصل له العلم لا يطلب تحصيل العلم، ولا يعقل أن يكون طلب الإعلام لذلك متعلقا لنفي العلم أو إثباتة، وهل ينفي أو يثبت إلا النسب الخبرية لا النسب التي ليست [2/ 195] بخبرية.
فالجواب: أن هذا مما صورته الاستفهام، وليس معناه معنى الاستفهام، فإذا قلت: علمت أيهم في الدار، فمعناه: علمت الذي هو في الدار، وكذلك جميع الاستفهام -

................................  الذي علق الفعل ليس معناه على الاستفهام، ولذلك لا يكون له جواب البتّة، بخلافه إذا لم يعلق عنه الفعل، فإذا قيل: أيهم في الدار، استدعى جوابا 1، وقد قال سيبويه ما نصه: كما أنك إذا قلت: قد علمت أزيد ثم أم عمرو أردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثم 2. انتهى.
فقول سيبويه: أردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثم - نصّ على أنه لا يراد معنى الاستفهام البتة وجميع المثل التي أوردها سيبويه في الباب الذي ذكر فيه هذا النص مما صورته صورة الاستفهام ليس المعنى على الاستفهام أصلا 3 وقد نصّ الإمام أبو الحسن بن الباذش 4 على ذلك أيضا: قال ما نصه: علمت أزيد عندك أم عمرو ولِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ 5 ليس حرف الاستفهام لأنه يستحيل أن يستفهم عما أخبر أنه يعلمه.
انتهى.
وقال بعض حذاق شيوخنا - في قول الزجاجي: قد علمت أزيد عندك أم عمرو - ما نصه: واعلم أن أدوات الاستفهام استعملت في هذه المواضع مجردة من معنى الاستفهام، ثم قال: بعد كلام كثير وذلك أن القائل: قد علمت أزيد ثم أم عمرو، قائما - أراد أن يبين له أنه قد عرف الذي منهما وأراد أن لا يبينه للمخاطب، فجاء بلفظ الاستفهام تسوية بينهما في الإبهام على المخاطب 6 فهذه النصوص متظافرة من أئمة العربية على أنه لا يراد به حقيقة الاستفهام.
وحكى أبو أحمد حامد بن جعفر البلخي عن أبي عثمان المازني أن مروان 7 سأل -

................................  أبا الحسن الأخفش فقال: إذا قلت: قد علمت أزيد عندك أم عمرا فليس قد علمت أن ثم كونا ثابتا، ولكن لا تدري من أيهما هو؟ قال: بلى، قال: فلم جئت بالاستفهام قال: جئت به لألبس على المخبر من علمت، فقال له مروان: إذا قلت: قد علمت من أنت وأردت أن تلبس عليه، لأنه لا يعرف نفسه، قال: فسكت، يعني الأخفش، قال أبو عثمان: عندي أنه إذا قال: قد علمت من أنت فهو لا يريد أن يلبس عليه لأنه يعرف نفسه، ولكنه أراد: قد علمت من أنت أخيرا أمرك أم شر كما تقول: قد علمت أمرك 1 انتهى.
وكان الأستاذ أبو علي الشلوبين يروي عن بعض المتأخرين أن هذا الكلام على حذف مضاف، وأن المراد منه: قد علمت جواب هذا الكلام.
وكان يعنى به ويراه في بعض أقرائه 2 والأحسن ما قدمناه أولا من نصوص الأئمة، وكثير في لسان العرب أن يكون الكلام لفظه مخالفا لمعناه؛ ألا ترى [2/ 196] مجيء الأمر بصورة الخبر ومجيء الخبر بصورة الأمر، وكلام العرب في تركيبه على ثلاثة أقسام: القسم الأول: مطابقة اللفظ للمعنى نحو: زيد قائم، وما قام زيد، وشبه ذلك.
[القسم] الثاني: غلبة اللفظ على المعنى نحو قولهم: أظن أن يقوم أجمعوا على صحتها وأبطل أكثر النحويين: أظن قيامك، ومعنى أن تقوم، قيامك.
وإنما جاز ذلك لأن الظن لا يكتفي بكلمة واحدة وأن تقوم كلمتان في اللفظ؛ فقد اشتمل «أن تقوم» على مسند ومسند إليه بخلاف قيامك فإنه كلمة واحدة ولا إسناد فيه.
والقسم الثالث: غلبة المعنى على اللفظ نحو: ليت شعري زيدا ما صنع، حذف من «ليت» اسم المتكلم، ولم يظهر لليت خبر، ولا يجوز ذلك في غير ليت من أخواتها، لا يقال: إن شعري أباك ما صنع، والمعنى ليتني أشعر بما صنع زيد فهذا مما غلب فيه المعنى على اللفظ، ومن هذا القسم مسألتنا التي نحن نتكلم فيها وهو أن صورته صورة الاستفهام، ومعناه على غير الاستفهام، فهو مما غلب فيه المعنى على -

[التعليق في بعض الأفعال غير القلبية]

قال ابن مالك: (ويشاركهنّ فيه مع الاستفهام «نظر» و «أبصر» و «تفكّر» و «سأل» وما وافقهنّ أو قاربهنّ، لا ما لم يقاربهن، خلافا ليونس، وقد يعلّق «نسي»).
اللفظ 1، وإذا أتوا بما صورته الاستفهام ومعناه على غير الاستفهام ولم يدخلوا عليه ما يغيره من العوامل اللفظية فلأن لا يغيروه مع العوامل اللفظية أولى وأخرى، لأن في اللفظ المتقدم ما يرشد إلى المعنى، ويدل عليه لتعلقه به.
بخلاف ما لم يتقدم عليه لفظ يطلب المعنى ويستدعيه، مثال ذلك: أنهم يقولون في معنى التعظيم والتعجب: أي رجل أنت؟ المعنى: ما أكملك رجلا، فصورته صورة الاستفهام ومعناه ليس معناه، ولذلك لايجاب مثل هذا الاستفهام فقد عدوه عن الاستفهام إلى غيره، ولم يدخلوا عليه عاملا، فإذا أدخلوا عليه العامل كان أجدر أن يغير، وكان قياس العامل كما غيره معنى أن يغيره لفظا ويؤثر فيه النصب، لكن راعوا صورة الاستفهام فلم يعملوا فيه ما قبله لفظا وإن كان عاملا فيه من جهة المعنى، فموضعه نصب، ولذلك إذا عطفوا على موضع المعلق عنه نصبوا فيقولون: ظننت لزيد قائم عمرا شاخصا، وعلمت ما زيد قائم وعمرا منطلقا 2 هذا آخر ما ذكره الشيخ في هذه المسألة.
قال ناظر الجيش: أي: ويشارك القلبية المتصرفة في التعليق، لكن مع الاستفهام خاصة دون بقية المعلقات ما ذكره من [2/ 197] الأفعال والذي ذكره نصّا في متن الكتاب أربعة أفعال، وأرد بما وافقهن، أي: وافق الأربعة معنى: رأى البصرية، واستنبأ، وبما قاربهن بـ «لأبلو» 3 كما أشار إلى ذلك في الشرح فيكون المجموع سبعة.
-

................................  قال في الشرح 1: وعلق أيضا مع الاستفهام «نظر» بالعين أو القلب وأبصر، وتفكر وسأل نحو: فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً 2 وفَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ 3 وفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ 4 وأَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ 5 وكقول الشاعر: 1148 - حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة... تفكّر آإيّاه يعنون أم قردا 6 وكقوله تعالى: يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ 7، وأشرت بما وافقهن إلى نحو: أما ترى أي برق ها هنا بمعنى أما تبصر، حكاه سيبويه 8، وإلى نحو: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ 9 وأشرت بما قاربهن إلى نحو: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا 10 وأجاز يونس تعليق ما يوافقهن ولم يقاربهن وجعل من ذلك قوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ 11 فضمة الياء عنده ضمة إعراب 12، وعند سيبويه ضمة بناء، وأي موصولة 13 وقد مضى ذلك، وعلق «نسي» لأنه ضد علم، والضد قد يحمل على الضد، ومنه قول الشاعر: 1149 - ومن أنتم إنّا نسينا من أنتم... وريحكم من أيّ ريح الأعاصر 14

................................  ومثله على أحد الوجهين قول الآخر: 1150 - لم أر مثل الفتيان في عين ال... أيّام ينسون ما عواقبها 1 انتهى.
ويتعلق بهذا الموضع مباحث: الأول: ناقش الشيخ المصنف في قوله فيما تقدم: وتختص أيضا القلبية المتصرفة بتعديها معنى لا لفظا.
قال: لأن الاختصاص ينافي قوله هنا ويشاركهن فيه كذا وكذا، قال: فالمشاركة والاختصاص لا يجتمعان 2 والجواب عن ذلك من وجهين: الأول: أن المراد أن القلبية اختصت بالتعليق دون بقية الأفعال التي ذكرت معها وهي ما أفاد التحويل، فقد انفردت القلبية عن أخواتها بذلك، وحينئذ يصدق أنها مختصة به دون أخواتها، ومشاركة غير أخواتها لها في التعليق لا يخرجها عن الاختصاص، لأنه اختصاص مفيد، لا اختصاص مطلق، وهذا كما تقول في الحصر في نحو: ما كاتب إلا زيد، جوابا لمن قال: الكاتب زيد وعمرو، فإن القصد إلى حصر الكتابة في زيد لا مطلقا بل بالنسبة إلى عمرو، لأن غير عمرو يشارك زيدا في الإنصاف بالكتابة لا محالة 3. الثاني: أن مشاركة غير الأفعال المذكورة لها في التعليق لا يزيل اختصاصها لأن المشارك المذكور الآن إنما يعلق بالاستفهام خاصة، وأما الأفعال المشاركة فإنها تعلق بغير الاستفهام كما تعلق بالاستفهام، وعلى هذا فالذي اختصت به تلك [2/ 198] الأفعال لم يشارك فيه إنما شوركت في بعضه، والمشاركة في بعض الأمور لا ينافي - - (ص 296)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 78).
والشاهد قوله: (نسينا من أنتم) حيث علق الفعل (نسي) بالاستفهام، والجملة من اسم الاستفهام وخبره في محل نصب مفعوله.

................................  اختصاص المشارك بكلها، وناقش الشيخ المصنف أيضا في ذكره «تفكر» هنا، قال: لأنها من أفعال القلوب، فقد اندرجت في قوله: وتختص أيضا القلبية المتصرفة 1، وهذا أمر عجيب، فإن المراد بالقلبية المتصرفة إنما هو الذي يتعدى إلى مفعولين، لأن الباب معقود لذلك و «تفكر» إن كان قلبيّا فعل لا يتعدى بنفسه، فكيف يندرج مع الأفعال المتعدية إلى اثنين.
المبحث الثاني: قد علمت أن الأفعال التي أشار إليها الآن سبعة فما هو منها قلبي وهو «تفكر» وبلا كان في تعليقه محمولا على أفعال القلوب المتعدية إلى اثنين، وما هو منها غير قلبي، وهو نظر وأبصر وسأل ورأى البصرية واستنبأ، فالمسوغ لتعليقه كونه سببا للفعل القلبي، لأن السؤال مثلا سبب من أسباب العلم، فأجري السبب مجرى المسبب، ولم يذكر ابن عصفور من هذه الأفعال إلا فعلين، قال في المقرب: «ولم يعلق من غير أفعال القلوب إلا السؤال والرؤية من كلامهم: سل أبو من زيد، وأما ترى أي برق ها هنا 2 لكنه في شرح الجمل قال: إن تعليق رأى البصرية هو قول المازني، وأنه استدل بقولهم: أما ترى أي برق ها هنا، قال: ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون «ترى» بمعنى «تعلم» 3 انتهى.
وكون ترى في هذا المثال بمعنى «تعلم» فيه بعد، والظاهر بل الراجح أنها البصرية وإذا ثبت أن «سأل» تعلق فلا يبعد أن تعلق «استنبأ» لأنه بمعناه، وأما نظر وأبصر فلا شك أنهما بمعنى رأى، وقد قيل إن رأى يعلق، فليكن نظر وأبصر كذلك 4 وقد قال الشيخ نقلا عن شيخه ابن الزبير: إن أحدا لم يذهب إلى تعليق انظر سوى ابن خروف، قال: وقد ذكر سيبويه تعليق انظر وحمل الناس ذلك على النظر بمعنى التفكر 5 انتهى.
قلت: وهذا عدول عن ظاهر كلام سيبويه من غير دليل 6، ومن أقوى -

................................  ما يستدل به على تعليق النظر الذي بمعنى البصر، قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 1 لأنه عدي بإلى، ولا يعدى إلا ما كان بمعنى الإبصار 2، وقصد الشيخ تخريج ما استدل به المصنف على التعليق، فقال في قوله تعالى: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ 3 يحتمل أن يكون «أيكم» موصولة لا استفهامية ويكون مفعولا، والباء زائدة، وصدر الجملة محذوف، التقدير: فستبصر وتبصرون الذي هو المفتون منكم 4 انتهى.
ولا يخفى بعد هذا التخريج 5 ثم قال: وقد جاء تعليق «تبصر» بمعنى انظر وتأمل قال الشاعر: 1151 - تبصّر خليليّ هل ترى من ظعائن... سوالك نقبا بين حزمي شعبعب 6 [2/ 199] قال: والأظهر أنها هنا من الإبصار بالعين 7، وقال: في قوله -

................................  تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا 1 فجوز «أيكم» أن تكون موصولة حذف صدر صلتها فبنيت وهي بدل ضمير المخاطب بدل بعض من كل، والعائد محذوف والتقدير: ليبلوكم الذي هو أحسن عملا منك 2 انتهى.
وانظر إلى ما آل إليه هذا التخريج، وما يلزمه من البعد عن الفصاحة، واعلم أن دعوى التعليق في قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا مشكلة فإن الفعل قد عمل في ضمير المخاطبين فكيف يكون معلقا مع كونه معملا، ولا يقال عدم تسلطه على الجملة التي هي أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا دليل تعليقه 3 عنها، لأن الجملة الواقعة في موضع المفعول الثاني، ولو لم يكن فيها ما يوجب التعليق لا تسلط للعامل عليها نحو أن تقول: علمت زيدا أبوه قائم، فشأن الجملة الواقعة بعد أن يأخذ العامل معمولا ذلك، فلا فرق بين المشتملة على ما يوجب التعليق، وبين ما لم تكن مشتملة على ذلك.
المبحث الثالث: قد عرفت أن يونس قد علق لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ، وأن مذهب سيبويه والخليل عدم القول بالتعليق وهو الحق 4. قال ابن أبي الربيع: قد علم أن مذهب البصريين أنه لا يعلق إلا ما هو من الأفعال القلبية، وإلا ما هو من سببها، وزاد الكوفيون فقالوا: وإلا ما كان مسببا عنها، وذكر الآية الشريفة ثم قال: وهذا الذي قالوه يلزم عنه أن «أضرب» أزيد في الدار أم عمرو، على تقدير أعلم أزيد في الدار أم عمرو فاضربه، وهذا مما لا يثبت بدليل لا يحتمل تأويلا انتهى.
ثم إن الشيخ ناقش المصنف في قوله في الشرح: وعلق «نسي» لأنه ضد علم، فقال: ليس ضد العلم النسيان ولكن ضده الجهل، وضد النسيان الذكر بالقلب 5 انتهى.
والذي يظهر أن المصنف عبر عن المتلازمين بالآخر، إذ لا يخفى التلازم بين -

[مسألة علمت زيدا أبو من هو]

قال ابن مالك: (ونصب مفعول نحو: علمت زيدا أبو من هو، أولى من رفعه، ورفعه [2/ 200] ممتنع بعد «أرأيت» بمعنى «أخبرني» وللاسم المستفهم به، والمضاف إليه ممّا بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة).
الذكر، وإنما احتاج إلى ذلك لأن «علم» قد ثبت أنه يعلق ولم يثبت أن «ذكر» يعلق، وهو قد جعل «نسى» إنما هو بالجمل على غيره، فوجب أن يذكر فعلا دون فعل لم يعلق، وأما قول المصنف: ومثله على أحد الوجهين قول الآخر وإنشاده البيت الذي أوله: 1152 - لم أر مثل الفتيان......... 1 فإنه عنى بأحد الوجهين أن تكون «ما» في موضع رفع استفهاما، وعلق «ينسون» 2 وارتفع عواقبها على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي عواقبها، والجملة صلة لما، قال الشيخ: وهذا الذي جوزه يعني المصنف في هذا البيت يجوز في البيت الذي قبله يعني: 1153 - إنّا نسينا من أنتم 3 التقدير: من هم أنتم «فمن» موصولة، ومع هذا الاحتمال يسقط الاستدلال فلا يثبت تعليق «نسى» 4. قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان مرتبطتان بالكلام الذي تقدمهما: المسألة الأولى: مشتملة على شيء يجوز أن يعلق الفعل عنه وأن لا يعلق: وهي التي يعبر عنها النحاة بأن يكون الاسم فيها مستفهما عنه في المعنى، والمراد بذلك أن يذكر المفعول قبل الاستفهام نحو: علمت زيدا أبو من هو، فيما يتعدى إلى اثنين، وعرفت زيدا أبو من هو، فيما يتعدى إلى واحد، وحكم هذا المفعول أنه يجوز فيه النصب والرفع كما أشار إليه، ووجه الرفع: أنك إذا قلت: علمت أو عرفت زيدا أبو من هو، كان المعنى: علمت أزيد أبو عمرو أم أبو غيره، فمن حيث كان -

................................  مستفهما عنه معنى جاز رفعه، ولكن النصب أولى، لأن مراعاة اللفظ إذا لم يخل بالمعنى أولى من مراعاة المعنى 1: قال المصنف 2: وإن تقدم الاستفهام على أحد المفعولين نحو: علمت زيدا أبو من هو اختير نصبه لأن العامل مسلط عليه بلا مانع، ويجوز رفعه لأنه هو والذي بعد الاستفهام شيء واحد في المعنى فكأنه في حيز الاستفهام والاستفهام مشتمل عليه 3 وهو نظير قولهم: إن أحدا لا يقول ذلك وأحد هذا لا يقع إلا بعد نفي ولكن لما كان هذا هو والغير المرفوع بالقول المنفي شيئا واحدا في المعنى نزل منزلة واقع بعد النفي ومثله قول الشاعر: 1154 - ولو سئلت عنّي نوار وأهلها... إذا أحد لم ينطق الشّفتان 4 ومثال علمت زيد أبو من هو بالرفع قول الشاعر: 1155 - فو الله ما أدري غريم لويته... أيشتدّ إن قاضاك أم يتضرّع 5 الرواية عنهم بالرفع لما ذكرته ولو نصب لكان أجود 6. اه.
واعلم أن سيبويه نص على جواز الرفع وإن كان المختار عنده النصب 7، ومنع -

................................  ابن كيسان جواز الرفع وخالفه الناس في ذلك وانتصروا لمذهب سيبويه بما تقدم من القياس والسماع وبجواز التعليق في المسألة المذكورة 1. اعترض الشيخ على قول المصنف: إن التعليق عبارة عن إبطال العمل لفظا لا محلّا على سبيل الوجوب 2 والذي يرفع هذا الاعتراض أن التعليق ذكرت أسبابه ولا شك أنه متى وجد سبب منها كان التعليق واجبا.
وأما هذه المسألة أعني: «علمت زيدا أبو من هو؟» فلم يوجد فيها السبب على الوجه المخصوص الذي يجب لأجله التعليق، وإنما جاز التعليق فيها بالتأويل كما تقدم تقديره ثم لما كان رفع مثل هذا الاسم أعني المستفهم عنه معنى يمتنع في صور أشار إليها المصنف بقوله: ورفعه ممتنع بعد أرأيت بمعنى [2/ 201] أخبرني، وقال في شرح ذلك بعد كلامه الذي قدمناه: فلو كان الاسم المتقدم على الاستفهام بعد أرأيت بمعنى أخبرني تعين نصبه نحو: أرأيت زيد أبو من هو لأنه بمعنى ما لا يعلق، قال أبو علي في التذكرة: أنبأ ونبّأ ضمّنا معنى أعلم فيوافقانه، ولا يمتنع مع التضمين تعديتهما بحرف الجر على الأصل كما لا يمتنع الحكاية بمتى، تقول: وكما لا يمتنع أرأيت بمعنى أخبرني عن نصب مفعولين لكن منع من التعليق لا تقول: أرأيت زيد أبو من هو، لأنه بمعنى أخبرني فحفظ له من الحكمين أقواهما وهو الإعمال 3. اه 4. وقال سيبويه: وتقول: أرأيتك زيدا أبو من هو وأرأيتك عمرا أعندك هو أم عند فلان؛ لا يحسن فيه إلا النصب في زيد ألا ترى أنك لو قلت: أرأيت أبو من أنت أو أرأيت أزيد ثم أم فلان لم يحسن لأن فيه معنى أخبرني عن زيد 5 (الظاهر أن هذا -

................................  الضمير يرجع إلى أرأيت لا إلى أخبرني) وهو الفعل الذي لا يستغنى السكوت على مفعوله الأول فدخول هذا المعنى فيه لم يجعله بمنزلة أخبرني في الاستغناء فعلى هذا أجرى وصار الاستفهام في موضع المفعول الثاني 1. هذا كلام سيبويه.
وقد علم منه أن الجملة الاستفهامية الواقعة بعد المنصوب في موضع المفعول الثاني وليس الفعل الذي هو أرأيتك معلقا عنها لأنه قد ثبت أن هذا الفعل أعني أرأيتك الذي ضمن معنى أخبرني لا يعلق بالجملة المذكورة كالجملة التي ليست استفهامية في نحو: ظننت زيدا أبوه قائم 2 قال الشيخ: وقد انتقد كثير من النحاة على سيبويه واعترضوا عليه وقالوا: كثيرا ما يعلق أرأيت والدليل على ذلك السماع، قال الله تعالى قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ 3، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ 4، قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ 5 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ 6 قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ 7، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ 8، أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ 9، أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى 10 فهذه مواضع من القرآن العزيز تدل على تعليق «أرأيت» وهو خلاف قول سيبويه، «لو قلت: أرأيت أبو من أنت وأ رأيت أزيد ثم أم فلان لم يحسن» ولا يجوز كون هذه الجمل الاستفهامية جوابا - - العبارة في النسخة (ب) في صلب الكلام من قوله: لأن فيه معنى أخبرني عن زيد، وأعتقد أن ناسخ العبارة في هامش (أ) قد ذكرها للتوضيح فظن كاتب النسخة (ب) أنها من صلب الكلام فأثبتها.
وأقول ذلك لأن عبارة سيبويه في كتابه لم يرد فيها شيء من ذلك.

................................  للشرط؛ لأنه كان يلزم دخول فاء الجواب على تلك الجمل إلا ما كان منها بهمزة الاستفهام فلا يجوز دخول الفاء عليها ولا تجيء الفاء [2/ 202] بعدها ولا وقوعها جوابا للشرط بل جواب الشرط محذوف.
ولذلك لم يأت فعل الشرط في هذه الآيات الشريفة إلا ماضي اللفظ ولم يجيء مضارعا في موضع من المواضع، قال: وقد انفصل ابن عصفور وغيره عما اعترض به على سيبويه من هذه الآيات الشريفة: فإنه جعل المفعول الأول قد حذف حذف اختصار كما يحذف في علمت حذف اختصار، التقدير: قل أرأيتكم عذابكم إن أتاكم أي أخبروني عنه كيف يكون لو دريتموه ما جرأتم هذه الجرأة، قال: ولا يمنع سيبويه هذا النوع من الحذف وإلا فما يفعل في قوله تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 1 ألا ترى أن المفعول الثاني محذوف والمعنى أرأيتك هذا الذي كرمت علّى، ما الذي أوجب له ذلك فكما يحذف الخبر وهو المفعول الثاني كذلك يحذف المبتدأ وهو المفعول الأول هذا كلام ابن عصفور 2. قال الشيخ: ولا يلزم في أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أن يكون المفعول الثاني محذوفا بل الظاهر في الآية أنه مذكور وهو لَئِنْ أَخَّرْتَنِ لأن اللام مؤذنة بجملة قسم محذوفة فهذه الجملة القسمية مع متعلقها هي في موضع المفعول الثاني، ثم قال: والذي عندي في هذه الآيات الشريفة أنها تخرج على الإعمال وذلك أن فعل الشرط تنازع الاسم بعده و «أرأيت» تنازعت فأعمل فعل الشرط إذ هو الثاني وأضمر في الأول منصوبا وحذف لأن الأفصح حذفه لا التصريح به مضمرا، والتقدير في الآية الأولى: قل أريتكموه أي العذاب أغير الله تدعون لكشفه، وفي الثانية: «من إله غير الله يردها عليكم» وفي الثالثة: «هل يهلك به إلا القوم الظالمون» وفي الرابعة: الرابط مصرح به وفي الخامسة: «من إله غير الله يأتيكم بضياء يذكر» وفي السادسة كذلك، وفي السابعة والثامنة: مصرح به ويضمر في «أرأيت» معمول فعل الشرط الذي يمكن تسلط «أرأيت» عليه، قال: وهذا الذي تأولناه سهل يقرر ما ذهب إليه سيبويه 3. اه.
-

................................  وقد وافق كلامه كلام ابن عصفور في أن المفعول الأول محذوف لكن تقرير الشيخ وتوجيهه الحذف ماش على القواعد؛ فهو أقرب إلى الصناعة النحوية لكن في الذي ذكره من تنازع أرأيت وفعل الشرط الاسم الذي بعد فعل الشرط بحث وهو: أن لازم تجويز التنازع في مثل هذا التركيب أن يكون العامل الذي قبل «إن» الشرطية قد تعدى إلى ما بعدها وبعد فعل الشرط فيكون نظير أن يقال: اضرب إن قام زيدا لأن الإعمال شرطه جواز إعمال كل من العاملين في المتنازع 1 فيه، وفي [2/ 203] تجويز تعدي ما قبل «إن» الشرطية إلى ما بعدها نظر - لأن أسماء الشرط لها صدر الكلام وليس كذلك إلا لتضمنها معناه وهذا يدل على أن أداة الشرط لها الصدر أيضا وإذا كان لها الصدر ثبت امتناع ما قبلها فيما بعدها وإذا ثبت ذلك امتنع التنازع في المسألة 2. وعلى هذا يكون القول في ذلك ما قاله ابن عصفور غير أنه لما قدر المفعول الأول لم يتعرض إلى كيفية ارتباط الجملة الاستفهامية التي هي في موضع المفعول الثاني به ولا إلى تقدير العائد الذي يلزم عوده منه إلى الأول وكان الواجب أن يستوفي الكلام في ذلك لتنتظم مفردات التركيب نظما يؤدي إلى العلم بالمقصود منه ثم لم أفهم ما الذي أحوجه إلى قوله: لو دريتموه ما جرأتم هذه الجرأة.
ولم يظهر لي ارتباطه بكلامه الأول.
وبعد ففي كلام الشيخ غير ما تقدمت الإشارة إليه من القول بالتنازع أمران: أحدهما: قوله في مفعول «أرأيتكم» الأول: أن الأفصح حذفه لا التصريح به مضمرا فإن الحذف إنما يكون أفصح حيث لا يكون أصله المبتدأ والخبر، أما إذا كان أصله ذلك كأحد مفعولي «ظن» فإن مذهب البصريين أن يذكر مؤخرا، والحق أن الحذف جائز أما كونه الأفصح فليس هو المشهور 3. -

................................  الثاني: قوله مشيرا إلى تقدير العائد من المفعول الثاني إلى الأول إنه في الآية الشريفة يردها فإنه أراد بالثانية قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ 1، فلا حاجة إلى تقدير «يردها».
ثم إنه لم يبين الاسم المتنازع فيه، بل قال: إنه فعل الشرط تنازع الاسم الذي بعده و «أرأيت» تنازعت وذكر أنه في الآية الأولى فاعل «أتاكم» وهو عذاب الله.
ولم يبين ما هو في بقية الآيات الشريفة والظاهر أنه فاعل فعل الشرط في الآيات الشريفة كلها إلا في الآية السابعة فإن الظاهر أن المتنازع فيه هو مفعول متعناهم لا فاعله فيكون التقدير: أفرأيتم إن متعناهم وإنما قلت: إن هذا هو الظاهر من أجل أن الشيخ حكم بأن الرابط في السابعة مصرح به ذو المصرح به إنما هو الضمائر التي في عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ومدلول كل من هذه الضمائر هو مدلول مفعول «متعناهم» فوجب أن يكون التقدير: أفرأيتم إن متعناهم.
هذا آخر تقرير ما يتعلق بما ذكره الشيخ في هذه المسألة.
ثم اعلم أن في تقدير مفعول أول محذوف وتقدير عائد محذوف من الجملة التي هي في موضع المفعول الثاني - تكلفا لا يخفى مع أن ذلك خلاف الظاهر وفيه [2/ 204] أيضا التزام حذف الشيء لم يكن حذفه لازما، ولذاهب أن يذهب في نحو ما تقدم إلى شيء آخر وهو أن يدعى أن «أرأيت» في هذه الآيات الشريفة لم تعدّ إلى مفعولين أصلا.
وتقرير ذلك: أن الفعل إذا ضمن معنى فعل آخر ولكل منهما عمل يستحقه جاز أن يلحظ فيه الأمران فقد يعطى عمله قبل التضمين وقد يعطى عمل الفعل الذي ضمن هو معناه كما يقال في «أنبأ» و «نبّأ» أنهما يضمنان معنى «أعلم» فبعد التضمين تعديهما إلى ثلاثة مفعولين ولك مع التضمين أن تعاملها في التعدية بالحرف بما كنت تعاملها به قبل التضمين قال الله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ 2 وقال تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ - - وأخواتها - فلا يخلو أن يكون اختصارا أو اقتصارا فأما الاختصار فجائز قليل وينظر الهمع (1/ 152) والمقرب (1/ 116) وفيه: «يجوز اختصارا في ضعف من الكلام».
اه.
وهذا يؤيد ما قاله ناظر الجيش من أن حذف المفعول الأول في الآية جائز ولكنه ليس هو الأفصح كما قال أبو حيان.

................................  بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا 1 وقال الله تعالى: فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ 2، فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ 3 والظاهر أن: «أنبأ ونبّأ» في هذه الآيات الشريفة بمعنى «أعلم» 4 وقد قال أبو علي: «أنبأ ونبّأ» ضمّنا معنى اعلم فيوافقانه ولا يمتنع مع التضمين تعديهما بحرف الجر على الأصل 5 وهذا صريح فيما قلته وعلى هذا يقال: إن «أرأيت» لما ضمنت معنى أخبرني جاز أن تبقى بعد التضمين على ما كانت عليه من تعديها إلى مفعولين وذلك نحو قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ 6 وكذا قوله: أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ 7 وكذا أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ 8 وكذا أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها 9 ومنه أرأيتك زيدا ما صنع وجاز أن يجري مجرى ما ضمنت معناه وهو أخبرني فلا يلزم أن يكون لها مفعولان صريحان ولا تقع الجملة في موضع مفعول لها، ويجوز حذف ما تعدت إليه اقتصارا 10. وعلى هذا يظهر حمل قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ 11، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ 12 ففي هاتين الآيتين الشريفتين لم يذكر مفعول ثان «لأرأيت» فيستدل به على أن ثم مفعولا أول محذوفا لأن الجملة الاستفهامية جواب الشرط لاقترانها بالفاء والتقدير: أخبروني بالجواب عن هذا.
فالمفعول الصريح محذوف 13 وكذا ما -

................................  تعدى الفعل إليه بالباء وعن، وإذا تقرر في الآيتين الشريفتين ما قلناه فتقول: إن ثماني الآيات الشريفة التي اعترض بها على سيبويه يمكن تخريجها على هذا فلا تكون الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني؛ لأن أرأيت قد ضمنت معنى أخبرني فلا تتعدى إلا إلى مفعول واحد وهي الياء الدالة على المتكلم وهي محذوفة، ولم يذكر الفعل المتعلق الذي يتعلق بها غير الياء لدلالة سياق الكلام عليه لأن المعنى أخبروني عن هذا الذي التزمتم به ولا محيد لكم عن الاعتراف به.
وأما [2/ 205] الشرط المذكور بعدها فجوابه محذوف وأتي بالجملة الاستفهامية دليلا.
ولهذا قال الزمخشري في الآية الأولى من ثماني الآيات المشار إليها: وجواب الشرط محذوف تقديره إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة فمن تدعون ثم بكّتهم بقوله: أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ 1. اه.
فأفاد قوله «ثم بكّتهم» أن العدول عن ذكر جواب الشرط إلى ذكر الجملة الاستفهامية إنما كان لنكتة وإفادة أمر زائد على الجواب لو أفرد بالذكر.
والناظر إذا اعتبر الآيات المشار إليها آية آية لا يكاد يخفى عليه إظهار النكتة المرادة في كل منها.
وبهذا التقرير الذي قررناه يندفع الاعتراض على سيبويه، بأن «أرأيت» التي بمعنى أخبرني قد علقت إذ قد تبين أنه لا تعلق لأرأيت بالجملة الاستفهامية.
وحاصل الأمر بالنسبة إلى ما قاله سيبويه في: أرأيت بمعنى أخبرني أنه إنما تعرض إلى الصورة التي بقيت فيها أرأيت على أصلها 2 من العمل فوجب أن تكون الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني أما إذا لم يذكر مفعوله فأي شيء يحوج إلى تقديره محذوفا مع إمكان اعتقاد أن لا تعلق لأرأيت بالجملة الاستفهامية.
ثم إن الشيخ ذكر أن «أرأيت» هذه أعني التي بمعنى أخبرني - لها أحكام شاذة، وأنه يجوز حذف الهمزة.
- - والثاني جملة استفهامية ولا شيء منهما هنا فكأن الجملة الشرطية سدت مسد المفعولين.
اه.
وهذا يخالف ما يراه ناظر الجيش في هذه الآية وما قبلها من الآيات التي ذكرها.

................................  منها: قال: 1156 - أرأيت إن جاءت به أملودا 1 وقد قرأ الكسائي بذلك 2. قال: ونص الأخفش على أنها إذا كانت بمعنى أبصرت لم تحذف همزتها، قال: وكذلك قال الفراء وقال النحاس: هما عند البصريين واحد.
ومنها: أنها تلزم الخطاب فلا يقال: أرى زيدا عمرا ما صنع قال: وقد جاءت أرأيت ليس بعدها منصوب ولا استفهام بل جملة مصدرة بالفاء، قال تعالى: قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ 3 فزعم أبو الحسن أن «أرأيت» أخرجت عن بابها بالكلية وضمنت معنى «أما» أو «تنبّه» فالتأويل: أما إذ أوينا إلى الصخرة.
أو تنبّه إذ أوينا والفاء في «فإني» جواب «أرأيت» على تضمين ما ذكرناه ولا يجوز أن تكون جوابا لـ (إذ) «لأن» إذ لا يصح أن يجازى بها إلا مقرونة بلا خلاف 4. وخرج الشيخ الآية الشريفة فقال: يمكن أن يكون مما حذف منه المفعولان لدلالة المعنى اختصارا وإيجازا، والتقدير: أرأيت أمرنا إذ أوينا إلى الصخرة ما عاقبته فإني نسيت الحوت 5 وقال الزمخشري: أرأيت بمعنى أخبرني ثم قال: فإن قلت: ما وجه التئام هذا الكلام فإن كل واحد من «أرأيت» و «إذ أوينا» و «فإني نسيت الحوت» لا متعلق له قلت: لما طلب موسى صلّى الله عليه وسلّم الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش وطفق يسأل موسى عن سبب ذلك كله [2/ 206] كأنه قال: أرأيت ما دهاني إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت -

................................  فحذف ذلك 1. انتهى.
وهو كلام حسن غير أنه لم يتعرض إلى ذكر المفعول الأول وإنما ذكر الجملة الاستفهامية التي هي في موضع المفعول الثاني ويمكن أن يقال: إن «رأيت» هنا هي البصريّة دخلت عليها همزة الاستفهام والمعنى: أبصرت حالنا إذ أوينا إلى الصخرة كأنه يعرفه الوقت الذي نسي فيه الحوت فحذف المفعول لدلالة قوة الكلام عليه.
ومنها: زعم أبو الحسن أن مفعول أرأيت بمعنى أخبرني لا يحذف حتى تؤكد التاء في أرأيتك فنقول: أرأيتك أنت ما صنعت، وأرأيتك أنت وزيدا ما صنعتما وزعم أن هذا التوكيد يقوم مقام المفعول بدليل أنهم يعطفون عليه المنصوب وزعم أنهم لا يقولون أرأيتك أنت وزيد، قال: لأن المعطوف على الفاعل فاعل وهم لا يقولون هو أرأى زيد: لأن فاعلها لا يكون إلا مخاطبا.
قال الشيخ: وما ذهب إليه خارج عن القواعد والأسهل في تخريج هذا أن أنت في أرأيتك أنت ما صنعت هو المفعول الأول واستعير ضمير الرفع لضمير النصب؛ إذ كان القياس أن تكون كلها بصيغة واحدة ولو أتيت بضمير النصب بعد أرأيتك فإن أتيت به متصلا كان في غاية الثقل أو منفصلا كنت أوقعت الضمير منفصلا بعد الفعل وهو لا يجوز لو قلت: مررت إياك لم يجز فلما كان في مجيئه منصوبا ما ذكر عدلوا إلى ضمير الرفع فأوقعوه موقعه؛ إذ كانوا يؤكدون به المضمر المنصوب والمجرور، فتقول: ضربتك أنت ومررت بك أنت كما يؤكدون به المرفوع والذي يدل على ذلك عطفهم المنصوب عليه نحو: أرأيتك أنت وزيدا ما صنعتما والمنصوب لا يعطف على المرفوع 2. ومنها: أن أبا الحسن زعم أن أرأيتك إذا كانت بمعنى أخبرني فلا بد بعدها من الاسم المستخبر عنه وتلزم الجملة التي بعده الاستفهام قال: لأن أخبرني موافق لمعنى الاستفهام 3. وما زعمه غير لازم بل يجوز حذف المفعولين وحذف أحدهما اختصارا ولا يلزم مجيء الجملة الاستفهامية بعد المفعول الأول بدليل قوله تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ 4 هذا آخر الكلام -

................................  على المسألة الأولى من المسألتين اللتين قلنا إن كلام المصنف تضمنهما.
وأما المسألة الثانية: فهي التي أشار إليها بقوله: وللاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدهما ما لهما دون الأفعال المذكورة.
والمقصود بهذا الكلام [2/ 207] أن الاسم المستفهم به الواقع بعد ظننت وعلمت ونحوهما من أفعال هذا الباب لا عمل للفعل السابق عليه فيه؛ لأنك قد عرفت أنه يعلقه عن العمل 1 المتقدم عليه.
قال المصنف: وتقول: علمت أي يوم زيد قادم، فتنصب أي يوم «بقادم» على الظرفية كما كنت تفعل لو لم تذكر «علمت» لأن الاستفهام وما في حيزه في حكم المستأنف وكذا تقول 2: غلام من ضربت لأن المضاف إلى المستفهم به مساو له في استحقاق التصدير وتسليط ما بعده عليه ومن ذلك قوله تعالى وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ 3 فأي منقلب منصوب بـ «ينقلبون» بعد «سيعلم» 4 كما كان ينصبه لو لم يكن بعده 5 انتهى.
وحاصله: أن الاسم المستفهم به الواقع بعد شيء من هذه الأفعال له حكم اسم الاستفهام لو لم يوجد ذلك الفعل السابق عليه كما تقدم فيتصور في ذلك الاسم كونه مرفوعا بالابتداء وكونه مفعولا به وكونه مصدرا أي منصوبا على المصدر أي منصوبا على المصدر وكونه ظرفا وكونه حالا، إذا كان قبل دخول شيء من الأفعال المذكورة عليه محكوما له بشيء مما ذكر نحو: علمت أي رجل جاءك وعلمت أيهم أكرمت وعلمت أي سير سرت، ومنه قوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ 6 وعلمت متى مجيء عمرو، ومتى ضربت عمرا، وأين زيد وأين ضربت زيدا، وعلمت كيف ضربت زيدا، وحكم المضاف إلى اسم الاستفهام حكم اسم الاستفهام نفسه فيما ذكرنا.

جارٍ التحميل