الباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثي
[مصادر المبدوء بهمزة وصل، مصادر أفعل وفعّل وفاعل]
قال ابن مالك: (يصاغ المصدر من كلّ ماض أوّله همزة وصل بكسر ثالثه وزيادة ألف قبل آخره، ومن كلّ ماض أوّله «تاء» المطاوعة أو شبهها بضمّ ما قبل آخره إن صحّ الآخر، وإلّا خلف الضّمّ الكسر، ويصاغ من «أفعل» على «إفعال» ومن «فعّل» على «تفعيل» وقد يشركه «تفعلة» ويغني عنه غالبا في ما لامه همزة، ووجوبا في المعتلّ، و «تنزّي دلوها تنزيّا» من الضّرورات، ومصدر «فاعل» «مفاعلة» و «فعال» وندر فيما فاؤه «ياء»، ومصدر «فعلل» والملحق به بزيادة تاء التّأنيث في آخره، أو بكسر أوّله وزيادة ألف قبل آخره، وفتح أوّل هذا إن كان كـ «الزّلزال» جائز، والغالب أن يراد به حينئذ اسم فاعل).
قال ناظر الجيش: لما انتهى الكلام على مصادر الفعل الثلاثي شرع في ذكر مصادر غير الثلاثي، وقد عرف أن غير الثلاثي إما رباعي مجرد، وإما رباعي مزيد فيه، فيه وإما ملحق بالرباعي المجرد، وإما بالمزيد فيه من الرباعي، وإما ثلاثي مزيد فيه، وأن المزيد فيه من الرباعي منه ما يفتتح بهمزة الوصل: وهو اثنان: «افعنلل» و «افعللّ» كـ «احرنجم» و «اقشعرّ» والملحق بـ «احرنجم» وهما: اقعنسس، واسلنقى، فهذه أربعة أبنية.
وأن المزيد فيه من الثلاثي منه ما يفتتح بهمزة الوصل أيضا وهو سبعة أبنية:
«انفعل» كـ «انطلق» و «افتعل» كـ «اقتدر» و «استفعل» كـ «استخرج» و «افعالّ» كـ «اشهابّ» و «افعلّ» كـ «اشهبّ» و «افعوعل» كـ «اغدودن» و «افعوّل» كـ «اعلوّط».
وتقدم أيضا التنبيه على الأوزان التي تضمنها كلام المصنف زائدا على ما ذكرنا مما هو مفتتح بهمزة الوصل أيضا: وهي: «افعولل» كـ «اعثوجج» و «افعيّل» كـ «اهبيّخ» و «افعنلأ» كـ «احبنطأ» و «افونعل» كـ «احونصل» و «افعلّل» كـ «ابيضّض» -
الجزء: 8 - الصفحة: 3793
................................
فذكر الآن أن مصدر كل فعل ماض أوّله همزة وصل يكون صوغه بكسر ثالثه وزيادة ألف قبل آخره 1، يريد أنك تكسر ثالث الفعل وتزيد ألفا قبل آخره فيصير اسما مصدرا، فعلم من ذلك أنه يقال في مصادر الأفعال المذكورة: احرنجام، واقشعرار، وانطلاق، واقتدار، واستخراج، واشهيباب، واشهبّاب، واغديدان، واعلوّاط وكذا يقال: اعثيجاج، واهبيّاخ، واحبنطاء، واحونصال، وابيضاض.
ولا خفاء في وجوب فك المدغم في مصدر «اقشعرّ»، وإبدال الألف «ياء» في مصدر «اشهابّ» مع الفك أيضا، وإبدال الواو «ياء» في مصدر «اغدودن» وكذا مصدر «اعثوجج».
وأما ما أوّله من الفعل الماضي غير الثلاثي متحرّك وهو بقية الأوزان وجملتها عشرون بناء: وهي «فعلل» والملحق به سبعة، و «تفعلل» والملحق به ثمانية، و «أفعل» و «فعّل» و «فاعل» و «تفاعل» و «تفعّل» فقد ذكر مصدر كل منها وأتى على الصيغ كلها كما سأبينه.
فقوله «ومن كلّ ماض أوّله تاء المطاوعة أو شبهها» يمثل عشر صيغ وهي:
«تفعلل»: كـ «تدحرج» وما ألحق به وهو سبعة، و «تفعّل» و «تفاعل» وهذه مصادرها: «تفعلل»: كـ «تدحرج» و «تجلبب» و «ترهوك» و «تكلّم».
و «تفاعل» كـ «تغافل» و «تجاهل» و «تقاتل» فصيغة المصدر هي صيغة الفعل إلا أن ما قبل الآخر مفتوح في الفعل مضموم في المصدر 2، هذا إن كان الآخر حرفا صحيحا كما مثّل، فإن كان حرف علّة خلف الضمّ -
الجزء: 8 - الصفحة: 3794
................................
الكسر 3 فيقال في مصدري: تعدّى، وترامى: تعدّ وترام، والتّعدّي والتّرامي 4، فهذه مصادر عشرة أبنية.
وأما الحادي عشر والثاني عشر فأشار إليهما بقوله «ويصاغ من أفعل على إفعال ومن فعّل على تفعيل» فيقال 5: أكرم إكراما، وأجمل إجمالا، وأعطى إعطاء وآلى إيلاء 6، وكرّم تكريما، وكلّم تكليما، وقرّب تقريبا، وقد جاء مصدر «فعّل» على «تفعلة» قالوا: أقررت الأمر تقرّة 7، وإلى ذلك الإشارة بقوله بعد ذكر تفعيل: وقد يشركه تفعلة أي: يشرك التّفعيل، هذا حكم مصدر «أفعل» إن كانت العين منه صحيحة، فإن كانت معتلّة كـ «أقام» و «أبان»
و «أجاد» فلا بد فيه من تغيير بزيادة وحذف، وسيذكر المصنف ذلك، فإطلاقه القول فيه هنا مقيّد بما يذكره بعد.
وكذا التّفعيل مصدر «فعّل» ما لم يكن آخره همزة أو حرف علة 8، فإن كان همزة يستغنى فيه بـ «تفعلة» عن «تفعيل» هذا هو الغالب كما ذكر المصنف، فيقال: جزّأ تجزئة، وخطّأ تخطئة، وهنّأ تهنئة، ونبّأ تنبئة 9.
وقد أفهم كلام المصنف: أن تفعيلا جائز أيضا لكنه غير غالب، وقد ذكر المغاربة أن «التّفعيل» و «التّفعلة» جائزان في المهموز على السّواء، وقد ذكروا أن -
الجزء: 8 - الصفحة: 3795
................................
أبا زيد حكى أن التّفعيل به أكثر 10.
وإن كان حرف علة فاستغناء فيه عن «تفعيل» بـ «تفعلة» واجب نحو 11:
حلّى تحلية وزكّى تزكية، وولّى تولية، ويقال: حيّا تحيّة - بالإدغام 12 - وأجاز المازنيّ الفكّ، وقال: إن الإدغام أكثر وأحسن 13.
وأشار المصنف بقوله: وتنزّي دلوها تنزيّا من الضّرورات إلى قول الشاعر:
3577 - باتت تنزّي دلوها تنزيّا... كما تنزّي شهلة صبيّا 14
فأتى للمصدر بصيغة «التّفعيل» في ما هو معتل، ولا خلاف في شذوذ ذلك.
[5/ 19] وأما الثالث عشر فإليه الإشارة بقوله «ومصدر فاعل مفاعلة وفعال» يقال:
ضارب مضاربة وضرابا، وكالم مكالمة وكلاما، وخاصم مخاصمة وخصاما، وقاتل مقاتلة وقتالا 15، فإن كانت «فاء» فاعل «ياء» تعيّن أن يكون مصدره:
مفاعلة نحو 16: ياومه مياومة 17، وياسره مياسرة، وندر قولهم: يوام 18 مصدر -
الحديث: 3577 - الجزء: 8 - الصفحة: 3796
................................
ياوم، حكاه 19 ابن سيده، وسبب ندوره استثقال الكسرة في الياء، حتى زعم بعضهم 20 أنه ليس في كلام العرب ياء مكسورة أول كلمة إلا قولهم: يسار 21 ويعار جمع يعر وهو الجدي 22، ولم يستثقلوا الكسرة في ما فاؤه «واو» فإنهم يقولون:
واعده مواعدة ووعادا، فإن الواو المكسورة الواقعة أولا واردة في لسان العرب كثيرا، كالوساد 23، والوعاء، والوشاح 24، والوفاق، والوئام 25، والولادة.
قيل: وأصل «الفعال» هنا: الفيعال 26، وهذه الدّعوى تحتاج إلى إقامة دليل على صحتها والظاهر أن الموجب لها وجود ألف في الفعل بعد «فاء» الكلمة وهذا لا يلزم منه ما ذكروه إلا إن قيل بوجوب بقاء الألف الكائنة في الفعل في المصدر، وقد يمنع ذلك لأن المصدر لا يجب فيه أن يحتوي على ما احتوى عليه الفعل من الحروف، قال الشيخ 27: ويظهر من كلام المصنف أن مفاعلة وفعالا مستويان، قال: واللازم عند سيبويه في مصدر فاعل: المفاعلة، وقد يتركون الفعال والفيعال ولا يتركون المفاعلة، قالوا: جالسته مجالسة، وقاعدتّه مقاعدة، ولم يقولوا:
الجلاس، والقعاد، ولا الجيلاس ولا القيعاد 28، قال سيبويه 29: «وأما فاعلت فإن المصدر منه الذي لا ينكسر أبدا مفاعلة، جعلوا الميم عوضا من الألف التي بعد -
الجزء: 8 - الصفحة: 3797
................................
أول حرف منه، والتاء عوض [من] الألف التي قبل آخر حرف»، وقد أنكر هذا على سيبويه وقيل: كيف جعل الميم عوضا من ألف فاعل وهي موجودة في المصدر؟
ألا ترى أنك تقول: قاتلت مقاتلة فالألف موجودة في الفعل والمصدر فكيف تكون الميم عوضا منها وهي لم تذهب 30؟!.
وقد أجيب 31 عن ذلك بأن سيبويه إنما أراد أن الميم عوض من الألف أي: من قلب الألف «ياء» ألا ترى أنها تقلب في «ضيراب» و «قيتال»؟ فعلى هذا يصح أن تكون الميم عوضا من الألف على هذا التأويل إذ كان القياس يقتضي أن يكون المصدر على «فعلال» وأما مجيئه وأوله «ميم» فليس القياس، ألا ترى أنه لم يفتتح بميم من المصادر غير مصدر «فاعل» فقط؟ فدل ذلك على أن المصدر يكون مبنيّا على الفعل إلا فيما ندر، ولذلك قال سيبويه 32: إن مصدر فاعل جاء على اسم المصدر، لأنك تقول في اسم المفعول من فاعل: مفاعل، وأصل المصادر أن لا تجيء على اسم المفعول، ثم ذكر أن ابن طاهر خرّج كلام سيبويه على غير هذا الوجه 33.
وأما الأبنية الباقية من العشرين وهي سبعة: «فعلل» وما ألحق به كـ «دحرج»، و «جلبب» و «حوقل» و «بيطر» و «جهور» و «قلنس» و «سلقى» فقد أشار إليها بقوله: ومصدر فعلل والملحق به بزيادة تاء التّأنيث في آخره، والمراد: أن مصدر هذا البناء - أصلا كان أو ملحقا - يأتي على صيغتين 34:
إحداهما: بزيادة تاء التأنيث في آخره أي: في آخر بناء الفعل فيقال: دحرجة، وجلببة، وحوقلة إلى آخرها.
والثانية: زيادة ألف قبل آخر البناء مع كسر أوله كـ «سرهاف» 35 ولم يتعرض المصنف هنا إلى ذكر المقيس منهما لكنه قال في ألفيته:
الجزء: 8 - الصفحة: 3798
................................
فعلال او فعللة لفعللا... واجعل مقيسا ثانيا لا أوّلا
وقد نص سيبويه 36 على أن مصدر «فعلل» الذي لا ينكسر يجيء على مثال:
فعللة، وكذلك الملحق به، قالوا 37: ولكنه - يعني مثال فعلال - كثر في المضاعف كـ «الزّلزال» و «القلقال» 38 ولم يسمع «دحراج» 39.
وقول المصنف: وفتح [أول] هذا إلى آخره.
يريد به أن فتح أول هذا المصدر الذي هو بكسر الأول وزيادة ألف قبل الآخر كـ «السّرهاف» إن كان كالزّلزال أي: إن كان مضاعفا كـ «الصّلصال» 40 و «القلقال» ونحوهما يجوز فيه الفتح 41 أي: فتح المكسور وهو الأول فيقال: زلزلة، وصلصلة وقلقلة، وزلزال، وصلصال، وقلقال، بالكسر والفتح، والغالب أن يراد به حين يفتح أن نحو: الصّلصال يكون في معنى: المصلصل 42، والقضقاض يكون في معنى المقضقض أي: الكاسر 43، والوسواس يكون في معنى: الموسوس، والقبقاب يكون في معنى: المقبقب 44.
الجزء: 8 - الصفحة: 3799
[أوزان مصادر أخرى مختلفة]
قال ابن مالك: (وربّما ورد كذلك مصدر «فوعل» وقد يقال: «فعّل فعّالا» و «فاعل فيعالا» و «تفعّل تفعّالا» و «افعللّ فعلّيلة» و «فعلل فعللى وفعللاء» وندر «فعّال» غير مصدر ما لم تبدل أوّل عينيه ياء، وأندر منه «فيعال» غير مصدر، وقد يغني في التّكثير عن «التّفعيل» «التّفعال» أو «الفعّيلى»، ويغني «الفعّيلى» أيضا عن التّفاعل). قال ناظر الجيش: قال الشيخ 45: «كذلك» إشارة فيها إبهام؛ لأنه تقدمت له ثلاثة أحكام، منها قوله: إنّ مصدر الملحق بـ «فعلل» يأتي على مماثلة «فعللة» أو «فعلال»، ومنها أن فتح «فعلال» إن كان مضعّفا جائز، ومنها أن الغالب أن يراد به حينئذ اسم الفاعل، قال: وإنما يريد من هذه المحتملات بقوله «وربّما ورد كذلك» أي: بكسر أوله وزيادة ألف قبل آخره مصدر «فوعل» ومثّل لذلك بـ «الحيقال» فإنه يقال: حوقل حوقلة وحيقالا، فـ «حوقلة» هو المصدر المنقاس، وقالوا: الحيقال كما قالوا: سرهاف، وأصله حوقال فانقلبت [5/ 20] الواو ياء لانكسار ما قبلها» انتهى. ولا يظهر لي أن مراد المصنف ما قاله الشيخ، وذلك أن «حوقل» ملحق بـ «دحرج»، ولا شك أن مجيء مصدر الملحق إنما يكون على قياس مجيء مصدر الملحق به حتى كأن المصدر ملحق بالمصدر أيضا، وقد قال ابن يعيش 46 في شرح المفصل لما أنشد هذا البيت وهو: 3578 - يا قوم قد حوقلت أو دنوت... وشرّ حيقال الرّجال الموت 47
الحديث: 3578 - الجزء: 8 - الصفحة: 3800
................................
قال: «ففيعال هنا ملحق بفعلال نحو: سرهاف» 48 انتهى.
وعلم من هذا أن مصدر «حوقل» يتعيّن كونه على مثال «فيعال»، وإذا كان كذلك فالمصنف قد عرّفنا أن مصدر «فعلل» والملحق به كما يأتي على «الفعللة» يأتي على «الفعلال» بكسر أوله وزيادة ألف قبل آخره، فما كان بعد ذكره ذلك ليذكره ثانيا إذ لا فائدة في ذلك.
والظاهر أن المراد من قوله: وربّما ورد كذلك مصدر فوعل - الإشارة إلى الفتح في قوله: وفتح أوّل هذا إن كان كالزّلزال جائز.
لكن إذا فتح الأول وجبت سلامة الواو فيقال: حوقال إذ لا موجب حينئذ لقلب الواو ياء 49.
ثم إن المصنف أشار بعد ذلك إلى مصادر خمسة أفعال جاءت على غير القياس الذي تقدمت الإشارة إليه 50: وهي: «فعّل» و «فاعل» و «تفعّل» و «افعللّ» و «فعلل».
فأما «فعّل» فإن مصدره جاء على «فعّال» قالوا: كلّمته كلّاما 51، وقد عرف أن قياسه «التّكليم»، وقال الله تعالى: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً 52.
وأما «فاعل» فإن مصدره جاء على «الفيعال» قالوا: ضاربته ضيرابا 53، وقد عرف أن قياسه الضّراب والمضاربة.
- - والاستشهاد بالبيت على أن «حيقال» على وزن «فيعال» وهو مصدر فوعل والقياس في مصدره حوقلة كدحرج دحرجة ولكنه جاء على «فيعال» كحيقال.
والبيت في المنصف (1/ 39) برواية «وبعض حيقال»، و (3/ 7) برواية «وشر حيقال»، والمقتضب (2/ 94)، والبيت في شرح المفصل لابن يعيش (7/ 155)، وانظر العيني (3/ 573).
الجزء: 8 - الصفحة: 3801
................................
وأما «تفعّل» فإن مصدره جاء على «تفعّال» قالوا: تحمّلته تحمّالا 54، وقد عرف أن قياسه «التّحمّل».
وأما «افعللّ» فإن مصدره جاء على «فعلّيلة» كقشعريرة، وطمأنينة 55، وقد عرف أن قياسه: الاقشعرار والاطمئنان.
واعلم أن الشيخ ناقش المصنف في جعله «القشعريرة» و «الطّمأنينة» من المصادر مستندا إلى قول سيبويه رحمه الله تعالى: «فمنزلة اقشعررت من القشعريرة واطمأننت من الطّمأنينة بمنزلة «أنبت من النّبات» 56. قال الشيخ 57: يريد - يعني سيبويه - أن القشعريرة والطّمأنينة اسمان وليسا بمصدرين لهذين الفعلين، وإن كانا قد يوضعان في موضع المصدر كما أن «النبات» ليس بمصدر لـ «أنبت» ولكن يوضع موضعه.
انتهى.
وإذا حقّق الأمر لا يتوجّه على المصنف مناقشة لأنه لم يصرح بالمصدرية وإنما ذكر أنه يقال: افعللّ فعلّيلة فإن ثبت أن «فعلّيلة» مصدر فيها، وإلّا فهي اسم موضوع موضع المصدر كما أن «النّبات» ليس بمصدر ولكنه وضع موضعه كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً 58.
والحاصل: أن المصنف قال: وقد يقال: فعّل فعّالا وكذا وكذا إلى آخرها، فما كان منها مصدرا حكم بمصدريته، وما لم يكن مصدرا حكم بأنه اسم للمصدر 59، والعجيب أن الشيخ ناقش المصنف - كما عرفت - في كونه يطلق المصدر على ما هو اسم مصدر، ثم إنه أورد بعد ذلك - كما سأذكره عنه - جملة ألفاظ ذكر أنها -
الجزء: 8 - الصفحة: 3802
................................
مصادر، وإنما هي أسماء للمصادر.
وأما «فعلل» فإن مصدره جاء على «فعللى» كـ «قهقرى» 60 و «قرطبى» يقال: قرطبى: القرطبى إذا زلق فوقع على فقار ظهره 61، وجاء أيضا على «فعللاء» مثاله: قرفص القرفصاء، قال الشاعر:
3579 - جلوس القرفصاء كذا مكبّا... فما تنساح نفسي لانبساط 62
قال الشيخ 63: «وقد تعرض المصنف في هذا الباب لبعض المصادر الخارجة عن القياس في ما زاد فعلها على ثلاثة أحرف، ونحن نذكر من ذلك جملة».
- ثم ذكر من مصادر «أفعل» فعالا نحو: «أنبت نباتا» 64، و «أعطى عطاء» وفعلا كـ «أقرض قرضا» و «أغلق غلقا» وفعلى وفعلى نحو: «أفتى فتيا وفتوى» و «أبقى عليه بقيا وبقوى» و «أرعى عليه - بمعنى أبقى عليه - رعيا ورعوى» و «أعدى عدوى» 65. و «فعيلة» نحو: «آلى أليّة» 66، و «فعلة» نحو: «أطاق طاقة» و «أجاب -
الحديث: 3579 - الجزء: 8 - الصفحة: 3803
................................
جابة» و «أطاع طاعة» و «أغار غارة» 67 هذا في المعتل.
وجاء في الصحيح «أرزمت السّماء رزمة» 68 و «أجلب القوم جلبة» 69.
و «فعلا» كـ «الحصر» 70 و «اليسر» و «العسر» و «النّذر» و «القبل» و «الدّبر» و «الفحش» و «الهجر».
قال 71: كلها 72 بمعنى: الإفعال من «أفعل»، تقول: «أيسر إيسارا» وكذا باقيها فهذه سبعة أبنية جاءت مصادر لـ «أفعل» وهي مخالفة للقياس.
وذكر من مصادر «تفعّل» «فعلياء» نحو: «تكبّر كبرياء»، و «فعلوت» كـ «تجبّر جبروتا» و «فعولا» كـ «توضّأ وضوءا» و «تطهّر طهورا» ومنهم من لم يثبت «فعولا» في المصادر إلا قليلا 73، وخرّج هذا على أن «وضوءا» و «طهورا» صفتان لمصدرين محذوفين، الأصل توضّأ توضّؤا وضوءا، وتطهّر تطهّرا طهورا.
وأقول: إن بعد هذا التّخريج لا يخفى، وقد قال ابن خروف: هذه دعوى لا دليل عليها وليس كونه مصدرا بأبعد من هذا 74، قال الشيخ 75: ولم يحك أحد يوثق به «الوضوء» - بضم الواو - لشيء من الأشياء، وقد يكون الطهور 76.
و «تفعلة» مثاله: «تقدّم تقدمة».
-
الجزء: 8 - الصفحة: 3804
................................
وذكر من مصادر «افتعل» «فعلة» نحو: «اتّأد تؤدة» و «اتّأب تؤبة» 77، و «فعلة» نحو: «احتاط حوطة وحيطة» 78، و «فعلة» نحو: «اختلف خلفة» 79 و «اغتاب غيبة» و «فعلة» نحو: «اختار خيرة».
وذكر من مصادر «تفعّل» «فعلة» نحو: «اطّيّر طيرة» 80 و «فعلة» نحو:
«تأنّى أناة» 81 وذكر من مصادر «استفعل» «فعلة» نحو: «استراح راحة».
وذكر من مصادر «فاعل» «فاعلة» نحو: «عافاه الله عافية» بمعنى: معافاة 82.
ثم قال: وجميع هذا الفصل يسمّيه [5/ 21] بعض النحويين أسماء بمعنى المصدر 83. انتهى.
وإذا كان الأمر عند معظم النحويين كما ذكر فكيف أورد ما ذكره على أنه من المصادر على ما يعطيه كلامه في الشرح؟ ولا شك أن هذه الكلمات التي ذكرها أسماء مصادر، وإذا كانت كذلك فلا استدراك بها على المصنف ولا على غيره، وربما بقيت أسماء أخر للمصادر لم يذكرها الشيخ إذ لا حاجة إلى ذكر ذلك من أصله، لأن المقصود إنما هو معرفة ما هو مصدر إذ التبويب له، فإذا علمنا الصيغة التي يختص بها مصدر كل فعل علمنا أن ما ورد غير
ذلك مما فيه دلالة على ما دل عليه المصدر يعدّ من أسماء المصادر.
-
الجزء: 8 - الصفحة: 3805
................................ واعلم أن المصنف لما ذكر أن «فعّالا» و «فيعالا» يكونان مصدرين، أشار إلى أن هاتين الصيغتين قد تأتيان غير مصدرين في الندور بقوله: وندر فعّالا غير مصدر ما لم تبدل أوّل عينيه ياء، وأندر منه فيعال غير مصدر. فأما «فعّال» غير مصدر فنحو «قثّاء» 84 و «حنّاء» 85، وأما «فيعال» غير مصدر فنحو: «ناقة ميلاع» 86 فإن «ميلاعا» صفة، ونحو: «ديماس» 87 أيضا. وأما تقييده «فعّالا» بقوله «ما لم تبدل أوّل عينيه ياء» فقال فيه الشيخ 88: «ذلك نحو: شيراز 89، وقيراط، وديباج 90، في قول من قال في تصغيره: «دبيبيج» وفي جمعه: «دبابيج» لا في قول من قال: «دييبيج» و «ديابيج» - بالياء - فإنه يكون من باب «فيعال» غير المصدر، وغير المبدل من أول عينيه ياء وزنه «فعّال» وأصله: قرّاط، ودبّاج، وشرّاز، بدليل قولهم في الجمع: قراريط، ودبابيج، في أحد القولين فيه، وشراريز». انتهى. ولم يظهر لي انطباق ما قاله على عبارة المصنف. ثم أشار - أعني المصنف - إلى أن «التّفعال» يغني في التكثير عن «التّفعيل»، وأن «الفعّيلى» يغني فيه عنه أيضا. فأما «التّفعال» فمثاله: «التّضراب» و «التّرداد» و «التّجوال» و «التّقتال» و «التّطواف» ومنه قول طرفة: 3580 - وما زال تشرابي الخمور ولذّتي... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي 91
الحديث: 3580 - الجزء: 8 - الصفحة: 3806
................................
قال الشيخ 92: «وليس بمصدر جار إلا أن ظاهر كلام النحويين فيه أنه مقيس» 93 ثم قال: «وقوله - يعني المصنف - وقد يغني عن التّفعيل، مشعر بأن «التّفعال» يغني عن التّفعيل، وأنه يكون مصدرا للفعل الذي يراد به التكثير الذي هو على وزن «فعّل» إذ مصدره «تفعيل»، وليس الأمر كذلك على مذهب البصريين، لأن «التّفعال» عندهم يدل على المصدر الكثير، لا أنه مبني على فعل الذي يراد به الكثرة، قال سيبويه 94 - رحمه الله تعالى - «هذا باب ما يكثر فيه المصدر من فعلت فتلحق الزوائد، وتبنيه بناء آخر كما أنك إذا قلت في فعلت: فعّلت، حين كثّرت الفعل وذلك قولك في الهذر: التّهذار 95، وفي اللّعب: التّلعاب، وفي الرّد: التّرداد، وفي الصّفق: التّصفاق 96، وفي الجولان: التّجوال، والتّقتال، والتّسيار 97، وليس شيء من هذا مصدر فعّلت، ولكن لما أردت التكثير بنيت المصدر على هذا كما بنيت فعّلت» 98 انتهى كلام سيبويه.
قال الشيخ 99: «فجعل سيبويه التفعال تكثيرا للمصدر الذي هو للفعل الثلاثي، فالتهذار بمنزلة الهذر الكثير،
والتلعاب بمنزلة اللعب الكثير.
- - الشرح: تشرابي: أي شربي، متلدي من قولهم: مال متلد وخلق متلد: قديم.
ومعنى البيت: أي لم أزل أشرب الخمر وأشتغل باللذات وبيع الأعلاق السمينة وإتلافها كأن هذه الأشياء بمنزلة المال المستحدث.
طريفي أي: المستحدث الجديد والمتلد: الموروث.
الشاهد في البيت: قوله «تشرابي» حيث جاء على التّفعال لإفادة التكثير فهو بمعنى: الشّرب الكثير.
والبيت في جمهرة أشعار العرب (ص 324)، وشرح القصائد للتبريزي (ص 170)، وشرح القصائد السبع للزوزني (ص 110)، وديوان طرفة (ص 31).
الجزء: 8 - الصفحة: 3807
................................ وذهب الفراء وغيره من أهل الكوفة 100 إلى أن «التّفعال» بمنزلة «التّفعيل» والألف عوض من الياء فيجعلون ألف التّكرار ونحوه بمنزلة ياء التّكرير ونحوه، وهو ظاهر قول المصنف إذ قال: ويغني عن التّفعيل التّفعال. فيرى الفراء ومن قال بقوله أن «التّرداد» من «ردّد» و «التّطواف» من «طوّف» - بتشديد العين - والصحيح ما ذهب إليه سيبويه لأنه يقال: التّلعاب ولا يقال: التّلعيب 101، فلو كان «التّفعال» مصدرا لـ «فعّل» - المشدد العين - لسمع فيه «التّلعيب» كما سمع في كل مصدر لفعّل» انتهى. وأقول: إن مما يدل على صحة ما قاله عن سيبويه بيت طرفة المتقدم الإنشاد وهو: 3581 - وما زال تشرابي الخمور......... لأنه يريد: وما زال شربي الخمور 102. ثم قال الشيخ 103: «وهذه المصادر التي جاءت على تفعال هي بفتح التاء، فأما قولهم: التّبيان والتّلقاء، فإنهما اسمان وضعا موضع المصدر قال الراعي 104: 3582 - أمّلت خيرك هل تدنو مواعده... فاليوم قصّر عن تلقائك الأمل 105
الحديث: 3581 - الجزء: 8 - الصفحة: 3808
................................
يريد بالتّلقاء: اللّقاء، وزعم الأعلم أن هذه المكسورة الأول جاءت نادرة على الشذوذ بالكسر ومعناها التكثير 106 وهو فاسد مخالف لنص سيبويه، ومعنى البيت:
أنه أعطاه عند لقائه أكثر مما أمّل» انتهى.
ولم يبين الشيخ فساد القول بأن «التّبيان» و «التّلقاء» مصدران، وأما نص سيبويه فلم يذكره 107. وقد حكم أبو البقاء العكبري بمصدريتهما فإنه قال 108: وليس في المصادر المبنية على هذا البناء مكسور التّاء، إلا التّبيان والتّلقاء، ثم قال أبو البقاء: فأما الأسماء التي جاءت على هذا البناء فمكسورة التاء نحو: التّمثال والتّمساح 109 والتّجفاف 110.
وأما «الفعّيلى» فمثاله 111 «الدّلّيلى» و «الهزّيمى» و «المكّيثى» و «الحضّيضى» و «الخصّيصى» و «الحجّيزى» و «الخلّيفى» 112 و «الهجّيرى» 113 و «الرّبّيثى» 114 و «الفخّيرى» و «المنّينى» قال الشيخ بعد ذكر هذه الأمثلة 115:
وهو بناء يدل على التكثير في المصدر، وقول المصنف: إنه يغني عن التّفعيل، ليس بجيد، لأن هذه المصادر لم تجر على «فعّل» - بتشديد العين - وإنما هي من «فعل» الثلاثي نحو: دلّ، وهزم، ومكث، [وحضّ]، وخصّ، [وحجز، وخلف، - - التلقاء والتبيان.
وانظر البيت في شرح السيرافي (6/ 155) (رسالة)، وابن السيرافي (1/ 295، 296)، وديوان الراعي (ص 113).
الجزء: 8 - الصفحة: 3809
[لزوم تاء التأنيث في بعض المصادر]
قال ابن مالك: (فصل: تلزم تاء التّأنيث «الإفعال» و «الاستفعال» معتلّي العين عوضا من المحذوف، وربّما خلوا منها، وتلحق سائر أمثلة الباب المجرّدة منها دلالة على المرّة، ويصاغ مثل اسم مفعول كلّ منها دالّا على حدثه أو زمانه أو مكانه).
وهجر، ورثّ]، وفخر، ومنّ، فهي بمنزلة أن لو قال: الدّلالة الكثيرة، والهزم الكثير، ونحو ذلك، وهذا النوع منهم من حكم [5/ 22] باطّراده، والمشهور أنه غير مطرد 116، قال 117: وهذا النوع الذي جاء على «فعّيلى» إنما جاء أكثره مقصورا وقد سمع المدّ في ألفاظ منه وسيذكر في باب ألفي التأنيث.
ثم ناقش المصنف في ذكره «الفعّيلى» أنه من المصادر، كما ناقشه في ذكره «التّفعال» أيضا، قال 118: «لأن «الفعّيلى» ليس بمصدر لفعل غير ثلاثي كما أن «التّفعال» ليس كذلك أيضا» انتهى.
وأما قول المصنف: ويغني الفعّيلى عن التّفاعل - فمثال ذلك: الرّمّيا، يقال: كان بينهم رمّيّا أي: ترام كثير فـ «رمّيّا» بمعنى «التّرامي»، والتّرامي وزنه «التّفاعل» 119.
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الفصل على مسائل ثلاث:
الأولى:
أننا عرفنا أن المصدرين اللذين هما «الإفعال» و «الاستفعال» إذا كانا معتلي العين فلا بد من حذف الألف منهما - أعني ألف «الإفعال» و «الاستفعال» - فذكر الآن أن تاء التأنيث تلزم هذين المصدرين عوضا من المحذوف فيقال: أقام إقامة، واستقام استقامة، وأبان إبانة، واستبان استبانة 120، والكلام على إعلال هذا المصدر -
الجزء: 8 - الصفحة: 3810
................................
والألف المحذوفة هل هي الألف الزائدة أو الألف المبدلة من العين؟ يأتي في التصريف إن شاء الله تعالى.
وأشار بقوله: وربّما خلوا منها - إلى أن «إفعالا» و «استفعالا» المعتلي العين قد لا تلحقهما التاء 121، قال الله تعالى: لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ 122 ومن كلامهم: استفاه الرّجل استفاها 123، وقد فهم الناس من عبارة سيبويه حيث قال 124: «وإن شئت لم تعوّض» أن التاء يجوز خلوّ المصدر منها فيقال:
أقام إقاما، واستعان استعانا، والذي عليه الناس أن خلوّ المصدر من التاء لا يجوز إلا حيث سمع 125.
الثانية:
قد تقدم 126 في باب «مصادر الفعل الثلاثي» أن المرّة من الفعل الثلاثي يدلّ عليها بـ «فعلة» فأشار الآن إلى ما يدلّ به على المرّة من الفعل غير الثلاثي بقوله:
وتلحق سائر أمثلة الباب... إلى آخره - يعني أن التاء تلحق بصيغة مصدر غير الثلاثي إذا كان مجرّدا منها 127 أي لم يوضع عليها كـ «انطلاقة» و «استخراجة» و «إعطاءة»، و «إخراجة» بخلاف نحو: «مقابلة» و «تجربة» ونحوهما، فإن الوحدة فيه إنما يدلّ عليها بالنعت أو بقرينة معنوية 128.
الجزء: 8 - الصفحة: 3811
................................ ونبّه الشيخ 129 ههنا على شيء وهو أن الفعل إذا كان له مصدران إنما يدلّ على المرّة منه بالذي هو الأصل منهما والأكثر 130، فعلى هذا لا يقال: قاتل قتالة وكذا لا يقال: دحراجة لأن الأصل في مصدر «فاعل» المفاعلة، وفي مصدر «فعلل»: فعللة، ثم أضاف إلى ذلك المصادر التي ذكر المصنف مجيئها على قلّة وقال 131: «كان ينبغي للمصنف أن يقيد فيقول: وتلحق سائر أمثلة الباب المجردة منها المقيسة». الثالثة: لا شك أن صيغة اسم المفعول من الفعل غير الثلاثي قد تقدم التنبيه عليها في باب «اسم الفاعل» فذكر المصنف هنا أن الصيغة المذكورة كما هي دالة على اسم المفعول تكون دالة أيضا على ثلاثة أشياء أخر وهي: الحدث، وزمان ذلك الحدث، ومكانه، كل هذا إذا كان من الفعل غير الثلاثي، قال الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها 132 أي: اجراؤها وإرساؤها، وقال الله تعالى: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ 133 أي: تمزيق، ومنه قول الشاعر 134: 3583 - أظلوم إنّ مصابكم رجلا... أهدى السّلام تحيّة ظلم 135
الحديث: 3583 - الجزء: 8 - الصفحة: 3812
[مجيء المصدر على وزن اسمي الفاعل والمفعول]
قال ابن مالك: (يجيء المصدر على زنة اسم المفعول في الثّلاثيّ قليلا، وفي غيره كثيرا، وربّما جاء في الثّلاثيّ بلفظ اسم الفاعل).
أي: إنّ إصابتكم رجلا، وقال أمية 136:
3584 - الحمد لله ممسانا ومصبحنا... بالخير صبّحنا ربّي ومسّانا 137
ويقولون للمكان: هذا مخرجنا ومدخلنا، ومصبحنا وممسانا 138.
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 139: ثبت هذا الفصل في نسخة الشيخ بهاء الدين الرّقي 140 - رحمه الله تعالى - وهو أحد تلامذة المصنف وكان عليها خطه.
أما مجيء المصدر على زنة اسم المفعول: فالمنقول أن الأخفش والفراء يجيزان ذلك 141، وجعلا منه «المرفوع» و «الموضوع» و «المعقول» و «المجلود» و «المفتون» و «المكذوب» و «المعقود» بمعنى: الرّفع والوضع والعقل والجلد والفتنة والكذب والعقد، قال الشيخ 142: وأنكر سيبويه 143 مجيء المصدر على زنة مفعول، وتأوّل هذه الألفاظ فجعل «المرفوع» و «الموضوع» هو الشيء الذي يضعه ويرفعه، تقول: هذا مرفوع ما عندي وموضوعه أي: ما أرفعه، وأضعه، وجعل -
الحديث: 3584 - الجزء: 8 - الصفحة: 3813
................................
المعقول مشتقّا من قولك: عقل له أي: شدّ وحبس، فكأنّ عقله قد حبس له وشدّ.
واستغني بهذه المفعولات التي ذكرت عن المفعل الذي يكون مصدرا لأن فيها دليلا على المفعل.
قال 144: وأما قوله تعالى: بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ 145 فزعم بعضهم 146 أن «الباء» زائدة تقديره: أيّكم المفتون كما زيدت في:
3585 -...... لا يقرأن بالسّور 147
وجعل الفراء 148 من هذا «الميسور» و «المعسور» بمعنى: الإيسار والإعسار، وردّ 149 ذلك بأن «الميسور» و «المعسور» هنا ليسا بمصدرين في الثلاثي بل في الرباعي الذي على وزن «أفعل» وللفراء أن يقول 150: ادّعي أن اسم المفعول يأتي مصدرا للفعل الرباعي كما يأتي للفعل الثلاثي إذ لا يجهل أن هذه الكلمة من فعل رباعي، وجعل سيبويه 151 «الميسور» و «المعسور» زمانا [5/ 23] يعسر فيه ويوسر كما تقول: هذا وقت مضروب فيه زيد، وعجبت من زمان مضروب فيه زيد.
ولم يظهر لي هذا التخريج لأن الصيغة التي تدل على الزمان من الفعل غير الثلاثي يجب أن تكون على صيغة اسم المفعول فيه، و «الميسور» و «المعسور» ليسا على صيغة اسم المفعول لفعل رباعي، فكما لا يكونان اسمي مفعول
من «أيسر» و «أعسر» لا يكونان دالّين على زمان ذلك الفعل 152.
الحديث: 3585 - الجزء: 8 - الصفحة: 3814
................................ وأما قول المصنف: وفي غيره أي: وفي غير الثلاثي كثيرا، فقال الشيخ 153: «هذا تكرار لأنه قد اندرج في قوله قبل «ويصاغ مثل اسم مفعول كلّ منها دالّا على حدثه أو زمانه أو مكانه». وأقول: لك أن تقول: ليس هذا بتكرار لأن المذكور أولا لم يتعرض فيه لكثرة ولا قلّة فذكره ثانيا منصوصا على كثرته لئلا يتوهّم أنه كالمصوغ مما فعله ثلاثي في القلّة. وأما قوله: وربّما جاء في الثّلاثيّ بلفظ اسم الفاعل: فقد مثّل له بـ «العافية» و «العاقبة» و «الباقية» قالوا 154: ومنه «الفاصلة» و «القافية» و «الكاذبة» و «الدّالّة» بمعنى الفصل والعفو والكذب والدّلالة، وقال الفرزدق: 3586 - على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما... ولا خارجا من فيّ زور كلام 155 أي ولا خروجا 156، وقال آخر: 3587 - كفى بالنّأي من أسماء كاف 157
الحديث: 3586 - الجزء: 8 - الصفحة: 3815
................................
أي: كفاية.
= صاحب الخزانة عن المرزوقي أنه قال: «يريد كفى النأي من أسماء كفاية وهو اسم فاعل وضع موضع المصدر كقولهم: قم قائما وعوفي عافية وفلج فالجا وكان يجب أن يقول: كافيا لكنه حذف الفتحة كما تحذف الضمة والكسرة» يريد أن الشاعر عامل المنقوص في حالة النصب كما يعامل في حالة الرفع والجر فحذف الياء وانظر البيت في المقتضب (4/ 22)، وابن الشجري (1/ 183)، وابن يعيش (6/ 51)، وشرح الشافية (1/ 176)، وشرح شواهدها (ص 70)، والخزانة (2/ 261).
الجزء: 8 - الصفحة: 3816