تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4915-4954

الباب السادس والسبعون باب التّصريف

صفحات 4915-4954

[أدلة الزيادة]

قال ابن مالك: (فصل: يحكم بزيادة ما صحب أكثر من أصلين من ألف أو ياء أو واو غير مصدّرة أو همزة مصدّرة أو مؤخّرة هي أو نون بعد ألف زائدة، أو ميم مصدّرة إن لم يعارض دليل الأصالة كملازمة ميم معدّ في الاشتقاق، وكالتّقدّم على أربعة أصول في غير فعل أو اسم يشبهه، فإن لم تثبت زيادة الألف فهي بدل لا أصل إلّا في حرف أو شبهه).
قوله: مطلقا.
ونبّه المصنف بقوله: في لغة على أن كسر اللام فيه يقل بالنسبة إلى فتحها، والوزنان النادران: فعيل وفعيل.
مثال فعيل: ضهيد اسم موضع، ومثال فعيل قولهم: عليب لاسم واد باليمن 1، والوزن الذي لم يندر فعيل، ومثاله: عثير، وحمير، وحثيل وطريم، وعريف 2، ولا حاجة بالمصنف إلى ذكر هذا الوزن - أعني فعيلا -؛ لأنّه بصدد أن يذكر الوزن المهمل والنادر، وكأنه إنما ذكر ذلك لذكره ما يقارب وزنه وهو فعيل وفعيل، أو لأنه لما ذكر المفتوح الأول والمضمومه أراد أن يكمل بذكر المكسوره.
قال الشيخ: وثبت في بعض النسخ المقروءة على المصنف وعليها خطه عوض - قوله: وندر فعيل وفعيل، وكثر فعيل 3 قوله: وأهمل فعيل دون فعيل وفعيل فقوله: أهمل يدل على أنه لم يوجد في كلامهم قال ابن جني: أما ضهيد (وعتيد) 4 فمصنوعان فلا يجعلان دليلا على إثبات فعيل وفعيل.
يعني أن هذين الوزنين ليسا مهملين؛ بل هما موجودان، وإن اختلفا بالكثرة ففعيل كثير 5، وفعيل قليل جدّا.
قال ناظر الجيش: قد تقدم ما يدل على أن الزيادة في الكلمة نوعان: نوع يكون ببعض حروف سألتمونيها، ونوع يكون بتكرير بعض أصول الكلمة؛ فعقد المصنف -

................................  هذا الفصل للنوع الأول، وعقد الفصل الذي يليه للنوع الثاني، وقبل الخوض في شرح كلام المصنف؛ يتعين التعرض لذكر أمور ينبني عليها ما سيأتي؛ فمنها: أن شرط الحرف الذي يعدّ زائدا من هذه الحروف العشرة أن يكون ممتزجا بالكلمة التي هو فيها ليصير جزءا منها كما يكون الحرف الأصلي جزءا ممّا هو فيه؛ لأن الحرف إذا لم يكن أصلا وامتزج بالكلمة احتيج إلى إقامة الدليل على زيادته لكونه أشبه الأصل في الامتزاج 1، أما إذا لم يمتزج فزيادته ظاهرة، وإذا كان هذا شرطا اتجه أن لا تعدّ اللام المصاحبة لأسماء الإشارة ولا هاء السكت من الحروف المذكورة في هذا الباب؛ لأن كلّا منها مستقل بالدلالة على المعنى المقصود به، ولازم الامتزاج أن لا يكون لذلك الحرف وحده دلالة، بل يكون مجموع الكلمة هو الدال على معناها، وقد أدخل المصنف وابن عصفور الحرفين المذكورين - أعني اللام التي مع أسماء الإشارة وهاء السكت - في حروف الزيادة وليس 2 بجيد، وأما تاء التأنيث في نحو: قائمة فقد اعتذر ابن عصفور عن ذكرها في الحروف الزوائد مع أنها ليست كالجزء مما هي فيه، بأنها صارت حرف إعراب، ولم يذكرها المصنف، والوجه ما فعله ابن عصفور 3. ومنها: أن ابن عصفور أورد أن قولهم: هند كيّ في معنى هنديّ يدل على أن الكاف من حروف الزيادة؛ لأنها صارت من نفس بناء الكلمة، ثم أجاب عن ذلك بأن هنديّا وهندكيّا من باب سبط وسبطر، يعني مما تقارب فيه اللفظ والأصل -

................................  مختلف 1، قلت: وفي كون هندكي أصلا بعد، والذي يظهر أن الكاف زائدة 2، ولا يلزم أن تعد من جملة حروف الزيادة؛ لأن مقتضى الامتزاج على ما تقدم تقريره أن يختل معنى الكلمة، وتفوت دلالتها على معناها، عند سقوط ذلك الحرف الممتزج الزائد، فلا شك أن: هندكيّا إذا سقطت الكاف منه لا تفوت دلالته على معناها، فلا يتأتى إدارج الكاف في جملة هذه الحروف ولا يلزم من عدم اندراجها في حروف الزيادة هذه ألا تكون هي زائدة في نفسها على ماهية الكلمة؛ بمعنى أنها لا فائدة لها، وأن وجودها في الكلمة وعدمها سواء.
ومنها: أنهم ذكروا علّة لكون هذه الأحرف كانت هي التي تزاد دون غيرها فقالوا: إنما خصّت هذه الحروف بالزيادة دون بقية حروف المعجم؛ لأن أمهات الزوائد الواو والياء والألف؛ لكثرة دورها في الكلام، ولذلك كانت هذه الثلاثة أكثر الحروف زيادة، وأما الهمزة والنون والميم والتاء؛ فلشبهها بحروف العلة، ولذلك كانت هذه الأحرف الأربعة تلي حروف العلة في كثرة الزيادة؛ وأما السين، والهاء، واللام فإنما زيدت لشبهها بالحروف المشبهة لحروف العلة، أما اللام فمشبهة للنون من حيث الاستطالة في المخرج، وأما السين فمشبهة للهاء في همسها وتقارب مخرجيهما، وأما الهاء فمشبهة للهمزة من جهة تقارب المخرج؛ لأنهما من حروف الحلق 3، ولما كانت هذه الأحرف لا تشبه أحرف العلة، بل أشبهت المشبهة بها، لم تجئ مزيدة إلا في ألفاظ محفوظة وأماكن مخصوصة لا يتعداها فهي أقل الحروف زيادة لذلك، وقال المصنف: أحقّ الحروف بالزيادة أحرف اللين، وهي الألف، والياء، والواو؛ لسهولة الإتيان بها عند إشباع الحركات، ولأن كل كلمة لا تخلو مما أخذ منها، وهي الحركات الثلاث، والألف أخفها، فهي أحق بالزيادة من أختيها؛ لكن منع من زيادتها أولا تعذر الابتداء بها لملازمتها السكون، فزادوا الهمزة أولا كالعوض منها؛ لاتحاد مخرجيهما، ومنع من زيادة الواو أوّلا استثقالها وتعرضها للإبدال الجائز إن لم [6/ 114] تلها واو أخرى، والإبدال اللازم إن وليها واو أخرى، كما فعل بالأصلية نحو: أقّتت وأواق، والأصل: وقّتت، ووواق جمع -

................................  واقية، فلما امتنع زيادتها أولى - مع كونها من أمهات الزوائد - زيدت الميم أوّلا كالعوض منها، ولذلك لم تزد الميم أولا إلا شذوذا؛ لعدم الحاجة إلى التعويض.
انتهى وهو كلام لطيف بديع ولا يبعد أنه من استخراجاته - رحمه الله تعالى - واستفيد من اقتصاره على ذكر أحرف العلة، والهمزة والميم: أن هذه الأحرف الخمسة هي التي يكثر زيادتها وتطّرد دون الأحرف الخمسة الأخر وهي: النون، والتاء، والسين، واللام، والهاء؛ فإنها لم تكثر زيادتها ولم تطّرد ومع كون زيادتها غير مطّردة لا يشتبه كونها مزيدة، ولا تخفى زيادتها على من له أدنى نظر، بخلاف الأحرف الخمسة المتقدمة، فإنها قد تشبّه بالأصلية في بعض المواضع، وسيتضح هذا عند الكلام على زيادة كل منها - إن شاء الله تعالى - ومن الأمور التي يتعين التعرض لذكرها أن ابن عصفور ذكر أن الحروف العشرة المذكورة، لا تزاد إلا لأسباب سبعة، وهي: الإلحاق نحو: واو كوثر، أو الدلالة على معنى نحو: حروف المضارعة، أو الإمكان - يعني إمكان النطق - نحو: همزة الوصل، ونحو الهاء في نحو: قه وعه، أو بيان الحركة نحو: سُلْطانِيَهْ 1، والمد نحو: كتاب وقضيب وعجوز، أو العوض نحو: التأنيث في زنادقة، أو التكثير - يعني تكثير الكلمة - نحو: ألف قبعثرى، ونون كهبل؛ لأنه لا يمكن فيها الإلحاق؛ إذ ليس لهما من الأصول نظير يلحقان به 2، ثم قد عرفت أن الواجب أن لا تعد هاء السكت في حروف الزيادة، وأما همزة الوصل فينبغي أن لا تعد فيها أيضا؛ لأن معنى الكلمة لا يختل بسقوط الهمزة المذكورة، ومن شرط الزائد في هذا الباب أن يكون كذلك، فعلى هذا يسقط من الأسباب التي ذكرها سببان وهما: الإمكان، وبيان الحركة 3؛ وحينئذ تصير الأسباب خمسة لا غير، وهي: الإلحاق، والدلالة على معنى، والمدّ، والعوض، والتكثير.
إذا تقررت هذه الأمور رجعنا إلى شرح كلام المصنف، فنقول: إنه أشار -

................................  أولا إلى ذكر الأحرف التي تكثر زيادتها وتطّرد وهي الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم، وإنما ذكر النون مع هذه الخمسة، وكان يجب ذكرها مع الأحرف الأخر التي سنذكرها ثانيا؛ لأنها في بعض المواضع التي تزاد فيها شاركت الهمزة في ما أثبته لها من الزيادة آخرا بعد ألف، فأدرج النون معها لمشاركتها لها في هذا الحكم المذكور؛ كيلا يعيد ذكر ذلك ثانيا طلبا للاختصار، وقد أشرك المصنف بين الخمسة - أعني الألف والياء والواو والهمزة والميم - في شيء وهو الحكم على كل منها بالزيادة متى صحب أكثر من أصلين، يعني ثلاثة فصاعدا، لكنه قيّد الواو بكونها غير مصدرة، وقيد الهمزة والميم بكونها مصدرتين، فعلم من ذلك أن الواو لا تزاد مصدّرة، وأن الياء كما تزاد غير مصدّرة تزاد مصدّرة إلا في ما استثني، وأن الميم لا تزاد مؤخرة عن الصّدر وكذا الهمزة - أيضا - إلا في ما ذكره وهو كونها بعد ألف زائدة، وأما الألف فلا تزاد أولا لسكونها وتعذر الابتداء بالساكن فيتعين أن تكون زيادتها غير أول، وينبغي أن يعلم أنه ليس المراد من قولنا: إن الميم تزاد مصدّرة وأن الهمزة لا تزاد غير مصدرة إلا بالقيد الذي ذكره، أنهما لا يحكم بزيادتهما إلا عند تصدّرهما، أو عند تأخّر الهمزة بعد ألف زائدة، كيف والميم محكوم بزيادتها في: دلامص 1 وقمارص 2، وترامز 3 وهرماس 4، وزرقم 5، والنون محكوم -

................................  بزيادتها في: رعشن 1، وفرسن 2، وقنعاس 3، بل المراد أنهما لا تطرد زيادتهما إلا إذا كانتا مصدّرتين، أو كانت الهمزة آخرا بشرط كونها بعد ألف زائدة وأنه يحكم بزيادتهما إذا وجدتا بهذه الصفة من غير نظر إلى اشتقاق أو غيره ما لم يعارض الزيادة دليل أصالة كما سينبّه عليه، وأما إذا كانتا غير مصدرتين، ولم تكن الهمزة آخرا بعد ألف زائدة فإنه لا يحكم بزيادتهما إلا بدليل يدل على الزيادة كالاشتقاق، وعدم النظير لو حكم بالأصالة، واعلم أن الموجب للحكم على هذه الأحرف المذكورة بالزيادة حيث وجدت بالصفة التي ذكرت أن زيادتها في ما علم اشتقاقه ثابتة بالقيود التي أشير إليها، فوجب الحكم بذلك في ما لم يعلم اشتقاقه حملا لما لم يعلم بالاشتقاق على ما علم به، فأما الألف فقد عرفت أنها لا تزاد أوّلا وإنما تزاد ثانية نحو: ضارب، وثالثة نحو: كتاب، ورابعة نحو: علقى، وخامسة نحو: حبنطى، وسادسة نحو: يهيرّى 4، ولا توجد سابعة إلا أن تكون ألف تأنيث وتقع بعد ألف زائدة فتصير همزة نحو: معلوجاء، هذا في بنات الثلاثة، وأما في بنات الأربعة فلا تزاد الألف فيها ثانية وإنما تزاد ثالثة نحو: جخادب 5، ورابعة نحو: حملاق 6، وخامسة نحو: حبركى 7، وسادسة نحو: حبوكرى 8، وتجيء سابعة للتأنيث؛ إلا أنها تنقلب همزة نحو: جخادباء 9، وأما في بنات -

................................  الخمسة فلا تلحق إلا سادسة نحو: قبعثرى 1؛ ولا توجد في السداسي إلا في هذا البناء خاصة، وأما الياء فقد علمت أنها تزاد أوّلا وغير أوّل، فتزاد في بنات الثلاثة أولا نحو: يعمل 2، وثانية نحو: زينب 3، وضيغم 4، وثالثة نحو: قفيز 5 ونضيب وسعيد وشريف وعثير وعليب، ورابعة نحو: حذرية 6 وزبنية 7، وأما بنات الأربعة فتزاد الياء فيها ثالثة نحو: سميدع 8، ورابعة نحو: قنديل وشنظير 9، وخامسة نحو: سلحفية 10، وأما بنات الخمسة فتزاد الياء فيها خامسة، ويكون قبل الآخر نحو: سلسبيل ودردبيس وخزعبيل وقذعميل 11، وشرط زيادة الياء أوّلا أن تكون بعدها ثلاثة أصول فقط كيرمع 12 ويعمل ويعسوب، فإن كان بعدها أربعة أصول حكم لها بالأصالة كما سيأتي، فالواو لا تلحق زائدة ثانية إلا في الثلاثي أيضا إلا فيعلولا وهو: عيطموس 13، وأما الواو فقد علمت أنها لا تزاد أوّلا بل غير أول، فتزاد [6/ 115] في بنات الثلاثة ثانية نحو: كوكب وعوسج وحومل، وثالثة نحو: عتود وخروف وصدوق وجدول وجهور، -

................................  ورابعة نحو: ترقوة وقرنوة وجنذرة وعنصوة وجندوة 1، قالوا: ولا تفارق الياء هذه الأبنية كما لا تفارق: حذرية وأخواتها، وأما بنات الأربعة فتزاد فيها ثالثة نحو: حبوكر وفدوكس وسرومط وعشوزن 2، ورابعة نحو: كنهور ووزنه فعلول، وهو قليل في الكلام 3، ونحو: عنقود وزنبور وقرقوس 4، وخامسة نحو: قمحدوة ووزنها فعلّوة وهو وزن قليل في الكلام، والهاء لازمة له 5 ونحو: خيتعور 6 وعنكبوت 7 ومنجنون 8، وأما بنات الخمسة فإن الواو تلحقها خامسة وتأتي على وزنين، فعللول نحو: عضرفوط 9، وفعللول نحو: قرطبوس 10 وهو قليل، وقد علم من هذا كلّه أن الواو مع كونها لا تزاد أولا؛ لا تزاد ثانية في الرباعي؛ ولا تزاد في بنات الخمسة إلا خامسة، وإذا علم أن الواو لا تزاد أوّلا وجب الحكم بأصالتها في: ورنتل وهو الشر، ونقل المصنف عن بعضهم أنها زائدة على سبيل الندور؛ لأن الواو لا تكون أصلا في بنات الأربعة قال: والصحيح أنها أصل، واللام زائدة مثلها في نحو: فحجل بمعنى: أفحج؛ لأن لزيادة اللام آخرا نظائر، بخلاف الواو أوّلا 11. انتهى.
والموجب لدعوى زيادة اللام في: ورنتل الفرار من الحكم بكون الواو أصلا في بنات الأربعة 12، والشيخ لما ذكر أصالة الواو في ورنتل قال: واللام -

................................  فيه أصلية مثلها في: حجنفل؛ ثم قال: وذهب أبو علي إلى أنها زائدة 1. انتهى.
وكأن المصنف اتّبع رأي أبي علي في ذلك، والقول بذلك بعيد، والحق أن اللام أصلية؛ إذ لا موجب للقول بزيادتها كما تقدم، قال ابن أبي الربيع 2: فإن قلت: كما أن الواو لا تزاد أوّلا في بنات الأربعة، فكذلك الواو - أيضا - لا تكون أصلا في بنات الأربعة.
قلت: الواو لم تأت زائدة أوّلا في شيء من الكلام، ولا على وجه، والواو تكون أصلا في بنات الأربعة بالتضعيف؛ نحو: قوقيت، وضوضيت، فقد جاءت أصلا في بنات الأربعة بالتضعيف؛ إذ قد وجدت أصلا في بنات الأربعة بالتضعيف، أيسر من زيادة الواو أوّلا؛ إذ ذلك لا يوجد على حال من الأحوال 3. انتهى كلام ابن أبي الربيع.
وهذا آخر الكلام على زيادة الأحرف الثلاثة أعني: الألف والياء والواو.
ولكن بقي التنبيه هاهنا على أمر: وهو أنّه قد علمت مما تقدم عند الكلام على قوله: وتماثل كثيرا ثالثا الرباعي أوله ورابعه ثانيه، حيث قال: وقلّ ذلك مع الياء مطلقا ومع الواو عينا: أن الياء والواو يحكم بأصالة كل منهما في الثنائيّ المكرر نحو: يؤيؤ وصيصة وضوضى ووعوعة، ولا شك أن هذا النوع يحكم بأصالة حروفه كلّها كما يحكم بأصالة حروف: سمسم 4 وسحسح وربرب، وقد قال المصنف في الألفية: فألف أكثر من أصلين... صاحب زائد بغير مين واليا كذا والواو إن لم يقعا... كما هما في يؤيؤ ووعوعا 5 وإنما لم يستثن المصنف ذلك في التسهيل هنا؛ لأنه اكتفى بالتنبيه عليه فيما تقدم، وأما الهمزة فقد عرفت أن زيادتها مقيّدة بكونها مصدّرة يعني أن تكون أوّلا، وعرفت أن الميم مشاركة لها في ذلك، وأنها لا تفارقها إلا في شيء واحد وهو أن -

................................  الهمزة تزاد مؤخّرة بعد ألف زائدة بخلاف الميم، وإذا كانت الميم مشاركة للهمزة في الزيادة أوّلا، وجب أن يكون الكلام في الحرفين معا فنقول: ذكروا أن الهمزة تزاد أوّلا وثانيا وثالثا ورابعا، وأن الميم تزاد كذلك، قالوا: ولم يذكر سيبويه زيادتها ثانية ولا ثالثة وإنما ذكر زيادتها أوّلا ورابعة 1، والذي يظهر أنه لا حاجة إلى التنبيه على مواضع زيادة هذين الحرفين غير أول؛ لأن المطرد الكثير إنما هو زيادتهما أوّلا بخلاف زيادتهما غير أول، وهم إنما نبهوا على ذلك في الألف والياء والواو لكثرة زيادتها واطّرادها، ولأن الألف والواو لا يزادان أولا، وزيادة الياء أوّلا في غاية القلة، فلما كانت زيادة الألف والواو إنما تكون غير أول وكانت زيادة الياء أولا في غاية القلّة؛ كان التعرض لذكر مواطن زيادة الثلاثة متعينا، وأما الهمزة والميم فلا يحكم بزيادتها غير أوّل إلا إذا دلّ دليل من اشتقاق أو غيره على ذلك، على أنه إنما ورد في كلمات قليلة منها شأمل وشمأل 2 وضهيأ 3 وحطائط 4 وقمارص وهرماس ودلامص وزرقم وستهم 5، وإنما الذي يذكر هنا أن يقال: متى تقدمت الهمزة أو الميم على أربعة أصول حكم على كل منها بالأصالة كما سيأتي، وإن كان التقدم على ثلاثة أصول حكم بالزيادة، وإن لم يعلم الاشتقاق؛ لأنهما قد كثرت زيادتهما واطردت فيما علم اشتقاقه كأحمد وأحمر وأصفر ومكرم ومعلم ومؤمن؛ فوجب الحكم عليهما بالزيادة في ما لم يعلم اشتقاقه كأصبع 6 ومخلب 7، ولو كان أحد الثلاثة الواقعة بعد الهمزة أو الميم حرف لين، أو مكررا؛ فإنه يحكم بأصالة ذلك الحرف، ويكون الهمزة والميم محكوما بزيادتهما كما حكم بزيادتهما لو لم يكن أحد الثلاثة لينا أو مكرّرا، وذلك نحو: أورق وأيدع 8 وموئل 9 وميسر وأشدّ ومجنّ 10، فإن -

................................  انفك المثلان كمهدد 1؛ فأحدهما زائد إلا أن يوجب تقدير زيادته استعمال ما أهمل كمحبب فإنه مفعل، فإن تقدير زيادة أحد ياءيه يوجب أن يكون الأصل «محبّ» وهو تركيب أهملت العرب جميع وجوهه 2، وكذا لو كان مع الثلاثة التي هي أصول الكلمة الواقعة بعد الهمزة والميم حرف لين، فهو - أيضا - زائد كإسكاف 3 وإبريق وأسلوب، ذكر المصنف ذلك في إيجاز التعريف له، ولا شك أن التنبيه على أن حرف اللين زائد في هذه الأبنية الثلاثة مستغنى عنه، فإنّه من المعلوم الحكم على كل من الألف والياء والواو بالزيادة متى صحب أكثر من أصلين وإذا كانت الأحرف الثلاثة مقطوعا بزيادتها لما ذكر، فلا حاجة إلى التنبيه على زيادتها، هنا بقي الكلام على زيادة [6/ 116] الهمزة مؤخرة بعد ألف زائدة، كما قيّده المصنف، ويذكر معها النون لإشراك المصنف إياها مع الهمزة في هذا الحكم بعد ذكر الهمزة مصدرة بقوله: أو مؤخرة أو نون بعد ألف زائدة، فنقول: ذكر المصنف في إيجاز التعريف له: أن الهمزة المتأخرة يحكم بزيادتها بعد ألف زائدة قبلها ثلاثة أصول أو أكثر كعلباء وقرفصاء، ثم قال: ويشارك الهمزة في مثالها متأخرة النون نحو: سرحان وزعفران، وهكذا ذكر في بقية كتبه أن الهمزة في نحو: علباء وقرفصاء زائدة 4، والأصح: أن همزة قرفصاء بدل من ألف مزيدة للتأنيث وكذلك همزة علباء بدل من ياء هي حرف إلحاق، وإذا كان كذلك لم -

................................  يثبت أن الهمزة تزاد مؤخرة بعد ألف زائدة 1، وإنما يثبت هذا الحكم للنون فقط، فلو كان قبل الألف الزائدة حرفان وجب الحكم بأصالة النون (نحو: سنان وعنان وبنان 2 وكذا لو كانت الكلمة من باب جنجان) 3 يحكم بأصالة النون؛ إذ لو كانت زائدة لكانت الكلمة من باب سلس وهو قليل فينبغي أن تكون الكلمة من باب الرباعي المضاعف نحو: صلصلت 4، واعلم أنّا نفهم من قول المصنف: يحكم بزيادة ما صحب أكثر من أصلين من كذا أو كذا - أمرين: أحدهما: أن كلّا من هذه الأحرف الخمسة متى صحب أصلين فقط لا يحكم بزيادته، بل يجب الحكم بأصالته إن كان غير ألف، ويكون بدل أصل إن كان ألفا، وإنما كان كذلك لأنّه لا بد من تكملة أقل الأصول وهو ثلاثة، فمن ثمّ حكم بأصالة الياء في: يوم وبيع ورمي، وبأصالة الواو في: قول وغزو، وبأصالة الهمزة في: أخذ وأكل وأمر، وبأصالة الميم في: ملك ومسخ وأشباههما، وحكم بكون الألف بدلا من أصيل في: مال وباب وناب وعصا ورحا، ولو انضم إلى الأصلين حرف محكوم بزيادته كان الحكم بأصالة الحروف المذكورة باقيا كما في نحو: ياوم وبايع ورامى وقاول وغازى وآخذ وآكل وآمر ومالك وماسخ، وهذا واضح.
ثاني الأمرين: أن كلّا من هذه الأحرف الخمسة، إذا وجد بالقيد الذي قيدت به زيادته ووجد معه ثلاثة أحرف حكمنا بزيادته، ولو كان أحد تلك الثلاثة حرفا يمكن أن يكون هو الزائد بأن يكون حرف لين أو مكرّرا مدغما.
والظاهر: أن الأمر كذلك إلا إذا دلّ دليل على أن الزائد هو حرف لين أو المكرر -

................................  المدغم؛ فحينئذ يحكم عليه بالزيادة، ويتعين إذ ذاك الحكم بالأصالة لذلك الحرف الذي من شأنه أننا كنا نحكم بزيادته، لو لم يكن ذلك اللين أو المكرر، وقد تقدم أنه لو كان أحد الثلاثة الواقعة بعد الهمزة أو الميم حرف لين أو حرفا مكررا حكم بزيادة الهمزة والميم نحو: أورق وأبدع وموئل وميسر وأشدّ ومجنّ، ولفصل القول في ذلك بالنسبة إلى كل حرف من الخمسة متعرضين إلى ذكر الدليل الدال على كون المزيد أحد الثلاثة من حرف لين أو حرف مكرر في بعض الكلم، فنقول: الهمزة يحكم بزيادتها إذا كان أحد الثلاثة التي بعدها ياء أو واوا أو ألفا، نحو: أيدع وأبين وأورق وأشفى 1 وأفعى، ولو لم يكن معنا دليل يدل على زيادة الهمزة؛ لأن جميع ما ورد من ذلك مما عرف اشتقاقه، الهمزة فيه زائدة نحو: أغوى وأنوأ 2، فحمل ما ليس له اشتقاق على ما عرف اشتقاقه إلا إذا دلّ دليل على أصالة الهمزة، فيجب حينئذ الحكم بزيادة الحرف الذي هو أحد الثلاثة الواقعة بعد الهمزة، وذكروا أن ذلك في أربع كلمات وهي: أولق وأيصر وأرطى وإمّعة 3، أما أيصر، فلقولهم في جمعه: إصار بإثبات الهمزة وحذف الياء، وأما: إمّعة؛ فلأنه يلزم من القول بزيادة الهمزة أن يكون وزنه إفعلة، وإفعلة لا يكون صفة أصلا، إنما يكون اسما نحو: إشفى (وإنفحة) 4 فيجب أن يكون وزنه فعّلة؛ لأن فعّلة في الصفات موجود نحو: رجل دنّبة 5، وأما: أولق وأرطى، فلسقوط الواو والألف في قولهم: ألق الرجل ألقا فهو مألوق أي جنّ 6، وبعير أرط وأديم مأروط، نعم من قال: ولق ولقا فهو مولوق 7 بمعنى جنّ - أيضا - وبعير راط وأديم مرطي، -

................................  انعكس الحكم عنده فيحكم بأصالة الواو في أولق، والألف في أرطى، وبزيادة الهمزة فيهما، ولك أن تقول: الموجب للحكم بأصالة الهمزة أولا في هاتين الكلمتين وهما أولق وأرطى، وبزيادتهما فيهما ثانيا إنما هو الاشتقاق ولا شك أنه مقدّم على غيره من أدلة الزيادة، وإذا ثبت الاشتقاق، حكمنا بزيادة الحرف في موطن ليس من شأنه أن يزاد فيه، وبأصالته في مكان شأنه أن يزاد فيه، ولا ينظر إلى شيء آخر، وإذا كان كذلك لا يحسن التمثيل بأولق وأرطى في ما نحن بصدده؛ لأن الاشتقاق هو الحاكم فيها، وإنما يحسن التمثيل بما لا اشتقاق له؛ لأنا قررنا أولا أنا نحكم بزيادة الهمزة ولو لم نعلم الاشتقاق، وإذا كان كذلك سقط الاستدلال على هذا المقصود بهاتين الكلمتين، وأما: أيصر وقولهم في جمعه: إصار فلا يتم الاستدلال به؛ لأن كلام الجوهري في الصّحاح يدل على أن إصار مرادف لأيصر لأنه قال: الإصار والأيصر حبل قصير يشدّ به في أسفل الخباء إلى وتد، وجمع الإصار أصر، وجمع الأيصر أياصر 1، وإذا كان كذلك لم تكن الياء في أيصر الزائدة، ويكون وزنه أفعل، فالهمزة هي الزائدة؛ فلم يبق من الكلمات الأربع المستدل بها إلا كلمة واحدة هي إمّعة لا غير.
الميم: يحكم بزيادتها إذا كان أحد الثلاثة التي بعدها ياء أو واوا أو ألفا نحو: ميسر وموئل ومسرى كما تقدم في - الهمزة سواء، والعلة في ذلك ما تقدم إلا إذا دلّ دليل على أصالة الميم فيجب حينئذ الحكم بزيادة الحرف الذي هو أحد الثلاثة الواقعة بعد الهمزة، وذلك في ستة ألفاظ كما ذكروا وهي: معزى ومأجج ومهدد ومعدّ ومنجنيق ومنجنون، أما أصالتها في معزى فلقولهم [6/ 117]: معز بحذف الألف، ولو كانت الميم هي الزائدة لقالوا: عزي 2، وأما أصالتها في معدّ فلقولهم: تمعدد الرجل إذا تكلم بكلام معد، فلو لم نقل بأصالة الميم لكان وزنه تمفعل، وهو وزن مهمل لم يوجد منه إلا: تمسكن وتمدرع، وهما نادران، والأجود أن يقال: تسكّن وتدرّع 3، وأما أصالتها في: مأجج ومهدد؛ فلأنها لو كانت زائدة لوجب الإدغام كما قالوا: مفرّ ومكرّ ومردّ، -

................................  فدلّ الفك على أن الميم أصل، وأن الحرف المكرر زائد لإلحاق الكلمتين بجعفر، كما ألحق به قردد فلم يدغم، لا يقال: (احكم بزيادة الميم، واجعل الفكّ شاذّا، كما جاء الفكّ في: لححت عينه، وألل السّقاء، وضبب البلد) 1 لأنا نقول: لمّا كان كل من الأمرين أعني الزيادة والنقصان يفضيان إلى قليل، كانت الأصالة أولى، وأمّا أصالتها في منجنيق؛ فلأن النون 2 ثابتة الزيادة لقولهم: مجانيق، ولو كانت أصلية لقالوا: مناجيق، ومتى ثبتت زيادة النون وجب الحكم بأصالة الميم؛ إذ لو قيل بزيادتها مع أن النون زائدة؛ لأدى ذلك إلى اجتماع زيادتين أوّل الكلمتين، وذلك لا يوجد إلا في الأفعال أو الأسماء الجارية عليها، نحو: انطلق ومنطلق، ومنجنيق ليس باسم جار على الفعل، وإذا ثبتت أصالة الميم وزيادة النون الأولى وجب أن يقضى على النون الثانية بالأصالة؛ لأنه لو قضي عليها بالزيادة لكان وزن الكلمة (فنعنيلا) 3 وهو بناء غير موجود، أما إذا كانت أصلية فتصير الكلمة نظير: عنتريس ووزنه فنعليل.
قال ابن عصفور: فهلا استدل على زيادة الميم بما حكي عن أبي عبيدة 4، بأنه سأل أعرابيّا عن حروب كانت بينهم فقال: كانت (بيننا) 5 حروب عون تفقأ فيها العيون مرة نجنق، ومرة نرشق.
فقال: نجنق ولو كانت الميم أصلية لقال: نمجنق 6 ثم ذكر الجواب عنه، وقد أورد ابن الحاجب الكلام على منجنيق أحسن إيراد وأنهى (البحث) 7 فيه، فليقف عليه الناظر إذا أراد 8، وأما أصالتها في منجنون فالذي يدل عليها أنه إما أن يقدر الميم والنون زائدتين ولا يجوز لما تقدم في منجنيق، وإما أن يقدر أن أحدهما أصل والآخر زائد، فإن كانت الميم هي الزائدة كان وزن الكلمة مفعلولا، وهو بناء غير موجود، -

................................  وإن كانت النون هي الزائدة كان باطلا؛ لقولهم: مناجين في الجمع بإثبات النون الأولى فلزم من ذلك القول بأصالة كلّ منهما - أعني الميم والنون - ويكون وزن الكلمة فعللولا نحو: حندقوق، هذا كلام ابن عصفور 1، وفيه نظر لا يخفى، وقد حقق ابن الحاجب البحث في الكلمة الأخرى - أيضا - 2، ثم لك أن تقول: الموجب للحكم بأصالة الميم في معزى ومعدّ ومنجنيق ومنجنون إنّما هو الاشتقاق، أو ما يرجع إليه، وقد تقدم أن الاشتقاق هو الفاضل، والدليل المقدّم على غيره من الأدلة، وأنه إنما يحسن التمثيل في هذا الموطن بما لا اشتقاق له؛ لما تقرر أولا من أننا نحكم بزيادة الميم ولو لم نعلم الاشتقاق، وأما: مأجج ومهدد فهما غير مقصودين؛ لأنهما خارجان عن الضابط الذي ذكر أوّلا، وهو أنا نحكم بزيادة الميم إذا كانت أوّلا وبعدها ثلاثة أحرف، أحدها مكرر إذا كان المكرر مدغما، أما إذا كان مفكوكا فإنّا نحكم إذ ذاك بزيادته وبأصالة الميم المتقدمة أوّلا في مثل: محبب، وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى استثناء هاتين الكلمتين؛ لأنهما خرجا أوّلا بالقيد الذي ذكر لأصالة الألف والواو والياء، أما الألف والواو فقد علمت أنهما لا يزادان أوّلا، وإنما يزادان غير أوّلين، فإذا اشتملت الكلمة على ألف محتملة للزيادة وللأصالة أعني لأن تكون منقلبة عن أصل، وكانت تلك الكلمة مصدّرة بهمزة أو ميم يحتمل كل منها الأصالة والزيادة، ولم يكن معنا دليل يدلنا على أحد الأمرين، حكمنا بزيادة الهمزة أو الميم أو بأصالة الألف أو الواو، وهذا قد علم عند الكلام على الهمزة والميم، وتقدمت أمثلة ذلك فلا حاجة إلى إعادته، وكذا حكم الياء إذا وجدت غير أول، وهي محتملة للأمرين، وصدّرت كلمتها بهمزة أو ميم، وإن صدرت تلك الكلمة بياء - أيضا - فينبغي الحكم بزيادتها - أيضا - وأصالة الياء أعني التي هي غير أول؛ لأن الياء الواقعة كالهمزة إذا وقعت أوّلا، وإذا وقعت الهمزة أوّلا وبعدها الياء حكمت على الهمزة بالزيادة ولم يحكم على الياء بالزيادة، فكذلك الياء الأولى -

................................  يحكم عليها بالزيادة، وعلى الثانية بالأصالة، ولا يعكس الحكم؛ لأن زيادة الياء أوّلا أكثر من زيادتها غير أول، وإذا حقق الأمر فيما ذكر، علم أن ذكر الهمزة والميم والياء المصدرة مغن عن ذكر الألف والواو والياء إذا كانت غير مصدّرة، ولهذا اقتصر المصنف على ذكرها حين قال في أثناء الفصل الذي بعد الفصل التالي لهذا الفصل الذي نحن فيه: وتترجح زيادة ما صدّر من ياء أو همزة أو ميم على زيادة ما بعده من حرف لين أو تضعيف 1، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.
واعلم أن المصنف لما قرّر مواضع زيادة الأحرف الخمسة أعني الألف والياء والواو والهمزة والميم، وحكم بزيادة كل منهم متى صحب أكثر من أصلين بالقيود التي ذكرها، وكان الحكم بالزيادة موقوفا على شرط، شرع في الإشارة إليه فقال: إن لم يعارض دليل الأصالة، يعني أنّا لا نحكم بزيادة حرف من هذه الحروف، وإن كان في محل من شأنه أن يحكم بزيادته فيه، إلا إذا انتفى ما يدل على أصالته، أما إذا وجد دليل يدل على الأصالة فإنّه يجب الرجوع إليه، ثم إنه أشار إلى أن الذي يدل على الأصالة أمران: أحدهما: الاشتقاق 2 ولا شك أنه أقوى الأدلّة؛ ولهذا يقول -

................................  النحاة: الاشتقاق مقدّم على سائر الأدلّة، وقال المصنف في شرح الكافية: والاشتقاق إذا ظفر به فهو راجح على غيره من الأدلّة 1، عنى بالرجحان التقدّم ولم يرد به الأولوية فلولا الاشتقاق لحكم بزيادة ميم معدّ؛ لأنها ميم مصدّرة [6/ 118] على ثلاثة أصول كالميم في مردّ ومقرّ ونحوهما، لكنهم لما اشتقوا الفعل من هذه الكلمة قالوا: تمعدد 2 فلزوم الميم في تصاريف الكلمة دلّ على أصالتها، فكان هذا الدليل معارضا لتصدّرها على ثلاثة أصول بعدها ونظير الميم في: معدّ الهمزة في: أولق وأرطى، في لغة من قال: ألق فهو مألوق وآرط ومأروط، فثبوت الهمزة في التصاريف دلّ على أصالتها فقد عارض دليل الأصالة تصدر الهمزة على ثلاثة بعدها فكان مانعا من الحكم بزيادتها.
الأمر الثاني: التقدم على أربعة أصول، يعني تقدم الحرف الذي من شأنه أن يحكم بزيادته، إذا تقدم على ثلاثة أصول، ويريد به أحد الثلاثة التي هي الهمزة، والميم، والياء، لا الألف والواو لما علمت من أنهما لا يزادان أوّلا.
وحاصل الأمر: أن تقدم الأحرف الثلاثة - أعني: الهمزة والميم والياء - على أكثر من ثلاثة أصول دالّ على أصالتها، فصار التقدم على الأربعة التي هي أصول دليلا معارضا للحكم بالزيادة، فيجب حينئذ الحكم بالأصالة لتلك الأحرف المتقدمة وذلك نحو: إصطبل 3، ومرزجوش 4، ويستعور 5، فالهمزة والميم والياء في هذه الكلم محكوم بأصالتها ولذلك يوزن الأول بفعلل كجردحل، والثاني والثالث بفعللول كعضرفوط، والسبب في ذلك: أن الزيادة لا تحلق بنات -

[زيادة النون والتاء والسين والهاء واللام]

قال ابن مالك: (وزيدت النّون - أيضا - باطّراد في الانفعال والافعنلال وفروعهما، وفي التّثنية والجمع وغيرهما ممّا سبق ذكره، وساكنة مفكوكة بين حرفين قبلها وحرفين بعدها، والتّاء في المضارع والتّفعّل والتّفاعل والتّفعلل والافتعال وفروعهنّ، وفي التّفعيل التّفعال، ومع السّين في الاستفعال وفروعه، والهاء وقفا في مواضع يأتي ذكرها واللّام في الإشارة كما سبق).
الأربعة من أولها إلا في الأفعال والأسماء الجارية عليها، وقد نبّه المصنف على ذلك بقوله: في غير فعل أو اسم يشبهه فالفعل نحو: تدحرج وادّحرج، والاسم نحو: مكرم ومدحرج، ونحو 1 ذلك، ثم أشار المصنف بقوله: فإن لم تثبت زيادة الألف فهي بدل لا أصل، إلا في حرف أو شبهه، إلى أن الألف إما أن يحكم عليها بالزيادة حيث يقوم الدليل على زيادتها، وإما أن لا يحكم عليها بالزيادة، فيحكم عليها بأنها بدل من ياء أو واو أصليّين كما هي في رحى وعصا 2، ولا يحكم بالأصالة إلا في الحروف أو الأسماء التي تشبه الحروف يعني المبنية كألف: ما، ولا، وحتّى، وإذا، وما الاسمية وذا ونحوها، وقد استدرك على أصالة الألف في ما ذكر أنه لو كان أصل الألف في: ما - ياء؛ لقلت: مي نحو: كي، أو واوا لقلت: مو، نحو: لو؛ لأن حرف العلّة إنما كان يقلب لو كان متحركا وقبله مفتوح، ولا يمكن تقدير الحركة في الحروف ولا في ما يشبهها من الأسماء؛ لأن المبنيات إنما تبنى على السكون؛ ولا تبنى على حركة إلا لعارض، كالتقاء الساكنين نحو: ثمّ، وإذا كانت الكلمة على حرف واحد كواو العطف 3. قال ناظر الجيش: لما انقضى كلامه في الأحرف الخمسة التي هي: الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم - شرع في الكلام على الخمسة الأخرى وهي النون، والتاء، والسين، والهاء، واللام، وبدأ بالنون وذكر أنها تزاد في ستة مواضع، وقد كان ذكر أنها تشارك الهمزة في زيادتها آخرا بعد ألف زائدة قبيلها ثلاثة أحرف فما فوقها، -

................................  فتكون المواضع سبعة ولذكره لها قبل قال هنا: وزيادة النون أيضا، وإنما قال: باطّراد؛ لأنها قد تزاد في غير المواضع التي ذكرها، ولكن ذلك لا يطرد بل هو موقوف على السماع كما هي في: نرجس 1، وقنعاس 2، وقنفخر 3 ورعشن 4، وفرسن 5. والمصنف إنما يتعرض لذكر المطرد دون غيره بالنسبة إلى هذا الحرف - أعني النون - وإلى غيره من حروف الزيادة، وأما غير المطرد فلم يذكره؛ لأنه إنما يدعى زيادته إذا دلّ دليل عليها من اشتقاق أو عدم نظير؛ فالأصل أن يحكم بزيادته وهو في مقام التعليم والتنبيه على ما يعلم به الزائد من الأصلي بقاعدة كليّة، وما لا يدخل تحت ضابط كلّي، وإنما يعلم بالتعداد له فلم يكن لازم الذكر، نعم يلزمه أن ينبّه على ما يعرف به الزائد من حيث هو زائد من الأدلّة، كالاشتقاق وعدم النظير مثلا، وقد نبّه على ذلك.
إذا تقرر هذا فنقول: الموضع الأوّل والثاني من المواضع الستة التي تزاد فيها النون: الانفعال، والافعنلال كالانطلاق، والانصراف والانجلاء، والاحرنجام مصدر احرنجم مطاوع حرجم الإبل، أي ردّ بعضها على بعض، وأراد بفروعها الأفعال الثلاثة أعني الماضي، والأمر، والمضارع، واسمي الفاعل، والمفعول.
الموضع الثالث والرابع: التثنية والجمع.
الموضع الخامس: ما أراده بقوله: وغيرهما مما سبق ذكره، بعد أن ذكر التثنية والجمع، وكأنه يريد به ما ألحق في الإعراب بالمثنى وما ألحق فيه بالجمع الذي على حده، كالنون في: اثنين وستين، أو نون: تفعلان وتفعلون وتفعلين، أو كلا النونين.
الموضع السادس: أن تكون ساكنة غير مدغمة قد توسطت في كلمة مشتملة على أربعة أصول، حرفين قبلها وحرفين بعدها، وحاصله أن تكون نونا ساكنة غير مدغمة قد توسطت في كلمة مشتملة على أربعة أصول حرفين قبلها وحرفين بعدها، وحاصله أن تكون نونا ساكنة مفردة ثالثة في كلمة خماسية كنوني -

................................  غضنفر 1 وعفنقس 2، قال المصنف: وإنما حكم بزيادتها في مثل ذلك لسقوطها في اشتقاق أكثر النظائر كعقنقل وهو الرمل المتراكم المتعقد، واشتقاقه من العقل: وهو الإمساك، وكالدّلنظى وهو الدافع، من: الدلظ وهو: الدفع، وكالألندد وهو الشّديد الخصومة من اللّدد، وكالعفنجج وهو: الأحمق، من العفج: وهو كثرة الاضطراب في العمل، وأيضا: الضرب بالعصا، وما لا اشتقاق له من هذا النوع قليل، فيحمل على الكثير 3. انتهى.
واستدل سيبويه على أن مثل هذه النون يحكم بزيادته في ما لم يعرف له اشتقاق، بأن بنات الخمسة قليلة، وما كان على خمسة أحرف وفيه النون الساكنه ثالثة كثير لكثرة ما جاء فيه حرف اللين ثالثا نحو: غدافر [6/ 119]، وسميدع، وفدوكس، والأربعة التي مع النون أصول كشرنبث، وجرنفس، وعرنتن 4. وهو استدلال حسن؛ لأن النون لو كانت أصلية في مثل هذا لكان مثل سفرجل كثيرا وليس كذلك، فكون هذا المثل لم يكثر إلا مع النون ومع حروف اللين دليل على زيادة النون، واحترزنا بقولنا: غير مدغمة من نحو: عجنّس 5، وسفنّج 6، وهجنّف 7، فإنه يصدق على النون الأولى أنها ثالثة ساكنة وبعدها حرفان، ومع ذلك لا يحكم عليها بالزيادة؛ لأنه لم يكثر زيادتها في ما عرف له اشتقاق أو تصريف إلا إذا كانت مدغمة فنحو: عجنّس تعارضت فيه زيادة النون مع زيادة التضعيف فغلب التضعيف؛ لأنه الأكثر وكان وزنه فعلّلا لا فعنللا 8، واختار الشيخ: أن الكلمة ثلاثية، وأن كلا النونين مزيد -

................................  قال: لأنهما وجدتا مزيدتين في ما عرف اشتقاقه نحو: ضفنّط 1، وزونّك 2؛ لأنهما من الضّفاط والزّوك، فيحمل ما لا يعرف اشتقاقه على ما عرف اشتقاقه 3. وعبر المصنف عن عدم إدغام النون بقوله: مفكوكة.
قال الشيخ: ولو قال: غير مدغمة كان أولى؛ لأن المفكوك إنما يصدق على ما يمكن فيه الإدغام ولم يدغم نحو: طلل ولبب، وأما إذا كان الحرف مباينا (بالكليّة لما بعده) 4 بحيث لا يمكن فيه الإدغام فلا يطلق عليه أنه مفكوك 5. هذا آخر الكلام على مواضع زيادة النون، واعلم أن في بعض ما ذكره المصنف نظرا؛ لأن الاشتقاق هو الذي يدل على زيادة النون في نحو: نضرب، وفي الجمع والتثنية مثلا، وما دلّ عليه الاشتقاق خارج عن مقصوده؛ لأن الكلام في أول الفصل إنما هو معقود في ما يستدل على زيادته بغلبة زيادته في ذلك المحل، لا في ما يستدل على زيادته بالاشتقاق، وقد ذكر ابن عصفور نوني التوكيد الشديدة والخفيفة اللاحقتين للأفعال، ونون الوقاية، ونون التنوين، والنون اللاحقة جمع التكسير في ما كان على وزن: فعلان أو فعلان نحو: قضبان أو غربان، قال: إذ لا يتصور جعلها أصلية؛ إذ ليس في أبنية الجموع ما هو على وزن فعلال أو فعلال 6 نحو: قضبان؛ فوجب كون النون فيه زائدة، وحكم على هذه النونات بالزيادة، وفي ما ذكره نظر، أما نون التوكيد شديدة كانت أو خفيفة فإنها حرف معنى، فهي كلمة انضمت إلى كلمة أخرى وركّبتا؛ ولذلك بني الفعل معها بعلّة التركيب، وحروف الزيادة التي يتكلم فيها في هذا الباب إنما هي حروف هجاء ولذلك شرط في عدّ الأحرف زائدة في كلمة أن تكون ممتزجة بتلك الكلمة كما تقدم، ونون الوقاية كنون التوكيد، ويدل على ذلك أنها خارجة عن ماهية الكلمة، وأما نون التنوين فكذلك؛ لأن التنوين إنما جيء به للدلالة على التمكين فهو حرف جاء لمعنى، وأما النون اللاحقة جمع التكسير فعروّ مفرد ذلك الجمع عنها يدل على زيادتها في الجمع؛ فدليل زيادتها يرجع إلى -

................................  الاشتقاق، وما دل على زيادته الاشتقاق لا يناسب ذكره مع دليل علّيّة الزّيادة في محلّ خاص، ثم ثنّى المصنف بالتاء وذكر أنها تزاد في ثمانية مواضع وهي: الفعل المضارع كتضرب، والتّفعّل كالتّعلّم، والتفاعل كالتقارب والتّفعلل كالتّدحرج، ولا شك أن التاء تكون زائدة في فروع الأربعة من الأفعال والصفات كما هي في أصولها، والموضع السابع والثامن التّفعيل والتّفعال كالتّقديس، والتّجوال، ولم يقل هنا: وفروعهما؛ لأن فروع التقديس قدّس ويقدّس وقدّس ومقدّس ومقدّس ولا تاء فيها، وفروع التّفعال هي فروع التفعيل وإنما عدل عن التفعيل إلى التفعال لقصد التكثير، وإذا كان كذلك فلا تاء فيها أيضا.
وأما الموضع الثامن فإنما زيدت فيه مع زيادة غيرها وهو السين، فاستفيد من ذلك ذكر موضع زيادة السين - أيضا - وهو الحرف الثالث من الحروف الخمسة، والذي تزاد فيه التاء مع السين هو الاستفعال: كالاستخراج، والاستنقاد، والاستنباط، وسكت عن الفروع؛ لأنه قد علم مما قبله أن الفروع تابعة للأصل، ولكنه في إيجاز التعريف أشار إلى الفروع دون الأصل، فإنه قال: ويحكم بزيادتها يعني التاء وزيادة سين قبلها بعد همزة وصل، أو حرف مضارعة، أو ميم زائدة نحو: استخرج ويستخرج، ومستخرج، والأمر في ذلك قريب؛ فإنه لا خفاء في زيادة التاء والسين في مثل ذلك، واعلم أنه ذكر في هذا الكتاب - أعني إيجاز التعريف - لزيادة التاء موضعا تاسعا، فإنه قال: ويحكم بزيادتها إذا قلبت في الوقف هاء وأن يكمل للكلمة بها ثلاثة أحرف كلثة، وظبة 1. انتهى.
وحاصل ما ذكر: أن التاء في مسلمة، وقائمة محكوم بزيادتها، حتى ولو كانت الكلمة مشتملة على حرفين فقط دون التاء، فإنّه يحكم عليها بالزيادة، فاقتصاره على التمثيل بظبة ولثة، مؤذن بأن الحكم بزيادتها في مثل مسلمة وقائمة بطريق الأولى، وفي تقييد المصنف التاء بكونها تقلب في الوقف هاء نظر، فإنهم نصّوا على زيادتها في قامت وخرجت، ولا يرد عليه: ربّت وثمّت؛ لأنهما حرفان والكلام إنما هو ما يدخله التصريف وهو الأسماء المتمكنة والأفعال المتصرفة، بقيت الإشارة هنا إلى أمور ثلاثة: أحدها: أن الاشتقاق هو الذي دلّ على زيادة التاء في هذه -

................................  المواضع التي ذكرها، أو في أكثرها، وقد تقدم لنا أن الذي يدل على زيادته بالاشتقاق ليس هذا موضع ذكره؛ إنما يذكر هنا ما يحكم بزيادته بغلبة وقوع ذلك الحرف الذي هو زائد في ذلك المحل، ومما يؤيد ما ذكرته أنه لم يذكر عند إيراد الهمزة والياء زيادتهما في الفعل المضارع؛ فكان الواجب أن لا يذكر النون والتاء أيضا.
الثاني: أن ابن عصفور حكم بزيادة التاء في أنت وفروعه، وعد هذا الموضع من جملة مواضع زيادة التاء 1، وتبعه الشيخ في 2 ذلك واستدرك على المصنف، وفي ما ذكراه نظر، فإن التاء في [6/ 120] أنت دالة على الخطاب، فهي حرف جاء لمعنى لا حرف هجاء، والدليل على ذلك أنّا لو سمّينا إنسانا بأنت لحكيناه؛ لأنه مركب من اسم وحرف، وإذا كان كذلك امتنع الحكم بزيادة التاء فيه.
الثالث: قد يسأل فيقال: كيف اقتصر المصنف في زيادة السين على الاستفعال فقط ولم يذكر زيادتها في: أسطاع، ولا في قدموس؟ والجواب: أن المصنف إنما يذكر في هذا الموضع ما تطّرد زيادته دون ما لا تطرد، وكذا إنما يذكر هنا ما يوجب الحكم بزيادته غلبة وقوعه في ذلك المحل، والزيادة في أسطاع، وقدموس لم يكن دليلها الغلبة، إنما الدّالّ عليها الاشتقاق 3؛ فوجب ذكرهما عند ذكر ما يوجب الحكم بزيادة الاشتقاق، أو عدم النظير، وهذا مما يؤيد ما تقدم من أن كلام المصنف في هذا الموضع بزيادة الاشتقاق أو عدم النظير، وهذا إنما هو في الزائد الذي يدل على زيادته غلبة وقوعه في ذلك المحل الذي هو فيه، وأما الزائد الذي يدل عليه بالاشتقاق أو بعدم النظير لو قيل بأصالته فسيذكره المصنف، ثم لما انقضى الكلام -

[الزيادة غير المطردة]

قال ابن مالك: (وتقلّ زيادة ما قيّد إن خلا من القيد، ولا تقبل زيادته إلّا بدليل جليّ كلزوم كون الثّاني من نحو: كنثأ وأحد سألتمونيها وكسقوط همزة شمأل وشأمل، واحبنطأ في الشمول والحبط، وميم دلامص وزرقم في الدّلاصة والزّرقة، ونون رعشن وبلغن، في الرّعش والبلوغ وهاء أمّهات وهبلع وأهراق في الأمومة والبلع والإراقة، ولام فحجل وهدمل في الفحج والهدم، وسين قدموس وأسطاع في القدم والطّاعة، وكلزوم عدم النّظير بتقدير أصالة نون: نرجس وعرند، وكنهبل، وإصفعند، وخبعثنة، وهندلع، ولام: ورنتل وعقرطل، وتاء: تنضب، وتدرأ وتجيب وعزويت).
على النون، والتاء، والسين، شرع في ذكر الحرفين الأخيرين وهما الهاء واللام، فأما الهاء فذكر أنها تزاد في الوقف في مواضع يأتي ذكرها يعني في باب الوقف إن شاء الله تعالى، وسيذكر بعد زيادتها في كلمات في غير الوقف، وإنما اقتصرنا على زيادتها وقفا؛ لأنّه إنما يذكر في هذا الموضع ما اطّردت زيادته دون ما لا يطرد كما تقدم التنبيه عليه، واعلم أنا قدّمنا عند الكلام على الحروف الزوائد أن هاء السكت ينبغي ألا تعد منها، لعدم امتزاجها بالكلمة التي هي فيها ولاستقلالها بالدلالة على معناها فهي حرف جاء لمعنى فيكون كلمة، والحرف الذي يحكم بزيادته في كلمة إنما هو حرف الهجاء وذكر أن اللام تزاد في الإشارة، وإنما اقتصر على ذلك مع أنها قد تزاد في غير الإشارة للعلة التي ذكرناها في الهاء، ثم الكلام معه في اللام المصاحبة لأسماء الإشارة، كالكلام معه في هاء السكت سواء، والحق أن هاء السكت واللام المصاحبة لأسماء الإشارة لا يحكم بزيادتهما، وإن كانت الهاء واللام من حروف الزيادة لا أنهما لا يعدان في هذين المكانين زائدين، بل زيادتهما تثبت في مواضع أخر كما سيأتي.
قال ناظر الجيش: أفاد قوله هنا: وتقلّ أن كلامه من أول الفصل إلى قوله: واللام في الإشارة كما سبق، إنما هو في الزائد الذي تطرد زيادته وتكثر، وأنه من هنا شرع في ما لم تكن زيادته مطّردة وقد علمت مما تقدم القيود التي قيّد بها زيادة كل من الأحرف الخمسة، التي هي: الألف، والياء، والواو، والهمزة، والميم، ومن -

................................  النون إذا كانت متأخرة، فالواو مقيّدة بكونها غير مصدرة، والميم بكونها مصدّرة والهمزة بكونها مصدّرة - أيضا - أو متأخرة بعد ألف زائدة، وكذا النون مقيدة زيادتها آخرا بما قيدته زيادة الهمزة آخرا، وهو كونها بعد ألف زائدة، ومن قيود زيادة الهمزة والميم المصدرتين: أن لا تكون الأصول التي بعدها أكثر من ثلاثة أحرف، وكذا الياء إذا كانت مصدّرة - أيضا - لا يحكم بزيادتها إذا كان بعدها أصول أكثر من ثلاثة، وقيّد النون إذا كانت زيادتها غير آخر وبقية الأحرف وهي: التاء والسين والهاء واللام - بمواضع مخصوصة، ولا شك أن القيد الذي ذكره أوّل الفصل وهو مصاحبة ذلك الحرف المحكوم بزيادته لأكثر من أصلين - شامل للأحرف العشرة فلا بد منه في كلّ منها، وإن كانت عبارته لا تعطي أنه قيد في النون إذا كانت غير آخر، وفي الأحرف الأربعة المذكورة بعدها؛ إذا تقرر ذلك فنقول قوله: وتقلّ زيادة ما قيد إن خلا من القيد لا يعني به القيد العام - أعني الشامل للعشرة - وهو المصاحبة أكثر من أصلين؛ لأن هذا القيد إذا انتفى يكون ذلك الحرف أصلا لا زائدا، وإنما يعني به القيد الخاص، فنقول: إذا انتفى القيد الذي قيد به زيادة ذلك الحرف لا يقع زائدا إلا قليلا، ولا يحكم إذ ذاك، إلا إذا دلّ عليها دليل، وإلى ذلك أشار بقوله: ولا تقبل زيادته إلا بدليل جليّ.
قال المصنف في شرح الكافية: إذا رأيت في كلمة حرفا جرت العادة أن يزاد بقيد فامنع زيادته إن عدم قيد زيادته، كنون ساكنة ثانية، أو همزة أو ميم في حشو الكلمة، أو في آخرها دون تقدم ألف، أو كهاء في غير وقف، أو لام في غير إشارة فإن كان مدّعي الزيادة ذا حجة ظاهرة فمسلّم دعواه 1، وقال في إيجاز التعريف: ومن ادعى زيادة الهمزة، أو الميم، أو النون، أو الياء، أو الهاء، أو اللام، مع خلوهن من القيود التي شرطت في زيادتهن فهو محجوج، إلا أن يسقط ما ادعى زيادته منهن في اشتقاق واضح، إلى آخر ما ذكره، أما كلامه في شرح الكافية؛ فإنه لا يقتضي قصر الحكم على الأحرف التي ذكرها؛ لأنه أورد ذلك في معرض التمثيل، وأما كلامه في إيجاز التعريف فإن ظاهره يقتضي قصر الحكم على الذي ذكره، وهو ستة أحرف، وليس كذلك فإن السين تجري هذا المجرى وهي أنها إذا خلت من القيد الذي قيّد به -

................................  زيادتها لا تقبل دعوى زيادتها إلا بدليل، وعبارة التسهيل لا تقتضي الاقتصار [6/ 121] على شيء دون شيء فهي شاملة، فهي أحسن من غيرها، فإن قلت: إذا كانت شاملة، فهل تشمل الحروف العشرة أو تشمل السبعة التي ذكرت دون الألف والواو والياء؟ قلت: إنما تشمل السبعة خاصة؛ لأن كلّا من الأحرف الثلاثة المذكورة متى صحب أكثر من أصلين، وكانت الواو غير مصدرة، ولم يكن بعد الياء إذا تصدرت أكثر من ثلاثة أصول، حكم بزيادتها من غير نظر إلى دليل، وكأنه أراد بجلي من قوله: إلا بدليل جلي - ما أراد بواضح من قوله في إيجاز التعريف: إلا أن يسقط ما ادعي زيادته منهن في اشتقاق واضح، وسيتبين الواضح من غير الواضح بعد.
واعلم أنّ المصنف ذكر أن الذي يدل عليه زيادة ما خلا من القيد ثلاثة أمور: الأمر الأول: لزوم التاء من حروف الزيادة، وأشار إليه بقوله: كلزوم كون الثاني من نحو: كنثأو أحد سألتمونيها، ومعنى هذا الكلام أن حرف الزيادة إذا لزم مكانا واحدا من بناء الكلمة ولم يتبدل بغيره من حروف الزيادة ولا غيرها، كان ذلك دليلا على زيادته، ومثال ذلك: كنثأو، وحنطأو، وسندأو، وقندأو، وكندأو، وخنصأو، وجنثأو 1، قالوا: والمحفوظ من هذا الوزن هذه الأسماء السبعة لا غير 2. قال ابن أبي الربيع: فإن قلت: ولم حكم على هذه النون بالزيادة وهي ثانية، والنون متى وقعت ثانية ساكنة كانت أو متحركة فإنها يحكم عليها بالأصالة حتى يقوم دليل؟ قلت: لزوم هذا البناء النون دليل على الزيادة، وأنها إنما جيء بها لمكان البناء، ولو كانت أصلا لم يلزم، ولكانت تارة نونا، وتارة لاما، وتارة كافا، وتارة تاء، إلى غير ذلك من الحروف، ألا ترى أن الأول لم يلزم ولا الثالث، يعني في سبعة الأمثلة المتقدمة فلا بد من الحكم بأصالتها، واللازم يحكم عليه بالزيادة، -

................................  ولا تجد لازما في هذا البناء إلا النون والواو، فيحكم عليهما بالزيادة، وأما الهمزة فهي تلزم في الأكثر، وقد يكون غير ذلك كما قالوا عنزهو فوجدت هاء فلا تجد ما يلزم - ولا بد - إلا النون والواو، فقد ثبتت زيادتهما 1. انتهى.
والظاهر أن هذا دليل خاص، أعني لزوم حرف الزيادة البناء؛ فإنّه إنما يستدل به على زيادة النون في: كنثأو، ونظيره من الأوزان المذكورة خاصة، فلا يتعداها، ومن ثمّ قال الشيخ: إن قول المصنف: أحد سألتمونيها، فيه إبهام؛ لأنه لم يلزم أحد سألتمونيها على طريقة البدل إنما لزم منها حرفا واحدا معينا وهو النون 2. الأمر الثاني: الاشتقاق وإياه أراد بقوله: وكسقوط همزة: شمأل إلى قوله: وأسطاع في القدم والطاعة، وقد اختلفت العبارات في حدّه، والأقرب أن يقال فيه: إنه إحداث لفظ يشارك لفظا آخر في معناه وحروفه الأصلية لإفادة معنى زائد.
واعلم أن الاشتقاق مقدّم على سائر الأدلّة؛ ولذلك يحكم بزيادة حرف في محل ليس من شأن ذلك الحرف أن يزاد في ذلك المحل لدلالة الاشتقاق على زيادته فيه، ويحكم بزيادة حرف في محل ليس من شأن ذلك الحرف أن يكون أصلا في ذلك المحل؛ لدلالة الاشتقاق على أصالته فيه، ومن ثم حكم بزيادة الهمزة، والنون، والميم.
والثاني: شمأل، ودلامص، ورعشن، وترنموت وليس من شأنها أن تزاد في هذا المحل، وحكم بأصالة الميم، والياء، والنون في: معدّ، ومراجل ومعزى؛ وضهيأ، على أحد القولين 3 وقنيان وليس من شأنها أن يكون أصلا في هذا المحل، وقد قال المصنف في الكافية: والاشتقاق دليل فاضل، فإن عدم فكثرة النظير قدم في الكلم 4، يعني: أن الاشتقاق دليل فاضل إذا ظفر به كان مقدّما على غيره من الأدلّة، قال: وإن خفي الاشتقاق وحكم بمقتضى دليل غيره عذر من حكم بذلك، -

................................  وعلى من اطلع على الاشتقاق ألا يحكم إلا بمقتضاه، وإن لزم من ذلك مخالفة الأفضل، فلذلك قلت: إن نون رمّان أصلية؛ لثبوتها في قولهم: مرمنة للبقعة الكثير الرّمّان، وإن كان سيبويه ذهب إلى أن نونها زائدة 1، ولو كان الأمر كما قال لقيل: مرمّة لا: مرمنة 2، وفي التسهيل في أول هذا الفصل حين حكم بزيادة ما حكم بزيادته شرط في الحكم بالزيادة شرطا، فقال: إن لم يعارض دليل الأصالة كملازمة ميم: معدّ في الاشتقاق 3، ثم قال في شرح الكافية: قد يحل الحرف محل أصل وهو زائد لسقوطه في الاشتقاق والتصريف كميم مدحرج؛ فإنّها بالنظر إلى تقدّمها على أربعة أصول حقيقة بالأصالة، لكن زوالها في التصريف يدل على زيادتها، وكذلك همزة أيطل بالنظر إلى لفظ ما هي فيه يقتضي زيادتها ليكون وزنه أفعل؛ لأنه أكثر من فيعل، لكنهم قالوا فيه: إطل، فأسقطوا الياء، واكتفوا بالهمزة، فدل ذلك على أصالتها وزيادة الياء 4. انتهى.
وهذا كلّه يدلّ على ما قرر من أن الاشتقاق مقدّم على غيره في الحكم بالزيادة، والحكم بالأصالة، وقد استدل المصنف بالاشتقاق هاهنا على زيادة ستة أحرف وهي: الهمزة، والميم، والنون، والهاء، واللام، والسين.
فأمّا الهمزة ففي: شمأل واحبنطأ، وكذا شأمل - أيضا - وذلك لسقوطها في الشمول والحبط، قالوا: شملت الريح فهى شمأل، وشمال، وشامل.
والهمزة في: شمأل وشأمل للإلحاق بجعفر، وكذا الهمزة في احبنطأ للإلحاق باجرنجم 5، وذكر الشيخ: أن منهم من حكى بأن وزنه: افعنلى كاعرندى واسرندى، وجعل الهمزة فيه بدلا من الألف كما قالوا: لبّا بالحج، وأصله: لبّى، قال: لأن افعنلأ بناء مفقود في الأفعال 6، وممّا دلّ الاشتقاق فيه على زيادة الهمزة جرائض بدليل قولهم: جرواض وهو في معناه، والجرائض: الجمل العظيم 7، وحطائط؛ لأنه الصغير المحطوط عن قدره المعتاد 8، -

................................  وقدائم؛ لأنه في معنى قديم 1، والنّئدلان؛ لأنهم يقولون في معناه: النّيدلان، والنيدلان هو الذي يسمى الكابوس 2، وأما ضهيأ فزعم غير الزجاج أن همزته زائدة؛ لأنهم يقولون: ضهياء في معناه، وحروف ضهياء الأصول [6/ 122] إنما هي: الضاد، والهاء، والياء؛ فلذلك ضهيا المقصور أيضا، فإن الضهياء المرأة التي لا تحيض 3، وقيل: التي لا ثدي لها، فهو على هذا مشتق من ضاهيت أي: شابهت، قال الله تعالى: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ 4، وأمّا الزجاج فجوّز أصالة الهمزة، وزيادة الياء، ويكون مشتقّا من ضاهأت أي: شابهت؛ لأنه يقال: ضاهيت وضاهأت، وهذا أولى؛ لأن (أصالة) 5 الهمزة غير أول أكثر من زيادتها، قال ابن عصفور: فيكون ضهياء الممدود عنده من ضاهيت، وضهيا المقصور عنده من: ضاهأت، وهذا الذي ذهب إليه الزجاج حسن من طريق الاشتقاق، إلا أنه يلزم منه إثبات بناء لم يستقر في كلامهم؛ لأنه يلزم من أصالة الهمزة أن يكون وزنه فعيلا، وهو بناء غير موجود؛ إلا أن يكون مكسور الفاء نحو: طريم 6، وحذيم 7، وإذا كان كذلك كان مذهب غير الزجاج في هذا الوزن هو الصحيح 8، وأما الميم ففي: دلامص وزرقم لسقوطها في الدّلاصة والزرقة، والميم فيهما للإلحاق بغدافر وبرثن، ودلامص بمعنى: برّاق، ويقال: دمالص أيضا بمعنى دلامص قال الأعشى: 4289 - إذا جرّدت يوما حسبت خميصة... عليها وجربال النّضار الدّلامصا 9

................................  أي: البرّاق 1، وقد يحذف الألف تخفيفا كما يحذف من: علابط، فيقال: دلمص، ودملص والدّليص: البريق، ومما دلّ الاشتقاق فيه على زيادة الميم قمارص؛ لأنه يقال: لبن قمارص بمعنى: قارص، وستهم 2، وفسحم 3؛ لأنهما من الاست، والفسحة، وضرزم، ودردم، ودلقم، ودقعم، وحلكم، وخضرم؛ لأن: درما من الأدرد، وهو الذي تكسرت أسنانه، والحلكم الشديد السّواد فهو من الحلكة وهي السّواد، والدّقعم التراب فهو من الدّقعاء، والدّلقم: الناقة التي تكسّرت أسنانها، وسال لعابها، وكذلك قالوا: سيف دلوق؛ إذا كان لا يثبت في غمده، والضّرزم بمعنى: الضّرز وهو الشديد البخل، وخدلم، وشدقم، وشجعم؛ لأن خدلما بمعنى خدله، والشّدقم بمنزلة الأشدق، وهو العظيم الشدق، وأما: جشعم فلتأكيدهم به الشجاع في مثل قوله: 4290 - الأفعوان والشّجاع الشّجعما 4 فهو من لفظه وفي معناه، وزيدت من الأفعال في تمسكن، وتمدرع من لفظ المدرعة، والميم في المدرعة - أيضا - زائدة، وأيضا أكثر كلام العرب تسكّن وتدرّع 5؛ وأما تمندل فمن لفظ المنديل، والميم في المنديل زائدة، وتمنطق من - - غراب -: الجوهر الخالص من التّبر والجربال - بكسر الجيم -: صبغ أحمر وحمرة الذهب، والشاهد في البيت قوله: «الدّلامصا»، ومثله دلمص بوزن: علبط ومعناهما: البرّاق.
انظره في: المنصف (3/ 25)، وابن يعيش (9/ 153)، والممتع (1/ 239)، وديوانه (108).

................................  النطاق، وتمسلم أي: صار يدعى مسلما بعد أن كان يدعى بخلاف ذلك فهو من لفظ مسلم، والميم في مسلم زائدة 1، وأما تمولي علينا، فمعناه: تعاظم فهو من لفظ المولى، والميم في المولى زائدة 2، قال أبو الحسن بن عصفور: وزعم بعض النحويين أن الميم في: هرماس، وضبارم، وحلقوم، وبلعوم، وسرطم، (وصلقم) 3، ودخشم وجلهمة زائدة؛ لأن هرماسا من أسماء الأسد، وهو يوصف بأنه هرّاس؛ لأنه يهرس فريسته، وضبارم: الأسد الوثيق، فهو من الضّبر وهو شدّة الخلق، وحلقوم من الحلق، والبلعوم: مجرى الطعام في الحلق فهو راجع لمعنى (البلع) 4، والسّرطم الواسع الحلق السريع الابتلاع، فهو من السّرط، وهو الابتلاع، والصّلقم: الشديد الصّراخ فهو من الصّلق؛ لأن الصّلق الصياح، ودخشم، وجلهمة اسمان علمان، فأما: دخشم فمشتق من: دخش يدخش إذا امتلأ (لحما) 5، وأما جلهمة فمن جلهة الوادي 6، وهو ما استقبلك منه، ثم قال: وعندي أن الميم في هذا كلّه أصلية؛ لأن زيادة الميم غير أول قليلة فلا يذهب إلى ذلك إلا بدليل قاطع، وليست هذه الألفاظ كذلك 7، ثم بيّن ذلك بما يوقف عليه في كلامه، ثم قال: وزعم أبو الحسن وأبو عثمان المازني أن: دلامصا من بنات الأربعة 8، وأن معناه كمعنى دليص، وليس بمشتق منه، فجعلاه من باب سبط وسبطر، والموجب لقولهما بأصالة ميم دلامص، مع قولهما بزيادة ميم زرقم وستهم - قلّة مجيء الميم زائدة حشوا، بل إذا جاءت زائدة غير أول، إنما تزاد طرفا، قال: وكذلك ينبغي أن تكون: قمارص عندهما ثم قال: وبالجملة ليس دلامص، مع دليص، كسبط مع سبطر؛ لأن الذي قاد إلى ادعاء أن سبطا وسبطرا أصلان مختلفان - أن الرّاء لا تحفظ زائدة في موضع، وأما الميم فقد جاءت (زائدة) 9 -

................................  طرفا غير أوّل فيما ذكرنا، وحشوا في تمسكن وأخواته 1، وأما النون في رعشن 2، وبلغن 3 لسقوطها في الرعش والبلوغ، ورعشن ملحق بجعفر، وبلغن ملحق بقمطر وذكر في إيجاز التعريف سحفنية أيضا - وحكم بزيادة النون، قال: لأنه من السّحف وهو الحلق، والسّحفنية: المحلوق الرأس 4. انتهى.
ومما دلّ الاشتقاق فيه على زيادة النون: قنعاس وقنفخر، وعنبس، وعنسل، وعنتريس، وخنفقيق، فأما قنعاس فإنّه من القعس، وأما قنفخر، فلقولهم في معناه: قفاخرى، وعنبس من العبوس، وعنسل من العسلان، وعنتريس من العترسة وهي الشدة، والخنفقيق من الخفق وهو الاضطراب 5، وذكر المصنف في شرح الكافية: العنظوان وهو شجر، وحكم بزيادة نونيه لقولهم: عظى البعير عظا فهو عظ إذا تأذى من أكل 6 العنظوان، وذكر الأقحوان وحكم فيه بزيادة الهمزة والنون لقولهم: قحوت الدّواء، إذا جعلت فيه أقحوانا، وعلى هذا فالواو أصلية ووزنه أفعلان، قال: وأما أسطوان فوزنه أفعوال لقولهم: أساطين مسطّنة، ثم قال: وقالوا: عنيت الكتاب عنّا وعنوته عنوا، وعنونته عنونة، فمن قال: عنيته عنّا جعله مما عينه ولامه نونان، فعنوان عنده فعوال كعضواد، وهو ما التوى بعضه على بعض، ومن قال: عنوته عنوا جعله معتل اللام من بنات الواو، وجعل نونه الآخرة زائدة، فوزنه عنده فعلان، ومن قال: عنونته فوزنه عنده إما فعول كجهور، وإما فعلن كقطرن البعير إذا طلاه بالقطران 7. انتهى.
وأما كنثأو، وكنهبل فلا يوردان هنا، فإن كانت النون فيهما زائدة؛ لأنه إنما يورد هنا ما دلّ على زيادته الاشتقاق، والذي دلّ على [6/ 123] زيادة النون في كنثأو، إنما هو لزوم البناء ذلك الحرف الذي هو من حروف الزيادة دون غيره كما تقدم، والذي دل على زيادتها في كنهبل إنما هو لزوم عدم النظير بتقدير الأصالة كما سيأتي، وأما الهاء ففي أمّهات، وهبلع، وأهراق؛ لسقوطها من الأمومة والبلع والإراقة، واعلم أن أبا العباس المبرد لم يعد الهاء في حروف الزيادة 8 والأصح -

................................  خلاف ما ذهب إليه؛ لأنه قد ثبتت زيادتها إلا أنّ ذلك قليل، وكأنه لقلّة ما ورد منه لم يثبتها المبرد في الزوائد، والكلمات التي ذكر أن الهاء فيها مزيدة، أمّهة، وهجرع، وهركولة، وهبلع، وأهراق، وأهراح الماشية، وفي كلّها الخلاف، فأمّا أمّهة فالدليل على زيادة الهاء 1 فيها أنها في معنى الأم قال: 4291 - أمّهتي خندف والياس أبي 2 أي: أمّي، وأمّ فعل بدليل الأمومة، ومنهم من جعل الهاء أصلية مستدلّا بقولهم: تأمّهت أمّا، فتأمّهت تفعّلت بمنزلة تنبّهت 3 فتكون أمّهة فعّلة كأبّهة، ثم حذفت الهاء، قال ابن الحاجب، أو هما أصلان كدمث، ودمثر، وثرّة، وثرثار، ولؤلؤ، ولآل 4، قال ابن عصفور: والصحيح أنها زائدة؛ لأن الأمومة حكاها أئمة اللغة، وأما تأمّهت فانفرد بها صاحب العين، وكثيرا ما يأتي في كتاب العين ما لا ينبغي أن يؤخذ به؛ لكثرة اضطرابه وخلله 5، وأما هبلع فدل على زيادة الهاء فيه وضوح اشتقاقه من البلع، وزيدت للإلحاق بدرهم 6، وأما أهراق ومثله أهراح الماشية، فزيادة الهاء فيه ظاهرة؛ لسقوطها في الإراقة والإراحة، ولأنهما بمعنى أراق وأراح - - المبرد، وفي المقتضب (4/ 223) (فهارس) ما يعارضها، وانظر: (1/ 194) (هامش)، والممتع (1/ 204، 217)، والمبدع (ص 35)، والهمع (2/ 215)، وابن يعيش (9/ 143)، والأشموني (4/ 269).

................................  سواء 1، وأما هجرع، فزعم أبو الحسن الأخفش أن الهاء فيه زائدة، والهجرع الطويل، فكأنه مأخوذ من الجرع وهو المكان السهل المنقاد 2، وأما هركولة فقال الخليل 3: هي الضخمة ووزنها هفعولة؛ لأنها تركل في مشيها، ولا يخفى بعد ما بين الاشتقاقين؛ ولذلك لم يذكر المصنف هاتين الكلمتين أعني هجرعا، وهركولة، وأما هاء السكت فقد ذكرها المصنف قبل في القسم الذي تطرد زيادته، وقد علمت مما تقدم أن الواجب أنها لا تعد في جملة الزوائد للعلة التي تقدم ذكرها، ويعضّد ذلك قول ابن الحاجب في تصريفه: وأما الهاء فكان المبرد لا يعدها ولا يلزمه نحو: اخشه؛ لأنها حرف معنى كالتنوين وباء الجر ولامه 4، وأما اللام ففي فحجل 5، وهدمل؛ لسقوطها في الفحج، والهدم 6، وزيادة اللام فيهما للإلحاق بجعفر وزبرج، وفي اقتصار المصنف على هذين المثالين دليل على أنه لا يعدها زائدة، وفي زيدل، وعبدل، ولا في فيشلة، وهيقلة، وطيسل؛ أما اللام في زيدل، وعبدل 7، فهي وإن كانت زائدة فلا تعد مع الحروف الزوائد لفوات الشرط الذي تقدم وهو الامتزاج بالكلمة، وإذا كان كذلك فزيادتها بمعنى أن وجودها في الكلمة وعدمها سواء بالنسبة إلى الدلالة كما قلنا في الكاف من هندكيّ.
وأما الكلمات الثلاث الأخر فقال ابن الحاجب: وأما اللام فقليل حتى قال بعضهم في فيشلة: فيعلة مع فيشة، وفي هيقل مع هيق، وفي طيسل مع طيس للكثير 8، وقال ابن عصفور: فأما فيشلة وهيقل وطيسل فيمكن أن تجعل اللام فيها -

................................  زائدة؛ لأنه يقال: فيشة وهيق في معنى فيشلة، وهيقل وطيس في معنى طيسل، يمكن - أيضا - أن تجعل اللام أصلية، والياء زائدة؛ لأن زيادة الياء أوسع من زيادة اللام فتكون هذه الألفاظ متقاربة، وأصولها مختلفة نحو: ضيّاط وضيطار 1 وسبط وسبطر 2 وأما السين ففي قدموس وأسطاع؛ لسقوطها في القدم والطّاعة، وزيادتها في: قدموس للإلحاق بعصفور وهو بمعنى قديم، وأسطاع هو أطاع، فزيدت السين فيه، وعلى هذا أتى مضارعه مضموم الأول، فقالوا: يسطيع، كما يقولون: يطيع، هذا مذهب سيبويه 3. وقال الفراء: أسطاع أصله: استطاع فحذفت التاء وفتحت الهمزة شذوذا، وعلى هذا فمضارعه مفتوح الأول كمضارع استطاع.
وحاصل الأمر: أن أسطاع، روي فيها عن العرب الوصل والقطع، فأما الوصل فظاهر؛ لأن أصله: استطاع فحذفت التاء لكونها مجانسة للطاء، كما يحذف أحد المثلين مثل: ظلت وأحست، ومضارعه يسطيع بالفتح مثل يستطيع كما تقدم، وأما القطع فعلى أن أصله: أطاع وهو رأي البصريين وهو مذهب سيبويه، وذهب الكوفيون إلى أن أصله: استطاع كما تقدم 4، وينبني على المذهبين أمر المضارع، فيضم أوله على قول سيبويه، ويفتح على رأي الكوفيين، وإذا كان كذلك فالسين وحدها على مذهب سيبويه زائدة.
قال سيبويه: وأمّا الذين قالوا: أهرقت فإنما جعلوها عوضا من حذفهم العين، وإسكانهم إيّاها كما جعلوا ياء: أينق، وألف: ثمان عوضا، وجعلوا الهاء العوض؛ لأن الهاء تزاد ونظير هذا قولهم: أسطاع يسطيع، جعلوا العوض السين؛ لأنه فعل، فلمّا كانت السين تزاد في الفعل زيدت في العوض؛ لأنها من حروف الزوائد التي تزاد في الفعل 5. انتهى.
وإنما نظّر سيبويه أسطاع بأهراق؛ لأن كلّا منهما وزنه أفعل، ولكنه معتلّ العين فزادوا الهاء في أهراق عوضا من حذفهم العين - يعني من حذفهم حركة العين -

................................  من العين - وأما تشبيهه أهراق بثمان في جعل الألف عوضا، فظاهر؛ إذ الألف عوض من إحدى ياءي النسب، وأما تشبيهه إياه بأينق، فقد قرر بأن أينقا 1 جمع ناقة، وأصل ناقة نوقة، تحركت الواو وقبلها فتحة فقلبت ألفا، وعين الكلمة واو، والدليل على ذلك قولهم: نوق، وأنوق، واستنوق الجمل 2، ثم جمع نوق على أنوق فكانت الواو متحركة بالضم ثم قلبت فكان القياس في القلب أن يقال: أونق، فلم يقولوه، وقالوا: أينق بإبدال الواو ياء حالة القلب 3، فقد صارت الياء عوضا من ذهاب الحركة من الواو التي كانت عينا؛ إذ قد نقلت الحركة إلى النون التي هي فاء الكلمة 4. انتهى هذا التقرير وفيه نظر؛ لأنه كيف يقال: إن الياء عوض من ذهاب حركة الواو، والياء هي الواو نفسها؛ فكيف يكون [6/ 124] الشيء عوضا من حركة نفسه؟ وشأن العوض أن يكون أمرا زائدا جيء به لقصد العوضيّة، ولا شك أن الياء إنما هي نفس الواو التي هي عين، غاية ما تم أنها قدمت على الفاء وقلبت، فكيف يكون قبلها عوضا؟ أو المقلوب نفسه عوضا على أن ظاهر كلام سيبويه يفهم منه أن الياء زائدة؛ لأن تشبيه أينق وثمان بأهراق يقتضي أن تكون الياء في أينق، والألف في ثمان زائدتين، وكذلك يقتضي تنظيره أسطاع بذلك، فلو ادعى قائل أن الواو من أنوق حذفت وأن الياء زائدة في أينق عوضا عنها؛ لساعده على ذلك ما اقتضاه ظاهر كلام سيبويه إلا أن فيه دعوى الحذف، ولكن المقتضي لذلك ما أفهمه تنظير سيبويه من زيادة الياء، وقد تعقب المبرد على سيبويه فقال: إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب فأما إذا كان موجودا في اللفظ فلا 5، وحركة العين التي كانت في الواو موجودة في الطاء 6، وقد انتصر لسيبويه فقيل: إن العين لما سكنت توهنت لسكونها، وتهيأت للحذف عند سكون اللام، وذلك في نحو: لم يطع، وأطع، وأطعت، فقد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين -

................................  متحركة لما حذفت بل كنت تقول: لم يطوع، وأطوع، وأطوعت، فزيدت السين لتكون عوضا من العين متى حذفت، وأما قبل حذف العين فليست بعوض؛ بل هي زائدة؛ فلذلك ينبغي أن تجعل أسطاع من قبيل ما زيدت فيه السين، بالنظر إليه قبل الحذف ومن جعل أسطاع من قبل ما لسين فيه عوض فبالنظر إلى الحذف 1، وكذلك الأمر في أهراق، وأهراح، يعني أنهما يسوغ إيرادهما في العوض بالنظر إليهما بعد الحذف، وفي الزيادة بالنظر إليها قبل الحذف، قال ابن عصفور: فإن قيل: إن سيبويه جعل السين عوضا من ذهاب حركة العين - لا كما قرر من أنها عوض متى حذفت العين - فالجواب عنه شيئان: أحدهما: أنه يمكن أن يكون أراد بقوله: من ذهاب حركة العين، أي: زادوا من أجل ذهاب حركة العين؛ لأن زيادة السين لتكون معدّة للعوضيّة إنما كان من أجل ذهاب حركة العين؛ لأن ذهاب حركة العين هو الذي أوجب حذف العين عند سكون اللام، والآخر: أن يكون جعل السين عوضا من ذهاب حركة العين، وإن كانت إنما هي عوض من العين في بعض المواضع؛ لأن السبب في حذف العين إنما هو ذهاب الحركة، فأقام السبب مقام المسبب، ثم قال: وقال الفراء: شبّهوا أسطعت: بأفعلت، فهذا يدلّ من كلامه على أن أصله عنده: استطعت فلما حذفت التاء بقي على وزن أفعلت ففتحت الهمزة وقطعت، وهذا الذي ذهب إليه غير مرض؛ لأنه لو كان بقاؤه على وزن أفعلت بعد حذف التّاء يوجب قطع همزته لما قالوا: إسطاع بكسر الهمزة وجعلها للوصل واطراد ذلك وكثرته عندهم يدل على فساد مذهبه.
انتهى 2. والفراء لم يدّع وجوب قطع الهمزة فيلزمه ذلك، غاية ما فعل أنهم شبهوا أسطعت بأفعلت ولم يدّع أنهم التزموا التشبيه ليلزم عنه القطع.
قال الشيخ 3: ومما كتب عن أستاذنا أبي جعفر بن الزبير 4 ما نصه: اعترض على سيبويه باعتراضين: -

................................  أحدهما: ما قاله المبرد: كيف يقال: السين عوض من حركة العين بعد ذهابها، وهي لم تذهب وإنما نقلت من العين إلى الفاء فلم تذهب من اللفظ؟ وانفصل ابن ولّاد، والسّيرافي وغيرهما من المتقدمين عن ذلك بأن قالوا: عنى سيبويه بالذهاب: الانتقال؛ فالسين عوض عن الانتقال، ويبين ذلك أنه نص في آخر الكتاب على أن ما كان مثل هذا لا تذهب منه الحركة، إنما ينتقل عنها إلى الفاء، وما ردّوا به على المبرد صحيح، لكن أخذهم كلام سيبويه على ظاهره لم يسلّمه الأستاذ أبو علي ولا ارتضاه من حيث إن الانتقال حكم وليست الأحكام يعوض منها الحروف إنما تعوض من الحركات أو من حروف مثلها وهو كما قال، وخرّج كلام سيبويه على حذف مضاف أي من أجل ذهاب حركة العين، وأراد أن السين عوض من العين؛ لأنها عند حذف حركتها وبقائها ساكنة توهنت، وتعرضت للحذف، حتى لو أسندت الفعل إلى غير غائب فقلت: أطعت وأطعت؛ لا تحذف رأسا، فكأن العرب توهمت حالها مع غير الغائب، حاصلا مع الغائب وعاملت ذلك كلّه معاملة واحدة فابتدرت بالعوض، قال: وإلى هذه العلّة أشار سيبويه بقوله: على ما قرر من أجل ذهاب حركتها، قال: ولا ينكر الحذف الكثير في كلام هذا الإمام.
الاعتراض الثاني: جعل سيبويه أطاع وأسطاع شيئا واحدا؛ لقوله: إنما هي، وليس كذلك؛ لأن المعنيين فيهما متباينان، فمعنى أسطاع: قدر، ومعنى أطاع: انقاد وتذلّل، ولم ينقل عن أحد من أهل اللغة عن العرب أن أسطاع بمعنى أطاع؛ بل ذكروا أن العرب تقول: استطاع، وأسطاع، وأستاع بقطع الهمزة ووصلها، وكل ذلك بمعنى قدر 1، ومن العجب سكوت المبرّد عنه في هذا على كثرة ولوعه بالنقد عليه، وقد انفصل عنه ابن عصفور وسبق إليه بأن قال: يمكن أن يكون سيبويه ناقلا عن العرب ما ذكره من أن أطاع بمعنى أسطاع فيتلقى بالقبول 2، وهذا لا يدفع الاعتراض؛ لأنه ليس في كلام سيبويه ما يقطع بأن ذلك نقل منه عن العرب، ولو كان فيه نقل بالسماع لارتفع النزاع، وأجود من هذا التمسك ما ذهب إليه ابن الطراوة من أنه: قد ثبت -

................................  طاع الرجل بمعنى: انقاد وتذلّل، فلا يبعد أن يكون من كلامهم أطاع غيره بمعنى صيّره منقادا نقلا من أطاع؛ لا أنه الذي بمعناه؛ إذ لا يمنع القياس نقل هذا الضرب من الفعل وإذا كان كذلك فقد آل معنى أطاع إلى معنى استطاع؛ لأن معنى الاستقرار قد دخله من حيث إن القائل: أطعت بمعنى صيّرت غيري منقادا إليّ - كأنه قال: قدرت وأسطعت، فيكون سيبويه إنما جعل أسطاع من أطاع للالتقاء الذي بينهما في المعنى؛ لأن كل لفظة منهما عين [6/ 125] الأخرى، وهذا لا بأس به وقد ارتضاه ابن الضائع، وأما الأستاذ أبو علي فتوقف وقال: إن ثبت عن العرب نقل ذلك فلا ينبغي أن ينكر هذا الوجه، وإن لم يثبت فالأمر مشكل؛ لأن ما ثبت من قولهم: أطاع بالهمز إنما هو بمعنى: انقاد مثل طاع من غير فرق، ولم يكن لينكر قياس النقل في ذلك، وإنما توقف لعزة وجود السماع وهذا الموضع من مشكلات الكتاب 1. انتهى.
والذي يظهر في الجواب عن الاعتراض الثاني أن يقال: لا نسلم أن معنى أسطاع: قدر، بل معناه معنى أطاع وهو: انقاد؛ لأن أسطاع إنما هو أطاع، وزيدت فيه السين، وأما أسطاع الذي بمعنى قدر؛ فإنما هو استطاع الذي حذفت منه التاء ثم فتحت الهمزة كما قال الفراء، ولعل هذا هو معنى الجواب الذي ذكره ابن عصفور 2، وإذا كان كذلك فلا إشكال إلا أن يمنع ما ذكره الفراء من فتح الهمزة وثبت عن العرب أن أسطاع بالفتح بمعنى قدر 3، فلا يتم حينئذ هذا الجواب، واعلم أن المصنف قد ذكر في إيجاز التعريف كلمة أخرى يمكن القول بزيادة السين فيها، فقال: ولمدّع أن يدعي زيادتها في: ضغبوس، وهو الصغير من القثّاء 4، ويستدل بقول العرب: ضغبت المرأة، إذا اشتهت الضغابيس 5؛ فأسقطوا السين في الاشتقاق.
-

جارٍ التحميل