تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2753-2768

الباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعل

صفحات 2753-2768

................................  ومن هذين المثالين وأشباهما احتزرت بذكر (متصلا) بعد قولي: (إن كان ظاهرا)، وبعد قولي: (إن كان ضميرا)، ثمّ قلت: (وشذّ فصل المضاف إلى ظاهر، بمفعول أو ظرف) فنبّهت بذلك على قراءة بعض القراء: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله 1 وعلى قول الشّاعر: 2189 - وكرّار خلف المحجرين جواده... إذا لم يحام دون أنثى حليلها 2 وعلى قول الرّاجز [3/ 146]: 2190 - ربّ ابن عم لسليمى مشمعل... طبّاخ ساعات الكرى زاد الكسل 3 ثمّ نبّهت على أنّ المقرون بالألف واللّام يجوز أن يضاف - إذا كان مثنّى أو مجموعا على حدّه - إلى المفعول به مطلقا، وإن لم يكن مثنّى، ولا مجموعا على حده لم يضف إلا إلى المعرف بالألف واللام، وإلى مضاف إلى مقرون بهما. فالأول: كقول الشاعر: 2191 - إن يغنيا عنّي المستوطنا عدن... فإنّني لست يوما عنهما بغني 4

................................  والثّاني: كقوله: 2192 - ليس الأخلّاء بالمصغي مسامعهم... إلى الوشاة، ولو كانوا ذوي رحم 1 والثّالث: كقول الآخر: 2193 - أبأنا بهم قتلى وما في دمائهم... شفاء وهنّ الشّافيات الحوائم 2 والرّابع: كقول الآخر: 2194 - لقد ظفر الزّوّار أبنية العدا... بما جاوز الآمال بالقتل والأسر 3 والخامس: كقول الآخر: 2195 - الودّ أنت المستحقّة صفوه... منّي، وإن لم أرج منك نوالا 4

................................  وأجرى الفراء العلم وغيره من المعارف مجرى ذي الألف واللام، في الإضافة إليه 1: فيقال - على مذهبه -: هذا الضارب زيد، والضارب عبده، والمكرم ذينك، والمعين اللذين نصراك، ولا مستند له في هذا من نثر ولا نظم، وله من النظر حظ، وذلك بأن تقدّر الإضافة قبل الألف واللّام، وهي إضافة كلا إضافة؛ إذ هي لمجرد التخفيف، فلم يمنع لحاق الألف واللّام، عند قصد التعريف، فإنّ مانع اجتماعهما مع الإضافة إنما هو توقّي اجتماع معرفين، وهو مأمون فيما نحن بصدده، فلم يضرّ جوازه، ولا يلزم من ذلك جواز: الحسن وجهه؛ لأنّ المضاف، والمضاف إليه - في ذلك، وفيما أشبهه - شيء واحد في المعنى، فحقّه أن يمنع هو وغيره، ممّا إضافته كإضافته، إلّا أنّ المستعمل مقبول، وإن خالف القياس، وما خالف القياس، ولم يستعمل تعين اجتنابه، كـ: الحسن وجهه، وزعم الزمخشريّ أنّ كاف «المكرمك» وشبهه في موضع جر، مع منعه الظاهر الواقع موقعه 2، وقد تقدّم في قولي: إنّ الظاهر أصل والمضمر نائب عنه، ولا ينسب إلى النائب ما لا ينسب إلى المنوب عنه 3، فمذهب الزمخشري - في هذا - ضعيف، وقد سبقه إلى ذلك الرمانيّ، والمبرد 4، إلّا أنّ المبرد رجع عن ذلك، كذا قال ابن السراج 5. والحاصل: أنّ الضمير المتصل باسم فاعل، مقرون بالألف واللام، غير مثنّى ولا مجموع على حدّه؛ منصوب على مذهب سيبويه والأخفش، مجرور على -

................................  مذهب الفراء، وعلى مذهب الرماني والزمخشري إلا أنّ في مذهبهما مخالفة النائب للمنوب عنه، ومذهب الفراء سالم من ذلك، وهما يلزمان الحكم بالجر، والفراء يجيز الجرّ والنصب، كما أجازهما في زيد، ونحوه من: هذا الضارب زيد 1، وأمّا الضمير في نحو: جاء الزائراك والمكرموك، فجائز فيه الوجهان بإجماع، لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه 2، ويجوز جرّ المعطوف في نحو: جاء الضارب الغلام والجارية، والطالب العلم وأدب الأبرار، لأنه صالح للوقوع في موضع المعطوف عليه، وكذلك نحو: جاء المشتري الناقة وفصيلها، جائز أيضا؛ لأنّه بمنزلة: جاء المشتري الناقة، وفصيل الناقة؛ لأنّ الضمير عائد عليه، ومثله قول الشّاعر: 2196 - الواهب المائة الهجان وعبدها... عوذا تزجّي خلفها أطفالها 3 فجاز هذا؛ لأنه بمنزلة: الواهب المائة وعبد المائة، فالمسائل الثلاث جائزة بلا خلاف، فإن المعطوف كـ «زيد» مما لا يقرن بالألف واللّام، ولم يضف إلى مقرون بهما، ولا إلى ضمير المقرون بهما، فإنّ سيبويه يجيز جره أيضا، ومنع ذلك أبو العباس، وهو المختار عند أبي بكر بن السراج 4. -

................................  وهو عندي أصح القولين؛ لأنّ العاطف كالقائم مقام العامل في المعطوف عليه، واسم الفاعل المقرون بالألف واللام على مذهب سيبويه وغيره من البصريين لا يجرّ «زيدا» ونحوه، فلا يصح أن نعطف على المجرور به، ولا حجّة في نحو: ربّ رجل وأخيه، ولا في: 2197 - أيّ فتى هيجاء أنت وجارها لأنّهما في تقدير: ربّ رجل وأخ له، وأيّ فتى أنت وجار لها 1، ومثل هذا التقدير لا يتأتّى فيما نحن بسبيله، فلا يصحّ جوازه، والله تعالى أعلم 2. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى، ولنشر بعده إلى أمور: منها: أنّ الشيخ ذكر أنّ ظاهر كلام سيبويه يدلّ على أن النصب باسم الفاعل أولى من الجر به، إذا أمكن الأمران، وأنّ الكسائيّ يسوي بينهما 3، قال: والذي يظهر أنّ الجرّ بالإضافة أولى؛ لأنّ الأصل في الأسماء - إذا تعلّق أحدها بالآخر - الإضافة، والعمل إنما كان لجهة النسبة للمضارع، فالحمل على الأصل أولى، وهو الإضافة 4. انتهى.
وفيما قال الشيخ (نظر) 5؛ لأنّ اسم الفاعل إنما أضيف إلى معموله بعد استحقاقه العمل فيه، ولهذا كانت إضافته لفظية لا تفيد تعريفا، وإذا كانت إضافته إنما هي مقصودة بعد استحقاقه للعمل، بل إنما حصلت الإضافة لتفيد تحقيقا في اللفظ خاصة، فكيف يقال: إنها الأصل؟! نعم، لو كانت إضافة اسم الفاعل إلى معموله معنوية، واستفيد بها ما يستفاد من العمل، لو لم يضف؛ حسن أن يقال - حينئذ -: إنّ الأصل في الأسماء، إذا تعلق أحدها بالإضافة جر.
- - عبد رب، ولو جرّه على ما قبله كان عربيّا جيدا، إلا أن الثاني كلما تباعد من الأول قوي فيه النصب واختير) اهـ.

................................  ومنها: أنّ الأخفش وهشاما قد يستدلان على ما ذهبا إليه - من أن الضمير في نحو: زيد مكرمك في محل نصب [3/ 147] بقوله تعالى: إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ 1 وهو استدلال ظاهر 2، وقد أجيب عنه بأنّ (وأهلك) منصوب بفعل مقدّر، أو أنّه نصب عطفا على الموضع عند من يجوز ذلك دون مجوّز 3. ومنها: أنّ الشيخ قال 4: وترد على قول المصنف: (ووجوبا إن كان ضميرا): وقد فسّر هو - يعني المصنف - الاتصال بأن يكون الضمير متّصلا باسم الفاعل مسألة يكون فيها الضمير متّصلا باسم الفاعل ويجوز فيها الجرّ بالإضافة والنصب تقول: زيد كائن أخاك، وزيد كائن أخيك، أجروا اسم الفاعل من «كان» الناقصة وخبره مجرى اسم الفاعل من غيرها؛ فإذا أتيت بالضّمير بعد اسم الفاعل من «كان» الناقصة جاز فيه وجهان: أحدهما: الجرّ بالإضافة، فتقول: المحسن زيد كائنه.
والثّاني: نصبه فينفصل، فتقول: المحسن زيد كائن إياه.
قال: فهذا ضمير قد اتصل باسم الفاعل ولم تجب فيه الإضافة ثمّ قال: وللمصنف أن يقول: كلامنا إنما هو في اسم الفاعل الطالب مفعولا به، وهذا ليس بمفعول حقيقة، وإنما هو مشبّه بالمفعول.
ومنها: أنّهم ذكروا أنّ ترك الإضافة والنصب أفصح في ثلاث مسائل هي: زيد الضارب الرجل 5، ومثله: -

................................  2198 - وهنّ الشّافيات الحوائم 1 وزيد الضارب غلام المرأة 2، ومثله: 2199 - لقد ظفر الزّوّار أبنية العدا 3 والمرأة أنت الضارب غلامها 4، ومثله: 2200 - الودّ أنت المستحقّة صفوه 5 ومنها: أنّ المصنف قد قال: وأمّا الضّمير في نحو: جاء الزائراك والمكرموك؛ فجائز فيه الوجهان بإجماع؛ لأنهما جائزان في الظاهر الواقع موقعه؛ وما قاله ظاهر، وإنما جاز الوجهان؛ لأنّ النون يمكن أنّها حذفت للإضافة، ويمكن أنّها حذفت لتقصير الصلة، فيجيء الجرّ على الأول، والنصب على الثاني.
لكن قال الشيخ: دعوى الإجماع باطلة، بل في المسألة خلاف، فمذهب سيبويه ما ذكره من جواز الوجهين وخالفه الجرميّ والمازنيّ والمبرّد وجماعة فجعلوا الضمير في موضع جرّ فقط 6. قال: وكأنّ سقوط النّون أصله أن يكون للإضافة، واحتمل هنا أن يكون سقوطها للإضافة أو للطول فحملناه على الأصل؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى ذلك بخلاف الظاهر فإنّ ما ظهر فيه من النصب اضطرنا إلى تقدير سقوطها لغير الإضافة.
ومنها: أنّ المصنف - لما ذكر ثلاث المسائل، وهي: جاء الضارب الغلام والجارية، والطالب العلم وأدب الأبرار، والمشتري الناقة وفصيلها - قال: والمسائل الثلاث جائزة بلا خلاف.
فقال الشيخ 7: إنّ في المسألة الثانية والثالثة خلافا، وهما: أن يكون المعطوف مضافا إلى ما فيه «أل» 8، وإلى ضمير ما فيه «أل» 9 ونقل عن ابن عصفور أن المبرد 10 -

................................  خالف في المضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام، فلم يجز إلا النصب على الموضع ومنع الجر، كما خالف في مفعول اسم الفاعل إذا كان مضافا إلى ما فيه ضمير ذي الألف واللام 1، قال: لكنّ الشلوبين حكى عن المبرّد جواز الجرّ فصار النقل عن المبرد مختلفا 2. وكلام ابن عصفور يقتضي خلاف ما نقله الشيخ عنه بالنسبة إلى المبرّد فإنّه قال: لا يجوز في قولك: هذا الضارب الرجل وعمرا؛ إلا نصب المعطوف على موضع المخفوض بإضافة اسم الفاعل إليه، هذا مذهب أبي العباس المبرد 3، قال: وسبب ذلك أنّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بوساطة حرف العطف، واسم الفاعل المعرف بالألف واللّام - إذا لم يكن مثنّى ولا مجموعا بالواو والنّون - لا يجوز في معموله - إذا لم يكن معرفا بهما ولا بالإضافة إلى ما هما فيه ولا إلى ضميره - إلا النصب.
وأما سيبويه فأجاز في المعطوف على المخفوض - بإضافة اسم الفاعل إليه في المسألة المذكورة وأمثالها - الخفض على اللفظ والنصب على الموضع، واستدلّ على ذلك بقوله: 2201 - الواهب المائة الهجان وعبدها 4 لأنه روي بخفض «عبدها» ونصبه ولا حجة في البيت عند أبي العبّاس المبرّد ومن - - الباب إلى ما فيه الألف واللام تشبيها بالحسن الوجه، وأنت لا يجوز لك أن تقول: الواهب المائة والواهب عبدها، فإنما جاز هذا في المعطوف على تقدير: واهب عبدها؛ كما جاز: رب رجل وأخيه، وأنت لا تقول: رب أخيه، ولكنه على تقدير: أخ له) انتهى.

................................  أخذ بمذهبه؛ لأنّ «عبدها» مضاف إلى الضمير العائد على المائة والمضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام قد يجره به العرب مجرى ما أضيف إلى ما فيه الألف واللام.
كقول الشّاعر: 2202 - فنعم فتى الهيجا ونعم شبابها...... 1 انتهى.
ودلّ هذا الكلام على أنّ المبرّد لا يمنع جرّ المعطوف، في نحو: 2203 - الواهب المائة الهجان وعبدها لأنه علّل جواز جره بكونه مضافا ذي ألف ولام، وقد عرفت أنّ الشلوبين حكى عن المبرد جواز الجر أيضا، وعلى هذا لم يثبت الخلاف في المسألة الثالثة.
وأما المسألة الثانية فلم يتعرض الشيخ إلى ذكر من خالف فيها، ولا استدلّ بشيء، ولم يزد على قوله: إنّ فيها خلافا.
وإذا كان الأمر كما ذكرنا صحّ قول المصنف: (إنّ المسائل الثلاث جائزة بلا خلاف)؛ إذ خلاف المبرد في إحدى المسألتين لم يثبت، والمسألة الأخرى لم يتحقق المخالف فيها.
ومنها: أنّك قد عرفت [3/ 148] أنّ المصنّف ذكر أنّ سيبويه يجيز: هذا الضارب الرجل وزيد 2، وأنّ المبرد يخالفه، وأنّ المصنف اختار قول المبرد، وتقدم بحث المصنف في المسألة، وهو ظاهر، وليس لما أجازه سيبويه مسوغ، إلّا أن يقال: يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل، ومما يضعف جواز: هذا الضارب الرجل وزيد؛ أنّهم أوجبوا أن يكون «بشر» في قول الشاعر: -

................................  2204 - أنا ابن التارك البكريّ بشر 1 عطفا، لا بدلا، وموجبه أنّ البدل في نية تكرار العامل، وقد قال المصنف: إنّ العاطف قام مقام العامل، فليكن الحكم مع مباشرة العطف كالحكم مع مباشرة العامل.
قال الشيخ 2: الذي يدلّ عليه ظاهر كلام سيبويه أنّ مثل: هذا الضارب الرجل وزيد، سماع من العرب فإنّه قال: والذي قال: هو الضارب الرجل، قال: هو الضارب الرجل وعبد الله 3، وكان قد تقدم قبل هذا قوله: ولا يكون: الضارب عمرو، كما لا يكون: هو الحسن وجه، ثم ساق مسألة العطف، قال: فظاهر قوله: الذي قال كذا... إلى آخره؛ هو سماع من العرب، ورأي سيبويه أنّ حكم التابع بخلاف حكم المتبوع، وأن الاسم بعينه يجوز فيه تابعا ما لا يجوز فيه لو لم يكن تابعا.
انتهى.
وفي كون كلام سيبويه يدل على أنّ هذا سماع من العرب نظر، وبعد.
ومنها: أنّ المصنف اقتصر - من ذكر معمول اسم الفاعل - على المعطوف ثم لم يذكر حكمه إلا مع اسم الفاعل المقرون باللّام، وأما ابن عصفور فإنه استوفى الكلام؛ بالنسبة إلى التوابع الخمسة، وبالنسبة إلى كون اسم الفاعل مجرّدا من اللام، ومقرونا بها، وأنا أورد كلامه في المقرب 4 برمته، قال رحمه الله تعالى: وإذا أتبعت معمول اسم الفاعل المرفوع أو المنصوب؛ كان التابع على حسبه في الإعراب، وأمّا المخفوض: فإما أن يتبعه نعت، أو توكيد، أو عطف بيان، أو نسق، أو بدل، فإن أتبعت بنعت، أو تأكيد، أو عطف بيان، فالخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، إلا أن يكون خفضه بإضافة اسم الفاعل، بمعنى المضي إليه [وليس فيه ألف ولا لام]؛ فإنه لا يجوز - إذ ذاك - إلا الخفض على اللفظ، نحو -

................................  قولك: هذا ضارب زيد العاقل نفسه أمس، وإن اتبعته بعطف نسق أو بدل؛ فإمّا أن يكون في اسم الفاعل ألف ولام، أو لا يكون؛ فإن لم يكن فالخفض على اللفظ، والنصب بإضمار فعل، نحو قولك: هذا ضارب زيدا وعمرا، أي: وضرب عمرا أو ويضرب عمرا، وهذا ضارب زيد أخاك، أي: ضرب أخاك أو يضرب أخاك، وإن كان فيه ألف ولام فإنّه إن كان مثنّى، أو جمع سلامة، بالواو والنون، جاز الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، نحو قولك: هذان الضاربان زيد أخيك وعمرو، بخفض الأخ وعمرو ونصبهما، وإن لم يكن مثنى، ولا جمع سلامة بالواو والنون، فإما أن يكون التابع معرفا بالألف واللام، أو بالإضافة إلى ما فيه الألف واللام، أو إلى ضميره، أو غير ذلك، فإن كان معرفا بشيء مما ذكر؛ جاز الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع نحو قولك: هذا الضارب الرجل والغلام، وهذا الضارب الغلام وصاحب الدابّة، وهذا الضارب الرجل وغلامه، ومنه: 2205 - الواهب المائة الهجان وعبدها...... روي بخفض «عبد» ونصبه وإن لم يكن معرّفا بشيء ممّا ذكر، فالنصب على الموضع، ليس إلّا، نحو قولك: هذا الضارب الرجل وعمرا، بنصب «عمرا» لا غير، وكذلك البدل، على تقدير تكرار العامل، ولا تجتمع الإضافة، والألف واللام حتّى يكونا في الثاني.
انتهى.
وهو تقسيم حسن جرى فيه على عادته، وكيف لا، وهو الأستاذ الذي انتهت إليه الرئاسة، وحاز قصب السبق، وبرز على الأقران في هذه الصناعة؟! وقد كان رحمه الله تعالى يقصد التقريب على الطالب، والتفهيم، وإيصال المعاني إلى المتعلمين، ويستدل على ذلك بما ضمنه تصانيفه البديعة، ومن وقف على كلامه، وتأمل مقاصده؛ علم ما أشرت إليه، وتحقق ما نبهت عليه، فرحمه الله تعالى.
ونشير إلى شيء من شرح ذلك، وذكر خلاف في بعضه، إن كان حسب ما ذكره هو في شرحه: فنقول في قوله: كان التابع على حسبه في الإعراب: ذهب البغداديّون وبعض الكوفيين إلى أنه يجوز في تابع المعمول - إذا كان المعمول منصوبا - الخفض أيضا على توهّم الإضافة 1، واستدلّوا بقول الشاعر: -

................................  2206 - فظلّ طهاة اللحم من بين منضج... صفيف شواء أو قدير معجّل 1 قالوا: فـ «قدير» معطوف على «صفيف» بتوهم الخفض فيه، بإضافة «منضج» إليه، ورد ذلك بأن «صفيفا» موضعه نصب كلفظه، وأقول: إنّ لقائل أن يقول: ليس العطف على الموضع إنّما هو باعتبار التوهّم، أي: توهم الجر، بإضافة ما قبله إليه، كما أنشده هو رحمه الله تعالى، وهو قول الشّاعر: 2207 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعب إلّا ببين غرابها 2 في رواية من خفض «ناعب» وقد طعن فيما استدلّوا به بأنه يلزم عنه أن يكون التقدير: من بين منضج أحد هذين، وذلك فاسد المعنى؛ لأنه إنما أراد أن يقسم الطهاة إلى صنفين، صنف يطبخ صفيفا، وصنف يطبخ قديرا، وإذا كان المعنى كذلك لم يكن بدّ في البيت من تقدير مضاف محذوف معطوف على «منضج» وكأنه قال: من بين منضج صفيف شواء، أو طابخ قدير، ثمّ حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه 3. وقوله: فإن أتبعت بنعت [3/ 149] إلى قوله: هذا ضارب زيد العاقل نفسه أمس؛ ظاهر، وعلم باستثنائه الذي هو بمعنى المضيّ وليس فيه ألف ولام أنّ اسم -

................................  الفاعل الخافض ما بعده من معمولاته إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، أو بمعنى الماضي، ودخلته الألف واللّام يجوز في تابع معموله الخفض على اللفظ، والنصب على الموضع، إذا كان التابع نعتا أو توكيدا أو عطف بيان.
وقوله: وإن أتبعت بعطف نسق أو بدل، إلى قوله: ويضرب أخاك؛ لا خلاف بين النحويين أنّ مخفوض اسم الفاعل غير المعرّف باللام، إذا أتبع اسما على طريق البدل لا يجوز في تابعه إلا الخفض على اللفظ، وإن نصب كان النصب بفعل مضمر، وإنما امتنع البدل على الموضع؛ لأنّ اسم الفاعل إن كان بمعنى المضي لم يكن مخفوضه في موضع نصب، فينتصب على الموضع، وإن كان بمعنى الحال والاستقبال فالأمر كذلك، أي: لا يجوز إلا الخفض، ولا يجوز النصب حملا على الموضع؛ لأنّ البدل في نية تكرار العامل، فلو جعلت «أخاك» - من قولك: هذا ضارب زيد أخاك غدا أو الآن - بدلا من موضع زيد للزم أن يكون التقدير: هذا ضارب زيدا ضارب أخاك الآن أو غدا، وذلك غير سائغ؛ لأنّ اسم الفاعل غير المعرّف باللام، إذا كان منويّا لا ينصب، فلم يبق إلّا أن يكون منصوبا بإضمار فعل، وحكم عطف النسق حكم البدل، إلا أن من النحاة من أجاز النصب على الموضع في العطف، إذا كان اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، فتقول: هذا ضارب زيد وعمرا، الآن أو غدا، والأصحّ أنّ ذلك لا يجوز؛ لأنّ العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه، بوساطة حرف العطف، فلو جعل «عمرو» معطوفا على موضع «زيد» لزم منه أن يكون منصوبا بـ «ضارب» وهو غير منوّن، وهو لا ينصب إلا إذا كان منونا.
ثم سأل فقال: إن قلت: لم جاز في المخفوض بإضافة اسم الفاعل غير المعرف بالألف واللام إليه إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال أن ينعت ويؤكد ويعطف عليه عطف بيان بالنظر إلى موضعه، ولم يجز البدل وعطف النّسق إلّا بالنظر إلى اللفظ خاصّة؟ فالجواب: أنّ ذلك إنما امتنع في البدل، وعطف النسق، لما تقدم تقريره، من أنّ البدل في نية تكرار العامل وأنّ العامل في عطف النسق هو العامل في المعطوف عليه، بواسطة حرف العطف، وأما النعت والتوكيد وعطف البيان فليست كذلك، والعامل فيها إنما هو تبعيتها لما قبلها 1.

[اسم المفعول: عمله عمل فعله الذي لم يسم فاعله وشروط عمله وبناؤه]

قال ابن مالك: (يعمل اسم المفعول عمل فعله مشروطا فيه ما شرط في اسم الفاعل، وبناؤه من الثّلاثيّ على زنة «مفعول»، ومن غيره على زنة اسم فاعله مفتوحا ما قبل آخره ما لم يستغن فيه بـ «مفعول» عن «مفعل» وينوب في الدّلالة لا العمل عن «مفعول»، بقلّة: «فعل، وفعل، وفعلة»، وبكثرة: «فعيل»، وليس مقيسا، خلافا لبعضهم، وقد ينوب عن «مفعل»). قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: الهاء من قولي: (يعمل عمل فعله) عائدة على المفعول، فكأنّه قيل: يعمل اسم المفعول عمل فعل المفعول، أي: عمل الفعل الذي لم يسمّ فاعله، فيقال: هذا مذهوب به، ومضروب عبده، ومعطى ابنه درهما، ومعلم أخوه زيدا صديقك 2، ويشترط في إعماله ما شرط في إعمال اسم الفاعل، من اعتماد على صاحب مذكور، أو منوي، أو على نفي صريح أو مؤول، أو على استفهام موجود أو مقدر، وغير ذلك. ومن إعماله معتمدا على مقدر قول الشاعر: 2208 - فهنّ من بين متروك به رمق... صرعى وآخر لم يترك به رمق 3 ومثله: 2209 - ونحن تركنا تغلب ابنة وائل... كمضروبة رجلاه منقطع الظّهر 4

................................  وبناؤه من الثلاثي على زنة «مفعول»، نحو: علم فهو معلوم، ومن الرباعي والخماسي والسداسي على زنة اسم فاعله، مفتوحا ما قبل آخره نحو: مدحرج ومجتذب، ومستفهم ما لم يستغن فيه بـ «مفعول» عن «مفعل»، كـ: مزكوم ومحموم ومحزون، ومنه: محبوب في الأكثر، وقد نبّهت على ذلك فيما مضى، ومثال «فعل» النائب عن «مفعول»: ذبح، وطرح، وطحن، بمعنى: مذبوح ومطروح، ومطحون، ومثال «فعل»: لفظ، ولقط، ونقض، وقبض، بمعنى: ملفوظ، وملقوط، ومنقوض ومقبوض، ومثال «فعلة»: أكلة، ومضغة، ولقمة وغرفة وجرية، ومثال «فعيل»: جريح، وكليم، وصريع، وأخيذ، وقتيل، وأسير، ودهين، وخضيب، ولديغ، وغسيل، ودفين، ومقيل.
وهذا - مع كثرته - مقصور على السّماع، وجعله بعضهم مقيسا فيما ليس له «فعيل» بمعنى فاعل، كـ «قتيل» لا فيما له فعيل بمعنى فاعل كـ «عليم»، وقد يصاغ فعيل بقصد المفعوليّة من «أفعل»، فمن ذلك قولهم: أعقدت العسل فهو عقيد، وأعلّ الله فلانا، فهو عليل.
انتهى كلامه، ويتعلق به الإشارة إلى أمرين: أحدهما: أنه سيعرف في باب الصفة المشبهة أنّ اسم مفعول المتعدّي إلى واحد يجوز أن يعامل معاملة الصفة المشبهة في الاستعمال، فيقال: مررت برجل مضروب الظّهر 1، وبرجل مجذوع الأنف، ولا شكّ أنّ الأصل في هذين المثالين: برجل مضروب الظّهر [3/ 150] ومجذوع الأنف، بالرّفع، ثم بنصب الظّهر والأنف على التشبيه بالمفعول به، بعد إسناد اسمي المفعول إلى ضمير الاسم السابق، ثمّ جر الظّهر والأنف، بإضافة الصفة إليهما، كما في نحو: برجل حسن الوجه.
قال الشيخ: فإن كان اسم المفعول 2، ممّا يتعدّى لاثنين فأكثر فقياس هذا أن - - اللغة: تركنا تغلب ابنة وائل: أي حجا تغلب.
والشاهد فيه قوله: «كمضروبة رجلاه»؛ حيث أعمل اسم المفعول فرفع قوله: «رجلاه» لكونه معتمدا على موصوف مقدر، والتقدير: كرجل مضروبة رجلاه.
ينظر الشاهد في: شرح المصنف (3/ 88)، ومنهج السالك (ص 341)، والهمع (2/ 197)، والدرر (2/ 131).

................................  نقول: مررت برجل مكسو الأب جبّة ومظنون الأخ قائما، ومعلم الغلام عمرا ضاحكا وقد منعوه، والسبب في منع ذلك أنّ الإضافة هي من نصب على الصحيح ورفضوا ذلك؛ لأنه من حيث انتصاب الثاني، أو الثاني والثالث، يكون حكمه حكم اسم مفعول الذي يتعدّى إلى المفعول به، ومن حيث انجرار ما يليه يكون حكمه حكم الصفة المشبهة، ويختلف إذ ذاك حكمه بالنظر إلى المنصوبات، ألا ترى أنه يجوز في ذلك تقديم المنصوب؛ لأنه مفعول به، ويلزم ألا يجوز تقديم ما يلي اسم المفعول لو نصب؛ لأنه معمول الصفة المشبّهة وكلّ ما يجر في باب الصفة يجوز أن ينصب؛ لأنّ الجرّ هو من النّصب.
ولا يوجد في كلامهم عامل ينصب اسمين أحدهما مفعول به، والآخر يشبه بالمفعول به فيتقدم المفعول به عليه ولا يتقدم المشبه بالمفعول به بل ما وجد من ذلك يجوز تقديمه على العامل فإذا قلت: هذا ضارب اليوم زيدا، واتسعت في اليوم فنصبته على التشبيه بالمفعول به فإنه يجوز تقديمه على «ضارب» كما تقدّم «زيدا» عليه، فلمّا كان ذلك مؤديا إلى المنع في باب اسم المفعول المضاف إلى ما بعده، وما بعده منصوب رفض جواز ذلك.
الأمر الثاني: قد فهم من قول المصنف: وينوب في الدلالة لا العمل إلى آخره أنّه لا يجوز بشيء من هذه الألفاظ الثابتة أن يرفع فلا يقال: مررت برجل ذبح كبشه، ولا: طحن برّه، ولا: برجل كحيل عينه، ولا: برجل قتيل أبوه.
قال الشيخ: وفي كلام ابن عصفور ما يشعر بالجواز، ثم قال: ويحتاج ذلك إلى سماع عن العرب 1، وقد عرف من قول المصنف: «وليس مقيسا، خلافا لبعضهم أنه لا يقال: ضريب في «مضروب» ولا: عكيم في «معكوم»، ولا: قويل في «مقول» ولا: بييع في «مبيع».
وقد استدرك الناس على الإمام بدر الدين ولد المصنف، ذكره الإجماع على أنه لا يقاس على نحو: جريح، وقتيل؛ بأنّ والده قد ذكر أنّ في ذلك خلافا 2.

جارٍ التحميل