الباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبر
1 [سردها وشروط عملها]
قال ابن مالك: (فبلا شرط: كان وأضحى وأصبح وأمسى وظلّ وبات وصار وليس، وصلة لما الظّرفيّة: دام، ومنفيّة بثابت النّفي مذكور غالبا متّصل لفظا أو تقديرا أو مطلق النّفي: زال ماضي يزال وانفكّ وبرح وفتئ وفتأ وأفتأ وونى ورام مرادفتاها).
قال ناظر الجيش: هذا شروع منه في أبواب نواسخ الابتداء أي نواسخ عمله وهي ثلاثة: باب كان وأخواتها ويتبعه ما جرى مجراها من أفعال المقاربة، وما جرى مجرى ليس وهو ما ولا ولات وإنّ.
وباب إنّ وأخواتها ويتبعه ما جرى مجرى إنّ وهو لا التي لنفي الجنس.
وباب ظننت وأخواتها ويتبعه ما جرى مجراها وهو قال على لغة من ينصب بها الجزأين.
وللأئمة سؤال هاهنا وهو أن يقال:
إن شأن العوامل أن تحدث العمل في المفردات السالم أواخرها من الحركات نحو زيد وعمرو وما أشبههما وليس للعوامل تأثير في الجمل فكيف نسخت هذه الأفعال حكم الابتداء أو المبتدأ فأزالت عملهما 2 والجملة ليست محلّا لتأثير العوامل؟
ويجيبون عن ذلك: بأن كان وأخواتها لها شبه بالفعل المتعدي لواحد كضرب ووجه الشبه الذي ذكروه يحتاج إلى تقدير وهو أن الأفعال المذكورة في هذا الباب المقصود من وضعها الدلالة على تلبس الفاعل الذي أسندت هي إليه بصفة وتلك الصفة مقيدة بمعنى الفعل المسند من إثبات أو نفي أو صيرورة أو تقييد بزمان مخصوص ونحو ذلك.
فمعنى قولنا: أمسى زيد مسافرا أن زيدا متلبس بالسفر في وقت المساء ومن ثمّ -
................................
كان ذكر الخبر لازما؛ لأنه هو المقصود.
ووجب رسم الأفعال المذكورة بالنقص فسميت ناقصة من حيث أنها لم تكتف بمرفوعها إذ ليس المقصود من قولنا كان زيد ذاهبا، وأمسى زيد مسافرا نسبة الفعل إلى الفاعل لا باعتبار شيء آخر كما هو المقصود من الأفعال التامة إذا أسندت إلى فاعليها نحو: ضرب، بل المقصود نسبتها إلى الفاعل باعتبار صفة اتصف بها وثبتت له مقيدة بمعنى ذلك الفعل 1 فبمقتضى هذا التقرير صار كل من هذه الأفعال من حيث إنه يستدعي صفة وصاحبها يشبه الفعل التام المتعدي إلى واحد لاستدعائه شيئين كضرب، والفعل المتعدي إلى واحد يرفع الفاعل وينصب المفعول فكانت هذه الأفعال الناقصة كذلك ترفع المبتدأ تشبيها بالفاعل وتنصب الخبر تشبيها بالمفعول.
وحينئذ يقال: إنما عملت كان وأخواتها في الاسمين بعدها تشبيها بضرب [2/ 3] مثلا، فلذلك أثرت في أجزاء الجملة.
وإذا تقرر هذا في كان وأخواتها فنقول: ستعرف في باب إن وأخواتها أن عملها إنما هو لشبهها بكان فهي إذن محمولة في العمل عليها 2 وستعرف في باب ظن أنها إنما عملت هي وأخواتها لشبهها بالأفعال الطالبة مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر كأعطيت.
فمن ثمّ ساغ تأثير إن وأخواتها وظننت وأخواتها في أجزاء الجملة 3.
ثم اعلم أن المصنف أفاد بقوله في ترجمة الباب: بـ (الرّافعة النّاصبة) أن رفع -
................................
المبتدأ منسوخ بهذه الأفعال وأنها هي الرافعة للاسم كما أنها الناصبة للخبر، وهذا هو المعروف والمشهور وهو الحق.
والمنقول على الكوفيين أنها إنما نصبت الخبر وأن المبتدأ باق على رفعه وليس هذا مما يعول عليه 1 ولا يشتغل به لأن الضمائر تتصل بها والضمير لا يتصل بغير عامل ولأنه لا أثر للعامل المعنوي مع وجود العامل اللفظي.
وقال الفراء: إن الاسم يرتفع لشبهه بالفاعل.
وأما المنصوب فالجمهور على أنه خبر مشبه بالمفعول كما أن المرفوع اسم مشبه بالفاعل وعن الفراء أنه نصب تشبيها بالحال 2.
وقال بعض الكوفيين: إن انتصابه على الحال ولا يخفى ضعف هذه الأقوال 3 والاشتغال بها استدلالا وإبطالا فيه إطالة مع قلة الجدوى.
ثم إن المصنف رحمه الله تعالى افتتح الكلام في هذا الباب بأن قال 4: «شرط الفعل المنسوب إلى هذا الباب أن يدخل على جزأي إسناد مباين ثانيهما للحالية بتمحّض تعريف أو بتحمض جمود أو بعدم الاستغناء عنه دون عارض 5 كقولك صار الذي آمن أخانا بعد أن كان عدونا وكان مالك فضة فصار ذهبا، ففي منصوب كان وصار من مباينة الحال ما ذكرته فمن ألحق بها فعلا لا يساويها في هذا الاعتبار 6 فهو محجوج وسيأتي القول في ذلك مبسوطا إن شاء الله تعالى».
-
................................
ولأفعال هذا الباب انقسامات بنسب مختلفة:
فأول انقساماتها إلى ما يعمل بلا شرط أي موجب وغير موجب وصلة وغير صلة 1 وهو الثمانية الأول.
وإلى ما يعمل بشرط كونه صلة لما الظرفية أي المصدرية التي يقصد بها وبصلتها التوقيت وهو دام كقولك لا تجامل ما دام الله ملجأك.
قال الله تعالى: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا 2.
التقدير مدة دوامي حيّا فلو خلت دام من ما المصدرية لم يكن لها اسم ولا خبر، فلو وقع بعدها مرفوع ومنصوب جعل المرفوع فاعلا والمنصوب حالا نحو دام زيد صحيحا 3 وكذا لو كان معها ما المصدرية ولم تكن في موضع ظرف زمان نحو عجبت مما دام زيد صحيحا فزيد فاعل وصحيحا حال ولهذا لا يجوز تعريفه.
وقد تستعمل دام بعد ما المصدرية النائبة عن ظرف الزمان تامة تشبيها ببقى فلا يكون لها خبر كقوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ 4.
وإلى ما يعمل بشرط كونه منفيّا أو منهيّا عنه: وهي أربعة أفعال مشهورة ملحق [2/ 4] بها اثنان، فالأربعة: زال، وانفك، وبرح، وفتئ وقد يقال فقأ وأفقأ.
والملحقات بها: وني ورام التي مضارعها يريم.
ومعنى الستة إذا بقيت داخلة على الجملة الإعلام بلزوم مضمون الجملة في المعنى أو في الاستقبال نحو ما زال العلم حسنا ولن يزال الجهل قبيحا.
وقد تناول قولي: منفيّة 5 المنفي بليس كقول الشاعر: -
................................ 670 - ليس ينفكّ ذا غنى واعتزاز... كلّ ذي علّة مقلّ قنوع 1 والمنفي بغير كقول الشاعر: 671 - غير منفكّ أسير هوى... كلّ وان ليس يعتبر 2 وكقول الآخر: 672 - إن امرءا غير منفكّ معين حجا... على هوى فاتح للمجد أبوابا 3 والمنفي بقلّ نحو قلما يزال عبد الله يذكرك لأن قلما يزال بمعنى ما يزال. وقال الشاعر: 673 - قلّما يبرح اللّبيب إلى ما... يورث المجد داعيا أو مجيبا 4
................................
ودخل تحت «منفية» قول العرب: «لا ينشأ أحد ببلد فيزال يذكره» لأن معناه إذا أنشأ أحد ببلد لا يزال يذكره.
ذكر ذلك كله الفراء في كتاب الحدود 1 ومن أمثلته:
ما يعترينا أحد فنزال نعينه، وقال: ألا ترى أن المعنى إذا اعترانا أحد لم نزل نعينه.
وقيدت زال بكون مضارعها يزال احترازا من زال بمعنى تحول فمضارعه يزول وهو فعل لازم واحترازا من زال الشيء بمعنى عزله فمضارعه يزيل.
وقيدت وني ورام الملحقين بهن بمرادفتهما لهن احترازا من ونى بمعنى فتر ومن رام بمعنى حاول وبمعنى تحول ومضارعها التي بمعنى حاول يروم ومضارع التي بمعنى تحول يريم وهكذا مضارع المرادفة زال.
وهي ووني بمعنى زال غريبتان ولا يكاد النحويون يعرفونها إلا من عني باستقراء الغريب 2.
ومن شواهد استعمالهما قول الشاعر:
674 - لا يني الخبّ شيمة الخبّ ما دا... م فلا تحسبنّه ذا ارعواء 3
-
- والبيت في معجم الشواهد (ص 32).
................................
وقال الآخر في إعمال يريم العمل المشار إليه:
675 - إذا رمت ممن لا يريم متيّما... سلوّا فقد أبعدت في رومك المرمى 1
وأشرت بقولي فيها وفي أخواتها: منفية بثابت النّفي إلى أن نحو: ألست تزال تفعل وألم تزل تفعل لا يجوز إن قصد بالهمزة التقرير لأن التقرير إثبات ويجوز إن أريد مجرد الاستفهام عن النفي.
وأشرت بقولي: مذكور غالبا إلى أن نافيها قد يحذف؛ كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ 2 أي لا تفتأ تذكر يوسف.
ومن حذف نافيها قول الشاعر:
676 - تنفكّ تسمع ما حيي... ت بهالك حتّى تكونه 3
أي لا تنفك.
ومنه قول امرأة من العرب:
677 - تزال حبالي مبرمات أعدّها... لها ما مشى يوما على خفّه الجمل 4
-
- الشاهد فيه قوله: لا يني الخب شيمة الخب حيث استعمل لا يني استعمال لا يزال في المعنى والعمل.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 334) وهو في التذييل والتكميل (4/ 125). وفي معجم الشواهد (ص 25).
- الشاهد فيه قوله: لا يني الخب شيمة الخب حيث استعمل لا يني استعمال لا يزال في المعنى والعمل.
................................
أي لا تزال.
وأشرت أيضا بقولي: متّصل، إلى أن النافي قد يوجد منفصلا كقول الشاعر:
678 - ما خلتني زلت بعدكم ضمنا... أشكو إليكم حموّة الألم 1
أراد خلتني ما زلت بعدكم.
وخلت هنا بمعنى أيقنت وهو أيضا غريب.
ومن الفصل بين النافي والمنفي في هذا الباب قول الآخر [2/ 5]:
679 - ولا أراها تزال ظالمة... تحدث لي قرحة وتنكؤها 2
-
- والبيت ثاني أبيات ثلاثة قالتها عند ما لامت زوجها على كرمه حين قال لها: «عليّ إعطاء الجمال وعليك إعداد الحبال لها» ثمّ ثابت إلى رشدها ووافقته على الكرم إلى أن خلعت خمارها وجعلته حبلا لبعضها وقالت: حلفت يمينا يابن قحفان بالّذي... تكفّل بالأرزاق في السّهل والجبل تزال حبالي مبرمات أعدّها......... إلخ وبعده: فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل... فعندي لها عقل وقد زالت العلل وقد روي البيت بتنكير حبالي وجعل مبرمات صفة لها وجملة أعدها هي الخبر وجاءت في المخطوطة بالإضافة إلى ياء المتكلم وعليه فمبرمات هي الخبر وجملة أعدها حال.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 335) وفي التذييل والتكميل (4/ 120) وفي معجم الشواهد (ص 259).
- والبيت ثاني أبيات ثلاثة قالتها عند ما لامت زوجها على كرمه حين قال لها: «عليّ إعطاء الجمال وعليك إعداد الحبال لها» ثمّ ثابت إلى رشدها ووافقته على الكرم إلى أن خلعت خمارها وجعلته حبلا لبعضها وقالت: حلفت يمينا يابن قحفان بالّذي... تكفّل بالأرزاق في السّهل والجبل تزال حبالي مبرمات أعدّها......... إلخ وبعده: فأعط ولا تبخل إذا جاء سائل... فعندي لها عقل وقد زالت العلل وقد روي البيت بتنكير حبالي وجعل مبرمات صفة لها وجملة أعدها هي الخبر وجاءت في المخطوطة بالإضافة إلى ياء المتكلم وعليه فمبرمات هي الخبر وجملة أعدها حال.
................................
أراد: وأراها لا تزال.
قال الفراء في كتاب الحدود: يجوز أن يقوّم نفي زال على ظنّ وأخواتها، فيقال: لا أظنك تزال تقول ذلك.
قال: وكذلك ما أظنك تبالي بشدة معناه أظنك ما تبالي.
قلت: فالنفي المفصول بـ «ظنّ» وإحدى أخواتها متصل تقديرا وكذا المفصول بما الفعل ومعمولاه خبر كقولك: ما عبد الله زال محسنا؛ لأن المعنى: عبد الله ما زال محسنا فالنفي متصل بزال تقديرا.
وكذا المنفصل بقسم كقوله:
680 - فلا وأبي دهماء زالت عزيزة... على أهلها ما فتّل الزّند قادح 1
-
- وانظرها أيضا أو جزءا كبيرا منها في شرح شواهد المغني للسيوطي (2/ 826). اللغة: القرحة: الجرح وروي مكانها: نكبة.
تنكؤها: في القاموس (نكأ) نكأ القرحة قشرها قبل أن تبرأ فنديت.
والمعنى: أن حبيبته المذكورة لا تعطيه ما يريد بل تزيد في هجرانها وتشتد في جفائها وقد تعطي وعدا ولكنها لا تفي به.
وشاهده: الفصل بين لا النافية وتزال أخت كان في قوله: ولا أراها تزال، وقيل: لا فصل، وإنما هناك لا مقدرة قبل الفعل ولا الأولى زائدة.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 335). وفي التذييل والتكميل (4/ 121) وفي معجم الشواهد (ص 22).
- وانظرها أيضا أو جزءا كبيرا منها في شرح شواهد المغني للسيوطي (2/ 826). اللغة: القرحة: الجرح وروي مكانها: نكبة.
................................ وأشرت بقولي: أو مطلق النّفي إلى وقوعها مع نهي أو دعاء: فالنهي كقول الشاعر: 681 - صاح شمّر ولا تزل ذاكر المو... ت فنسيانه ضلال مبين 1 والدعاء كقول الآخر: 682 - ألا يا اسلمي يا دارميّ على البلا... ولا زال منهلّا بجزعائك القطر 2 وأنشد الفراء 3: 683 - لن يزالوا كذالكم ثمّ لا زل... ت لهم خالدا خلود الجبال 4 ... هذا آخر كلام المصنف رحمه الله تعالى 5. -
................................
ونحن بعد هذا نشير إلى أمور:
الأول 1: ذكر المصنف من الأفعال المنسوبة إلى هذا الباب خمسة عشر فعلا وسيذكر عشرة أفعال أخر معناها معنى صار فيكون المجموع خمسا وعشرين كلمة.
وبقيت أفعال أخر فيها خلاف.
منهم من ألحقها بأفعال هذا الباب ومنهم من لم يلحقها وهو اختيار المصنف وسنذكر ذلك كله بعد إن شاء الله تعالى.
إلا أن وني منهم من لم يجعلها من أفعال الباب.
قال ابن عصفور: «وزاد بعض البغداديين في هذا الباب ما وني لأنّ معناها معنى ما زال وهذا لا يلزم لأنّ الفعل قد يكون بمعنى فعل آخر ولا يكون حكمه كحكمه.
ألا ترى أن ظلّ زيد قائما معناه: أقام زيد قائما النّهار كلّه ولم تجعل العرب لأقام اسما ولا خبرا كما فعلت ذلك في ظلّ ويدل أيضا على أنها ليست من أفعال هذا الباب التزام تنكير الخبر فدلّ على أنه منتصب على الحال» انتهى 2.
والبيت الذي أنشده المصنف وهو:
684 - لا يني الخب شيمة الخب...
فيه تعريف الخبر لكن الشيخ قال: «الّذي يظهر أن شيمة الخبّ منصوب على إسقاط حرف الجرّ لا على أنّه خبر، التقدير لا يني الخبّ شيمة الخبّ وطبيعته أي لا يفتر عن التّحلّي بها» انتهى 3.
فجعلها الشيخ فعلا تامّا ولهذا فسرها بلا يفتر ومعنى البيت ينبو عن تخريج الشيخ فالظاهر ما قاله المصنف 4. -
................................
ثم إن الشيخ كأنه لا يرى عد رام من أفعال هذا الباب أيضا فإنه قال: وأما ما استدل به يعني المصنف على أن رام ناقصة من قول الشاعر:
685 - إذا رمت ممّن لا يريم متيّما...... البيت
فلا حجة فيه لتنكير متيما واحتمال أن يكون حالا 1.
[2/ 6] الأمر الثاني: أن الكلمات المذكورة في هذا الباب مما نسب إليه العمل المذكور أفعال بلا خلاف إلا ليس فإن فيها خلافا؛ منهم من قال بحرفيتها مستدلّا على ذلك بأنها لا مصدر لها ولا تتصرف وأنها ليست على وزن الأفعال ولا دليل لهم في ذلك فإن كثيرا من الأفعال لا يتصرف، وقد وجد منها ما لا مصدر له كفعل التعجب.
وأما كونها ليست على وزن الفعل فالجواب عنه أنها مخففة وأن الأصل فعل كصيد وفعل مخفف كما عرفت في موضعه ولكنهم التزموا هذا التخفيف فيها لنقل الكسرة في الياء.
والدليل على فعليتها اتصال ضمائر الرفع البارزة بها واتصال تاء التأنيث أيضا 2.
الأمر الثالث: أن أفعال هذا الباب منها ما لازمه النقص وهو قليل.
وأكثرها قد يستعمل تامّا وحينئذ يصير حكمها في العمل حكم ما هي بمعناه.
وسيذكر المصنف معاني كل فعل إذا أريد به التمام 3.
أما معانيها حال استعمالها ناقصة: فلم يتعرض إلى ذكره المصنف ولكن النحاة تعرضوا لذلك وها أنا أذكر ما ذكروه لتتبين دلالة كل منها: - - من مرفوع يني، ومن شيمة الخب كلام لا يقال المخادع شيمة المخادع، ولكن المصنف بنى استدلاله على أن الخب الأولى بكسر الخاء والثانية بفتحها فيكون المعنى: لا يزال الخداع والخبث شيمة المخادع فيستقيم استدلاله ولا يتوجه ما قاله الشيخ».
[المبتدآت والأخبار التي لا تدخل عليها]
قال ابن مالك: (وكلّها تدخل على المبتدأ إن لم يخبر عنه بجملة طلبيّة ولم يلزم التّصدير أو الحذف أو عدم التّصرّف أو الابتدائية لنفسه أو مصحوب لفظيّ أو معنويّ وندر: وكوني بالمكارم ذكّريني).
أما كان: فتغير الدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمان (الماضي) 1 هذا إن لم تكن بمعنى صار وإن كانت بمعنى صار فتفيد ما تفيده صار وسيأتي 2.
وأما أصبح وأمسى وأضحى: فهي للدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمان الذي يشاركها في الحروف وإن كانت بمعنى صار فمعناها معناها.
وأما ظل: فللدلالة على مصاحبة الصفة للموصوف نهاره كما أن بات لمصاحبته إياه ليله وإن كانت بمعنى صار فمعناهما معناها.
وأما صار: فللدلالة على تحول الموصوف عن صفته التي كان عليها إلى صفة أخرى.
وأما ليس: فلانتفاء الصفة عن الموصوف.
وأما ما دام: فللدلالة على مقارنة الصفة للموصوف في الحال.
وأما ما زال وأخواتها: فللدلالة على ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلا لها على حسب ما قبله.
وقد قال المصنف: إن معناها الإعلام بلزوم مضمون الجملة في المضي أو في الاستقبال 3.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: «جرت عادة النحويين بإطلاق القول في كون هذه الأفعال تدخل على المبتدأ فلا يبينون امتناع بعض المبتدآت من دخولها عليها وقد تعرض لذلك بعضهم دون حصر وقد بينت ما أغفلوه من ذلك فإن الحاجة داعية إلى معرفته.
فمن ذلك المبتدأ المخبر عنه بجملة طلبية نحو زيد اضربه وعمرو لا تصحبه وبشر -
................................
هل أتاك لا تدخل عليه هذه الأفعال ولا غيرها من العوامل اللفظية وقول من قال:
686 - وكوني بالمكارم ذكّريني... [ودلّي دلّ ما جدة صناع] 1
نادر لأن الخبر فيه جملة طلبية.
ومن المبتدآت التي لا تدخل عليه هذه الأفعال: كل مبتدأ تضمن معنى الاستفهام أو الشرط فللمستحق لذلك أن يكون مصدرا نحو أي القوم أفضل وأيهم يأتي فله حق وكذا المبتدأ [2/ 7] المضاف إلى ما تضمن ذلك.
ومما يجب تصديره فيمتنع دخول هذه الأفعال عليه: المقرون بلام الابتداء لأن لها صدر الكلام فلا يعمل فيما اقترنت به غير الابتداء.
ومما لا يدخل عليه هذه الأفعال: ما لزم حذفه كالمبتدأ المنوي قبل النعت المقطوع كقولك الحمد لله الحميد بالرفع وقد تقدم الإعلام بما يحذف من المبتدآت على سبيل اللزوم.
ومما لا تدخل عليه هذه الأفعال: ما لا يتصرف نحو: طوبى للمؤمن وسلام عليك وويل للكافر، وما لزم الابتدائية لنفسه نحو: قولك: أن تفعل أقاموه مقام ينبغي لك أن تفعل فلم تدخل الأفعال عليه كما لا تدخل على ما أقيم مقامه وكذا قولهم أقل رجل يقول ذلك إلا زيد أقاموه مقام ما يقول ذلك الرجل إلا زيد فعاملوه معاملته في امتناع دخول الفعل عليه ومجيء إلا بعده.
ومما لزم الابتدائية لمصحوب لفظي المبتدأ الواقع بعد لولا الامتناعية والواقع بعد إذا المفاجأة.
ومما لزم الابتدائية لمصحوب معنوي: ما التعجبية وما بعد لله في التعجب نحو لله درك.
ومن اللازم الابتدائية لمصحوب معنوي: ما جرى مثلا نحو قولهم الكلاب على -
................................
البقر 1 والعاشية تهيج الآبية 2 والإيناس قبل الإبساس 3 فهذه وأمثالها من المبتدآت التي وردت أمثالا لا تفارقها الابتدائية لأن الأمثال لا تغير» انتهى 4.
وقد نوقش 5 في تمثيله بقولهم: نولك أن تفعل لما لزم الابتدائية فقيل إنه لم يلزمها وقد استعمل اسما لكان.
قال النابغة:
687 - فلم يك نولكم أن تشقذوني... ودوني عازب وبلاد حجر 6
وأنشد الزمخشري في كتاب أساس البلاغة 7:
688 - أأن حنّ أجمال وفارق جيرة... عنيت بنا ما كان نولك تفعل 8
يريد أن تفعل فحذف أن وارتفع الفعل.
ونص ابن هشام على جواز دخول كان على نولك، قال: فيقال: ما كان نولك -
[عملها في الجملة الاسمية]
قال ابن مالك: (فترفعه ويسمّى اسما وفاعلا وتنصب خبره ويسمّى خبرا ومفعولا ويجوز تعدّده خلافا لابن درستويه).
أن تفعل أي ما كان الواجب أن تفعل 1.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: الشائع في عرف النحويين التعبير عن مرفوع هذا الباب ومنصوبه باسم وخبر وعبر سيبويه عنهما باسم الفاعل واسم المفعول فقال قاصدا هذا الباب 3: هذا باب الفعل الذي يتعدى اسم الفاعل إلى اسم المفعول والمفعول فيه لشيء واحد.
وكذا فعل المبرد فإنه ذكر هذه الأفعال في بابها ثم قال 4: وهذه الأفعال صحيحة كضرب ولكننا أفردنا لها بابا إذ كان فاعلها ومفعولها يرجعان إلى معنى واحد 5. فأي التعبيرين استعمل النحوي أصاب لكن الاستعمال الأشهر أولى.
وإذا دخل شيء من هذه الأفعال على خبر متعدد نصب الجميع كما ينصب الخبر الذي لم يتعدد فيقال في هذا حلو [2/ 8] حامض كان هذا حلوا حامضا وذلك أن ارتفاع الخبرين فصاعدا أثبت فعامل كان وأخواتها أقوى منه ولذلك انتسخ عمله بعملها فكما جاز للعامل الأضعف أن يعمل في خبرين فصاعدا كذلك يجوز للعامل - - والبيت في التذييل والتكميل (4/ 128) وليس في معجم الشواهد.
[ما تختص به دام وأفعال الاستمرار الماضية]
قال ابن مالك: (وتختصّ دام والمنفي بما بعدم الدّخول على ذي خبر مفرد طلبيّ) 1.
- الأقوى بل هو بذلك أولى 2.
وذهب ابن درستويه إلى منع تعدد الخبر في هذا الباب 3 لأنه شبيه بمفعول ما يتعدى إلى مفعول واحد فكما لا يتعدى 4 الفعل المتعدي إلى واحد إلى أكثر من واحد كذلك لا ينصب بأفعال هذه الباب الأخير واحد وهذا منع لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه 5.
قال ناظر الجيش: لما أفهم قول المصنف المتقدم: وكلها تدخل على المبتدأ إن لم يخبر عنه بجملة طلبية أنه لا يمتنع دخولها على المبتدأ المخبر عنه بمفرد طلبي نحو أين كان زيد ومتى صار القتال وكيف كان لقاء عمرو، وكان بعض هذه الأفعال لا يجوز فيه ذلك إما لذاته وإما لأجل شيء باشره - أشار بهذا الكلام إلى ما يمتنع فيه ذلك وهو ما دام وما ينفى بما من بقية أفعال الباب، فلا يقال أين ما دام زيد ولا أين ما كان زيد ولا كيف ما أصبح عمرو ولا متى ما صار القتال والعلة في ذلك أن المفرد الطلبي إذا وقع خبرا وجب تقديمه وأنه ممتنع فيما ذكره.
أما في ما دام فلأن ما في حيز الصلة لا يتقدم على الموصول وأما في ما نفي بما -
[علة تسميتها أفعالا ناقصة]
قال ابن مالك: (وتسمّى نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع لا لأنّها تدلّ على زمن دون حدث فالأصحّ دلالتها عليهما إلّا ليس).
فلأن ما النافية لها الصدر فيتدافع الأمر بينهما وبين المفرد الطلبي.
قال المصنف: «ولا يمتنع دخول غير دام ما لم ينف بما على ذي خبر مفرد طلبي نحو أين كان زيد وأين لم يزل زيد إذا أردت أنه في كل مكان وهذا ينبني على جواز تقديم الخبر.
وأما ما دام فلا يدخل على نحو: أين زيد؛ لأن خبرهما صلة وكذا زال وأخواتها إذا نفيت بما لا إذا نفيت بغيرها لأن ما وحدها لها صدر الكلام» انتهى.
وحاصل الأمر: أن ما دام يمتنع دخولها على ما خبره مفرد طلبي.
وأما غيرها فحكمه حكمها في ذلك إن نفيت بما وإن لم تنف بما بأن كانت غير منفية أو منفية بغير ما من أدوات النفي فلا يمتنع دخولها على المبتدأ الذي خبره كذلك نحو أين كان زيد وأين لم يكن زيد وأين لم يزل عمرو.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: «زعم جماعة منهم ابن جني 2 وابن برهان 3 والجرجاني 4 أن كان وأخواتها تدل على زمن وقوع الخبر ولا تدل على -
................................
حدث ودعواهم باطلة من عشرة أوجه»:
أحدها: «أن مدعي ذلك معترف بفعلية هذه العوامل والفعلية تستلزم الدلالة على الحدث والزمان معا إذ الدال على الحدث وحده مصدر والدال على الزمان وحده اسم زمان والعوامل المذكورة ليست مصادر ولا أسماء زمان فبطل كونها دالة على أحد [2/ 9] المعنيين دون الآخر.
الثاني: «أن مدعي ذلك معترف بأن الأصل في كل فعل الدلالة على المعنيين فحكمه على العوامل المذكورة بما زعم إخراج لها عن الأصل فلا يقبل إلا بدليل».
الثالث: «أن العوامل المذكورة لو كانت دلالتها مخصوصة بالزمان لجاز أن تنعقد جملة تامة من بعضها ومن اسم معنى كما تنعقد منه ومن اسم زمان وفي عدم جواز ذلك 1 دليل على بطلان دعواه».
الرابع 2: «أن الأفعال كلها إذا كانت على صيغة مختصة بزمان معين فلا يمتاز بعضها من بعض إلا بالحدث كقولنا: أهان وأكرم فإنهما متساويان بالنسبة إلى الزمان مفترقان بالنسبة إلى الحدث فإذا فرض زوال ما به الافتراق وبقاء ما به التساوي لزم أن لا يكون بين الأفعال المذكورة فرق ما دامت على صيغة واحدة».
«ولو كان الأمر كذلك لزم تناقض قول من قال أصبح زيد ظاعنا وأمسى مقيما لأنه على ذلك التقدير بمنزلة قوله زيد قبل وقتنا ظاعن مقيم وإنما يزول التناقض بمراعاة دلالة الفعلية على الإصباح والإمساء وذلك هو المطلوب».
الخامس: «أن من جملة العوامل المذكورة انفك ولا بد معها من ناف فلو كانت لا تدل على الحدث الذي هو الانفكاك بل على زمن الخبر لزم أن يكون معنى قولنا ما انفك زيد غنيّا ما زيد غنيّا في وقت من الأوقات الماضية وذلك نقيض المراد فوجب بطلان ما أفضى إليه».
السادس 3: «أن من جملة العوامل المذكورة: دام ومن شرط إعمالها عمل - - الدلالة على الحدث عوضت الخبر فلم يسكت على فاعليها لو قلت: كان زيد لم يجز حتّى تأتي بالخبر فتقول منطلقا أو قائما وكذا تقول: يكون زيد منطلقا وسيكون زيد منطلقا لأن كان ويكون يدلّ على الزمان فقط، فلا تحصل الفائدة إلّا بعد الإتيان بالخبر.
................................
كان كونها صلة لما المصدرية ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها كقولك جد ما دمت واجدا أي جد مدة دوامك واجدا فلو كانت دام مجردة عن الحدث لم يقم مقامها اسم الحدث».
السابع: «أن هذه الأفعال لو لم يكن لها مصادر لم تدخل عليها أن كقوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ 1 لأن أن هذه وما وصلت به في تأويل مصدر وقد جاء مصدرها صريحا في قول الشاعر:
689 - ببذل وحلم ساد في قومه الفتى... وكونك إيّاه عليك يسير 2
وقد حكى أبو زيد في كتاب الهمز مصدر فتئ مستعملا 3 وحكى غيره ظللت أفعل كذا ظلولا 4 وجاءوا بمصدر كاد في قولهم: لا أفعل ذلك ولا كيدا أي ولا أكاد كيدا 5 وكاد فعل ناقص من باب كان إلا أنها أضعف من كان إذ لا يستعمل لها اسم فاعل واسم فاعل كان مستعمل ولا يستعمل فيها أمر والأمر من كان مستعمل، وإذا لم يمتنع استعمال مصدر كاد وهي أضعف من كان فأن لا يمتنع استعمال مصدر كان أحق وأولى 6. -
................................
الثامن: أن هذه الأفعال لو كانت لمجرد الزمان لم يغن عنها اسم الفاعل [2/ 10] كما جاء في الحديث: «إنّ هذا القرآن كائن لكم أجرا وكائن عليكم وزرا» 1.
وقال سيبويه 2: قال الخليل: هو كائن أخيك على الاستخفاف والمعنى هو كائن أخاك».
هذا نصّه.
وقال الشاعر:
690 - وما كلّ من يبدي البشاشة كائنا... أخاك إذا لم تلفه لك منجدا 3
لأن اسم الفاعل لا دلالة فيه على الزمان بل هو دال على الحدث وما هو به قائم وما هو عنه صادر 4.
ومثل ذلك قول الآخر:
691 - قضى الله يا أسماء أن لست زائلا... أحبّك حتّى يغمض العين مغمض 5
-
- (التذييل والتكميل: 4/ 136).
................................
أراد أن لست أزال أحبك فأعمل اسم الفاعل عمل الفعل.
التاسع 1: «أن دلالة الفعل على الحدث أقوى من دلالته على الزمان لأن دلالته على الحدث لا تتغير بقرائن ودلالته على الزمان تغيير بالقرائن، فدلالته على الحدث أولى بالبقاء من دلالته على الزمان».
العاشر: «أن هذه الأفعال لو كانت مجردة عن الحدث مخلصة للزمان لم يبن لها أمر كقوله تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ 2 لأن الأمر لا يبني مما لا دلالة فيه على الحدث».
وما ذهبت إليه في هذه المسألة من كون هذه الأفعال دالة على مصادرها هو الظاهر من قول سيبويه 3 والمبرد 4 والسيرافي 5. -678 - المتكلم والخبر جملة أحبك وهو موضع الشاهد.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 240) وفي التذييل والتكميل (4/ 137) وفي معجم الشواهد (ص 204). ترجمة الشاعر: هو الحسين بن مطير بن مكمل مولى بني أسد من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، فصيح متقدم في الرجز والقصيد يعد من فحول الشعراء مدح معن بن زائدة الشيباني بكثير من مدائحه كما رثاه بعد موته، ومما قاله فيه: فيا قبر معن كيف واريت جوده... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا انظر ترجمته في معجم الأدباء (10/ 167) وأخبارا كثيرة عنه.
................................
وأجاز السيرافي الجمع بين كان ومصدرها توكيدا ذكر ذلك في شرح الكتاب 1 وإذ قد ثبت بالدلائل المذكورة أن هذه الأفعال - غير ليس - دالة على الحدث والزمان كغيرها من الأفعال فليعلم أن سبب تسميتها نواقص إنما هو لعدم اكتفائها بمرفوع وإنما لم تكتف بمرفوع لأن حدثها مقصود إسناده إلى النسبة التي بين معموليها فمعنى قولك كان زيد عالما: وجد اتصاف زيد بالعلم والاقتصار على المرفوع غير واف بذلك فلهذا لم يستغن به عن الجزء الثاني وكان الفعل جديرا بأن ينسب إلى النقصان.
وقد أشار إلى هذا المعنى سيبويه بقوله 2: كان عبد الله أخاك فإنّما أردت أن تخبر عن الأخوة.
فبين أن كان مسندة إلى النسبة فمن ثم نشأ عدم الاكتفاء بالمرفوع» انتهى.
انتهى كلام المصنف 3 ولا يخفى وجه حسنه.
لكن قوله في الأفعال المذكورة أن حدثها مقصود إسناده إلى النسبة التي بين معموليها غير ظاهر؛ فإن الإسناد ظاهره إنما هو إلى الاسم الواقع بعدها لكنه إسناد إليه بقيد تلبسه بصفة كما تقدم تقريره ومن ثم كان الإخبار بالصفة هو المقصود.
وقول سيبويه في كان عبد الله أخاك إنما أردت أن تخبر عن الأخوة يحقق ذلك.
ثم اعلم أن من ذهب إلى أن هذه الأفعال سلبت الدلالة على الحدث وتجردت للدلالة على الزمان، قال: إنها لا يتعلق بها حرف جر، ولا عمل لها في ظرف الزمان ولا ظرف المكان، ومن ذهب إلى أنها لم تسلب الدلالة على الحدث أجاز لها العمل في ذلك كله [2/ 11] وهذا هو الصحيح ولذلك علق بعضهم المجرور في قوله تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً 4 بكان 5 وقد تقدم نقل المصنف عن السيرافي أنه - - (2/ 433): إذا قلت: ما كان أحسن زيدا، فلك في كان وجهان: أن تكون زائدة وتجعل فيها ضمير الكون من معنى كان ولك أن تجعل فيها ضمير ما وهو اسم لكان».
................................ نحو كان الله ولا شيء معه. وتارة يعبر عنه بحدث كقول القائل: 692 - إذا كان الشّتاء فأدفئوني... فإنّ الشّيخ يهدمه الشّتاء 1 وتارة يعبر عنه بحضر كقوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ 2 وتارة يعبر عنه بقدر أو وقع نحو: ما شاء الله كان. ولا يخفى لزوم كان في هذه المعاني الثلاثة 3. الثاني: أن يراد بها معنى كفل يقال كنت الصّبيّ أي كفلته ومصدرها كيانة. الثالث: أن يراد بها معنى غزل يقال كنت الصّوف أي غزلته حكى ذلك أبو محمد البطليوسي 4. وتتم توالي كان الثلاث: وهي أضحى وأصبح وأمسى بأن يراد بهن الدخول في الضحى والصباح والمساء كقول الله سبحانه وتعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ 5 ومنه قول الشاعر: 693 - ومن فعلاتي أنّني حسن القرى... إذا اللّيلة الشّهباء أضحى جليدها 6
................................
وتتم ظل بأن يراد بها معنى دام أو طال وذكر ابن عصفور أنها أيضا بمعنى الإقامة نهارا 1.
[2/ 12] وتتم بات بأن يراد بها معنى عرّس، يقال بات بالقوم وبات القوم إذا نزل بهم ليلا.
قال المصنف: «فتستعمل متعدية بنفسها وبالباء».
وتتم صار بأن يراد بها معنى رجع فتتعدى بإلى قال:
694 - فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال 2
ومعنى ضم أو قطع فتتعدى بنفسها إلى مفعول واحد وذكر ابن عصفور أنها تكون بمعنى انتقل 3.
وتتم دام بأن يراد بها معنى بقي كقوله تعالى: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ 4 أو معنى سكن، ومنه الحديث: «نهي عن أن يبال في الماء الدّائم» 5 أي الساكن.
وتتم برح بأن يراد بها معنى ذهب أو معنى ظهر وقد فسر قولهم برح الخفاء بالوجهين.
وتتم ونى بأن يراد بها معنى فتر وهو أشهر من استعمالها بمعنى زال الناقصة.
- - للضيف.
الليلة الشّهباء: المجدبة الباردة.
الجليد: ما يسقط من الندى فيجمد.
المعنى: يصف الشاعر نفسه بالكرم وأنه حسن القرى للأضياف في عزة الطعام واشتداد البرد.
والشاهد فيه: استعمال أضحى فعلا تامّا والمراد دخول الجليد وقت الضحى وبقاؤه بلا ذوبان وحينئذ فهي ليست في حاجة إلى خبر.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 342) وفي التذييل والتكميل (4/ 139) ومعجم الشواهد (ص 104).
................................
وتتم انفك بأن تكون مطاوع فك الخاتم وغيره فصله والأسير خلصه.
وتتم فتأ بأن يراد بها معنى سكن أو أطفأ.
قال الفراء 1: فتأته عن الأمر سكّنته والنّار أطفأتها.
انتهى 2.
ولم يذكر المصنف في الشرح دام مع أنه قد ذكرها في الأصل وأنها تكون بمعنى ذهب أو فارق وذكر فتأ في المتن والشرح مع أنه قد استثناها أولا من الذي يستعمل تامّا كما استثنى ليس وزال.
ومن ثم قال الشيخ 3: «وهذا الذي ذكره المصنف من أن فتأ تكون تامة بمعنى سكن أو أطفأ وهم وتصحيف قال: نبه على ذلك الأمير العالم علاء الدين علي ابن الفارسي 4 وكشف مادة فتأ في الصّحاح وغيره فلم يجد أحدا منهم ذكر أن فتأ تكون تامة بمعنى سكن أو أطفأ، وإنما ذكر ذلك في مادة فثأ بالثاء المثلثة.
قال في الصحاح 5: فثأت القدر سكّنت غليانها وفثأت الرّجل فثأ كسرته عنك وسكّنت غضبه» 6.
ثم قال: وما سوى ليس ودام من أفعال هذا الباب يتصرف أي يستعمل فيه ماض ومضارع وأمر واسم فاعل ومصدر إلا أن المصدر لا يتأتى صوغه من ملازمات النفي.
ولمضارعها والأمر ما لماضيها وكذلك جميع الأفعال المتصرفة.
-
[امتناع بعض الأفعال من مجيء الخبر ماضيا]
قال ابن مالك: (ولا تدخل صار وما بعدها على ما خبره فعل ماض وقد تدخل عليه ليس إن كان ضمير الشّأن ويجوز دخول البواقي عليها مطلقا خلافا لمن اشترط في الجواز اقتران الماضي بقد).
واعلم أنهم قالوا: إنما لم تتصرف ما دام لأنها في معنى ما لا يتصرف، وذلك أنك إذا قلت: أفعل هذا ما دام زيد قائما كان في المعنى مثل قولك: أفعل هذا إن دام زيد قائما لأن الفعل المتقدم معلق على وجود الدوام في الموضعين، فلما كانت في معنى شرط قد تقدم ما يدل على جوابه لم تكن إلا بصيغة الماضي لأن الفعل إذا كان كذلك إنما يكون بصيغة الماضي تقول العرب: أنت ظالم إن فعلت ولا تقول:
أنت ظالم إن تفعل.
وينسب هذا التعليل للفراء وفيه نظر 1.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: صار وليس ودام وزال وأخواتها [2/ 13] مستوية في عدم الدخول على مبتدأ خبره فعل ماض لأن ذلك مناف لما يراد منها 3 وقد تدخل عليه ليس كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس قد صلّيت معنا» 4. -
................................
وحكى سيبويه قول بعض العرب 1: ليس خلق الله أشعر منه، وليس قالها زيد.
والوجه في هذا أن يكون في ليس ضمير الشأن والجملة بعده خبر.
وإلى الحديث الشريف والمثالين أشرت بقولي: وقد تدخل عليه ليس إن كان ضمير الشّأن أي إن كان ما خبره فعل ماض ضمير الشأن فقد تدخل عليه ليس ثم نبهت على أن ما سوى صار وما بعدها يجوز دخوله على ما خبره فعل ماض مطلقا وإن من النحويين من لا يجيز ذلك إلا بشرط اقتران الفعل الماضي بقد 2 والصحيح جواز ذلك مطلقا وقد جاء ذلك في القرآن الكريم وغيره.
فمن الجائي في القرآن الكريم قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا 3، وقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ 4، وقوله تعالى:
أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ 5، وقوله تعالى: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ 6، وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي 7.
ومن الجائي في الشعر قول الشاعر:
695 - وكان طوى كشحا على مستكنّة... فلا هو أبداها ولم يتجمجم 8
-
- رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدّا فأقمه عليّ، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصّلاة فصلّى مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم الصّلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدّا فأقم فيّ كتاب الله قال: أليس قد صلّيت معنا، قال: نعم.
قال: فإنّ الله قد غفر لك ذنبك أو قال: حدّك».
- رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدّا فأقمه عليّ، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصّلاة فصلّى مع النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فلما قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم الصّلاة قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدّا فأقم فيّ كتاب الله قال: أليس قد صلّيت معنا، قال: نعم.
................................
وقول الآخر:
696 - وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة... عشيّة لاقينا جذاما وحميرا 1
وقول الآخر:
697 - أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا... أخنى عليها الّذي أخنى على لبد 2
وما في القرآن الكريم كفاية».
انتهى 3.
وقال ابن عصفور 4: اختلف في وقوع الماضي بغير قد موقع أخبار هذه الأفعال إذا كانت ماضية فمنهم من منعه في جميعها إلا في ليس فإن ذلك يجوز فيها باتفاق إجراء لها مجرى ما.
- - وبيت الشاهد والقصيدة في شرح ديوان زهير (ص 22) وفي التذييل والتكميل (4/ 152) ومعجم الشواهد (ص 361).
................................
حكى سيبويه 1: «ليس خلق الله مثله».
واحتج صاحب هذا المذهب بأن الفعل الذي يقع خبرا إذا كان ماضيا لم يحتج إلى كان وأخواتها لأنها إنما دخلت على الجمل لتدل على الزمان فإذا كان الخبر يعطي الزمان لم يحتج إليها وكان ذكرها فضلة.
ألا ترى أنك إذا قلت: زيد قام كان المفهوم منه ومن كان زيد قام واحدا فإن جاء شيء من ذلك فهو على إضمار قد لأنها تقرب الماضي من الحال فإذا قلت: كان زيد قد قام فكأنك قلت: كان زيد يقوم.
والصحيح 2 عندي أن هذه الأفعال تنقسم ثلاثة أقسام:
قسم يجوز ذلك فيه باتفاق وهو ليس.
وقسم يمتنع فيه وهو ما زال وما انفك وما فتئ وما برح وما دام.
وذلك أن هذه الأفعال تعطي الدوام على الفعل، واتصاله بزمن الإخبار، والأفعال الماضية تعاطي الانقطاع فتدافعا 3 وما بقي فيه خلاف.
فمنهم من منع لما ذكرنا ومنهم من أجاز.
وحجة المجيز: أنك إذا قلت: أصبح زيد قام وأمسى زيد خرج؛ أعطى ذلك من المعنى ما لم يعط زيد قام وزيد خرج، ألا ترى أن قام وخرج لا يعطيان أكثر من المعنى وأمسى وأصبح يعطيان المعنى [2/ 14] مع أن ذلك في مساء أو صباح وكذلك سائر أخواتها إلا كان فإنها لا تعطي معنى زائدا أكثر من التأكيد والتأكيد في كلامهم كثير وهو أولى من إضمار حروف المعاني لقلة ذلك في كلامهم» انتهى 4.
وقد طابق كلامه كلام المصنف إلا في أمرين:
أحدهما: أنه لم يذكر صار مع الأفعال التي ذكرها ولا بد من ذلك كما فعل المصنف.
الآخر: أن 5 المصنف قيد ليس إذا وقع خبرها فعلا ماضيا يكون اسمها ضمير الشأن.
وكلام ابن عصفور مطلق في ذلك 6 والظاهر ما قاله المصنف.
-
[حكم قول «أين لم يزل زيد» وأشباهه]
قال ابن مالك: (ويجوز في نحو أين زيد توسّط ما نفي بغير ما من زال وأخواتها لا توسيط ليس خلافا للشّلوبين).
وجعل الشلوبين قول سيبويه فيما حكاه من قول العرب ليس خلق الله مثله محتملا لثلاثة أشياء:
أحدها: أن تكون 1 ليس يشبهه بما فلا يحتاج إلى اسم وخبر لأن سيبويه قال في باب آخر 2: وقد زعم بعضهم
أن ليس كما وذلك قليل لا يكاد يعرف.
قال: ولا ينبغي أن يحمل عليه ما وجدت منه مندوحة.
فلم يبق إلا الوجهان الباقيان 3.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 4: «نبهت بهذا الكلام على أنه يجوز في نحو أين زيد توسيط ما نفي بغير ما من زال وأخواتها نحو (أين لم يزل زيد) فلو كان النفي بما لم يجز لأن ما لها صدر الكلام فلا يتقدم ما في حيزها عليها.
وقد أجاز أبو علي الشلوبين أن يقال: أين ليس زيد بناء على اعتقاده جواز تقديم خبر ليس وقد قامت الدلائل على أن الصحيح منع تقديم خبرها والحق أحق أن يتبع ولا مبالاة بمن منع» انتهى.
واعلم أن المصنف في استغناء عن ذكر هاتين المسألتين: - - من منعه في جميع هذه الأفعال إلا في ليس فإنه يجوز ذلك فيها باتفاق إجراء لها مجرى ما، حكى سيبويه ليس خلق الله مثله (شرح الجمل: 1/ 364) وقد سبق في التحقيق.
[ورود بعض هذه الأفعال بمعنى صار]
قال ابن مالك: (وترد الخمسة الأوائل بمعنى صار ويلحق بها ما رادفها من آض وعاد وآل ورجع وحار. واستحال وتحول وارتدّ وندر الإلحاق بصار في ما جاءت حاجتك [2/ 15] وقعدت كأنها حربة. والأصحّ ألّا يلحق بها آل ولا قعد مطلقا وألّا يجعل من هذا الباب غدا وراح ولا أسحر وأفجر وأظهر). أما الأولى: فلأن هذا الحكم قد عرف من قوله المتقدم 1: ويختصّ دام والمنفي بما بعدم الدخول على ذي خبر مفرد طلبيّ فإنه يفهم منه جواز أين لم يزل زيد كما يفهم منه جواز أين لم يكن زيد. وأما المسألة الثانية: فإنها ستعرف من قوله بعد 2: ولا يتقدّم خبر دام اتّفاقا ولا خبر ليس على الأصحّ. قال ناظر الجيش: قد تقدمت الإشارة إلى أن من أفعال هذا الباب عشرة أفعال معناها معنى صار سيذكرها المصنف: فها هو قد شرع في سردها وقدم على ذكر ذلك شيئا آخر وهو أن من الأفعال التي تقدم ذكرها له ما يسلب الدلالة على معناه الأصلي ويستعمل بمعنى صار وهو الخمسة الأوائل يعني المذكورة أولا وهي كان وأضحى وأصبح وأمسى وظل. وقد عرفت معنى صار ما هو وهو الدلالة على التحول من وصف إلى آخر. وشاهد استعمال كان بمعنى صار: قوله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً 3. ومنه قول الشاعر: 698 - بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها 4
................................
وشاهد استعمال أضحى بالمعنى المذكور: قول الشاعر:
699 - ثمّ أضحوا كأنّهم ورق جفّ... فألوت بها الصّبا والدّبور 1
وقال الآخر:
700 - أضحى يمزّق أثوابي ويضربني... أبعد ستّين عندي يبتغي الأدبا 2
وشاهد استعمال أصبح: قوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً 3. - - وصعب من الأرض.
كانت فراخا بيوضها: أي فقس بيضها فراخا.
المعنى: يتمنى الشاعر سرعة وصوله إلى ديار أحبابه ويرغب أن تحمله مطاياه فتسرع في السير كأنها طيور القطا تركت أولادها الصغار باحثة عن رزقها فهي تسرع لتعود إليهم.
وشاهده قوله: «قد كانت فراخا بيوضها»: حيث جاءت كان بمعنى صار وسببه صحة المعنى ولو أبقيت كان على أصل معناها لفسد لاستحالة المعنى المذكور.
والبيت في التذييل والتكميل (2/ 328) وفي معجم الشواهد (ص 204). ترجمة عمرو بن أحمر: هو عمرو بن أحمر بن عامر الباهلي شاعر مخضرم عاش نحو تسعين عاما كان من شعراء الجاهلية وأسلم وغزا مغازي في الروم وأصيبت إحدى عينيه ونزل بالشام مع خيل خالد بن الوليد ثم سكن الجزيرة وأدرك أيام عبد الملك بن مروان وله مدائح في عمر وعثمان وعلي وخالد وهجا يزيد فطلبه يزيد ففر منه.
كان يتقدم شعراء زمانه، وعده ابن سلام في الطبقة الثالثة من الأمويين وكان يكثر من الغريب في شعره.
له مختارات في ديوان الحماسة.
انظر ترجمته في الأعلام (5/ 237)، خزانة الأدب (6/ 257).
................................
ومنه قول الشاعر:
701 - أصبحت لا أحمل السّلاح ولا... أملك رأس البعير إن نغرا 1
وشاهد استعمال أمسى: قول الشاعر:
702 - أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا... أخنى عليها الّذي أخنى على لبد 2
والشاهد في أمست خلاء لا في أمسى أهلها احتملوا لأن صار لا تدخل على ما خبره فعل ماض فكذا ما هو بمعناها.
وشاهد استعمال ظلّ بالمعنى المذكور: قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 3 وقوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ 4.
وقال المصنف 5: وزعم الزمخشري أن بات قد تستعمل بمعنى صار 6 وليس بصحيح لعدم شاهد على ذلك مع التتبع والاستقراء وحمل بعض المتأخرين على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «فإنّ أحدكم لا يدري أين باتت يده» 7.
ولا حاجة إلى ذلك لإمكان حمل بات على المعنى المجمع عليه وهو الدلالة على -
................................
ثبوت مضمون الجملة ليلا كما أن ظل غير المرادفة لصار لثبوت مضمون الجملة نهارا كما قال الراجز:
703 - أظلّ أرعى وأبيت أطحن... الموت من بعض الحياة أهون 1
ومن أصلح ما يتمسك به جعل بات بمعنى صار قول الشاعر:
704 - أجدني كلما ذكرت كليب... أبيت كأنّني أطوى بجمر 2
لأن كلما تدل على عموم الأوقات وأبيت إذا كانت على أصلها مختصة بالليل».
انتهى 3.
وأما الأفعال الملحقة بصار: فقد عرفت أنها عشرة وهي الثمانية التي أولها آض وآخرها ارتد وجاء وقعد في المثالين اللذين ذكرهما.
فمثال آض: قول الشاعر:
705 - ربّيته حتّى إذا تمعددا... وآض نهدا كالحصان أجردا 4
[2/ 16] ومثال عاد: قول الشاعر: -
................................ 706 - فصار مضلّي من هديت برشده... فلله مغو عاد بالرّشد آمرا 1 ومثال آل: قول الآخر: 707 - وعروب غير فاحشة... ملّكتني ودّها حقبا ثمّ آلت لا تكلّمنا... كلّ حيّ معقب عقبا 2 ومثال رجع: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» 3. ومنه قول الشاعر: 708 - قد يرجع المرء بعد المقت ذا مقة... بالحلم فادرأ به بغضا ذوي الإحن 4
................................ ومثال حار: قول الشاعر: 709 - وما المرء إلا كالشّهاب وضوؤه... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع 1 ومثال استحال: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فاستحالت غربا» 2. ومنه قول الشاعر: 710 - إنّ العداوة تستحيل مودّة... بتدارك الهفوات بالحسنات 3 ومثال تحول: قول امرئ القيس: 711 - وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة... فيالك من نعمى تحوّلن أبؤسا 4
-
- كان وجعل المرء اسمها وذا مقة خبرها.
والبيت في التذييل والتكميل (2/ 162) وليس في معجم الشواهد.
- كان وجعل المرء اسمها وذا مقة خبرها.
................................
ومثله قول الآخر:
712 - لا يوئسنّك سؤل عيق عنك فكم... بؤس تحوّل نعمى أنست النّقما 1
ومثال ارتد: قول الله سبحانه وتعالى: أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً 2.
وإنما استحق ارتد أن يكون بمعنى صار لأنه مطاوع رد بمعنى صير كقوله تعالى:
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً 3.
ومنه قول الشاعر:
713 - فردّ شعورهن السّود بيضا... وردّ وجوههنّ البيض سودا 4
ومثال جاء وقعد: ما أشار إليه بقوله: وندر الإلحاق بصار في: ما جاءت حاجتك وقعدت كأنّها حربة.
أما ما جاءت حاجتك 5 فيروى برفع حاجتك على أن ما خبر جاءت قدم لأنه اسم استفهام والتقدير أية حاجة صارت حاجتك ويروى بالنصب على أن تكون خبر - - والتكميل (4/ 163) وفي معجم الشواهد (ص 195).
................................
جاءت واسمها مستتر فيها عائد على معنى ما، والتقدير أية حاجة صارت حاجتك وما مبتدأ والجملة بعده خبر 1.
وأما قعدت كأنها حربة، فأصل التركيب الوارد من كلام العرب: أرهف شفرته حتّى قعدت كأنها حربة أي حتى صارت، فاسم قعد ضمير الشفرة وخبرها كأنها حربة.
واعلم أن جاء بمعنى صار وقعد أيضا لم يستعملا من هذا الباب إلا في الموضعين المذكورين ومن ثم لم يتصرفا فلا يستعملان إلا بلفظ المضي لا غير لأنهما جريا مجرى المثل والأمثال لا تغير عما وضعت عليه.
وقد نقل الشيخ عن بعضهم: أن جاء تستعمل بمعنى صار في غير المثل المذكور مستدلا بقولهم: جاء البرّ قفيزين وصاعين، ورد ذلك بأن قفيزين وصاعين منصوبان على الحال 2.
والفراء يرى أيضا اطراد قعد بمعنى صار 3 كما نبه على الخلاف في ذلك المصنف بقوله: والأصحّ أن لا يلحق بها آل ولا قعد مطلقا.
أما آل فقد عرفت أنه ذكرها في جملة الملحقات بصار [2/ 17] لكنه اختار بعد ذلك أنها لا تعد من هذا الباب فلا تكون ملحقة بصار.
وما استشهد به من أنها من أفعال هذا الباب، وهو قول الشاعر: ثم آلت لا تكلمنا... يمكن الجواب عنه بأن آلت بمعنى حلفت ولا تكلمنا جواب القسم.
وأما قعد فالمنقول عن الفراء أنه يرى استعمال قعد بمعنى صار مطردا وجعل منه -