الباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداة
[اختلافهم في الأداة]
قال ابن مالك: (باب المعرّف بالأداة: وهي: أل لا اللّام وحدها وفاقا للخليل وسيبويه، وقد تخلفها أم، وليست الهمزة زائدة خلافا لسيبويه).
قال ناظر الجيش: ذكر المصنف في أداة التعريف ثلاثة مذاهب:
الأول: أنها اللام وحدها ونسب ذلك إلى المتأخرين.
الثاني: أن الأداة الهمزة واللام معا، وأن الهمزة ليست زائدة، أي مجتلبة للنطق بالساكن، بل هي أصلية؛ ومن ثم كانت همزة قطع كهمزة أم وأو، وقال: إنه مذهب الخليل.
الثالث: كالثاني - إلا أن الهمزة همزة وصل، وقال: إنه مذهب سيبويه.
وأنا أورد كلامه برمته، قال رحمه الله تعالى 1: قد اشتهر عند المتأخرين أن أداة التعريف هي اللام وحدها، وأن المعبر عنها بالألف واللام تارك لما هو أولى، وكذا المعبر عنها بأل، حتى قال ابن جني: ذكر عن الخليل أنه كان يسميها أل، ولم يكن يسميها الألف واللام، كما لا يقال في قد القاف والدال.
قلت: قد عبر سيبويه عن أداة التعريف بأل كما فعل الخليل؛ فإنه قال في: باب عدّة ما يكون عليه الكلم 2: وقد جاء على حرفين ما ليس باسم ولا فعل.
فذكر أم وأو، وهل، ولم ولن وأن وما ولا وإن، وكي [1/ 284] وبل وقد، ولو، ويا، ومن.
ثم قال 3: «وأل تعرّف الاسم كقولك القوم والرّجل» فعبر عنها بأل، وجعلها من الحروف الجائية على حرفين كأم وأخواتها.
وقال في موضع آخر: «وإنّما هما حروف بمنزلة قولك قد» ثم قال: «ألا ترى أنّ الرّجل يقول إذا نسي فتذكّر ولم يرد أن يقطع كلامه: ألي كما يقول قدي، ثمّ يقول كأل وكأل» هذا نصه 4. -
الجزء: 2 - الصفحة: 819
................................
وهو موافق لما روي عن الخليل؛ فلولا أنه نسبها إلى الزيادة في موضع آخر لحكمت بموافقته الخليل مطلقا، إلا أن الخليل يحكم بأصالة الهمزة، وأنها مقطوعة في الأصل كهمزة أم وأن وأو.
وسيبويه مع حكمه بزيادتها يعتد بها كاعتداده بهمزة اسمع ونحوه، بحيث لا يعده رباعيّا فيعطي مضارعه من ضم الأول ما يعطي مضارع الرباعي للاعتداد بهمزته وإن كانت همزة وصل زائدة، فكذا لا يعد أداة التعريف اللام وحدها مع القول بأن همزتها همزة وصل زائدة.
على أن الصحيح عندي قول الخليل 5 لسلامته من وجوه كثيرة مخالفة للأصل، وموجبة لعدم النظائر:
أحدها: «تصدير زيادة فيما لا أهلية فيه للزيادة، وهو الحرف».
الثاني: «وضع كلمة مستحقة للتصدير على حرف واحد ساكن، ولا نظير لذلك».
الثالث: «افتتاح حرف بهمزة وصل، ولا نظير لذلك أيضا».
الرابع: «لزوم فتح همزة وصل بلا سبب، ولا نظير لذلك أيضا.
واحترزت باللزوم ونفي السبب من همزة أيمن في القسم، فإنها تكسر وتفتح، وكسرها هو الأصل.
وفتحت لئلا ينتقل من كسر إلى ضمتين دون حاجز حصين، ولم يضم لئلا يتوالى الأمثال المستثقلة 6؛ فإن جعل سبب فتح همزة حرف التعريف طلب التخفيف لأجل كثرة الاستعمال لزم محظور آخر، وهو أن التخفيف مصلحة تتعلق باللفظ فلا يترتب الحكم عليها إلا بشرط السلامة من مفسدة تتعلق بالمعنى كخوف اللبس؛ وهو هنا لازم لأن همزة الوصل إذا فتحت التبست بهمزة الاستفهام، فيحتاج الناطق بها إلى معاملتها بما لا يليق بها من إبدال أو تسهيل؛ ليمتاز الاستفهام عن الخبر، وذلك يستلزم وقوع البدل حيث لا يقع المبدل منه؛ لأن همزة الوصل - - بالألف واللام، يقول في كتابه: (1/ 22): «وجميع ما لا ينصرف إذا ما أدخلت عليه الألف واللام أو أضيف انجر».
وكتب بابا عنوانه: هذا باب ما يجعل من الأسماء مصدرا، كالمصدر الّذي فيه الألف واللّام نحو العراك.
(الكتاب: 1/ 375).
الجزء: 2 - الصفحة: 820
................................
لا تثبت إذا ابتدئ بغيرها، فإذا أبدلت وسهلت بعد همزة الاستفهام وقع بدلها حيث لا تقع هي، وذلك ترجيح فرع على أصل أفضى إليه القول بأن همزة أل همزة وصل زائدة فوجب اطراحه».
الخامس: «أن المعهود الاستغناء عن همزة الوصل بالحركة المنقولة إلى الساكن نحو: ر زيدا والأصل ارء زيدا، فنقلت حركة الهمزة إلى الراء، واستغني عن همزة الوصل، ولم يفعل ذلك بلام التعريف المنقول إليه حركة إلا على شذوذ، بل يبتدأ بالهمزة على المشهور من قراءة ورش في مثل الآخرة 7، وذلك في نحو:
ر زيدا لا يجوز أصلا، فلو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل زائدة له لم يبدأ بها مع النقل، كما لا يبدأ بها في الفعل المذكور» [1/ 285].
السادس: «أنه لو كانت همزة أداة التعريف همزة وصل لم تقطع في يا ألله، ولا في قول بعضهم: أفأ الله لأفعلن بالقطع تعويضا من حرف الجر؛ لأن همزة الوصل لا تقطع إلا في الاضطرار 8، وهذا الذي ذكرته قطع في الاختيار روجع به أصل متروك؛ ولو لم يكن مراجعة أصل لكان قولهم: أفأ الله لأفعلن - أقرب إلى الإجحاف منه إلى التعويض؛ إذ في ذلك جمع بين حذف ما أصله أن يثبت وإثبات ما أصله أن يحذف، فصح أن الهمزة المذكورة كهمزة أن وأم وأو، ولكن التزم حذفها تخفيفا إذا لم يبدأ بها ولم تل همزة استفهام، كما التزم أكثر العرب حذف عين المضارع والأمر من رأى، وحذف فاء الأمر من أخذ وأكل وهمزة أم في ويلمّه».
واحتج بعض النحويين لسيبويه 9 بأن قال: قد قيل: مررت بالرجل فتخطى العامل حرف التعريف، فلو كان الأصل أل لكان في تقدير الانفصال، وكان يجب -
الجزء: 2 - الصفحة: 821
................................ أن تقع قبل الجار كما أن الحروف التي لا تمتزج بالكلمة كذلك، ألا ترى أنك تقول: «هل بزيد مررت؟» ولا تقول: «بهل زيد مررت»؟ فلولا أن حروف التعريف بمنزلة الزاي من زيد ما تخطاه العامل. والجواب: أن تقدير الانفصال لا يترتب على كثرة الحروف، بل على إفادة معنى زائد على المعنى المصحوب، ولو كان المشعر به حرفا واحدا كهمزة الاستفهام، فإنها وإن كانت حرفا واحدا في تقدير الانفصال لكون ما تفيده من المعنى زائدا على معنى مصحوبها غير ممازج لمعنى المصحوب، وعدم تقدير الانفصال يترتب على إفادة معنى ممازج لمعنى المصحوب كـ (سوف)؛ فإنها وإن كانت على ثلاثة أحرف غير مقدرة الانفصال لكون ما تفيده من المعنى ممازجا لمعنى الفعل الذي تدخل عليه، فإنها تعينه للاستقبال وذلك تكميل لدلالته، وهكذا حرف التعريف غير مقدر الانفصال وإن كان على حرفين؛ لأن ما أفاده من المعنى مكمل لتعيين الاسم مسماه، فينزل منزلة الجزء من مصحوبه لفظا كما تنزل منزلة الجزء معنى، إلا أن امتزاج حرف التعريف بالاسم أشد من امتزاج سوف بالفعل لوجهين: أحدهما: أن معنى حرف التعريف لا يختص به بعض مدلول الاسم المقرون به، بخلاف معنى سوف؛ فإنه يختص بأحد جزأي مدلول الفعل. الثاني: أن حرف التعريف يجعل الاسم المقرون به شبيها بمفرد قصد به التعيين وضعا كالمضمر واسم الإشارة والعلم المرتجل، فلا يقدح في الامتزاج المعنوي كون أحد المتمازجين حرفين أو أكثر. وسوف وإن مازج معناها معنى مصحوبها لكن لا تجعله شبيها بمفرد قصد به وضعا ما قصد بها وبمصحوبها؛ لأن ذلك غير موجود، وقد ترتب على هذا امتناع الفصل بين حرف التعريف والمعرف به، ووقوعه بين سوف والفعل المصاحب لها كقول الشاعر: 517 - وما أدري وسوف إخال أدري... أقوم آل حصن أم نساء 10
الحديث: 517 - الجزء: 2 - الصفحة: 822
................................
وفعل ذلك أيضا بقول الشاعر [1/ 286]:
518 - لقد أرسلوني في الكواعب راعيا... فقد وأبي راعي الكواعب أفرس 11
أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحقّ أبي؛ فسكن الياء وفصل.
واحتج بعضهم على الخليل بأن قال: لما كان التنكير مدلولا عليه بحرف واحد وهو التنوين كصه وصه وجب كون التعريف مدلولا عليه بحرف واحد وهو اللام؛ لأن الشيء يحمل على ضده كما يحمل على نظيره، وهذا ضعيف جدّا لأن الضدين قد يتفقان في العبارة مطلقا كصعب صعوبة فهو صعب، وسهل سهولة فهو سهل.
وقد يختلفان مطلقا كشبع شبعا فهو شبعان، وجاع جوعا فهو جائع، وقد يتفقان من وجه ويختلفان من وجه كرضي رضا فهو راض، وسخط سخطا فهو ساخط، والاختلاف أولى بهما ليكون سبيلهما في المعنى واللفظ واحدا، وإن سلم حمل الشيء على ضده، فيشترط تعذر حمله على نده.
وقد أمكن العمل عليه فتعيّن الجنوح إليه.
ونقول: التعريف نظير التأنيث في الفرعية فاشتركا في استحقاق علامة، والتنكير نظير التذكير في الأصالة فينبغي أن يشتركا في الخلو من علامة، فإن وضع للتنكير علامة فحقها أن تنقص عن علامة التعريف تنبيها على أنه أحق بالعلامة لفرعيته - - والبيت في معجم الشواهد (ص 21) وشرح التسهيل (1/ 256) والتذييل والتكميل (3/ 228).
الحديث: 518 - الجزء: 2 - الصفحة: 823
................................
وأصالة التنكير، وذلك موجب لكون علامة التعريف حرفين وهو المطلوب.
وأيضا فإن التعريف طارئ على التنكير كطروء التثنية على الإفراد، فسوي بينهما بجعل علامة كل واحد منهما حرفين بحذف أحدهما في حال دون حال 12.
وأيضا لما كانت من ذات حرفين ومدلولها العموم في نحو: ما فيها من رجل، وكان حرف التعريف نظيرها في العموم سوي بينهما، فكان حرف التعريف حرفين تسوية بين النظيرين 13.
ولما كانت اللام تدغم في أربعة عشر حرفا فيصير المعرف بها كأنه من المضاعف العين الذي فاؤه همزة جعل أهل اليمن ومن داناهم بدلها ميما؛ لأن الميم لا تدغم إلا في ميم، وقد تقدم الاستشهاد على ذلك.
انتهى 14.
واعلم أني إنما أوردت هذا الكلام لاشتماله على تقديرات لطيفة تشحذ ذهن الناظر وتنبهه على طرق استنباط اللطائف في هذا الفن، وأما كون الهمزة همزة قطع وصلت أو همزة وصل، وأنها هل لها مدخل مع اللام في التعريف أو لا - فهو شيء لا ينتج فائدة، ولا يترتب عليه حكم نحوي.
وقد أورد الشيخ كلام سيبويه 15 وهو شاهد بما ذكر المصنف أنه مذهبه، ولكنه أمكن أن يكون ما ذكره المصنف عن الخليل مذهبا له، وقد رد الأوجه التي ذكرها المصنف استدلالا للخليل بما لا يقوى في النظر؛ فإن رام الناظر ذلك فليراجع كتابه، وإنما تركت إيراده خشية الإطالة 16.
الجزء: 2 - الصفحة: 824
[أنواع أل]
قال ابن مالك: (فإن عهد مدلول مصحوبها بحضور حسيّ أو علميّ، فهي عهدية وإلّا فجنسية).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 17: أشرت بالحضور الحسي إلى حضور ما ذكر كقوله تعالى [1/ 287]: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ 18، وإلى حضور ما أبصر كقولك لمن سدد سهما: القرطاس والله، وبالحضور العلمي إلى نحو قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ 19، وإِذْ هُما فِي الْغارِ 20، وإِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً 21، وإِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ 22.
ثم قلت: وإلا فجنسيّة أي: إلا يكن المدلول عليه بمصحوب الأداة معهودا بأحد الحضورين المبينين بالأداة فهي جنسية.
انتهى 23.
وعرف من كلامه أن أل قسمان: عهدية وجنسية، وأن المعهود قسمان: معهود حسا إما بالذكر أو بالأبصار.
أو معهود علما والمراد به ما بينك وبين المخاطب عهد فيه.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن أل قسمان: عهدية وجنسية هو كلام أكثر النحاة، وهو مستفاد جار على ألسنة المعربين والمفسرين.
وذهب أبو الحجاج يوسف بن معزوز 24 إلى أن أل عهدية لا غير.
كذا نقل الشيخ ذلك عنه 25. قلت: ولا يبعد عن الصواب.
- - ولا معنى كلاميّا، وإنما ذلك هوس وتضييع ورق ومداد ووقت تسطر فيه ذلك والخلاف إذا لم يفد اختلافا في كيفيّة تركيب أو معنى يعود إلى أقسام الكلام ينبغي ألّا يتشاغل به».
(التذييل والتكميل: 3/ 230).
الجزء: 2 - الصفحة: 825
................................
وقد ذكر السكاكي 26 في كتابه الموسوم بالمفتاح: أن دلالة أل بالوضع إنما هي العهد لا غير وإن استفيد من الكلام غير ذلك كالاستغراق مثلا، فإنما ذلك من قرائن خارجية.
وبحث ذلك وقرره أحسن تقرير، وعلى الناظر تطلبه إن رام ذلك 27.
ثم القائلون بأنها عهدية وجنسية قالوا: يعرض للعهدية الغلبة ولمح الصفة 28.
ويعرض للجنسية الحضور قالوا: والحضور يكون في أربعة مواضع:
بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا الأسد، وبعد أسماء الإشارة نحو: مررت بهذا الرجل، وفي النداء نحو: يا أيها الرجل، وفي الزمان الحاضر نحو: الآن والساعة وما في معناهما، هكذا ذكروا.
ولا يخفى أن أل لا مدخل لها في إفادة الغلبة، والذي حصلت له الغلبة إنما هو الاسم بتمامه الذي كان معرفا تعريف العهد، وكان صادقا على كل من اتصف بذلك العهد، ثم عرض له الاختصاص بأحد المدلولات من جهة الاستعمال، وإذا -
الجزء: 2 - الصفحة: 826
[حكم أل التي للجنس]
قال ابن مالك: (فإن خلفها كلّ دون تجوّز فهي للشّمول مطلقا، ويستثنى من مصحوبها، وإذا أفرد فاعتبار لفظه فيما له من نعت وغيره أولى؛ فإن خلفها تجوّزا فهي [1/ 288] لشمول خصائص الجنس على سبيل المبالغة).
كان كذلك فلم يعرض للعهدية غلبة.
وأما أن أل لها مدخل في لمح الصفة، فأبعد لأنها لم تفد لمح صفة، والذي لمح الصفة إنما هو المتكلم لمح ما كان عليه الاسم قبل نقله إلى العلمية، وهي حالة التنكير فأدخل أل عليه بعد العلمية لا لإفادة تعريف ولا غيره، بل شبه حاله بعد العلمية بحاله قبلها، فأجاز فيه بعد ما كان يجوز قبل، هكذا أفهم معنى قولهم: لمح الصفة.
وقال الشيخ 29: وعن بعضهم أنها مع كونها للمح الصفة للعهد، وفيه نظر 30.
وأما ما ذكروه من أن الجنسية يعرض لها الحضور فلم أتحققه، والذي يظهر أن أل للعهد والحضور مستفاد من الحضور، أعني من حضور من دخلت على اسمه أل بمجلس المتكلم إمّا حسّا كما في: فإذا الأسد، وبهذا الرجل، ويا أيها الرجل، وإمّا معنى كما في الآن والساعة.
وكما أن العهد يتعلق بمعهود سابق هكذا يتعلق بمعهود حاضر، بمعنى أنه بسبب حضوره صار معهودا؛ لأن المراد بالمعهود تقدم شعور الذهن به قبل ذكره، ولا شك أن الحاضر حال حضوره يستشعر به الذهن، فيصير حكمه حكم من تقدم الشعور به دون حضور قبل ذكره.
قال ناظر الجيش: اعلم أن أصحاب أهل المعاني 31 ذكروا أن أل إما أن يراد بها العهد كما في قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ 32، وإما أن يراد بها نفس الحقيقة كقولك: الرجل خير من المرأة، والدينار خير من الدرهم، وإما أن يراد بها الاستغراق، كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ 33.
قالوا: وقد تأتي لتعريف شيء باعتبار عهديته في الذهن لمطابقته الحقيقة، -
الجزء: 2 - الصفحة: 827
................................
كقولك: أدخل السوق، وليس بينك وبين مخاطبك معهود في الخارج.
والحاصل: أن المراد باسم الجنس المعرف باللام إما نفس الحقيقة لا ما يصدق عليه من الأفراد وتسمى اللام فيه لام الجنس ولام الحقيقة 34.
قالوا: ونحوه: علم الجنس نحو أسامة، وإما فرد معين واللام فيه للعهد الخارجي 35، ونحوه: العلم الخاص كزيد، وإما فرد غير معين واللام فيه للعهد الذهني 36، ونحوه: النكرة كرجل، وإما كل الأفراد وهو الاستغراق 37. ونحوه:
لفظ كل مضافا إلى النكرة، كقولنا: كل رجل.
هذا كلامهم وهو أقرب إلى التحرير والضبط من الذي ذكره النحويون في هذا الفصل 38.
وقد عرفت مختار السكاكي في المسألة، ولا شك أنه أورد ذلك في كتابه وأطال البحث فيه، والذي تلخص منه أن اللام إنما هي للعهد لا غيره.
ثم العهد عنده قسمان: تحقيقي وحكمي، فالتحقيقي: نحو قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ 44.
ونحو أن تقول: انطلق الرجل والمنطلق ذو جد.
والحكمي: هو الذي تنزل منزلة الحقيقي بأحد طرق أشار إليها في كلامه.
والتعريف الحقيقي عنده أحد قسمي تعريف العهد.
والاستغراق إنما هو مستفاد من المقام إذا كان المقام خطابيّا على أن كلامه محتمل للبحث وبعض أدلته مخدوشة 46. -394041424345
الجزء: 2 - الصفحة: 828
................................
إذا عرفت ذلك فالمصنف قد ذكر: أن أل إما للعهد وإما للجنس، ثم شرع الآن في ذكر أنها للاستغراق.
وذكر أن الاستغراق قسمان: حقيقي: وهو الذي يخلف أل فيه كلّ حقيقة، ومجازي: وهو الذي يخلفها فيه كل مجازا، فإذا كان الاستغراق حقيقيّا كانت لشمول الأفراد، ويلزم من شمول الأفراد شمول الخصائص، وإن كان الاستغراق مجازيّا كانت أل لشمول الخصائص فقط.
فمثال التي يخلفها كل دون تجوز، نحو قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً 47.
قال المصنف 48: «والمراد بكون الشمول مطلقا عموم الأفراد والخصائص بخلاف التي يخلفها كلّ على سبيل التجوز نحو: زيد الرجل، بمعنى الكامل في الرجولية الجامع لخصائصها؛ فإن هذا تجوز لأجل المبالغة، ويستعملون كلّا بهذا المعنى تابعا وغير تابع، فيقولون: زيد كلّ الرجل وزيد الرجل كل الرجل، وحكى الفراء عن العرب أطعمنا شاة كلّ شاة، والشمول الحقيقي هو الأصل، ولذلك استغنى عن قرينة ولم يستغن الثاني عنها» انتهى.
وذكر المصنف: أن أل [1/ 289] إذا كانت للشمول مطلقا تختص بحكمين وهما: الاستثناء من مصحوبها، وأنه إذا كان مفردا جاز اعتبار لفظه وهو الأولى، واعتبار معناه.
- - يكون اللام في الرجل أو نحو الضرب لتأكيد تعريف الحقيقة إذا لم يقصد العهد، وهو قول لم يقل به أحد».
«وإذا قلنا: المراد بتعريف الحقيقة القصد إليها حال حضورها أو تقدير حضورها لم يمتز عن تعريف العهد لوارد بالتحقيق أو بالتقدير؛ لأن تعريف العهد ليس شيئا غير القصد إلى الحاضر في الذهن حقيقة أو مجازا كقولك: جاءني رجل فقال الرجل كذا.
وانطلق رجل إلى موضع كذا.
والمنطلق ذو جد، وإذا قلنا: المراد بتعريف الحقيقة هو الاستغراق لزم في اللام كونها موضوعة لغير التعريف إذا تأملت، ولزم مع ذلك أن يكون الجمع بينها وبين لفظ المفرد جمعا بين المتنافيين».
ثم قال: «والأقرب بناء على قول بعض أئمة أصول الفقه بأن اللام موضوعة لتعريف العهد لا غير هو أن يقال: المراد بتعريف الحقيقة أحد قسمي التعريف، وهو تنزيلها منزلة المعهود بوجه من الوجوه الخطابية إما لأن ذلك الشيء محتاج إليه على طريق التحقيق، فهو لذلك حاضر في الذهن، فكأنه معهود، أو على طريق التهكم، وإما لأنه عظيم الخطر معقود به الهمم وقلما ينسى، وإما لأنه لا يغيب عن الحس فهو حاضر، وإما لأنه جار على الألسن كثيرا لوروده في الكلام، وإما لأن أسبابا في شأنه متآخذة، أو غير ذلك مما يجري مجرى هذه الاعتبارات، فتقام الحقيقة لذلك مقام المعهود ويقصد إليها بلام التعريف».
(مفتاح العلوم: ص 93).
الجزء: 2 - الصفحة: 829
................................
فمثال الاستثناء: قوله تعالى: وَالْعَصْرِ 49 إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ 50 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (1)، والاستثناء مما يستدل به على أن أل للاستغراق؛ لأنها لو لم تقتض شمول الحقيقة والإحاطة بأفرادها لم يستثن الَّذِينَ آمَنُوا من المعرف بها وهو الْإِنْسانَ.
وأما الحكم الثاني: وهو مراعاة اللفظ تارة والمعنى أخرى، فقد قيده بقوله: وإذا أفرد، وإنما قيده بذلك؛ لأن أل تدخل على المثنى وعلى المجموع.
فمثال دخولها على المثنى قولهم: نعم الرّجلان الزّيدان.
قال الشيخ (2): فأل فيه جنسية وقد دخلت على المثنى، ومثل الشيخ دخولها على الجمع بقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ 51 قال: وهو كثير 52.
ولم يظهر لي التمثيل الذي ذكره:
أما نعم الرجلان فليست أل فيه للاستغراق، وإنما هي للجنس، ولا يلزم من الجنس الاستغراق 53.
وأما الآية الشريفة وهي: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فأل الداخلة على المؤمنين موصولة، فالعموم بالموصولية، والذي
يظهر أن المصنف إنما احترز بقوله: وإذا أفرد من الجمع خاصة لا من المثنى، ومثال ذلك: أكرم الرجال، فأل فيه للاستغراق والمراد به: كل فرد، ومراعاة لفظه في نعته وغير نعته واجبة.
ومثال الإفراد وقد روعي فيه اللفظ: قوله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ 54، وقوله تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى 55.
ومثال الإفراد وقد روعي فيه المعنى دون اللفظ: قوله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ -
الجزء: 2 - الصفحة: 830
[أل الزائدة ومواضع الزيادة]
قال ابن مالك: (وقد تعرض زيادتها في علم وحال وتمييز ومضاف إليه تمييز، وربما زيدت فلزمت، والبدلية في نحو: ما يحسن بالرّجل خير منك - أولى من النّعت والزّيادة، وقد تقوم في غير الصّلة مقام ضمير).
لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ 56. وحكى الأخفش: أهلك النّاس الدّينار الحمر والدّرهم البيض، ومنه قولهم: ما هو من الأحد، أي من الناس، وأنشد اللحياني 57:
519 - وليس يظلمني في وصل غانية... إلّا كعمرو وما عمرو من الأحد 58
قال اللحياني: «ولو قلت ما هو من الإنسان تريد من النّاس أصبت» 59.
قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على حكمين لأل، وهما زيادتها وأنها تقوم مقام الضمير، أما زيادتها فذكر أنها تزاد في أربعة مواضع:
أحدها: في العلم:
كقول الشاعر:
520 - ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر 60
أراد: بنات أوبر، وهو علم لضرب من الكمأة.
وكقول الآخر: -
الحديث: 519 - الجزء: 2 - الصفحة: 831
................................
521 - أما ودماء لا تزال مراقة... على قنّة العزّى وبالنّسر عند ما 61
أراد: ونسرا وهو صنم، وكقول الآخر:
522 - باعد أمّ العمرو من أسيرها... حرّاس أبواب على قصورها 62
وكقول الآخر:
523 - عوير ومن مثل العوير ورهطه... وأسعد في ليل البلابل صفوان 63
[1/ 290] ثانيها: في الحال:
كقراءة بعض القراء: ليخرجن الأعز منها الأذل 64 أي: ليخرجن الأعز منها ذليلا.
وكقول بعض العرب: ادخلوا الأوّل فالأول أي: أولا فأولا ومنها قول الشاعر: -
الحديث: 521 - الجزء: 2 - الصفحة: 832
................................ 524 - دمت الحميد فما تنفكّ منتصرا... على العدا في سبيل المجد والكرم 65 ثالثها: في التمييز: 525 - رأيتك لمّا أن عرفت وجوهنا... صدقت وطبت النّفس يا قيس عن عمرو 66 ومنه الحديث: «إنّ امرأة كانت تهراق الدّماء» 67 والأصل: تهراق دماؤها، فأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، وصار المسند إليه منصوبا على التمييز، ثم أدخل عليه حرف التعريف زائدة. رابعها: فيما أضيف إليه تمييز: كقول الشاعر: 526 - إلى ردح من الشّيزى ملاء... لباب البرّ يلبك بالشّهاد 68
الحديث: 524 - الجزء: 2 - الصفحة: 833
................................
أراد: لباب بر.
وأنشد أبو علي:
527 - تولي الضّجيع إذا تنبّه موهنا... كالأقحوان من الرّشاش المستقي 69
وزعم أن قائله أراد: من رشاش المستقي فزاد الألف واللام ولم يعتد بهما، فلذلك أضافة إلى ما هما فيه.
قال المصنف: «وهذا الّذي ذهب إليه بعيد، ولكن يوجه البيت على أنّ قائله أراد: كالأقحوان المستقي من الرّشاش المستقي، فحذف من الأول وأبقى الثّاني دليلا عليه كما فعل من قال:
528 - تقول ودقّت صدرها بيمينها... أبعلي هذا بالرّحى المتقاعس 70
أراد: بعلي هذا المتقاعس بالرّحى المتقاعس ثم حذف، وهذا التوجيه نظائره - - موائد الفالوذج في الأبطح، وقد ختمها بقوله: وما لقيت مثلك يا ابن سعد... لمعروف وخير مستفاد انظر القصيدة في ديوان أمية (ص 27).
اللغة: ردح: جمع رداح وهي الجفنة العظيمة.
الشّيزى: شجر يصنع منه القصاع والجفان.
ملاء: جمع ملآنة.
لباب البرّ: خياره وهو الطحين المرقق.
يلبك بالشهاد: يعجن بالعسل.
والشاعر يمدح صاحبه بأنه يقدم للناس والضيوف خير الطعام.
والشاهد: في قوله: لباب البر، فهو تمييز مضاف إلى مميزه وحقه التنكير، فأدخل فيه أل ضرورة.
والبيت في معجم الشواهد (ص 53) وشروح التسهيل لابن مالك (1/ 260) ولأبي حيان (3/ 239) وللمرادي (1/ 265). وفي الأمالي (1/ 156).
الحديث: 527 - الجزء: 2 - الصفحة: 834
................................
كثيرة، ولا نظير لما وجّه به أبو عليّ، فلذلك لم أقل بقوله» انتهى 71.
واعلم أن اللام في الحال وفي التمييز قد لا يعدها زائدة من أجاز تعريفهما، ولكن مذهب من أجاز التعريف فيهما غير مأخوذ فلا يعول عليه 72.
وأشار المصنف بقوله: وربّما زيدت فلزمت - إلى نحو: اليسع والآن والذي.
واعلم أن للنحاة في نحو: ما يحسن بالرجل خير منك قولين:
- أحدهما: أن نحو خير منك نعت لما قبله على نية الألف واللام، وهو قول الخليل.
قال سيبويه 73 - في باب مجرى نعت المعرفة عليها -: «ومن النّعت: ما يحسن بالرّجل مثلك أو خير منك أن يفعل ذلك.
وزعم الخليل أنّه إنّما جرّ هذا على نية الألف واللّام، ولكنّه موضع لا تدخله الألف واللّام، كما كان الجمّاء الغفير منصوبا على نيّة إلقاء الألف واللّام نحو طرّا وقاطبة».
قال المصنف: «فحكم الخليل في المقرون بالألف واللّام المتبع بمثلك وخير منك بتعريف المنعوت والنّعت». - القول الثاني: أن الاسم المتبع بخير منك أو مثلك نكرة، وأن الألف واللام فيه زائدة على نية الطرح، وهو قول الأخفش 74، قال المصنف: «وعندي أن أسهل مما ذهبا إليه الحكم بالبدليّة، وتقرير المتبوع والتابع على ظاهرهما» انتهى (5).
وهو تخريج حسن سهل كما قال، وليس فيه إلا أن كون البدل مشتقّا ضعيف.
وكأن المصنف رأى أن القول به مع كون البدل في المشتقات ضعيفا أولى من القول بزيادة الألف واللام، ومن إجراء النكرة نعتا على المعرفة.
وأما كون أل تقوم مقام الضمير: فذلك نحو: مررت برجل حسن الوجه بتنوين حسن ورفع [1/ 291] الوجه على معنى حسن وجهه، فالألف واللام عوضا عن الضمير.
قال المصنف - بعد ذكر هذه الصورة - 75: «وبهذا التعويض قال الكوفيون وبعض -
الجزء: 2 - الصفحة: 835
................................
البصريين، وإن كان بعض المتأخرين قد عد هذه المسألة من مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين 76. وأنكر ذلك ابن خروف، وقال: لا ينبغي أن يجعل بينهما خلاف؛ لأن سيبويه قد جعل الألف واللام عوضا من الضمير في قوله في باب البدل 77:
«ضرب زيد الظّهر والبطن» وهو يريد: ظهره وبطنه ولم يقل الظهر منه ولا البطن منه.
ثم قال المصنف: «لما كان حرف التعريف مغنيا بإجماع 78 عن الضمير في نحو: مررت برجل فأكرمت الرجل جاز أن يغني عنه في غير ذلك لاستوائهما في تعيين الأول، ولذلك لم يختلف في جواز نحو: مررت برجل حسن وجه أبيه.
واختلف في جواز نحو: مررت برجل حسن وجه أب؛ إذ ليس فيه ضمير ولا حرف تعريف، والمنع به أولى، وهو مذهب سيبويه 79.
ومن ورود الألف واللام عوضا من الضمير قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغى (37) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (39) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى 80. ذكر ذلك الأستاذ أبو الحسن بن خروف وعزاه إلى جماعة من أئمة النحو 81، وعلى ذلك يحمل قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ.
82.
وزعم أبو علي والزمخشري أن الأبواب بدل من ضمير مستكن في مفتحة 83، -
الجزء: 2 - الصفحة: 836
................................
وهذا تكلف يوجب أن يكون الأبواب مرتفعا بمفتحة المذكورة على القول بأن العامل في البدل والمبدل منه واحد، أو بمثله مقدرا على القول بأن العامل في البدل غير العامل في المبدل منه.
وعلى كل حال قد صح أن مفتحة صالح للعمل في الأبواب، فلا حاجة إلى تكلف إبدال.
وأيضا فالحاجة إلى الضمير في بدل البعض كالحاجة في السببي المرفوع لما جرى على ما هو من سببه، فقد قامت الألف واللام مقام الضمير على كل تقدير.
قال ابن خروف: وحمل أبو علي وغيره من المتأخرين هذا المرفوع على البدل من ضمير في الصفة، ولا يطرد لهم ذلك في مثل: مررت برجل كريم الأب، وحسن وجه الأخ، لا سبيل إلى البدل في هذا وأمثاله؛ فإذا امتنع البدل فالباب كله على ما ذهب إليه الأئمة.
فقد تضمن كلام ابن خروف رحمه الله تعالى أن الحكم على المرفوع المشار إليه بغير البدل هو مذهب الأئمة.
وكفى بنقله شاهدا».
انتهى كلامه 84.
وفيه مناقشتان:
الأولى: للشيخ: وهي أنه قال 85: «هذه غفلة من المصنف يعني في قوله: إن حرف التعريف أغنى عن الضمير في
نحو: مررت برجل فأكرمت الرجل، قال:
فإن أل لم تغن عن الضمير في: فأكرمت الرجل، بل أل وما دخلت عليه هي التي أغنت عن الضمير وقامت مقامه، وهذا بخلاف [1/ 292] مررت برجل حسن الوجه؛ فإن أل وحدها قامت مقام الضمير» انتهى وهذه مناقشة صحيحة.
الثانية: قوله في بحثه مع أبي علي والزمخشري: فلا حاجة إلى تكلف إبدال؛ فإنّ لقائل أن يقول: الموجب لأبي علي والزمخشري في القول بالبدلية - هو أنهما لا يريان إقامة أداة التعريف مقام الضمير لا أن مفتحة لا يصح عملها في الأبواب.
وإذا كان كذلك فلا يتجه ما ذكره المصنف من أنه قد صح أن مفتحة صالح - - على نية ضمير راجع إلى الجنات محذوف كأنه في التقدير: «إن للمتقين جنّات عدن مفتحة لهم الأبواب فيها»، والتأنيث على هذا في مفتحة للأبواب دون الجنات.
انظر البغداديات لأبي علي (ص 41).
وانظر المسألة بالتفصيل أيضا في كتابه الإغفال (1/ 1195).
الجزء: 2 - الصفحة: 837
................................ للعمل في الأبواب؛ لأنهما لا يمنعان الصلاحية، وإنما منعا ذلك للخلو من الضمير. ثم قال المصنف - بعد كلامه الذي تقدم نقله -: وقد منع التعويض بعض المتأخرين، وقال: لو كان حرف التعريف عوضا عن الضمير لم يجتمعا، إذ اجتماع العوض والمعوض عنه ممتنع. وقد اجتمعا في قول طرفة: 529 - رحيب قطاب الجيب منها رقيقة... بجسّ النّدامى بضّة المتجرّد 86 والجواب من وجهين: أحدهما: أن نقول 87: لا نسلم أن حرف التعريف الذي في البيت عوض، بل جيء به لمجرد التعريف، فجمع بينه وبين الضمير؛ إذ لا محذور في ذلك، ونظير هذا أن التاء في وجهة لمجرد التأنيث بخلاف تاء جهة 88. الثاني: أن نقول: سلمنا كون حرف التعريف الذي في البيت عوضا إلا أنه جمع بينه وبين ما هو عوض منه اضطرارا كما جمع الراجز بين ياء النداء والمعوض عنه في قوله: 530 - إنّي إذا ما حدث ألمّا... أقول يا اللهمّ يا اللهمّا 89
الحديث: 529 - الجزء: 2 - الصفحة: 838
................................
ومما يقوي كون حرف التعريف عوضا قول الشاعر في صفة صقر:
531 - يأوي إلى فئة صلفاء رائشة... حجن المخالب لا يغتاله السّبع 90
أراد: حجن مخالبه، ولولا ذلك لقال: أحجن المخالب كما يقال: رجل أحمر الثياب.
وأنشد الكوفيون:
532 - أيا ليلة خرس الدّجاج سهرتها... ببغدان ما كادت إلى الصّبح تنجلي 91
أراد خرسا دجاجها، ولولا ذلك لقال: خرساء الدجاج كما يقال: امرأة حمراء الثياب.
وإذا صح التعويض فلا يقاس عليه إلا ما سمع له نظير ولا يقدح في صحته عدم استعماله في صلة وغيرها على سبيل الاطراد، كما لا يقدح في
كون تنوين حينئذ عوضا من الإضافة امتناع ذلك في إذا وغيرها من الملازمات، للإضافة لكن شرط التعويض المشار إليه أن يكون فيما يستقبح خلوه من الضمير، والألف واللام - - فظن أنهما له، وقد تمثل بهما النبي عليه الصلاة والسّلام، وصارا من جملة الأحاديث.
انظر ذلك في: خزانة الأدب (2/ 295). اللغة: حدث: ما يحدث من أمور الدهر.
ألمّا: قرب ونزل.
أقول يا اللهمّ يا اللهمّا: أي: يا إلهي ارفعه واغفر لي.
وشاهده: اجتماع العوض وهو الميم المشددة والمعوض عنه وهو ياء النداء ضرورة.
والبيت في معجم الشواهد (ص 531) وشرح التسهيل (1/ 264).
الحديث: 531 - الجزء: 2 - الصفحة: 839
[مدلول إعراب الاسم من رفع أو نصب أو جر]
قال ابن مالك: (فصل: مدلول إعراب الاسم ما هو به عمدة أو فضلة أو بينهما؛ فالرّفع للعمدة وهي مبتدأ أو خبر أو فاعل أو نائبه أو شبيه به لفظا وأصلها المبتدأ أو الفاعل أو كلاهما أصل.
والنّصب للفضلة وهي مفعول مطلق أو
مقيد أو مستثنى أو حال أو تمييز أو مشبه بالمفعول به.
والجرّ لما بين العمدة والفضلة [1/ 293] وهو المضاف إليه.
وألحق من العمد بالفضلات المنصوب في باب كان وإنّ ولا).
معا، فلا يجعل من ذلك نحو: البرّ الكرّ بستّين 92. لأنك لو قلت كرّ بستين فأخليته من الضمير والألف واللام معا لم يستقبح بخلاف ما تقدم.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على أقسام الكلمة وعلى الإعراب وأنواعه وعلى قسمي النكرة والمعرفة، وبوّب على أكثر المعارف وبينها - قصد أن يذكر الأحكام التي تعرض في التركيب، وقدم على الشروع في ذلك هذا الفصل لأمرين:
أحدهما: تبيين العمدة من الفضلة.
الثاني: التنبيه على ترتيب بعض أبواب الكتاب؛ فإنه يأتي فيها على حسب ما أورده هنا؛ ولما كان المتصف بالعمدة والفضلة إنما هو الاسم قال: مدلول إعراب الاسم ما هو أي ما الاسم به.
وقال المصنف 93: العمدة: عبارة عما لا يسوغ حذفه من أجزاء الكلام إلا بدليل يقوم مقام اللفظ به.
والفضلة: عبارة عما يسوغ حذفه مطلقا إلا لعارض.
ولما كان المضاف إليه في موضع يكمل العمدة نحو: جاء عبد الله، وفي موضع يكمل الفضلة نحو: أكرمت عبد الله، وفي موضع يقع فضلة نحو: زيد ضارب عمر - حكم عليه بأنه بين العمدة والفضلة.
-
الجزء: 2 - الصفحة: 840
................................
وقال الشيخ: «الحدّ الذي ذكره للعمدة مدخول؛ لأن لنا من أجزاء الكلام ما يسوغ حذفه لدليل ولا يسمى عمدة، ولنا من أجزاء الكلام ما لا يسوغ حذفه، ولو كان عليه دليل ويسمى عمدة.
فمثال الأول: الفعل؛ فإنه يسوغ حذفه لدليل ولا يسمى عمدة، ومثال الثاني: الفاعل والمفعول الذي لم يسمّ فاعله؛ فإن كلّا منهما يسمى عمدة، ولا يسوغ حذفه لدليل».
قال: «وكذا حدّ الفضلة يرد عليه بعض العمد الّذي يسوغ حذفه مطلقا.
فمن ذلك المبتدأ في قطع النّعت، والخبر في نحو: لولا زيد لأكرمتك» انتهى 94.
وفيما قاله نظر:
أما الدخل الذي ذكره على حد العمدة فلا يتجه.
أما الشق الأول: فغير لازم؛ لأن الفعل إنما هو مقصود في مدلول إعراب الاسم.
فالعمدة المحدودة أحد أقسام الاسم فلا يرد الفعل.
وأما الشق الثاني: فلا يرد أيضا؛ لأن كلّا من الفاعل والمفعول الذي لم يسمّ فاعله إنما امتنع حذفه لعارض، وهو كونه يؤدي إلى بقاء حديث من غير محدّث عنه؛ والمصنف إنما حد العمدة بالنظر إلى ذاتها لا بالنظر إلى ما يعرض لها، وهذا شأن الحدود.
وأما ما أورده على حد الفضلة فغير وارد؛ لأن ما مثّل به 95 إنما حذف دليل قام مقام اللفظ به، فهو داخل في حد العمدة ولم يدخل في حد الفضلة؛ لأنه ما ساغ حذفه مطلقا.
وإذا تقرر أن الاسم بحسب مدلول إعرابه إما عمدة أو فضلة أو بين العمدة والفضلة، وقد علم أن أنواع إعرابه ثلاثة: رفع ونصب وجر، فليعلم أن الرفع للعمدة والنصب للفضلة والجر لما بينهما.
وإنما كان كذلك لأن الاهتمام بالعمدة أشدّ من الاهتمام بغيره، فجعل إعرابه الرفع؛ لأن علامته الأصلية الضمة، وهي أظهر الحركات، وإنما قلنا إنها أظهر الحركات لوجهين 96: -
الجزء: 2 - الصفحة: 841
................................
أحدهما: أنها من الواو، ومخرجها من الشفتين، وهو مخرج ظاهر؛ بخلاف الفتحة والكسرة؛ فإنها من الألف والياء ومخرجاهما [1/ 294] من باطن الفم.
والثاني: أن الضمة يمكن الإشارة إليها بالإشمام عند سكون ما هي فيه وقفا وإدغاما بخلاف غيرها.
ولما كانت الكسرة تشبه الضمة جعلت علما للمضاف إليه؛ لأنه قد يكمل العمدة، ولأن الكسرة متوسطة بين الثقل والخفة، فجعلت للمتوسط بين العمدة والفضلة، ولما جعلت الضمة للعمدة، والكسرة للمتوسط بين العمدة والفضلة تعينت الفتحة للفضلة.
وتبع كل واحدة من الحركات ما هو أولى بالنيابة عنها، وقد تقدم بيان ذلك في باب الإعراب.
ثم إن المصنف حصر المرفوعات في خمسة أشياء:
وهي: المبتدأ والخبر والفاعل ونائبه والشبيه بالفاعل، وعنى بالشبيه بالفاعل اسم كان وأخواتها وما حمل عليها، ودخل في الخبر خبر إن وأخواتها وما حمل عليها.
وحصر المنصوبات في تسعة أشياء:
المفاعيل الخمسة والمستثنى والحال والتمييز والمشبه بالمفعول به، وعنى بالمشبه به المنصوب في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل.
وحصر المجرورات في:
المضاف إليه والمجرور بحرف داخل فيه، ولهذا سمى سيبويه حروف الجر حروف الإضافة 97.
فجملة المرفوعات والمجرورات والمنصوبات خمسة عشر قسما.
وحكم التابع حكم متبوعه كما تقرر في باب التوابع، فلا حاجة إلى ذكره 98. -
الجزء: 2 - الصفحة: 842
................................
وقد ذكروا مرفوعين آخرين لن يتضمنهما كلام المصنف:
أحدهما: الاسم المأتي به لمجرد العدد إذا كان معطوفا على غيره، أو معطوفا عليه غيره ولم يدخل عليه عامل في اللفظ ولا في التقدير نحو: واحد واثنان وثلاثة وأربعة، وكأن التركيب الذي حدث فيه بالعطف قام مقام العامل في حدوث هذه الضمة قاله الأستاذ أبو الحسن ابن عصفور 99.
والثاني: زاده الأعلم، وهو المرفوع على الإهمال من العوامل، وجعل منه قوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ 100.
وقد أجيب عنهما:
أما الأول: فقال الشيخ: «الّذي ينبغي أن يذهب إليه أن هذه الحركات ليست بحركات إعراب.
وإنما هي شبيهة بها، وحدثت عند حصول هذا التركيب العطفي» 101.
وأما الثاني: «فقيل: إن إِبْراهِيمُ عليه السّلام منادى أو مفعول لـ يُقالُ، وأصله النصب؛ فلمّا بني الفعل لما لم يسم
فاعله رفع وقيل فيه غير ذلك» 102. - - وهو توكيد أو نعت أو عطف بيان أو عطف نسق أو بدل.
ثم شرح هذا الكلام وبين أن العامل في التابع هو العامل في المتبوع نعتا كان التابع أو غيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 843
................................
وسيأتي في باب ظن 103.
وأراد المصنف بالمفعول المطلق: المصدر المؤكد والمبين للنوع أو لعدد المرات، وبالمقيد: المفعول به والمفعول فيه والمفعول له.
واعلم أن النحاة اختلفوا في أن أصل المرفوعات ما هو على ثلاثة مذاهب:
فقيل: المبتدأ هو الأصل وما عداه فرع.
وقيل الفاعل هو الأصل وما عداه فرع.
وقيل: المبتدأ والفاعل هما الأصل وما عداهما فرع عليهما، وقد أشار إليها المصنف.
قال ابن الخباز 104: «والصّحيح أنّ الأصل الفاعل؛ لأن عامله لفظيّ وهو أقوى من المبتدأ والخبر؛ لأن عاملهما معنوي، وعامله فعل أو شبهه، فهو أقوى من خبر إنّ واسم ما، وعامله فعل حقيقيّ، فهو أقوى من اسم كان وأخواتها وعامله مبقيّ على صيغته الأصلية، فهو أقوى من الفعل الذي لم يسم فاعله [1/ 295] وأيضا - - الآخر هو اختيار الزمخشري وابن عطية، وهو مختلف في إجازته، فذهب الزجاج والزمخشريّ وابن خروف وابن مالك إلى تجويز نصب القول للمفرد مما لا يكون مقتطعا من جملة نحو قوله: إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة...... إلخ ولا مفردا معناه معنى الجملة نحو: قلت خطبة، ولا مصدرا نحو: قلت قولا، ولا صفة له نحو: قلت حقّا؛ بل لمجرد اللفظ نحو: قلت زيدا، ومن النحويين من منع ذلك وهو الصحيح؛ إذ لا يحفظ من لسانهم قال فلان زيدا، ولا قال ضرب، ولا قال ليت، وإنما وقع القول في كلام العرب لحكاية الجمل.
الجزء: 2 - الصفحة: 844
................................
فعامله الموصوف بالصّفات المذكورة يقتضي منصوبات كثيرة يعمل فيها، وليس كذلك بقية عوامل المرفوعات».
أما عامل المبتدأ ففي غاية الضعف؛ لأنه معنوي حتى قيل: إنه لا يعمل في الحال، وإذا لم تعمل إن المكسورةفي الحال مع أنها عامل لفظي فأن لا يعمل الابتداء أولى.
وأما الفعل الذي لم يسم فاعله فإنه يأخذ منصوبه فيجعل مرفوعا فتنقص منصوباته، وأما كان وأخواتها فلا تعمل في أكثر من منصوب واحد، وكذلك إن وأخواتها.
وأما المنصوبات: فاتفقوا على أن المفاعيل الخمسة منها أصل، وما عداها فرع عليها ولم يتعرض المصنف للتنبيه على ذلك.
وأما المجرورات: فقد علمت أنها قسم واحد، فلا يمكن فيه دعوى فرعية، بل هو أصل لم يتفرع عليه غيره، وقد ذكر ابن الخباز أن هنا في المجرورات فرعا، قال:
وأصل الجرّ المضاف إليه، وينقسم إلى مجرور بحرف وإلى مجرور باسم، والأصل منهما الّذي ينجرّ بحرف لا يجوز إسقاطه، نحو: مررت بزيد، والذي ينجر بمضاف لا يجوز أن يفصل منه كقولك: غلام عمرو.
والمحمول عليه الذي جرّ بحرف جرّ زائد، كقولك: ما جاءني من أحد، والّذي ينجر بمضاف يجوز أن يفصل منه، كقولك: هذا ضارب زيد وحسن الوجه، ألا ترى أنك لا تقول في الأصل مررت زيدا ولا غلام عمرا، وتقول ها هنا: ما جاءني رجل وضارب زيدا وحسن الوجه 105.
قوله: وألحق من العمد بالفضلات... المسألة:
قال المصنف: لما تقدم أن النّصب إعراب الفضلات، وكان ما نصب في باب كان وباب إنّ وباب لا؛ عمدة لكونه أحد ركني الإسناد - نبّهت على ذلك بقولي: وألحق من العمد بالفضلات إلى آخره.
انتهى 106. -
الجزء: 2 - الصفحة: 845
................................ وقد يقال: كان ينبغي أن يذكر مع المنصوبات الثلاثة، المنصوب في باب ظن؛ لأنه عمدة أعرب إعراب الفضلة، والدليل على أنه عمدة عند المصنف أنه يمنع حذف المفعولين أو أحدهما من غير دليل 107. والجواب: أنه وإن كان عمدة لكنه خرج عن حيز الإسناد إلى حيز المفاعيل صورة، فصار كأنه من قبيل الفضلات بخلاف المنصوب في الأبواب الثلاثة المذكورة؛ فإنه لم يخرج إلى حيز المفاعيل، وصورة الإسناد فيه باقية، وإذا وجد إسناد بين اسمين كانا عمدتين، فلهذا نبه عليه دون غيره 108.
الجزء: 2 - الصفحة: 846