[تعريفه وشرح التعريف]
قال ابن مالك: ((وهو التّالي) 1 واوا تجعله بنفسها كمجرور مع وفي اللّفظ كمنصوب معدّى بالهمزة).
قال ناظر الجيش: ختم المصنف بهذا الباب أبواب المفاعيل؛ لأن المذكور فيه هو خامسها، وذكر في الشرح أن المفعول معه يطلق في اللغة على أربعة أشياء وهي:
المجرور بمع أو بالياء التي للمصاحبة والمعطوف المراد به المصاحبة والمنصوب بعد الواو بالشروط المذكورة 2.
فالأول: نحو: جلست مع زيد، والثاني: نحو: وصلت هذا بذاك، والثالث:
نحو: مزجت عسلا وماء، والرابع: نحو: ما صنعت وأباك، واستوى الماء والخشبة، وما زلت وزيدا حتى فعل، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، إلا أن النحاة قصروا المفعول معه على الرابع فلذلك قال: (التالي واوا)؛ ليخرج التالي غيرها، وقيد الواو بأن تجعله في المعنى كمجرور مع ليخرج المعطوف بالواو والمفيدة مطلق الجمع، وقال: (بنفسها)، ليخرج المعطوف بعد ما يفهم منه المصاحبة نحو: أشركت زيدا وعمرا، ومزجت العسل والماء، فإن المصاحبة في مثل هذا مفهومة قبل ذكر الواو بخلاف قولك: سرت والنيل، فإن المصاحبة لا تفهم منه إلا بالواو، ونبه بقوله: (كمنصوب معدى بالهمزة) على أن الواو معدية ما قبلها من العوامل إلى ما بعدها فينصب به بواسطة الواو فعلا كان أو عاملا عمل الفعل.
هذا كلام المصنف 3، وفيه أمران:
أحدهما: أن قوله: (وفي اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة) غير محتاج إليه في الحد؛ لأنه لم يحترز به عن شيء خيف
دخوله مع [2/ 481] المحدود بل لا يجوز إدخاله في الحد؛ لأنه إنما ذكر بيان العامل في المحدود، وذلك شيء خارج عن -
................................
ماهيته فلا وجه لذكره، وعلى هذا يجب الاقتصار على قوله: (وهو الاسم التالي واوا تجعله بنفسها كمجرور مع).
الأمر الثاني: أنه قال: قلت: تجعله في المعنى كمجرور مع ليخرج المعطوف بالواو المفيدة مطلق الجمع، فأفهم كلامه أن المعطوف بالواو المفيدة للمصاحبة لم تخرج بهذا القيد؛ ولهذا احتاج أن يقول: (بنفسها) ليخرج هذا القسم، لكن في كلام الإمام بدر الدين ولده ما يقتضي أن القيد الأول وهو: تجعله في المعنى كمجرور مع - كاف في خروج القسمين، أعني المعطوف بعد الواو الدالة على مطلق الجمع وبعد الواو الدالة على المصاحبة؛ لأنه حد المفعول معه بأنه: الاسم المذكور بعد واو بمعنى مع، قال: فاحترزت بقولي: بعد واو من نحو: خرجت مع زيد، وبقولي: بمعنى مع مما بعد واو غيرها كواو العطف وواو الحال، فواو العطف كما في نحو: اشترك زيد وعمرو، وكل رجل وضيعته؛ فالواو في هذين المثالين وإن دلت على المصاحبة فهي واو العطف؛ لأنها شركت بين زيد وعمرو [3/ 9] في الفاعلية، وبين كل رجل وضيعته في التجرد للإسناد، فما بعدها ليس مفعولا معه، وأما واو الحال فكما في نحو: جاء زيد والشمس طالعة، وسرت والنيل في زيادة، فما بعد هذه الواو أيضا ليس مفعولا معه؛ لأنها واو الحال، وهي في الأصل الواو التي يعطف بها جملة على جملة بجهة جامعة بينهما لا الواو التي بمعنى مع 1 انتهى.
وعنى بقوله: يعطف بها جملة على جملة بجهة جامعة، أنها مفيدة للتشريك أيضا كما في المفردات إلا أنها في المفردات تشرك في الحكم، وأما في الجمل فتشرك في الجهة الجامعة بينهما، وقد اقتضى كلامه أن واو «مع» غير صادقة على واو العطف المراد بها المصاحبة من حيث إن واو العطف تشرك ما بعدها في حكم ما قبلها، واو «مع» لا تقتضي تشريكا، على أنه صرح بعد كلامه الأول بأن المراد بالواو التي بمعنى «مع» الدلالة على المصاحبة بلا تشريك في الحكم، وبأن الحد الذي ذكره شامل لما كان من المفعول معه غير مشارك لما قبله في حكمه نحو: -
................................
سرت والطريق، ولما كان مشاركا لما قبله في حكمه ولكنه أعرض عن الدلالة على المشاركة وقصد إلى مجرد الدلالة على المصاحبة نحو: جئت وزيدا 1، هذا كلام الإمام بدر الدين.
ومقتضاه أن نحو: أشركت زيدا وعمرا ومزجت العسل والماء ليس القصد فيه إلى الدلالة على المصاحبة، بل القصد فيه إلى تشريك الثاني مع الأول في حكمه 2، وهذا خلاف ما ذكره المصنف وما قاله الإمام بدر الدين الظاهر [2/ 482] أنه الصواب؛ لأن الواو التي بمعنى مع حقها أن يفاد بها ما يفاد بمع، و «مع» لا دلالة لها على المشاركة، بل إنما جيء بها لقصد الدلالة على المصاحبة، فإذا قلت: جئت مع عمرو، أفاد هذا الكلام الإخبار عن مدلول التاء بالمجيء مصاحبا لعمرو، وإن كان عمرو قد جاء أيضا، لكن ليس مقصود المتكلم الإخبار بمجيئه، وهكذا يجب أن يكون الحكم مع الواو إذا قلت: جئت وزيدا، ويعضد ذلك أيضا: أنه إذا جيء بخبر بعد المفعول معه جيء به مطابقا للاسم المذكور قبل الواو لا للاسمين 3، قال الشاعر يصف رجلا مات معانق امرأة لقيها بعد فراق:
1636 - فكان وإيّاها كحرّان لم يفق... عن الماء إذ لاقاه حتّى تقدّدا 4
وكذا إذا جيء بحال أيضا إنما يطابق ما قبل الواو فنقول: جاء البرد والطيالسة قويّا كما تقول: كان زيد وعمرو قائما، ولكن إنما يشكل على بدر الدين أنه مثل لما يختار فيه العطف بقول القائل: كنت أنا وزيد كالأخوين ثم قال: ويجوز نصبه -
................................
نحو: كنت أنا وزيد كالأخوين على الإعراض عن التشريك في الحكم والقصد إلى مجرد المصاحبة 1، ووجه إشكاله أنه إذا أعرض عن التشريك في الحكم يتعين إفراد الخبر؛ إذ لا يخبر بمثنى عن مفرد، ومما يحقق صحة الحد الذي ذكره بدر الدين قول الشيخ أبي عمرو بن الحاجب في حده: «هو المذكور بعد الواو المصاحبة معمول فعل لفظا أو معنى» 2. وهو أحسن من حد بدر الدين، وأفيد لما تضمنه من الإشارة إلى ما يرشد إلى الصور التي يشتمل عليها باب المفعول معه بالنسبة إلى ما يصح فيه العطف وما لا يصح، ثم قال المصنف بعد كلامه الذي تقدم نقله عنه، وربما سماه سيبويه مفعولا به، فمن ذلك قوله: هذا باب ما يضمر فيه الفعل وينصب فيه الاسم لأنه مفعول معه ومفعول به، وقوله بعد أن مثّل بما زلت وزيدا أي ما زلت بزيد حتى فعل، ثمّ قال: فهو مفعول به 3. هذه عبارة سيبويه رحمه الله تعالى، فأما المصنف فإنه أوّل هذا الكلام بأن قال: وهذا من أجل أن الباء تساوي (مع) في الدلالة على المصاحبة كقولك: بعت الفرس بسرجه ولجامه، والدار بأثاثها، أي مع سرجه ولجامه ومع أثاثها 4، وأما ابن عصفور فحمل كلامه على ظاهرة المفعول معه هو الاسم المنتصب بعد الواو بمعنى مع المتضمن معنى المفعول به، وذلك نحو: ما صنعت وأباك، ألا ترى أن الواو التي بمعنى مع المتضمن معنى المفعول به، وذلك نحو: ما صنعت وأباك، ألا ترى أن الواو بمعنى مع والأب في المعنى مفعول به، كأنك قلت: ما صنعت بأبيك، ولو لم ترد هذا المعنى لكان الاسم الذي بعد الواو معطوفا على الاسم الذي قبله 5. انتهى.
وما قاله غير ظاهر إذ لا يتأتى له هذا التقدير في أكثر صور مسائل الباب، وقوله: إن المعنى ما صنعت بأبيك لا يلزم منه كون الأب مفعولا به؛ لأن الباء يجوز أن تكون بمعنى مع [2/ 483] والمراد ما صنعت مع أبيك؛ فإن قيل: المراد من هذا السؤال هو ما أوقعت من الصنع بأبيك، أجيب: بأن الباء تكون حينئذ معدية ويكون الأب مفعولا به في المعنى -
[ناصب المفعول معه والآراء في ذلك]
قال ابن مالك: (وانتصابه بما عمل في السابق من فعل أو عامل عمله لا بمضمر بعد الواو خلافا للزّجّاج، ولا بها
خلافا للجرجاني، ولا بالخلاف خلافا للكوفيّين).
ويخرج الكلام عن معنى المصاحبة والمعية إلى معنى آخر.
قال ناظر الجيش: شرع المصنف بعد ذكر الحد في ذكر العامل في المفعول معه، وذكر فيه أربعة مذاهب:
الأول 1: وهو قول سيبويه وأكثر البصريين أنه العامل في الاسم السابق على الواو 2، ثم العامل في الاسم السابق قد يكون فعلا وقد يكون عاملا عمل الفعل 3، فأما الفعل فنحو: ما صنعت وأباك، واستوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة 4، وما زلت وزيدا حتى فعل، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، ولا فرق بين المتعدي واللازم في ذلك، وذهب بعضهم إلى أن المفعول معه لا يكون إلا مع اللازم، [3/ 10] فلا يقال: ضربتك وزيدا على أن زيدا مفعول معه، قالوا:
لئلا يلتبس بالمفعول به، والجمهور على خلاف ذلك 5 وقد جوز سيبويه في نحو:
امرأ ونفسه والعطف والنصب على المعية 6، والفعل المقدر أترك وهو متعد والجمهور على أن كان الناقصة تنصب المفعول معه؛ لأن الأصح فيها أنها مشتقة وأنها تدل على الحدث، فعلى هذا تعمل في الظرف ويتعلق بها الجار وتنصب المفعول معه كسائر الأفعال، ومن سلبها الدلالة على الحدث منع أن تعمل في الثلاثة المذكورة، ولا تعويل على ذلك 7. وأما العامل عمل الفعل فالمصدر نحو: عرفت -
................................
استواء الماء والخشبة 1، واسم الفاعل نحو: لست زائلا وزيدا حتى تفعل، واسم المفعول نحو: الناقة متروكة وفصيلها، وعليه ما أنشده أبو علي:
1637 - لا تحبسنّك أثوابي فقد جمعت... هذا ردائي مطويّا وسربالا 2
فسربالا المفعول معه وعامله مطويّا، وقد علم من اقتصار المصنف في العامل على ما ذكره أن العامل المعنوي، وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه، لا ينصب المفعول معه، وذلك كحرف التنبيه والظرف المخبر به والجار والمجرور واسم الإشارة، وهذا مذهب سيبويه 3، قال المصنف: وينبغي أن تعلم أن مذهبه عدم الاكتفاء في نصب المفعول معه بما يكتفى به في نصب الحال، فلا ينصبه العامل المعنوي معه بما يكتفى به في نصب الحال فلا ينصبه العامل المعنوي؛ ولذا لم ينصبه بلك في: «هذا لك وأباك» ولا بحسبك في: حسبك وزيدا درهما 4، وأكثر المتأخرين يغفلون عن هذا.
قال: وقد أجاز أبو علي أن يكون العامل في سربالا «هذا» يعني اسم الإشارة 5. وظاهر كلام سيبويه المنع؛ لأنه قال في آخر أبوابه: وأما هذا لك وأباك فقبيح؛ لأنه لم [2/ 484] يذكر فعلا ولا حرفا فيه معنى فعل 6، أراد بقبيح ممنوعا وبالحرف الذي فيه معنى الفعل: حسبك وكفيتك وما ذكر بعدهما في الباب؛ فلو كان اسم الإشارة عنده مثلها لم يحكم بقبح هذا لك وأباك، بل كان يحكم فيه بما حكم في: ويله وأباه، وهذا واضح 7. انتهى.
وظاهر التمثيل بحسبك وكفيتك -
................................
للحرف الذي فيه معنى الفعل يقتضي أن هاتين الكلمتين ينصبان المفعول معه، لكن سيأتي في آخر الباب أن
المنصوب بعدهما إنما هو مفعول به وأن الناصب له فعل مقدر على ما يعطيه كلام سيبويه في آخر أبواب المفعول معه أيضا، وإذا كان كذلك فالظاهر أن مراد سيبويه هنا أن النصب في: هذا لك وأباك يمتنع على أنه مفعول معه؛ لأنه لم يذكر في الكلام فعل وعلى أنه مفعول به بفعل مقدر لأنه لم يذكر في الكلام ما فيه معنى فعل أي ما يدل على الفعل المقدر بمشاركة في اللفظ كما في:
حسبك وزيدا درهم، ويدل على أن هذا هو المراد من قول المصنف: بل كان يحكم فيه بما حكم في: ويله وأباه.
ولا شك أن المنصوب بعد «ويله» ليس مفعولا معه إنما هو مفعول به.
وإذا تقرر أن العامل في المفعول معه هو العامل في الاسم السابق من فعل أو عامل عمله فاعلم أن عمله إنما هو بوساطة الواو، فهي معدية له إلى ما بعدها، وإنما استغنى المصنف عن ذكر هذا القيد؛ لأنه قد علم أن قوله: إن الواو تجعله في اللفظ كمنصوب معدى بالهمزة، قال سيبويه - في: ما صنعت وأباك ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها -: إنما أردت مع أبيك ومع فصيلها، فالفصيل مفعول معه والأب كذلك والواو لم تغير المعنى ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها 1. قال المصنف: وكان حق الواو إذ هي معدية أن تجر ما عدت الفعل إليه كما فعلت حروف الجر إلا أنها أشبهت الواو العاطفة لفظا ومعنى، فلم تعط عملا بل أعطيت ما للعاطفة من إيصال عمل ما قبلها إلى ما بعدها لكن لا على سبيل الإتباع، وكان في ذلك أيضا تنبيه على أن أصل المجرور بحرف أن يكون منصوبا، ولكنه لما جر لفظا حكم على موضع معموله بالنصب؛ إذ لم تتمخض عامليته فإنه معد، ولتظهر بذلك مزية المتعدي بنفسه على المتعدي بواسطة، وقد ترتب على شبه الواو المرادفة «لمع» بالواو العاطفة ما ذكرته، وأمر آخر وهو أنها لم تجر مجرى «مع» في جواز التقديم بل جرت مجرى العاطفة في التأخير كما سيأتي 2.
المذهب الثاني: أن العامل فيه فعل مقدر بعد الواو وينسب إلى الزجاج 3، -
................................
قال المصنف: كأن تقول: إنّا إذا قلنا: ما صنعت وأباك فالنصب بإضمار كأنه قال: ما صنعت [2/ 485] ولابست أباك لأنه لا يعمل الفعل في المفعول وبينهما الواو، وهذا غير صحيح؛ لأن الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يصح به الارتباط؛ فإن ارتبطا بلا واسطة فلا معنى لدخول حرف بينهما، وإن لم يرتبطا إلا بواسطة فلا بد منها
تقول: ضربت زيدا وعمرا، فتنصب عمرا بضربت كما تنصب به زيدا، لكننا استغنينا في تعليق زيد بالعامل عن واسطة، واحتجنا إليها في تعليق عمرو فأتينا بها 1، ومثله في الحاجة إلى واسطة: ما ضربت إلا زيدا، وضربت إما زيدا وإما عمرا، فنصب ما بعد إلا بالفعل ولا تمنع الواسطة من ذلك؛ لأن المعنى لا يصح بدونها فكذا تنصب ما بعد الواو بما قبلها؛ لأن المعنى لا يصح إلا بها.
ومما يبين فساد تقدير الزجاج أنه إما أن يقصد تشريك صنعت ولا بست في الاستفهام فلا يصح؛ لأن صحة عطف الفعل على الفعل بعد الاستفهام يقتضي جواز الاستغناء بالثاني عن الأول، والأمر بخلاف ذلك في التقدير المذكور، إذ لا معنى لقول القائل: ما لابست أباك، وإما أن لا يقصد التشريك فلا يصح أيضا؛ إذ لا يعطف جملة خبرية على جملة استفهامية مع استقلال كل [3/ 11] واحدة منهما، فأن لا يجوز ذلك مع عدم الاستقلال كما في المثال المذكور أحق وأولى، وأيضا لو كان ما بعد الواو منصوبا بفعل مضمر، لم يحتج إلى الواو كما لا يحتاج إليها مع إظهاره، ألا ترى أنك لو أظهرت فعل الملابسة في: ما شأنك وزيدا، قلت:
ما شأنك تلابس زيدا دون واو، فيلزم من حكم بإضمار تلابس الاستغناء عن الواو كما يستغنى عنها مع الإظهار، والاستغناء عنها باطل وما أفضى إليه باطل 2.
انتهى.
قلت: وإذا كان الناصب فعلا مقدرا كما قال الزجاج: يكون المنصوب الواقع بعد الواو مفعولا به لا مفعولا معه، وإن كان الزجاج يقدر ذلك في كل صورة من صور هذا الباب، فلا مفعول معه عنده 3. -
................................
المذهب الثالث: أن الواو نفسها هي العاملة وهو رأي الجرجاني 1، قال المصنف: وهو باطل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن النصب لو كان بنفسها لم يشترط وجود فعل قبلها أو معنى فعل، كما لا يشترط في غيرها من النواصب، ولجاز أن يقال: كل رجل وضيعته 2.
الثاني: أن الحكم بكون الواو ناصبة حكم بما لا نظير له، إذ ليس في الكلام حرف ينصب الاسم إلا وهو يشبه الفعل كإنّ وأخواتها أو يشبه ما أشبه الفعل كلا المشبه بإنّ، والواو المرادفة «لمع» لا تشبه الفعل ولا ما أشبه الفعل، فلا يصح جعلها ناصبة للاسم.
الثالث: أنها لو كانت هي الناصبة لوجب اتصال [2/ 486] الضمير إذا وقع مفعولا معه 3، ولعد من الضرورات قول الشاعر:
1638 - فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي 4
ولا خلاف في وجوب الانفصال في مثل هذا، فعلم بذلك أن الواو غير عاملة، إذ ليس في الكلام ضمير نصب يجب انفصاله مع مباشرة الناصب له 5. -
[واو المفعول معه وحديث عنها]
قال ابن مالك: (وقد تقع هذه الواو قبل ما لا يصحّ عطفه خلافا لابن جنّي).
المذهب الرابع: وهو للكوفيين أن المفعول معه منصوب بالمخالفة 1، قال المصنف: وقد تقدم في باب الابتداء إبطال نسبة العمل إلى المخالفة بدلائل أغنى ذكرها ثم عن ذكرها ها هنا 2.
وثمّ مذهب خامس لم يذكره المصنف: وهو أن المنصوب بعد الواو المذكورة منصوب على الظرف، وهو منسوب إلى الأخفش 3، وذلك أن النصب الذي تستحقه «مع» لو ذكرت انتقل إليه لما جيء بالواو مكانها لتعذر نصب
الواو، وفي شرح الشيخ: أن المذهب الرابع الذي تقدم ذكره هو قول بعض الكوفيين، وأن معظم الكوفيين والأخفش ذهبوا إلى أن الواو مهيئة لما بعدها أن ينتصب انتصاب الظرف لا بالخلاف؛ لأنه لما حذفت «مع» وقد كانت منتصبة على الظرف وأقيمت الواو مقامها انتصب الاسم بعدها على معنى انتصاب «مع» إذ لا يصح انتصاب الحرف، ونظّر ذلك بقوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 4 لما قامت غير 5، وقد ردّ هذا المذهب بأنه لو كان انتصاب الاسم على الظرف لكان إذا أضمر يلزم ذكر «في» فيتعين أن يقال في «تكون وإياها مثلا بعدي»: تكون وفيها 6.
قال ناظر الجيش: ذكر ابن خروف أن أبا الفتح بن جني قال: إن العرب لم تستعمل الواو بمعنى «مع» إلا في موضع يصح أن تقع عاطفة، وأنكر قوله ابن خروف نفسه 7، قال المصنف: وهو بالإنكار حقيق، فإن العرب استعملت -
................................
الواو بمعنى «مع» في مواضع لا يصلح فيها العطف، وفي مواضع يصلح فيها، والمواضع التي لا يصلح فيها العطف على ضربين: -
أحدهما: ترك فيها العطف لفظا ومعنى.
والثاني: استعمل فيها العطف لمجرد اللفظ كاستعمال النعت على الجوار، الأول قولهم: استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل، ومنه قول الشاعر:
1639 - فكان وإيّاها كحرّان لم تفق...... 1
البيت الذي تقدم إنشاده.
ومن الثاني قولهم: أنت أعلم ومالك أي أنت أعلم مع مالك كيف تديره، ومالك معطوف في اللفظ ولا يجوز رفعه على القطع وإضمار الخبر؛ لأن المال لا يخبر عنه «بأعلم» وشرط المبتدأ المضمر خبره أن يكون خبره مثل خبر المعطوف عليه، وأما وقوع الواو بمعنى «مع» في موضع يصلح للعطف فكثير، وفيه تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى 2. انتهى.
والذي ذكره يظهر أنه الحق [2/ 487] لكن المنقول أن ما ذكره عن ابن جني هو قول الجمهور، وأنه محكي عن الأخفش 3 وأنه قول السيرافي 4 والفارسي ومختار الشلوبين 5 وأتباعه كابن عصفور 6 وابن الضائع، حتى قال ابن الباذش: يمتنع بإجماع أن يكون المفعول معه غير منقول من العطف 7، ونقل الشيخ عن صاحب البديع: تقول: جلست والسارية، -
................................
والأخفش لا يجيز هذا، قال: ولا أقول: ضحكت وطلوع الشمس حتى لا يصح فيه العطف؛ إذ الطلوع لا يكون منه ضحك، وأجاز جاء البرد والطيالسة؛ لأن المجيء يصح منهما، وقد استدل على أن أصلها العطف بثلاثة أمور:
الأول: أنها لو لم تكن العاطفة لكانت مختصة وللزم خفضه بها، فلما لم يخفض دل على أنها حرف عطف في الأصل، فروعي ذلك الأصل.
الثاني: امتناع تقديم ما بعدها على الفعل كما لا يتقدم المعطوف على الفعل، ولو لم يكن أصلها العطف لتقدم كما يتقدم سائر المفعولات.
الثالث: أنه لا يجوز أن تستعمل إلا حيث يجوز فيه العطف حقيقة، نحو: جاء البرد والطيالسة، وما صنعت وأباك، أو مجازا نحو: سار زيد والنيل؛ لأنه يصح فيه العطف بطريق المجاز، وذلك أنه لا يفارق زيدا في حال سيره كما لا يفارقه من سايره، وهذا بخلاف: ضحكت وطلوع الشمس؛ إذ لا يصح إسناد هذا الفعل إلى طلوع الشمس لا حقيقة ولا مجازا 1، ومقتضى كلامهم واستدلالهم أنه لابد من تصور صحة العطف في جميع صور مسائل هذا الباب، [3/ 12] إما بطريق الحقيقة وإما بطريق المجاز، حتى غلطوا الزجاجي في دعواه أنه لا يجوز في: استوى الماء والخشبة إلا النصب 2، وقالوا: العطف جائز بطريق المجاز لكنه ضعيف 3، وحتى إنهم قالوا في:
1640 - فكان وإيّاها كحرّان 4
إن المراد كحران والماء لأنه لا يشبه اثنان بواحد، وعلى هذا يصح العطف؛ إذ يصير التقدير: فكان هو وهي كحران والماء، وقالوا في: «أنت أعلم ومالك»: لما كان النظر في المال يلزم منه في الأكثر مجيء المال على اختيار الناظر فيه صار موافقا -
................................
له فنسب إليه العلم مجازا 1، لكن قد تقدم تقرير ما يقتضي أن واو «مع» غير واو العطف وهو أن واو العطف إنما هي لتشريك الثاني مع الأول في الحكم، وأما واو «مع» فلا تقتضي تشريكا، وإنما هي للدلالة على المصاحبة لا غير، فقد لا يكون الثاني مشاركا للأول نحو: سرت والطريق، وقد يكون مشاركا نحو: جئت وزيدا، لكن الواو لا دلالة لها على ذلك إنما جيء بها لقصد الدلالة على المصاحبة فقط ولم تقصد الدلالة على المشاركة، ولا شك أن هذا يبعد أن يكون العطف هو الأصل في ذا الباب، فإن قيل: قصد المصاحبة بالواو لا ينافي في كونها واو العطف في الأصل فما وجه تبعيده؟
أجيب بأن يقال: إن سلمنا ذلك فأي ضرورة تدعو إلى القول به [2/ 488] فإن المعنى المراد من العطف مع قصد
المصاحبة ممتنع كما عرفت، وليس المفعول معه محتاجا في تصوره إلى أن يقدروا واوه واوا عطفت في الأصل.
وأما ما استدل به من الأمور الثلاثة المتقدمة فلا حجة فيه:
أما الأمران الأولان وهما أن الواو لو لم تكن عاطفة لكانت مختصة، فكان يلزم خفض الاسم، وأنها لو لم تكن عاطفة لجاز تقدم ما بعدها على الفعل، لكنه ممتنع كما يمتنع مع العاطفة، فقد تقدم من كلام المصنف ما هو الجواب عن الأول وهو قوله: إنها إنما لم يجر ما بعدها؛ لأنها أشبهت الواو العاطفة لفظا ومعنى فلم تعط عملا، بل أعطيت ما للعاطفة من إيصال عمل ما قبلها إلى ما بعدها، لكن لا على سبيل الإتباع، وكما أن هذا جواب عن الأمر الأول فهو جواب عن الأمر الثاني أيضا، وهو أنها لما أشبهت العاطفة منعت التقدم على الفعل كما أن العاطفة ممنوعة من ذلك.
وأما الأمر الثالث وهو أنه لا يجوز أن تستعمل واو المعية إلا حيث يجوز العطف فلا يتوجه دليلا؛ لأن هذا هو محل النزاع، فالمخالف لا يلتزم ذلك ويجوز الاستعمال حيث لا يصلح العطف، وأما جوابهم عن نحو: استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل، وأنت أعلم ومالك بأن العطف إن لم يصح في هذه الأمثلة حقيقة فإنه يصح مجازا - فغير مرضي إذ لم يقم دليل يوجب المصير إلى ذلك، ولا يخفى بعد -
[المفعول معه وحكم تقديمه]
قال ابن مالك: (ولا يتقدّم المفعول معه على عامل المصاحب باتّفاق ولا عليه خلافا لابن جنّي).
وجه المجاز الذي أيدوه في «أنت أعلم ومالك» على أن ما ذكروه في استوى الماء والخشبة وسار زيد والنيل من صحة العطف مجازا لا يتأتى في قول الشاعر:
1641 - فكان وإيّاها كحرّان
وقولهم: إن المراد كحران والماء؛ لأنه لا يشبه اثنان بواحد - كلام عجيب إذ لا مانع من تشبيه اثنين وأكثر من اثنين بواحد، ولو سلم ذلك فالمقصود بالتشبيه في البيت إنما هو الرجل، فهو المشبه حال مصاحبته لمدلول «إياها» وهو المراد بالحران إذ المعنى على ذلك، ويدل عليه قوله:
1642 - لم يفق... عن الماء إذ لاقاه حتّى تقدّدا
ولو كان المراد ما ذكر من تشبيه الرجل بالحران والمرأة بالماء، لكان ينفي الإفاقة عن المرأة لا عن الماء، وإذ قد تقرر هذا فنقول: الذي اختاره المصنف ونقله عن ابن خروف هو الحق وكلام بدر الدين الذي تقدم إيراده يقتضي أن واو المعية غير واو العطف 1.
قال ناظر الجيش: اعلم أن منع تقديم المفعول معه ظاهر على مذهب القائلين بأن أصل واو «مع» العطف، أما [2/ 489] كونها لا تتقدم على العامل، فلأن واو العطف لا تتقدم عليه 2، وأما كونها لا تتقدم على المصاحب دون العامل وإن كان ذلك يجوز في واو العطف بشروط فقالوا: لأنها لما خرجت عن أصلها من العطف المحض لم يتصرف فيها كما تصرفوا في الأصل، لكن ابن جني مذهبه أن أصل الواو العطف (كما عملت) 3، وقد جوز مع ذلك التقديم على المصاحب 4 كما -
................................
سيأتي، وقد يعتل له بأن الأصل في المفعول معه أن لا يمتنع تقديمه بخلاف المعطوف فإنه تابع، والأصل في التابع أن لا يتقدم على متبوعه، فليست في المفعول معه العلة المانعة من التقديم، وإنما المانع تشبيهه به، وهو قد جاز فيما هو الأصل مع وجود العلة المانعة وهي التبعية، فأن تجوز في الفرع مع فقد العلة أولى 1، وأما منع تقديم المفعول معه على مذهب الآخرين وهم الذين لا يرون أن أصل الواو العطف، فقد يقال: إنه غير ظاهر؛ لأنها إذا لم يكن أصلها العطف فلا مانع من التقديم حينئذ، ولكن التقديم ممتنع عندهم كما هو عند أصحاب المذهب الآخر، ويعتلون لذلك بمشابهة هذه الواو واو العطف فيجب أن تعطى حكمها.
وقد أشعر كلام المصنف أن المانع من التقديم شبه الواو بهمزة التعدية؛ فإنه قال في شرح هذا الموضع: قد تقدم بيان كون الواو التي بمعنى «مع» معدية وأن لها شبها بالواو العاطفة في اللفظ والمعنى؛ ولذلك لم تعمل عمل حروف الجر في لفظ ما عدت إليه العامل، بل أوصلت إليه عمل العامل لفظا ومحلّا ولازمت حملا واحدا لشبهها بهمزة التعدية فلا تتقدم على عامل المصاحب كما تتقدم «مع» في قولهم: مع الخشبة استوى الماء، فلا يقال: والخشبة استوى الماء، وكذا لا يقال:
استوى والخشبة الماء، فالأول مجمع على منعه، والثاني ممنوع إلا عند ابن جني فإنه أشار في الخصائص إلى جوازه 2، وله شبهتان:
إحداهما: أنه قد جاز ذلك في العاطفة، فليجز فيها لأنها محمولة عليها.
والثانية: أن ذلك قد ورد في كلامهم، فينبغي [3/ 13] أن يحكم بذلك، ومن الوارد في ذلك قول الشاعر 3:
1643 - أكنيه حين أناديه لأكرمه... ولا ألقّبه والسّوءة اللّقبا 4
ومثله قول الآخر: -
................................ 1644 - جمعت وفحشا غيبة ونميمة... خصالا ثلاثا لست عنها بمرعوي 1 ولا حجة في الشبهتين، أما الأولى فالجواب عنها من وجهين: أحدهما: أن العاطفة أقوى وأوسع مجالا فجعل لها مزية بتجويز التقديم، ولأن المعطوف بالواو نسبة العامل إليه كنسبته إلى المتبوع فلم يكن في تقديمه محذور، بل كان فيه إبداء مزية للأقوى على الأضعف [2/ 490]، فلو أشرك بينهما في الجواز خفيت المزية. والثاني: أن واو «مع» وإن أشبهت العاطفة فلها شبه يقتضي لها لزوم مكان واحد كما لزمت الهمزة مكانا واحدا. وأما الشبهة الثانية عن احتجاجه بالبيتين المذكورين فضعيفة أيضا، إذ لا يتعين جعل ما فيهما من المنصوبين من باب المفعول معه، بل جعله من باب العطف ممكن وهو أولى؛ لأن القول بتقديم المعطوف في الضرورة مجمع عليه وليس كذلك القول بتقديم المفعول معه. أما البيت الأول: فالعطف فيه ظاهر لأن تقديره: جمعت غيبة ونميمة وفحشا، وبهذا وجهه أكثر النحويين 2. وأما البيت الثاني: فهو من باب: 1645 - وزجّجن الحواجب والعيونا 3
................................
فنصب «العيون» بفعل دل عليه «زججن» تقديره: وكحلن العيون؛ فلو دعت ضرورة إلى التقديم لم يختلف التقدير، فكذلك أصل:
1646 - ولا ألقّبه والسوأة اللّقبا 1
ولا ألقبه اللقب وأسوؤه السوأة فحذف أسوؤه لدلالة ألقبه عليه ثم قدم مضطرّا وبقي التقدير على ما كان عليه 2. انتهى.
وهو كلام حسن غير أن قوله في الوجه الأول وجهين، فالجواب عن الشبهة الأولى أن العاطفة أقوى وأوسع مجالا فجعل لها مزية، لا يحسن ردّا على ابن جني؛ لأن واو «مع» عنده ليست غير العاطفة.
فإذا ثبت للعاطفة حكم وجب ثبوته لها وهي للمعية، وقد قدمت العاطفة في الضرورة فليجز تقديم واو المعية للضرورة.
وأما الجواب عن الوجه الثاني فغايته أنها معدية ما قبلها إلى ما بعدها، بمعنى أن العامل يصل بسببها إلى ما بعدها،
ولا شك أن واو العطف كذلك؛ لأن الأصح من المذاهب أن العامل في المعطوف هو العامل في المعطوف عليه بوساطة حرف العطف، وليست واو «مع» في التعدية كالهمزة؛ لأن الهمزة ما عدت الفعل التي هي فيه، بل صار الفعل بسببها متعديا، والهمزة صارت من جملة حروف الفعل، فحكمها حكم أحد أجزائه، وجزء الكلمة لا يتقدم عليها، وأما الواو فهي معدية ومنفصلة عن الفعل الذي عدته وليست جزءا منه والفارق يمنع القياس، وأما الجواب الذي ذكره في البيتين فظاهر، لكن قد يقال في الجواب عن:
ولا ألقّبه والسوأة اللّقبا
لا يلزم من جواز تقديم المعطوف على المعطوف عليه إذا كان عاملهما واحدا جواز ذلك إذا كان لكل منهما عامل.
- والتصريح (1/ 246)، وشرح الألفية لابن الناظم (ص 111)، والهمع (1/ 122)، والمطالع السعيدة (337)، وحاشية يس (1/ 432)، واللسان (زجج).
والشاهد فيه: نصب «العيون» بفعل محذوف تقديره: وكحلن العيونا، ويذهب بعضهم إلى تضمين زججن معنى زيّنّ حتى يسوغ له نصب الاسمين، وقد ذهب العلماء إلى هذين التقديرين، لأن العطف ممتنع لانتفاء المشاركة والنصب على المعية ممتنع لانتفاء فائدة الإعلام بها.
[أقسام خمسة لما بعد الواو وحكم كل قسم]
قال ابن مالك: (ويجب العطف في نحو: أنت ورأيك وأنت أعلم ومالك، والنّصب عند الأكثر في نحو: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا، والنّصب في هذين ونحوهما بكان مضمرة قبل الجارّ أو بمصدر «لابس» منويّا بعد الواو لا بـ «لابس» خلافا للسيرافي وابن خروف، فإن كان [2/ 491] المجرور ظاهرا رجّح العطف وربّما نصب بفعل مقدّر بعد «ما» أو «كيف» أو زمن مضاف أو خبر ظاهر في نحو: ما أنت والصّبر، وكيف أنت وقصعة، وأزمان قومي والجماعة، وأنا وإيّاه في لحاف.
ويترجّح العطف بلا تكلّف ولا مانع ولا موهن، فإن خيف به فوات ما يضرّ فواته رجّح النّصب على المعيّة).
قال ناظر الجيش: اعلم أنه قد تقدم أن المفعول معه لا بد له من عامل يتقدم الواو، وأنه إما فعل أو عامل عمل الفعل كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول، وأن العامل المعنوي وهو ما تضمن معنى الفعل دون حروفه لا عمل له
فيه، ولا شك أن دلالة الواو على المعية لا تتوقف على وجود العامل المذكور؛ لأنه ليس من شرط دلالتها على المعية نصب ما بعدها، فقد تفيد المعية ولا نصب أصلا كما في «كل رجل وضيعته» 1 فكون الواو صالحة للدلالة على المعية أعم من كونها صالحة لأن ينصب ما بعدها مفعولا معه، فليس النصب لازما للدلالة على المعية؛ إذ الأخص غير لازم للأعم، وإذا كان كذلك ساغ انقسام ما يذكر بعد الواو المفيدة للمعية إلى ما يصح فيه أن يكون معطوفا على ما قبله ولا يصح فيه النصب على المعية، وإلى ما يصح فيه أن ينصب على المعية، وعلى هذا كان ينبغي أن يقال: إذا قصدت المعية فإما أن لا -
................................
يكون ثمّ عامل يصح عمله في المفعول معه فالعطف أو يكون ثم عامل يصح منه ذلك فالنصب على المعية، فيكون أحد الأمرين أعني العطف المفهوم منه المعية والنصب على المعية لازما؛ لأن المعية إذا كانت مقصودة للمتكلم لا يجوز العدول عنها إلى ما لا يدل عليها وهو العطف المراد به التشريك في الحكم، لكن النحاة ضموا إلى القسمين قسمين آخرين، وهما جواز العطف مع أرجحيته وجواز النصب على المعية مع أرجحيته، فصارت الأقسام أربعة:
واجب العطف وواجب النصب وراجح العطف وراجح النصب.
وقد ذكرها المصنف في هذا الكتاب وفي بقية كتبه 1، وذكر ابن عصفور قسما آخر وهو ما يستوي فيه الأمران 2، أعني العطف والنصب، لكنه لم يذكر راجح النصب في الأقسام فتضمن كلامه أربعة أقسام كما تضمنها كلام المصنف، لكن أحد الأقسام الذي ذكره هذا غير القسم الذي ذكره هذا، فيخرج من كلام الرجلين خمسة [3/ 14] أقسام، لكنك قد عرفت أن النصب عند قصد المعية لازم فكيف يحكم برجحانه على العطف في بعض الصور، بل كيف يحكم بتساوي الأمرين في بعضها أيضا، والذي يرفع هذا الإشكال أن يقال: إنهم إنما حكموا بالرجحان أو بالتساوي نظرا إلى مجرد صور التراكيب [2/ 492] اللفظية مع قطع النظر عما يقصد من أحد المعنيين، أعني العطف والمعية، ولكن يشكل على هذا التقدير حكم المصنف برجحان العطف في مثل: كنت أنا وزيد كالأخوين 3؛ لأن تجويز هذا المثال يسوغ فيه كل من الأمرين دون ضعف فينبغي الحكم فيه بالتساوي، نعم ينبغي الحكم
برجحان العطف في مثل: ما أنت وزيد وما شأن عبد الله وزيد، وبنحو هذا مثّل ابن عصفور لهذا القسم 4، وإنما رجح العطف فيه لعدم ما يصلح أن يكون عاملا في المفعول معه في اللفظ والاحتياج إلى تكلف تقدير إذا نصبنا، وأما القسم -
................................
الذي يحكم فيه برجحان النصب فإنما لم يتضمنه تقسيم ابن عصفور لما سنذكره بعد، وبهذا التقرير يظهر أن الصور في هذا الباب خمس لا أربع.
إذا عرف هذا فلنشرع في إيراد الأقسام مع مراعاة ترتيب الكتاب ولفظه.
القسم الأول: ما يجب فيه العطف: ولوجوب العطف سبب واحد لفظي وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (ويجب العطف في نحو: أنت ورأيك، وأنت أعلم ومالك)، وضابطه: أن كل موضع كانت فيه الواو بمعنى «مع» بعد ذي خبر لم يذكر أو ذكر وهو أفعل التفضيل، وإنما لزم العطف في مثل هذا لعدم فعل وما يعمل عمله، والمراد بالعامل عمله أن يكون من جنس ما ينصب مفعولا به 1، فلا أثر لوجود أفعل التفضيل؛ لأنه لا ينصب المفعول به 2.
قال المصنف: ولا خلاف في وجوب الرفع فيما أشبه المثالين المذكورين، ومن ادعى جواز النصب في: «كل رجل وضيعته» 3 على تقدير كل رجل كائن وضيعته فقد ادعى ما لم يقله عربي، فلا التفات إليه ولا تعريج عليه، ومثل كل رجل وضيعته وأنت ورأيك قول العرب: الرجال وأعضادها، والنساء وأعجازها 4 حكاه الأخفش ومثله: إنك ما وخيرا 5 حكاه سيبويه 6، و «ما» زائدة، ومثله قول شداد أبي عنترة: -
................................
1647 - فمن يك سائلا عني فإنّي... وجروة لا ترود ولا تعار 1
ولمجيء هذه الواو بعد مبتدأ أو بعد اسم «إن»، قال المصنف 2: ويجب العطف، ولم أقل ويجب الرفع، فإن المعطوف بعد مبتدأ يرفع وبعد اسم إنّ ينصب، فعمتهما العبارة، واعلم أنه قد تقدم الكلام في باب المبتدأ على إعراب:
«كل رجل وضيعته» ومثله أنت ورأيك، فاستغنى عن إعادته هنا.
وأما أنت أعلم ومالك فالعطف فيه ظاهر الإشكال؛ لأنه إما أن يعطف على الخبر الذي هو أعلم فيلزم منه الإخبار بالمال عن «أنت» لأن المعطوف على خبر شيء خبر لذلك الشيء أيضا، ولا شك أنه لو قيل: «أنت مالك» لم يصح، وإما أن يعطف على الضمير المستكن في الخبر، فيلزم منه إسناد «أعلم» إلى المال، كما أنه مسند إلى الضمير المعطوف عليه، ولا يصح كون المال فاعلا لأعلم [2/ 493]، ثم إن العطف على الضمير يستلزم أمرين آخرين وهما:
العطف على الضمير المتصل المرفوع دون فصل بتوكيد ولا غيره.
والآخر: رفع أفعل التفضيل الظاهر، وقد يدعى جواز العطف على الضمير المذكور دون فصل على قلة 3، وأنه لا يلزم من مجيء الظاهر مرفوعا بعد المرفوع بأفعل التفضيل صحة رفع أفعل لذلك الظاهر؛ لأن العطف لا يشترط في صحته حلول المعطوف محل المعطوف عليه، بدليل «رب رجل وأخيه» 4، فالأولى أن تقول علة المنع
على ما ذكرناه أولا.
-
................................ وإما أن يعطف على المبتدأ الذي هو أنت ويكون «أعلم» خبرا عنهما، أعني عن أنت وعن مالك، إن جاز ذلك، أو يقدر له خبر يكون معطوفا على الخبر الذي هو «أعلم» كما أن «ومالك» معطوف على المبتدأ الذي هو «أنت» فيكون المبتدأ قد عطف على المبتدأ والخبر المقدر قد عطف على الخبر، فيلزم إذ ذاك الإخبار عن المال بالأعلمية، ولا يصح أيضا لأنه كما لم يصح كون الأعلمية مسندة إلى المال على جهة الفاعلية لا يصح كونها مسندة إليه على جهة الخبرية 1، فقد ظهر امتناع عطف «ومالك» على التقادير الثلاثة، وقد افترق الناس في توجيه ذلك فرقتين: فرقة استقرت بالواو على بابها من اقتضائها التشريك بين المتعاطفين في اللفظ والمعنى فاضطروا إلى دعوى المجاز بأن قالوا: إن مالك معطوف على المبتدأ الذي هو «أنت» وأخبر عنه «بأعلم» تجوزا، وذلك أنه لما كان النظر في المال يلزم منه في الأكثر مجيء المال على اختيار الناظر فيه صار مواتيا له فنسب العلم إليه مجازا 2. وفرقة حملت الواو هنا على أنها غير مشركة في المعنى، وأنها إنما شركت في اللفظ فقط وقالوا: إن الواو في هذا المحل نابت عن حرف آخر وهو الباء كما سيأتي، والباء لا دلالة لها على تشريك معنوي فأعطيت الواو حكم ما نابت عنه، ولما كانت صورة العاطفة أعطت حكمها لفظا فشركت في الإعراب لا غير، وهذا القول هو المعول عليه 3، وتقديره أن أصل الكلام: أنت أعلم بمالك، فحذفت الباء ونابت الواو منابها كما أنابوها منابها في قولهم: بعت الشاة شاة ودرهما أصله شاة بدرهم، ثم حذفت الباء وأقيمت الواو مقامها، والمعنى مع الواو كحاله مع الباء، فلم تفد الواو إلا التشريك في اللفظ لا غير 4، وإلى هذا ذهب الجرمي وابن طاهر أعني كون الواو عاطفة لفظا لا معنى 5 وهو اختيار المصنف، وقد -
................................
تقدم ذكر ذلك في أوائل الباب غير أنه قال: أنت أعلم مع مالك كيف تديره فلم يتعرض إلى ذكر الباء، وتبع فيما قاله سيبويه حيث قال: فإنما أردت: أنت أعلم مع مالك [3/ 15]، ويظهر أن كلّا من الاعتبارين صحيح، أما من قال: المراد:
مع مالك فمراده تفسير معنى الواو، ولا شك أن معناها [2/ 494] المعية لأنها واو «مع» أي الواو التي تفيد ما تفيد «مع»، ومن قال: المراد: أنت أعلم بمالك فمراده أن الأصل كان للباء، ثم أقيمت الواو مقامها.
فذكر الباء باعتبار أصل التركيب، وذكر «مع» باعتبار ما آل إليه الأمر بعد إبدال الباء بالواو، وأيضا فالخبر الذي هو أعلم مشعر بما كانت الباء تفيده لو ذكرت بخلاف ما لو ذكرت الباء فإنها مع «أعلم» لا دلالة لها على الصحبة، فكان تفسير سيبويه للواو في «ومالك» بمعنى «مع» أولى من تفسيرها بالباء، فإن قلت: ما الموجب لأن عدلوا إلى الواو فأقاموها مقام الباء في مثل هذا قلت: يمكن أن يقال: المراد من قولهم: أنت أعلم ومالك - شيئان:
أحدهما: الدلالة على المعية، والآخر: الدلالة على العلم بطرق التصرف فيه والتدبير، فلو لم يعدل إلى الواو وقيل: أنت أعلم بمالك، لانتفت الدلالة على المعية ظاهرا؛ لأن الباء أصلها أن تكون للإلصاق لا للمعية ولو لم تكن الواو نائبة عن الباء وكانت مأتيّا بها ابتداء انتفت الدلالة على العلم بطرق التصرف والتدبير في المال وتمحضت الدلالة على المعية والغرض أن كلا الأمرين مراد، فإذا ادعي في الواو النيابة عن الباء حصلت إفادة الأمرين معا؛ لأنها تفيد معنى الباء بالنيابة، وتفيد المعنى الآخر بالأصالة، فإذا عرفت أن الواو هنا نائبة عن الباء وأن العطف روعي فيه اللفظ دون المعنى، وقد تقدم الواو اسمان مبتدأ وخبر وهما أنت وأعلم وجب أن نبحث عن المعطوف ما هو من هذين الاسمين، وقد قيل بعطفه على كل منهما، ولا شك أنه إذا تقرر أن العطف هنا لفظي لا شركة بينه وبين
المعطوف عليه في المعنى كان العطف سائغا على أيهما شئت، لكن تنظير المصنف هذا الاستعمال باستعمال النعت على الجواز يقتضي أن يكون المعطوف عليه هو الخبر لقربه وبجواره لا الاسم، وقد صرح بعطفه على الخبر أبو بكر بن طاهر فقال: هو معطوف على «أعلم» لأن الأصل بمالك، فوضعت الواو موضع الباء فعطفت على ما قبلها ورفعت -
................................
ما بعدها في اللفظ وهي بمعنى الباء متعلقة بأعلم 1.
قال الشيخ: وهذا أقرب لتفسير كلام سيبويه لأنه قال في الواو: تعمل فيما بعدها المبتدأ، يريد أنك تعطفه على «أعلم» فيعمل فيه ما عمل في أعلم وهو المبتدأ 2، هذا ما انتهى إليه الكلام في هذه المسألة، وقد قيل: إن «ومالك» خبر عن مبتدأ مقدر والتقدير: أنت أعلم وأنت ومالك فحذف المبتدأ، ثم حذفت الواو الداخلة لالتقائها مع الواو الأخرى، وعلى هذا يئول الأمر إلى عطف جملة على جملة 3، ولا يخفى ما في هذا الإعراب من التكلف وتقدير مستغنى عنه، مع أنه يؤدي إلى أن القصد هو الإخبار عن المخاطب بأنه أعلم من غيره، ثم الإخبار بأنه مع ماله، ولا يخفى أن هذا ليس بمراده، ثم إنه إنما يتأتى جعل «ومالك» خبرا عن «أنت» [2/ 495] المقدر إلا على رأي ابن خروف، كما يدعيه في «كل رجل وضيعته» 4 وقد تقدم بيان ضعفه، وإما أن يكون «ومالك» مبتدأ والخبر محذوف فمنعه ظاهر 5، وقد تقدم في كلام المصنف قوله: (ومالك) معطوف في اللفظ ولا يجوز رفعه على القطع وإضمار الخبر؛ لأن المال لا يخبر عنه «بأعلم» وشرط المبتدأ المضمر خبره أن يكون خبره مثل خبر المعطوف عليه.
ثم إن المصنف لما أتم كلامه على مسألة: أنت أعلم ومالك قال: وأما قولهم: أنت أعلم وعبد الله فيحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الواو بمعنى «مع» وعطف بها في اللفظ مبتدأ حذف خبره وجوبا لوقوعه موقع المجرور بمع والاستطالة.
والثاني: أن تكون الواو لمجرد العطف وعبد الله مبتدأ محذوف الخبر جوازا، والتقدير: أنت أعلم بعبد الله وعبد الله أعلم بك، ثم دخله الحذف كما دخل في -
................................
نحو: أأنت خير أم زيد؟ والأصل: أأنت خير من زيد أم زيد خير منك؟
الثالث: أن يكون عبد الله معطوفا على أنت وأعلم خبر عنهما كأنه قال: أنت وعبد الله أعلم من غير كما فيشتركان في المعنى، ويكون أعلم خبرا لهما 1 متوسطا بينهما 2. انتهى.
وأورد الشيخ هذه التوجيهات الثلاث في شرحه كما أوردها المصنف من غير زيادة ولا نقص، غير أنه قال بعد ذلك: قال أبو الفضل البطليوسي 3 في شرح الكتاب: فعلى هذا يجوز: زيد قائمان وعمرو ولا مانع منه، ثم قال الشيخ:
ولا ينبغي أن يجوز إلا بسماع من العرب.
والفرق بين المسألتين أن «أعلم» أفعل التفضيل فيجري مفردا مذكرا على المفرد المذكر وفروعهما؛ فلا يظهر في ذلك مخالفة خبر لمخبر عنه فنقول: أنت أعلم وزيد كما تقول: أنت وزيد أعلم بخلاف إذا قلت: زيد قائمان وعمرو؛ إذ لا يصح: زيد قائمان للمخالفة فلا يصح: زيد قائمان وعمرو، والذي ينبغي منع زيد قائمان وعمرو، لأن فيه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما هو خبر لهما ومخالفة لفظه لفظ المبتدأ 4. انتهى.
وهذا الكلام من البطليوسي ومن الشيخ يقتضي صحة: زيد أعلم وعبد الله، على أن أعلم خبر عنهما كما رآه المصنف، وفي جواز ذلك نظر؛ وذلك أن المبتدأ في هذه المسألة هو مجموع الاسمين، لأن الخبر إنما هو خبر عنهما معا فوجبت نسبة المبتدأ فيه إليهما وشأن الخبر أن يذكر بعد مبتدأ به أو قبله، حيث يجوز تقديمه عليه، وأما أن يتوسط بين أجزائه فلا.
وأما الوجه الأول فلا يتجه فيه القول بوجوب حذف الخبر، وليس خبر هذا الاسم -
................................
واقعا موقع المجرور بمع، فيجب حذفه 1، وأما قوله في الواو الداخلة على المبتدأ:
إنها بمعنى «مع» فلا يتحقق، وليست هذه الواو [3/ 16] واو «مع» لأن «مع» لا تقع موقعها، وكيف تحكم بأنها واو «مع» وقد وقعت أول [2/ 496] الكلام؛ لأن الغرض أن عبد الله مبتدأ لا معطوف على ما قبله وواو «مع» لا تقع أولا، والذي يظهر أن هذا الوجه لا يتصور ولم يتحقق من الأوجه الثلاثة التي ذكرها غير الوجه الثاني وهو أن الواو عاطفة وعبد الله مبتدأ حذف خبره جوازا، لدلالة ما تقدم عليه، وتقديره: أنت أعلم بعبد الله وعبد الله أعلم بك كما ذكر المصنف.
القسم الثاني: ما يجب فيه النصب على المعية: ولوجوب النصب سببان: لفظي ومعنوي، أما المعنوي فيأتي الكلام عليه حيث أشار إليه المصنف، وأما اللفظي فقد مثّل له بنحو: مالك وزيدا، وما شأنك وعمرا.
قال المصنف: والإشارة بذلك إلى كل جملة آخرها واو المصاحبة، وتاليها وأولها «ما» المستفهم بها على سبيل الإنكار قبل ضمير مجرور باللام أو الشأن أو ما يؤدي ما يؤديانه 2. انتهى.
وتوجيه وجوب النصب: أن العطف في مثله ممتنع؛ إذ لا يصح العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، وإذا لم يصح العطف تعين النصب، لكن ليس في الجملة السابقة عامل ينصب المفعول معه فوجب أن يقدر له ناصب 3 وقد ذكر المصنف أن الذي يقدر أحد أمرين: إما كان مضمرة قبل الجار للضمير، فيكون المنصوب مفعولا معه، وإما مصدر «لابس» منويّا بعد الواو، وجعل التقديرين في هذين المثالين وما أشبههما مذهبين لسيبويه 4، وإذا قدر المصنف فقد يقدره منويّا وقد يقدره مضافا إلى ضمير المخاطب.
قال سيبويه: هذا باب ما يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على -
................................
أوله، وذلك قولك: مالك وزيدا وما شأنك وعمرا 1، ثم قال في متن الباب: فإذا أظهر الاسم فقال: ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجر، ثم قال: وإذا أضمرت فكأنك قلت: ما شأنك وملابسة زيدا أو وملابستك زيدا فكان أن يكون على فعل وتكون الملابسة على الشأن؛ لأن الشأن معه ملابسة أحسن من أن يجروا المظهر على المضمر 2. هذا نصه.
قال المصنف: فحمل أبو علي الشلوبين كلامه على ظاهره واعتذر عن إعمال المصدر مضمرا بأنه هنا في قوة الملفوظ به، لوضوح الدلالة عليه 3، ودعاه إلى الاعتذار أن سيبويه منع في باب الوصف بإلا حذف أن يكون وارتفاع «الفرقدان» به فقال بعد إنشاده:
1648 - وكلّ أخ مفارقه أخوه... لعمر أبيك إلّا الفرقدان 4
كأنه قال: وكل أخ غير «الفرقدان» مفارقه أخوه، ثم قال: ولا يجوز على «إلا» أن يكون لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، لأن أن يكون اسم 5، فظاهر كلامه أن المصدر العامل لا يضمر، فحمل كلامه ثمّ على أنه لا يضمر لضعف الدليل ووجود مندوحة عن حذفه وحكم هنا بجواز الحذف لقوة الدلالة عليه، وما ذهب إليه الشيخ [2/ 497] أبو علي هو الصحيح لا ما ذهب إليه من منع حذف المصدر مطلقا، فإن حذفه إذا قويت الدلالة عليه وارد في الكلام الفصيح 6 -
................................
كقوله تعالى: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ 1 أي وصد عن المسجد الحرام 2، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ 3، فحذف «صد وعن» قبل المسجد لدلالة مثلهما من قبل عليهما، ولا يجوز عطف المسجد على سبيل الله، وقد عطف كفر على «صد» فيلزم عطف على مصدر قبل ذكر ما يتعلق به، ولا يجوز عطف المسجد على «الهاء» من «به»، لأن العطف على ضمير الجر لا يجوز عند الأكثر إلا إذا أعيد الجار 4، ولا يصح أيضا من جهة المعنى، لأن المشركين كانوا يعظمون المسجد الحرام، فلا يصح أن ينسب إليهم الكفرية إلا لكونهم لا يعظمونه تعظيما مستندا إلى أمر الله تعالى، بل إلى أهوائهم، فهو حقيق بإطلاق الكفر عليه 5، ومن حذف المصدر وبقاء ما يتعلق به قول الشاعر:
1649 - لصونك من تعول أتمّ نفعا... لهم عن ضلة وهوى مطاع 6
ومثله:
1650 - المنّ للذّمّ داع بالعطاء فلا... تمنن فتلفى بلا حمد ولا مال 7
فعن من البيت الأول متعلق بصون محذوف وبالعطاء من البيت الثاني متعلق «بمنّ» محذوف والمحذوفان بدلان من الموجودين فاستغني بمعمول البدل كما استغني في الآية الشريفة بمعمول المعطوف 8. انتهى.
-
................................
وقد أفهم كلامه لما حكم بإضمار «كان» حيث قال: فيكون المنصوب مفعولا معه - أنه مع إضمار المصدر الذي هو ملابسة لا يكون نصب على أنه مفعول معه، وهو الحق، بل يتعين كونه مفعولا به كما سيأتي الكلام في ذلك، ومن منع تقدير المصدر هنا جعل تقدير سيبويه «وملابسة» تفسير معنى لا تفسير إعراب، وجعلوا العامل المضمر كان 1، وقالوا: يدل على ذلك ترجمة الباب وهي قوله: هذا باب منه يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوله، وذلك قولك: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا 2، فبنى الباب على إضمار الفعل.
هذا مع ما تقرر من أن مذهب البصريين أنه لا يجوز حذف المصدر وإبقاء معموله لأنه موصول، ولا يجوز حذف الموصول 3، ويدل على ذلك منع سيبويه له في قوله: «إلا الفرقدان» 4، وقال أبو الحسن بن الضائع: آخر ما أخذت عن الأستاذ أبي علي في ذلك هو أن الاسم هنا منصوب على أنه مفعول معه، وأن تقدير سيبويه معنوي لا إعرابي بل تقدير الإعراب فيه: ما لك تلتبس وزيدا، قال: ويدل على أنه عند سيبويه كذا ذكر هذه المسألة في باب المفعول معه، ولو كان النصب على أنه [3/ 17] مفعول به لم يذكرها «هنا».
انتهى كلام ابن الضائع.
وما أشار إليه من أن تقدير المصدر في هذه المسألة لو كان [2/ 498] تقديرا إعرابيّا لكان المنصوب مفعولا به لا مفعولا معه ظاهر، وقد تقدم أن كلام المصنف يفهم أنه مع تقدير المصدر يكون مفعولا به، وحمل كلام سيبويه هنا على التفسير المعنوي أقرب، بل متعين لتصريحه بمنع حذف المصدر في «إلا الفرقدان»، وما استدل به المصنف ليس متعينا للدلالة على مطلوبه، أما الآية الشريفة فقد ذكر هو فيها الوجوه المحتملة لغير ما ذكره، كيف وقد أجاز هو العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، وقوى ذلك واستدل بشواهد كثيرة نثرا ونظما 5، وأما البيتان فيمكن أن يكون المقدر فيهما فعلا مشتقّا من المصدر الملفوظ به ويكون المصدر دالّا عليه، ومما يستدل به على أن سيبويه قصد تفسير المعنى لا تفسير الإعراب أن المفعول -
................................
معه حينئذ يكون نفس ملابسه ولا بد له من عامل، فيحتاج إلى تقدير كان بعد «ما» فلم يكن تقدير ملابسه مغنيا عن تقدير الفعل إذ ذاك.
واعلم أن السيرافي ذهب إلى أن العامل فعل مقدر بعد الواو، ووافقه ابن خروف وأوّل كلام سيبويه على هذا فقال في قوله: فكأنك قلت: ما شأنك وملابسة زيدا: إنما قدر بالمصدر حين أظهر؛ ليكون محمولا على الشأن والمضمر الفعل، لأنه لا يجوز أن يعمل المصدر مضمرا، والكوفيون يعملونه مضمرا غير ملفوظ به، ثم قال ابن خروف: يريد بهذا ما أراده بقوله: «من لد أن كانت شولا»؛ لأنه لا يضمر الموصول مع بعض الصلة فكلامه هنا محمول على المعنى، وجاز إضمار الفعل هنا وهو لا يحمل على الأول من حيث لم يصرح بظهوره، فإن أظهرته على جهة التقدير جئت بالمصدر 1، هذا كلام ابن خروف وهو تخريج حسن، غير أن نصب الاسم حينئذ إنما يكون نصبا على أنه مفعول به لا مفعول معه، كما يلزم ذلك على قول من قدر المصدر تقديرا إعرابيّا.
ولا شك أنّا إذا فعلنا ذلك وقدرنا الفعل بعد الواو والمصدر أحلنا المسألة وأخرجناها من باب المفعول معه إلى غيره، وقد عرفت أن سيبويه ذكرها في باب المفعول معه، فتعين القول بأن النصب ليس بعامل مقدر بعد الواو.
وإلى رد هذا القول أشار المصنف بقوله: (لا بلابس خلافا للسيرافي وابن خروف).
وقال في الشرح: قلت: يكفي من الرد على ابن خروف اعترافه بأن الموضع لا يصلح للفعل، واعترافه بأن سيبويه حمل قول الشاعر:
1651 - من لد شولا فإلى إتلائها (2)
على أن أصله: من لد أن كانت شولا، فحكم بحذف أن والفعل في هذا الرجز لقوة الدلالة، وحكم بمنع ذلك في:
1652 - لعمر أبيك إلّا الفرقدان 2
لضعف الدلالة 3، واعلم أنه قد تقدمت الإشارة إلى أن المقتضي لوجوب النصب -
................................
في نحو: ما لك وزيدا وما شأنك [2/ 499] وعمرا، إنما هو امتناع العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار، ولكن ليس امتناع العطف مجمعا عليه، فإن الكوفيين يجيزون ذلك، ووافقهم بعض البصريين 1، فلذلك قيد المصنف وجوب النصب بكونه عند الأكثر، وقال في الشرح: ونسبت وجوب النصب في نحو: ما لك وزيدا وما شأنك وعمرا إلى الأكثر؛ لأن ابن خروف حكى عن الكسائي أنه قال: إذا أوقعت «ما بال» و «ما شأن» على اسم مضمر، ثم عطف عليه اسم ظاهر كان الوجه في المعطوف النصب والخفض جائز، فصرح الكسائي بجواز الجر، وبه أقول لا على العطف، بل على حذف مثل ما جرّ به الضمير لدلالة السابق عليه 2. انتهى.
ومقتضى إجازته ذلك أن لا نقول بوجوب النصب في نحو هذين المثالين.
وحكايته ذلك عن الأكثر لا يلزم منها أن يكون المحكي مذهبه.
والعجب من المصنف أنه لم يوجب النصب في نحو: ذهبت وزيد بل جعله مختارا كما سيأتي، وقد جعله ابن عصفور واجبا، فمثل لهذا القسم - أعني ما يجب فيه نصب الاسم - بنحو: ما لك وزيدا وما شأنك وعمرا، وجعل ضابطه أن يتقدم الواو جملة اسمية مضمنة معنى جملة فعلية وضمير خفض، وبنحو: ما صنعت وأباك، وجعل ضابطه أن يتقدم الواو جملة فعلية وضمير متصل مرفوع غير مؤكد ولا مفصول 3، وتسوية ابن عصفور بين هذين التركيبين في وجوب النصب ظاهر ويلزم المصنف التسوية بينهما، بل يلزمه أن يكون الحكم عنده بوجوب النصب مع الضمير المرفوع أولى منه مع الضمير المجرور؛ لأنه قد حكم في باب العطف من كتاب التسهيل بضعف العطف على ضمير الرفع المتصل دون فصل، ولم يشترط إعادة الجار في العطف على ضمير الجر، بل جعل ذلك مختارا 4، وقال في الألفية: -
................................
وإن على ضمير رفع متّصل... عطفت فافصل بالضّمير المنفصل
أو فاصل ما وبلا فصل يرد... في النّظم فاشيا وضعفه اعتقد
وعود خافض لدى عطف على... ضمير خفض لازما قد جعلا
وليس عندي لازما إذ قد أتى... في النّظم والنثر الصّحيح مثبتا
فجعل العطف على ضمير الجر دون إعادة الجار واردا في النظم وفي النثر.
وأشار بالصحيح إلى المقطوع بصحته وهو القرآن العزيز، وجعل العطف على الضمير المتصل المرفوع واردا في النظم وضعفه مع ذلك، فكان الواجب إجراء هذين التركيبين مجرى واحدا إما في وجوب النصب أو رجحانه، وهو [2/ 500] قد فرق بينهما إلا أن يقال: قد أشير إلى أنه لا يلزم من حكايته لوجوب النصب في:
«ما لك وزيدا» [3/ 18] عن الأكثر أن يكون المحكي مذهبا له، وإذا لم يلزم ذلك وهو قد أجاز العطف على الضمير المجرور إما بتقدير محذوف أو دونه فينبغي أن لا يكون قائلا بوجوب النصب، وحينئذ يكون النصب راجحا وقد صرح هو برجحانه في نحو: ذهبت وزيدا 1، فعلى هذا استوى الموضعان عنده في رجحانية النصب، وارتفع الإشكال عن كلامه، ولزم أن يكون لوجوب النصب عنده سبب واحد وهو المعنوي وسيذكره، فيكون موجب النصب عنده على هذا منحصرا في الأمر الراجع إلى المعنى، ثم إذا كان المجرور باللام أو الشأن بعد «ما» الاستفهامية اسما ظاهرا نحو: ما لزيد وأخيك، وما شأن عبد الله وعمرو، رجح العطف لانتفاء المحذور حينئذ ولم يمتنع النصب، لكنه مرجوح لعدم عامل ملفوظ به والاحتياج إلى تقدير عامل، ومنع بعض النحاة المتأخرين النصب في هذا 2 مستندا في ذلك إلى قول سيبويه: فإذا ظهر الاسم فقال: ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجر 3، ولا شك أن هذا الكلام من سيبويه يدل دلالة صريحة على أن -
................................ النصب ممتنع 1. قال المصنف: وهو لا يريد ذلك لأنه قال بعد هذا بقليل: ومن قال: ما أنت وزيدا قال: «ما شأن عبد الله وزيدا، كأنه قال: ما كان شأن عبد الله وزيدا» 2، فعلم بهذا أن مذهبه جواز النصب لكنه غير الوجه المختار، ويتبين أنه أراد بقوله أولا: «فليس إلا الجر» ما أريد بنحو: «لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار» 3 قال: ولو قرأ - يعني مانع النصب - ما بعد الكلام الأول من كلام سيبويه لم يقع فيما وقع، ومثل هذا اتفق للزمخشري في انته أمرا قاصدا حين جعله من المنصوبات اللازم إضمار عاملها 4؛ لأن سيبويه ذكره بعد أمثلة التزم إضمار ناصبها، ثم بين بعد ذلك بقليل أن الذي نصب أمرا قاصدا يجوز إظهاره 5، وغفل الزمخشري عن ذلك 6. واعلم أن المصنف لما ذكر وجوب تقدير عامل في هذه المسألة أعني مسألة «ما لك وزيدا» و «ما شأنك وعمرا» أتبع ذلك بذكر مواضع شاركت المسألة المذكورة في تقدير العامل، لكنها خالفتها في أن العطف فيها ممتنع بخلاف ما ذكره أولا، ولكون العطف في هذه المواضع لا مانع منه، والنصب يحتاج معه إلى تقدير عامل كان العطف أولى فلا جرم أن المصنف قال: (وربما نصب بفعل مقدر بعد «ما» أو «كيف») إلى آخره، فنبه بذلك على مرجوحيته، وعلى هذا فالرفع في «ما أنت -
................................ وزيد»، و «كيف أنت وقصعة من ثريد» هو الجيد الراجح لعدم الفعل وما يعمل عمله 1، وقد قال سيبويه: وزعموا أن ناسا يقولون: كيف أنت وزيدا وما أنت وزيدا، وهو قليل [2/ 501] في كلام العرب، ولم يحملوا الكلام على «ما» و «كيف»، (لكنهم) 2 حملوه على الفعل؛ لأن كنت وتكون يقعان هنا كثيرا وأنشد سيبويه 3: 1653 - وما أنت والسّير في متلف... يبرّح بالذّكر الضّابط 4 وأنشد: 1654 - أتوعدني بقومك يا ابن حجل... أشابات يخالون العبادا بما جمّعت من حضن وعمرو... وما حضن وعمرو والجيادا 5 ثم قال: وزعموا أن الراعي كان ينشد هذا البيت: 1655 - أزمان قومي والجماعة كالّذي... لزم الرّحالة أن تميل مميلا 6
................................
كأنه قال: أزمان (كان) 1 قومي والجماعة، فحملوه على كان لأنها تقع في هذا الموضع كثيرا 2.
وعلل سيبويه إضمار الفعل في نحو: ما أنت وزيدا، وكيف أنت وقصعة، بأن العرب يستعملون الفعل مع الاستفهام
كثيرا فيقولون: ما كنت وكيف تكون، إذا أرادوا معنى مع، قال: من ثم قالوا:
1656 - أزمان قومي والجماعة
لأنه موضع يدخل فيه الفعل كثيرا فيقولون: أزمان كان قومي، وحين كان 3، هذا نصه، وقد ذكر المصنف ثلاثة المواضع التي ذكرها سيبويه، وضم إليها رابعا وهو الذي أشار إليه بقوله: (أو قبل خبر ظاهر)، وتبع في ذلك ابن خروف فإنه قال في شرح الكتاب يشير إلى سيبويه: ولم يذكر في قولهم: أنت وشأنك، وكل رجل وضيعته، وما أشبهه إلا الرفع، ثم قال ابن خروف: وبعض العرب تنصب إذا كان معه خبر 4، وجعل من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم ينزل عليه الوحي وأنا وإيّاه في لحاف» 5، 6.
قال المصنف: ويجوز عندي أن يكون «إيّاه» في موضع رفع عطفا على «أنا» على سبيل النيابة عن ضمير الرفع، كما ناب عن ضمير الجر فيما حكى الفراء من قول العرب: مررت بإياك، قال: وأنشد الكسائي: - - (ص 454، 1150)، والخزانة (1/ 502)، والتصريح (1/ 295)، والهمع (1/ 122)، (2/ 156)، والدرر (2/ 211). اللغة: الرحالة: سرج من الجلد ليس فيه خشب كانوا يتخذونه للركض الشديد.
والشاهد فيه: نصب «والجماعة» على إضمار كان.
................................
1657 - فأحسن وأجمل في أسيرك إنّه... ضعيف ولم يأسر كإيّاك آسر 1
وكما ناب ضمير الرفع عن ضمير الجر في قول بعض العرب وقد سئل عن الصعلوك: هو الغداة كأنا، وليس هذا ببدع لأن أصل المبني أن لا يختص بموضع من الإعراب دون موضع، والمضمرات من المبنيات فلا يستبعد ذلك
فيها إلا أن حمل «أنا وإياه في لحاف» على باب المفعول معه أولى؛ لأنه قد روي في حديث آخر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أبشروا فو الله لأنا وكثرة الشّيء أخوف عليكم من قلّته» 2 بنصب «وكثرة» ذكره الشلوبين وعضده بما حكاه الصيمري 3 من جواز النصب في أنت وشأنك، وكل رجل وضيعته 4، 5 انتهى.
وبقي الكلام ها هنا في أمرين:
أحدهما: أنهم اختلفوا في «كان» هذه المضمرة، فمنهم من جعلها التامة وهو رأي الفارسي، وهو قول مبني على أن الناقصة لا عمل لها في غير الاسم والخبر، لكونها سلبت الدلالة على الحدث 6، قال الشيخ: وهو اختيار الشلوبين 7 فعلى هذا [3/ 19] كيف [2/ 502] في موضع نصب على الحال، ولكن يشكل أمر «ما»؛ لأنها لا تكون حالا، لأنها سؤال عن الذات لا عن أحوال الذات، حتى زعم بعضهم أنها مخرجة هنا عن أصلها إلى السؤال عن الحال 8، قلت: ودعوى -
................................
الابتدائية فيها ممكن فتقدير ما أنت وزيدا: ما كان شأنك وزيدا، المعنى: أي شيء وقع شأنك مع زيد، ثم بعد حذف «كان» حذف المضاف الذي هو شأن، وأقيم المضاف إليه وهو ضمير المخاطب مقامه.
ومنهم من جعلها الناقصة وهم الذين يصححون عمل الناقصة في غير الاسم والخبر، ووجه تصحيحهم ذلك أن دلالتها على الحدث عندهم باقية، وهذا المذهب هو أصح المذهبين 1، فعلى هذا تكون «كيف» في موضع الخبر، وكذا «ما» أيضا
التقدير: على أي حال تكون مع قصعة من ثريد، وأي شيء تكون مع زيد 2.
الأمر الثاني: أن سيبويه قدر مع «ما كنت» ومع «كيف» تكون 3 فاختلفوا: هل ذلك مقصود لسيبويه أو لا، فقال السيرافي: إنه غير مقصود، ولو عكس لأمكن 4، وقال بعضهم: إن ذلك مقصود من سيبويه، وذلك أن قولهم: ما أنت وزيدا، إنما يقال لمن أنكر عليه أن قال: خالطت زيدا أو لابسته، فيقال له: ما كنت وزيدا، ولا يقال له إذا قال ما لابسته: ما أنت وزيدا لأنه لا ينكر ما لم يقع إنما ينكر الواقع، وأما كيف أنت وقصعة، فإنما يقال على معنى كيف تكون، كذا يستعمل عندهم، ولم ينقل خلاف هذا، فهذا النصب إنما يقال منه ما سمع 5. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التقدير، فالحق ما قاله السيرافي.
واعلم أنه قد تبين مما تقدم أن العطف راجح في صور خمس وهي: ما لزيد وأخيه، وما أنت والسير، وكيف أنت وقصعة، و:
1658 - أزمان قومي والجماعة 6
و «أنا وإياه في لحاف»، وضابطها: أن لا يكون ثم فعل ملفوظ به، ولكن في -
................................
الجملة ما يدل عليه لو قدر، وليس ثم مانع يمنع من العطف 1، وإذا كان العطف في هذه الصور راجحا، لوجود ما يصح العطف عليه دون مانع، فالنصب على المعية مرجوح حينئذ للاحتياج إلى تقدير عامل، وينبغي أن تذكر هذه الصور فيما ترجح عطفه على أنها داخلة في الضابط الذي ذكره لما ترجح فيه العطف على النصب كما سيجيء الإشارة إليه، وإنما قدم ذكرها قبل الشروع في ذكر راجح العطف لأنها فروع مسألة: «ما لك وزيدا» فنبه بذكرها على أنها شاكلت ما قبلها في تقدير العامل، إلا أنها خالفته بكون النصب فيها مرجوحا.
القسم الثالث: ما ترجح فيه العطف، واعلم أن المصنف أشار إلى هذا القسم وإلى القسم الرابع وهو ما ترجح فيه
النصب على المعية، ووقعت الإشارة أيضا في كلامه هنا إلى الضرب الثاني من القسم الذي يجب فيه النصب لسبب [2/ 503] معنوي، وهو الذي تقدم الوعد بأنه سيأتي ذكره، غير أن المصنف مزج الكلام في إيراد ذلك، ودل ما ذكره على شيء بالمنطوق وشيء بالمفهوم، وذلك أنه ذكر قيودا لما ترجح عطفه، تلك القيود منها ما ترجح النصب مع انتفائه، ومنها ما يجب مع انتفائه النصب، فنشير أولا إلى كل من القسمين على سبيل الإجمال، ثم نعود إلى تطبيق ذلك على لفظ الكتاب.
أما رجحان العطف فله سببان:
أحدهما: يرجع إلى المعنى وهو انتفاء التكلف أي إذا كان تصحيح الكلام يحتاج إلى تقدير متكلف لو عطفنا، فحينئذ لا يكون العطف راجحا كما سيتبين.
وثانيهما: يرجع إلى اللفظ وهو انتفاء الموهن أي المضعف للعطف، فإذا انتفى الأمران فيما لا يمتنع العطف فيه لأمر خارجي، كان العطف راجحا على النصب على المعية، وذلك نحو: جئت أنا وزيد، وقام زيد وعمرو 2، ومن أمثلة النحاة:
كنت أنا وزيدا كالأخوين 3، ويدخل في هذا الضابط الذي ترجح العطف معه، أعني انتفاء التكلف، وانتفاء الموهن - ما تقدمت الإشارة إليه آنفا وهو خمس -
................................
المسائل التي ذكر أن النصب فيها على المعية مرجوح وهي: ما شأن عبد الله وأخيه، وما أنت وزيد، وكيف أنت وقصعة؟ و:
أزمان قومي والجماعة
و «أنا وإياه في لحاف».
وأما رجحان النصب فعند وجود أحد الأمرين المشروط انتفاؤهما فيما تقدم، فيكون له سببان أيضا:
أحدهما: يرجع إلى المعنى وهو حصول التكلف لو عطفنا، والآخر: يرجع إلى اللفظ وهو حصول الموهن للعطف، وسيأتي أمثلة ذلك في كلام المصنف.
إذا عرف هذا فاعلم أن المصنف اشترط لرجحان العطف ثلاثة أمور وهي: انتفاء التكلف، وانتفاء المانع، وانتفاء الموهن، فأشار بالأول إلى نحو قول الشاعر:
1659 - فكونوا أنتم وبني أبيكم... مكان الكليتين من الطّحال 1
قال: فإن العطف فيه حسن من جهة اللفظ وفيه تكلف من جهة المعنى لأن مراد الشاعر: كونوا لبني أبيكم، فالمخاطبون هم المأمورون، وإذا عطف يكون التقدير:
كونوا لهم، وليكونوا لكم، وذلك خلاف المقصود وكذا قول الآخر:
1660 - إذا أعجبتك الدّهر حال من امرئ... فدعه وواكل أمره واللّياليا 2
معناه: وواكل أمره لليالي، وتقدير العطف فيه تكلف بيّن.
-
................................ وأشار بالثاني إلى نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه، أي مع إتيانه، فالعطف هنا بيّن الامتناع 1، وكذا في: استوى الماء والخشبة، وما زلت أسير والنيل 2، قلت: وهذا هو السبب المعنوي الموجب للنصب الذي تقدم الوعد بذكره، وأشار بالثالث إلى نحو: ما صنعت وأباك، فإن نصبه على المعية مختار وعطفه جائز على ضعف؛ لأن المعطوف عليه ضمير رفع [2/ 504] متصل غير مفصول بينه وبين العاطف، وما كان كذلك فعطفه ضعيف، وأكثر ما يكون في الشعر كقول الشاعر: 1661 - ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه... ما لم [3/ 20] يكن وأب له لينالا 3 فلو نصب الأب لكان أجود لما تبين من ضعف العطف، هذا آخر كلام المصنف 4 في تقرير هذا الموضع، وقد تبين منه أن رجحان العطف متوقف على انتفاء كل من الأمور الثلاثة، أما إذا لم ينتف ما ذكر، وذلك بأن يوجد التكلف أو المانع أو الموهن فإن رجحان العطف ينتفي حينئذ، ولكن إذا انتفت رجحانية العطف فقد يكون العطف جائزا ولكنه يكون مرجوحا؛ لأن النصب على المعية هو الراجح إذ ذاك كما إذا وجد التكلف أو الموهن وقد يكون العطف ممتنعا كما إذا وجد المانع منه، وإنما احتاج إلى ذكر انتفاء المانع، لأنه لو اقتصر على قوله: (بلا تكلف ولا موهن) لورد عليه نحو: لا تنه عن القبيح وإتيانه، لانتفاء التكلف والموهن فيه، مع أن العطف لا غير راجح، بل هو ممتنع، فإن قيل: كيف يصدق انتفاء رجحانية العطف على الصورة التي يمتنع فيها العطف؟ فالجواب: أن انتفاء رجحانيته أعم من جوازه مع مرجوحيته، ومن (امتناعه) 5 أصلا، ولا شبهة في -