تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب السابع والستون باب الحكاية
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب السابع والستون باب الحكاية

[الحكاية بأي وبمن]

قال ابن مالك: (إن سئل بـ «أيّ» عن مذكور منكّر عاقل أو غيره حكي فيها مطلقا ما يستحقّه من إعراب وتأنيث وتثنية أو جمع تصحيح موجود فيه أو صالح لوصفه، وإن سئل عنه في الوقف بـ «من» فكذلك ولكن تشبع الحركات في نونها حال الإفراد، وتسكّن قبل «تاء التّأنيث» حال التّثنية، وربّما سكّنت في الإفراد وحرّكت في التّثنية، وقد يستعملان مع غير المفرد المذكّر استعمالهما معه).
قال ناظر الجيش: حقيقة الحكاية أن تورد ما نطق به المتكلم على حسب ما نطق به، ثم المحكي إما جملة وإما مفرد، أما الجملة فتحكى بعد القول، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب «الأفعال الناصبة المبتدأ والخبر مفعولين».
وأما المفرد: فلا يحكى في غير الاستفهام وشذّ قول من قال: دعنا من تمرتان، وليس بقرشيّا، ردّا على من قال: إن في الدار قرشيّا، وقول الشاعر: 4172 - وأجبت قائل كيف أنت [5/ 207] بصالح... حتّى مللت وملّني عوّادي 1 وقول الآخر: 4173 - كريم إلى جنب الخوان وزورا... يحيّي بأهلا مرحبا ثمّ يحبس 2 وأما في الاستفهام فيحكى إذا كان السؤال بـ «أيّ» أو بـ «من» خاصة، وهذا -

الحديث: 4172 - الجزء: 9 - الصفحة: 4535

................................  الباب معقود لذلك، وهاتان الكلمتان سئل بهما عن النكرة فيحكى إعرابهما في لفظهما دون أن يذكر الاسم الذي يحكى إعرابه، ويسأل عن العلم أيضا فيؤتى به بعدها محكيّا إعرابه دون تغيير.
وبعد، فأنا أورد كلام المصنف في شرح الكافية ثم أعود إلى لفظ الكتاب.
قال رحمه الله تعالى 3: «إن سئل بـ «أي» عن مذكور منكر حكي فيها وصلا ووقفا ما للمسئول عنه من إعراب، وتذكير وتأنيث، وإفراد وتثنية وجمع تصحيح موجود فيه أو صالح لوصفه، كقولك لمن قال: رأيت رجلا وامرأة وغلامين وجاريتين وبنتين وبنات: أيّا وأيّة وأيّين وأيّتين وأيّين وأيّات وإن سئل عنه بـ «من» حكي في لفظها في الوقف خاصة ما له من الحركات بإشباع كقولك لمن قال: لقيني رجل: منو، ولمن قال: رأيت رجلا: منا، ولمن قال: مررت برجل: مني، وتقول لمن قال: رأيت امرأة: منه أو منت، ولمن قال: رأيت رجلين: منين، ولمن قال: رأيت رجالا: منين، ولمن قال: رأيت امرأتين: منتين أو منتين، ولمن قال: رأيت نساء: منات، فإن وصلت قلت: من يا فتى في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث.
وفي قول الشاعر 4: 4174 - أتوا ناري فقلت: منون أنتم... فقالوا: الجنّ قلت: عموا ظلاما 5 شذوذ من وجهين 6: أحدهما: أنه حكى مقدرا غير مذكور.
-

الحديث: 4174 - الجزء: 9 - الصفحة: 4536

................................  والثاني: أنه أثبت العلامة في الوصل وحقها أن لا تثبت إلا في الوقف».
انتهى.
وحاصل الأمر: أن المسؤول عنه الذي هو نكرة يحكى بـ «أيّ» وب «من» وإذا حكي بواحدة من الكلمتين جيء فيها بما يستحقه المحكي من إعراب وتأنيث وتثنية وجمع، كما مثل، وقد لا يطابق في تثنية ولا جمع، كما سيذكر، ولكن الأكثر والأفصح المطابقة.
وليعلم أن «أيّا» إذا لم تكن للاستثبات، فإن الأفصح فيها أن تكون مفردة بغير «تاء» للمذكر والمؤنث في جميع الأحوال، ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث، وهو قليل لا يكاد يوجد إلا في الشعر ومنه: 4175 - وأيّة بلدة إلّا أتينا... من البلدان تعلمها نزار 7 وقول الآخر: 4176 - بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب 8 ثم اعلم أن إحدى الكلمتين تفارق الأخرى في ثلاثة أحكام 9: الأول: أن «أيّا» يحكى بها ما للعاقل وما لغير العاقل، ولهذا قال المصنف بعد ذكره «أيّا»: عاقل أو غيره، و «من» لا يحكى بها إلا ما للعاقل.
الثاني: أن «أيّا» يحكى بها في الوصل والوقف.
وهذا مراد المصنف بقوله: مطلقا، و «من» لا يحكى بها إلا في الوقف خاصة، وقد نبه المصنف على ذلك بقوله: في الوقف.
الثالث: أن «أيّا» تحكى فيها حركات الإعراب دون إشباع، وأما «من» فيجب في الحكاية بها الإشباع، ولهذا قال المصنف بعد ذكر «من»: ولكن تشبع -

الحديث: 4175 - الجزء: 9 - الصفحة: 4537

................................  الحركات في نونها حال الإفراد، فأفهم كلامه بقوله: «ولكن» أن الحكم المذكور مخصوص بـ «من».
وأفهم قول المصنف: وتسكّن قبل تاء التّأنيث حال التّثنية - أنها قبل «تاء» التأنيث في الإفراد لا تسكن بل تفتح كما أن كل حرف واقع قبل «تاء» التأنيث يستحق الفتح، فيقال: منة في الإفراد ومنتان في التثنية.
وأشار بقوله: وربّما سكّنت في الإفراد وحركت في التّثنية - إلى أنه قد يعكس الأمر فيهما فيقال: منت، ومنتان.
وأفهم قوله «وربّما» أن الأكثر والأفصح التحريك في الإفراد، والتسكين في التثنية.
ولما كان المجموع الذي يحكى بـ «أيّ» وب «من» قد يكون جمع تكسير، وكانت الحكاية إنما يؤتى فيها بصيغة جمع التصحيح، كقولك: أيّون، ومنون - احتاج المصنف بعد قوله: أو جمع تصحيح - إلى أن يردف ذلك بقوله: موجود فيه أو صالح لوصفه.
فمثال الأول: بنون وبنات، ومثال الثاني: رجال ونساء.
فإن جمع التصحيح وإن لم يكن موجودا فيهما لكنهما صالحان لوصف يجمع جمع التصحيح، كقولك: قام رجال مسلمون ونساء مسلمات.
وأما قوله: وقد يستعملان مع غير المفرد المذكّر استعمالهما معه -، فأشار به إلى أن «أيّا» يحكى فيها إعراب المحكي خاصة كائنا ما كان، فإذا قيل: قام رجل أو رجلان أو رجال قلت: أيّ، وإذا قيل: ضربت رجلا، أو رجلين أو رجالا قلت: أيّا، وإذا قيل: مررت برجل أو رجلين أو رجال، قلت: أيّ، وكذا إذا قيل: قامت امرأة أو امرأتان أو نساء، قلت: أيّة يا هذا، وتنصب في نصب ذلك وتجر في جره، وكذا تفعل في «من» فتلحقها «واوا» رفعا و «ألفا» نصبا و «ياء» جرّا، فيقال في: قام رجل أو رجلان: منو، وفي نصب ذلك: منا، وفي جره: مني، وكذلك في المؤنث إفرادا وتثنية وجمعا، نقل ذلك يونس عن قوم من العرب وهو لا 10، قصدوا قصر الأمر على حكاية الإعراب خاصة.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4538

................................  واعلم أن الذي تعطيه عبارة الكتاب أنه يقال في السؤال عن قول القائل: قامت امرأة أو امرأتان أو نساء: أيّ، فالتذكير لقوله: وقد يستعملان مع غير المفرد المذكّر استعمالهما معه.
ولا شك أن غير المفرد المذكر من جملته المؤنث، وإذا كان كذلك أشكل قولهم: إنك تقول لمن قال: قامت امرأة أو امرأتان أو نساء: أيّة يا هذا، ثم لازم ذلك أن يقال لمن قال: قامت امرأة... إلى آخره: منة دون منو، والظاهر أن الأمر بخلاف ذلك؛ لكن قال الشيخ 11: «إنك لا تقول إلا أيّة وإن النقل عنهم كذلك».
والذي ذكره ابن عصفور في «المقرّب» موافق لكلام المصنف فإنه قال 12: «وإن استثبت بأيّ قلت: أيّ في الرفع [5/ 208] وأيّا في النصب وأيّ في الخفض، وسواء أكان الاسم مفردا أم مثنىّ أم مجموعا أم مذكرا أم مؤنثا».
واعلم أن الشيخ عند ما تكلّم على إشباع حركات نون «من»، قال 13: «وتلخص أنك في منان ومنين حكيت التثنية والإعراب، وفي منون ومنين حكيت الجمع والإعراب، وفي منه أو منت حكيت الإفراد والتأنيث لا الإعراب، وفي منتان ومنتين حكيت التثنية والتأنيث والإعراب، وفي منات حكيت التأنيث والجمع لا الإعراب» انتهى.
ولقائل أن يقول: إن الإعراب في «منه» أو «منت» وفي «منات» محكي تقديرا؛ لأن «من» لا يحكى بها إلا في الوقف، ولكن لا يوقف على متحرك، والسكون إنما هو عارض من أجل الوقف، ولا يلزم من عدم النطق بشيء عدم تقدير ذلك الشيء، ولو قال القائل: قام زيد: وقف وسكّن «دال» زيد - لا يمتنع أن - - «وحدثنا يونس أن ناسا يقولون أبدا: منا ومني ومنو، عنيت واحدا أو اثنين أو جميعا في الوقف، فمن قال هذا قال: أيّا وأيّ وأيّ إذا عنى واحدا أو جميعا أو اثنين، وإنما فعلوا ذلك بمن لأنهم يقولون: من قال ذاك؟ فيعنون ما شاءوا من العدد، وكذلك أي، تقول: أيّ يقول ذاك؟ فتعني بها جميعا وإن شاء عنى اثنين، وأما يونس فإنه كان يقيس «منه» على أيّة فيقول: منة ومنة ومنة، إذا قال: يا فتى، وكذلك ينبغي له أن يقول إذا آثر أن لا يغيرها في الصلة، قال سيبويه: وهذا بعيد، وإنما يجوز هذا على قول شاعر قاله مرة في شعر ثم لم يسمع بعد».

الجزء: 9 - الصفحة: 4539

................................  يقال: زيد مرفوع وإن لم ينطق برفعه، لأنه إنما سكّن آخره لكونه موقوفا عليه، وهكذا يقال في المحكي.
وفي شرح الشيخ 14: «واختلف النحويون في الحروف اللاحقة لمن يعني: الواو والألف والياء، في: منو ومنا ومني، فقال المبرد 15: هي حروف زيدت أولا ولزمت عنها الحركات، وقال بعضهم: إنها عوض من لام العهد 16، وقال السيرافي 17: إن حركات النون حركات حكاية وأشبعت فولدت عن الحركات الحروف، والموجب للإشباع أنه لا يوقف على متحرك» انتهى.
والذي قاله السيرافي هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه، ولا يفهم الذهن الصحيح غيره، وأما القولان المنسوب أحدهما للمبرد، فلم أفهم معناهما.
ثم ذكر الشيخ 18 أن من فروع هذه المسألة - يعني الحكاية بـ «من» - أنه إذا اجتمع مؤنث ومذكر ألحقت في الآخر، تقول لمن قال: رأيت رجلا وامرأة: من ومنه فتسكن الأول؛ لأنه وصل، وكذلك لو عكست، تقول لمن قال: رأيت امرأة ورجلا: من ومنا، وسواء اتفق الإعراب كما مثل أم اختلف، تقول لمن قال: ضرب رجل امرأة: من منه، والعكس من منا، وكذلك أيضا لو اتفقنا في الوحدة كما مثل، أو اختلفا فتقول لمن قال: رأيت رجلا وامرأتين: من ومنتين، ورجلا ونساء: من ومنات، وكذلك في العكس، فتقول لمن قال: رأيت امرأة ورجلين: من ومنين، ونساء ورجلا: من ومنا، وعلى هذا يقاس.
قال 19: وهل يجوز أن يغلب المذكر على المؤنث فيبنى بصيغة المذكر، فتقول لمن قال: رأيت رجلا وامرأة: منين، كما تقول: ضربت أحمرين في رجل أحمر وامرأة حمراء، فيمكن أن يلحق بهذا، فيقال: منين ويمكن أن لا يلحق به؟ فلا يجوز؛ لأن القصد الحكاية في الاستثبات، فتقول على هذا: من ومنه كما ذكر أولا، وكذلك إذا سئل بأيّ يجري على هذا القياس، فتقول لمن قال: رأيت رجلا -

الجزء: 9 - الصفحة: 4540

................................  وامرأة: أيّا وأيّة، وكذلك العكس فتقول لمن قال: رأيت امرأة ورجلا: أيّة وأيّا، يجري كل واحد منهما على ما يقتضيه قياسه وإعرابه، قال 20: ولو خلطت سؤال من مع سؤال أيّ وذلك في العاقل وغيره في قول من قال: رأيت رجلا وحمارا، فتقول: من وأيّا، فتأتي بكل واحد منهما على قياسه.
قال الشيخ 21: «ولم يتعرض المصنف لإعراب أيّ في الحكاية ولا علام يكون رفعها ونصبها وجرّها؟ قال: ونحن نتكلم الآن على ذلك... فذكر: أنهم اختلفوا في الحركات اللاحقة لأيّ، فقيل: حركات إعراب نشأت عن عوامله، وقيل: ليست للإعراب، وإنما هي إتباع للفظ المتكلم على الحكاية، لأنه يلزم من كونها إعرابا إضمار حرف الجر إذا جررت أيّا، وعلى هذا تكون أيّ بمنزلة من في موضع رفع بالابتداء أو الخبر، ولا يبعد أن تكون مفعولة محلّا، وقد التزم بعضهم إدخال حرف الجر، فيقول: بأيّ.
وقياس مذهب البصريين 22 أن أيّا إذا كانت مرفوعة أن يكون رفعها على الابتداء، فإذا قيل: أيّ سؤالا لمن قال: قام رجل فالتقدير عندهم: أيّ قام، ولا يقدر الفعل قبلها، فتكون فاعلة؛ لأن الاستفهام لا يتقدم عامله عليه إلا إذا كان جارّا بشرط أن يتأخر عنه الذي يتعلق به الجار.
والكوفيون 23 يجيزون في باب الحكاية رفعها بفعل مضمر قبلها، لأن اسم الاستفهام عندهم في الحكاية يجوز تقديم العامل فيه حتى يكون طبق المحكي في ذلك، ولو أظهر الفعل عندهم لجاز، وإظهاره هو المختار عندهم في مثل: اشترى أيّ أيّا، حكاية لمن قال: اشترى رجل فرسا؛ ليتبين أن الاسمين محمولان على فعل واحد مضمر يرفع أحدهما وينصب الآخر، كما أن المحكي كذلك.
وأما إذا كانت أيّ منصوبة أو مخفوضة فإنها إذ ذاك محمولة على فعل مضمر، ويجوز الإتيان به تأكيدا فتذكره متأخرا فتقول: أيّا ضربت، وبأيّ مررت؟ ويجوز أن تأتي به قبل أيّ فتقول: ضربت أيّا، ومررت بأيّ، لأنه قد جرى الفعل في كلام -

الجزء: 9 - الصفحة: 4541

................................  المتكلم، فكان ذكرك إياه كالتكرار، فكأنك لم تذكر قبل أداة الاستفهام فعلا، ولذلك لم يفعلوه إلا في الاستثبات ولم يفعلوا ذلك مع جميع أسماء الاستفهام، إنما يفعلون ذلك مع أيّ وما ومن لا يجوزونه في غيرهن، يقول القائل: أكلت خبزا فتقول: أكلت ما، ويقول: لقيت زيدا فتقول: لقيت من، ويقول: ضربت رجلا فتقول: ضربت أيّا، ولو قال: خرجت يوم الجمعة فاستثبته، لقلت: متى خرجت؟ ولا يقول: خرجت متى؟ وتقول: سرت ضاحكا فتقول له: كيف سرت؟ ولا يجوز: سرت كيف؟ وكذلك سائر أسماء الاستفهام إلا «أين» فقد حكي في الاستثبات [5/ 209] بها تقدم العامل، حكي من كلامهم: إنّ أين الماء والعشب، استثباتا لمن قال: إنّ في موضع كذا الماء والعشب، وقد جاء أيضا في «كم» معطوفة على غيرها، تقديم العامل لأنه يجوز في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه، حكي من كلامهم: قبضت عشرين وكم استثباتا لمن قال: قبضت عشرين وكذا» انتهى.
ولم أتحقق قولهم: إن الحركات اللاحقة لـ «أيّ» في هذا الباب تكون حركات إعراب نشأت عن عوامله؛ لأن الأمر إذا كان كذلك فلا حكاية حينئذ، ولا شك أن الحكاية هي المقصودة، ثم كيف يتجه في حركات «أيّ» أن تكون حركات إعراب مع أن حركة الحكاية قسيمة لحركة الإعراب بالنسبة إلى أصل الحركات؟ ثم إن حركة الإعراب يجاء بها لبيان مقتضى العامل، وحركة الحكاية لا يؤتى بها لذلك فبينهما تناف، نعم إذا قيل: إن الحركة إعراب وإن التقدير: أيّ قام، كان ذلك غير ممتنع، لكن تخرج المسألة من باب «الحكاية» ويكون المتكلم بذلك حينئذ قاصدا الاستفهام لا قاصدا لحكاية إعراب اسم في كلام الغير، والقول بأن الكوفيين يجيزون في باب «الحكاية» رفع «أيّ» بفعل مضمر يمكن حمله على ما قلته.
والحق أنه لا يتصور في حركات «أيّ» و «من» في باب «الحكاية» أن تكون حركات إعراب؛ لأن ذلك مؤدّ إلى نقض القواعد وهدم ما تقرر، وقد أمكن حمل كلام من يقول بتقدير عامل على غير قصد الحكاية، وأنه إنما يقصد إذ ذاك الاستفهام خاصة دون حكاية لشيء سبق، ويعضد هذا قول صاحب «الإفصاح» 24: «من النحويين من أجاز ترك الحكاية في باب «أي» وأجاز الاستئناف على الابتداء والخبر».
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4542

[العلم وأحكامه عند حكايته]

قال ابن مالك: (ولا يحكى غالبا معرفة إلّا العلم غير المتيقّن نفي الاشتراك فيه، فيحكيه الحجازيّون مقدّرا إعرابه بعد «من» غير مقرونة بعاطف، ولا يقاس عليه سائر المعارف، ولا يحكى في الوصل بـ «من»؛ خلافا ليونس في المسألتين، وفي حكاية العلم معطوفا أو معطوفا عليه خلاف [منعه يونس وجوّزه غيره واستحسنه سيبويه]).
فصرح بأن الحكاية تترك إذا قصد التركيب من مبتدأ وخبر، وأن ذلك يكون استئنافا للاستفهام بمعنى ليس معادا من كلام تقدم، لكن قد قال ابن عصفور في «المقرّب» 25: «ولا بد من إدخال حرف الجر على من وأيّ إذا استثبت بهما عن مخفوض، ويكون المجرور متعلقا بفعل مضمر وتقدره بعدهما، وإذا استثبت بهما عن مرفوع كانا مبتدأين والخبر محذوف لفهم المعنى، وإذا استثبت بهما عن منصوب كانا منصوبين بفعل مضمر محذوف لفهم المعنى» انتهى.
وأقول: هذا الكلام منه يناقض قوله في أول الفصل: إنك تحكي بمن وبأيّ لأن حركة الحكاية غير حركة الإعراب، ثم إذا كان الأمر كما ذكره ثانيا لم يكن ثمّ حكاية أصلا، وهذا الكلام مما أشكل عليّ.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المسؤول عنه في هذا الباب إما نكرة وإما معرفة، فالنكرة نفسها لا تحكى وإنما يحكي ما لها من إعراب وتذكير وإفراد وأضدادهما، وإما بـ «أيّ» وقفا ووصلا، إما بـ «من» في الوقف خاصة، وقد انتهى الكلام على ذلك.
وأما المعرفة فتحكى هي نفسها، لكن إنما يحكى منها العلم خاصة دون بقية المعارف، وإنما يحكيه الحجازيون بالشرط الذي ذكره كما سيشرح.
قال المصنف في شرح الكافية 26 - تلو كلام في المتقدم -: «وإن سئل بمن عن علم جيء بمن وبعدها العلم المسؤول عنه محركا بضمة إن كان الأول مرفوعا، -

الجزء: 9 - الصفحة: 4543

................................  وبفتحة إن كان منصوبا، وبكسرة إن كان مجرورا بشرط أن لا يتقدم على «من» حرف عطف، هذا هو مذهب أهل الحجاز 27، وأما غيرهم 28 فيجيء بالعلم بعد «من» مرفوعا سبقت «من» بعاطف أو لم تسبق، فإن سبقت من بعاطف فالرفع متعين عند الجميع، وهو مقدر على لغة من يحكي وهم الحجازيون، وذلك قولك: من زيدا، لمن قال: رأيت زيدا، ومن زيد، لمن قال: مررت بزيد، فالفتحة والكسرة للحكاية، والرفع في موضعهما مقدر؛ لأن الواقع بعد «من» مبتدأ خبره «من» أو خبر مبتدؤه «من»، فإن كان المحكي مرفوعا رفع ما بعد «من» في اللغتين، وأجاز يونس 29 حكاية كل معرفة قياسا على العلم، فيجوز عنده أن يقال لمن قال: رأيت غلام زيد، ومررت بصاحب عمرو: من غلام زيد، ومن صاحب عمرو، وأجاز 30 أيضا حكاية النكرة بـ «من» في الوصل، ولا أعلم له في المسألتين موافقا.
واختلف في حكاية العلم معطوفا على غير علم أو معطوفا عليه غير علم، فبعضهم أجاز وبعضهم منع 31، نحو قولك: من سعيدا وابنه؟ لمن قال: رأيت سعيدا وابنه، ومن غلام زيد وعمرا؟ لمن قال: رأيت غلام زيد وعمرا» انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وانحل به ما ذكره في «التسهيل» غير قوله غالبا، وقوله: غير المتيقّن نفي الاشتراك فيه.
فأما غالبا - فاحترز به من حكاية غير العلم من المعارف، من ذلك قول -

الجزء: 9 - الصفحة: 4544

................................  بعضهم 32: ذهب مع منين، لمن قال: ذهب معهم، وستأتي إشارة المصنف إلى هذه المسألة، وذلك في غاية الندور، قال الزجاجي: لو قال: رأيته أو مررت به، لقلت: من هو، ولم يجز غير ذلك وقال سيبويه 33: حكاية مثل هذا من الأسماء المضمرة جائز على مذهب من قال: دعنا من تمرتان، وهو قبيح شاذ جدّا ليس مما يعوّل عليه.
وأما قوله: غير المتيقّن نفي الاشتراك فيه، فاحترز به من العلم الذي يتيقن نفي الاشتراك فيه فإنه لا يحكى، فلا يقال: من الفرزدق لمن قال: رأيت الفرزدق، لأنه اسم يتيقّن نفي الاشتراك [5/ 210] فيه 34. وشمل قول المصنف: العلم - أقسامه الثلاثة التي هي: الاسم واللقب والكنية، والسبب في أن العرب قصروا حكاية المعرفة على العلم، وأنه لا يحكى إلا بـ «من» خاصة - ثلاثة أمور: أحدها: أن «من» اسم مبني فلا يظهر فيه قبح الحكاية لعدم ظهور الرفع، ولا يصح أن يجيء الخبر على صورة المنصوب والمجرور.
ثانيها: أن الأعلام بابها التغيير؛ لأنها كلها منقولة إلا اليسير منها، فلذلك كثرت الشذوذات فيها إذ التغيير يأنس بالتغيير.
ثالثها: خوف اللبس، لأنه إذا قال القائل: رأيت زيدا ولم تحك لفظه في الاستثبات وقلت: من زيد يتوهم السامع أنك لا تسأله عن زيد الذي ذكره، ومن ثمّ كان شرط الحكاية أن لا يدخل على «من» حرف عطف لزوال اللبس بدخول حرف العطف، لأنه قد علم أن المسؤول عنه إنما هو الأول، ولولا ذلك لم يسغ عطف كلامك على الكلام المتقدم.
ذكر ذلك أبو الحسن بن عصفور 35 ثم قال 36: «فلما اجتمعت هذه الأشياء لم يكن بدّ من الحكاية عند أهل -

الجزء: 9 - الصفحة: 4545

................................  الحجاز» انتهى.
وقوله عن الحجازيين: إنه لا بد من الحكاية عندهم في ما اجتمعت فيه هذه الأشياء، موافق لكلام المصنف؛ إلا أن الشيخ قال 37: «والمنقول أن الحجازيين قد يرفعون العلم على كل حال كلغة غيرهم، وقد يحكون إعرابه في كلام المتكلم، وبنو تميم يعربون ولا يحكون».
وهذا النقل يخالف ما قاله المصنف وابن عصفور، ثم نقل الشيخ 38 عن صاحب «البسيط» أنه قال: «إذا أردت أن تحكي أكثر من اثنين، وكان كلّ مما يحكى على حدته، وكانا علمين، وفصلت بمن وكررتها مع الثاني، أدخلت حرف العطف على من وحكيت، فقلت لمن قال: ضربت زيدا وعمرا: من زيدا ومن عمرا، ولا يبطل دخول حرف العطف على الثاني، الحكاية؛ لأنه إنما يبطلها في الأول، وإن لم تعد من لم تكن الحكاية، لأن العطف يقرب من التثنية، والتثنية لا تحكى فكذلك العطف، وقد يجوز لأنه ليس كالتثنية من كل الوجوه، لأن التثنية إنما كانت مانعة لزوال العلمية والعطف لا يزيل ذلك» انتهى.
وما قاله صاحب «البسيط» ليس ببعيد، لأن الامتناع من الحكاية مع حرف العطف المذكور أولا إنما كان للعلة التي عرفتها 39، وتلك العلة مفقودة في المسألة التي ذكرها، وأما قوله: «إن العطف يقرب من التثنية» فهو أمر لا اعتبار له في ما الكلام فيه، ولا محقق لذلك في هذه المسألة.
واعلم أن قول المصنف: فيحكيه الحجازيّون مقدّرا إعرابه بعد من - أن الإعراب يقدر في الأحوال الثلاثة 40، أما في حالتي النصب والجر فظاهر، وأما في حالة الرفع فلأن الحركة الموجودة في نحو قولنا: من زيد، حكاية قول القائل: جاء زيد، إنما أتي بها للحكاية كما أتي بحركة النصب والجر، في قولنا: من زيدا، ومن زيد، وإذا كانت للحكاية وجب تقدير الحركة الإعرابية، وقد ذكر الشيخ 41 عن -

الجزء: 9 - الصفحة: 4546

................................  بعضهم 42 أنه يقول: «إن الحركة حال حكاية المرفوع حركة إعراب، قال: لأنه لا حاجة إلى تكلف تقدير رفعه مع وجود أخرى» ولا يخفى ضعف هذا القول وبعده عن القواعد وعن الذوق أيضا.
وذكر الشيخ 43 أيضا عن الفارسي 44 أنه يجعل الخبر بمن في قولنا: من زيدا ومن زيد - يعني إذا حكيت النصب أو الجر - جملة حذف أحد جزأيها وبقي الآخر وهو «زيد» المحكي.
وهو كلام في غاية السقوط، والاشتغال بمثله يذهب لطائف أسرار الصناعة النحوية.
وكذلك نقل 45 عن الكوفيين 46 ما يطول ذكره وهو لا يجدي شيئا، بل فيه خرم للقواعد وتشويش على الأذهان مع ضياع الزمان في تسويد الأوراق.
ثم إن الشيخ عند كلامه على قول المصنف: ولا يقاس عليه سائر المعارف، ولا يحكى في الوصل بمن؛ خلافا ليونس في المسألتين - قال 47: «إذا كان الاسم المستثبت عنه معرفة غير علم، ففيه تفصيل لم يتعرض له المصنف، وهو إما أن يكون وصفا منسوبا أو غير ذلك.
إن كان وصفا منسوبا فإنك تدخل على «من» الألف واللام و «ياء» النسب 48 فتقول: المنيّ، لمن قال: قام زيد القرشيّ إذا لم تفهم القرشي فاستثبت عنه، ويعرب إذ ذاك ويؤنث ويثنى ويجمع بالواو والنون، وبالألف والتاء، وتثبت هذه الزيادات في الوصل والوقف، فإن فهمت الصفة ولم تفهم الموصوف، لم تحك، بل تقول: من زيد القرشيّ؛ إلا على لغة من يحكي العلم المتبع وذلك قليل.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4547

مسائل خمس في باب الحكاية

قال ابن مالك: (وفي حكاية العلم معطوفا أو معطوفا عليه خلاف [منعه يونس وجوّزه غيره واستحسنه سيبويه] 49 ولا يحكى موصوف بغير «ابن» مضاف إلى علم، وربّما حكي الاسم دون سؤال، وربّما حكي العلم والمضمر بـ «من» حكاية المنكّر، وربّما قيل: ضرب من منه ومنو منا، لمن قال: ضرب رجل [5/ 211] امرأة ورجل رجلا).

  • وإن كان غير وصف منسوب، لم تجز فيه الحكاية، نحو قولك: من صاحبك، ومن هذان، ومن الزيدان، هذا هو المختار، وأجاز بعضهم الحكاية أجراه مجرى العلم فيقول: من أخاك ومن أخيك، لمن قال: رأيت أخاك ومررت بأخيك، قال: وهذا المذهب هو الذي حكاه المصنف عن يونس.
    وليعلم أن ابن عصفور جعل الاستثبات عن نسب المسؤول عنه مسألة برأسها فقال 50: «وإذا استثبت عن نسب المسؤول عنه، قلت: المنّيّ في العاقل والمائيّ والماويّ في غير العاقل، وتجعله في الإعراب والتثنية والجمع والتأنيث والتذكير على حسب المسؤول عنه».
    قال ناظر الجيش: هذه مسائل خمس: الأولى: حكاية العلم معطوفا أو معطوفا عليه: قال المصنف في شرح الكافية 51: «واختلف في حكاية العلم معطوفا على غير علم أو معطوفا عليه غير علم، فبعضهم أجاز وبعضهم منع، نحو قولك: من سعيدا وابنه لمن قال: رأيت سعيدا وابنه، ومن غلام زيد وعمرا لمن قال: رأيت غلام زيد وعمرا» انتهى.
    واعلم أن عبارة المصنف يفهم منها أن الخلاف موجود، سواء أكان أحد -

الجزء: 9 - الصفحة: 4548

................................  المتعاطفين علما أم غير علم، بخلاف ما ذكره في شرح الكافية.
قال الشيخ 52: «مذهب يونس 53 رحمه الله، وجماعة، أن عطف أحد الاسمين على الآخر مبطل للحكاية، ومذهب غيره أن العطف لا يبطل الحكاية، فإذا كان الاسمان المتعاطفان من قبيل ما يحكى، حكيتهما، فتقول لمن قال: رأيت زيدا وعمرا: من زيدا وعمرا؟، وإن كان أحدهما من قبيل ما لا يحكى 54 والآخر ليس من قبيل ما يحكى بنيت على المتقدم منهما وأتبعته الآخر في الحكاية أو إبطالها.
فتقول لمن قال: رأيت زيدا وصاحب عمرو: من زيدا وصاحب عمرو، ولمن قال: رأيت صاحب عمرو وزيدا: من صاحب عمرو وزيد».
وهذا الذي ذكره الشيخ هو الذي ذكره ابن عصفور؛ فإنه قال 55: «فإن اجتمع ما يحكى مع ما لا يحكى بنيت الكلام على المتقدم، فتقول: من زيدا ورجلا، لمن قال: رأيت زيدا ورجلا، ومن رجل وزيد إن تقدم الرجل».
لكن الشيخ نقل 56 عن صاحب «البسيط» أنه قال: «وحكى سيبويه 57 الجواز، فتقول: من زيدا وأخا عمرو، تتبع الكلام بعضه بعضا، ولأنهما لما اشتركا في العطف اكتسب أحدهما حكم الآخر، كما أنك تقول ذلك في: تبّا له وويلا له وويل، ومن قال هذا فهو أولى أن يقول: من زيدا وعمرا».
قال 58: «وفي الإفصاح قال سيبويه 59: وأما ناس فقاسوا فقالوا: تقول: من أخو زيد وعمرو، ومن عمرا وأخا زيد، فتتبع الكلام بعضه بعضا، قال سيبويه: وهذا أحسن» انتهى ما ذكره الشيخ.
واستفيد من المنقول عن سيبويه أن العطف غير مبطل للحكاية، وإن كان -

الجزء: 9 - الصفحة: 4549

................................  أحد المتعاطفين غير صالح لها، فكيف إذا كان كلاهما صالحا لذلك؟ المسألة الثانية: العلم المنعوت لا يحكى مع نعته: قال المصنف في شرح الكافية 60: «وأما حكاية العلم بصفته فجائزة إن كان الوصف بابن مضاف إلى علم، كقولك 61: من زيد بن عمرو، لمن قال: مررت بزيد بن عمرو، فإن وصف بغير ذلك لم يجز أن يحكى بصفته، بل إن حكي حكي بدونها» انتهى.
واعلم أنه كما امتنعت حكاية المنعوت بغير «ابن» هكذا يمتنع ما أتبع بتوكيد أو عطف بيان أو بدل.
ومن ثمّ قال ابن عصفور 62: «ولا يحكى إلا بشرط أن لا يكون الاسم المحكي متبعا بتابع من التوابع ما عدا العطف، إلا أن يكون الاسم التابع مع المتبع كالشيء الواحد، فإنه يجوز حكايته نحو: زيد بن عمرو».
فلهذا قال الشيخ 63: «وفي قول المصنف: ولا يحكى موصوف - قصور؛ إذ حكم التوكيد وعطف البيان والبدل حكم النعت، قال: فلو قال: ولا يحكى متبع إلا موصوف بابن مضاف إلى العلم كان جامعا، قال: والفرق بين العطف وبين غيره من التوابع: أن العطف ليس فيه بيان للمعطوف عليه، بخلاف غيره من التوابع فإن فيه بيان أن المتبوع هو الذي جرى ذكره في كلام المخبر، وأما في العطف فلا يبين ذلك بيانا تامّا إلا بالحكاية وإيراد لفظ المخبر في كلام الحاكي على حاله من الحركات».
المسألة الثالثة: وهي المشار إليها بقوله: وربّما حكي الاسم دون سؤال: والذي يظهر أنه قصد بذلك الإشارة إلى ما ذكره في شرح الكافية وهو قوله 64: ومن العرب من يحكي الاسم النكرة مجردة من «أيّ» و «من» ومنه قول بعضهم: ليس بقرشيّا 65 رادّا على من قال: إن في الدار قرشيّا أو نحو ذلك، ومنه -

الجزء: 9 - الصفحة: 4550

................................  أيضا قول من قال: دعنا من تمرتان 66، وقول الشاعر: 4177 - وأجبت قائل كيف أنت بصالح... حتّى مللت وملّني عوّادي 67 أدخل الباء على «صالح» وتركه مرفوعا كما كان يكون لو لم تدخل عليه الباء ويمكن أن يكون من هذا ما كتب بواو في خط الصحابة رضي الله تعالى عنهم: فلان بن أبو فلان، كأنه قيل: فلان بن المقول فيه أبو فلان، والمختار فيه عند المحققين أن يقرأ بالياء وإن كان مكتوبا بالواو كما تقرأ: الصلاة والزكاة، بالألف، وإن كانا مكتوبين بالواو تنبيها على أن المنطوق به منقلب عن «واو».
انتهى.
ولكن الشيخ شرح هذا الموضع بأن قال 68: «فسر قوله: وربّما حكي الاسم دون سؤال، بقول الله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ 69 قال: فإبراهيم ليس مسؤولا عنه، وقد حكي هذا اللفظ لأنه كان اسمه: إبراهيم، فحكي هذا اللفظ وأعراب وجعل مفعولا لم يسم فاعله».
ثم ذكر 70 اختلاف الناس في تخريج قوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ وأورد ثلاثة الأقوال المشهورة وهي 71: أنه إما مفعول صريح لـ «يقال» وإما منادى حذف منه حرف النداء، وإما أن يكون مرفوعا بالإهمال، وقال: إذا كان مفعولا صريحا لـ «يقال» فيكون من حكاية المفرد».
انتهى.
ولم ينتظم لي قوله أولا «فحكي هذا اللفظ وأعرب وجعل مفعولا لم يسم فاعله» ولا قوله ثانيا: «فيكون من حكاية المفرد» مع قوله «إنه مفعول صريح ليقال» إذ حركة الحكاية غير حركة الإعراب.
ثم إن المصنف يرى أن الكلمة إذا أريد مجرد لفظها ووجه إليها القول نصبتها -

الحديث: 4177 - الجزء: 9 - الصفحة: 4551

................................  مفعولا بها، فتقول: قلت زيدا، قلت عمرا، وقوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ 72 عنده من هذا القبيل، فلما بني الفعل [5/ 212] للمفعول أقيم المنصوب مقام المرفوع، وتقدم له ذكر هذه المسألة في باب «الأفعال الناصبة المبتدأ والخبر مفعولين» وقررها أحسن تقرير، فليس «إبراهيم» من قوله تعالى: يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ من الحكاية عند المصنف في شيء، وإذا كان كذلك فكيف يفسر كلامه بشيء قد نص هو فيه على خلافه؟ وبقية كلام الشيخ في هذه المسألة لم يتحقق لي فتركت إيراده. المسألة الرابعة: أن العلم والمضمر قد يحكيان بـ «من» حكاية المنكّر، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك. قال ابن عصفور 73: «ومن العرب من يجري سائر المعارف مجرى النكرة في الاستثبات بمن وبأيّ، سمع من العرب من يقال له: ذهب معهم، فيقول: مع منين 74؟ والأحسن أن يقول: من هم؟ فلا يحكي». ولما كانت عبارة ابن عصفور أعم من عبارة المصنف في هذه المسألة - قال الشيخ 75: «وفي قوله - يعني المصنف -: ويحكى العلم والمضمر، قصور، وكذا في قوله: من قصور أيضا، وكان ينبغي أن يقول: وربما حكيت المعرفة، ليشمل العلم والمضمر وغيرهما، وأن يقول: بأيّ وبمن ولا يخصص من». المسألة الخامسة: وهي: ربما قيل: ضرب من منه ومنو منا، لمن قال: ضرب رجل امرأة، ورجل رجلا، أما: ضرب من منه فذكروا أن حركاتهما حركة إعراب. قال ابن عصفور 76: «وحكى يونس 77 أن بعض العرب يعرب من ويحكي بها النكرات، كما يحكي بأيّ، وسمع من كلامهم: ضرب من منا، وعلى هذه اللغة قوله: 4178 - أتوا ناري فقلت: منون أنتم... فقالوا: الجنّ، قلت: عموا ظلاما 78

الحديث: 4178 - الجزء: 9 - الصفحة: 4552

[حكاية التمييز]

قال ابن مالك: (ويقال في حكاية التّمييز لمن قال: عندي عشرون: عشرون ماذا؟ وعشرون أيّا؟ على رأي).
فأثبت علامة الجمع في الوصل كما يفعل بأيّ، وهذه اللغة من الندور بحيث لا يقاس عليها».
انتهى.
قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في شرح هذا الموضع 79: «قال سيبويه 80: وهذا بعيد لا يتكلم به ولا تستعمله العرب، ولا يستعمله ناس كثير، وكان يونس إذا ذكرها يقول: لا يقبل هذا كلّ أحد، وينبغي لهذا أن لا يقول: منو في الوقف، ولكن يجعله كأيّ - يعني يجعلها معربة، كأيّ ويخلع منها معنى الاستفهام - فلذلك استبعده يونس.
قال: وأما تخريج البيت 81 فالذي خرجه عليه أحسن من تخريج الزمخشري وهو 82 أن الشاعر ارتكب شذوذين: إلحاق العلامة في الدّرج، وتحريك النون، قال شيخنا - يعني ابن عمرون - في البيت: فإنما يجوز: منون على ذا، يعني على حكاية يونس فيها الإعراب» انتهى.
وهو كلام حسن غير أنه يقتضي أن كلمة «أيّ» في قولنا في الحكاية: أي تكون معربة.
وقد عرفت أن القول بالإعراب ينافي الحكاية، على أن ابن عصفور قد صرح بالإعراب في الصور كلها كما تقدم نقلنا ذلك عنه، وفي ذلك الإشكال الذي تقدم لنا ذكره.
وأما قول المصنف: ومنو منا - فإشارة إلى أن حركة «من» والإشباع يثبتان في الوصل، كما أنهما يثبتان في الوقف وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
قال ناظر الجيش: قال الشيخ 83: وليس هذا من حكاية التمييز؛ إذ لم ينطق به المتكلم، وإنما هذا من الاستفهام -

الجزء: 9 - الصفحة: 4553

[حكاية المفرد المنسوب إليه حكم للفظه]

قال ابن مالك: (ويحكى المفرد المنسوب إليه حكم هو للفظه، أو يجرى بوجوه الإعراب اسما للكلمة أو للّفظ).  المستأنف عن التّمييز ليس من باب «الاستثبات» عن التمييز إذ لم يجر ذكره في الكلام المتقدم. ثم دل قوله: على رأي، أن منهم من يمنع ذلك، ومستند المانع: أن التمييز لا يكون بأسماء الاستفهام؛ لأنه يلزم من ذلك تقدم العامل فيها عليها ولا يجوز ذلك. ولا شك أن هذا التركيب يلزم منه أن يكون «عشرون» ناصبا لـ «ماذا»، ولقولنا «أيّا» وهو متقدم عليها، ومعلوم أن ذلك غير جائز». قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 84: «وإذا نسب إلى حرف أو غيره حكم هو للفظه دون معناه، جاز أن يحكى وجاز أن يعرب بما يقتضيه العامل، فمن الحكاية قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إيّاكم ولو فإنّ لو تفتح عمل الشّيطان» 85 ومنه قول الشاعر: 4179 - بثين الزمي لا إنّ لا إن لزمته... على كثرة الواشين أيّ معون 86 ومن الإعراب قول الشاعر: 4180 - ليت شعري وأين منّي ليت... إنّ لوّ أو إنّ ليتا عناء 87

الحديث: 4179 - الجزء: 9 - الصفحة: 4554

................................  وفي حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وأنهاكم عن قيل وقال» 88 على الحكاية 89 و «عن قيل وقال» على الإعراب 90. ثم إن الأداة التي يحكم لها بالاسمية في هذا الاستعمال إن أوّلت بكلمة منعت الصرف، وإن أوّلت بلفظ صرفت».
وقال الشيخ في شرح هذا الموضع 91: «مثال ذلك: أن يقول القائل: ضربت زيدا، فتقول: زيدا مفعول فتحكي الكلمة، أو تعربها، فتقول: زيد مفعول، وتجريه إذا أعربته بوجوه الإعراب، فيكون اسما للكلمة، فتؤنث ما يعود عليها من الضمائر، وتخبر عنها إخبار الذّكر، فتقول: زيد مفعولة، أي هذه الكلمة، أو: زيد مفعول أي: هذا اللفظ».
وقال 92 في قول المصنف: أو يجرى بوجوه الإعراب: «هذا إذا كان مما يقبل الإعراب، فإن كان مبنيّا حكيته، ولا يجوز إعرابه، نحو أن يقول قائل: قام من في الدار، فتقول: من موصول ولا يجوز: من موصول، وكذلك لو قيل: عجبت من عمرو، لقلت: من حرف جر، ولا يجوز: من حرف جر.
وحكم الإسناد اللفظي أن يكون للمسند إليه ما يستحقه من إعراب وبناء لو أسند إلى معناه فتقول: زيد ثلاثي فتعربه كما يعرب: زيد قائم، واضرب فعل أمر، فتتركه مبنيّا كحاله إذا أمرت المخاطب به، فقلت: اضرب، ومن حرف جر كحاله إذا قلت: عجبت من زيد».
انتهى.
وما ذكره من أن الكلمة إذا كانت مبنية وحكيت [5/ 213] لا يجوز إعرابها - ليس على إطلاقه، وإنما يتعين البناء إذا كانت الكلمة مسندا إليها ما هي موضوعة له، كقولنا: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4555

[حكم حكاية السؤال بالهمزة]

قال ابن مالك: (فصل: إن سأل بالهمزة عن مذكور منكر اعتقاد كونه على ما ذكر، أو بخلافه، حكاه غالبا ووصل منتهاه، ولو كان صفة أو معطوفا في الوقف جوازا، بمدّة تجانس حركته إن كان متحرّكا، أو بياء ساكنة بعد كسرة، إن كان تنوينا، أو نون «إن» تلي المحكيّ توكيدا للبيان، وربّما وليت دون حكاية ما يصحّ به المعنى كقول من قيل له: أتفعل: أأنا إنيه؟ وقد يقال: أذهبتوه لمن قال: ذهبت، وأ أنا إنيه؟ لمن قال: أنا فاعل، فإن فصل بين الهمزة والمذكور «تقول» أو نحوه، أو كان السّائل واصلا، أو غير منكر ولا متعجب لم تلحق هذه الزّوائد).
ضرب فعل ماض، ومن حرف جر؛ لأن «ضرب» إنما يكون فعلا ماضيا إذا كان آخره مفتوحا، لا إذا كان آخره مضموما، وحرف الجر إنما هو «من» بالسكون لا «من» بالحركة وإذا كان كذلك، وجب بقاء كل من الكلمتين على بنائه الذي هو موضوع عليه.
أما لو ذكرت الكلمة مخبرا عنها بأمر ليس ذلك الأمر موضوعها، كما في قول الشاعر: 4181 - إن لوّا وإنّ ليتا عناء 93 أو كان القصد بذكرها مجرد اللفظ بها كما في الحديث الشريف: «وأنهاكم عن قيل وقال» - فإن الإعراب جائز كما أن الحكاية جائزة 94. قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 95: «حرف الإنكار مدّة زائدة تلحق المحكيّ بعد همزة الاستفهام، متصلة بآخره، مجانسة لحركته، أو بعد كسرة تنوينه إن كان منونا، أو بعد كسرة نون «إن» مزيدة بعد الآخر، كقولك في: هذا -

الحديث: 4181 - الجزء: 9 - الصفحة: 4556

................................  عمر: أعمروه؟ وفي رأيت عثمان: أعثماناه؟ وفي لقيت حذام: أحذاميه 96؟ وفي قدم زيد: أزيدنيه؟ أو أزيد أنيه؟ وله معنيان: أحدهما: إنكار أن يكون الأمر على ما ذكر المخاطب.
والثاني: إنكار أن يكون على خلاف ما ذكر.
ومن الثاني قول رجل من العرب إذ قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية؟: أأنا إنيه؟ منكرا لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج 97، وهذا إنكار بلا حكاية، وكذا قولك: أأنا إنيه؟ لمن قال: أنا فاعل، وإن فصلت هذه الهمزة بقول لم يجز لحاق مدة الإنكار، كقولك لمن قال: هذا عمر: أتقول عمر؟ وكذلك إذا لم يكن المنكر واقفا كقولك لمن قال: رأيت عثمان: أعثمان يا فتى؟ وكذا إذا لم يكن المستفهم منكرا.
وإن كان الواقع بعد هذه الهمزة منعوتا، أو معطوفا أو معطوفا عليه، فموضع حرف الإنكار آخر النعت وآخر المعطوف، كقولك لمن قال: لقيت زيدا وعمرا: أزيدا وعمرنيه؟ ولمن قال: ضربت زيدا الطويل: أزيدا الطويلاه؟» انتهى.
واعلم أن مدة الإنكار لما كانت تتصل غالبا بما يحكى أورد المصنف ذكر أحكامها في باب «الحكاية» فعقد لها هذا الفصل، ثم من المعلوم أن المراد بالاستفهام هنا إنما هو الإنكار؛ إذ الإنكار أحد المعاني التي تتولد منه، وإذا كان الأمر كذلك فلا يناسب قوله: إن سأل بالهمزة عن مذكور منكر - لأن المنكر ليس بسائل، وقوله في شرح الكافية: «حرف الإنكار مدة زائدة تلحق المحكي بعد همزة الاستفهام» أحسن من قوله هنا: إن سأل بالهمزة، وقد عرف من كلامه - أعني في التسهيل - ثلاثة أمور: الأول: أن مدة الإنكار لا بد أن تتقدمها همزة، وإنما كان كذلك لأن المراد الإنكار، والمدة لا دلالة لها عليه، وإنما الدال عليه الهمزة.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4557

................................  الثاني: أن لحاقها الكلمة جائز لا واجب، فلك مع قصد الإنكار أن لا تلحق وهذا يحقق لك أن الإنكار إنما يستفاد من الهمزة.
الثالث: أنها إذا لحقت فإنما تلحق المحكي في الغالب، فأفاد ذلك أنها قد تلحق غير المحكي؛ لكن ذلك قليل.
وإذ قد علم هذا فلنرجع إلى شرح ألفاظ الكتاب.
فقوله: إن سأل بالهمزة - قد عرف اشتراط ذلك، أعني تقدم الهمزة.
وقوله: عن مذكور - إعلام بأنه لا بد أن يسبق في كلام المتكلم الكلمة التي تلحقها المدّة المذكورة، فلو لم يتقدم ذكر لم تلحق العلامة، كما لو أنكرت ابتداء ضرب عمرو مثلا لقلت: أضربت عمرا؟ دون إلحاق.
وقوله: منكر اعتقاد كونه على ما ذكر أو بخلافه - قد تقدم بيانه بما ذكره في شرح الكافية حيث قال: إن له معنيين أحدهما: إنكار أن يكون الأمر على ما ذكر المخاطب، والثاني: إنكار أن يكون على خلاف ما ذكر.
ومثّل للثاني بقول بعض العرب، وقد قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية؟: أأنا إنيه؟ منكرا لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج، المعنى: كيف لا أخرج إن أخصبت البادية؟ والذي فهمته أنه منكر على نفسه أن لا يخرج؛ حيث اقتضى استفهام المتكلم أن المخاطب بالاستفهام يستوي عنده الأمران، أو أنه قد لا يخرج، فلما اقتضى كلام المتكلم ذلك أنكر المخاطب ذلك على نفسه، كأنه يقصد بذلك الرد على ما توهمه المستفهم، والشيخ جعله منكرا لرأي المتكلم أن يكون على خلاف الخروج.
قال 98: «كأنه قال: كيف لا أخرج إن أخصبت البادية؟ فأنكر كونه استفهم عن شيء لا ينبغي أن يستفهم عنه؛ لأنه لا بد من وقوعه».
وما قاله الشيخ ليس ببعيد، والأمر في ذلك قريب؛ إذ المراد حصول الإنكار في الجملة كائنا على من يكون.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4558

................................  ثم قال الشيخ 99: «وأنا في قوله: أأنا إنيه؟ مرفوع بأخرج لأن «أنا» هو المضمر في: أتخرج؟ فأدخل الهمزة على ذلك الكلام» انتهى.
ولم أتحقق قوله: «لأن أنا هو المضمر في أتخرج؟» لأن المضمر في «أتخرج» إنما هو «أنت» إلا أن يريد الشيخ بهذا الذي قاله [5/ 214] أن «أنت» المضمر في «أتخرج» المراد به إنما هو المخاطب الذي عبّر عن نفسه بـ «أنا» فذاك شيء آخر، ثم إذا كان «أنا» مرفوعا بـ «أخرج» كما قال، لزم أن يكون منكرا أن يخرج، والغرض أنه منكر أن لا يخرج.
والذي يظهر أن «أنا» مبتدأ خبره محذوف، التقدير: أأنا لا أخرج؟ يدل على ذلك سياق الكلام المتلوّ بالإنكار.
وقوله: حكاه غالبا - إشارة إلى أن مدة الإنكار قد يؤتى بها دون حكاية، وسيذكر ذلك.
وأما قوله: ووصل منتهاه، إلى قوله: إن كان تنوينا - ظاهر، وقد تضمن نقلنا عنه من شرح الكافية شرح ذلك.
ولما تكلم الشيخ على قوله: أو بياء ساكنة بعد كسرة إن كان تنوينا؛ ومثّل لذلك بقولك لمن قال: قام زيد: أزيدنيه؟ قال 100: «فإن كان قد حذف آخر الاسم لأجل التنوين نحو: رام وعصا، فالقياس أن يكسر كتنوين زيد لأنه حال وصل فيرجع المحذوف حينئذ فتقول: أعصانيه؟ وأرامينيه؟ وإنما رجع لأن سبب حذفه كان سكون التنوين وقد زال العارض بتحريكه.
وقد يقال: حكمه حكم الأول إبقاء للحكاية، فتقول: أرامنيه؟ وأعصنيه؟ فلا يرد المحذوف.
فإن كان الآخر ساكنا لا يقبل الحركة نحو: موسى والقاضي، وتغزو وترمي، فتقول في الإنكار: أموساه؟ وأألقاضيه؟ فتأتي بمدة الإنكار مناسبة للحرف الساكن، ويحذف ذلك الحرف لالتقاء الساكنين كما تحذفه في نحو: موسى الكتاب، ويرمي الرجل، وقيل: لا يكون هذا لأنه يقدح الحكاية، وإنما الوجه أن يفصل بين الاسم وبين حرف الإنكار بـ «إن»، فتليه النون مع المد فيرجع حرف المد -

الجزء: 9 - الصفحة: 4559

................................  ياء فتقول: أموسى إنيه؟ وكذلك في كلها وهو الصحيح، وقد قالوا: أأنا إنيه؟ ولو كان الأول لقالوا: أأنا؟ فإن كان الحرف ياء إضافة في لغة من سكّن، فلك أن تحذف كما حذفت في النّدبة حين قلت: واغلاماه على قول من لا يلحق «إن» ولا يجوز ذلك على قول من يلحقها لزوال الحكاية، بل يأتي بـ «إن» والفرق بينها وبين النّدبة قصد الحكاية».
ثم لما تكلّم على نون «إن» قال 101: فإذا أكدت بـ «إن» لزم إذ ذاك أن يكون حرف الإنكار ياء لأن قبلها ساكنا يقبل الحركة، فتقول مثلا لمن قال: قام أحمد: أحمد إنيه؟ فإن كان آخر الاسم منوّنا وألحقت «إن» جاز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إقرار التنوين ساكنا وتحقيق همزة «إن» فتقول: أزيد إنيه؟ والثاني: نقل كسرة الهمزة إلى التنوين وتحريكه بحركتها وتحذفها، فتقول: أزيدننيه؟ والثالث: أن تدغم نون التنوين في نون «إن» المكسورة بعد النقل المذكور فتقول: أزيدنّيه؟ وذكر بعد ذلك عن ابن هشام وابن أبي الربيع كلاما يتضمن أن الهمزة حذفت وأدغمت التنوين في النون المكسورة للحاق مدة الإنكار، قال 102: وقال ابن أبي الربيع: ولا يقال إن الهمزة نقلت كسرتها فالتقت النونان فوقع الإدغام.
وأطال الكلام في تقرير كلام ابن أبي الربيع فتركت إيراده لك خشية الإطالة.
وأما قوله - أعني المصنف -: وربّما وليت دون حكاية ما يصحّ به المعنى كقول من قيل له: أتفعل: أأنا إنيه؟ - فقد عرفت قوله في شرح الكافية: «وهذا إنكار بلا حكاية» مشيرا بذلك إلى قول القائل: أأنا إنيه؟ جوابا لمن قال له: أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقد وليت «إن» دون حكاية الضمير الذي هو «أنا» وهو يصح به المعنى.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4560

................................  قال الشيخ 103: «لأنه قال: أتخرج؟ فخاطبه وفي «تخرج» ضمير الخطاب مستكنّا فلا يبرز فتلحقه «إن» فأدخله على «أنا» ولم يحك كلام القائل وصح به المعنى والإنكار الذي أراده، قال: وقال سيبويه 104: ومن قال: أذهبتوه؟ قال: أأناه؟ يريد أنه يدخل المدّة على «أنا» فيقول: أأناه؟ وتأويل القائل أنه حذف الألف الأولى خطأ بيّن؛ لأنه لا ألف؛ لأن الألف في الوقف وكتبها «أنا» بالألف إنما ذلك على حالة الوقف كما يكتبون: رأيت زيدا بالألف لتبيين حالة الوقف» انتهى.
وهو كلام حسن إلا أني لم أتحقق قوله: «فأدخله على أنا» لأن «إن» لم تدخل على «أنا» في قول القائل: أأنا إنيه؟ وأما قوله: وقد يقال أذهبتوه؟ لمن قال: ذهبت، وأأنا إنيه؟ لمن قال: أنا فاعل فأشار به إلى مسألتين: الأولى: حكى فيها كلام المتكلم، ووصلت علامة الإنكار بآخر الجملة، وكانت «واوا» لأجل ضمة التاء، ودلت كلمة «قد» على أن إلحاق العلامة في نحو هذا قليل، وكان قياسه أن لا يحكى، بل يقال: أأنت إنيه؟ لأن الضمير في «ذهبت» لا ينفصل، فتلحقه علامة الإنكار، فكان يكون نظير: أأنا إنيه؟ حيث لم يمكن انفصال الضمير في «أتخرج؟» هذا كلام للشيخ 105 وعليك أن تتأمله.
المسألة الثانية: هي أن يقال: أأنا إنيه؟ لمن قال: أنا فاعل.
قال الشيخ 106: «أمكن إدخال الهمزة وإلحاق العلامة في أنا؛ لأنه ضمير منفصل» انتهى.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4561

[إلحاق حرف مد آخر المحكي]

قال ابن مالك: (فصل؛ إذا نطق بكلمة متذكّر غير قاصد للوقف، وصل آخرها بمدّة تجانس حركته إن كان متحرّكا، وبياء ساكنة بعد كسرة إن كان ساكنا صحيحا، ولا تلي هذه الزّيادة هاء السّكت بخلاف زيادة الإنكار).
ولم أتحقق ما المراد بقول القائل: أأنا إنيه؟ بعد قول من قال: أنا فاعل؟ والظاهر أن المقصود بهذا الكلام الإنكار على المتكلم ما تكلّم به من قوله: أنا فاعل كذا، كأن المخاطب أنكر عليه الإخبار عن نفسه بما أخبر.
وأما قوله: فإن فصل بين الهمزة والمذكور «تقول» أو نحوه، إلى آخره؛ فإنه يشير إلى ما تقدم لنا نقله عنه من شرح الكافية، قيل: وسبب عدم لحاق هذه الزوائد عند وجود ما ذكره أنك [5/ 215] لم تحك كلام المتكلم حيث زدت فيه شيئا لم يذكره هو فصار نظير دخول حرف العطف على «من» في حكاية الأعلام؛ لأن دخوله صار دليلا على أنك لا تريد حكاية لفظه؛ لأن العطف مناف للحكاية؛ لأنه يصير إذ ذاك عطف جملة على جملة، فإذا قلت لمن قال: قام أحمد: أتقول أحمد؟ وكنت منكرا مثلا فإنما يفهم الإنكار بقرينة أخرى غير المدّة الموضوعة لذلك.
ومثال الفصل بنحو «تقول»: أن تقول: أأليوم أحمد؟ لمن قال: جاء أحمد، وكذلك الحكم إذا وصلت أو كنت غير منكر، وكذا إذا كنت غير متعجّب أيضا، وهذا يدل على أن التعجّب بمنزلة الإنكار.
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 107: «وإذا نطق المتكلم بكلمة، فقصد تذكّر ما يتصل بها دون قطع لكلامه وصل آخر الكلمة بمدة تجانس حركته إن كان متحركا، نحو قول من قصد ذلك بعد نطقه بـ «قال»: قالا، وبعد نطقه بـ «يقول»: يقولو، وبعد نطقه بـ «من العام»: من العامي، وإن كان الآخر ساكنا صحيحا كـ «لام التعريف» ودال «قد» كسر ووصل بياء، قال سيبويه 108: -

الجزء: 9 - الصفحة: 4562

................................  سمعناهم يقولون: إنه قدي وألي - يعني في قد فعل وفي الألف واللام إذا تذكّر الحارث ونحوه - قال 109: وسمعنا من يوثق به يقول: هذا سيفني، يريد: سيف من صفته كيت وكيت.
ولا توصل مدّة التذكّر بهاء السكت؛ لأن المتذكّر ليس واقفا، وهاء السكت إنما تزاد في الوقف، أو فيما ينوي الوقف عليه، وأما مدة الإنكار فالأجود وصلها بهاء السكت؛ لأن المنكر واقف ولو لم يقف لم يأت بالمدة الدالة على الإنكار» انتهى.
وقد تضمن ذلك شرح ما ذكره في «التسهيل»، واحترز بقوله: إن كان ساكنا صحيحا - من أن يكون الآخر ساكنا معتلّا، فإنه إن كان كذلك كان مدّه ممكنا، فيستغنى بمدّه عن إلحاق علامة إن كان حرف مدّ ولين.

الجزء: 9 - الصفحة: 4563

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل