[مسائل لا يجوز فيها الإتباع على اللفظ]
قال ابن مالك: (ولا يتبع المجرور بـ «من» والباء الزائدتين، ولا اسم «لا» الجنسيّة إلّا باعتبار المحلّ) 1.
- قال ناظر الجيش: كلامه واضح، ومثال الأول: 2 ما فيهما من أحد إلا زيد.
ومثال الثاني: 3 ليس زيد بشيء، إلا شيئا لا يعبأ به.
ومثال الثّالث 4: لا إله إلّا الله، رفعت البدل من (أحد) لأنه في موضع رفع بالابتداء ولم تحمله على اللفظ فتجرّه؛ لأنه معرفة موجبة و (من) الزائدة لا تجر إلّا منكرا غير موجب.
وخلاف الكوفيين والأخفش في ذلك معروف 5، وتقرير المصنف إنما هو على مذهب سيبويه وجمهور البصريين، ونصب أيضا المبدل من (شيء)؛ لأنّه في موضع نصب بـ (ليس) ولم يحمله على اللفظ فيجره؛ لأنّه خبر موجب ولا عمل للباء (الزائدة) 6 في خبر موجب 7، ورفعت البدل من اسم (لا)؛ لأنّه في موضع رفع بالابتداء، ولم تحمله على اللفظ فتنصبه؛ لأنّه معرفة موجب، وكذا لو كان ما بعد (إلّا) نكرة نحو: لا رجل في الدار إلّا رجل من بني تميم؛ لأنّ (لا) لا تعمل إلّا في منكّر منفي ومن الإتباع على محله المجرور بالباء قول الشاعر - أنشده سيبويه -: 1687 - يا ابني لبينى لستما بيد... إلّا يدا ليست لها عضد 8 ونقل الشيخ عن الشلوبين قال: إن قلت: كيف يكون (عبد الله) في قولك: -
[إتباع المستثنى المنقطع عند بني تميم]
قال ابن مالك: (وأجاز بنو تميم إتباع 1 المنقطع المتأخر إن صحّ إغناؤه عن المستثنى منه وليس من تغليب العاقل على غيره فيختصّ 2 بأحد وشبهه خلافا للمازنيّ) 3.
- لا أحد فيها إلّا عبد الله بدلا من (أحد) وأنت لا يمكنك أن تحلّه محلّه؟ فالجواب:
أنّ هذا إنما هو على توهّم: ما فيها من أحد إلّا عبد الله فالمعنى واحد وهذا يمكن فيه الإحلال وتقديره: ما فيها إلّا عبد الله 4، ثمّ قال 5: قال ابن عصفور: وهذا الإشكال الذي ذكره لا يتقرر في المسألة وإذا لم يتقرر ولم يحتج إلى الانفصال عنه من جهة أنّه لا يلزم أن يحلّ إلّا عبد الله محل (أحد) الواقع بعد (إلّا)؛ لأنّ البدل إنّما يلزم أن يكون على نيّة تكرار العامل، وقد حصل ذلك في هذه المسألة وأمثالها ألا ترى أنّ (عبد الله) بدل من موضع لا أحد، فيلزم أن يكون العامل فيه الابتداء، كما أنّ العامل في موضع (لا أحد) الابتداء ولا شكّ أنك إذا أبدلته منه كان مبتدأ في التقدير وخبره محذوف، وكذلك حرف النّفي لدلالة ما قبله عليه والتقدير: لا أحد فيها، لا فيها إلّا عبد الله ثمّ حذف ذا واختصر 6، والّذي ذكره ابن عصفور غير ظاهر؛ لأنّه لو كان الأمر كما زعم لصحّ البدل مع الإيجاب في نحو: قام القوم إلّا زيدا، لصحة تقدير العامل، وهم قد منعوه، معللين ذلك بعدم صحّة حلول الثاني محلّ الأول، فدل ذلكّ على أنّه مشترط، وأمّا قوله 7: إن البدل المذكور مبتدأ، وخبره محذوف، وكذلك حرف النّفي لدلالة ما قبله عليه فبعيد جدّا، وما قرره أبو علي الشلوبين فظاهر، لا غبار عليه.
قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على المتّصل بالنسبة إلى الإتباع شرع في المنقطع بالنسبة إليه أيضا واستغنى عن إعادة ذكر بعض الشروط ليكون الكلام الّذي -
................................ هو فيه ليس موجبا ونحوه ممّا تقدم وأمّا المتأخّر فذكره هنا وفهم من قوله: وأجاز بنو تميم أنّ الحجازيين يوجبون نصبه وشرط الإتباع عند التميميين أن يستقيم حذف المستثنى منه ويستغنى عنه بالمستثنى وإليه الإشارة بقوله: إن صحّ إغناؤه عن المستثنى منه فلو لم يصح الإغناء وافق التميميون الحجازيين 1، وقد تقدّم في المبحث التاسع من المباحث السابقة أنّ المنقطع قسمان: قسم يتصور فيه الاتصال على جهة المجاز، وقسم لا يتصور فيه الاتصال على حال [3/ 37]. وأنّ اللغة الحجازية والتميمية بنيت على القسمين، وتقدّم تقدير جهة المجاز في ذلك فقول المصنف: إن صحّ إغناؤه... إلخ، هو عبارة عن القسم الّذي ذكروا أنّه يتصور فيه الاتصال لأنّ مراد المصنّف أن يصحّ معه تفريغ ما قبل (إلّا) لما بعدها، فإن صحّ جاءت 2 اللغة التميمية وإلّا فلا، ومتى تصوّر التفريغ عاد الاستثناء متصلا لما تقدّم أنّ التفريغ من قبيل المتّصل وإنما عدل المصنّف إلى هذه العبارة دون تلك؛ لأنّه لم يقرر في المنقطع ما قرره غيره من انقسامه إلى قسمين، وقد تقدّم التنبيه عليه، وتقدمت الإشارة أيضا في المبحث الثامن إلى عدة أمثلة من الاستثناء المنقطع إلّا أنّه لم يفصل فيها بين ما يصحّ إغناء المستثنى عن المستثنى منه، وما لا يصحّ، والغرض الآن التمييز بينهما. فمن أمثلة الأول، وهو ما يجوّز التميميون فيه الإتباع كما هو في المتصل لوجود الشرط: ما فيها أحد إلا حمار، ومنها قول الشاعر: 1688 - وبلدة ليس بها أنيس... إلّا اليعافير وإلّا العيس 3
................................ وقول الآخر: 1689 - وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن... لنا خاطب إلّا السّنان وعامله 1 قال المصنّف 2: ويلحق بهذا إتباع أحد المتباينين الآخر نحو: ما أتاني زيد إلّا عمرو، وما أعانه إخوانكم إلّا إخوانه، وهما من أمثلة سيبويه والأصل: ما أتاني أحد إلّا عمرو، وما أعانه أحد إلّا إخوانه، فجعل مكان (أحد) بعض مدلوله وهو (زيد) و (إخوانكم)، ولو لم يذكر لدخلا فيمن نفى عنه الإتيان والإعانة، لكن ذكرا توكيدا لقسطهما من النّفي، ودفعا لتوهّم المخاطب لو لم يعترض له هذا الذي أكّد به واستشهد سيبويه بقول الشاعر: 1690 - والحرب لا يبقى لجا... حمها التّخيّل والمراح إلّا الفتى الصبّار في الن... نجدات والفرس الوقاح 3 ويقول الآخر: 1691 - عشية لا تغني الرماح مكانها... ولا النّبل إلّا المشرفيّ المصمّم 4
-
- الشاهد فيه: رفع (اليعافير، والعيس) على أنهما بدلان من قوله: (أنيس) مع أنهما ليسا من جنس الأنيس أي الذي يؤنس، ويرى سيبويه أن هذا من الاستثناء المتصل على التوسع في المستثنى منه أو في المستثنى.
................................ وجعل المصنف من ذلك قوله تعالى: ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ 1 حتّى قال: إنّهم يقرؤون ذلك بالرّفع، إلّا من لقّن النّصب، وابن عصفور جعل هذه الآية من القسم الّذي لا يتصوّر فيه الاتصال 2، ومقتضى كلام المصنّف عكس ذلك 3. وأما أمثلة القسم الثّاني، وهو الّذي لا يصحّ فيه إغناء المستثنى عن المستثنى منه فمنها قولهم: ما زاد إلّا ما نقص وما نفع إلّا ما ضرّ، ففي (زاد)، (ونفع) ضميران فاعلان والمعنى: لكنّه نقص، ولكنّه ضرّ، وما مصدرية، وتقديره: إلّا النقص وإلّا الضّرّ. وزعم السيرافي أنّ المصدر المقدّر مبتدأ محذوف الخبر، كأن قال: ما زاد النّهر لكن النقصان أمره، وما نفع زيد لكنّ الضرّ شأنه. وأقول: هذا منه إن لم يكن قصد به تفسير المعنى، كان على رأي من جعل إلّا في المنقطع قامت مقام لكن لفظا، وينصب ما بعدها بها نفسها، وقدّر لها خبرا محذوفا، وقد تقدّم الكلام عليه وجعل الشّلوبين (ما زاد إلّا ما نقص) من قبيل المتّصل، وقال: المصدر هنا مفعول به حقيقة والعامل فيه (زاد) وتقديره: ما زاد شيئا إلّا النقصان، ثمّ حذف شيئا وفرّغ زاد لما بعد (إلّا)، وردّ بأنّ النقصان لا نسبة بينه وبين الزّيادة، وكذلك لا نسبة بين الضّرّ والنّفع وفيه نظر، ومنها أيضا قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 4. قال المصنّف 5: مَنْ رَحِمَ لا يجوز فيه الإتباع؛ لأنّ الاستغناء به عمّا قبله ممتنع إلّا بتكلّف، وأقول: هذا الذي قرّره على أحد الأوجه المتقدمة وهو: لا عاصم إلّا المرحوم ومنها قول الشاعر: 1692 - ألا لا مجير اليوم ممّا قضت به... صوارمنا إلّا امرأ [دان] مذعنا 6
................................
قال المصنّف 1: وزعم الزمخشريّ أنّ قوله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ 2 استثناء منقطع جاء على لغة تميم؛ لأنّ الله تعالى وإن صحّ الإخبار عنه بأنّه في السّموات والأرض فإنما ذلك على سبيل المجاز؛ لأنّه مقدّس عن الكون في مكان، بخلاف غيره، فإنّ الإخبار عنه بأنّه في السّماء أو في الأرض ليس مجازا، وإنمّا هو حقيقة ولا يصحّ حمل اللّفظ في حال واحد على الحقيقة والمجاز 3.
قال المصنف 4: والصحيح عندي أنّ الاستثناء في الآية متّصل و (فى) متعلقة بغير (استقرّ) من الأفعال المنسوبة حقيقة إلى الله تعالى وإلى المخلوقين (ذكر) ويذكره فكأنّه قيل: لا يعلم من يذكر في السموات والأرض الغيب إلّا الله، ويجوز تعليق (فى) بـ (استقرّ) مسند إلى مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والأصل: لا يعلم من استقرّ ذكره في السموات والأرض الغيب إلّا الله، ثمّ حذف الفعل والمضاف واستتر المضمر لكونه مرفوعا، هذا على تسليم امتناع إرادة الحقيقة والمجاز في حالة واحدة، وليس عندي ممتنعا لقولهم: القلم أحد اللسانين، والخال أحد الأبوين، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ 5 وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الأيدي ثلاث: يد الله ويد المعطي ويد السائل».
انتهى.
وجعله (فى) متعلّقة بغير (استقرّ) أو بـ (استقرّ) مسند إلى مضاف، إلى ضمير (من) فيه نظر لا يخفى وقد فهم من قول المصنّف: وبنو تميم لا يوجبون الإتباع 6، قال الشيخ: «بل الأفصح عندهم النّصب، وأمّا البدل فهو ضعيف وعلّل ضعفه بأنّه لا يتصوّر إلّا على تأويل 7 وجعل قول المصنّف: «إنّ بني تميم يقرؤون ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [3/ 38] بالرفع إلّا من لقّن النصب مخالفا لما حكي، قلت: قد تقدّم من كلام المصنّف أنّ النصب في المنقطع
إمّا - - (من رحم) بمعنى المرحوم، والعاصم على ظاهره فإن كان (عاصم) بمعنى ذا عصمة أي على إرادة النسب أو يكون (من رحم) بمعنى الراحم فيصير متصلا، وعلى هذا التوجيه يكون (من رحم) في موضع رفع بالبدل من (عاصم) والتقدير: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم إلا الراحم وهو الله».
اه.
................................
راجح، أو واجب ورجحانه إنّما هو في لغة التميميين؛ لأنّ الحجازيين هم الذين يوجبون النّصب 1، فعلم من هذا أنّ النّصب هو الأرجح عندهم، والبدل مرجوح.
وزعم المازنيّ: أنّ إتباع المنقطع من تغليب ما يعقل على ما لا يعقل.
قال ابن خروف: وهو فاسد؛ لأنّه لا يتوهّم ذلك [محصورا] في لفظ واحد والّذي يبدل منه في هذا الباب - وليس لفظ (أحد) - أكثر من أن يحصى 2.
قال ابن عصفور: وزعم المازنيّ أنّ وجه البدل - أي: في المنقطع - أن يكون أطلق (الأحد) على (الأحد) وغيره؛ لأنّه لما يعقل فلمّا اجتمع مع ما لا يعقل، أطلق عليهما تغليبا 3 وعلى ذلك يحمل قوله:
1693 - ليس بها أنيس... إلّا اليعافير... 4.
لأن الأنيس لمن يعقل، ثمّ غلّبه وذلك فاسد؛ لأنّه لا يطرد في المنقطع ولا يسوغ له ذلك، في مثل قول الشاعر:
1694 - ليس بيني وبين قيس عتاب... غير طعن الكلى وضرب الرقاب 5
لأنّ (عتاب) لا يقع على من يعقل حتّى يقال فيه بالتغليب، وقد أبدلت (غير) المضافة إلى الطّعن والضّرب من
(عتاب)، والطعن والضّرب ليسا من العتاب.
قال الشيخ: والحكم المذكور للمستثنى المنقطع على اللّغتين ثابت إن كان الاستثناء بلفظ (إلّا) أو (غير)، وإن كان الاستثناء بأداة غير لفظ (غير، إلّا) كان حكم المستثنى حكمه إذا كان الاستثناء متّصلا 6، ومن الاستثناء المنقطع بأداة غير (إلّا وغير) قول الشاعر: -
[جواز الإتباع على الاسم الظاهر أو ضميره]
قال ابن مالك: (وإن عاد ضمير قبل المستثنى بـ «إلّا» الصالح للإتباع على المستثنى منه العامل فيه ابتداء، أو أحد نواسخه أتبع الضمير جوازا، وصاحبه اختيارا، وفي حكمهما المضاف إليه في نحو: ما جاء أخو أحد إلّا زيد).
1695 - لم ألف بالدّار ذا نطق سوى طلل... قد كاد يعفو وما بالعهد من قدم 1
وعلى هذا القول: ما بالدّار أحد ليس حمارا، أو لا يكون حمارا، أو عدا حمارا، أو عدا حمار، وكذا باقي الأدوات، وهذا الّذي أشار إليه الشيخ، يؤخذ من كلام المصنّف في الكتاب فإنّه قد نصّ على حكم المستثنى بغير (إلّا وغير) من الأدوات، وأنّه إمّا مجرور أو منصوب، وأمّا (إلّا) فهي المقصودة بالكلام عليها من أول الباب إلى هنا، وأمّا كون حكم (غير) في المنقطع (إلّا) فقد ذكر المصنف في الفصل الأخير أنّ (غيرا) مستثنى بها، فتجرّ المستثنى، وتكون هي معربة بما له بعد (إلّا) فعمّ الحكم بذلك في المنقطع وغير المنقطع، ولهذا لمّا ذكر حكم الإتباع قال: فإن كان المستثنى بـ (إلّا) متّصلا... إلى آخره، ولم يذكر (غير) مع أنّ الحكم فيهما واحد اعتمادا على ما ذكره في فصل (غير) كما نبّه عليه.
واعلم أنّه تقدّم من كلام الشيخ - في اعتراضه على المصنّف - أنّ الأفعال لا يستثنى بها المنفصل 2؛ كـ (خلا)
وأختيها، وهاهنا قد مثّل بالأفعال في المنقطع، فينبغي أن يتأمل ما أورده.
قال ناظر الجيش: اعلم أنّ كلّ مسألة تقدّم فيها على المستثنى اسمان أحدهما ظاهر معمول للابتداء 3 أو لأحد نواسخه 4 والآخر مضمر واقع في خبر ذلك -
................................
الظاهر أو في صفته، وهو عائد عليه، يجوز للمتكلم أن يبدل ذلك المستثنى من أيّهما شاء، وذلك نحو: ما أحد يقول ذلك إلّا زيد، وما حسبت أحدا يفعل ذلك إلّا زيد، وما كان أحد يجترئ عليك إلّا زيد، فلك أن تجعله تابعا في تلك الأمثلة، لما عاد إليه المضمر من المبتدأ، أو المفعول الأول لـ (حسبت)، فيكون إعرابه على حسب إعراب متبوعه 1، ولك أن تجعله تابعا للمضمر العائد من خبر المبتدأ، أو المفعول الثاني أو خبر (كان) 2؛ لأنّ العامل في الضمير خبر ما دخل النّفي عليه، وإذا دخل نفي على ذي خبر فالخبر هو المنفيّ، فهذه أمثلة الضمير واقعا في الخبر.
وأمّا أمثلته واقعا في الصّفة نحو: ما فيهم أحد اتّخذت عنده يدا إلّا زيدا، فيجوز في زيد الرّفع إتباعا للمبتدأ، والخفض إتباعا للضّمير الواقع في صفته؛ لأنّ المعنى ما اتخذت عند أحد يدا إلّا زيد، وكذا ما ظننت فيهم أحدا يقول ذلك إلّا زيدا، وما كان فيهم أحد يفعل ذلك إلّا زيد، وإتباع الظاهر المخبر عنه أو الموصوف في الصّور المذكورة أولى من إتباع المضمر؛ لأنّ المسوّغ للإتباع هو النّفي، وهو أقرب إلى الظاهر منه إلى المضمر 3. قال سيبويه - بعد أن مثّل بقوله: ما علمت أحدا يقول ذلك إلّا زيدا -: وإنّما اختير النصب هنا؛ لأنّهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه وأن لا يكون إلّا من منفيّ، والمبدل منه منصوب منفيّ، ومضمره مرفوع فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا منه؛ لأنّه هو المنفيّ، وهذا وصف أو خبر، وقد تكلّموا بالآخر؛ لأنّ معناه النّفي، إذا كان وضعا لمنفي، كما قالوا: عرفت زيدا أبو من هو، كما ذكرت لك؛ لأنّ معناه معنى المستفهم منه.
انتهى 4.
فلو كان الضمير العائد في غير خبره، وغير صفة مخبرا عنه، امتنع إتباعه ولزم إتباع الظّاهر كقولك: ما شكر رجل أكرمته إلّا زيد، وما مررت بأحد أعرفه إلّا -
................................
عمرو؛ لأنّ المعنى: ما شكر ممّن أكرمته إلّا زيد، وما مررت ممّن أعرفهم إلّا بعمرو، فلا أثر للنفي في (أكرمت) ولا في (أعرف) بل هما مثبتان، فلذلك امتنع إتباع معمولهما وقد عرف هذا من اشتراط المصنّف في العائد عليه الضمير أن يكون معمولا للابتداء، ولأحد نواسخه.
قال سيبويه: وتقول: ما ضربت أحدا يقول [3/ 39] ذلك إلّا زيدا، لا يكون في ذلك إلّا النّصب؛ وذلك لأنّك أردت في هذا الموضع أن تخبر بوقوع فعلك ولم ترد أن تخبر أنّه ليس يقول ذلك إلّا زيد، ولكنّك أخبرت أنّك ضربت ممّن يقول ذلك زيدا.
انتهى 1.
وهذا الحكم المذكور من جواز إتباع الظّاهر والمضمر ليس خاصّا بالمتّصل بل هو جار في المنقطع أيضا وهو غنيّ عن الأمثلة 2، وعلى الانقطاع جاء قول الشاعر إلّا أنّه أتبع الضمير - أنشده المصنّف وهو من إنشادات سيبويه أيضا -:
1696 - في ليلة لا ترى بها أحدا... يحكي علينا إلّا كواكبها 3
فـ (كواكبها) بدل من فاعل (يحكي)، (ترى) بمعنى: تعلم فـ (يحكي) وقعت مفعولا ثانيا لها، ومعنى (يحكي علينا): يخبر عنّا، وقبله:
1697 - ما أحسن الجيد من مليكه وال... لبّات إذ زانها ترائبها 4
يا ليتني ليلة إذ هجع النّاس... ونام الكلاب صاحبها
وإنما قيّد المصنّف المستثنى بـ (إلّا) ليخرج ما سوى (إلّا) و (غير) من بقيّة الأدوات، كما تقرّر أنّ ما سواهما ينصب المستثنى أو يجرّه، ثمّ خصّ (إلّا) بالذّكر، وأمّا (غير) فيأتي في كلامه أنّ لها حكم ما بعد إلّا من الإعراب، كما تقدّم، وعلى هذا تقول: ما أظنّ أحدا يفعل ذلك غير زيد، نصبا ورفعا.
قال -
[مجيء المستثنى متبوعا، والمستثنى منه تابعا]
قال ابن مالك: (وقد يجعل المستثنى متبوعا، والمستثنى منه تابعا).
الشّيخ: واحترز المصنّف بقوله: قبل المستثنى من أن يكون الضمير العائد بعده فإنّه لا يتصوّر فيه ذلك نحو: ما أحد إلّا زيدا يقول ذلك، فهذا لا يكون فيه إلّا النّصب على الاستثناء، ولا يجوز أن يكون مبدلا من الضّمير في (يقول).
اه 1.
وقيّد المصنّف المستثنى بصلاحيته للإتباع تنبيها منه على أنّه لا بدّ أن يتقدّمه نفي أو ما يجري مجراه ليوجد شرط الإتباع فيصحّ، وإنما احتاج إلى هذا القيد؛ لأنّ عبارته ليس فيها إشعار باشتراط ما ذكره ولا بدّ منه، فاكتفى عن ذلك بوصفه المستثنى بالصّلاحية للإتباع؛ لأنّه يعلم منه اشتراط ألّا يكون الكلام موجبا، إذ لو كان موجبا لم يصلح المستثنى للإتباع لما قد عرفته 2.
وقد ذكر الشيخ أنّ المصنّف احترز بذلك من أن يكون المستثنى منقطعا لا يمكن توجيه العامل عليه 3، وتكلّف في تمثيله 4، وجعل اشتراط النّفي وما جرى مجراه مستفادا من قوله: أتبع أو نحو ذلك، وفيه بعد، وما تقدّم أسهل منه وأقرب وقوله: وفي حكمهما المضاف والمضاف إليه أي في حكم الظّاهر والمضمر المتقدّم ذكرهما
المضاف والمضاف إليه في المثال المذكور فلك أن تقول: ما جاء أخو أحد إلّا زيد بالرّفع مبدلا من المضاف، والخفض مبدلا من المضاف إليه كما قلت: ما فيهم أحد اتّخذت عنده يدا إلا زيد، وإلّا زيد 5 ويحتاج توجيه جواز الخفض في الإضافة إلى فضل تأمّل 6.
قال ناظر الجيش: قد علم ممّا تقدّم أنّ حكم المستثنى إذا قدّم النّصب، فأشار هنا إلى أنّه قد يقدّم في غير الإيجاب فلا ينصب، وإنما يتوافق مع ما بعده في الإعراب.
وقد أشار إلى ذلك سيبويه قال: حدّثنا يونس أنّ بعض العرب الموثوق بهم يقولون: ما لي إلّا أبوك أحد؛ فيجعلون (أحد) بدلا، كما قالوا: ما مررت -
................................
بمثله أحد، فجعلوه 1 بدلا.
اه.
وأنشد المصنف على ذلك قول حسّان رضي الله عنه:
1698 - لأنّهم يرجون منه شفاعة... إذا لم يكن إلّا النّبيّون شافع 2
قال: وأنشد الفرّاء 3:
1699 - مقزّع أطلس الأطمار ليس له... إلّا الضّراء، وإلّا صيدها نشب 4
وأنشد الكوفيّون:
1700 - رأت إخوتي بعد الولاء تتابعوا... فلم يبق إلّا واحد منهم شفر 5
ولابن عصفور في هذه المسألة خبط؛ فتارة أجازها، وتارة جعل ذلك ضرورة وتارة جعله مذهب الكوفيين 6. ونقل الشيخ أيضا عن بعض النّحاة أنّ مذهب البصريّين في المستثنى إذا قدّم على المستثنى منه النصب خاصة 7، وجعلها الشيخ -
................................
مسألة خلاف، وطوّل الكلام فيها، وكلّ هذا مضادّ منه؛ لكلام سيبويه، ولما نقله عن العرب الموثوق بهم.
وعلّل ابن عصفور المنع فقال: يجوز الرفع على الفاعلية وجعل (أحد) بدلا منه، يعني في: ما قام إلّا زيد أحد، قال: لأنّ (أحد) أعمّ من (إلّا زيد) والأعمّ لا يبدل من الأخصّ، وقال في موضع آخر: وقد يجوز ذلك على وضع العامّ موضع الخاصّ، فيكون من بدل الشيء من الشيء، إلّا أنّه لا يجوز ذلك إلا في ضرورة، مثل:
1701 -... فلم يبق إلا واحد منهم شفر 1
ونقل الشيخ عن ابن الضائع كلاما قاله رادّا على ابن عصفور مضمونه أنّ جعل (أحد) و (شفر) - في قولك: ما لي
إلّا أبوك أحد، ولم يبق إلّا واحد منهم شفر - بدلا، خطأ؛ لأنّه يلزم منه أن يكون (أحد) و (شفر) مستعملين في الواجب وهو لا يجوز، قال: والوجه أن يقال: إنّه بدل من الاسم مع (إلّا) مجموعين فقدّر العامل: لم يبق شفر 2. اه.
وهذا منزع نزع إليه ابن الضائع 3، فالمحكوم عليه البدلية في الاستثناء وقد تقدّم عنه في مثل: ما قام أحد إلّا زيد، أنّ البدل من (أحد) هو مجموع (إلّا زيد) 4 لا (زيد) وحده، فكذا قال في عكسه وهو: «فلم يبق إلّا واحد منهم (شفر) إنّ (شفر) بدل من (إلّا واحد) لا من (واحد) وحده، وإنمّا ادّعى ذلك هنا أيضا، لئلا يلزم منه استعمال (شفر) في الواجب، ويمكن أن يقال: إنّ تسميته (شفر) بدلا في مثل: «فلم يبق إلّا واحد منهم شفر» إنّما هو باعتبار الأمر اللفظيّ من غير التفات [3/ 40] إلى معناه، ويدلّ على ذلك أنّك إذا قلت: لم يبق منهم شفر إلّا واحد؛ كان (شفر) هو المستثنى منه، وإذا قلت: فلم يبق إلّا واحد منهم شفر؛ كان بمعنى الأوّل إلّا أنّ اللفظ لا يمكن حمله على ذلك؛ إذ لا يتأخّر المبدل منه ويقدّم البدل فادّعى أنّ المؤخّر بدل من المقدّم، وإن كان المعنى على العكس مراعاة للقاعدة في مثله، وإذا كان تسميته بدلا إنما هو باعتبار اللفظ خاصة؛ يلزم ما قاله ابن عصفور من أنّه: كيف تصحّ البدلية في مثل: ما قام إلّا زيد أحد، و (أحد) أعمّ من الأول؟! ولا يحتاج أيضا إلى تأويل ابن الضائع 5.
[تقديم المستثنى]
قال ابن مالك: (ولا يقدّم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه، والمنسوب إليه معا؛ بل على أحدهما، وما شذّ من ذلك فلا يقاس عليه خلافا للكسائيّ).
قال ناظر الجيش: المستثنى جار من المستثنى منه مجرى الصفة المختصّة، من الموصوف بها ومجرى المعطوف بـ (لا) من المعطوف عليه، فكما لا تتقدّمان على متبوعهما، كذا ينبغي أن لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه، لكن تقدّم الصفة والمعطوف غير ممكن من جهة أنّ التابع لا يتقدم على المتبوع، بخلاف المستثنى، فلهذا إذا
تقدّم أول الكلام ما يشعر بالمستثنى منه ما هو مسند إليه أو واقع عليه جاز تقدمه، نحو: قام إلّا زيدا القوم، وضربت إلّا زيدا القوم، قاله المصنف، فلو لم يتقدم ما يشعر بالمستثنى منه من مسند أو واقع لم يجز التقديم، وإليه الإشارة بقوله:
ولا يتقدم دون شذوذ المستثنى على المستثنى منه والمنسوب إليه معا، بل على أحدهما؛ فعلم بذلك أنّه لا يجوز: إلّا زيدا قام القوم، وإلّا زيدا ضربت القوم 1. وإنما قال:
والمنسوب إليه؛ ليشمل المسند والواقع، وممّا مثّل به المصنف في الجائز التقديم:
القوم إلّا زيدا ذاهبون، وأدرجه في التّمثيل مع: (ما قام إلّا زيدا القوم) ولا ينتظم لي تمثيله بـ: القوم إلّا زيدا ذاهبون، مع قوله في المتن: إنّه لا يتقدم المستثنى على المستثنى منه، والمنسوب إليه معا؛ لأنه قدّم عليهما في المثال المذكور، فإنّ المستثنى منه الضمير، وذاهب مسند إليه إلّا أن يقول: قد تقدم ما يشعر بالمستثنى منه وهو القوم؛ لإشعاره بالضّمير من حيث إنّ مدلولهما واحد، وإذا جاز التقديم في مثل:
قام إلّا زيدا القوم لتقدّم (قام) المشعر بالمسند إليه من حيث هو مسند، جاز: القوم إلّا زيدا ذاهبون، من طريق أولى، لكن ينكر عليه كونه قيّد المشعر المتقدم بكونه مسندا إلى المستثنى منه أو واقعا عليه، ولو أطلق فقال: إذا تقدم ما يشعر به كان المثال المذكور مندرجا تحت الإطلاق.
ونحن نتذكر أحوال التقديم لننبّه على محلّ الوفاق ومحلّ الخلاف منها، فنقول: -
................................
المستثنى إمّا أن يتقدم أول الكلام أو يقدّم على المستثنى منه دون المنسوب إليه مع توسطه بين جزئي كلام، أو يقدّم على المستثنى منه، أو يقدّم على المنسوب دون المستثنى منه، أمّا تقديمه أول الكلام فلم يجزه أحد إلّا الكسائي 1.
قال الشيخ: والزجاج - أيضا - 2 واستدلّ لهما بقول الشاعر:
1702 - خلا الله لا أرجو سواك وإنّما... أعدّ عيالي شعبة من عيالكا 3
وبقول الآخر - وهو استثناء منقطع -:
1703 - وبلدة ليس بها طوريّ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ 4
ففي تقديم (خلا) إشعار بتقديم (إلّا) لأنّها الأصل ولا يقع الفرع في موضع لا يقع فيه الأصل، فعلى هذا جوّز الكسائيّ 5 إلّا زيدا قام القوم؛ قياسا، وحكم الجمهور على ما استدل به بالشذوذ، وعن ذلك احترز المصنف بقوله: دون شذوذ.
ووجه الشذوذ بأن قال: قد يكون المستثنى منه جائز التقديم، فيقدر وقوعه مقدما ويقدم لذلك المستثنى عليه وعلى ما عمل فيه، وأنشد البيتين المتقدّمين، ثمّ قال قدّر أنّه قال: سواك خلا الله إلّا أرجو، وأنّه قال: ولا بها إنس خلا الجنّ، فاستجاز مع المقدّر ما استجاز مع المحقّق.
وأمّا تقديمه على المستثنى منه وما نسب إليه وهو متوسّط الكلام ففيه ثلاثة مذاهب، -
................................ يفرق في الثّالث بين أن يكون العامل متصرفا، فيجوز نحو: القوم إلّا زيد جاؤوا، أو غير متصرف فلا يجوز، نحو: القوم إلا زيدا في الدّار، وهو مذهب الأخفش 1. قال الشيخ: ولم يسمع التقديم إلّا مع العامل المتصرف فينبغي الاقتصار عليه 2. ومن شواهد التقديم قول ذي الرّمة: 1704 - معرّسا في بياض الصّبح وقعته... وسائر الشّيء إلّا ذاك منجذب 3 فاستثنى من الضّمير المستتر في (منجذب) و (منجذب) العامل فيه، وقول لبيد: 1705 - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل 4 فـ (ما خلا الله) استثناء من الضمير المستتر في (باطل) و (باطل) مسند إليه، عامل فيه 5. وأنشد المصنف قول ابن أبي الصّلت 6: 1706 - كلّ دين يوم القيامة عند اللّ... هـ إلا دين الحنيفة بور 7 وقول الآخر: 1707 - تعلم بأنّ الوفد إلّا عويمرا... هم الكاذبون المخلفو كلّ موعد 8
................................
وقد علمت أنّ عبارة المصنّف - في المتن - تقتضي امتناع التقديم وأنّ تمثيله بنحو:
القوم إلّا زيدا ذاهبون؛ تقتضي جوازه، وأمّا تقديمه على المستثنى منه نحو: قام إلّا زيدا القوم، فنقل الشيخ أنّه لا خلاف في جوازه ومن ذلك ما أنشده سيبويه:
1708 - النّاس ألب علينا فيك ليس لنا... إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر 1
وأنشد الزّجّاجي 2:
1709 - وما لي إلّا آل أحمد شيعة... وما لي إلّا مشعب الحقّ مشعب 3
وجعل المصنف التقديم في نحو: قام إلّا زيدا القوم، أقوى منه في نحو [3/ 41]: ضربت إلّا زيدا القوم، قال: لأنّ طلب الفعل لما هو فضلة ليس كطلبه لما هو عمدة، وتقدم ما يطلب المستثنى منه وهو عمدة، بمنزلة تقدمه نفسه، وليس كذلك تقدم ما يطلب المستثنى منه، وهو فضلة، ونظير ما أنشده سيبويه من تقديم المستثنى على المستثنى منه ما نقله المصنّف عن الأخفش من قوله: هاهنا إلّا زيدا قومك، وأين إلّا زيدا قومك، وكيف إلّا زيدا قومك؟.
وأمّا تقديمه على المنسوب إلى المستثنى منه فقط، نحو: القوم إلّا زيدا ضربت، فيظهر أنه في الجواز كالقسم الّذي قبله بل أولى، وكأنّه لوضوحه لم يتعرّض المصنف لتمثيله ولنختم الكلام على هذا الفصل بمسألتين تتعلقان بالاستثناء المقدم من جهة العطف:
إحداهما: ما نبّه عليه سيبويه، وهي: ما لي إلّا زيدا صديق وعمرا.
وعمرو، وما لي إلّا إيّاك صديق وزيدا، وزيد.
قال سيبويه: فأمّا النصب فعلى الكلام الأول -
[استثناء شيئين بأداة واحدة]
قال ابن مالك: (فصل؛ لا يستثنى بأداة واحدة - دون عطف - شيئان، وموهم ذلك بدل ومعمول عامل مضمر، لا بدلان؛ خلافا لقوم).
وأما الرفع فكأنّه قال: وأبوك لي، يعني أنّه مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف لتقدم ما يدلّ عليه، كأنّه قال: وعمرو لي صديق أيضا، وهو نظير: إنّ زيدا قائم وعمرو 1. وهذا تخريج الخليل، وخرّجه غيره على غير ذلك، وقد نبّه عليه ابن عصفور فقال: فإن عطفت على المستثنى المقدم فإنّه يفارق العطف على المستثنى المؤخر في أنّه يجوز في العطف النصب على اللّفظ والرفع على المعنى فنقول: ما قام إلّا زيدا أحد وعمرا؛ على لفظ (زيدا)، وعمرو على ما كان يجوز في (زيد) لو تأخّر فكأنّك قلت: ما قام أحد إلّا زيد وعمرو، ثمّ قال: وهذا الوجه ضعيف جدّا.
المسألة الثانية: قال الشيخ: إذا عطفت على المستثنى المقدم المنصوب اسما؛ نصبت نحو: قام إلّا زيدا وعمرا القوم، ولا يجوز غير النّصب، فإن أخرت المعطوف بعد المستثنى منه فالاختيار النصب، نحو: قام إلّا زيد القوم وعمرا، ويجوز أن يرفع حملا على المعنى؛ لأنّ (قام إلّا زيدا القوم) في معنى: لم يقم زيد من القوم، فكما يجوز: لم يقم زيد من القوم وعمرو؛ كذلك جاز: قام إلّا زيدا القوم وعمرو 2. اه.
وإذا جاز الحمل على المعنى في هذه المسألة فجواز الحمل عليه في المسألة الّتي قبلها أولى.
قال ناظر الجيش: أي: لا يقال: قام القوم إلّا زيدا عمرا، بل إنّما يقال: قام القوم إلّا زيدا وعمرا؛ بالعطف، أو إلا زيدا إلّا عمرا، بحسب ما نريد من المعنى، على ما يأتي في الفصل بعده، وكذا إذا استثنيت بعد الأفعال المتعدّية إلى مفعولين، نحو: أعطيت، لا تقول: أعطيت الناس المال، إلّا عمرا الدنانير، أشار إلى منع ذلك ابن السّراج 3 قال: لأنّ حرف الاستثناء إنما يستثنى به واحد فتقول: أعطيت الناس دراهم إلّا عمرا، ثمّ قال: فإن قلت: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا -
................................
دانقا 1، وأردت الاستثناء؛ لم يجز، فإن أردت البدل جاز، وأبدلت (عمرا) من (أحد) و (دانقا) من (دراهم) كأنّك قلت: ما أعطيت إلّا عمرا دانقا.
قال المصنف: حاصل كلامه - يعني ابن السراج - جواز أن يقال: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا، على أن يكون الاسمان اللّذان بعد (إلّا) بدلين، لا منصوبين على الاستثناء.
وفي هذا ضعف بيّن؛ لأنّ البدل في الاستثناء لا بدّ من اقترانه بـ (إلّا) فكان ذلك أشبه شيء بالمعطوف بحرف، فكما لا يقع بعد حرف معطوفان، كذلك لا يقع بعد حرف الاستثناء بدلان، فإن ورد ما يوهم ذلك قدّر ناصب للثاني 2 كما يقدّر خافض للثاني في نحو:
1710 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ... ونار توقّد بالليل نارا 3
وفي منع المصنف ما أجازه ابن السراج من جعل الاسمين بعد (إلّا) في المثال المتقدم بدلين - نظر؛ فإنّ غاية مستنده في المنع أنّه شبهه بالمعطوف بحرف، كما تقدّم، وعلى تقدير تسليم هذا الشبه لا خلاف في صحة عطف اثنين بحرف واحد، بعد (أعطيت) وشبهه، مما يقتضي معمولين نحو: ما أعطيت أحدا درهما عمرا دانقا؛ لأنه يصحّ عطف معمولين على معمولين لعامل واحد، وإذا جاز العطف جاز البدل؛ لأنّه أسند منع البدل إلى عدم صحة العطف وقد تبيّن جوازه، والعطف الممتنع الّذي أشار إليه المصنف إنّما هو عطف معمولين على معمولي عاملين، كما -
[استثناء النصف، وما هو أكثر]
قال ابن مالك: (ولا يمتنع استثناء النصف خلافا لبعض البصريين، ولا استثناء الأكثر وفاقا للكوفيين).
تبيّن ذلك من تمثيله بقول الشاعر:
1711 - أكلّ امرئ تحسبين امرأ................
البيت وليس هذا ممّا تقدّم في شيء، والّذي يظهر أنّ تعدّد البدل، وعدم تعدده إنّما هو بحسب ما يقتضيه العامل قبل (إلّا)، فإن اقتضى معمولا واحدا لم يجز أن يقع بعد (إلّا) بغير عطف إلّا بدل واحد، نحو: ما ضربت أحدا إلّا زيدا، وإن اقتضى معمولين جاز أن يقع البدلان منهما بعد (إلّا) كما تقدّم من قولهم: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا، ولا يحتاج إلى تقدير عامل للثاني، نعم إذا جاء مثل:
ما ضربت أحدا إلّا زيدا عمرا، تعيّن نصب الثاني بـ (ضرب) مقدرة، لعدم اقتضاء (ضربت) معمولين، وينبغي أن يكون من صور المسألة المتقدمة: ما ضرب أحدا إلّا عمرو خالدا، فيجعل (عمرو) بدلا من الفاعل، و (خالدا) بدلا من المفعول، وكذا ما أخذ أحد شيئا إلّا عمرو درهما، ونسبها الشيخ 1 إلى الفارسي، فـ (عمرو) بدل من الفاعل، و (درهم) بدل من المفعول، والمصنف يجعل الثاني معمولا لعامل مضمر كما تقدّم، وأمّا منع الاستثناء في مثل: ما أعطيت أحدا درهما إلّا عمرا دانقا [3/ 42] ففي النّفس منه شيء.
قال ناظر الجيش: اختلف النحاة في المخرج بالاستثناء: هل يكون أكثر من الباقي أو مساويا له بعد اتفاقهم على جواز أن يكون أقل من الباقي، وعلى منع كونه زائدا على المستثنى عن الباقي، وعلى منع كونه زائدا على المستثنى منه، أو مستغرقا له.
قال المصنف: اشترط بعض البصريين نقصان المخرج بالاستثناء عن الباقي 2 واشترط أكثرهم عدم الزيادة على الباقي، فلا يجوز على القولين عندي عشرة إلا ستة، ولا على الأول: عندي عشرة إلا خمسة، وهو على القول الثاني جائز، وكلاهما -
................................
جائز عند الكوفيين 1 وهو الصحيح، وممن وافقهم ابن خروف 2. واستدلّ المصنف على استثناء الأكثر بقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ 3 قال: لأنّ من سفه نفسه أكثر ممن لم يسفه نفسه، فإنّ
المراد ب مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ المخالفون لملة إبراهيم، وهم أكثر من الذين تبعوها لأنّ القوم (الخاسرين) 4 هم غير المؤمنين، لقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا 5. واستدلّ ابن خروف بقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ 6 قال: «فالقليل هو المستثنى وليس معلوم القدر، فأبدل منه النصف على جهة البيان لمقدار القليل، والضمير عائد إلى الليل، والمعنى: قم نصف الليل، والضمير في «منه) عائد إلى النصف وكذا الضمير في عليه فالتقدير: قم نصف الليل أو أقلّ منه أو أكثر منه، قال: فخرج من هذا أن المستثنى النصف، أو أقلّ منه أو أكثر، ولا محيص عنه.
انتهى.
وإدخال ابن خروف أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ في حيّز الاستثناء، وقوله: فخرج من هذا أنّ المستثنى أقلّ من النّصف أو أكثر، غير ظاهر؛ إذ ليس قوله تعالى: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ 7 من الاستثناء في شيء، وأمّا استدلاله على صحة استثناء النّصف بقوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ 8 فظاهر في المراد، وكذا ما تقدّم من أدلّة المصنف على صحّة استثناء الأكثر وقد أوّل المخالفون ذلك، أمّا: مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ 9 فجعلوه منقطعا، إذ ليس الكلام فيه 10. -
................................
وأمّا فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ 1. فقال الشيخ: هذا مفرّغ ولم يذكر المستثنى منه، ولو صرّح به قدّر عامّا، أي: فلا يأمن مكر الله أحد.
وهذا الذي ذكره الشيخ لا يدفع استدلال المصنف فإنه لا بدّ من تقدير الإخراج وإن كان مفرّعا، والمخرج الْخاسِرُونَ وهم غير المؤمنين بالدليل الّذي ذكره.
أمّا قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا 2 نِصْفَهُ (2)؛ فالنّاس فيه أقوال:
أحدها: ما تقدّم عن ابن خروف وهو أنّ نِصْفَهُ بدل من قَلِيلًا وهو بدل شيء من شيء 3. الثاني: أنّه بدل منه كالأول، إلّا أنّه بدل بعض من كل، والضمير للقليل.
قال ابن عصفور: وجاز إن كان القليل مبهما؛ لأنّ القليل قد يعيّن بالعادة والفرق، أي ما يسمّى قليلا في العادة 4. الثالث: أنّه بدل من اللّيل بدل إضراب، قاله ابن الضائع 5. الرابع: أنّه مفعول بفعل يدل عليه المتقدّم، أي قم نصفه، إن شئت فليس النصف مستثنى، قاله الأبذي 6. الخامس: نقله الشيخ عن بعضهم، أنّه بدل بعض من كلّ قال: فيكون قد أمر بقيام نصف الليل، وقد عورض القول الأوّل بأنه يلزم منه إطلاق القليل على النّصف، ومثله يتوقف على نقل أهل اللّغة.
قال ابن عصفور: ويدلّ على بطلان أن يكون القليل هو النصف أنّ النّصف ليس بقليل، فمن قام نصف الليل لا يقال فيه: قام الليل إلّا قليلا 7.
وأمّا القول الثاني: فقد ردّه ابن الضّائع على ابن عصفور بأنّه أراد بتعيين القليل بالعادة أنّ العادة عينت شخصه، حتّى صار يقع على ثلث الليل مثلا فهو باطل، بل كلّ ما دون النصف قليل، فيقع على الثلث والربع والسدس إلى غير ذلك، وإن أراد خلاف ذلك، بل ما يقع عليه القليل، فلا فائدة كبيان بإبدال النّصف منه؛ لأنّ نصف الليل قليل أيضا 8. -
[ما هو أولى بالاستثناء]
قال ابن مالك: (والسّابق بالاستثناء أولى من المتأخّر عند توسّط المستثنى، وإن تأخّر عنهما فالثّاني أولى مطلقا، وإن تقدّم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعا لفظا أو معنى وإن يكنه فهو أولى مطلقا إن لم يمنع مانع).
وأمّا القول الخامس: فقد ردّ بأنّه يؤدّي إلى أن يكون النصف الباقي بعد القليل من الليل وذلك مبهم وأمّا قول ابن الضّائع - وهو القول الثالث - فقريب منه قول الأبّذي: أنّه مفعول بفعل مضمر وإنّ التقدير قم نصفه، لسلامته من المعارضات الواردة على بقية الأقوال المذكورة، وهو يوافق قول ابن الضائع من حيث المعنى 1.
قال الشيخ: وما قاله - يعني الأبّذي - فيه نظر، وذلك أنّه قد أمره أولا بقيام الليل إلّا قليلا، فيكون أمرا بقيام أكثر الليل، وتقدير قم نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه، يقتضي أن يكون أمرا بقيام نصف الليل أو أقلّ منه، أو أزيد وهو مخالف للأمر الأول، فيلزم أن يكون ناسخا له، وليس كذلك؛ لأنّه متّصل به، وشرط النّاسخ أن يكون الخطاب الثّاني مرتخيا عن الأوّل، كما ثبت في أصول الفقه.
اه 2.
وما اعترض به على الأبذي غير ظاهر، قال الشيخ: إنّما يحكم به بعد تحقيق حكم الأول وثبوته، ولم يتحقّق الوجوب في قُمِ اللَّيْلَ؛ لمجيء نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ بعد ذلك، وهو قرينة صارفة الأمر الأول عن الوجوب، ويصير مقتضى الآية الكريمة على تقدير الأبّذي، إيجاب قيام الليل مع التّخيّر بين أربعة أشياء، قيام الليل إلّا القليل منه، والمراد أكثره، وقيام نصف الليل [3/ 43] وقيام النصف مع نقصان قليل منه، وقيام النصف مع زيادة قليل عليه 3.
قال ناظر الجيش: إذا ذكر المستثنى مع شيئين يمكن استثناؤه من كل منهما فقد يمتنع استثناؤه منهما معا وقد لا يمتنع.
أمّا القسم الأول: فأشار إليه بقوله: والسّابق أولى إن لم يمنع مانع.
وحاصله: -
................................
أنّ المستثنى له أن يتوسط بينهما أو يتأخّر عنهما، أو يتقدّم عليهما، فإن توسّط فالاستثناء من السّابق أولى؛ لأنّ تأخّر المستثنى عن المستثنى منه هو الأصل، فلا يعدل عنه إلّا بدليل، فمن ذلك قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا 1 فالقليل مستثنى من الليل لا من النصف لما ذكرته 2، وإن تأخّر جعل الاستثناء من الأخير مطلقا أي فاعلا كان أو مفعولا مراعاة للقرب، نحو: غلب مائتي كافر مائة مؤمن إلّا اثنين، وغلب مائة مؤمن مائتي كافر إلّا اثنين 3. وإليه الإشارة بقوله: وإن تأخّر عنهما فالثّاني أولى مطلقا، وإن تقدّم ولم يكن أحدهما مرفوعا ولا في معنى مرفوع، فالاستثناء من الأوّل أولى؛ لأنّه أقرب، وذلك نحو: استبدلت إلا زيدا من أصحابنا بأصحابكم 4، فإن كان أحدهما مرفوعا فالاستثناء منه أولى وإن تأخّر، نحو: ضرب إلّا زيدا أصحابنا أصحابكم 5.
وكذا إن كان أحدهما مرفوعا في المعنى دون اللفظ نحو: ملكت إلا الأصاغر عبيدنا أبناءنا 6، وإلى هذا الإشارة بقوله: وإن تقدم فالأول أولى إن لم يكن أحدهما مرفوعا لفظا أو معنى وإن يكنه فهو أولى مطلقا.
ونبه بقوله: إن لم يمنع مانع على أنه قد يكون الأمر بخلاف ما قرره لمعارض وذلك نحو: طلق نساءهم الزيدون إلا الحبيبات، وأصبى الزيدين نساؤهم إلا ذوي النهى، ونحو: ضرب إلا هندا بنونا بناتنا، فترك القرينة اللفظية في هذه الأمثلة ونحوها لمنع المعنى من الحمل عليها 7.
[تعدد المستثنى منه]
قال ابن مالك: (وإذا أمكن أن يشترك في حكم الاستثناء مع ما يليه غيره لم يقتصر عليه إن كان العامل واحدا وكذا إن كان غير واحد والمعمول واحد في المعنى).
قال ناظر الجيش: هذا إشارة إلى القسم الثاني: وهو الذي لا يمتنع فيه الاستثناء من شيئين معا، فـ (ما) في قوله: مع ما يليه بمعنى: الذي، والضمير المنصوب في يليه عائد عليها وكذا الضمير في (غيره) وفي (عليه)، وفاعل (يليه) عائد على الاستثناء، والتقدير: وإذا أمكن أن يشترك في حكم الاستثناء مع الذي يليه الاستثناء غير الذي وليه الاستثناء لم يقتصر عليه، بل يشاركه ما قبله.
وهذه العبارة تشمل ما يكون المذكور فيه مع المستثنى شيئين أو أكثر، ثم إنه إذا أمكن الاشتراك فقد لا يمنع من الحمل عليه مانع وقد يمنع منه مانع، وقد تعرّض المصنف لتمثيل القسمين فقال 1:
إذا ذكر شيئان أو أكثر والعامل واحد، فالاستثناء معلق بالجميع إن لم يمنع مانع نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح، فـ (من صلح) مستثنى من الجميع؛ إذ لا موجب للاختصاص فلو ثبت موجب عمل بمقتضاه نحو: لا نحدث النساء ولا الرجال إلا زيدا، وقد تضمنت الأمرين آية المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ...
إلى: إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ 2 فاشتملت على ما فيه مانع وهو وَما أُهِلَّ وما قبله، وعلى ما لا مانع فيه وهو ما بين (به) و (إلا) فـ ما ذَكَّيْتُمْ مستثنى من الخمسة إذا كانت تذكيته سبب موته.
انتهى كلامه فيما العامل فيه واحد.
قال الشيخ - بعد نقل كلام المصنف هذا -: وينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا كرر العامل لمجرد التوكيد نحو: اهجر بني فلان وبني فلان إلا من كان صالحا.
انتهى 3.
ثمّ قال المصنف - مشيرا إلى صحة الصورة الّتي يتعدّد العامل فيها -: ويتعلّق الاستثناء أيضا بالجميع إن كان قبله جملتان أو أكثر، والعامل غير واحد، والمعمول واحد في المعنى نحو قوله: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ... 4 إلى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا 5. -
................................
قال المصنف: واتفق العلماء على تعليق الشّرط بالجميع في نحو: لا تصحب زيدا ولا تزره، ولا تكلّمه إن ظلمني، واختلف في الاستثناء في نحو: لا تصحبه ولا تزره ولا تكلمه إلّا تائبا من الظّلم؛ فذهب مالك والشافعيّ إلى تساوي الاستثناء والشرط في التعليق بالجميع 1، وهو الصحيح؛ للإجماع على سدّ كلّ منهما مسدّ الآخر في نحو: اقتل الكافر إن لم يسلم، واقتله إلّا أن يسلم 2. انتهى كلامه.
وهذه المسألة - أعني التي يتعدّد فيها الاستثناء حملا - قد تكلّم عليها في أصول الفقه، وانتهت الأقوال إلى ستة؛ منها: القولان المشهوران: أحدهما: رجوع الاستثناء إلى الجميع، وهو رأي الشافعي.
والثاني: رجوعه إلى الجملة الأخيرة وهو رأي أبي حنيفة، وقيّد الأصوليّون الجمل بكونها معطوفة بالواو، ولم يتعرّض المصنف له وقيّد المصنف المعمول بكونه واحدا في المعنى، ولم يجعل أصحاب الأصول ذلك قيدا إلّا رأي منسوب لأبي الحسين في تفصيل نقلوه عنه في المسألة المذكورة وقد فرّق الأصوليون بين الاستثناء والشرط، بأنّ الشرط مقدّر التقديم، وإذا قدّر تقديمه انسحب حكمه على المذكور بعد، بخلاف الاستثناء، فلا يلزم عوده إلى جميع ما تقدّم، ونقل الشيخ عن المهاباذيّ 3، أنّه قال في شرح اللمع له:
إذا استثني من جمل مختلفة لم يكن المستثنى إلّا من الجملة التي تليه، نحو قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ 4 إِلَّا الَّذِينَ تابُوا (4) فالّذين تابوا مستثنى من الفاسقين، لا غير.
وحمله على أنّه مستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر؛ لأنّه لا يجوز أن يكون معمولا لعاملين [3/ 44] مختلفين، ويستحيل ذلك، ولأنّك لو حملته على أنّه مستثنى من جميع ما قبله لصار تقدير الكلام: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا 5. - - وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، فَاجْلِدُوهُمْ، وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
[حكم تكرار «إلّا» للتوكيد]
قال ابن مالك: (فصل: تكرّر «إلّا» بعد المستثنى بها، توكيدا، فيبدل ما يليها ممّا يليه إن كان مغنيا عنه وإلّا عطف بالواو).
قال الشيخ: وإنّما أجاز المصنف أن يعود إلى الجميع لأنّ العامل عنده 1 إنّما هو (إلّا)، لا الأفعال السابقة المسلطة على المستثنى منهم 2. اه.
قال ناظر الجيش: يؤتى بـ (إلّا) بعد المستثنى بها لتوكيد (إلّا) الّتي قبلها، ولغير توكيد، بل لقصد الاستثناء، كما قصد بما قبلها، أمّا التي لغير توكيد فسيأتي الكلام عليها، وأما الّتي للتّوكيد فالمذكور بعدها إمّا أن يكون هو الأوّل في المعنى - أعني المذكور بعد «إلّا» الأولى - أو غيره إن كان هو الأول كان بدلا منه ولا احتياج إلى العطف بل لا يجوز، وذلك كقولك: ما مررت إلّا بأخيك إلّا زيد، تريد: ما مررت إلّا بأخيك زيد، فأكّدت (إلّا) الأولى بالثّانية، داخلة بين البدل والمبدل منه، ومثله أيضا: قام القوم إلّا زيدا إلّا أخاك، إن كان (زيد) هو الأخ.
ومنه قول الشاعر 3:
1712 - ما لك من شيخك إلّا عمله... إلّا رسيمه وإلّا رمله 4
لأنّ الرسيم والرمل ضربان من العدو، وكلاهما بدل من (عمله)، وهذا القسم الذي الثّاني فيه هو الأول، عبّر عنه المصنف بقوله: إن كان مغنيا عنه أي: إن كان ما يلي (إلّا) الثانية مغنيا عمّا يلي (إلّا) الأولى، وهو لا يغني عنه إلّا إن كان بمعناه، فلو قيل في الأمثلة المتقدّمة: ما مررت إلّا بزيد، وقام القوم إلّا أخاك، وما لك من شيخك إلّا رسيمه، وإلّا رمله؛ صحّ 5. قال المصنّف 6: وقد يكون مثل: إلّا رسيمه وإلّا رمله قول الفرزدق: -
................................
1713 - ما بالمدينة دار غير واحدة... دار الخليفة إلّا دار مروانا 1
فظاهر كلامه أنّ (غير واحدة) استثناء وإنّ (دار مروان) بدل منه و (إلّا) تأكيد لـ (غير) الواقعة استثناء فهو من باب التّأكيد بالمرادف، وقد عدّوه من أقسام التأكيد اللّفظي، كقولهم: أنت بالخير حقيق، مقتضى هذا التقدير أنّ الدار الواحدة هي دار مروان، فكأنّه قال: ما بالمدينة دار إلّا دار مروان، لما تقدّم أنّ من شرط الحكم بالبدلية صحّة الاستغناء بالثّاني عن الأوّل، وكان الأصل ما بالمدينة دار إلّا واحدة إلّا دار مروان.
وفي قول المصنّف: وقد يكون مثل (إلّا رسيمه وإلّا رمله) قول الفرزدق، كذا وإنشاده البيت المذكور إشعار بأنّ البيت يحتمل وجها آخر وبأنّه قيل في غير ذلك، وقد قال سيبويه بعد إنشاده لحارثة بن بدر 2:
1714 - يا كعب صبرا على ما كان من حدث... يا كعب لم يبق منا غير أجلاد
إلّا بقيّة أنفاس نحشرجها... كراحل رائح أو باكر غاد 3
وحكم على (غير) في البيت الأوّل بأنّها بمنزلة (مثل) كأنّه قال: لم يبق منّا مثل أجساد إلّا بقية أنفاس، وعلى ذلك أنشد بعض النّاس هذا البيت رفعا للفرزدق:
ما بالمدينة دار...
البيت
ثمّ قال: جعلوا (غير) صفة بمنزلة (مثل) 4 فأشار سيبويه إلى أنّ غير واحدة ليست -
................................ استثناء على هذا الإنشاد وهو الوجه الّذي قلنا: إنّ في عبارة المصنّف إشعارا باحتماله. وقال سيبويه - بعد ذلك -: ومن جعلها بمنزلة الاستثناء - يعني (غير) - لم يكن له بدّ من أن ينصب أحدهما 1 كأن يقول: لا يجوز رفعهما جميعا، على أنّ كلّا منهما بدل من المستثنى منه؛ لأنّه لا يبدل إلّا واحد كما يأتي تقريره، وإنما إذا أبدلت واحدا نصبت الآخر، والّذي قاله حقّ؛ لأنّه قصد أنّ «إلّا دار مروان» مقصود - في الأصل - بها معنى الاستثناء، كما يقصد بغير، وليس مقصودا بها التوكيد كما في مثل: ما مررت إلّا بأخيك إلّا زيد، وإنّما قلنا: إنّ مراده ذلك؛ لأن البيت المذكور أتى به في القسم الذي لم يقصد بـ (إلّا) الثانية فيه توكيد، بل قصد فيه الاستثناء، وإذا تقرّر هذا فلا منافاة بين قول المصنّف، وقد يكون مثل «إلا رسيمه وإلّا رمله» وقول الفرزدق: 1715 - ما بالمدينة دار... البيت وبين قول سيبويه: ومن جعلها بمنزلة الاستثناء لم يكن له بدّ من أن ينصب أحدهما 2؛ لأنّ المصنف وإن جعل غير واحدة استثناء لم يجعل (إلّا) في «إلا دار مروان» استثناء بل توكيدا لـ (غير) باعتبار تأولها بـ (إلّا) كما تقدّم، وما بعدها بدل من المستثنى لا من المستثنى منه 3، وأمّا سيبويه فلم يجعل (إلّا) في «إلا دار مروان» تأكيدا، بل أخذها على معنى الاستثناء وحيث أبدل إنما يبدل من المستثنى منه كما تقدّم. وهذان اعتباران صحيحان، وإن كان المذكور بعد (إلّا) التي للتوكيد غير الأول في المعنى كان معطوفا نحو: ما قام إلّا زيد وإلّا عمرو، وقام القوم إلّا زيدا وإلّا جعفرا، وإليه الإشارة بقوله: وإلّا عطف بالواو أي: وإلّا يكن الثّاني مغنيا عن الأول يعطف عليه، وتقييد العطف بالواو هنا يشعر بأنّ غيره لا يجوز والظاهر أنّه كذلك، وإن قيل بجواز وقوع غيرها من الحروف العاطفة ففيه نظر، وأنشد المصنف شاهدا على التكرار مع العطف 4: 1716 - وما الدّهر إلّا ليلة ونهارها... وإلّا طلوع الشمس ثمّ غيارها 5
................................
وجعل الشيخ من هذا الضرب (وإلّا رمله) من البيت المتقدم قال: لأنّ قوله (وإلّا رمله) لا يغني عن قوله: (عمله)؛ لأنّ هذا من البدل [3/ 45] التّفصيليّ الّذي يجب في ثانيه الواو 1، نحو قوله:
1717 - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت 2
وهو بدل شيء من شيء إلا أنّه فصل، وأشار سيبويه إلى أنّه يجوز ترك العطف في مثل هذا، وإن كان الثّاني غير الأوّل، قال - بعد أن مثّل بـ (ما أتاني إلّا زيدا إلّا أبو عبد الله) -: على أنّ أبا عبد الله هو زيد، وقد يكون غير زيد على الغلط والنّسيان، كما يجوز أن يقول: رأيت زيدا عمرا؛ لأنّه إنّما أراد عمرا فنسي فتدارك 3. انتهى كلام سيبويه.
وهذا التأويل الّذي يذكره رجعت المسألة إلى القسم الأول وهو ما كان الثاني فيه هو الأول لكنّه على جهة الغلط، وإلى هذا الذي أشار إليه سيبويه جنح ابن عصفور في قول الشاعر:
1718 - أمّا قريش فلن تلقاهم أبدا... إلّا وهم خير من يحفى وينتعل
إلّا وهم جبل الله الذي قصرت... عنه الجبال فما ساواهم جبل 4
فجعل (إلّا) الثانية مع الجملة التي بعدها بدلا من (إلّا) الأولى، والجملة الّتي دخلت عليها وإن لم يتّحد معنى الجملتين على جهة الإضراب كأنه أضرب عن الأولى -
[حكم تكرار «إلّا» لغير التوكيد ولا يمكن الاستثناء]
قال ابن مالك: (وإن كرّرت لغير توكيد، ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض شغل العامل ببعضها إن كان مفرّغا، ونصب ما سواه وإن لم يكن مفرّغا، فلجميعها النّصب إن تقدمت، وإن تأخّرت فلأحدهما ما له مفردا، وللبواقي النصب وحكمها في المعنى حكم المستثنى الأول).
إضراب انتقال لا إضراب إبطال.
قال الشيخ: ولا يتعين هنا الإضراب، بل يجوز أن يكون إبدالا صحيحا لا على جهة الغلط ولا على جهة الإضراب؛ لأنّ الوصف الثّاني هو الأول في المعنى؛ لأنّه أراد بذكر الوصف شرفهم على الناس 1. انتهى.
والذي قاله ظاهر ويصير المعنى به أبلغ، ثم ليعلم أنّ في عبارة المصنف في قوله:
تكرر (إلّا) بعد المستثنى بها توكيدا فيبدل ما يليها ممّا يليه إن كان مغنيا عنه وإلّا عطف بالواو - نظرا لأنّ ظاهرها أنّ الإبدال والعطف رتّبا على دخول (إلّا)، وليس كذلك بل الإبدال والعطف متصوّران أولا، ولمّا قصد التوكيد أتى بـ (إلّا) قبل البدل وقبل المعطوف، ولو قال: تكرّر (إلّا) مع البدل والمعطوف كان أوضح وأبين، وقد فهم من تقرير أنّ البدل والعطف متصوّران قبل دخول (إلّا)، أنّ دخولها جائز لا واجب فيجوز: ما مررت إلّا بأخيك زيد، وما قام إلّا زيد وعمرو، وهو الأصل، وفي قول المصنّف: تكرّر (إلّا) توكيدا إشعار أيضا بأنّها لا تتحتّم لأنّ التوكيد غير لازم.
قال ناظر الجيش: لمّا ذكر (إلّا) المأتي بها بعد المستثنى بها توكيدا شرع في ذكر (إلّا) المأتي بها لا لتوكيد؛ بل لقصد الاستثناء كما قصد بالأولى، وهذه - أعني المأتيّ بها مقصودا بها استثناء - إمّا أن يكون المستثنى بها بعضا لما قبلها وسيأتي، وإمّا أن يكون مباينا، وإليه الإشارة بقوله: ولم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض
وحينئذ إمّا أن يكون العامل المتقدّم مفرعا أو مشغولا وبتقدير كونه مشغولا إمّا أن يتأخّر المستثنى منه أو يتقدم، وبتقدير تقدّمه وتأخير المستثنيات عنه إمّا أن يكون موجبا أو غير موجب، فهذه أقسام أربعة: -
................................
الأول: أن يكون العامل مفرغا فينشغل بأحد المستثنيين، أو المستثنيات وينصب ما سواه 1، نحو: ما قام إلّا زيد إلّا عمرا إلّا خالدا، وإليه الإشارة بقوله: شغل العامل ببعضها إن كان مفرغا ونصب ما سواه، وأفاد قوله: شغل ببعضها أنّه لا يتعين أحدهما لذلك، بل يجوز أن ينشغل العامل بالأول كما تقدّم، وبالآخر وبالمتوسّط، ونبّه المصنف - في الشّرح - على أنّ الأقرب أولى بذلك من غير الأقرب 2، وظاهر كلام سيبويه التسوية بين الأقرب وغيره؛ لأنّه قال - بعد أن مثّل بـ: (ما أتاني إلّا زيد إلّا عمرا) -: وإن شئت قلت: ما أتاني إلّا زيدا إلّا عمرو فأنت في ذا بالخيار 3.
وقد يفيد كلام سيبويه أولوية الأقرب من حيث إنه بدأ به في التمثيل.
وجوّز الشيخ في هذا القسم العطف بالواو داخلة على (إلّا) نحو: ما جاءني إلّا زيد وإلّا عمرو، ثمّ قال: ويجوز العطف بغير (إلّا) فتقول: ما جاءني إلّا زيد وعمرو 4، وفيما جوّزوه من دخول الواو على (إلا) نظر، فإن (إلّا) الثانية إذا كانت مقصودا بها الاستثناء لا يتّجه دخول العاطف عليها، وأيضا فإنّ: (ما جاءني إلّا زيد إلّا عمرا) العطف فيه ممتنع (4)، فكذلك ما هو بمعناه وكأنّه اشتبه عليه الأمر فظنّ أنّ (إلّا) التي يقصد بها الاستثناء كـ (إلّا) المأتيّ بها للتوكيد، وليس كذلك، فإنّ العطف مع المؤكدة هو الأصل كما تقدّم 5، و (إلّا) أتي بها للتّوكيد ولهذا يجوز سقوطها.
وأمّا (إلّا) المقصود بها الاستثناء فليس العطف بها مقصودا أصلا، ولو قصد لم يفرّق بينها وبين المؤكّدة، ويبطل التقسيم المذكور في الفصل، وأيضا فمعنى (إلّا) مقصود إذا كانت للاستثناء، وليس لها معنى مقصودا مع العطف له إلّا التوكيد، وقد تقدّم عند الكلام على عامل الاستثناء الفرق بين:
قام القوم إلّا زيدا إلّا عمرا، وقام القوم إلّا زيدا وإلّا عمرا، فأغنى عن الإعادة.
وأمّا تجويز الشيخ أيضا العطف بغير (إلّا) في: ما جاءني إلا زيد وعمرو، فهذا إبطال الصورة المسألة كليّة، وكيف يجوز ترك (إلّا) والمقصود بها الاستثناء، وإلى ما له -
................................
على ذلك الاشتباه بالتوكيد كما تقدّم 1
القسم الثاني: [3/ 46] أن يكون العامل مشغولا بالمستثنى منه وهو متأخّر عن المستثنيات فيستحقّ النّصب، نحو: ما قام إلّا زيدا إلّا عمرا إلّا خالدا أحد، وإليه الإشارة بقوله: إن لم يكن مفرغا فلجميعها النصب إن تقدمت.
وأنشد سيبويه قول الكميت:
1719 - فما لي إلّا الله لا ربّ غيره... وما لي إلّا الله غيرك ناصر 2
قال سيبويه: و (غيرك) بمنزلة (إلّا زيدا) 3.
القسم الثالث: أن يتقدّم المستثنى منه على المستثنيات مع كون العامل مشغولا، والكلام موجب، وحكمها النّصب كالقسم الّذي قبله نحو: جاء القوم إلّا زيدا إلّا عمرا إلّا خالدا، والفرق بين هذا وما تقدّم من: قام القوم إلّا زيدا وإلّا عمرا - أنّنا فيهما أخرجنا زيدا وعمرا من القوم معا ولم يقصد بـ (إلّا) الثانية استثناء، بل هي للتوكيد كما تقدّم وأمّا في هذا المثال فإنّنا أخرجنا عمرا من قوم ليس زيد منهم، ثمّ خالدا من قوم ليس منهم زيد ولا عمرو.
والقسم الرابع: أن يكون الثالث إلّا أنّ الكلام غير موجب، نحو: ما أتاني أحد إلّا زيد إلّا عمرا وإلّا بكرا، فلواحد منها النصب على الاستثناء والإتباع، وللبواقي النصب 4، وقد علم حكم القسمين المذكورين من قوله: «وإن تأخّرت فلأحدهما ما له مفردا، وللبواقي النصب، ومع تقرير ما تقدّم لا يخفى الحكم إذا تقدّم بعض المستثنيات على المستثنى منه وتأخّر البعض، وأشار المصنف بقوله: وحكمها في المعنى -
[تكرار «إلّا» مع إمكان الاستثناء]
قال ابن مالك: (وإن أمكن استثناء بعضها من بعض استثني كلّ من مثلوّه، وجعل كلّ وتر خارجا، وكل شفع داخلا، وما اجتمع فهو الحاصل، وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا أربعة خلافا لمن يخرج الأول والثاني، وإن قدّر المستثنى الأول صفة لم يعتدّ به وجعل الثاني أولا) 1.
- حكم المستثنى الأول إلى أنّ ما بعد (إلّا)، وليس من هذا النوع مساو له في الدخول إن كان الاستثناء من غير موجب، وفي الخروج إن كان من موجب.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المباين ما قبله في الاستثناء المتكرر شرع في ذكر المستثنيات التي كل منها بعض ممّا قبله نحو: له عشرة إلا أربعة إلّا ثلاثة إلّا اثنين، وأشار المصنف إلى أنّ الحكم في ذلك استثناء كلّ من متلوه، أي من الّذي قبله، فالأربعة مستثناة من العشرة والثلاثة مستثناة من الأربعة، والاثنان مستثنيان من الثلاثة، وذكر الشيخ أنّ في المسألة أربعة مذاهب 2: أحدها: ما ذكره المصنف، قال: وهو مذهب أهل البصرة والكسائي 3. والثاني: أنّ المستثنيات كلّها راجعة إلى الاسم المستثنى منه، فعلى هذا تخرج الأربعة والثلاثة والاثنان في المثال المذكور من العشرة، قال: وإلى هذا ذهب أبو يوسف القاضي 4. الثالث: أنّ الاستثناء الباقي منقطع فإذا قال: له عشرة إلّا ثلاثة إلا اثنين لزمه تسعة كما يلزمه على المذهب الأول، لكنّ التخريج مختلف؛ لأنّه في المذهب الأول أخرجت الثلاثة من العشرة، ثمّ أخرج من الثلاثة اثنان، وأما على المذهب الثاني فإنّه أخرج الثلاثة من العشرة فبقي سبعة، وجعل الاثنين منقطعا كأنّه قال: سوى الاثنين اللذين له فإنّهما عندي، قال: وهو مذهب الفراء 5. ولا أدري ما يقول الفرّاء إذا -
................................
زادت المستثنيات على اثنين وثلاثة كالمثال المتقدم أوّلا 1.
المذهب الرابع: جواز الأمرين المذكورين في المذهب الأوّل والثاني دون تحتم أحدهما والأظهر من هذه المذاهب أولها ولم يذكر المصنف غيره، ثمّ الطريق في.
معرفة قدر المخرج وقدر ما بقي بعد الإخراج أن يخرج الأول والثالث وما أشبهها في الوترية.
ويدخل الثاني والرابع وما أشبهها في الشفعية، فمجموع الأوتار مخرج، ومجموع الأشفاع داخل، فالمخرج في المثال المتقدم الأربعة؛ لأنّها أول المستثنيات فهي وتر، فصار الباقي ستة، والداخل الثلاثة؛ لأنّها ثاني المستثنيات فهي شفع، فصارت الستة تسعة والمخرج أيضا اثنان؛ لأنها ثالثة المستثنيات فهي وتر، فصار الباقي سبعة ومثّل المصنف بقوله: عندي مائة إلّا خمسين إلّا عشرين إلّا خمسة، قال: فالباقي بعد الاستثناء في المثال المذكور بالعمل المذكور خمسة وستون (2) لأنّا أخرجنا من المائة خمسين لوتريتها، وأدخلنا عشرين لشفعيتها فصار الباقي سبعين، ثم أخرجنا العشرة لوتريتها فصار الباقي ستين، ثم أدخلنا الخمسة لشفعيتها فصار الباقي خمسة وستين ثم قال: وما زاد من المستثنيات عومل بهذه المعاملة 2 وإلى هذا أشار بقوله: وجعل كلّ وتر خارجا وكلّ شفع داخلا، وما اجتمع فهو الحاصل.
ومن أمثلة هذه المسألة: له عشرة إلا تسعة إلا ثمانية وهكذا على الترتيب إلى: إلّا واحدا والباقي في هذه الصورة بعد المخرج خمسة، بالطريق الّتي تقدمت، وبطريقة أخرى أسهل من الأولى، وهي أن تضم الأشفاع إلى المستثنى منه، وتحفظ جملة ذلك ثمّ تضم الأوتار، حافظا جملتها ثمّ تسقط مجموع الأوتار من المحفوظ فهو الحاصل، فتضم في هذا المثال إلى العشرة ثمانية، وستة، وأربعة، واثنين، فتصير الجملة ثلاثين، وتضم الأوتار وهي التسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد، فتصير الجملة خمسة وعشرين تسقطها من الجملة الأولى يبقى بعد ذلك خمسة، وهو المطلوب على مقتضى الطريقة الأولى، قال الشيخ - بعد أن مثّل بهذا المثال -: وهذا يخرج - - والارتشاف (623)، وحاشية الصبان (2/ 153)، ومبسوط الأحكام للتبريزي (3/ 932).
................................
على جواز الأكثر وأمّا من لم يجزه ففي ذلك وجهان: أحدهما: بطلان الاستثناء جميعه؛ لأنّ الأول بطل كونه أكثر، فبطل ما تفرع عليه، والثاني: أنه يبطل الأكثر إلى أن يصل إلى النصف فيصح، ثم يجرى الحكم المذكور في الباقي، نظير ما تقدم قال: ويخرج أيضا على مذهب من أجاز الاستثناء من العدد وفيه مذاهب، كما تقدّم 1. انتهى.
وكان قدّم في شرحه الكلام على هذه المسألة حيث تكلّم على شرح الحد الّذي ذكره المصنف للمستثنى وفي ذلك ثلاثة مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقا، قال: وهو اختيار ابن الضائع 2. وثانيها: المنع مطلقا وهو اختيار ابن عصفور 3. وثالثها: التفصيل بين أن يكون المستثنى عقدا فلا يجوز نحو: له عندي مائة (إلّا عشرة) أو غير عقد فيجوز نحو: له عندي عشرة إلّا اثنين.
ويرد المذهب المذكور قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً 4؛ فإنّ المستثنى فيه عقد وتمسك بهذه الآية الكريمة من أجاز الاستثناء من العدد مطلقا وهو متمسّك قوي، وقال ابن عصفور - محتجّا على عدم الجواز على الإطلاق -:
إنّما العدد نصوص.
فلا يجوز أن ترد إلّا على ما وضعت، فكما لا يجوز أن يخرج عن النّص في غير الاستثناء، فكذلك في الاستثناء، قال: إلّا إن كان اسم العدد قد أخرج عن النصيّة، إلى أن صار ممّا يكثر به ولا يراد به ظاهره، فيصير إذ ذاك ظاهرا في العدد فيجوز أن يستثنى منه؛ لأنّه صار كسائر الظواهر التي يستثنى منها، وقال: وعليه قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً إذ لو لم يستثن -
................................
لجاز أن يراد بألف سنة الزمن الطويل لأنّ الألف والمائة والسبعين مما يستعمل للتكثير 1.
وقال ابن الضائع 2 - ردّا على ابن عصفور في قوله: أسماء العدد نصوص -: نعم ما لم تقترن بها قرينة تزيل نصّيتها، وقد سلم ذلك في الأعداد التي يراد بها التّكثير، قال:
ثمّ الآية دليل عليه، فإن لم يرد بها التكثير، فقد أوقع الألف على ما دونه، فإن قال:
لمّا كان العدد الكثير قد صار غير نصّ، لكونه يستعمل ولا يراد به تحقيق العدد قلت:
ما من عدد إلّا ويتصوّر فيه التّكثير، بالنّظر إلى ما دونه مثل أن يقول القائل: قد رأيتك عشر مرّات، قاصدا بذلك التكثير، قال: ثمّ النحويون يجمعون على جواز: عندي عشرة إلّا واحدا إلّا ثلاثة، وإنمّا اختلفوا في المقرّ به فزعم الأكثرون أنّه إقرار بستّة، وزعم آخرون أنه باثني عشرة.
انتهى ردّ ابن الضّائع على ابن عصفور.
وقد ردّ الشّيخ 3 كلام ابن الضائع هذا، وقوّى اختيار ابن عصفور من جهة الدّليل، وقال: لا يكاد يوجد استثناء من عدد في شيء من كلام العرب إلّا في الآية الكريمة 4 لمّا كانت الألف ممّا يكثر به وأشار المصنف بقوله: وكذا الحكم في نحو: له عشرة إلا ثلاثة إلّا أربعة، إلى ما نقله عن السيرافي من قوله: فإن كان بعض المستثنيات أكثر من الّذي قبله، نحو: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا أربعة، فالسيرافي يستثني الثلاثة ويزيد على السبعة الباقية: إلّا أربعة، فيكون المقرّ به أحد عشرة، وغير الفرّاء يستثنى من العشرة إلّا أربعة بعد استثناء الثلاثة فيكون المقر به ثلاثة 5.
قال المصنف - بعد نقل هذا الكلام -: وقول الفراء عندي هو الصحيح فإنّه جاز على القاعدة السابقة أعني: جعل الاستثناء الأول إخراجا والثاني إدخالا 6. انتهى.
وما اختاره غير ظاهر فإنّه قرّر أنّ من شرط إخراج الأوّل وإدخال الثّاني صحّة استثناء كلّ من الذي قبله، والشرط المذكور مفقود ههنا فتعيّن إخراج الثّلاثة والأربعة من العشرة كما تعيّن إخراج زيد وعمرو من القوم، في
قولنا: قام القوم إلّا -
................................
زيدا إلا عمرا.
قال الشيخ - في مسألة العدد -: فـ إخراج كليهما من الأوّل مذهب أكثر النحويّين 1. انتهى.
ثمّ إنّ الفرّاء ليس مستنده في إدخال الأربعة في المثال المتقدم ما ذكره المصنّف، من أنّ القاعدة جعل الاستثناء الأول إخراجا، والثّاني إدخالا، بل مستنده أنّ الأربعة استثناء منقطع، كأنّه قال: عندي عشرة إلّا ثلاثة سوى الأربعة التي له عندي، كما تقدّم أنّ مذهبه حمل الاستثناء الثّاني على الانقطاع في مثل: له عشرة إلّا ثلاثة إلّا اثنين وإذا كان يحمل الاثنين على الانقطاع مع إمكان استثنائه ممّا قبله، فحمله (إلّا أربعة) بعد (إلّا ثلاثة) عليه أولى لعدم إمكان استثنائه ممّا قبله، ويمكن في مثل: عندي عشرة إلّا ثلاثة إلّأ أربعة 2 قول ثالث، غير القولين المتقدمين، وهو أن يحكم ببطلان الاستثناء الثاني وهو الأربعة؛ لأنّ القاعدة - كما ذكر المصنف - استثناء كلّ ممّا قبله والاستثناء الزائد على المستثنى منه والمستغرق له باطل فيكون المقرّ به على هذا سبعة، وقال المصنف - بعد الكلام على مسألة الفراء -: وهذا - يعني القول بإخراج الأوّل والثاني معا من الأوّل - إنّما يكون إذا لم يكن المستثنى الثّاني بعض المستثنى الأول - كما في مسألة العدد، فأمّا إن كان بعضه نحو: قام القوم إلّا إخوتك إلّا زيدا، وزيد بعض الإخوة فأخرجه من الإخوة، فيلزم أن يكون قام، ولا يجوز أن يكون مستثنى مع الإخوة؛ لأنّ الإخوة تشمله، فلم يحتج لتخصيصه.
انتهى.
قال المصنف [3/ 48] ونبهت بقولي: وإن قدّر المستثنى الأول صفة لم يعتدّ به، وجعل الثاني أولا على أنّ المتكلم بذلك المثال - يعني المثال المتقدم في كلامه وهو:
عندي مائة إلّا خمسون إلّا عشرين إلا عشرة إلّا خمسة - يجعل (إلّا) الأولى وما وليها مقصودا بها الوصف لا
الاستثناء، كما في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 3. فعلى هذا التقدير يكون (إلّا) الأولى وما بعدها في حكم المسكوت عنه، ويكون المستثنى الأوّل (عشرين) فكأنّه قال: عندي مائة إلّا -
[«إلا» الموصوف بها]
قال ابن مالك: (فصل: تؤول «إلّا» بـ «غير» فيوصف بها، وبتاليها جمع، أو شبهه، منكر، أو معرّف بأداة جنسية، ولا تكون كذلك دون متبوع، ولا حيث لا يصلح الاستثناء).
عشرين إلّا عشرة إلّا خمسة، فالعشرين خارجة من المائة فتصير ثمانين، والعشرة داخلة فتصير تسعين، والخمسة خارجة فالباقي إذا خمسة وثمانون 1. انتهى.
وعلى هذا قال ابن السّرّاج: إذا قلت: عندي مائة إلّا اثنين كان الإقرار بثمانية وتسعين، وإذا قلت: إلّا درهمان، فجعلت (إلّا) وما بعدها صفة كان الإقرار بمائة؛ لأنّ المعنى: مائة غير درهمين، وهذا واضح، وعلى هذا ترفع الخمسين في المثال المتقدّم عند قصد الصّفة، فتقول: عندي مائة إلّا خمسون إلّا عشرين إلى آخره.
ولم يحتج المصنف إلى التنبيه عليه لوضوحه وكأنّه قال: وإن قدّر المستثنى الأوّل صفة جرت عليه أحكام الصّفة، وتوهم الشيخ أنّ المثال أن: له عندي مائة إلّا عشرين إلا عشرة، إلّا خمسة، فيكون (إلّا عشرين) صفة على زعمه، ثمّ ردّ على المصنف قوله: فالعشرون خارجة من المائة وقال: قوله: إنها خارجة... إلى آخره - ليس بصحيح؛ لأنّ (العشرين) صفة فليست مخرجة من المائة 2، وغاب عنه أنّ المصنف قصد المثال الّذي تقدّم أولا، وهو مائة إلّا خمسين، إلّا عشرين.
وقد قال المصنّف: على أنّ المتكلم بذلك المثال، فأشار إليه فمراده بالمستثنى الأول الّذي تقدّره صفة (إلّا خمسين)، والخمسون غير مخرجة، ولهذا قال: ويكون المستثنى الأول (عشرين)، ثمّ أوضح ذلك بقوله: فكأنّه قال: عندي مائة إلّا عشرين إلّا كذا؛ فبيّن أنّ الخمسين في حكم المسكوت عنه، إذا جعلته صفة، وهذا
(الكلام) 3 واضح سديد.
قال ناظر الجيش: الأصل في (غير) الوصفية، والأصل في (إلّا) الاستثناء 4، -
................................
ويجوز حمل كلّ واحدة منهما على الأخرى، فيما هي أصل فيه، وسبب الحمل أنّ ما بعد كلّ منهما مغاير لما قبلها، إلّا أنّ وقوع (غير) موقع (إلّا) كثير، ووقوع (إلّا) موقع (غير) قليل، وسببه أنّ (غير) اسم، وتصرّفهم في الأسماء أكثر من تصرفهم في الحروف، على أنّ الوصف لا يكون بـ (إلّا) وحدها، بل بـ (إلّا) وما بعدها.
ولهذا قال المصنف: تؤوّل (إلّا) بـ (غير) فيوصف بها وبتاليها، وقد أشار سيبويه لذلك فقال: هذا باب ما يكون فيه (إلّا) وما بعدها وصفا 1، فجعل المجموع هو الوصف، وهو الحقّ.
قال المصنف: ولأصالة (غير) في الوصفية جاز أن يوصف بها جمع، وشبه جمع، وما ليس جمعا، ولا شبه جمع كقولك: جاء رجال غير زيد، وقول الشاعر:
1720 - فكفى بنا فضلا على من غيرنا... حبّ النّبيّ محمّد إيّانا 2
ورجل غيرك أحبّ إليّ.
ولأصالتها «أيضا» 3 في الوصفية جاز أن يحذف الموصوف بها، ولا يوصف بها إلّا جمع، أو شبه جمع، ولا يجوز حذف الموصوف بها وإقامتها مقامه، وقيّد الجمع بكونه منكرا، أو معرفا بأداة جنسية، فمثال الجمع المنكّر: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 4 فـ إِلَّا اللَّهُ صفة لـ آلِهَةٌ 5، ومثال الجمع المعرّف بالأداة الجنسية قول الشاعر: -