................................
وكقول الآخر:
3999 - فمتى واغل ينبهم يحيّو... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي 1
والاستفهام في هذا الاستعمال كأدوات الشرط مع كونه غير مختص، فإن كان بالهمزة جاز - لكونها أمّ الباب، وأصل أدوات الاستفهام - أن يتقدم على الفعل بعدها اسم مرفوع بالابتداء أو معمول لفعل مضمر يفسره ما بعد الاسم، وإن كان بـ «هل» أو غيرها من أسماء الاستفهام امتنع أن يتقدم الاسم على الفعل إلا في الضرورة كقوله:
4000 - أم هل كبير بكى لم يقض عبرته... إثر الأحبّة يوم البين مشكوم؟ 2
وامتنع حينئذ كونه مبتدأ ووجب حمله على فعل مضمر عامل فيه عمل الفعل الظاهر في ما اشتغل به.
وأما الجزاء فيصلح له كل الجمل، فيكون جملة طلبية، وخبرية شرطية وغير شرطية، وجملة اسمية أو فعلية، والأصل كونه جملة يصح جعلها شرطا وهي المصدرة بفعل متصرف ماض مجرد من «قد» لفظا أو تقديرا ومن غيرها، أو مضارع مجرّد أو منفي بـ «لا» أو «لم» لأن الشرط بـ «إن» وأخواتها تعليق حصول ما ليس بحاصل على حصول غيره، فاستلزم في جملته امتناع الثبوت - - (2/ 73) وأمالي الشجري (1/ 332، 347) والإنصاف (ص 618) وابن يعيش (9/ 10)، وشرح الكافية للرضي (2/ 255).
................................ وإمكان الحصول؛ فلا تكون إحداهما اسمية ولا طلبية إلا بتأويل. وإذا جاء الجزاء على غير ما هو الأصل فيه وجب اقترانه بالفاء ليعلم ارتباطه بالشرط وتعليق أداته به لما لم يكن على وفق ما يقتضيه الشرط وذلك إذا كان جملة طلبية كقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي 1 وكقراءة ابن كثير 2 ومن يعمل من الصلحات وهو مؤمن فلا يخف ظلما ولا هضما 3، أو شرطية نحو: إن تأتني فإن تحدثني أكرمك، أو اسمية نحو: إن تقم فزيد قائم، أو فعلية مصدرة بفعل غير متصرف نحو: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (39) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ 4، أو ماض مقرون بـ «قد» لفظا نحو قوله تعالى: قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ 5، أو تقديرا وذلك إذا كان الفعل ماضي المعنى كقوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ 6، أو مقرون بحرف نفي نحو: إن قام زيد فما قام عمرو، أو مضارع مقرون بـ «قد» أو حرف تنفيس أو نفي بغير «لا» أو «لم» نحو: إن تقم فقد أقوم أو فسوف أقوم، أو فما أقوم [5/ 153] أو فلن أقوم، فـ «الفاء» في أمثال كل هذا واجبة الذكر لا يجوز أن تقوم «الواو» وغيرها مقامها، ولا يجوز حذفها إلا في الضرورة كقوله: 4001 - من يفعل الحسنات الله يشكرها... والشّرّ بالشّر عند الله مثلان 7 وقوله: 4002 - ومن لا يزل ينقاد للغي والهوى... سيلفى على طول السّلامة نادما 8
................................ وإذا جاء الجزاء على مقتضى الأصل صالحا للشرطية لم يحتج إلى «فاء» تربطه بالشرط؛ فالأولى خلوّه منها ويجوز اقترانه بها، فإن خلا منها وصدر بمضارع جزم سواء أكان الشرط مضارعا نحو قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً 1 أو ماضيا كقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها 2 وقال الفرزدق 3: 4003 - دسّت رسولا بأنّ القوم إن قدروا... عليك يشفوا صدورا ذات توغير 4 وقد يرفع بكثرة إن كان الشرط ماضيا أو منفيّا بـ «لم»، وبقلة إن كان غير ذلك، فالأول كقول زهير: 4004 - وإن أتاه خليل يوم مسألة... يقول لا غائب مالي ولا حرم 5 وقول أبى صخر 6: 4005 - وليس المعنّى بالّذي لا يهيجه... إلى الشّوق إلّا الهاتفات السّواجع ولا بالّذي إن بان عنه حبيبه... يقول - ويخفي الصّبر - إني لجازع 7
................................ وقول الآخر: 4006 - فإن كان لا يرضيك حتّى تردّني... إلى قطريّ لا إخالك راضيا 1 وقول الآخر: 4007 - وإن بعدوا لا يأمنون اقترابه... تشوّف أهل الغائب المتنظّر 2 والثاني كقول جرير بن عبد الله البجلي 3: 4008 - يا أقرع بن حابس يا أقرع... إنّك إن يصرع أخوك تصرع 4 ومثله قول الآخر: 4009 - فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها... مطبّعة من يأتها لا يضيرها 5
................................
ومنه قراءة طلحة بن سليمان 1: أينما تكونوا يدرككم الموت 2.
ورفعه عند سيبويه على وجهين: على تقدير تقديمه وكون الجواب محذوفا، وعلى حذف الفاء لأنه قال 3:
وقد يقولون: إن أتيتني آتيك [أي: آتيك] إن أتيتني، وأنشد بيت زهير 4 ثم قال 5: فإذا قلت آتي من أتاني فأنت بالخيار، إن شئت كانت أتاني صلة، وإن شئت كانت بمنزلها في إن، ويجوز في الشعر: آتي من يأتني قال:
4010 - فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها... مطبّعة من يأتها لا يضيرها
كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، ولو أريد به حذف الفاء جاز.
منع أبو العباس صحة تقدير التقديم فقال 6: وأما قوله:
4011 - وإن أتاه خليل يوم مسألة... يقول... 7
في القلب فهو محال، وذلك لأن الجواب حده أن يكون بعد إن وفعلها الأول، وإنما يعني بالشيء موضعه إذا كان في غير موضعه نحو: ضرب غلامه زيد، لأن حق الغلام أن يكون بعد زيد، وهذا قد وقع في موضعه من الجزاء، فلو جاز أن يعني به التقديم لجاز أن يقول: ضرب غلامه زيدا، يريد: ضرب زيدا غلامه.
وإن قرن المضارع الصالح للشرطية بالفاء وجب رفعه مطلقا سواء أكان الشرط مضارعا أم ماضيا كقوله تعالى: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ 8، وقوله تعالى:
فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً 9، وكقراءة حمزة 10: إن تضل -
................................
إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى 1، وينبغي أن يكون الفعل بعد هذه الفاء خبر مبتدأ محذوف، ولولا ذلك لحكم بزيادة الفاء وجزم المضارع، لأنها حينئذ في تقدير الشرط، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها فعلم أنها غير زائدة وأنها داخلة على مبتدأ مقدر كما تدخل على مبتدأ مظهر.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقال والده في شرح الكافية 2: «أصل جواب الشرط أن يكون فعلا ماضيا صالحا لجعله شرطا، فإذا جاء على الأصل لم يحتج إلى فاء يقترن بها، فإن اقترن بها فعلى خلاف الأصل، وينبغي أن يكون الفعل خبر مبتدإ، ولولا ذلك لحكم بزيادة الفاء
وجزم الفعل إن كان مضارعا لأن الفاء على ذلك التقدير زائدة في تقدير السقوط، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها فعلم أنها غير زائدة وأنها داخلة على مبتدأ مقدر كما تدخل على مبتدأ مصرح، ومن ذلك قوله تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً 3، ومثله قراءة حمزة: إن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، وإذا كان الجواب ماضيا لفظا لا معنى لم يجز اقترانه بالفاء إلا في وعد أو وعيد، لأنه إذا كان وعدا أو وعيدا حسن أن يقدر ماضي المعنى فعومل معاملة الماضي حقيقة، ومثال الماضي حقيقة قوله تعالى: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ 4، ومثال الماضي لفظا لا معنى مقرونا بالفاء قوله تعالى: وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ 5، وإلى هذا أشرت بقولي.
ولا يلي [الفا] الماضي الآتي معنى... إلّا لوعد أو وعيد يعني
ويجوز أن تكون الفاء عاطفة ويكون التقدير: ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار فيقال لهم: هل تجزون؟ كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ 6 أي: فيقال لهم: أكفرتم؟
وإذا كان الجواب جملة اسمية [أو فعلية] 7 لا تلي حرف الشرط وجب اقترانها بالفاء ليعلم ارتباطها بالأداة، فإن ما لا يصح للارتباط مع الاتصال أحق بأن -
................................
لا يصلح مع الانفصال، فإذا قرن بالفاء علم الأرتباط، والفعلية التي لا تلي حرف الشرط هي التي فعلها غير متصرف نحو قوله تعالى: فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ 1، وماض لفظا ومعنى نحو قوله تعالى: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ 2 أو مطلوب به فعل أو ترك نحو قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ 3 ونحو
قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً 4 في رواية 5 ابن كثير 6، ومما يجب اقترانه بالفاء لأنه لا يلي حرف الشرط المقرون بالسين أو سوف، والمنفي بلن أو ما أو إن 7.
وبعد ذلك فالإشارة إلى أمور:
منها: أن شاهد [5/ 154] الفعل المفسر للفعل المحذوف بعد «إن» إذا كان مضارعا مقرونا بـ «لم» قول الشاعر:
4012 - وإن هو لم يحمل على النّفس ضيمها... فليس إلى حسن الثّناء سبيل 8
ومنها: أن المصنف في شرح الكافية أشار إلى ذكر سبب عدم جواز تقدم الاسم على الفعل مع أدوات الشرط غير «إن» فقال 9: «وكان حق أدوات الشرط أن لا يليها إلا معمولها كغيرها من عوامل الفعل السالمة من شذوذ، لكنها أشبهت الفعل في الدخول على معرب ومبنى، وأشبهت الفعل المتعدي بكونها لا تكتفي بمطلوب واحد فجاز أن يليها الاسم أي: معمول فعلها، وخصت إن لكونها في الشرط أصلا بكثرة ذلك فيها بشرط مضي الفعل» انتهى.
-
................................
وإنما اشترط 1 مضى الفعل لئلا يظهر القبح في كونها ظهر لها تأثير وفصل بينهما وبين معمولها بمعموله، أما الفصل بغير معمول فعلها فلا يجوز إلا بـ «لا» خاصة سواء أكان ذلك في «إن» أم في غيرها من الأدوات نحو قوله:
4013 - ومن لا يصانع في أمور كثيرة... يضرّس بأنياب ويوطأ بميسم 2
ومنها: أننا عرفنا من قول المصنف في جملة الشرط: «وتصدّر بفعل ظاهر أو مضمر مفسّر بعد معموله بفعل» أن الاسم بعد أداة الشرط لا يجوز رفعه على الابتداء 3، لأن أداة الشرط مختصة بالأفعال، فإن كان الاسم الذي وليها منصوبا فهو منصوب بفعل مضمر، وإن كان مرفوعا فهو مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر بعده إما من لفظه نحو:
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ 4 وإما من المعنى نحو:
4014 - لا تجزعي إن منفس أهلكته 5
أي: إن هلك منفس، والمنقول عن الكسائي أنه يجوز رفع الاسم بعدها على الابتداء قال 6: وتكون الجملة الابتدائية في موضع جزم كما أن الجملة الجزائية إذا كانت اسمية تكون كذلك.
وكأنه حمل الشرط على الاستفهام فأجاز ذلك كما يجوز: أزيد قائم؟ والفرق:
أن العرب لم يسمع منهم نحو: إن زيد قائم قمت، وسمع منهم نحو: أزيد قائم؟ -
................................
قال الشيخ 1:
«وما ذهب إليه الكسائي من جواز الابتداء بعد أداة الشرط قد ذكره سيبويه وجها رديئا، فذكر 2 أن الاسم قد
يرتفع بعد حرف الشرط بالابتداء إذا كان الخبر فعلا نحو: إن زيد قام أكرمتك، وسهّل ذلك عنده وجود الفعل في الجملة الشرطية فكأنه لم يعدم الفعل، قال 3: وعلى هذا ينبغي أن يحمل بيت لبيد:
4015 - فإن أنت لم ينفعك علمك........ 4
فيكون «أنت» مرفوعا بالابتداء لأنه لو حمله على الفعل بعده للزمه أن يقول فإن إياك لم ينفعك علمك ولا يجوز حمل «أنت» على أنه فاعل بفعل محذوف يفسره قوله: لم ينفعك لأنه يلزم من ذلك تعدي فعل الضمير المرفوع إلى ضميره المتصل المنصوب، إذ يصير التقدير: فإن لم ينفعك، أما من لا يجيز الابتداء بعد أداة الشرط فإنه يذهب إلى [أن] «أنت» مرفوع بفعل محذوف يفسره ما بعده من جهة المعنى لا من جهة اللفظ.
التقدير: فإن ضللت، قال: وأجاز السهيلي 5 أن يكون «أنت» في موضع نصب، فيكون مما وضع فيه المرفوع موضع المنصوب كما فعل عكس ذلك حين قالوا: لم يضربني إلا إيّاه وفي الحديث الشريف: «من خرج إلى الصّلاة لا ينهزه إلّا إيّاها» 6، فعلى هذا يكون في تخريج البيت - أعني بيت لبيد - ثلاثة أقوال 7. -
................................
ومنها: أن قول المصنف مشيرا إلى الجواب: «وتلزمه الفاء في غير الضّرورة إن لم يصحّ تقديره شرطا».
حيث جعل عدم صحة تقدير الجواب شرطا قانونا كليا لدخول «الفاء» فيه أحسن وأقرب مما ذكره المغاربة وهو أنهم لم يذكروا ضابطا، بل عددوا الأماكن التي تدخلها «الفاء» مكانا مكانا، قال ابن عصفور في المقرب 1: «فإن كانت الثانية - يعني جملة الجزاء - أمرا أو نهيا أو دعاء أو استفهاما، أو فعلا قد دخلت عليه قد، أو السين أو سوف أو ما، أو لن، أو غير ذلك أدخلت عليها الفاء».
ثم ذكر 2 أن الاسمية بالنسبة إلى دخول «الفاء» كذلك.
ولو قال ابن عصفور: فإن كانت الثانية طلبا لكان أولى، فإن العرض والتحضيض حكمهما في ذلك حكم الأمر والنهي.
يقال: إن الجملة الشرطية إذا وقعت جوابا وجبت «الفاء» فهي داخلة في ضابط المصنف ومسكوت عنها في كلام ابن عصفور.
ودخل تحت ضابط المصنف الجملة التعجبية 3 نحو: إن أقبل زيد فما أحسنه، والقسم (4) نحو: إن تكرمني والله لأكرمنّك، والجملة المصدرة بـ «ربّ» 4 نحو قول امرئ القيس:
4016 - فإن أمس مكروبا فيا ربّ بهمة... كشفت إذا ما اسودّ وجه الجبان 5
والنداء نحو 6: إن أتاك راج فيا أخا الكرام لا تهنه.
-
................................
ومنها: أنك قد عرفت أن حذف هذه «الفاء» لا يجوز إلا في الضرورة والمنقول عن المبرد أنه يجيز ذلك في الكلام 1، وعند سيبويه 2 أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر قال ابن هشام 3: «وهو الصحيح».
وقد أجاز 4 بعض النحويين حذفها في السعة إذا كان الشرط ماضيا حملا على:
إن أتيتني آتيك وجعل من ذلك قوله تعالى: وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ 5، وردّ 6 عليه ذلك بأن «إنكم لمشركون» جواب قسم محذوف قبل الشرط التقدير:
والله إن أطعتموهم إنكم لمشركون كما حذف في قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ 7، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ 8.
وقد جاء 9 مع حذف «الفاء» حذف المبتدأ الذي دخلت «الفاء» عليه قال الشاعر:
4017 - بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها... بني ثعل من ينكع العنز ظالم 10
التقدير: فهو ظالم، قالوا 11 وحسّن حذف المبتدأ فيه أن «من» الشرطية هنا قريبة من الموصولة، فكأنه توهّم [5/ 155] أن «من» موصولة وإن كان قد -
................................
استعملها شرطا، ونظير هذا تشبيههم «الذي» وهو موصول بـ «من» الشرطية فجزموا الفعل الواقع خبرا له تشبيها له بالجواب كما سيأتي ذكر ذلك حيث ذكره المصنف.
ومنها: أن النحاة اختلفوا في المضارع المرفوع الواقع في محل الجواب فقال سيبويه 1: إنه دليل الجواب، وعلى هذا فهو مؤخر عنده من تقديم، وجواب الشرط محذوف، وقال المبرد والكوفيون 2: إنه هو الجواب وإن «الفاء» حذفت منه، وقال آخرون 3: إن أداة الشرط لما لم يظهر لها تأثير في فعل الشرط لكونه ماضيا لم يجزم الجواب، فهو عند هؤلاء جواب لا دليل الجواب كما يقول سيبويه ولا على إضمار «الفاء» كما يقول المبرد، ولكن قد عرفت أن بدر الدين ذكر أن سيبويه يجيز الوجهين وهما: تقدير التقديم، وكون الجواب محذوفا وحذف «الفاء»، وكلام الشيخ أيضا يقتضي ذلك فإنه قال 4 بعد إنشاده:
4018 - إنّك إن يصرع أخوك تصرع (5)
وقول الآخر:
4019 -..... من يأتها لا يضيرها 5
والفعل المرفوع إذ ذاك إما أن يكون قبله ما يمكن أن يطلبه أولا، فإن كان نحو:
إنّك إن يصرع أخوك تصرع
وإن لم يكن نحو: إن تأتني آتيك إذا جاء في الشعر فذهب سيبويه إلى أن الأولى أن يكون في المسألة الأولى على نية التقديم والتأخير، وفي الثانية على إضمار «الفاء»، وجوز العكس وهو أن يكون الأول على إضمار «الفاء» والثاني على التقديم انتهى.
واعلم أن الزمخشري قال 6 في قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ -
................................
خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً 1: إن «ما» من: وما عملت من سوء، ليست شرطية لارتفاع تود.
وقد أبى الجماعة قبول ذلك منه وقالوا 2: إن فعل الشرط إذا كان ماضيا واستفيد الجواب من مضارع بعده جاز رفع ذلك المضارع و [قد] تقدمت شواهد ذلك.
ولا شك أن كلام الزمخشري غير ظاهر، وقد منع الشيخ كون «ما» المذكورة شرطية من وجه آخر لا لكون «تود» مرفوعا وهو: أن النية بـ «تود» التقديم على مذهب سيبويه، فيكون دليلا على الجواب لا نفس الجواب قال 3: فنقول إذا كان تود منويا به التقديم أدى إلى تقديم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناه في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله: «وبينه» عائد على اسم الشرط الذي هو «ما» فيصير التقدير: تود كل نفس لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ما عملت من سوء، فيلزم من هذا التقدير تقديم المضمر على الظاهر وذلك لا يجوز، فإن قلت:
لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخر عن اسم الشرط وإن كان النية به التقديم فقد حصل عود الضمير على الاسم الظاهر قبله، وذلك نظير: ضرب زيد غلامه والفاعل رتبته التقديم ووجب تأخيره لصحة عود الضمير؟
الجواب أن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه لعود الضمير، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء لا دليله إذ ليست بعاملة في جملة الدليل، [بل] إنما تعمل في جملة الجزاء، وجملة الدليل لا موضع لها، وحينئذ يتدافع الأمر لأنها من حيث هي دليل لا يقتضيها اسم الشرط ومن حيث عود الضمير على اسم الشرط يقتضيها فتدافعا، وهذا بخلاف: ضرب زيدا غلامه لأنها جملة
واحدة والفعل عامل في الفاعل والمفعول معا، ولذلك جاز عند بعضهم، ضرب غلامها هندا لاشتراك الفاعل المضاف للضمير والمفعول الذي عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع: ضرب -
................................ غلامها جار هند لعدم الاشتراك في العامل، قال: فهذا فرق ما بين المسألتين انتهى كلامه. وفي مستند المنع الذي ذكره نظر، لأنا لا نسلم أنه يلزم من اشتمال دليل الجواب المتأخر عن جملة الشرط على ضمير عائد على اسم الشرط اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، بل المعتبر في صحة تفسير الظاهر للمضمر في غير الأبواب المستثناه 1 تقدم ذلك الظاهر على ذلك المضمر لفظا ورتبة، أو لفظا لا رتبة كما تقرر في علم النحو. وأما اشتراك الاسم الذي اتصل به الضمير وصاحب الضمير أي: مفسره في عامل واحد فغير لازم بدليل جواز: ضرب غلامها بعل هند على القول الأصح، فلم يشترك المفعول المضاف للضمير والاسم الذي عاد عليه الضمير في العامل، وإنما احتيج في [نحو] ضرب غلامها هندا إلى أن يكون الذي عاد عليه الضمير مشاركا للمضاف إلى الضمير في العامل لأن الضمير عاد فيه على متأخر لفظا ورتبة، فالتزموا في المفسر المشاركة لما قبله في العامل ليكون العامل منصبا عليهما معا فيخف الأمر في عود الضمير على ما هو متأخر من جهتين، فكأن اشتراكهما في العامل نزلهما منزلة واحدة، فلم يكن اشتراط المشاركة في العامل في المسألة المذكورة لأمر يرجع إلى جهة الاقتضاء الذي أشار إليه الشيخ، بل لما ذكرته، وإذا كان كذلك فلم يتحقق ما قرره من امتناع أن تكون «ما» من قوله تعالى: وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ 2 شرطية. ومنها: أن المصنف ذكر في شرح الكافية مسألة وكأنه لم يذكرها في التسهيل وهي 3: ما إذا تقدم على الشرط استفهام نحو: أإن تقم أقم؟ قال 4: «فسيبويه 5 يجعل الاعتماد على الشرط كأن الاستفهام لم يكن، ويونس 6 يجعل الاعتماد على الاستفهام ناويا تقديم الفعل الثاني، وإلى هذا أشرت بقولي: ويونس التّقديم [ينوي] فرفع... وعند سيبويه ذلك [5/ 156] امتنع
................................
ومن حجة سيبويه 1 قوله تعالى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ 2» انتهى.
ومعنى قوله: «إن سيبويه يجعل الاعتماد على الشرط» أن الجواب الذي يذكر يكون للشرط ويكون الاستفهام داخلا على جملة الشرط والجزاء نحو قولك: هل إن قام زيد يقم عمرو؟
ويونس لما نوى التقديم جعل الجواب محذوفا، ولزم من ذلك كون فعل الشرط ماضيا لأنه محذوف الجواب فيقول: أإن أتيتني آتيك التقدير: آتيك إن أتيتني، ولا يجوز عنده أإن تأتني آتك بجزمها، ولا: أإن تأتني آتيك بجزم الأول ورفع الثاني إلا في الضرورة 3.
وأما وجه دليل سيبويه من الآية الشريفة فإنه لا يجوز أن يكون التقدير: أفهم الخالدون فإن مت؟ لأن الذي يقول: أنت ظالم إن فعلت، فيحذف الجواب لدلالة ما تقدم عليه لا يقول: أنت ظالم فإن فعلت، أن «الفاء» حرف استئناف يمنع ما قبلها أن يفسر ما بعدها 4.
قال الشيخ 5: «وليس في ما ذكره دليل على فساد مذهب يونس، لأن الكلام إنما كان في مسألة تقدمت همزة الاستفهام على أداة شرط بعدها مضارعان، وليست الآية الشريفة من هذا في شيء» انتهى.
وأقول: إن الشيخ بنى الأمر على أن المسألة التي يأتي فيها خلاف يونس لا بد أن تكون أداة الشرط يتقدمها الاستفهام داخلة على مضارعين، وأطال الكلام في ذلك بما توقف عليه كلامه.
والذي يقتضيه كلام المصنف وكلام ابن عصفور أن يونس يجعل الاعتماد على الاستفهام دون الشرط في كل مسألة باشر الاستفهام فيها أداة الشرط دون تقييد بمضارعين أو غيرهما.
وقد قال الشيخ 6: «إن سيبويه رد على يونس بالقياس والسماع» فذكر -
................................
القياس ثم قال 1: «وأما السماع» فذكر الآية الشريفة - أعني قوله تعالى:
أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ 2.
ومنها: أنه قد تقدم أن المضارع الصالح للشرطية إذا قرن بـ «الفاء» يجب رفعه كقوله تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً 3، وكقراءة حمزة أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى 4 أنه ينبغي أن يكون الفعل بعد هذه «الفاء» خبر مبتدأ محذوف، وأنه لولا ذلك الحكم بزيادة «الفاء».
وجزم المضارع لأنها حينئذ في تقدير الشرط، لكن العرب التزمت رفع المضارع بعدها فعلم أنها غير زائدة وأنها داخلة على مبتدأ مقدر كما تدخل على مبتدأ مظهر، فذكر الشيخ: ذلك 5 ثم قال 6: «وإذا كان على ما قالوا فيكون قوله تعالى:
أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ على قراءة حمزة 7 يكون المبتدأ ضمير الشأن أو القصة، إذ قد رفع الظاهر فليس ثمّ اسم متقدم يعود عليه الضمير فيكون إذ ذاك الضمير ضمير الأمر أو القصة، ولذلك إذا قلت: إن قام زيد فيقوم عمرو يكون التقدير: فهو يقوم عمرو، والضمير إذ ذاك ضمير الأمر والشأن، ثم قال: ويمكن أن يقال: إن ربط الجملة الشرطية المصدر جوابها بالمضارع يكون بأمرين: أحدهما:
بجزم المضارع، والآخر: بالفاء ورفعه، لأنه لو رفع ولم تدخل الفاء لتوهم فيه أنه على نية التقديم كما قال سيبويه 8 في قوله: إن قام زيد يقوم عمرو، فيكون إذ ذاك للربط طريقان ولا يحتاج إلى تكلف الإضمار في كل مكان وخصوصا تكلف إضمار القصة أو الشأن إذا لم يمكن أن يعود الضمير على سابق، وكما ربطت الفاء الجملة الاسمية كذلك ربطت الجملة الفعلية المصدرة بالمضارع إذا لم يؤثر فيه الشرط الجزم».
انتهى.
ولا يخفى أن هذا الذي ذكره فيه هدم لقاعدة الباب، لأن الأداة طالبة للجواب كما هي طالبة للشرط، وإذا كانت طالبة كانت منصبة عليه عاملة فيه كما سيأتي أنه -
[العامل في الجواب]
قال ابن مالك: (وجزم الجواب بفعل الشّرط [لا] بالأداة وحدها، ولا بهما، ولا على الجوار خلافا لزاعمي ذلك).
المذهب الصحيح، فإذا كان الجواب صالحا لمباشرة الأداة بان يكون صالحا لكونه شرطا جزم لفظا، وكان جزمه دليلا على ارتباطه بما قبله، وإذا لم يكن صالحا للشرطية أتى بـ «الفاء» لتدل على الارتباط، إذ شأنها أن تصل ما بعدها بما قبلها، وحكم على محله بالجزم، فقد ثبت لنا أن «الفاء» إنما يحتاج إليها عند عدم صلاحية ما تباشره لأن يكون شرطا، ولزم من ذلك أنها إذا باشرت ما هو صالح للشرطية أن يقدر قبله مبتدأ فتصير الجملة اسمية لتكون «الفاء» واقعة موقعا تستحقه، ولو لم يكن الأمر كذلك لقال النحاة ابتداء: إن ربط الجملة الشرطية المصدرة بالمضارع يكون بأمرين أحدهما: بجزم المضارع، والآخر: بالفاء ورفعه، وهم لم يقولوا ذلك.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1: «اختلف في الجازم لجواب الشرط إذا حذفت منه الفاء، فعند الكوفيين 2 هو مجزوم على الجوار كخفض «خرب» من قولهم: هذا جحر ضبّ خرب 3، ويبطله أمور ثلاثة:
أحدها: أن الخفض على الجوار لا يكون واجبا وجزم الجواب واجب.
الثاني: أن الخفض على الجوار لا يجوز إلا بعد مخفوض خفضا لتحصل المشاكلة، وجزم الجواب يكون بعد جزم ظاهر وغير ظاهر.
الثالث: أن الخفض على الجوار لا يكون مع الاتصال، وجزم الجواب يكون مع الاتصال والانفصال فعلم أنه ليس مجزوما على الجوار، فجزمه إما بفعل الشرط، وإما بأداته، وإما بهما، لا جائز أن يكون جزمه بالأداة وحدها، لأن الجزم في الفعل نظير [5/ 157] الجر في الاسم وليس في عوامل الجر ما يعمل في شيئين دون إتباع، فوجب أن تكون عوامل الجزم كذلك تسوية بين النظيرين، ولئلا يلزم ترجيح الأضعف على الأقوى، وأيضا فإن العوامل على ضربين أحدهما: ما يعمل عملا -
................................
متعددا، والثاني: ما يعمل عملا غير متعدد، والعامل عملا متعددا لا بد في عمله من اختلاف، أن يغاير معنى معموليه ليمتاز أحدهما من الآخر، والشرط والجواب متغايران فلو كان عاملهما واحدا لوجب اختلاف عمليهما وجوب ذلك في الفاعل والمفعول، فالحكم على أداة الشرط بأنها جازمة للجواب مع أنها جزمت الشرط حكم بما لا نظير له، فوجب منعه.
ولا جائز أن يكون جزم الجواب بالأداة والشرط معا لأن كل عامل مركب من شيئين لا يجوز انفصال جزئيه ولا حذف أحدهما كـ «إذما» و «حيثما» بخلاف أداة الشرط وفعله فإن انفصالهما جائز نحو: إن زيدا تكرم يكرمك، وقد يحذف فعل الشرط دون الأداة كقوله:
4020 - فطلّقها فلست [لها] بكفء... وإلّا يعل مفرقك الحسام 1
فلو كان العمل لهما معا وجب لهما ما وجب لـ «إذ ما» و «حيثما» من عدم الإفراد والانفصال، وإذا بطل جزم الجواب بما سوى فعل الشرط تعيّن كونه مجزوما بفعله لاقتضائه إياه بما أحدثت فيه الأداة من المعنى والاستلزام، وعلى
هذا يؤول قول سيبويه: واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال ويجزم الجواب بما قبله 2، لأن ترك تأويله يقتضي أن يكون للفاعل والمفعول حظ في جزم الجواب وذلك لا يصح اتفاقا وقد دل الدليل على أن جزم الجواب ليس بالأداة والشرط معا، ولا بالأداة وحدها فلم يبق ما يحمل عليه قول سيبويه إلا فعل الشرط وحده، وبهذا الجواب يسلم من ترجيح الاسم على الفعل في العمل مع أصالته وفرعية الاسم، وذلك أن الاسم قد عمل في جنسه نحو: هذا ضارب زيدا، وفي غير جنسه نحو: من يكرمني أكرمه، فلو لم يكن جزم الجواب بفعل الشرط لزم كون الفعل مقصور العمل على غير جنسه وذلك انحطاط أصل عن رتبة فرع، فإذا كان جزم الجواب بفعل الشرط -
................................
أمن ذلك فوجب القول به انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وهذه الأقوال في جازم الجواب أربعة:
أحدها: أنه الجوار وقد عرفت أنه مذهب الكوفيين، وقد ردّ ذلك عليهم بما تقدم ذكره.
ثانيها: أنه فعل الشرط وهو مذهب الأخفش 1 قال: «لأنه مستدع للجواب بما أحدثت فيه الأداة من المعنى والاستلزام» وقد عرفت أنه مختار المصنف 2.
ثالثها: أنه الأداة وفعل الشرط 3.
رابعها: أنه الأداة وحدها قال الشيخ 4: «وهو مذهب المحقيين من البصريين 5، وعزاه السيرافي 6 إلى سيبويه، وهو مختار الحذاق من المتأخرين كالجزولي 7، والأبّذيّ 8، وابن عصفور 9» انتهى.
والذي يظهر أنه هو الحق، لأن الأداة هي الطالبة للجواب كما هي طالبة للشرط.
وأما قول بدر الدين: إنه ليس في عوامل الجر ما يعمل في شيئين فوجب أن تكون عوامل الجزم كذلك «فيقال» في
جوابه: إن العمل إنما يكون بحسب الاقتضاء، وعامل الجر إنما اقتضى شيئا واحدا فكيف يعمل في شيئين؟
وأما قوله: إن العامل عملا متعددا لا بد في عمله من اختلاف، أن يغاير معنى معموليه ليمتاز أحدهما من الآخر والشرط وجوابه متغايران، فلو كان عاملهما واحدا -
[الجزم بإذا حملا على غيرها وإهمال غيرها حملا عليها]
قال ابن مالك: (قد يجزم بإذا الاستقباليّة حملا على «متى»، وتهمل «متى» حملا على «إذا»، وقد تهمل «إن» حملا على «لو» والأصحّ امتناع حمل «لو» على «إن»، وقد يجزم مسبّب عن صلة الّذي تشبيها بجواب الشّرط).
لوجب اختلاف عمليهما.. إلى آخر كلامه فيقال في جوابه: إن هذا الذي ذكره إنما يتصور في معمول يقبل من أنواع الإعراب غير ما التبس به المعمول الآخر كما أن المفعول يقبل النصب مع أن الفاعل مرفوع، وما نحن فيه لا يمكن فيه ذلك، وبيانه أن الفعل إنما له من الإعراب الذي تحدثه العوامل اللفظية نوعان وهما: النصب والجزم ولا شك أن النصب متعذر لأن العامل الذي عمل في الشرط إنما عمل جزما فثبت أنه عامل جزم، وإذا ثبت له ذلك امتنع فيه أن ينصب فعل الجواب، وإذا امتنع النصب تعين الجزم، إذ ليس للعامل اللفظي الداخل على الفعل غيرهما، ثم
من المعلوم أن العامل هو ما يتقوم به المعنى المقتضي، ولا شك أن الشرط وجوابه إنما يتقومان بالأداة فوجب نسبة العمل فيها إليها.
فإن قال الإمام بدر الدين: الشرط يتقوّم بالأداة والجواب يتقوّم بالأداة وبالشرط معا فيجب على هذا أن تكون الأداة والشرط هما العاملان في الجواب!!
أجيب بأنك أنت [قد] أبطلت أن يكون الجزم بالأداة والشرط معا، ولا شك أنه إبطال صحيح، وإذا كان كذلك تعين أن الأداة هي العاملة فيهما، ولا شك أن كون الأداة هي الجازمة للشرط والجواب هو الذي تركن إليه النفس، ولم ينتهض الأمر الذي استدل به على بطلانه فتعيّن الاستمساك به.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1: «إذا في الكلام على ضربين: ظرف زمان مستقبل وحرف مفاجأة، فالتي هي حرف مفاجأة مختصة بالجمل الاسمية ولا عمل لها، والاستقبالية مختصة بالجمل الفعلية وتأتي على وجهين:
أحدهما: أن تكون خالية من معنى الشرط نحو: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) [5/ 158] وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى 2.
................................ والثاني: أن تكون متضمنة معنى الشرط وهو الغالب فيها نحو قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ 1. وهي كالخالية من معنى الشرط في عدم استحقاق عمل، لأن إذا الشرطية مختصة بالتعليق على الشرط المقطوع بوقوعه حقيقة أو حكما كقولك: آتيك إذا احمرّ البسر، وإذا قدم الحاجّ، ولو قلت: آتيك إن احمرّ البسر كان قبيحا 2، فلما خالفت إذا «إن» وأخواتها فلم تكن للتعليق على الشرط المشكوك في وقوعه فارقتها، في حكمها فلم يجزم بها في السعة، بل تضاف إلى الجملة، وإذا وليها المضارع كان مرفوعا كقوله تعالى وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ 3، وأما في الشعر فساغ الجزم بها حملا على «متى» قال سيبويه 4: وقد جازوا بها في الشعر مضطرين شبهوها بإن وحيث رأوها لما يستقبل وأنها لا بد لها من جواب، قال قيس بن خطيم 5: 4021 - إذا قصرت أسيافنا كان وصلها... خطانا إلى أعدائنا فنضارب 6 القافية مكسورة 7، وقال الفرزدق: 4022 - ترفّع لي خندف والله يرفع لي... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد 8
................................ وأنشد الفراء 1: 4023 - استغن ما أغناك ربّك بالغنى... وإذا تصبك خصاصة فتجمّل 2 وقال الآخر 3: 4024 - وإذا نطاوع أمر سادتنا... لا يثننا بخل ولا جبن 4 قال الشيخ رحمه الله تعالى - يعني والده -: وليس قائل [هذا] مضطرا لأنه لو رفع: نطاوع لم يكسر الوزن ولم يزاحفه 5. وقد تهمل «متى» فيرفع الفعل بعدها حملا على «إذا» وهو غريب ومنه «إنّ أبا بكر رجل أسيف وأنّه متى يقوم مقامك رقّ» 6. وقد تهمل «إن» حملا على «لو» كما في الحديث الشريف: «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإنّك إن لا تراه فإنّه يراك» 7. وأجاز الجزم بـ «لو» في الشعر قوم منهم الشجري واحتج 8 بقول الشاعر: -
................................
4025 - لو يشأ طار به ذو ميعة... لا حق الآطال نهد ذو خصل 1
قال الشيخ رحمه الله تعالى 2: وهذا لا حجة فيه لأن من العرب من يقول:
جاء يجئ وشاء يشأ بترك الهمزة، فيمكن أن يكون قائل هذا البيت من لغته ترك همزة «يشاء» فقال: يشا، ثم أبدل الألف همزة كما قيل في: عالم وخاتم، عألم وخأتم، وكما فعل ابن ذكوان 3 في قوله تعالى: تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ 4.
والأصل: منسأة مفعلة من: نسأته: زجرته بالعصا، فأبدل الهمزة ألفا ثم أبدل الألف همزة ساكنة فعلى ذلك يحمل قوله: لو يشأ، وأما قول الشاعر:
4026 - تامت فؤادك لو يحزنك ما صنعت... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا 5
فهو من تسكين ضمة الإعراب تخفيفا كما قرأ أبو عمرو 6 وينصركم 7 - - الاستقبال كقولك: إن خرجت غدا خرجنا، ولا تفعل ذلك لو وإنما تقول: لو خرجت أمس خرجنا «ثم قال: «وقد جاء الجزم بلو في مقطوعة لامرأة من بني الحرث بن كعب» ثم ذكر ثلاثة أبيات ثانيهما بيت الشاهد.
انظر أمالي الشجري (1/ 186، 187)، فابن الشجري لم يجز الجزم بـ «لو» ولم يحتج لذلك كما هو واضح من هذا النص ولكنه حين رأي ذلك في البيت الذي أورده وهو: إن الوفاء كما اقترحت فلو تكن... حيا اذن ما كنت بالمزداد أراد أن يقول: أن هذا ليس بغريب فقد ورد الجزم بها عن الثقات من العرب.
................................
و (يشعركم) 1 وكما قرأ بعض السلف 2: ورسلنا لديهم يكتبون 3 بسكون اللام.
وأشار بقوله: «وقد يجزم مسبّب عن صلة الّذي تشبيها بجواب الشّرط» إلى ما أنشد ابن الأعرابي 4 من قول الشاعر:
4027 - لا تحفرن بئرا تريد أخا بها... فإنّك فيها أنت من دونه تقع
كذاك الّذي يبغي على النّاس ظالما... تصبه على رغم عواقب ما صنع 5
انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى.
واعلم أن «إذا» قد تقدم الكلام عليها مشبعا محررا في باب «المفعول فيه» 6 فالناظر بمراجعته ذلك يكتفي به عن غيره، ولا حاجة إلى الإطالة بإعادته هنا.
وأما جزم المسبب عن صلة الذي فقال الشيخ 7: «إنه مذهب الكوفيين قال:
وليس مذهب البصريين» انتهى.
هذا تنبيه من الشيخ على المذاهب لا دفع لما ذكره المصنف، فإن عبارته قد أشعرت بأن ذلك في غاية القلة، ولا شك أنه مسموع فأشار إلى أنه سمع، أما كونه مذهبا لقوم دون قوم فلم يتعرض إلى ذلك.
قال الشيخ 8: وقد يجزم أيضا مسبب عن نكرة موصوفة تشبيها بجواب الشرط قال الشاعر: -
[حكم تقديم معمول الشرط أو الجواب عليهما]
قال ابن مالك: (ويجوز نحو: إن تفعل زيد وفاقا لسيبويه، ونحو:
إن تنطلق خيرا تصب خلافا للفرّاء).
4028 - وكلّ امرئ بغى على النّاس ظالما... تصبه على رغم عواقب ما صنع 1
وقال الآخر:
4029 - وإنّ امرأ لا يرتجى الخير عنده... يكن هيّنا ثقلا على من يصاحبه 2
قال 3: وهذا كله ضرورة، ونظير هذا التشبيه دخول «الفاء» في الخير تشبيها بجواب الشرط نحو:
كلّ رجل يأتني فله درهم، والذي يأتني فله درهم، إلا أن هذا جائز في الكلام وذلك لم يسمع إلا في الشعر.
انتهى.
ولا يخفى أن بين الشبيهين في البابين فرقا، لأن «الفاء» إنما دخلت في الخير لشبه المبتدأ باسم الشرط وشبه الخبر بالجواب كما عرف ذلك في موضعه، ولهذا اشترطوا فيه أن يكون الخير مستحقا بالصلة أو الصفة.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 4: ويجوز في الشرط بـ «إن» تقديم معموله عليه وحده باتفاق، وأجاز سيبويه 5 والكسائي 6 نحو: إن طعامنا تأكل نكرمك، وفي الجزاء المجزوم بـ «إن» تقديم معموله عليه نحو: إن تكرمنا طعامك نأكل، وإن تنطلق خيرا تصب كما جاز مثله في الشرط، وأنشد الكسائي 7: -
................................
4030 - وللخيل أيّام فمن يصطبر لها... ويعرف لها أيّامها الخير تعقب 1
ومنع ذلك الفراء 2 وأوجب في الجزاء إذا تقدم معموله الرفع على القلب أو على تقدير «الفاء» نحو: إن تنطلق خيرا تصيب، وجعل «الخير» في البيت صفة لـ «الأيام».
وإن صدر الجزاء باسم يليه فعل مسند إلى ضميره فالوجه ذكر «الفاء» ورفع الفعل نحو: إن يفعل فزيد بفعل، وأجاز سيبويه 3 ترك «الفاء» والجزم نحو: إن تفعل زيد يفعل، ووجهه أن يكون الاسم مرفوعا بفعل مضمر يفسره الفعل الظاهر لصحة عمله في محل الاسم السابق لو خلا عن الشاغل، ومنع ذلك الفراء والكسائي 4، أما الفراء فمنعه له متّجه على أصله فإنه [5/ 159] لما منع عمل الجواب المجزوم فيما قبله وجب عليه أن يمنع تفسيره عاملا فيما قبله، وأما الكسائي فإنه يجيز عمل الجواب المجزوم فيما قبله، فقد كان ينبغي له أن يجيز تفسيره عاملا فيما قبله، اللهم إلا أن يكون مذهب الكسائي امتناع إضمار الفعل على شريطة التفسير إلا عند وجود الموجب لإضماره أو المرجّح أو المسوى، فحينئذ يكون نحو:
إن تنطلق زيد يفعل ممتنعا عند الكسائي لوجوب كون «زيد» مبتدأ، وكون الفعل خبره وامتناع جزم الخبر انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
والذي ذكره المصنف مسألتان:
أما الأولى:
وهي إن تفعل زيد يفعل فقال الشيخ 5: «قد اختلف رأي المصنف في هذه -
................................
المسألة، ففي هذا الكتاب وافق سيبويه، وفي شرح الكافية اختار المنع، وقال: أجاز ذلك سيبويه دون سماع، ومنعه الكسائي والفراء، وبقولهما أقول» انتهى.
وقد عرفت ما قاله بدر الدين من أن توجيه ذلك أن يكون ذلك أن يكون الاسم مرفوعا بفعل مضمر يفسره الفعل الظاهر لصحة عمله في محل الاسم السابق لو خلا عن الشاغل، إلا أن في ما قاله نظرا.
وأما المسألة الثانية:
فقد اقتصر المصنف فيها على ذكر حكم واحد وهو: تقديم معمول الجواب المجزوم عليه، وكلامه في الكافية يزيد على ذلك فإنه قال 1:
وقد يلي الجزاء ما فيه عمل... عند سوى الفرّا وشيخه قبل
كزيدا إن تسل يبن وكالمنى... إن تزك تبلغ رأياه حسنا
وقال في شرح ذلك 2: «مثال إيلاء الجزاء ما عمل فيه قول طفيل الغنوي:
4031 - وللخيل أيّام فمن يصطبر لها... ويعرف لها أيّامها الخير تعقب 3
قال: ولم يجز الفراء 4 مثل هذا، وهو محجوج بالنقل، وأجاز هو والكسائي 5 تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط، نحو: المنى إن تزك تبلغ، وأجاز الكسائي 6 وحده: زيدا تسأل يبن» انتهى.
فذكر ثلاث مسائل:
الأولى:
تقديم معمول الجزاء المجزوم عليه وذكر أن الفراء يمنعه.
الثانية:
تقديم معمول الجزاء على أداة الشرط، وذكر أن الكسائي والفراء يجيزان ذلك.
-
................................
الثالثة:
تقديم معمول الشرط على أداته، وذكر أن الكسائي وحده يجيزها.
وقد ذكر الشيخ 1 أن هذا الذي تقدم الكلام عليه ثبت في نسخة ابن المصنف قال 2:
«والذي ثبت في كتابي بعد قوله: خلافا لزاعمي ذلك، قوله: ولا يمنع جزمه تقديم معموله عليه، ولا يعمل في ما قبل الأداة إلا وهو غير مجزوم خلافا للكوفيين في المسألتين.
ثم شرح ذلك بأن قال 3: «مثال تقديم معمول الجواب المجزوم عليه: إن تأتني خيرا تصب قال: ونسب المنع إلى الكوفيين، والذي ثبت في نسخة ابن المصنف أن الذي خالف فيها هو الفراء وهو الصحيح لأن الكسائي وهو رأس الكوفيين وافق سيبويه في الجواز.
وقوله: ولا يعمل في ما قبل الأداة، أي: ولا يعمل فعل الجواب في ما قبل أداة الشرط إلا والفعل غير مجزوم مثال ذلك: خيرا إن أتيتني تصيب، فإن جزمت أجاز ذلك الكسائي والفراء ولا يجوز ذلك عند البصريين.
قال 4: وقول المصنف: ولا يعمل فعل الجواب في ما قبل الأداة إلا وهو غير مجزوم، ليس بصحيح لأن الفعل إذ ذاك ليس فعل جواب، بل الجواب محذوف والتقدير: تصيب خيرا إن أتيتني» انتهى.
وقد تبين أن كلامه في الكافية وشرحها أوضح وأجلى مما ذكره هنا، لكن بقى عليه أن يذكر تقديم معمول فعل الشرط على الأداة نحو: خيرا إن تفعل يثبك الله قال الشيخ 5:
«ومذهب البصريين والفراء (6) فيها المنع ومذهب الكسائي 6 الجواز» انتهى.
وأما تقديم معمول فعل الشرط وحده إذا كان الشرط بـ «إن» فقد عرفت جوازه باتفاق كما ذكر الشيخ بدر الدين ولد المصنف.
واعلم أن المصنف لما ذكر في شرح الكافية تقديم معمول الجزاء المجزوم عليه استدل بقول طفيل: -
[نيابة إذا الفجائية عن الفاء]
قال ابن مالك: (وقد تنوب إذا المفاجأة عن «الفاء» في الجملة الاسميّة غير الطّلبيّة).
4032 - وللخيل أيّام فمن يصطبر لها 1
جعل 2 من ذلك قول الآخر:
4033 - هل أنت بائعتي دمي بغلائه... إن كنت زفرة عاشق لم ترحمي 3
وكنت لما وقفت على ذلك كتبت على حاشية الكتاب: إن في الاستدلال بهذا البيت نظرا، لأن «زفرة عاشق» مع عامله الذي هو «لم ترحمي» من تتمة فعل الشرط وليس «لم ترحمي» جوابا بل هو خبر «كان» التي هي فعل الشرط، [ثم]
لما نظرت في شرح الشيخ وجدته قال 4: وقد وهم المصنف في شرح الكافية - يشير إلى هذا البيت - الذي فيه:
إن كنت زفرة عاشق لم ترحمي
قال: توهم أن: لم ترحمي جواب وليس كذلك، لأن «لم ترحمي» خبر لـ «كنت» والجزاء محذوف يدل عليه قوله:
هل أنت بائعتي دمي بغلائه
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 5: «يقوم مقام «الفاء» بعد «إن» الشرطية خاصة «إذا» المفاجأة في ربط الجزاء بالشرط، وإنما يكون ذلك إذا كان الجزاء جملة اسمية غير طلبية نحو: إن تقم إذا زيد قائم، لأن «إذا» المفاجأة لا تدخل على الجملة الفعلية ولا الطلبية، وإنما قامت مقام «الفاء» لأنها مثلها في عدم الابتداء بها وفي إفادة معنى التعقيب، قال سيبويه 6: سألت الخليل عن قوله تعالى: وَإِنْ -
................................
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ 1 قال: هذا معلق بالكلام [5/ 160] الأول كما كانت الفاء معلقة [بالكلام]، الأول، وهذا هاهنا في موضع قنطوا كما أن الجواب بالفاء في موضع الفعل، ومما يجعلها بمنزلة الفاء أنها لا تجيء مبتدأة كما لا تجيء الفاء مبتدأة ثم قال: وزعم الخليل أن إدخال الفاء على إذا قبيح ولو كان إدخال الفاء على إذا حسنا لكان الكلام بغير الفاء قبيحا فهذا قد استغنى عن الفاء كما استغنت الفاء عن غيرها فصارت إذا هنا جوابا كما صارت الفاء جوابا» انتهى.
وقال والده في شرح الكافية 2: ويقوم مقام الفاء في الجملة الاسمية إذا المفاجأة نحو قوله تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ وإنما قامت مقامها لأنها مثلها في عدم الابتداء بها فوجودها يحصل ما يحصل
بالفاء من بيان الارتباط» انتهى.
وعني الخليل بقوله «قبيح» يعني إدخال «الفاء» على «إذا» أنه ممتنع، قال الشيخ 3: ثبت في بعض النسخ: وقد ينوب بعد إن إذا المفاجأة والنصوص متظافرة في الكتب على الإطلاق في الربط بإذا الجملة الاسمية، ولكن السماع إنما ورد في إن من أدوات الشرط الجازمة، فيحتاج في إثبات ذلك في غير إن من الأدوات إلى سماع، وجاء جواب إذا بـ «إذا» الفجائية؛ قال الله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا 4 وقال تعالى: فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ 5.
وإنما قال المصنف: الاسمية، لأن إذا الفجائية لا تباشر الأفعال، ومثال الطلبية التي لا تباشرها إذا المذكورة قولك: إن عصى زيد فويل له، وإن أطاع فسلام عليه.
قال 6: وقد نقص المصنف قيدان في الجملة الاسمية:
أحدهما: أن لا تدخل عليها أداة نفي، فإن دخلت فلابد من الفاء نحو: إن تقم فما عمرو قائم، ولا يجوز إذا ما عمرو قائم.
-
[أحكام في تقديم جواب الشرط على الأداة]
قال ابن مالك: (فصل لأداة الشّرط صدر الكلام، فإن تقدّم عليها شبيه بالجواب معنى فهو دليل عليه وليس إيّاه خلافا للكوفييّن والمبرّد وأبي زيد، ولا يكون الشّرط حينئذ غير ماض إلّا في الشّعر، وإن كان غير ماض مع «من» أو «ما» أو «أيّ» وجب لها في السّعة حكم «الّذي» وكذا إن أضيف إليهنّ «حين» ويجب ذلك مطلقا لهنّ إثر «هل» أو «ما» النّافية أو «إنّ» أو «كان» أو إحدى أخواتها، أو «لكن» أو «إذا» المفاجأة غير مضمر بعدهما مبتدأ).
القيد الثاني: أن لا تدخل إنّ على الجملة الاسمية، فإن دخلت إنّ قلت: إن يقم زيد فإنّ عمرا قائم ولا يجوز: إذا إنّ عمرا قائم، وإن كان يجوز مع غير الشرط نحو قوله:
4034 - إذا إنّه عبد القفا واللهازم 1
انتهى.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 2: «لإن الشرطية صدر الكلام فلا يتقدم عليها ما بعدها، ولا يعمل فيها ما قبلها، ولا يكون مع الشرط والجزاء إلا كلاما مستأنفا أو مبنيا على ذي خبر أو نحوه كقولك: زيد إن يقم يقم أخوه، وكذا جميع أسماء الشرط فلذلك لو تقدم على أداة الشرط مفعول في المعنى لفعل الشرط أو الجزاء وجب رفعه بالابتداء وشغل الفعل بضمير مذكور أو مقدر خلافا للكسائي 3 في جواز: طعامك إن آكل يعجبك، وله وللفراء 4 في جواز طعامك -
................................
إن تذهب آكل، ولو تقدم على الأداة جملة هي الجواب في المعنى فليست هي نفس الجواب بل دليل عليه 1 وهي كلام منقطع عما بعده، وقد يكون حكمه مطلقا، وقد يكون مقيدا بشرط مقدر وإلا لزم تنجيز المعلق عليه تقديمه، وذهب الكوفيون 2 وأبو العباس 3 وأبو زيد الأنصاري 4 إلى أن المتقدم على الشرط نفس الجواب، ويرده أن حرف الشرط دال على معنى في الشرط والجزاء وهي الملازمة بينهما فوجب تقديمه عليهما كما وجب تقديم
سائر حروف المعاني على ما فيه معناها واحتج أبو زيد 5 على أن المتقدم هو نفس الجواب بمجيئه مقرونا بالفاء كقوله:
4035 - فلم أرقه إن ينج منها وإن تمت... فطعنة لا نكس ولا بمغمّر 6
وليس بشيء، لأن تقدير معطوف عليه خير من تقديم الجزاء على الشرط وتصدير حرف العطف، ولا يجوز أن يتقدم دليل الجواب على الشرط في السعة إلا إذا كان ماضيا نحو: آتيك إن أتيتني ولا يجوز: آتيك إن تأتني إلا في الشعر كما في قوله:
فلم أرقه إن ينج منها..... 7
قال سيبويه 8: وقبح في الكلام أن تعمل إن أو شيء من حروف الجزاء في الأفعال حتى يجزمها في اللفظ ثم يكون لها جواب ينجزم بما قبله، ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتني ولا تقول: آتيك إن تأتني إلا في الشعر، لأنك أخرت إن وما عملت فيه ولم تجعل لإن جوابا ينجزم بما قبله فهكذا أجرى هذا في كلامهم.
وإذا تقدم دليل الجواب وكان الشرط غير ماض مع «من» أو «ما» أو «أيّ» وجب لها في السعة حكم «الذي» - وإن كان المعنى على المجازاة - فلا تجزم -
................................
ويكون ما بعدها صلة وما قبلها عاملا فيها وذلك قولك: آتي من يأتني، وأقول ما تقول، وأعطيك أيّها تشاء، فترفع لأنه لما امتنع في السعة تأخير أداة الجزاء إذا جزمت ما بعدها حملوا هذه الأسماء على «الذي» لأنه لا قبح فيه، ولم يحملوها على الجزاء إلا في الشعر، وقد تقدم عند ذكر «فاء» الجواب حكاية كلام سيبويه في هذه المسألة فلا حاجة إلى إعادته.
ويجب حكم «الذي» أيضا لـ «من» أو «ما» أو «أيّ» إذا وقعت صفة وذلك في صور:
إحداها: أن يضاف إليها حين يعني ظرف زمان كقولك: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه، وإنما كرهوا الجزاء هاهنا لأنه ليس من مواضعه، لأن أسماء الأحيان لا تضاف إلى الجمل الشرطية، ألا ترى أنه لا يقال: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك 1، فلما كان قبيحا في «إن» قبح في سائر أخواتها ولم يرد إلا في الشعر كقول لبيد:
4036 - على حين من تكتب عليه ذنوبه... يجد فقدها إذ في المقام تدابر 2
الوجه حمله على حذف ضمير الشأن، والمعنى: على حين الشأن من تكتب عليه ذنوبه يجد فقدها كما تقول: أتذكر إذ نحن من يأتنا نأته 3، لأن الجملة الشرطية تصح أن تكون خبرا [5/ 161] ولا يصح أن تكون مضافا إليها.
الثانية: أن تقع بعد «هل» كقولك: هل من يأتينا نأتيه؟ فليس لك في نحو هذا إلا الرفع لأن «من» موصولة ولا يجوز جعلها شرطية لأن «هل» لا يستفهم بها عن الشرطية فلا يقال: هل إن تقم أقم، ولو كان الاستفهام بالهمزة جاز وكون «من» شرطية لأنه توسّع في الهمزة فاستفهم بها عن الجمل الشرطية كما يستفهم بها عن غير ذلك كقولك: أإن تأتني آتك؟ فلما حسن دخولها على [إن حسن -
................................
دخولها على] أخواتها فيقال: أمن يأتنا نأته.؟ وإن لم يجز مثله في «هل».
الثالثة: أن تقع بعد «ما» النافية كقولك: ما من يأتينا نأتيه، وما أيّها تشاء أعطيك، فيرفع ما بعد الاسم لأنه موصول، ولا يجوز الجزم وجعل الاسم شرطا لأن «ما» لا تنفي الجملة الشرطية فلا يقال: ما إن تأتنا نأتك، فلما لم يجز ذلك في «إن» لم يجز فيما سواها، ولو كان النفي بـ «لا» لم يجب لما ذكر حكم «الذي» فيجوز جعله شرطا فيجزم ما بعده كقولك لا من يأتك تعطه 1، ولا من تعطه يأتك، لأنهم لما توسّعوا في «لا» فقدموا العامل عليها ونفوا بها المفرد والجملة نفوا بها الجملة الشرطية أيضا كقولك: لا إن أتيناك أعطيتنا، ولا إن بعدنا عنك عرضت علينا، قال ابن مقبل:
4037 - وقدر ككفّ القرد لا مستعيرها... يعار ولا من ذاقها يتدسّم 2
الرابعة: أن تقع بعد «إن» أو إحدى أخواتها كقولك: إنّ من يأتيني آتيه، وليت ما أقول تقول، فترفع لأنك لما أعملت «إنّ» في «من» وجب أن تكون موصولة لأن الشرطية لا يعمل فيها لفظ قبلها إلا أن يكون حرف جر نحو: بمن تمرر أمرر 3 وعلى أيّها تركب أركب 4 لأنه معدّ لفعل الشرط إلى الاسم فصار مع الفعل بمنزلة فعل وصل إلى الاسم بغير حرف جر، فلما لم يعمل في الأسماء الشرطية لفظ قبلها غير حرف الجر وجب فيما وقع قبلها بعد «إنّ» أو إحدى أخواتها أن يكون موصولا؛ لأن هذه الحروف لا تدخل على «إن» الشرطية لأنها مختصة بالأسماء، ولا تدخل على ما تضمن معنى «إن» إلا في الشعر، ولا يكون ذلك إلا على حذف الاسم، قال الأعشى: -
................................ 4038 - إنّ من لام في بني بنت حسّا... ن ألمه وأعصه في الخطوب 1 وقال أمية بن أبي الصلت: 4039 - ولكنّ من لا يلق أمرا ينوبه... بعدّته ينزل به وهو أعزل 2 قال سيبويه 3: فزعم الخليل أنه إنما جازي حيث أضمر الهاء وأراد: إنّه ولكنّه. الخامسة: أن تقع بعد «كان» أو إحدى أخواتها كقولك: كان من يأتيني آتيه، وليس من يأتيني آتيه 4، فترفع بعد «كان» و «ليس» كما ترفع بعد «إنّ» وأخواتها، ويجوز الجزم على أن يضمر في «كان» ضمير الشأن فتقول: كان من يأتني آته، وليس من يأتنا نحدّثه 5، لأنك جعلت الجملة خبرا فجاز على حد قولك: كنت من يأتني آته، ولست من يأتني أحدّثه. السادسة: أن تقع بعد «لكن» المخففة غير مضمر بعدها مبتدأ كقولك: ما أنا ببخيل ولكن من يأتيني أعطيه، فترفع لأنك لما لم تضمر قبل «من» مبتدأ وجب أن تكون موصولة، لأن «لكن» لا تدخل على الجملة الشرطية، ولك أن تجزم على جعل «من» الشرطية وإضمار مبتدأ قبلها كما أضمر بعد «لكن» في غير ذلك نحو: ما زيد عاقلا ولكن أحمق، فتقول: ما أنا ببخيل ولكن من يأتني أعطه 6 كما قال: ولكن متى يسترفد القوم أرفد 7
................................
تقديره: ولكن أنا متى، ولا يجوز في «متى» ولا غيرها من الظروف أن توصل بالفعل كما توصل «من» و «ما» و «أىّ»، ولا تقع في شيء من الصورر المذكورة إلا على تقدير مبتدأ قبلها.
السابعة: أن تقع بعد «إذا» المفاجأة غير مضمر بعدها مبتدأ كقولك: مررت به فإذا من يأتيه يعطيه بالرفع، لأنك لم تضمر قبل «من» مبتدأ فتعين أن تكون موصولة لأن «إذا» المفاجأة لا تدخل على الشرط والجزاء، ولك أن تضمر قبل «من» مبتدأ، وتجزم قال سيبويه 1: «وإن شئت جزمت لأن الإضمار يحسن هنا ألا ترى أنك تقول: مررت به فإذا أجمل الناس، ومررت به فإذا أيّما رجل، فإذا أردت الإضمار فكأنك قلت: مررت به فإذا هو من يأته يعطه، فإن لم تضمر وجعلت إذا تلي «من» فهى بمنزلة «إذ» لا يجوز فيها الجزم» انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وبعد ذلك لا بد من الإشارة إلى أمور:
منها: أن المصنف 2 قد ذكر أن أداة الشرط لها صدر الكلام، وهذا هو الذي عليه جمهور البصريين، فحكمها في الصدارة حكم أدوات الاستفهام وحكم «ما» النافية ومقتضى إجازة الكوفيين والمبرد وأبي زيد تقديم الجواب عليها أن لا يكون لها الصدر قال الشيخ 3: ذكر المصنف مذهبين:
أحدهما: أنه يجوز تقديم جواب الشرط عليه.
والثاني: المنع، قال: وترك مذهبين آخرين:
أحدهما: مذهب المازني 4 وهو أنه إن كان ماضيا فلا يجوز تقديمه، وإن كان مضارعا جاز.
والثاني: مذهب بعضهم وهو أنه يجوز تقديم الجزاء فيما كان الشرط فيه ماضيا أو كانا معا ماضيين، قال: فصارت المذاهب في المسألة أربعة، قال: فأما من منع 5 وجعل المتقدم في نحو: أقوم إن قمت هو دليل الجواب فاستدل بعدم جزمه، -
................................
وبعدم دخول الفاء عليه، وبأن الجواب مسبب عن الشرط، والمسبب لا يتقدم على سببه، وبالتفرقة في المعنى بين التقديم والتأخير، فإنك في التقديم وفي التأخير تثبت الكلام أولا على الشرط «ثم قال 1: وأما من أجاز تقديم الجواب على الشرط فمستنده أن الأصل في الكلام أن لا حذف وإذا أمكن استقلال الكلام فلا حاجة إلى تقدير شيء زائد، وأما تخلّف بعض آثار التأخر لأجل التقديم فلا يدل ذلك على الحذف لأن ترك العمل إن قلنا: إن العامل هو الحرف - كما هو القول الأصح - فقد ضعف عمله بالتقدم عليه ولم تبلغ الحروف من القوم في العمل أن تعمل متقدمة مثلها متأخرة، وإن قلنا إن العامل هو المجاورة فشرط عمل المجاورة كونه تابعا لما جاوره، وقد زالت التبعية فزال العمل، وأما كون الفاء لا تدخل حالة التقدم فإنما كان ذلك لأن الفاء خلف عن العمل والعمل مفقود حالة التقديم فكذلك الفاء [5/ 162] وأيضا فإن الفاء إنما هي للعطف وقد زال نظام العطف» انتهى.
وأقول: إن الأمر لا يفتقر إلى شيء من ذلك لأن الصدارة إذا كانت ثابتة لأدوات الشرط كان ذلك كافيا في منع تقديم الجواب.
واعلم أنه قد تقدم احتجاج أبي زيد على أن المتقدم هو نفس الجواب بقول القائل:
4040 - فلم أرقه إن ينج منها.... البيت
ورد الإمام بدر الدين ذلك بقوله: «إن تقدير معطوف عليه خير من تقديم الجزاء على الشرط فذكر الشيخ ذلك 2 ثم قال 3: ما ذهب إليه أبو زيد في البيت المذكور سهو لأن الفعل المنفي بلم الواقع جزاء لا تدخله الفاء تقول: إن قمت لم أقم ولا يجوز:
إن قمت فلم أقم، فدخل الفاء الجزائية على: لم أرقة لا يجوز إذا كان متأخرا فكيف إذا كان متقدما؟ وإنما هي للعطف على جملة متقدمة في اللفظ أو في التقدير».
ومنها: أنك قد عرفت أنه إذا تقدم دليل الجواب تعيّن أن يكون فعل الشرط ماضيا، ولا يجوز أن يكون غير ماض إلا في الشعر 4، وعلة ذلك 5 أن الأداة -
................................
تقتضي الجملتين فإذا حذفت جملة الجزاء على مذهب أو قدمت على مذهب لم يكن إذ ذاك للأداة تأثير في الجملة إما لحذفها أو لتقديمها، قالوا 1: فلما لم تؤثر في الجملة الجزائية كان ذلك إضعافا لها فأتى بجملة الشرط ماضية حتى لا يظهر فيها تأثير، إذ لو ظهر لها [فيها] تأثير لكانت من حيث ظهور التأثير في الشرط قوية، ومن حيث عدم ظهوره في الجزاء ضعيفة، فنكبوا عنه، أما الشعر فلما كان محلّ الضرورة جاز فيه ذلك، والمنقول عن الكوفيين سوى الفراء 2 أنهم يجيزون في الكلام أن يكون فعل الشرط مستقبلا عند حذف الجواب أو تقديمه على رأيهم فيجيزون: أنت ظالم إن تفعل.
ومنها: أن الشيخ قال 3: «والأشياء التي ذكرها المصنف بعضها مما أخرج أسماء الشرط إلى الموصولية وجوبا أو جوازا يريد: أن يعقد فيها عقدا يشمل ما يجوز من ذلك وما يمتنع وما يوجب» فذكر تقسيما أطال فيه ولخصه في «ارتشاف الضرب» له فاقتصرت على ما ذكر في «الارتشاف» وهو أنه قال 4: «فالداخل على هذه الأدوات إما عامل معنوي فيجوز أن يكون الاسم موصولا واسم شرط مبتدأ خبره جملة الشرط لا هي وجملة الجزاء معا خلافا لبعضهم، وإما لفظي عامل في الجمل مما لا يعلق نحو «كان» وأخواتها و «ما» الحجازية، و «لا» العاملة عمل «إنّ» فيتعيّن الوصل إلا في ما يصح فيه إضمار الشأن فيجوز الوصل، ولا يكون في أفعال المقاربة، وقيل: يجوز في «عسى» 5، أو مما يعلّق كـ «ظننت» وأعملتها في الأول جاز الأمران نحو: ظننت زيدا من يأتيه يعطيه ومن يأته يكرمه، أو لم تعملها فيه فالظاهر من قول المبرد (6) أنه لا يجوز الشرط، ومن قول غيره 6 أنه يجوز وتعلق عنها، أو غير عامل في الجملة الابتدائية فعلا فلا يصح دخوله، أو عاملا في الأفعال فلا يصح دخول لا على حرف الشرط ولا اسمه، ولا إن كان -
................................ موصولا أو عاملا في الأسماء كحروف الجر، فإن تعلقت بفعل أجنبي عن الشرط والجزاء رجعت إلى الوصل نحو: أتصدّق على من يسأل وأدعو من يسمع فيجيب، فإن كان المجرور في موضع خبر محذوف فمن جعل العامل فعلا أو اسم فاعل منع الشرط، ومن جعله نفس الخبر أجاز نحو: زيد في أي مكان يكون أكون أو في [أي] مكان يكن أكن، وإن تعلق بالجزاء بطل الشرط نحو: بمن تمرّ أمرّ أو بفعل الشرط جاز بقاء الشرط، فإن شغلت كلا من الفعلين بضمير نحو: بمن تمرر به أمرر به فالوصل والشرط، ولا بد لحرف الجر الداخل على اسم الشرط إذا ذاك إضمار فعل يتعلق به التقدير: بمن تمرر أمرر به، وإن حذفت الضمير منهما تعلق بأحدهما، فإن كان بالفعل الذي يليه فالجزم، أو بالفعل مقدر جزاء فالوصل، وحذفه من هذا ضعيف، ويضعف إن اختلف نحو: بمن تمرّ أنزل، وكحرف الجر الاسم الذي يضاف إلى اسم الشرط، فإن عمل فيه الجزاء رفعت، أو الشرط جزمت، أو غير ذلك فلا بد أن يكون جملة، فإن شاركت الشرط في معناه فلا تدخل على جملة الشرط كـ «إذا» و «لمّا» و «لو» وإن لم تشارك وشأنه أن يغير لفظ ما دخل عليه إلى لفظ آخر كالنهي، واعتمد عليه حرف جواب الشرط إلى نفسه أو معتمدا على غيره فالشرط على ما كان عليه، أو شأنه أن لا يغير وهو مخصوص ببعض الجمل أو أكثرها نحو المختص بالجمل الابتدائية كـ «إنّ» وأخواتها إذا كفّت و «لام» الابتداء، و «لكن» المخففة، و «ما» التميمية، و «أمّا»، و «لولا»، والظروف المضافة إلى الجمل نحو «إذ» و «إذا» الفجائية و «حيث»، ونحو المختصة بالفعلية كالظروف غير اللازمة للإضافة إذا أضيفت نحو «حين» و «يوم» ونحوه، فالمختصة بالاسمية الوجه أن لا تدخل عليها، فإن دخلت كانت موصولة ويصير الفعل إلى الصلة، وأجاز المبرد 1 في هذا كله أن تدخل على الشرط، وقد أجازه سيبويه 2 على ضعف، وأحسن ما يجوز ذلك فيه في الأسماء المبتدأة ثم تحمل عليه «إن» فإن كان مما لا يجوز الإضمار بعده مبتدأ جاز الشرط مطلقا، والمضاف إلى الفعلية بمنزلة ما تقدم، ويجوز فيه ما جاز في تلك على ضعف، وغير المخصوص -
................................
صحّ دخوله عليه وذلك أفعال نحو: قال وسمع، وجميع أفعال الحكاية، وحروف كالحروف العاطفة، وكحرف الاستفهام وهو «الألف» وحده، أما أسماؤه فلا تدخل على الشرط، وتقدّم خلاف يونس في الهمزة إذا دخلت على الشرط وبمنزلة «ألف» الاستفهام في هذا «لا» غير العاملة، وأما «ما» التميمية فجوزها المبرد 1 وأبو علي (2)، وأما الحجازية إذا ألغيت بسبب «إن» فينبغي أن لا تدخل لأنها عاملة لولا «إن» فهي كإن انتهى.
ومنها: أن الشيخ أنشد 2 بيتا لمقصد وهو قول الشاعر:
4041 - وإنّ الكثيب الفرد من جانب الحمى... إليّ وإن لم آته لحبيب 3
والمقصد الذي ذكر له البيت هو: أنه يردّ بذلك على يدّعى أن المتقدم على الشرط مما يفيد الجواب يكون نفسه جوابا، قال 4 لأن الشرط قد عطف ولو كان الأول جوابا لم يعطف عليه الشرط لأن رتبة الجواب متأخرة عن رتبة الشرط، فلو عطف لصار المتأخر متقدما فيبطل الجزاء [5/ 163] وأقول: لا يخفي ضعف هذا الكلام، ثم إن عطف الشرط على ما هو دليل الجواب لا يعقل من حيث المعنى ولا توجيه له من حيث الصناعة النحوية.
ثم إن الشيخ نقل (6) عن ابن جني أن هذه «الواو» عنده واو الحال، فالجملة الشرطية عنده في هذا البيت وما أشبهه حال فإذا قلت: أقوم وإن غضبت فالتقدير:
أقوم وإن كانت الحال هذه.
ثم إنه نقل 5 عن بعضهم إفساد قول ابن جني بما هو غير ظاهر، وأطال القول في ذلك ثم 6 قال: «والذي يظهر لي أن الواو الداخلة على الشرط في مثل: أقوم -