[علامات الفعل]
قال ابن مالك: (ويعتبر الفعل بتاء التّأنيث السّاكنة، ونون التّوكيد الشّائع ولزومه مع ياء المتكلّم نون الوقاية؛ وباتصاله بضمير الرّفع البارز).
فالعين: هو ما يقوم بنفسه، والمعنى: هو ما يقوم بغيره، وكل من العين والمعنى إما اسم وإما وصف؛ لأن الدال على العين إما دال عليها دون تعرض لقيد، وهو المعبر عنه باسم عين، وإما دال عليها مع قيد، وهو المعبر عنه بوصف العين.
وكذا الدال على المعنى يقال فيه ذلك فالأقسام أربعة:
الأول: كرجل وامرأة، الثاني: كعالم وحاكم، الثالث: كعلم وحكم.
الرابع: كجلي وخفي.
وعلم من هذا: أن المراد بقوله: اسما: قسيم الوصف، والاسم المقسم هو قسيم الفعل والحرف.
فهما أمران ولهذا يصح أن يقال:
الاسم ينقسم إلى اسم وصفة.
والمعنى المذكور هنا غير المعنى في قولهم: الاسم يدل على معنى في نفسه، فالمعنى الذي في الحد أعم من المعنى الذي هو قسيم العين، إذ يطلب على العين، وقسيمه الذي هو المعنى، فللمعنى مدلولان كما أن للاسم مدلولين 1.
قال ناظر الجيش: اعتبار الفعل أيضا بأشياء:
منها: تاء التأنيث الساكنة:
وقيدت بالسكون؛ تحرزا من المتحركة؛ فإنها تلحق الاسم، وهي علامة تميز -2345
................................
الفعل الماضي، كما سيأتي، متصرفا كان أو غير متصرف، نحو: إن زكت هند فعست تفلح 1، ونعمت المرأة هي [1/ 28].
قال المصنف 2: «ما لم يكن أفعل للتّعجّب».
واستقصر الشيخ هذه العبارة، وقال: كان ينبغي أن يقول: ما لم يلزم تذكير فاعله؛ ليدخل فيه أفعال الاستثناء:
عدا وأخواتها.
انتهى 3. وهو نقد جيد.
ومنها: نون التوكيد:
وتلحق من الأفعال: المضارع والأمر وقد تلحق من الماضي: اللفظ المستقبل المعنى، كقول الشاعر:
8 - دامنّ سعدك إن رحمت متيّما... لو لاك لم يك للصّبابة جانحا 4
ومنه ما ورد في الحديث: «فإمّا أدركنّ واحد منكم الدّجّال» 5.
فدامنّ مستقبل؛ لأنه دعاء، وكذا أدركنّ؛ لوقوعه بعد إن الشرطية.
وقد تلحق أفعل في التعجب.
ويذكر ذلك في مكانه إن شاء الله تعالى 6.
وقيد المصنف النون المذكورة بالشائع؛ تحرزا من لحوقها الاسم شذوذا في قول الراجز: -
................................
9 - أقائلنّ أحضروا الشّهودا 1
فإنه غير شائع.
وهذا الاحتراز يوهم بظاهره أن ثمّ نونين، وقد كان يغنيه أن يقول: وشذ لحوقها الاسم.
ومنها: لزومه مع ياء المتكلم نون الوقاية:
ويلحق المتعدي من الأفعال ماضيا ومضارعا وأمرا.
وقيد اللزوم مخرج للحروف التي تلحقها النون المذكورة؛ فإن لحوقها إياه على سبيل الجواز وليس لازما.
قال الشيخ: «قد وجدنا نون الوقاية تلزم مع ياء المتكلّم في غير الفعل ووجدنا فعلا تتّصل به الياء، ولا تلزم معه النّون، فالأول: عليكي، ولا يجوز عليكي فيه، ولا فيما أشبهه؛ فقد لزمت اسم الفعل، والثاني: فعل التعجب؛ فإن النون فيه غير لازمة فيقال: ما أكرمي» انتهى 2.
أما الأول: فقد يجاب عنه بمنع لزوم النون فيه مع الياء؛ لأن لنا أن نعمل هذا -
[أقسام الفعل]
قال ابن مالك: (وأقسامه: ماض، وأمر، ومضارع).
الاسم في الياء بطريق آخر؛ فنقول في عليكني: عليك بي حكاه سيبويه 1.
وكذا يقال في: رويدني رويد لي؛ فعلى هذا لا مندوحة في الفعل عن النون، وأما في اسم الفعل فثم مندوحة.
وفي هذا الجواب نظر: وهو أن يقال: لزوم النون إنما هو مع اتصال الياء بالكلمة.
وحيث اتصلت بعليك أو برويد لزمت النون مطلقا.
وأما الثاني: فيجاب عنه بأن المذكور خاصة وليس من شرط الخاصة الانعكاس، أي: لا يلزم من عدمها العدم، فلا يلزم من عدم لزوم النون في فعل التعجب عدم فعليته.
وهو ظاهر 2.
ومنها: اتصاله بضمير الرفع البارز:
فقيد الضمير بالرفع احترازا من ضميري النصب والجر؛ لجواز اتصال الاسم والحرف بهما.
وقيد بالبارز؛ لأن
المستتر يتصل بالاسم أيضا 3. وأما البارز إذا كان مرفوعا، فمختص بالفعل نحو: قاما ويقومان وقوما.
قال ناظر الجيش: لما فرغ من ذكر علامات الفعل، أراد أن يذكر أقسامه الأولية التي يترتب عليها معرفة ما هو مبني، وما هو معرب، وما هو منها مبهم، وما هو مختص بأحد الأزمنة الثلاثة.
واعلم أن الأفعال في الحقيقة إنما هي المعاني القائمة بالفاعلين، أو الصادرة عنهم.
ولها ألفاظ تدل عليها، كالقعود والضرب مثلا.
وهي تستلزم زمانا غير معين.
والأزمنة ثلاثة: متقدم ومنتظر بالنسبة إلى زمن الإخبار: وهما الماضي والمستقبل، -
................................
وزمن الإخبار [1/ 29] وهو الحال، ولنا حاجة إلى الدلالة على الزمان المعين؛ فاشتق من الألفاظ الدالة على هذه المعاني صيغ تفيد المعنى الذي تفيده تلك.
ويفيد مع ذلك زمانا معينا، ولزم أن تكون ثلاثة ألفاظ بحسب الزمان.
وسميت الألفاظ المشتقة أفعالا، وأما الألفاظ المشتق منها فسميت أحداثا ومصادر، وقد تسمى أفعالا باعتبار الأصل.
ولو قيل: إنما انقسمت الأفعال إلى ثلاثة لأن دلالة الكلام منحصرة في الطلب والخبر، فلا بد من صيغ تميز بينهما، فوضعوا للطلب صيغة الأمر، والخبر إما عن ماض أو حال أو مستقبل؛ فوضعوا للأول صيغة الماضي، وللآخرين صيغة واحدة وهي المضارع - لكان أحسن.
وحذا المصنف في ذلك: الماضي أولا ثم الأمر ثم المضارع، حذو سيبويه؛ فإنه قال 1: «وأمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، فبنيت لما مضى، ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع» 2.
ومثل للأول بذهب، والثاني باذهب ويذهب، ثم بيّن أن يذهب وشبهه يراد به الحال أيضا.
قال المصنف: «وكأنّ سيبويه لحظ في هذا التّرتيب أنّ المضارع لا يخلو من زيادة، وأن الماضي والأمر يخلوان منها كثيرا، والمتجرد من الزّيادة متقدم على المتلبس بها؛ فقدّم ما له من التجرد نصيب على ما لا نصيب له فيه، وتجرد الماضي أكثر من تجرد الأمر فقدّم عليه» 3.
وعند الكوفيين أن الأمر مقتطع من المضارع؛ فإذا تكون القسمة ثنائية 4.
[علامات الفعل الماضي والمضارع]
قال ابن مالك: (فيميز الماضي التّاء المذكورة، والأمر معناه ونون التّوكيد، والمضارع افتتاحه بهمزة للمتكلّم مفردا، أو بنون له عظيما، أو مشاركا، أو بتاء للمخاطب مطلقا وللغائبة والغائبتين، أو بياء للمذكّر الغائب مطلقا، والغائبات).
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الفعل ينقسم إلى ثلاثة أقسام، شرع في ذكر ما يميز كل قسم منها.
أما الماضي: فيميزه: تاء التأنيث الساكنة.
وإليها الإشارة بقوله: التاء المذكورة.
وقد تقدم أنها تميز الماضي متصرفا كان أو غير متصرف.
ولم تلحق فعل الأمر؛ للاستغناء عنها بياء المخاطبة ولا المضارع للاستغناء عنها بتاء المضارعة، نحو: هي تفعل 1، ولأنها ساكنة والمضارع يسكن للجزم.
فلو لحقته التقى فيه ساكنان، ولأن لحاقها الاسم أصل؛ إذ مدلولها فيه.
ولحاقها الفعل فرع؛ لأن مدلولها ليس فيه، إنما هو فيما أسند إليه.
ولما فتح ما قبلها لزوما في الذي هي أصل فيه، وكان الماضي مفتوح الآخر وضعا - ناسب اختصاصه بها دون غيره لذلك.
وبهذه التاء يتميز الفعل الماضي من اسمه.
ومن أجل ذلك حكم بفعلية افترق وباسمية شتان 2.
وأما الأمر: فيميزه مجموع أمرين: معنى الأمر ونون التوكيد.
ولا يكفي أحدهما؛ لأن اسم فعل الأمر يشارك الأمر في معناه، كصه ونزال وشبههما.
ولا يحكم بفعليته لعدم صلاحيته لنون التوكيد، والمضارع يشارك الأمر في قبول النون، نحو: هل تقومن؟ ولا يحكم عليه بأنه أمر؛ لعدم معنى الأمر فيه.
- - (خلا وعدا)، وإلى المفرد والمركب (حبذا).
وفي علم التصريف: إلى صحيح ومهموز، ومثال، وأجوف، ولفيف، ومنقوص، ومضعف، وغير ذلك من الانقسامات.
انظر التذييل والتكميل (1/ 68).
................................
وأما المضارع: فيميزه: أمور:
السين، وسوف، ولم، ولن، وكي، وافتتاحه بأحد أحرف نأتي، وهي الهمزة بشرط أن تشعر بمدلول أنا، والنون بشرط إشعارها بمدلول نحن، والتاء بشرط إشعارها بحضور أو تأنيث، والياء بشرط إشعارها بغيبة.
قال المصنف: «والإحالة على الافتتاح بأحد هذه الأحرف المشعرة بما ذكر، أولى من الإحالة على سوف وأخواتها؛ لأن افتتاحه بها لازم لكل مضارع، وليست الصّلاحية لسوف وأخواتها؛ إذ من المضارع ما لا يدخل عليه شيء منها، كأهاء وأهلمّ، ولا يقعان غالبا إلا بعد لا أو لم 1.
وتقييد الأحرف الأربعة بالمعاني المذكورة واجب؛ لأن أمثالها في اللّفظ قد يفتتح بها الماضي، نحو: أكرم وتكرم ونرجس الدواء، إذا جعل فيه نرجسا، ويرنأ الشيب إذا خضبه باليرناء وهو الحناء 2.
ونعود إلى لفظ المتن:
[1/ 30] قوله: بهمزة للمتكلم، مثاله: أقوم وأكرم وسواء أكان المتكلم مذكرا أم مؤنثا لا يختلف الحال.
وقوله: أو مشاركا، يجوز فيه كسر الراء وفتحها.
والمشاركة قد تكون من واحد مذكرا كان أو مؤنثا ومن أكثر كذلك.
وقوله: أو بتاء للمخاطب مطلقا، أي: سواء أكان مذكرا، أم مؤنثا، أم مفردا، أم مثنى، أم مجموعا.
وقوله: وللغائبة، أي: سواء أكانت ظاهرة أم مضمرة، حقيقية التأنيث أو مجازيته نحو: تقوم هند، وهند تقوم،
وتنفطر السماء، والسماء تنفطر.
-
................................ قوله: والغائبتين هو كما تقدم، نحو: تقوم الهندان والهندان تقومان، وتدمع العينان والعينان تدمعان. وذكروا ها هنا صورة: وهي إذا قلت: الهندان هما يقومان، والعينان هما يدمعان، فهل يكون بالتاء حملا على الظاهر، وبالياء حملا على هما؛ لأن لفظه لفظة ضمير الغائبين المذكرين؟ منهم من قال بالأول ومنهم من قال بالثاني. قال الأبذي 1: القول بأن يكون بالياء باطل؛ لا تستعمل العرب الفعل هنا الا بالتاء؛ لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها، يعني أن الضمير يجري مجرى ظاهره؛ فكما يقال: الهندان تخرجان كذلك يقال: هما تخرجان. ثم أنشد قول عمر بن أبي ربيعة 2. 10 - أقصّ على أختيّ بدء حديثنا... وما لي من أن يعلما متأخّر لعلّهما أن تبغيا لك حيلة... وأن ترحبا سربا لما كنت أحصر 3
................................
فقال: أن تبغيا، وأن ترحبا بالتاء، وقد تقدم لفظهما، وهو ضمير الأختين.
ثم ها هنا بحثان:
الأول:
قال الشيخ: «كان ينبغي للمصنف أن يزيد هنا: وللغائب إن حمل على مؤنّث، نحو:
تجيء كتابي على معنى الصحيفة، أو أضيف إلى مؤنث، يجوز أن يلفظ بذلك المؤنث وأنت تريد المذكر، نحو: تجتمع أهل اليمامة، وتذهب بعض أصابعه.
أو كان فيه علامة تأنيث، نحو: تقوم طلحة وتعدل الخليفة [1/ 31] وهذا قليل.
أو أسند إلى ظاهر الجمع المذكر غير السالم وأردت معنى جماعة، أو إلى ضميرهم أو ضمير غائبات» انتهى 1.
وهذا الذي ذكره بعينه استدركه الأبذي على الجزولي 2 فنقله منه 3. - - لفظه وهو الظاهر، كما استشهد به على جواز اقتران خبر لعل بأن (الدرر: 1/ 113). والبيتان في التذييل والتكميل (1/ 75) وفي معجم الشواهد (ص 53).
................................
وأقول: ليس هذا استدراكا على الجزولي، ولا على المصنف؛ وذلك أنهما أعطيا قانونا كليّا أن التاء للغائبة، فمتى كان الفعل للغائبة جيء بالتاء فيه، وهذه المواضع المذكورة إنما جيء بالتاء في أفعالها؛ لتأولها بمؤنث كما تقدم؛ فلم تدخل التاء إلا في فعل مؤنث؛ فالصور التي أشار إليها مندرجة فيما ذكر.
وليس في كلام المصنف أن التاء لا تكون إلا في فعل المؤنث بالوضع؛ بل التأنيث أعم من أن يكون بالوضع أو بالتأويل، أو يقال: التاء في الأصل إنما هي لفعل المؤنث بالوضع.
وأما المؤنث بالتأويل فدخول التاء في فعله فرع.
وهو بالحمل على ما تأنيثه بالأصالة.
والمصنف إنما يشير هنا إلى ما يستحق التاء بطريق الأصالة.
وأما ما يحمل على ذلك، فقد ذكره في غير هذا الموضع، فقال في باب الفاعل:
«وتلحق الماضي المسند إلى مؤنّث أو مؤوّل به أو مخبر عنه أو مضاف إليه مقدّر الحذف تاء ساكنة» 1.
ونبه في الباب أيضا على حكم يقوم الزيود، ويقوم الزيدون 2.
وقال في باب المضمر 3: «ويأتي ضمير الغائبين كضمير الغائبة كثيرا لتأولهم بجماعة فأتى بكلّ شيء في مكانه».
البحث الثاني:
ينبغي أن يقول المصنف: والغائبات، بعد قوله: والغائبتين، نحو: تقوم الهندات وتقوم الهنود.
وقد يجاب عنه بأنه إنما يذكر ما تكون التاء في فعله ظاهرا أو مضمرا، وهذا القسم ليس كذلك.
وليس هذا الجواب بشيء.
قوله: أو بياء للمذكّر الغائب مطلقا أي: سواء كان مفردا أو مثنى أو مجموعا، - - غيره، وللواحد المعظم نفسه، والياء للغائب المذكر مطلقا وللغائبات، والتاء للمخاطب مطلقا، وللغائبة والغائبتين.
انظر (ص 34) من كتاب: المقدمة الجزولية في النحو، تحقيق شعبان عبد الوهاب محمد.
................................
ظاهرا أو مضمرا، عاقلا كان أو غير عاقل.
وقوله: والغائبات، يشمل كل جمع لهن، وهو صحيح في المكسر عاقلا أو غير عاقل، مظهرا كان أو مضمرا 1 وفي المسلم إن كان التأنيث فيه غير حقيقي مظهرا كان أو مضمرا.
نحو: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ 2. وأما في المسلم الحقيقي الظاهر نحو: يقوم الهندات، فمذهب البصريين أن الياء لا تجوز، وهو يختار مذهبهم، أما في المضمر، فنعم؛ بل لا تجوز أصلا التاء، نحو: الهندات يقمن.
وقال الشيخ هنا أيضا: «كان ينبغي للمصنف أن يزيد: وللغائبة إن كانت مضافة إلى مذكّر هي بعضه، ويجوز أن تلفظ بالمذكر وأنت تريد المؤنث، نحو:
يقطع يد زيد؛ لأنك تقول: تقطع زيد، وأنت تريد يد زيد، أو كانت فصل بينها وبين الفعل بشيء، نحو: يحضر القاضي اليوم امرأة» إلى آخر كلامه 3، وهو بعينه استدراك الأبذي على الجزولي.
والجواب عن المصنف والجزولي ما تقدم في التاء فلا نعيده.
واعلم أنه قد ذكر لزيادة هذه الأحرف الأربعة دون غيرها من حروف الزيادة مناسبة:
قالوا: أولى الأحرف بالزيادة أحرف العلة [1/ 32] لخفتها؛ لكن الألف لا تزاد أولا فعوضوا منها الهمزة لاشتراكهما في المخرج.
وجعلت للمتكلم؛ لأنها من أول المخارج والمتكلم أخص؛ فناسب كونها له، واشترك فيها المذكر والمؤنث؛ لعدم اللبس.
وأما الواو: فامتنع من زيادتها أولا؛ لأنها معرضة لدخول واو عليها للعطف، وقد تكون آخر الكلمة المعطوف عليها واوا أيضا؛ فتجتمع ثلاث واوات، وقد تكون أول الماضي واوا كوعد فتجتمع أربع واوات 4 فيستثقل ذلك، وهي مقابلة للهمزة؛ إذ هي من آخر المخارج والهمزة من أولها، فاستحقها المخاطب مطلقا؛ لأنه يقابل المتكلم.
لكنها رفضت لما ذكر وعوضوا منها التاء؛ لأن التاء تبدل من الواو كثيرا في الأفعال.
وتكون التاء للغائبة والغائبتين والغائبات؛ فقد شارك المخاطب غيره في التاء؛ وحينئذ يبطل التعليل الذي ذكروه لاستحقاق المخاطب إياها، لأنّا نقول: -
[زمن الأمر]
قال ابن مالك: (والأمر مستقبل أبدا).
التاء التي للغائبة والغائبتين والغائبات غير التاء التي للمخاطب؛ لأن هذه تدل على الخطاب، وتلك تدل على التأنيث عوضا من التاء الساكنة اللاحقة آخر الماضي؛ فهما إن اشتركتا لفظا فمدلولهما مختلف.
وتبين بهذا: أن التاء التي للمضارعة ثنتان: تاء خطاب وتاء تأنيث.
وكذا يقال:
أنت تفعلين فالتاء لمحض الخطاب والتاء للتأنيث.
وأما الياء: فجعلت للغائب مطلقا، توفية للقسمة؛ لأن المتكلم خص بالهمزة، والمخاطب خص ببدل الواو، ولم يبق من حروف العلة إلا الياء، ولم يبق إلا الغائب فأعطيها.
ولما كان الفرق بين المفرد وضديه يحصل في المخاطب والغائب بالضمير، ولم يجعلوا في التكلم بين المفرد وضده ضميرا للفرق، أتي بالنون؛ لتدل على المتكلم غير المفرد 1، وكانت النون أولى من غيرها؛ لما بينها وبين أحرف العلة من الشبه؛ لأنها تدغم في الياء والواو، وتبدل منها الألف، ولهذا أعربت الأمثلة الخمسة بها عند تعذر الحركات وتعذر أحرف العلة.
قال ناظر الجيش: لما تقرر أن الأفعال ثلاثة، وأن مدلول الفعل حدث وزمان، وأن الأزمنة ثلاثة، شرع المصنف في ذكر صيغة صيغة، وما وضعت له من الأزمنة، وما يجوز أن يتجوز فيه من تلك الصيغ بالقرائن، فيستعمل مرادا به زمان آخر وما لا يجوز فيه ذلك، والكلام على هذا الموضع يستدعي ذكر مقدمة وهي أن يقال:
الكلام نوعان: خبر وإنشاء: والطلب نوع من الإنشاء.
ومنهم من جعله خبرا -
................................
وطلبا.
ومنهم من جعله ثلاثة أنواع: خبرا وطلبا وإنشاء وهو رأي المصنف وعليه قرر كلامه.
ولسنا الآن بصدد تحرير الأقوال المذكورة وتبيين الصحيح منها؛ إذ الأمر في ذلك موكول إلى نظر غير صاحب هذا العلم 1.
غير أنّا نمشي مع المصنف هنا على رأيه.
أما الطلب 2، فيلزم كون زمانه مستقبلا، وأما الخبر فيجوز كون زمانه حالا، ومستقبلا وماضيا، وأما الإنشاء فيلزم كون زمانه حالا.
ولكل من الطلب والخبر صيغة واحدة مختصة به وضعا، وأما الإنشاء فليس له صيغة مختصة به؛ بل يستعمل فيه الصيغة الدالة على الخبر بقرينة.
ثم إن كلّا من صيغتي الطلب والخبر إما أن ينقل عن موضعه الأصلي، فيراد بالطلب الخبر وبالخبر الطلب، وإما أن لا ينقل.
والذي ينقل: منه ما لا يجوز التجوز فيه بالنسبة إلى زمانه، ومنه ما يجوز أن يتجوز فيه بالنسبة [1/ 33] إلى
زمانه، فيراد به زمان غير زمانه المقصود بالوضع بقرينة، فإن حصل نقل صار الحكم في زمان الصيغة المنقولة حكم ما نقلت إليه.
فإذا استعملت صيغة الطلب في الخبر، صار الاستقبال جائزا بعد أن كان لازما.
وإذا استعملت صيغة الخبر في الطلب، انعكس الحكم؛ فيصير الاستقبال لازما بعد أن كان جائزا، وهذا القسم لم يتعرض له المصنف هنا؛ إذ ليس مقصوده، وقد تعرض لشيء من ذلك في باب التعجب، فقال بعد ذكره صيغة أفعل وأن معناها الخبر ما نصه:
«واستفيد الخبر من الأمر هنا وفي جواب الشرط، كما استفيد الأمر من مثبت الخبر، والنهي من منفيّه» 3. -
................................
وأما القسم الثاني، وهو الذي لم تنقل فيه الصيغة عن موضوعها وإنما أريد بها زمان غير زمانها المقصود بالوضع فهو الذي قصده المصنف بالذكر هنا.
إذا تقرر هذا فاعلم أن صيغ الفعل الثلاث:
منها ما هو للطلب وهو الأمر، وما هو للخبر، وهو الماضي والمضارع.
فالأمر مستقبل الزمان، والماضي ماضي الزمان، والمضارع زمانه للحال والاستقبال بالوضع كما سيأتي:
فالأمر: لا يجوز التجوز فيه بتغيير زمانه، وإلى ذلك الإشارة بقول المصنف:
والأمر مستقبل أبدا، أي: وزمان مطلوب الأمر مستقبل أبدا.
وأما المضارع: فيجوز أن ينصرف زمانه إلى المضي وكذا الماضي يجوز أن ينصرف زمانه إلى الاستقبال.
كل
ذلك بالقرائن 1.
والسبب في أن لزم الأمر الاستقبال ولم يلزم قسيميه 2 أحد الزمانين: أن معنى الطلب يفوت بمفارقة دلالة صيغته على الاستقبال، والأمر موضوع للطلب؛ فلا يجوز التجوز في زمانه؛ لئلا يفوت المقصود منه.
وأما معنى الخبر فلا يفوت بمفارقة دلالة صيغة الماضي على المضي، ولا بمفارقة دلالة صيغة المضارع على الحال والاستقبال.
وكلاهما موضوع للخبر كما تقدم؛ فجاز التجوز في زمانيهما؛ لأنه لا يفوت المقصود منها بالدلالة عند تغيير الدلالة على ما وضعا له من الزمان.
وقال المصنف 3: «لما كان الأمر مطلوبا به حصول ما لم يحصل، كقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ 4، ودوام ما حصل كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ 5 لزم كونه مستقبلا، وامتنع اقترانه بما يخرجه عن ذلك.
وأيضا فإنّ الفعل فعل بدلالته على الحدث والزمان المعيّن، وكونه أمرا 6 أو خبرا معنى -
...............................
زائد على ذلك مطلوب بقاؤه؛ إذ لا يمتاز أحد النوعين على الآخر إلّا به.
والاستقبال لازم للأمرية.
فلو انتفى بتبدله انتفت الأمرية؛ بخلاف الخبرية المستفادة من الماضي والمضارع؛ فإنها لا تنتفي بتبدل المضي باستقبال ولا الاستقبال بمضي» انتهى وهو كلام جيد.
قال الشيخ 1 بعد نقله هذا الكلام: «قد وجدنا الفعل الدالّ على الخبر خرج عن الخبرية إلى غيرها كما قيل في قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ 2، وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ 3: إنه أمر في المعنى.
فكذلك كان يكون الأمر يخرج عن الأمرية إلى معنى الخبرية.
وقد خرج على ذلك قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا 4 أي فيمد.
وقال الشاعر:
11 - وكوني بالمكارم ذكّريني... [ودلّي دلّ ماجدة صناع] 5
أي تذكريني.
ومقتضى تعليل المصنف: أن كلّا من الأمر والخبر لا يخرج [1/ 34] عن بابه وقد بيّنّا خلاف ذلك.
والرجوع في هذا إلى وضع العرب واستعمالها، فلو استعملت صيغة الأمر في الخبر الذي صيغته ليست مستقبلة تدل على ذلك، لساغ لها كما استعملت صيغة الخبر الماضي في غير الخبر، وغير زمانه.
وذلك في الدعاء، نحو: غفر الله لي؛ فإنه خرج عن الخبر وعن الزمان الماضي بقرينة استعماله في الدعاء.
فكذلك كان يسوغ استعمال صيغة الأمر في غير الخبر وفي غير زمانه وهو الاستقبال بقرينة تدلّ عليه» 6 انتهى.
-
................................
وأقول: إن الذي ذكره المصنف لم يبطله الشيخ وإن الذي ذكره الشيخ لم يمنعه المصنف، وذلك أن الذي قاله المصنف:
«إنّ الاستقبال لازم للأمريّة؛ فما دامت موجودة فالاستقبال واجب، وإنّ الاستقبال غير لازم للخبريّة، وكذا
المضي؛ بل يجوز تبدّل كلّ منهما بالآخر».
وهذا حق لا يمكن إبطاله بوجه.
والذي ذكره الشيخ: أن كلّا من صيغتي الخبر والأمر يجوز أن يخرج عن موضوعه الأصلي إلى غير موضوعه وهو صحيح، والمصنف لم يمنعه؛ بل لم يتعرض في هذا الباب إلى ذلك أصلا.
والحاصل: أنهما قسمان، كما قررناه في الكلام المتقدم، وقد أدخل الأمر على الشيخ، فخلط أحد القسمين بالآخر، وظن أن كلام المصنف غير متجه، وقد بان لك أن الذي قرره المصنف لا شبهة فيه 1.
غير أنه يتجه على المصنف مؤاخذة.
وهي كونه ذكر في هذا الفصل أن الماضي ينصرف إلى الحالي بالإنشاء، كبعت، وإلى الاستقبال بالطلب، كغفر الله لزيد 2؛ لأن مقتضى تقريره المتقدم 3 لا يورد هنا إلا ما كان فيه معنى الخبر باقيا، وإنما تغير زمانه فقط.
أما ما نقل عن موضوعه الأصلي إلى غيره، فلا.
ولا شك أن الإنشاء والطلب المدلول عليهما بالماضي، صارفان لصيغته عن ما وضعت له؛ لأنه موضوع للخبر، وهما قسيماه، فلا يناسب ذكرهما مع القرائن الصارفة للزمان دون معنى الخبر.
وأما قوله في المضارع 4: إنه يتخلص للاستقبال باقتضائه طلبا، فهو وإن كان الاستقبال -
[زمن الفعل المضارع]
قال ابن مالك: (والمضارع صالح له وللحال ولو نفي بلا؛ خلافا لمن خصّها بالمستقبل).
أحد موضوعيه ويتخلص له بقرائن؛ لكن ذكره غير مناسب أيضا؛ لأن الصيغة عند اقتضاء الطلب بها، خرجت عن موضوعها الأصلي وهو الخبر إلى معنى آخر وهو الطلب.
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الأمر مستقبل وأنه لازم له الاستقبال، قال:
والمضارع صالح له وللحال.
أي للاستقبال وللحال، فبين أنه يجوز أن يراد به كل واحد من الزمانين.
وهو رد على من خصه بالاستقبال، وعلى من خصه بالحال.
واعلم أن المذاهب في المضارع، بالنسبة إلى كونه مستقبلا أو حالا أو مشتركا بين الزمانين، أو حقيقة في أحدهما، مجازا في الآخر - خمسة.
فمنهم من ذهب إلى أنه مستقبل، وأنكر أن يكون للحال وهو مذهب الزجاج 1.
واستدل بأمرين:
أحدهما: أن زمن الحال لقصره لا يتسع للنطق بالفعل؛ لأنك بقدر ما تنطق بحرف منه، صار الزمان ماضيا.
الآخر: أن فعل الحال لو كان موجودا في كلامهم، لكانت له بنية تخصه؛ إذ لا يوجد شيء في كلامهم إلا وله لفظ يخصه.
وقد يكون له مع ذلك لفظ يشترك فيه مع غيره، نحو: جون؛ فإنه يقع على الأبيض والأسود 2 ويخص أحدهما لفظ الأبيض، والآخر لفظ الأسود.
-
................................
وردّ الأول: بأن زمان الحال عند النحويين، ليس بالآن الفاصل بين الماضي والمستقبل وإنما هو الماضي غير المنقطع.
[1/ 35] وقال المصنف: «كثير من الناس يعتقدون أن الحال هو المقارن وجود معناه لوجود لفظه.
وليس كذلك؛
بل مقصود النحويين أنّ الحال ما قارن وجود لفظه وجود جزء من معناه، كقولنا: هذا زيد يكتب، فيكتب هنا: حال، ووجود لفظه مقارن لوجود بعض الكتابة لا جميعها.
وعبر بالحال عن اللّفظ الدالّ على الجميع؛ لاتصال أجزاء الكتابة بعضها ببعض» 1.
ورد الثاني 2 بأنه قد وجد ذلك في كلامهم، وهو رائحة؛ فإنها تقع على جميع الروائح وليس لها اسم إلا ذلك اللفظ المشترك.
فإن قيل: إنها تخصص بالإضافة، كرائحة المسك ورائحة العنبر.
قيل: وكذلك يفعل، يتخصص بالسين وسوف وبالآن، وما في معناها.
وفي هذا الرد الثاني نظر: فإن رائحة من قبيل اللفظ المتواطئ لا المشترك 3. ثم إن المنكرين لفعل الحال، منهم من أنكر زمانه أيضا محتجّا بأنه إن وقع، فهو ماض وإن لم يقع فهو مستقبل، ولا سبيل إلى ثالث.
والدليل على وجود زمن الحال: أن الموجود في محال وجوده لا بد له من زمان، وهو منحصر في الماضي والمستقبل، على ما زعمت، وهما معدومان ولا يتصور وجود موجود في زمن معدوم؛ فثبت زمن الحال.
-
................................ والدليل على وجود فعل الحال أمران: أحدهما: أنهم يقولون: نفعل الآن، في فصيح الكلام، ولا يقولون: سنفعل الآن، إلا قليلا على طريق المجاز، وتقريب المستقبل من الحال، نحو قول الشاعر: 12 - فإنّي غير خاذلكم ولكن... سأسعى الآن إذ بلغت إناها 1 فلو كان نفعل للمستقبل، لما صلح معه الآن، كما لا يصلح ذلك مع سنفعل. الآخر: قول الشاعر: 13 - وأعلم علم اليوم والأمس قبله... ولكنّني عن علم ما في غد عم 2
................................
ووجه الدليل منه: أن هذه الثلاثة ليست على حقائقها وإلا اختل معنى البيت؛ لأنه لا يعلم من علم اليوم إلا ما هو
فيه.
ولا فائدة في الاقتصار على أمس وغد؛ فإنه يعلم علم ما قبل الأمس، ويجهل علم ما بعد غد؛ فهي كنايات عن الأزمنة، فاليوم عما هو فيه والأمس عما مضى والغد عما يستقبل، والأفعال كنايات عن الأحداث بالنظر إلى الزمان؛ فينبغي إذا أن تكون ثلاثة.
ومنهم من ذهب إلى أن يفعل لا يكون إلا للحال حيث وقع وهو ابن الطراوة 1.
واستدل على ذلك بأنه لا يخبر بالمستقبل نحو سيفعل، عن المبتدأ إلا أن يكون عامّا أو مؤكدا بإن نحو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا 2 ونحو قول الشاعر:
14 - وكلّ أناس سوف تدخل بينهم... دويهية تصفرّ منها الأنامل 3
فإن عري منها لم يجز؛ فيمتنع زيد سيفعل، وإذا قلنا زيد يفعل كان جائزا، فدل على أن يفعل حال.
فأما قولهم: زيد يفعل غدا فمعناه زيد ينوي الآن الفعل غدا.
وشبهته في منع ذلك أنه مستقبل فلا يتصور الإخبار عنه؛ لأنه غير متحقق الوجود.
وقد أبطل مذهبه بورود نحو زيد سيفعل ولا توكيد ولا عموم، قال النّمر بن تولب 4: -
................................
15 - فلمّا رأته آمنا هان وجدها... وقالت أبونا هكذا سوف يفعل 1
وقال آخر:
16 - قضوا آجالهم فمضوا وكانوا... على وجه وأنت ستلحقينا 2
وبقول الله تعالى: وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً 3؛ لأن النفس تدري ما تنوي كسبه، إلا أنها لا تدري هل تكسبه أو لا.
[1/ 36] ويرد عليه أيضا قول سيبويه 4:
«وأمّا بناء ما لم يقع فقولك آمرا: اذهب واقتل واضرب، ومخبرا: يذهب ويقتل ويضرب»، فهذا نص منه على أن يفعل للاستقبال.
ومذهب الجمهور: أن يفعل يكون للحال والاستقبال، وهل هو حقيقة فيهما فيكون مشتركا، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ثلاثة مذاهب:
القول بالاشتراك مذهب الجمهور، وهو الصحيح وهو ظاهر كلام سيبويه؛ فإنه قال 5: «وأمّا الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى، - - إنّا أتيناك وقد طال السّفر... نقود خيلا دمّرا فيها عسر كان لسانه كريما فلم يمدح أحدا ولم يهج أحدا، وشعره يشبه شعر حاتم الطائي.
وهو القائل: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت... أوصّ بدعد من يهيم بها بعدي هاجر إلى الكوفة وعاش هناك حتى بلغ مائة سنة، وخرف عقله في آخر حياته وألقي على لسانه، انظر ترجمته في الشعر والشعراء (1/ 315).
...............................
ولما يكون ولم يقع، ولما هو كائن لم ينقطع».
وقال بعد ذلك 1: «وأمّا بناء ما لم يقع فقولك آمرا: اذهب، ومخبرا:
يذهب» ثم قال: «وكذلك بناء ما لم ينقطع وهو كائن إذا أخبرت».
فكونه ذكر أنه مبني لهذا ولهذا دليل على الاشتراك.
ودليل مذهب الجمهور: أنه يقع على الحال تارة وعلى المستقبل تارة، ولم يقم دليل على أنه أظهر في أحدهما فكان مشتركا.
وقال المصنف 2: «لما كان بعض مدلول المضارع المسمّى حالا مستأنف الوجود أشبه المستقبل المحض في استئناف الوجود فاشتركا في صيغة المضارع اشتراكا وضعيّا فحكم بالاشتراك».
وذهب الفارسي 3 إلى أنه حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، وصححه الأبذي.
قالوا: ومستند الفارسي أن اللفظ إذا صلح للقريب والبعيد كان القريب أحق به؛ بدليل أنك تقول: أنا وزيد قمنا، وأنت وزيد قمتما؛ فتغلب المتكلم والمخاطب لقربهما، وزمن الحال أقرب من المستقبل فهو أحق» وفي هذا الاستدلال والتنظير أيضا نظر 4.
وذهب ابن طاهر 5 إلى أنه حقيقة في الاستقبال مجاز في الحال.
واستدلاله -
................................
ضعيف مردود [1/ 37] فلا نطول بذكره 1.
وأشار المصنف بقوله: ولو نفي بلا خلافا لمن خصّها بالمستقبل إلى أن المضارع وإن اقترن بلا النافية باق على صلاحيته للحال والاستقبال، ولا يتعين الحكم باستقباله وهذا مذهب الأخفش والمبرد 2.
قال المصنف: وهو لازم لسيبويه وغيره من القدماء لإجماعهم على صحة قول القائل: قاموا لا يكون زيدا، بمعنى إلا زيدا، ومعلوم أن المستثني 3 منشئ للاستثناء، والإنشاء لا بد من مقارنة معناه للفظه، ولا يكون هنا استثناء فمعناه مقارن للفظه؛ فلو كان النفي بلا مخلصا لاستقبال المضارع لم تستعمل العرب لا يكون في الاستثناء لمباينته الاستقبال.
ومثل هذا الإجماع إجماعهم على إيقاع المضارع المنفي بلا في مواضع تنافي الاستقبال، نحو: أتظنّ ذلك كائنا أم لا تظنّه، وأتحبه أم لا تحبّه، وما لك لا تقبل، وأراك لا تبالي، وما شأنك لا توافق، ومثل ذلك في القرآن كثير، كقوله تعالى:
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ 4، لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ 5، وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً 6، ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ 7، ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ 8، وَما لِيَ لا أَعْبُدُ 9. -
................................
وهو في غير القرآن، ومنه قول الشاعر:
17 - يرى الحاضر الشّاهد المطمئنّ... من الأمر ما لا يرى الغائب 1
وقول الآخر:
18 - إذا حاجة ولّتك لا تستطيعها... فخذ طرفا من غيرها حين تسبق 2
وقول الآخر:
19 - كأن لم يكن بين إذا كان بعده... تلاق ولكن لا إخال تلاقيا 3
قال الشيخ 4: «لا حجّة في شيء ممّا أورده المصنّف؛ لأنّ كلّ مثال من الأمثلة الّتي ذكرها، اقترنت به قرينة صرفته عن الاستقبال إلى الحال، والمدّعي أنّ ما صلح لهما ولا مرجّح لأحدهما إذا نفي بلا يتخلص للاستقبال» ثم بين القرائن.
ويمكن المنازعة في بعضها بل في أكثرها عند التأمل 5. -
................................
ثم قال: «وأمّا قول الشّاعر: إذا حاجة... البيت فحمله على الحال وهم فاحش؛ لأنّ إذا ظرف لما يستقبل، فولّتك مستقبل وإن كان لفظه ماضيا.
فلا تستطيعها جملة في موضع نصب على الحال، والعامل فيها ولّتك المستقبل، فلا تستطيعها جملة مستقبلة».
انتهى.
وفيه حذف.
والظاهر أن الذي قاله المصنف عار عن الوهم، وذلك أن استطاعته للحاجة وعدم استطاعته إنما هو بالنسبة إلى وقت توليها، فالتولي وإن كان مستقبلا فلا تستطيعها حال، وجعلها جملة مستقبلة إنما هو بالنظر إلى وقت التلفظ بهذا الكلام.
وليس المراد إذا حاجة ولتك وأنت لا تستطيعها في المستقبل؛ بل المراد إذا ولتك حاجة وأنت لا تستطيعها حين توليها، وهذا ظاهر من البيت.
ثم قال المصنف: «والذي غرّ الزمخشريّ 1 وغيره من المتأخّرين قول سيبويه في نفي الفعل 2:
وإذا قال هو يفعل أي: هو في حال فعله، فإنّ نفيه ما يفعل، وإذا قال هو [1/ 38] يفعل ولم يكن الفعل واقعا، فإنّ نفيه لا يفعل، فاستعمل ما في نفي الحال ولا في نفي المستقبل، وهذا لا خلاف في جوازه، وليس في عبارته ما يمنع من إيقاع غير ما موقع ما، ولا من إيقاع غير لا موقع لا» انتهى 3. - - وأما حجته في الأمثلة التي بعده فقد قال: إن الحال فيه جاءت من خارج عن لا، وهو الاستفهام المراد به الحال، ثم انسحب الحال فيه إلى الفعل المنفي، ويمكن رده بأن المثال - أو الآية - يجب النظر إليه وفهمه مرة واحدة.
[ترجح زمن الحال في المضارع]
قال ابن مالك: (ويترجّح الحال مع التّجريد).
وظاهر كلام سيبويه المنع، وإلا فلا فائدة في التخصيص 1.
قال ناظر الجيش: للفعل المضارع قرائن تخلصه للحال، وقرائن تخلصه للاستقبال، وقرائن تصرفه إلى المضي.
فشرع المصنف في ذكر ذلك وقدم على ما ذكره مسألة وهي:
«أنّ الفعل إذا تجرّد عن القرائن الحاليّة والقرائن الاستقباليّة وغير ذلك، رجح كونه للحال».
وعلل المصنف ذلك بأنه: «لمّا كان للماضي في الوضع صيغة تخصّه كفعل، وللمستقبل صيغة تخصّه كافعل 2
ولم يكن للحال صيغة تخصّه؛ بل اشترك مع المستقبل في المضارع جعلت دلالته على الحال راجحة عند تجريده من القرائن؛ ليكون ذلك جابرا لما فاته من الاختصاص بصيغة» 3.
وأقول: إن في كلام المصنف اضطرابا في المتن والشرح، وذلك أنه قال:
والمضارع صالح له وللحال أي للاستقبال وللحال؛ فحكم بالصلاحية لهما وأطلق، فدل على التساوي في الدلالة عليهما، فيكون مشتركا، ثم قال: ويترجّح الحال مع التّجريد.
وهذا ينفي الاشتراك، ولا يقال إن الصلاحية لهما لا يلزم منها الاشتراك 4؛ إذ لا تمتنع الصلاحية مع كونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، لأنّا نقول إيراده ذلك بعد قوله: والأمر مستقبل أبدا.
وسياق كلامه يقتضي أنه إنما -
[تعيين زمن الحال للمضارع]
قال ابن مالك: (ويتعيّن عند الأكثر بمصاحبة الآن أو ما في معناه وبلام الابتداء ونفيه بليس وما وإن).
يذكر ما هو بالوضع للفعل، فلا يناسب أن يذكر المدلول عليه بالمجاز مع المدلول عليه بالحقيقة.
وأما اضطراب كلامه في الشرح؛ فإنه قال أولا 1:
«ولمّا كان بعض مدلول المضارع المسمّى حالا مستأنف الوجود أشبه المستقبل المحض في استئناف الوجود فاشتركا في صيغة المضارع اشتراكا وضعيّا».
وقال ثانيا 2: «إنّ دلالته على الحال راجحة» وهذا ينافي القول بالاشتراك، والحق أنه لا يحكم بترجح الحال عند
التجريد من القرائن؛ لما تبين من أن أصح المذاهب أنه مشترك بين الحال والاستقبال؛ فلا يتعين لأحدهما إلا بقرينة كسائر المشتركات.
قال ناظر الجيش: هذا شروع في ذكر القرائن المخلصة لكل من الزمانين، وذكر أن القرائن التي تخلصه للحال خمس.
ونازع المصنف في كل منها؛ فالظاهر أنه ليس عنده قرينة تخلصه للحال.
فمن القرائن المذكورة: الآن وما في معناه وهو الحين والساعة وآنفا.
قال المصنف 3: «وبعض العلماء يجيز بقاء المقرون بالآن مستقبلا؛ لأنّ الآن قد يصحب فعل الأمر مع أنّ استقباله لازم.
قال الله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ 4.
فعبّر عن المدّة التي رفع فيها الحرج عن المباشرين نساءهم ليالي الصّوم وعن مدة بلوغ ذلك إلى المخاطبين، وعن المدة التي تقع فيها المباشرة؛ لأن الآن ليس عبارة عن المدة المقارنة لنطق الناطق فحسب [1/ 39] بل الآن عبارة عن مدة ما حضر كونه.
فلو أن الكائن لا يتم إلا في شهر فصاعدا، جاز أن يقال فيه الآن وهو كائن، ومنه قوله تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً 5. -
................................
وإذا ثبت هذا فقد يقال: الآن يكون كذا وكذا بقصد التعبير بالآن عن المدة التي يقع الكون في بعضها أو بقصد المبالغة في القرب إلا أنّ هذا خلاف الظاهر» 1 انتهى.
والجواب: أن الآن حقيقة في الزمان الحاضر؛ فإذا صحب الفعل المستقبل كان ذلك قرينة صارفة له عن إرادة الحال ويكون استعماله في المستقبل مجازا بالقرينة؛ فالتجوز حينئذ في الظرف.
وإذا لم يكن الفعل مستقبلا ولا ماضيا كان على حقيقته؛ إذ لا قرينة تصرفه فيتعين أن يكون الفعل معه للحال كما ذهب إليه الأكثر.
ويؤيد هذا قول الأبذي:
«ويعني بالآن المستعملة على حقيقتها؛ لأنّها إن تجوّز فيها واستعملت تقريبا صلحت مع الماضي والمستقبل، نحو قوله تعالى: قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ 2، الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ 3، ونحو قوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، 4 فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ 5.
لأن فعل الشرط مستقبل.
وقال الشاعر:
20 - فإنّي غير خاذلكم ولكن... سأسعى الآن إذ بلغت إناها 6
وقول المصنف: «إلا أنّ هذا خلاف الظّاهر» يحتمل أن يرجع إلى قوله:
«أو بقصد المبالغة في القرب» وهو الأقرب.
ويحتمل أن يرجع إلى ما ذكره بأثره فيكون مختارا لقول الأكثر في هذه الصورة.
ومن القرائن: لام الابتداء: نحو إني لأحبك.
قال المصنف: «هي مخلصة للحال عند أكثرهم وليس كما ظنّوا؛ بل جائز أن يراد الاستقبال بالمقرون بها، كقوله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ 7، -
................................
وإِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ 1؛ فيحزنني مقرون بلام الابتداء وهو مستقبل؛ لأنّ فاعله الذهاب وهو عند نطق يعقوب عليه الصلاة 2 والسّلام بيحزنني غير موجود.
فلو أريد بيحزنني 3 الحال لزم سبق معنى الفعل لمعنى الفاعل في الوجود وهو محال»، انتهى 4.
وشرط الأبذي وغيره في تخليص اللام الفعل للحال: ألا تقترن بالفعل قرينة تشهد للاستقبال؛ فعلى هذا لا ينهض استدلال المصنف على ما ادعاه 5 بقوله تعالى:
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ 6؛ لأن عمله في الظرف المستقبل الذي هو يوم القيامة قرينة تخلصه للاستقبال كما سيأتي، وكذا الآية الثانية أيضا لوجود القرينة الصارفة له إلى الاستقبال، وهو كون المسند إليه متوقعا كما سيأتي 7.
وقال ابن الحاجب 8: «إنّ كون اللّام مخلّصة للحال هو مذهب الكوفيّين»، واعتذر عن الزمخشري في كونه جعله هنا بما يوقف عليه من كلامه.
ثم قال: «وقد صرّح بذلك يعني الزّمخشري في قوله في الحرف: ويجوز عندنا: إن زيدا لسوف يقوم، ولا يجيزه الكوفيّون» 9. -
............................... ومن القرائن: نفيه بليس وما وإن: فمثال نفيه بما في قوله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ 1. ومثاله بإن في قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ 2. ومثاله بليس قول الشاعر: 21 - فلست وبيت الله أرضى بمثلها... ولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب 3 [1/ 40] قال المصنف 4: «والأكثرون أيضا على أن النفي بهذه الثلاثة قرينة مخلصة للحال مانعة من إرادة الاستقبال. وليس ذلك بلازم، بل الأكثر كون النفي بها حالا، ولا يمتنع كونه مستقبلا، كما قال حسّان 5 في وصف الزبير: 22 - وما مثله فيهم ولا كان قبله... وليس يكون الدّهر ما دام يذبل 6 أي ما مثله في هذا العصر، ولا كان فيما مضى ولا يكون فيما يستقبل. وهذا جليّ غير خفي. ومثله قول الآخر: 23 - والمرء ساع لأمر ليس يدركه... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل 7
................................ وقال تعالى في استقبال النفي بما وإن: قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ 1. وقال أبو ذؤيب 2: 24 - أودى بنيّ وأودعوني حسرة... عند الرّقاد وعبرة ما تقلع 3 وقال النابغة 4 الجعدي يمدح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: 25 - له نافلات ما يغبّ نوالها... وليس عطاء اليوم مانعه غدا 5
-
- والبيت في شرح التسهيل (1/ 22) وفي التذييل والتكميل (1/ 94) وهو فيهما بلا نسبة في الشرح والتحقيق، وهو مما اكتشفت قائله، وليس في معجم الشواهد.
................................
وقال رجل من طيئ:
26 - فإنك إن يعروك من أنت محسب... ليزداد إلّا كان أظفر بالنّجح 1
أي ما ينزل بك من أحسبته بالعطاء أي أعطيته عطاء كافيا ليزداد على الكفاية إلّا كان أظفر بالنجح؛ فالمنفي هنا بأن مستقبل لا شكّ في استقباله.
انتهى 2.
وذكر الأبذي وغيره: أن هذه القرائن إنما تكون مخلصة للحال إن لم تكن ثمّ قرينة تخلّص للاستقبال.
فعلى هذا لا ينهض استدلال المصنف 3.
إلا أن لقائل أن يقول: قد وجدت قرينتان: إحداهما تخلص للحال والأخرى للاستقبال؛ فلأي شيء رجحت قرينة الاستقبال وجعلت غالبة للقرينة الأخرى 4.
وزاد الأبذي في القرائن المخلصة للحال: أن يعطف على الحال أو يعطف الحال عليه، نحو: يقوم زيد الآن ويخرج، ويقوم زيد ويخرج الآن.
والمصنف استغنى عن ذكر ذلك؛ لأنه يشترط في عطف الفعل على الفعل اتفاقهما في الزمان فالمعطوف والمعطوف عليه متفقان 5.
وزاد أيضا 6: أن يقع في موضع نصب على الحال، نحو: جاء زيد يضحك، وهو واضح؛ فلهذا لم يتعرض إليه المصنف.
- - التذييل والتكميل (1/ 94) وفي معجم الشواهد (ص 93).
[الأمور التي تخلص المضارع للاستقبال]
قال ابن مالك: (ويتخلّص للاستقبال بظرف مستقبل وبإسناد إلى متوقّع، وباقتضائه طلبا أو وعدا، وبمصاحبة ناصب أو أداة ترجّ أو إشفاق أو مجازاة أو لو المصدريّة أو نون التّوكيد 1 أو حرف تنفيس وهو السّين أو سوف أو سف أو سو أو سي). -[1/ 41] قال الشيخ: «أهمل المصنف ما يعين المضارع للحال وهو الإنشاء نحو: أقسم لأضربنّ عمرا» انتهى 2. وهذا ليس بشيء لأنه قد علمت مما تقدم أنه لا يجوز إيراد ذلك في هذا الباب؛ إذ ليس الكلام هنا في نقل صيغ الفعل من معنى إلى معنى؛ إنما الكلام في تغيير الزمان مع بقاء معنى الصيغة. وإذا أريد بالفعل الموضوع للخبر معنى الإنشاء فقد نقلت الصيغة عن معناها إلى معنى آخر. قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام عن القرائن التي تعينه للحال شرع في ذكر القرائن التي تخلصه للاستقبال، وهي أمور منها: الظرف المستقبل: وإطلاق هذه العبارة تشمل صورتين: إحداهما: أن يكون الفعل عاملا في الظرف المذكور نحو: أقوم إذا قام زيد. الثانية: أن يكون الظرف مضافا إلى الفعل نحو: القتال إذا يجيء العدو، ومثل المصنف 3 بما يشمل الصورتين وهو: أزورك إذا تزورني. فأزورك: عامل في ظرف مستقبل مضاف إلى تزورني وتخلصا به للاستقبال. ومنها: إسناده إلى متوقع: كقول الشاعر: 27 - يهولك أن تموت وأنت ملغ... لما فيه النّجاة من العذاب 4
................................
ومنها: اقتضاؤه طلبا: نحو: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ 1.
هكذا قال المصنف.
وقد علمت أن صيغة الفعل في مثل هذا خرجت عن معناها الموضوعة هي له وهو الخبر إلى معنى آخر وهو الطلب، وإذا كان كذلك فليس هذا موضع إيراد هذا الحكم.
ومنها: اقتضاؤه وعدا: نحو قوله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ 2.
ومنها: مصاحبة ناصب أو ما بعده من الأمور التي ذكرها: والناصب: أن، ولن، وإذن، وكي، وسواء كان الناصب ظاهرا نحو قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 3 أم مقدرا نحو قوله تعالى: لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ 4.
وأما أداة الترجي: فمثالها قوله تعالى: لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ 5.
وقال الشاعر:
28 - فقلت أعيروني القدوم لعلّني... أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد 6
وأما أداة الإشفاق فمثالها قول الشاعر:
29 - فأمّا كيّس فنجا ولكن... عسى يغترّ بي حمق لئيم 7
ولا فرق بين الرجاء والإشفاق في اللفظ بل في المعنى؛ لأن الرجاء محبوب -
................................ والمشفق منه مكروه. وأما أداة المجازاة: فمثالها قوله تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ 1. قال الأبذي: «سواء في ذلك ما يجزم كإن وأخواتها وما لا يجزم نحو: كيف تقول: كيف تصنع أصنع فكيف معناها الجزاء ولم تجزم بها العرب». وأما لو المصدرية: فمثالها قوله تعالى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ 2، وعلامتها: أن يحسن في موضعها أن. واحترز بهذا التقييد من لو الامتناعية؛ فإنها تؤثر ضد ما تؤثر هذه كما سيأتي، وفي إثبات المصدرية خلاف سيجيء في باب الموصول إن شاء الله تعالى. وأما نون التوكيد: فمثالها قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ... 3 الآية. [1/ 42] وأما حرف التنفيس: فمثاله قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى 4، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى 5. وجاء عن العرب: سف أفعل، وسو أفعل وسي أفعل وهي أغربهن، حكاها صاحب المحكم 6. وأنشد الشيخ في شرحه 7: 30 - فإن أهلك فسو 8 يجدون فقدي... وإن أسلم يطب لكم المعاش 9
................................
واتفقوا 1 على أن أصل سف وسو وسي: سوف، وزعموا أن السين أصل برأسها غير مفرعة على سوف؛ لكنها منها كنون التوكيد الخفيفة من نون الثقيلة، وقد رد المصنف ذلك، ثم ناقشه الشيخ في بعض الرد 2 بما يحتمل الدفع.
وليس في ذلك كبير فائدة فأضربت عنه 3.
وأقرب ما قال المصنف: «إنّا قد أجمعنا على أنّ سف وسو وسي فروع سوف، فلتكن السين أيضا فرعها؛ لأنّ التخصيص دون مخصص أيضا مردود».
وقال المصنف: «قال بعضهم: لو كانت السين بعض سوف لكانت مدّة التسويف بهما سواء وليس كذلك؛ بل هي بسوف أطول؛ فكانت كل واحدة منهما أصلا برأسها».
ثم قال: قلت: هذه دعوى مردودة بالقياس والسماع:
فالقياس: أن الماضي والمستقبل متقابلان، والماضي لا يقصد به إلا مطلق المضي دون تعرض لقرب الزمان وبعده فينبغي ألا يقصد بالمستقبل إلا مطلق الاستقبال دون تعرض لقرب الزمان وبعده؛ ليجري المتقابلان على سنن واحد، والقول بتوافق سيفعل وسوف يفعل مصحح؛ فكان المصير إليه أولى.
وأما السماع: فتعاقب سيفعل وسوف يفعل على المعنى الواحد الواقع في وقت واحد؛ قال الله تعالى: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً 4. وقال - - سوف كما تقطع كي من كيف.
والبيت في التذييل والتكميل (1/ 93) ومعجم الشواهد (ص 202).
................................ تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً 1. وقال تعالى: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ. في سورة النبأ 2، وقال في سورة التكاثر: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ 3. ومنه قول الشاعر: 31 - وما حالة إلّا سيصرف حالها... إلى حالة أخرى وسوف تزول 4 فقد بان توافقهما إلا أن سيفعل أخف، فكان استعماله كثيرا. انتهى 5. وذكر الجزولي في المخلصات للاستقبال: لام القسم 6 ولا يتمحض ذلك للام المذكورة إلا حيث لا يؤتى في الفعل بنون التوكيد. وذلك لا يجوز عند البصريين إلا في ضرورة وإنما يجوز تعاقبهما الكوفيون. قال الشاعر: 32 - تألّى ابن أوس حلفة ليردّني... إلى نسوة كأنّهنّ مفائد 7
[انصراف الفعل المضارع إلى زمن المضي]
قال ابن مالك: (وينصرف إلى المضيّ بلم ولمّا الجازمة ولو الشّرطيّة غالبا، وإذ وربّما وقد في بعض المواضع).
وأما إذا أتى بالنون في الفعل نحو: والله ليقومن زيد، فيمكن أن يقال إنه إنما استفيد الاستقبال من النون؛ لأنها من القرائن الاستقبالية.
قال الأبذي: «وهذا الّذي ذهب إليه - يعني الجزولي - في اللّام هو مذهب أكثر النّحويين.
ومنهم من ذهب إلى أنّك إذا أقسمت على قيام في الحال، تقول: والله ليقوم زيد، وهو عندي جائز».
انتهى.
يعني أن اللام لا تخلص للاستقبال 1.
وزاد الأبذي أيضا في قرائن الاستقبال: عطفه على المستقبل وعطف المستقبل عليه، نحو: سيأكل زيد ويشرب، ويشرب زيد وسيأكل، وقد تقدم نظير ذلك في القرائن الحالية، وأنه قد يستغنى عنه.
وكان ينبغي للمصنف أن يذكر في القرائن المخلصة للاستقبال: لو الشرطية في أحد استعمالها، كما سيأتي بيانه.
قال ناظر الجيش: شرع في ذكر القرائن الصارفة له إلى المضي، وإنما قال:
وينصرف ولم يقل ويتعين أو يتخلص كما قال قبل؛ لأن المضارع لا دلالة له على المضي بالوضع، فكأنه انصرف عن مدلوله بالوضع وهو الحال [1/ 43] أو الاستقبال إلى مدلول آخر بقرينة بخلاف ما إذا تعين لأحد مدلوليه الذي هو موضوع لهما.
فمن القرائن الصارفة له: لم ولمّا:
ولا خلاف أن المضارع المقترن بهما ماضي المعنى، وهل كان ماضي اللفظ فتغير لفظه دون معناه، أو لم يزل مضارعا فتغير معناه دون لفظه؟ - - مختارات في ديوان الحماسة.
وانظر ترجمته في الأعلام (3/ 97).
................................ الأول: مذهب طائفة منهم الجزولي 1. قال الأبذي: «وهو مذهب سيبويه 2 لأنّه جعل لم نفي فعل ولمّا نفي قد فعل». والثاني: مذهب المبرد وأكثر المتأخرين واختاره المصنف ومن ثمّ قال: وينصرف إلى المضيّ يعني أن معناه هو الذي تغير، وأن لم ولما إنما دخلتا على لفظ المضارع 3. واستدل لمذهب سيبويه 4 بأنك إذا ناقضت من أوجب قيام زيد، فقال قام زيد قلت: لم يقم زيد، وإن قال قد قام زيد، قلت: لمّا يقم زيد، والمناقضة إنما تكون بإدخال أداة النفي على ما أوجبه الذي قصدت مناقضة كلامه. وأيضا فإن صرف التغيير إلى جانب اللفظ أولى من صرفه إلى جانب المعنى؛ لأن المحافظة على المعنى أولى. قال المصنف 5: «وثاني القولين هو الصحيح - يعني ما ذهب إليه المبرد 6 - قال: لأنه نظير ما أجمع عليه في الواقع بعد لو وربّما وإذ فإنها صرفت المعنى دون اللّفظ اتفاقا». وقال أيضا: «إنما قيدت لمّا بالجازمة؛ لأنها إذا لم تكن جازمة لا يليها فعل مضارع بل ماضي اللفظ والمعنى إن كانت بمعنى حين، أو ماضي اللفظ مستقبل المعنى إن كانت بمعنى إلا، كقول الشاعر: 33 - قالت له بالله يا ذا البردين... لمّا غنثت نفسا أو اثنتين 7
................................
وأطلقت لم تنبيها على أنها صارفة إلى المضي أبدا ولو لم يكن الفعل مجزوما بعدها، كقول الشاعر:
34 - لولا فوارس من ذهل وأسرتهم... يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار 1
فرفع الفعل بعدها وهي لغة لقوم» 2 انتهى.
قال الشيخ: «لا يحتاج إلى تقييد لمّا بالجازمة؛ لأنّها لا تدخل على المضارع إلّا وهي جازمة.
ولو كانت تدخل عليه جازمة وغير جازمة ولا تصرفه إلى المضي إلا الجازمة - لاحتيج إلى ذلك التقييد، وأما أن يحترز بذلك من دخولها على الفعل الماضي فلا يصح؛ إذ التقييد إنما يكون في شيء مشترك» انتهى 3.
والجواب: أن المصنف لم يحترز بذلك من شيء؛ بل نبه على أن لما جازمة وغير جازمة، وأن المضارع يختص بالجازمة دون غيرها.
ويشعر بذلك قوله:
وقيدتها بالجازمة؛ لأنها إذا لم تكن جازمة لا يليها فعل ماض؛ ولم يقل احترازا من كذا وكذا.
ومنها: لو الشرطية: واعلم أن لو قسمان:
مصدرية: ويتخلص المضارع بها للاستقبال، كما تقدم.
وشرطية: وهي نوعان: شرط في المستقبل، فتكون إذ ذاك بمعنى إن كقوله تعالى:
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ 4. وقوله تعالى: -