تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيث
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيث

[علامة التأنيث - حكم ما لم تظهر فيها العلامة]

قال ابن مالك: (وأصل الاسم التذكير فاستغنى عن علامة بخلاف التأنيث، وعلامته في الاسم المتمكّن تاء، ظاهرة أو مقدّرة، أو ألف مقصورة أو ممدودة مبدلة همزة ويعلم تأنيث ما لم تظهر العلامة فيه بتصغيره أو وصفه أو ضميره، أو الإشارة إليه أو عدده، أو جمعه على مثال يخصّ المؤنّث، أو يغلب فيه).
قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية 1: لما كان التذكير أصلا استغني عن علامة بخلاف التأنيث، فإنه فرع، فافتقر إلى علامة، وهي تاء، أو ألف مقصورة، أو ممدودة.
والتاء أظهر وأكثر دلالة؛ لأنها لا تلتبس بغيرها.
بخلاف الألف فإنها قد تلتبس بغيرها فتحتاج إلى تمييز لما يأتي ذكره.
ولمزية التاء في الدلالة جعلت ظاهرة كتمرة، ومقدرة ككتف، ويدل على التقدير: الإضمار، بنحو: الكتف نهشتها 2. والإشارة، نحو: هذه كيف.
والتصغير، نحو: كتيفة.
واطراد الجمع في القلة على أفعل مع كونه رباعيّا كعقاب 3 وأعقب، وذراع وأذرع، ويمين وأيمن.
وقلت: وباطراد: احترازا من قول بعض العرب: غراب وأغرب مع كونه مذكرا، والمشهور أغربة ويعرف أيضا تأنيث العاري من علامة بحاله ونعته، وخبره نحو: هذه الكتف -

الجزء: 9 - الصفحة: 4607

................................  مشوية، والكتف المشوية لذيذة، ويد زيد مبسوطة. ويعرف - أيضا - تأنيث العاري من علامة بأن يجرد عدده من التاء باطراد كاشتريت ثلاث أدور، وسقيته أربع أكؤس. وقلت باطراد احترازا من نحو ثلاث شخوص، وعشر أبطن 4. انتهى. ويستفاد منه شرح ما ذكره في التسهيل، ثم إنه قيد ما الاسم التي تكون التاء فيه علامة التأنيث بكونه متمكنا تنبيها على أن الاسم [5/ 230] المبني إما يدل على تأنيث بغير التاء؛ كقولنا: أنت بفتح التاء للمذكر، وأنت بكسرها للمؤنث، وكقولنا: هم في جمع المذكر العاقل، وهنّ في جمع المؤنث، أو المذكر غير العاقل وفي شرح الشيخ 5 إن بعضهم يرى أن التأنيث بالهاء، وأنها تبدل في الوصل تاء مستندا في هذه الدعوى إلى قول سيبويه في باب الترخيم 6 وإنما كان الحذف للتاء، ولا شك أن مثل هذا لا ينبغي الالتفات إليه، ولا تصنيع الزمان في إيراده، وقد قال سيبويه في باب الوقف 7 وفي حروف البدل، وأما الهاء فتكون بدلا من التاء التي يؤنث بها الاسم فوجب أن يصرف قوله: وإنما كان الحذف للتاء إلى التجوز، ومما ينبه أن المراد بتأنيث الاسم هنا تأنيث مسماه سواء كان في الاسم تاء أم لن يكن، كعائشة وقائمة وهند وشمس لا تأنيث اللفظ كطلحة وحمزة فعلى هذا يقال أن الاسم إما أن يكون فيه تاء تأنيث، وإما أن يكون لا علامة فيه للتأنيث، فالاسم الذي فيه تأنيث: إن كان مسماه مذكرا كان حكمه في الإخبار عنه، والوصف وغير ذلك حكم المذكر الذي ليس فيه تاء تأنيث، فإنما يحكم بتأنيث لفظه فقط لاشتماله على التاء، ومن ثم يمتنع صرفه إذا كان علما، ومن أجل أنه محكوم بتذكيره عدّ من الشواذ قول القائل: 4188 - أبوك خليفة ولدته أخرى........ 8

الحديث: 4188 - الجزء: 9 - الصفحة: 4608

................................  وقول الآخر: وغيره الفلحا، وإن كان مسماه مؤنثا كان حكمه فيما ذكر حكم المؤنث؛ فإن عومل معاملة مذكر كان ضرورة، وهذا فيما يمتاز فيه المذكر من المؤنث، وأما إذا لم يمتز أحدهما من الآخر فإنه يكون محكوما له بحكم المؤنث، فيعامل معاملته ولو كان المدلول مذكرا إذ لا فرق في مثل ذلك بين المذكر والمؤنث، وذلك نحو: نملة وقطّة وهذا إذا كان الاسم الذي فيه التاء يوصف بالتذكير حقيقة وبالتأنيث حقيقة.
فإن كان الاسم المذكور ليس مذكرا حقيقة ولا مؤنثا حقيقة، فهو مؤنث على كل حال نحو: خشبة وآخرة ثم إن الشيخ لما نقل أن نحو نملة يحكم بتأنيثه سواء كان المدلول مذكرا أم مؤنثا، قال 9: ومن ثم وهم من سئل عن نملة سليمان صلّى الله عليه وسلّم أكان ذكرا أم أنثى فقال: كانت أنثى بدليل قوله تعالى: قالَتْ نَمْلَةٌ 10 قال: فلم يعلم أن قاعدة اللسان العربي أنه إذا لم يميز المذكر من المؤنث مما فيه تاء تأنيث أنه يعامل معاملة المؤنث سواء أكان المدلول مذكرا أم مؤنثا قال: وقد استحسن هذا الجواب ضعفة أهل العربية مثل: الزمخشري وغيره وأوردوا ذلك من محاسن المجيب جهلا منهم بلسان العرب انتهى.
ولا شك في أن الشيخ قدره كبير، ورتبته في الفنّ سامية، ولكن يقبح أن يجعل الزمخشري من ضعفة أهل العربية، وهو الإمام المشهود له بالتبريز في الفنون عموما، وفي فنّ العربية خصوصا، ويكفي في الشهادة له بذلك أن الأئمة ما زالوا يقرءون كتابه الذي هو المفصل للزمخشري ويعتنون به، ويتصدى لشرحه كل مشهود له بالإمامة كالأندلسي، وابن يعيش وابن عمرون وابن الحاجب، وقد وجه المصنف أعني جمال الدين بن مالك عنايته إلى الكتاب المذكور أيضا فنظمه ثم فك ذلك النظم ولا شك أنّ رتبة الزمخشري في علم اللسان العربي لا تخفى، وكان الشيخ - رحمه الله - تعالى لا يعد المشارقة نحاة، وبهذا ما كان ينظر إلى المفصل ولا إلى الإيضاح الذي للفارسي وكان يصرّح برفقتهما وينهى عن الاشتغال بهما، وإنما كان مقبلا على كتب المغاربة، ولا شك أن المغاربة لهم الباع - - لأن الفاعل ضمير يعود على مذكر على والذي جوزه اقتران هذا المذكر بالتاء، وانظر البيت في المساعد (3/ 279) وحاشية الصبان (4/ 94).

الجزء: 9 - الصفحة: 4609

................................  المديد في النقول، والتقسيم، والتفريع.
ولكن المشارقة عندهم زيادة نظر وتدقيق وتحقيق وفي كل خير فرض الله تعالى عنهم أجمعين بمنّه وكرمه.
وأما الاسم الذي لا علامة فيه للتأنيث، فإما أن يكون حقيقي التذكير، أو حقيقي التأنيث، أو غير ذلك إن كان غير ذلك، فالأصل فيه التذكير، نحو: عود، وحائط ولا يؤنث شيء منه إلّا سماعا، نحو: قدر وشمس، وإما أن يكون حقيقي التذكير والتأنيث فإما أن يمتاز فيه المذكر من المؤنث أو لا يمتاز إن امتاز، فظاهر أن المذكر يعامل بحكم التذكير كزيد، والمؤنث يعامل بحكم التأنيث كهند والذي لم يمتز فيه المذكر من المؤنث فإن حكم الاسم فيه التذكير ولو أريد به المؤنث نحو: برغوث.
وليعلم أن قول المصنف في التسهيل: ممدودة مبدلة همزة يفهم منه أن الدال على التأنيث في المدود إنما هو ألف واحدة [وعلى ذلك فيجب أن يكون الدال على التأنيث] في نحو صحراء ألف واحدة، كما أن الدال عليه في نحو: سكرى، وحبلى كذلك ولكن الألف لما حصل قبلها ألف أخرى وجب إبدالها همزة، ولا يظنّ أن الدال على التأنيث في نحو: صحراء إنما هو مجموع الألفين؛ لأن الأمر لو كان كذلك؛ لكان الألفان للتأنيث والأمر ليس كذلك؛ لأن الأئمة قالوا: علامة التأنيث تاء، أو ألف مقصورة، أو ممدودة، فالدال على التأنيث في نحو: صحراء إنما هو الألف الآخرة، ولكن زيد قبلها ألف ليحصل التمييز بين نحو: سكري، وحبلى، وصحراء، وحمراء وقد نقل عن الأخفش أن الألف والهمزة معا للتأنيث فما أدري هل يدعي مع ذلك أن الهمزة أصل بنفسها، أو أن الأصل هو الألف والهمزة بدل منه؟ وردّ قول الأخفش بأنه لا يوجد في كلامهم ما علامة التأنيث فيه حرفان.
ومذهب الكوفيين أن الهمزة نفسها هي علامة التأنيث، وأبطل [5/ 231] المصنف قولهم بأن العرب قالوا في جمع صحراء صحار كما قالوا: في حبلى حبال، قال: فلو كانت الهمزة غير مبدلة لسلمت.
وقد ذكرت المغاربة عن الكوفيين أنهم زادوا في علامات التأنيث التاء في -

الجزء: 9 - الصفحة: 4610

................................  أخت، وبنت 11 والألف والتاء في المسلمات ونحوه، والنون الثانية في هنّ؛ قالوا: ودخلت النون الأولى؛ لأن نون التأنيث لا يكون ما قبلها إلّا ساكنا، وكذا أيضا زادوا الكسرة في أنت، والياء في هذي.
ولا يخفى أن مثل هذا لا ينبغي التشاغل به، ولا التعريج عليه؛ إذ لا يخفى أن التاء في أخت، وبنت، ومسلمات تاء التأنيث، وأن هنّ بكمالها هي الموضوعة للتأنيث لا النون، وكذا القول في أنت وهذي.
ثم قد عرفت قول المصنف في متن الكتاب أو جمعه على مثال يخص المؤنث أو يغلب فيه وعرفت مما ذكره في شرح الكافية أن المؤنث الرباعي بمدة ثالثة يطرد جمعه على «أفعل» كعقاب وأعقب، ويمين وأيمن.
وإنه احترز بالاطراد من قول بعض العرب عزاب وأعزب مع كونه مذكرا فجعل الشيخ ذلك مثالا لقوله أو يغلب فيه قال 12: ومثال جمعه على مثال يحض المؤنث قولهم: هندات قال: فهذا جمع يحض المؤنث؛ لأنه لا يجمع هذا الجمع إلا ما كان مفرده مؤنثا بعلامة، ولا مذكرا مصغّرا ولا وصفا لجمع لا يعقل بانفراد ذاك على مفرده بأنه مؤنث والهندات ليس مفرده مؤنثا بعلامة ولا مذكرا مصغرا ولا وصفا لا يعقل فيعلم آنذاك أن مفرده مؤنث انتهى.
ولقد أبعد الشيخ المرمى والذي خبر أن مراد المصنف بقوله يخص المؤنث أو يغلب فيه شيء واحد وهو الذي مثل به في شرح الكافية فإن صيغة «أفعل» تخص المؤنث، وإن لم تخصه لورود أعزب جمع عزاب؛ فإنها تغلب فيه فهي تخصه على لغة من يقول في عزاب أعزب، وغالبه على لغة من يقول فيه أعزب، ثم إن الشيخ كأنه يستدرك على المصنف قال 13 أو نقص المصنف مما يعلم به تأنيث مما لا علامة فيه إلحاق تاء التأنيث لفعله، نحو: انكسرت القدر وتنكسر القدر.
وهذا عجب من الشيخ، فإن لحاق التاء الفعل إنما هو تبع لتأنيث الفاعل فإذا تحقق التأنيث ألحقت التاء ومقتضى ما قاله الشيخ أننا نستدل بلحاق التاء على تأنيث فاعل ذلك -

الجزء: 9 - الصفحة: 4611

[مواضع تاء التأنيث]

قال ابن مالك: (وأكثر مجيء التّاء لفصل أوصاف المؤنّث من أوصاف المذكّر، والآحاد المخلوقة من أجناسها، وربما فصلت الأسماء الجامدة والآحاد المصنوعة وربّما لحقت الجنس وفارقت الواحد، وربّما لازمت صفات مشتركة أو خاصّة بالمذكر لتأنيث ما وصف بها في الأصل أو تنبيها على أن المؤنّث أولى بها من المذكر وتجيء أيضا لتأكيد التّأنيث، أو الجمع، أو الواحدة أو لبيان النّسب، أو التّعريف أو المبالغة، أو عوضا عن محذوف لازم الحذف أو معاقب).
الفعل وليس الأمر كذلك.
قال ناظر الجيش: اعلم أنني أورد أولا كلام المصنف في شرح الكافية ثم أعود إلى لفظ الكتاب قال رحمه الله تعالى 14: الأكثر في التاء أن يجاء بها لتمييز المؤنث من المذكر في الصفات كمسلم، ومسلمة، وضخم، وضخمة، ومجيئها في الأسماء غير الصفات قليل كامرئ، وامرأة، وإنسان، وإنسانة، ورجل، ورجلة، وغلام، وغلامة.
ويكثر مجيئها لتمييز الواحد من الجنس الذي لا يصنعه مخلوق، كتمر وتمرة، ونمر ونمرة، ونمل ونملة، ونخل ونخلة، وشجر وشجرة، ويقل مجيئها لتمييز الجنس من الواحد ككمأة كبيرة، وكمء واحد، وكذلك يقل مجيئها لتمييز الواحد من الجنس الذي يصنعه المخلوق نحو: جرّ وجرّة، ولبن ولبنة، وقلنس، وقلنسوة، وسفين وسفينة وقد تكون التاء لازمة فيما يشترك فيه المذكر والمؤنث كربعة وهو المعتدل والمعتّدلة من الرجال والنساء وقد يلازم ما يخص المذكر كرجل لم يجيء وهو الشجاع، وقد يجيء في لفظ مخصوص بالمؤنث لتأكيد تأنيثه كنفحة وناقه، وقد يجيء للمخالفة كرجل راوية ونسابة، وقد يجاء بها معاقبة لتاء مفاعيل، كزنادقة وجحاجحة، فإذا جيء بالياء لم يجأ بالهاء بل يقال زناديق وجحاجيح، فالياء والهاء متعاقبان في هذا النوع 15 وقد يجاء بها دالة على النسب؛ كقولهم أشعثيّ، وأشاعثة، وأزرقي وأزارقة، ومهلّبيّ ومهالبة، وقد يجاء بها دالة على -

الجزء: 9 - الصفحة: 4612

................................  تعريب الأسماء الأعجمية، نحو: كيلجة، وكيالجة ومذرج، وموازجة والكيلجة مقدارا من الكيل معروف والموزح: الخف وقد يجاء بها عوضا من فاء، نحو: عدة، أو من عين، نحو: إقامة، وقد عوضت من مدة «تفعيل» في تزكية، وعوضت أيضا من اللام في لغة وقلة ونحوهما 16 انتهى. فقوله في بالتسهيل لفصل أوصاف المؤنث قد مثل له بمسلم، ومسلمة، وضخم، وضخمة، ومثله حسن وحسنة وصفيّ، وصفيّة، وقوله: أو الآحاد المخلوقة من أجناسها قد مثل له 17 بتمرة، وتمر، ومثله درة ودر، وبقرة وبقر، وأجاز الكوفيون أن يكون لفظ الجنس من هنا للمفرد المذكر، فيقولون بقر للواحد المذكر وحكوا من كلام العرب رأيت حماما على حمامة، وحكى الفراء رأيت نعاما أقرع ورأيت حماما ذكرا، ورأيت جرادا على جرادة، أي رأيت ذكرا على أنثى وقال الكسائي: سمعت كل هذا النوع يطرح من ذكره الهاء إلا في حية؛ فإنهم يقولون حية للمذكر والمؤنث، فيقولون: رأيت حية على حية، فلا يطرحون [5/ 232] الهاء من ذكره. قال: وسبب ذلك أنهم لم يجمعوه بحذف التاء؛ لئلا يلتبس بالحي الذي هو ضدّ الميت، فلما لم يجمعوه ولم يكن للمذكر ما يقع عليه أشار إلى ذلك ابن عصفور في شرح الجمل 18 ثم قال: وهذا الذي ذكره الكوفيون شاذ عند البصريين؛ لأنه لم يكثر، وعلى هذا فالمؤنث منه والمذكر بالتاء نحو: حمامة وعقربة ولم يكن بغير التاء؛ لئلا يلتبس بالجمع 19. وقوله: وربما فصلت الأسماء الجامدة قد مثل له بقوله: امرئ وامرأة وإنسان وإنسانة، ورجل ورجلة وغلام وغلامة، ومثله حمار وحمارة، وأسد وأسدة وبرذون وبرذونة ولا يقاس على ذلك، ومن الشواهد على ما ذكر قول القائل: 4189 - كلّ حيّ ظلّ مغتبطا... غير جيراني بني جبلة هتكوا جيب فتاتهم... لم يبالوا حرمة الرّجلة 20

الحديث: 4189 - الجزء: 9 - الصفحة: 4613

................................  وقوله الآخر: - 4190 - إنسانة فتّانة... بدر الدّجى منها خجل 21 وقوله: والأحاد المصنوعة قد مثل له بقوله: جرّ وجرة إلى آخره ومنه غمام وغمامة.
وقوله: وربما لحقت الجنس وفارقت الواحد، وربما لازمت صفات مشتركة قد مثل له بربعة.
قال ابن عصفور: والتاء في الصفات المشتركة تكون للمبالغة ولغير المبالغة فالتاء في نحو قوله: رجل ربعة، وامرأة ربعة، كأنهم أرادوا به في المذكر نفسا ربعة 22 والأول نحو: رجل علّامة، وامرأة علّامة، وكذلك مطرابه وقروقه وملولة، من الصفات المشتركة قال: وإنما أتت في المذكر؛ لأنهم أرادوا أنه غاية في ذلك الوصف يعني صفة المدح، وصفة الذم والغاية مؤنثة.
وقوله أو خاصة بالمذكر قد مثل له بقوله رجل بهمة وهو الشجاع.
وأشار بقوله لتأنيث ما وصف بها في الأصل إلى أن الأصل ذلك نفس بهمة، أي: ذات شجاعة فهو وصف لما هو مؤنث في الأصل.
وأشار بقوله: أو تنبيها على أن المؤنث أولى بها من المذكر إلى أن الهاء ربما لازمت المذكر فلم تفارقه تنبيها على أن المؤنث أولى بها من المذكر، وذلك شاة؛ لأن لفظها المؤنث أولى به من المذكر، وذلك من أجل التاء، فإذا كانوا قد ألزموا المذكر التاء؛ فلأن يلزموها المؤنث أحرى وأولى، هكذا قال الشيخ 23 وربما يكون مراد المصنف غير ذلك، وقوله: ويجيء أيضا لتأكيد التأنيث قد مثل له بقوله: نعجة وناقة، والمراد أن المؤنث انفرد باسم غير اسم المذكر، فكان ذلك يغني عن تاء التأنيث؛ لحصول الفرق بينهما، كما أغنى في جدى وعناق 24 إذ جدى لمكر، وعناق للمؤنث، فكان يكفي أن يقال ناق ونعج، لكنهم زادوا التاء لتأكيد ما دلا عليه من التأنيث والأصل في الأسماء المختصة بالتأنيث أن لا يدخلها التاء، نحو: -

الحديث: 4190 - الجزء: 9 - الصفحة: 4614

................................  عجوز، وعناق، وشيخ، وحمار، وأثان وبكر وقلوص 25. قيل: إن التاء في ناقة، ونعجة لتأكيد الفرق؛ لأن المقابل لهما جمل وتيس وقوله: أو الجمع أي لتأكيد الجمع؛ مثاله حجارة وفحوله فالحجارة والفحولة 26 مؤنث وإن لم يدخل فيهم التاء، قالوا: وما دخلت التاء فيه لتأكيد تأنيث الجمع قسمان: ما التاء فية مطردة نحو أرغفة، وما هي فيه غير مطردة، كحجارة وفحولة وفيه نظر؛ لأن أرغفة لا يقال فيه؛ لأن صيغة الجمع أفعلة لا أفعل، وأما الحجارة والفحولة فإن صيغة الجمع فيهما فعال وفعول وكل منهما صيغة مستقلة، وقد يقال حجار، وفحول بغير تاء، فمن قيل بأن التاء فيهما لتأكيد الجمع، وكان المراد بتأكيد الجمع تأكيد تأنيث الجمع، وقوله: أو الواحدة أي لتأكيد الواحدة قد مثل له الشيخ، بنحو: ظلمة وغرفة ومدينة ولم يتجه لي ذلك قال 27: وعبر بعضهم عن هذا المعنى بتأنيث اللفظ؛ لأنه ليس تحته تأنيث معنى كامرأة، وقائمة، ولكنه للدلالة على أن هذا اللفظ عندهم موضوع موضع المؤنث في الإخبار والإشارة والإضمار، وغير ذلك من أحكام التأنيث، وقوله: أو لبيان النسب قد مثل له بقوله أشعثي وأشاعثة، وأزرقي، وأزارقة، ومهلّبي، ومهالبة.
والمراد بالأشاعثة الأشخاص المنسوبون إلى الأشعث ابن قيس، وبالمهالبة الأشخاص المنسوبون إلى المهلّب بن أبي صفرة، ولو قيل: المهالب؛ لكان جمعا لكل من اسمه مهلّب، فإنما أدخلوا التاء فيه دلالة على أنه جمع لاسم منسوب لا جمع لاسم غير منسوب، وقوله أو التعريف قد مثل له بقوله كيالجة وموازجة.
ومنهم من يعبر عن هذه التاء بأنها للعجمة، قال الشيخ 28: ولا بعد من المعنيين؛ لأن التعريب لا يكون إلا عن عجمة ومن جعلها للعجمة قصد أن الاسم أصله من لسان العجم فعرب.
وقوله أو المبالغة مثاله علامة، ونسابة، وقد تقدم ذكر ذلك عند الكلام على قول المصنف، وربما لازمت صفات مشتركة.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4615

[من أحكام تاء التأنيث]

قال ابن مالك: (وتقدّر منفصلة ما لم يلزم بتقدير حذفها عدم النظير، والجنس المميّز واحده بها يؤنثه الحجازيّون ويذكّره التّميميّون والنجديّون).
وقوله: أو عوضا من محذوف لازم الحذف قد مثل له بقوله عدة وإقامة ولغة مما حذفت فاؤه، أو عينه أو لامه 29، ومثل له بقوله تزكية أيضا مما حذفت منه مدة تفعيل، ومثل عدة، لدة، وهو المماثل للشخص يطلق على الذكر وعلى الأنثى، ومثل لغة قلة، وثبة.
وقوله: أو معاقب، قد مثل له بقوله زنادقة، وجحاجحة، ومثله فرارنة وتدخل تحت قوله: أو معاقب التاء في [5/ 233] أنت وأنت في النداء فإنها معاقبة لياء المتكلم، وليعلم أن ابن عصفور ذكر أن التاء قد تأتي دالة على النسب والعجمة، نحو البرابرة 30 فذكر الشيخ ذلك، ليستدرك به على المصنف 31 وهو عجب؛ فإن المصنف قد ذكر أنها تأتي للدلالة على النسب، وللدلالة على التعريب الذي تعبر عنه المغاربة بالعجمة، ولم يقل: أن دلالتها على ذلك مفيدة بانفراد حتى يقال إنهما إذا اجتمعا لا تدخل المسألة تحت كلامه، ثم إن الشيخ استدرك مسألة أخرى، وهي أن التاء تأتي فارقة بين الواحد والجمع في الصفات، قال: فمن ذلك قولهم: بقّال وبقّالة، وحمار وحمارة، وجمال وجمالة، ووادد وواددة، وشارب وشاربة، وسائل وسائلة، ومنه البصرية، والكوفية، والزبيرية، والمروانية، والمسوّدة والمبيضة الواحد بصري، وكوفي، وزبيري، ومرواني، ومسوّد، ومبيّض، قال: ومن ذلك الركوبة، قال الله - تعالى -: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ 32 وقرئ: ركوبهم 33. قال: وأما حلوبة فللواحد، وحلوب للجمع، فيكون من باب تمرة وتمر.
قال ناظر الجيش: اعلم أن المصنف لما ذكر في باب ما ينصرف وما لا ينصرف من شرح الكافية ألف التأنيث، وأنها قائمة في منع الصرف مقام السببين، قال 34: وإنما كانت كذلك؛ لأن لحاقها شبيه بلحاق الحروف الأصلية مزجا ولزوما بخلاف -

الجزء: 9 - الصفحة: 4616

................................  التاء فإنها في الغالب طارئة زايلة مقدرة الانفصال ولذلك لا يعتد بها في نسب ولا تكسير، ولا تصغير كما اعتدّ بألف التأنيث، قال: وإنما قلت في الغالب؛ لأن من المؤنث بالتاء، ما لا ينفك عنها استعمالا، ولو قدر انفكاكه؛ لوجد له نظير كهمزة، فإن التاء ملازمة له استعمالا، ولو قدر انفكاكه عنها؛ لكان همزا كحطم لكن حطم مستعمل وهمز غير مستعمل، ومن المؤنث بالتاء ما لا ينفك عنها استعمالا ولو ندر انفكاكه عنها لم يوجد له نظير كحذرية وعرقوة، فلو قدر سقوط تاء حذرية وتاء عرقوة لزم وجدان ما لا نظير له؛ إذ ليس في كلام العرب اسم على «فعلى» ولا فعلو إلا أن وجود التاء هكذا قليل، فلا اعتداد به انتهى 35. فقوله في التسهيل: ما لم يلزم بتقدير حذفها عدم النظير يشير به إلى كحذرية وعرقوة وما شاكلهما، ولا يخفى أن ثمّة التّاء منفصلة إنما هو بالنسبة إلى ما يقتضيه قواعد التصريف أما بالنسبة إلى ما يقتضيه التركيب الإعرابي فإنها تعد متصلة بدليل أنها حرف إعراب الكلمة التي هي فيها؛ لأنها جزء كلمة حقيقة، وإنما تعد متصلة لأمر يوجب لها ذلك، وأما تأنيث الجنس المميز واحده بها وتذكيره، فقد ورد في الكتاب العزيز قال الله - تعالى -: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ 36 وقال - تعالى -: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ 37 وقال - تعالى -: إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا 38 وقال - تعالى -: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ 39 وقال - تعالى -: مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ 40 فاشتملت الآية الشريفة على التأنيث والتذكير، وقال - تعالى -: يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ 41 وقال - تعالى -: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ 42 والإتيان بالتاء في مفرد هذا الجنس واجب، ولو كان مسماه مذكرا، ومن ثم قال يونس: إذا أرادوا ذلك قالوا حمامة ذكر، وبطة ذكر، وشاة ذكر إذ لم يؤت بالتاء لالتبس 43 الواحد بالجمع.
واعلم أن الشيخ يعقب كلام المصنف من وجهين: أحدهما: أنه أطلق التذكير -

الجزء: 9 - الصفحة: 4617

[حكم الصفات المختصة بالإناث]

قال ابن مالك: (الغالب في الصفات المختصّة بالإناث ان لم يقصد بها معنى الفعل ألا تلحقها التاء لتأديتها معنى النّسب أو لتذكير ما وصف بها في الأصل أو لأمن اللّبس، وربّما جاءت كذلك صفات مشتركة).
والتأنيث في اسم الجنس قال، وهذا الحكم ليس في كل جنس مميز واحده بها ألا ترى أن المصادر أسماء أجناس، ويقع التمييز في كثير منها بين المفرد، واسم الجنس بالهاء، نحو ضرب، وضربة، وقتل وقتلة، وإتيان وإتيانة، والعرب تذكر مثل ضرب وقتل وإتيان ونحوها، ولا يحفظ عن أحد منهم تأنيث ذلك.
ثانيهما: أنه قد نقل أن بعض أسماء الأجناس جاء مؤنثا لا غير، وذلك نحو البط والنمل، وأن بعضها جاء مذكرا لا غير، وذلك نحو: القمح والعنب فكان ينبغي للمصنف أن ينبه على ذلك هذا كلامه رحمه الله تعالى.
وأقول: أما التعقيب الأول فالجواب عنه أن كلام المصنف إنما هو في اسم الجنس الذي له آحاد مخلوقة؛ لأنه قد تقدم قوله أولا وأكثر مجيء التاء لفصل أوصاف المؤنث من أوصاف المذكر والآحاد المخلوقة من أجناسها، فوجب أن تكون اللام في قوله هنا والجنس المميز بواحده بالتاء لام العهد، وإذا كان كذلك فكلامه الآن مصروف إلى الجنس الذي آحاده مخلوقة لا إلى جنس، ولا شك في ظهور هذا.
وأما التعقيب الثاني: فالجواب عنه أن المصنف إنما يذكر الحكم العام الشامل بجميع أسماء الأجناس وهو التذكير والتأنيث، ولا يلزمه التعرض إلى كلمات قليلة لم تبلغ أدنى العدّ والتزم في كلمتين منها التأنيث وفي كلمتين منها التذكير فيستثنيها إذ ذاك فهذا من وظيفة اللغوي لا من وظيفة النحوي هذا إن ثبت التزام أحد الأمرين أعني التذكير أو التأنيث في الكلمات المذكورة.
ونقل الشيخ عن بعضهم: أنه قال وما علمنا أحدا يؤنث الرمان، ولا الموز، ولا العنب [5/ 234]، وذكر أن الحمام واليمام والجراد يذكر لا غير 44. قال ناظر الجيش: قال المصنف في شرح الكافية: الصفات المختصة بالإناث مستغنية عن التاء نحو: حائض وطامث ومرضع ومطفل؛ لأن مجرد لفظها مشعر -

الجزء: 9 - الصفحة: 4618

................................  بالتأنيث إشعارا بالاحتمال فيه، فإن قصد معنى الفعل جيء بالتاء، فقيل: هذه مرضعة ولدها غدا أو الآن.
فلو لم يقصد إلا أنها ذات أهلية للإرضاع دون تعرض للفعل؛ لقيل مرضع، وكذا الموصوفة بالحيض إن قصد أنها ذات حيض، قيل: هي حائض، وإن قصد أنها تحيض الآن أو غدا قيل: هي حائضة غدا أو الآن، وقد يكون الوصف واقعا على المذكر والمؤنث ولا تلحقه التاء عند قصد التأنيث فمن ذلك قولهم: رجل عانس وامرأة عانس وجمل ضامر، وناقة ضامر انتهى 45 ومن الصفات المختصة بالمؤنث طالق وفارق وعاطل وكاعب وحاد وناهد ووالد للكثيرة الولد وشاة لبون للولادة، وشاقة شاوق وماخص وشايل وفاطم ووالد إذا اشتد وجدها، وشاة داجن وداجن مستأنسة وريح عاصف، وواضع للتي تضع همّا وغمّا وطاهر وقاعد وحامل وعاند وعاند وحابل والأمر فيها جميعها كما قال المصنف إن قصد بها أنها فعلت أو تفعل أتيت بالتاء في الغالب قال الله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ 46 ومن ذلك قول الشاعر: 4191 - كمرضعة أولاد أخرى وضيعت... بني بطنها ذاك الضلال عن القصد 47 وقول لآخر: 4192 - أيا جارتي بيني فإنّك طالقه... كذاك أمور الناس غاد وطارقه 48 وقول الآخر: 4193 - تمخضت المنون له بيوم... أني ولكل حاملة تمام 49 ثم إن المصنف علل عدم لحاق التاء في هذه الأوصاف بثلاثة أمور؛ أحدها: - كونها تؤدي معنى النسب نحو: طالق أي ذات طلاق، وحائض أي ذات حيض، -

الحديث: 4191 - الجزء: 9 - الصفحة: 4619

[الصفات التي لا تلحقها التاء]

قال ابن مالك: (فصل: لا تلحق التّاء غالبا صفة مفعال أو مفعل أو مفعل أو مفعيل أو فعول بمعنى فاعل أو فعيل بمعنى مفعول إلّا أن يحذف موصوف فعيل فتلحقه، ولشبهه بفعيل بمعنى فاعل قد يحمل أحدهما على الآخر في اللّحاق وعدمه، وربّما حمل على فعيل في عدم اللّحاق فعال وفيعل).
قال الشيخ: وهذا التعليل أظنه وقول الخليل.
ثانيها: كونها وصف بها في الأصل مذكر كأنه قيل شخص طالق أو شخص حائض، قال الشيخ: وهذا التعليل أظنه قول سيبويه.
ثالثها: أمن اللبس؛ لأن التاء الأصل فيها إذا دخلت في الصفات أن تكون فارقة بين وصف المذكر والمؤنث، وهذه أوصاف مختصة بالمؤنث، فلا يحتاج فيها إلى فرق لعدم وجوده في المذكر، فلما أمن اللبس لم تلحق.
قال الشيخ: والتعليل بأمن اللبس هو قول الكوفيين ثم إنك قد عرفت أن المصنف مثل للصفات المشتركة بين المذكر والمؤنث بقوله: رجل عانس، وامرأة عانس، وجمل ضامر، وناقة ضامر، ومن ذلك أيضا جنب، وعزب، يقال: رجل جنب.
وامرأة جنب ورجل عزب وامرأة عزب، ومنه أيضا بازل، وعقيم، وعاقر، وعاشق وكلمات أخرى، ذكرها الشيخ في شرحه 50. قال ناظر الجيش: الكلمات التي ذكر أن التاء لا تلحقها خمس، وهي مفعال ومفعل ومفعيل ومفعول بمعنى فاعل وفعيل، وذكر في الكافية والألفية كلمة أخرى وهي مفعل لكنه لم يذكر فيها صيغة مفعل فتكون الكلمات على ما ذكر هنا، وأنا أورد كلامه في شرح الكافية أولا ثم أرجع إلى ما في الكتاب، قال رحمه الله تعالى 51 من أمثلة الصفات ما لا تلحقه علامة التأنيث الفاصلة بين المؤنث والمذكر، وذلك ما كان على زنة فعول مقصودا به المبالغة في فاعل، وكذا ما كان على مفعال أو مفعيل أو مفعل، فيقال: رجل صبور وامرأة صبور، ورجل مهذار وامرأة مهذار، -

الجزء: 9 - الصفحة: 4620

................................  ورجل معطير وامرأة معطير، ورجل مغشم وامرأة مغشم، فلا تلحق التاء الفارقة شيئا من هذه الأمثلة إلا على سبيل الندور، فمن النادر قولهم عدوة ورجل ميقان وامرأة ميقانة، وهما الموقنان بكل ما سمعا، ومسكينة.
ومن العرب من يقول: امرأة مسكين على القياس، حكاه سيبويه 52 فإن كانت للمبالغة لا للفرق لحقت المذكر والمؤنث، نحو: رجل ملولة وامرأة ملولة، وقد يؤنث بالتاء فعول بمعنى مفعول، وهو قليل كركوبة ورغوثة بمعنى مركوبة ومرغوثة أي موضوعة 53 فإن كانت الصفة على فعيل بمعنى مفعول لم تلحقه التاء إلا إذا جرد عن الوصفية، نحو: ذبيحة ونطيحة فإن قصدت الوصفية، وعلم الموصوف جرد من التاء نحو: رجل قتيل وامرأة قتيل وعين كحيل وكف خضيب وقد يشبه فعيل الذي بمعنى فاعل بهذا ويشبه هذا به فيعطي كل منهما حكم الآخر.
فمن حمل الذي بمعنى فاعل على الذي بمعنى مفعول، قول الله - تعالى -: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 54 وقوله تعالى: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ 55 ومن حمل الذي [5/ 235] بمعنى مفعول على الذي بمعنى فاعل قول العرب: خصلة حميدة وصفة ذميمة بمعنى محمودة ومذمومة أجروهما مجرى جميلة وقبيحة انتهى.
وفهم من قوله فمن النادر عدوه وسقاية ومسكينة أن هذا هو الذي احترز عنه بقوله هنا غالبا بعد قوله لا تلحق التاء صفة على كذا وكذا؛ لأن هذا اللحاق لهذه الكلم الثلاث ليس هو الغالب، ومثال مفعل قول العرب امرأة مذكر 56 ومحمق ومغزل ومطفل ومعصر للتي أدركت ومسلف للتي بلغته خمسا وأربعين ومتيم ومعقل ومقذف، ومن أمثلة الصفة الجائية على مفعال: معطار ومذكار 57 ومقلات ومن أمثلة الجائية على مفعيل محضير وميسير ومكثير ومعليم، ومن أمثلة الجائية على فعول شكور وضروب وقتول وغيور وجهول وضحوك وظلوم ودلو وودود وعروس وكلها معدولة عن فاعل.
واحترز بقوله بمعنى فاعل عن أن تكون بمعنى مفعول فإن -

الجزء: 9 - الصفحة: 4621

................................  التاء تلحقه نحو: أكولة بمعنى مأكولة وركوبة.
قال الشيخ: وفي قول المصنف بمعنى فاعل تجوز؛ لأنه إذ ذاك يدل على المبالغة، فليس بمعنى فاعل حقيقة؛ لأن فاعلا لا دلالة فيه على المبالغة انتهى 58. والجواب أن المراد بقوله بمعنى فاعل أن مدلول الصفة فاعل لذلك الفعل لا مفعول له لا أن مدلول فعول هو مدلول فاعل، ومن أمثلة الجائية على «فعيل» بمعنى مفعول جريح، ودهين، وقتيل واحترز المصنف بقوله: بمعنى مفعول من نحو: مريض، وشريف، وظريف؛ إذ يقال فيه للمؤنث مريضة وشريفة وظريفة، وقد ذكروا من هذا النوع كلمات لم تدخلها التاء وهي: ملحفة جديد وملاة قشيب وشاة سديس وريح خريق وكتيبة خصيف 59 وهي السواد من السلاح فحذف التاء مما ذكر على غير قياس، لأنها ليست بمعنى مفعول قالوا: وأما قريب وبعيد، فتكون للمذكر والمؤنث، وأما قوله تعالى: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا 60 [ففيه وجهان: أحدهما: أنه فعيل بمعن مفعول أي مبغيّا بها، والثاني أن تكون فعيلا بمعنى فاعل ثم أعلى] 61 ونبه المصنف بقوله إلا أن يحذف موصوف فعيل فتلحقه على أنه يقال مررت بقبيلة بني فلان، ورأيت قبيلة؛ إذ لو لم يأت بالتاء لحصل لبس المؤنث بالمذكر، ومراد المصنف بقوله إلا أن يحذف موصوف فعيل أن الموصوف إذا لم يعلم كان الحكم كذلك، ولهذا قال في شرح الكافية 62: فإن قصدت الوصفية، وقد علم الموصوف، وعلى هذا لو قلت: رأيت قتيلا من النساء دون أن تأتي فيه بالتاء، جاز وأما قول المصنف ولشبهه بفعيل بمعنى فاعل قد يحمل أحدهما على الآخر في اللحاق وعدمه فقد تقدم بيانه بما نقلناه عنه من شرح الكافية، وقوله: ربما حمل على فعيل في عدم إلحاق فعال، وفيعل، أما فعال، فأشار به إلى قولهم: هدية هذام ومدية جراز 63 حكاهما سيبويه 64 وقال: جعلوا -

الجزء: 9 - الصفحة: 4622

[حكم فعيل بمعنى مفعول - تذكير المؤنث وعكسه]

قال ابن مالك: (وصوغ فعيل بمعنى مفعول مع كثرته غير مقيس ويجيء أيضا بمعنى مفعل ومفعل قليلا وبمعنى مفاعل كثيرا.
وقد يذكّر المؤنّث ويؤنّث المذكّر [حملا على المعنى]، ومنه تأنيث المخبر عنه لتأنيث الخبر).
فعالا بمنزلة أختها فعيل، قال الشيخ: ولا ينبغي أن يفهم من فعيل الذي هو بمعنى مفعول بل فعيل الذي هو بمعنى فاعل المشبه بفعول وكذا قال سيبويه قال 65: وقد أجري شيء من فعيل مستويا في المؤنث والمذكر شبه بفعول، وذلك قولك جديد وسديس وكتيبة خصيف وريح خريق.
قال الشيخ: فعلى هذا لا يكون فعيل بمعنى فاعل حمل في ترك التاء على فعيل بمعنى مفعول، كما قاله المصنف؛ لأن سيبويه إنما حمله على فعول، وهذا أظهر؛ لأن الحمل على ما كان بمعنى فاعل أولى لاشتراكهما في ذلك بخلاف حمله على فعيل بمعنى مفعول لاختلاف المدلولين، بخلاف حمله على فعول؛ لاتفاق المدلولين في كونهما للمبالغة في فاعل.
قال: وإنما حمل فعال على فعيل؛ لأنهما أخوان قال سيبويه 66: ألا ترى أنك تقول طويل وطوال وبعيد، وبعاد، وشجيع وشجاع وخفيف وحفاف، وتدخل في مؤنث فعال الهاء، كما تدخل التاء في مؤنث فعيل انتهى كلام سيبويه - رحمه الله تعالى - وأما فيعل فأشار به إلى قوله تعالى: وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً 67 لأن الأصل ميّت فخفف تخفيف هينّ وليّن، وذكر الشيخ أن التاء حذفت من أبنية كثيرة مختلفة للمؤنث منها: امرأة حصان، وحرب عوان، وأرض جرز، وبقية ما ذكره يوقف عليه في كتابه 68. قال ناظر الجيش: اشتمل هذا الكلام على ثلاث مسائل: الأولى: أن فعيلا يرد بمعنى مفعول كثيرا، وأنه مع كثرته غير مقيس، وذلك نحو: جريح، وقتيل، وتقدم ذكره لهذه المسألة في باب اسم الفاعل.
-

الجزء: 9 - الصفحة: 4623

................................  الثانية: أن فعيلا يجيء بمعنى مفعل وبمعنى مفعل أما مجيئه بمعنى مفعل، فنحو: أعقدت العسل فهو عقيد أي معقد، وتقدمت له الإشارة إلى ذلك في الباب المذكور أيضا، وأما مجيئه بمعنى مفعل فقد قال إنه قليل، وذلك نحو: سميع بمعنى مسمع، قال الشاعر: 4194 - أمن ريحانة الدّاعي السّميع... يؤرقني وأصحابي هجوع 69 [5/ 236] ومنه عذاب أليم بمعنى مؤلم، وأما مجيئه بمعنى مفاعل، فقد قال: إنه كثير.
وذلك نحو جليس وقعيد وخليط بمعنى مجالس، ومقاعد، ومخالط.
المسألة الثالثة: أن المؤنث قد يذكر والمذكر قد يؤنث أي يستعمل كلاهما استعمال الآخر حملا على المعنى، فمن تذكير المؤنث قولهم: ثلاثة أنفس، وذلك لمراعاة المعنى فكأنه قال: ثلاثة أشخاص، ومن تأنيث المذكر قولهم: «جاءته كتابي» فاحتقرها حملا للكتاب على معنى الصحيفة، قال ومنه يعني، ومن التأنيث حملا على المعنى، تأنيث المخبر عنه لتأنيث الخبر، وذلك نحو قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا 70 في قراءة من قرأ لم قرأ (لم تكن) بالتاء أنث المصدر المنسبك من أن والفعل وهو المخبر عنه؛ لأنه اسم يكن لتأنيث الخبر وهو فتنتهم، وكذلك قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً 71 في قراءة لمن قرأ (إلا أن تكون) بالتاء، فإن في تكون اسمها وهو ضمير مذكر يعود على قوله: مَيْتَةً فأنث لتأنيث خبره وهو ميتة.

الحديث: 4194 - الجزء: 9 - الصفحة: 4624

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل