تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 1851-1877

الباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراه

صفحات 1851-1877

................................  فاستدرك الشيخ ذلك عليه، وقال: هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ لأن (لا) التي للنهي من خصائص الفعل المضارع، ولا تدخل على الاسم، ولا يجوز أن يدعى أن فعلها محذوف وأن التقدير لا يحزن حزنا؛ لأن فعل (لا) التي للنهي لا يجوز حذفه، قال: والذي نختاره أن (لا) للنفي، ولو دخلت على حزن، فنفته وهو مبني على الفتح معها، ونوّن ضرورة كما نوّن: 1464 - سلام الله يا مطر عليها 1 وهو نفي معناه النهي كما في قوله: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ 2؛ فإنه نفي معناه النهي على أحد التأويلين 3. انتهى.
ولك أن تقول: لا شك أن المعنى على النهي، ولا حاجة بنا إلى أن نجعله نفيا ثم نؤوله به، إذ يمكن كونه نهيا من الأصل، فأما دعوى الشيخ أن فعل (لا) التي للنهي لا يجوز حذفه وإطلاقه ذلك، فقد يمنع، فيقال: إنما يجب الذكر إذا لم يدل دليل على المحذوف، أما إذا قام غيره مقامه، فالحذف لازم، وأي فرق بين قولنا: (صبرا) وبين قولنا: (لا حزنا) بالنسبة إلى كون المصدر بدلا من اللفظ بالفعل في المسألتين، وقد كان الفعل قبل قيام (صبرا) مقامه لا يجوز حذفه، ثم صار حذفه بعد ذكر (صبرا) واجبا إذا قصد إقامته مقامه.
فكذلك (لا حزنا)، قد كان الفعل المقصود بالنهي غير جائز الحذف، فلما أقيم (حزنا) مقامه عاد الحذف واجبا.
-

................................  المبحث الخامس: لا شك أن المسائل التي يجب فيها حذف عامل المصدر، منها ما هو سماعي، ومنها ما هو قياسي، والظاهر أن المذكور من أول الفصل [2/ 378] إلى قوله: أو غائب في حكم حاضر - هو السماعي، وأن المذكور بعد ذلك إلى آخر الفصل هو القياس، وليس في كلام المصنف ما يشعر بذلك، غير أنه لما ذكر المصدر المضاف نحو: غفرانك وفَضَرْبَ الرِّقابِ 1، قال: ومنه مفرد وهو أكثر من المضاف، وليس مقيسا عند سيبويه مع كثرته، وهذا صريح في أن نحو: سقيا ورعيا سماعي عند سيبويه، ثم قال: وهو عند الفراء والأخفش مقيس بشرط إفراده وتنكيره، وسرد الكلام إلى آخره كما تقدم، وقد صرح ابن الحاجب: بأنه سماعي في مثل: سقيا ورعيا وخيبة وجدعا وحمدا وشكرا وعجبا، وأنه قياسي في ست مسائل وهي: ما أنت إلا سيرا وفَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (2)، وإذا له صوت صوت حمار، وله علي ألف اعترافا، وزيد قائم حقّا، ولبيك وسعديك 2. وعلى هذا الذي ذكره ابن الحاجب يستثنى من الصور الأول التي قلنا: إنها سماعية - لبيك وسعديك، ويضم إلى الصور التي قلنا: إنها قياسية على أن الظاهر عد (لبيك) من السماعي دون القياسي، وهذا أمر لا يحتاج إلى نقل عن أئمة هذا الشأن.
المبحث السادس: يظهر أن قول ابن الحاجب معبرا عن فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 3 ما وقع تفصيلا لأثر مضمون جملة متقدمة أحسن من قول المصنف: إنه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، وأما قول المصنف: (أو نائبا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر) فهو أولى من قول ابن الحاجب: ما وقع مثبتا بعد نفي أو بمعنى نفي داخل على اسم لا يكون خبرا 4 -

................................  عنه، لأن نحو: زيد سيرا سيرا لم يدخل تحت عبارة ابن الحاجب، ولا شك أن إضمار عامل المصدر في مثلها واجب.
المبحث السابع: يشمل قول المصنف: (نائبا عن خبر اسم عين بتكرير) نحو: أنت سيرا سيرا، وإن زيدا سيرا سيرا، وكان زيد سيرا سيرا، وأنت سيرا سيرا مستفهما، ويجوز أن يكون المصدر معرفة نحو: زيد السير السير، وقد تقدم إنشاد قول الشاعر: 1465 - أنا جدّا جدّا 1 فلا فرق بين أن يكون اسم العين المخبر عنه ضمير مخاطب أو متكلم أو غائب، أو اسما ظاهرا، قالوا: لا يكون ذلك يعني هذا التركيب الذي يجب فيه إضمار العامل إلا إذا رأيته يعني المخبر عنه على تلك الحال، أو ذكر ذلك، أو قدرت ذلك لنفسك أو غيرك، وذلك على جهة الاتصال أي السير المتصل بعضه ببعض، أي توقعه سيرا متواليا 2. قال الشيخ: ومثله في التكرير ما كان بغير لفظه نحو: أنت قياما قعودا، وما عطف عليه مصدر آخر نحو: زيد ضربا وقيلا، وزيد سيرا وردّا، قال: وكذا لو لم تكن الواو نحو: زيد إما قياما إما قعودا (3)، ومما نبه عليه الشيخ أنه لما ذكر وجوب [3/ 379] إضمار العامل فيما إذا كان المصدر محصورا نحو: ما أنت إلا سيرا، وما أنت إلا شرب الإبل، على التشبيه، أي تشرب شربا مثل شرب الإبل، قال: أو كان المصدر مستفهما عنه نحو: أأنت سيرا، وعلل ذلك بأن ما فيه من معنى الاستفهام الطالب للفعل كأنه ناب عن التكرير 3، ثم قال الشيخ - بعد التمثيل بـ (ما أنت إلا سيرا) وأخواته -: «والإخبار فيه على ما تقدم من مشاهد هذه الحال والاتصال»، ثم قال: فأما قولك: زيد سيرا - وما زيد سيرا فنص سيبويه على أن (أنت سيرا) أنه ما لا يجوز إظهار العامل فيه؛ لأنه أدخله في الباب، قال: وكذلك: ما أنت سيرا، قال: وأجاز ذلك غيره، وأطلق بعضهم جواز ذلك، ولم -

................................  يفرق بين الاستفهام وغيره 1. انتهى.
والذي ذكره عن بعضهم من جواز ذلك هو المشهور، وكذا عدم التفرقة بين الاستفهام وغيره، ونسبة القول بوجوب إضمار العامل في مثل: أنت سيرا، وما أنت سيرا إلى سيبويه، لكونه أدخله في الباب - فيه نظر؛ لأنه لا يلزم من إدخاله له في الباب أن يكون حكمه حكم ما ذكر معه.. 2. المبحث الثامن: قد علم أن المصدر المؤكد مضمون جملة قسمان: مؤكد نفسه، ومؤكد غيره، فليعلم أن هذا المصدر في ضربيه يجوز أن يأتي نكرة ومعرفة بأل وبالإضافة، فما استعمل معرفة بأل ونكرة: الحق والباطل، تقول: هذا عبد الله حقّا، وهذا زيد الحق لا الباطل، واليقين لا الشك، وغير وقول يستعمل مضافا إلى معرفة نحو: هذا القول لا قولك، وهذا القول غير ما تقول، وتقول هذا القول غير قيل باطل، وقال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ 3 ووَعْدَ اللَّهِ 4؛ لأن الكلام الذي قبله (صنع ووعد).
ومن النكرة: هذا عبد الله قطعا ويقينا، ومنه لا إله إلا الله قولا حقّا، قيل: ومنه هو عالم جدّا 5، كقوله 6: 1466 - وإنّ الّذي بيني وبين بني أبي... وبين بني عمّي لمختلف جدّا 7 قال الشيخ: وسيبويه يقول في هو حسيب جدّا: إنه على الحال 8؛ لأنه يجري عنده وصفا في قولك: هو العالم جد العالم، فكان على الحال، وقد التزم في بعض هذه المصادر التعريف، فلا يستعمل على التأكيد إلا معرفة نحو: ألبتة كقولك: -

................................  لا أفعله ألبتة، ومعناه القطع، ولا عودة له ألبتة لا يستعمل دون ألف ولام، فأما قوله: 1467 - وإنّي لآتيها وفي النّفس هجرها... بتاتا لأخزي الدّهر ما طلع الفجر 1 فهو على الحال، قيل: ومن هذا الباب وهو شاذ 2، ثم قد علمت أن الأصح منع تقديم المصدرين المذكورين على الجملة، وتقدمت الإشارة في كلام المصنف إلى علة ذلك، وأفاد كلامه أن في التقديم خلافا.
قال الشيخ: وأجاز الزجاج توسيطه [3/ 380] تقول: هذا حقّا عبد الله، وهو مسموع من كلامهم 3، وأجاز بعضهم تقديمها على الجملة، قال أبو علي: يجوز غير ذي شك زيد منطلق، فتقدم وتؤخر والعامل فيه المعنى، وإن كان متقدما؛ لأن غير ذي شك يقتضيه، فظني أنه قد أجري مجرى الظرف، والظرف يعمل فيه المعنى متقدما نحو: أكلّ يوم لك ثوب؟ فكذلك هذا.
انتهى 4. وقد استدل بعضهم على جواز ذلك بقول العرب: أحقّا زيد منطلق؟ ولا دليل في ذلك؛ لأن حقّا منصوب على الظرف لا على المصدر 5، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر ثم ما كان مصدرا نصب بفعل من لفظه: التقدير: أحق وأقطع وأبت، وما كان غير مصدرا نصبت بأقول مضمرا، فتقدير هذا القول غير ما يقول أقول غير ما يقول 6. المبحث التاسع: قد تقدم في كلام المصنف الإشارة إلى قولهم: أجدّك لا تفعل، وأن الفارسي له فيه تقديران: -

................................  أحدهما: أن لا تفعل في موضع الحال.
ثانيهما: أن يكون أصله: أجدك أن لا تفعل، ثم حذف (أن) وبطل عملها، وأن الشلوبين زعم أن فيه معنى القسم، قال: ولذلك قدم، ولم ينضج المصنف الكلام في المسألة.
وقد تكلم غيره على ذلك، فقال ابن الحاجب في شرح المفصل: أجدّك لا تفعل كذا، أصله: لا تفعل كذا جدّا؛ لأن الذي ينتفي الفعل عنه يجوز أن يكون بجد منه، ويجوز أن يكون من غير جد، فإذا قال: جدّا فقد ذكر أحد المحتملين، ثم أدخلوا همزة الاستفهام إيذانا بأن الأمر ينبغي أن يكون كذلك على سبيل التقرير، فقدم لأجل الاستفهام، فقيل: أجدك لا تفعل كذا، ثم لما كان معناه تقرير أن يكون الأمر على وفق ما أخبر، صار في معنى تأكيد كلام المتكلم، فيتكلم به من يقصد إلى التوكيد، وإن كان ما تقدم هو الأصل الجاري على قياس لغتهم.
ويجوز أن يكون معنى أجدك في مثله: أتفعله جدّا منك، على سبيل الإنكار لفعله جدّا، ثم نهاه عنه، وأخبر بأنه لا يفعله، فيكون (أجدك) توكيدا لجملة مقدرة، دل سياق الكلام عليها، ومما يدل على أنهم يقولون: أفعله جدّا قول أبي طالب: 1468 - إذا لاتّبعناه على كلّ حالة... من الدّهر جدّا غير قول التّهازل 1 انتهى 2. وقال الشيخ - بعد إيراده كلام المصنف في المسألة -: فإن قلت: كيف أدخل سيبويه هذا في المصدر المؤكد لما قبله، وليس كذلك، لأنك إذا فرضته مؤكدا فإنما يكون مؤكدا لما بعده، قلت: إنما هو جواب لمن قال: أنا لا أفعل كذا، وأنا أفعل كذا، وبلا شك أن المتكلم يحمل كلامه على الجد، فهو مجد فيما يقول.
فإذا قلت: أتجد ذلك جدّا فهو مؤكد لما قبله، لكنه لم يستعمل قط إلا مضافا، قال الشاعر 3: -

................................  1469 - خليليّ هبّا طالما قد رقدتما... أجدّكما لا تقضيان كراكما 1 وقال آخر: 1470 - أجدّك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا 2 وقال آخر: 1471 - أجدّك لم تغتمض ليلة... فترقدها مع رقّادها 3 قال: وغالبا بعده «لا» أو «لم»، أو «لن» 4، وفي [2/ 381] النهاية قال الأعشى: 1472 - أجدّك ودعت الدّمى والولائدا 5 يعني أن ودعت موجب، وجاء مع لم كثيرا، ومع لا، نقول: أجدك لا تفعل، وهو مصدر مؤكد تقدم على الجملة من أجل همزة الاستفهام، وهو - يعني همزة الاستفهام - دخلت على قولك: لا تفعل، فصار معنى الكلام التقرير، كأنه قال: ألا تفعل كذا وكذا جدّك، فقدم المصدر لما ذكرنا 6. انتهى ما نقله عن النهاية.
-

................................  وهو كلام حسن، وينحل به ما قاله ابن الحاجب، ثم قال الشيخ في الارتشاف: وها هنا نكتة وهي أن الاسم المضاف إليه جد، حقه أن يناسب فاعل الفعل الذي بعدها في التكلم والخطاب والغيبة نحو: أجدّك لا أكرمك، وأجدّك لا تفعل، وأجدّه لا يزورنا، وعلة ذلك أنه مصدر يؤكد الجملة التي بعده، فلو أضفته لغير فاعل اختل التوكيد 1. المبحث العاشر: قال سيبويه - في مسألة: له صوت صوت حمار -: فإنما انتصب هذا؛ لأنك مررت به في حال تصويت ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلا منه، ولكنك لما قلت: له صوت، علم أنه قد كان، ثم عمل، فصار قولك: صوت بمنزلة قولك: فإذا هو بصوت، فحملت الثاني على المعنى ثم قال: كأنه توهم بعد قوله: صوت: يصوت صوت حمار، أو يبديه، أو يخرجه صوت حمار 2. انتهى.
وفهم الناس منه أن صوت حمار يكون مصدرا مبينا إن قدر العامل من لفظ صوت، ويكون حالا إن قدر العامل من غير لفظ صوت 3، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله المتقدم: فإذا استوفيت شروط نصب المشبه به، فرفعه على الإتباع جائز، وكذا نصبه على الحال والعامل يبديه أو نحوه 4. المبحث الحادي عشر: أشار المصنف بقوله: (وإتباعه جائز) في المتن، وبقوله في الشرح: إن رفعه على الإتباع جائز 5 إلى جواز رفع هذا المصدر، إذ لا مانع من ذلك، ثم إن كان المصدر نكرة، جاز فيه كونه صفة، وكونه بدلا، ويؤخذ هذا من قول سيبويه: ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلا منه 6 ويجوز أيضا أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وإن كان المصدر معرفة كقولهم: لها هدير هدير الثور - تعين البدل، -

................................  ويجوز كونه خبرا لمبتدأ محذوف أيضا، ولا يجوز أن يكون صفة، لأنه معرفة، وأجاز ذلك الخليل؛ لأنه عنده في معنى النكرة، لأنها مضاف إليها مثل، وزعم سيبويه أن هذا قبيح ضعيف، لا يجوز إلا في موضع اضطرار 1، ثم قول المصنف: (وإتباعه جائز) يفهم منه ظاهرا أن النصب أرجح من الرفع، وقد اختلف في ذلك، فقال ابن خروف: النصب في هذا الباب الوجه؛ لأن الثاني ليس الأول فيدخله المجاز والإتباع، يعني إذا رفع 2، وقال ابن عصفور: الرفع والنصب فيه متكافئان؛ لأن النصب فيه [2/ 382] الإضمار، وفي الرفع المجاز، لأنه جعل الأول: الثاني 3 وليس به، وفيما قاله ابن عصفور نظر، فإن العامل المضمر قد قام شيء مقامه؛ ولذا التزم إضماره. وأما قول المصنف: (وإن وقعت صفة موقعه فإتباعها أولى من نصبها) فقد تقدم شرحه له، وقد نص سيبويه على أن الاختيار في ذلك الرفع 4 كما ذكر المصنف. وقرن سيبويه بهذه المسألة ما إذا كرر صوت ووصف نحو: له صوت صوت حسن، وعلل ذلك بأنه إنما أريد الوصف، فذكر صوت توطئة له، وأشار سيبويه إلى أن النصب جائز بقوله: وإن قلت: له صوت، أيما صوت أو مثل صوت الحمار، أو له صوت صوتا حسنا جاز. وزعم ذلك الخليل، ويقوي ذلك أن يونس وعيسى جميعا زعما أن رؤبة كان ينشد هذا البيت نصبا: 1473 - فيه ازدهاف أيّما ازدهاف 5 فحمله على الفعل ينصب صوت حمار؛ لأن ذلك الفعل لو ظهر نصب ما كان صفة، وما كان غير صفة 6. وأما قول المصنف: (وكذا التالي جملة خالية مما هو له) فأراد به الإشارة إلى نحو: فيها صوت صوت حمار، يعني أن الإتباع فيه أولى من النصب، وقد تقدم ذلك في كلام المصنف. قال سيبويه: ولو نصبت كان وجها؛ لأنه إذا قال: هذا صوت، فقد علم أن مع الصوت فاعلا نحمله على المعنى كما قال: 1474 - ليبك يزيد ضارع لخصومة 7

................................  المبحث الثاني عشر: قسم ابن عصفور المصدر بالنظر إلى التصرف والانصراف أربعة أقسام: الأول: متصرف لا منصرف: وهو كل ما أقيم من الصفات مقام مصدر محذوف نحو: قعد زيد أكثر من قعود عمرو، وما جمع من المصادر جمعا متناهيا نحو: جربت هذا الأمر تجارب كثيرة، وما فيه ألف تأنيث نحو: رجعته رجعى، وذكرته ذكرى.
الثاني: منصرف لا متصرف عكس الأول، وهو سبحان الله ومعاذ الله وريحانه أي استرزاقه، وعمرك الله وقعدك، وغفرانك لا كفرانك أي استغفارا، وحنانيك وهذاذيك، وحذاريك، ودواليك ولبّيك وسعديك.
والثالث: لا متصرّف ولا منصرف ومثله: «بسبحان» إذا جعل علما ولم يضف نحو: سبحان من علقمة الفاخر.
والرابع: متصرّف منصرف، وهو ما عدا ما ذكر نحو: ضرب وقتل إذا نصبتهما 1. انتهى.
وهو أمر غير محتاج إلى التنبيه عليه، لوضوحه، ولهذا لم يتعرض المصنف إلى ذكره، فإن قيل: كيف تعرض إلى مثل هذا التقسيم في الظرف؟ فالجواب: أن الظرف ثبت عنده كما ثبت عنده غيره أن فيه قسما لا ينصرف ولا يتصرّف، وهو سحر المعيّن 2، وبثبوت ذلك صارت القسمة رباعية [2/ 383] وهو محتاج إلى التنبيه على ما لا ينصرف، كما احتاج إلى التنبيه على ما لا يتصرّف ولا ينصرف، فلما كان ذكر هذين القسمين متعينا، والقسمة رباعية كما عرفت - ناسب أن يشير إلى الأقسام الأربعة، وأما المصدر فلم يكن عنده فيه قسم لا ينصرف ولا يتصرف، لأن سبحان عنده من قول القائل: 1475 - سبحان من علقمة الفاخر 3

    • والضارع: الذليل.
      وقد ورد البيت بعدة مراجع منها شرح المفصل (1/ 80)، وشرح التصريح (1/ 274)، والمحتسب (1/ 230)، والمقتضب (3/ 282).

................................  منوي الإضافة، فتنوينه إنما حذف لنيّة الإضافة كما تقدم تقريره، ولهذا قال: قد ينون إن لم تنو الإضافة نحو: 1476 - سبحانه ثمّ سبحانا نعوذ به 1 فامتنع ذكر هذا القسم، وما ينصرف ويتصرّف معلوم، وكذا ما ينصرف ولا يتصرف معلوم أيضا، فلم يبق مما يحتاج إلى التنبيه عليه من ذلك إلا قسم واحد، وهو: ما ينصرف ولا يتصرف، وقد ذكر المصنف منه عدة كلمات كما عرفت حين تكلم على حذف عامل المصدر، لكنه لم يتعرض في هذا الباب إلى عدم تصرفه، وكان الواجب أن ينبه على ذلك، ثم إن ابن عصفور تعرض إلى الكلام على بعض المصادر التي لا تتصرف 2، وأنا أذكر من كلامه على ذلك ما لم يتضمنه كلام المصنف، فأقول: ذكر في سبحان ما ذكره المصنف من أنه مصدر، ونسب القول بمصدريته إلى السيرافي، قال: مذهب أبي سعيد السيرافي أنه مصدر فعل غير مستعمل كأنه قيل: سبح سبحانا كما يقال: كفر كفرانا وشكر شكرانا، قال - يعني السيرافي -: وقولهم سبح فعل ورد على سبحان بعد أن ذكر، وعلم، ومعنى سبح: قال: سبحان الله كما نقول: بسمل إذا قال: بسم الله، وذهب غيره إلى أنه يقال: سبح الله إذا نزهه.
وبقوله: سبحان الله، أو بغير ذلك من ألفاظ التنزيه، وأن سبحان مصدر له غير جار عليه، كما قالوا: افترقوا فرقة، فجعلوا فرقة مصدر الافتراق، وإن لم يكن جاريا عليه، قال: وهذا المذهب هو الذي يعطيه كلام سيبويه، بدليل قوله: كأنه حين قال: سبحان الله قال: تسبيحا 3، ثم قال ابن عصفور: وأما معاذ، فله فعل من لفظه يقال: أعوذ بالله عواذا ومعاذا؛ فإذا قالوا: معاذ الله فكأنهم قالوا: عياذا بالله، إلا أنهم أوصلوا معاذا إلى المفعول بنفسه، ولذلك أضافوه، ويقال أيضا: معاذه وجه الله أي: عياذا بوجه الله 4، أنشد القالي 5 في نوادره لابن الدّمينة: -

................................  1477 - معاذه وجه الله أن أشمت العدى... بليلى وإن لم تجزني ما أدينها 1 قال: وأما ريحان فمصدر ليس له فعل من لفظه، فإذا قالوا: ريحان الله فكأنهم قالوا: استرزاقه، لأن الريحان الرزق، فوضع موضع استرزاقه، ثم سأل فقال: فقد رفع في قول النمر بن تولب: 1478 - سلام الإله وريحانه... ورحمته وسماء درر 2 وأجاب عن ذلك بأن قوله: [2/ 384] وريحانه معناه: ورزقه، فهو مضاف إلى غير المفعول، وريحانه الذي هو من هذا الباب مضاف إلى المفعول، فقد حكى سيبويه أن معنى قوله: سبحان الله وريحانه: أسبح الله وأسترزقه 3. انتهى.
وفي شرح الشيخ: وأما ريحان فقيل: معناه الاسترزاق، وقيل: الطيب والريحان في كلام العرب على هذين الوجهين، ومنه قوله تعالى: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ 4، وقال الشاعر: سلام الإله وريحانه وإذا كان بهذا المعنى تصرف وتدخله (أل) ومعنى الاسترزاق لا يتصرف ولا يكون إلا مضافا، ثم قيل: إنه لا يستعمل وحده، بل مقترنا بسبحان الله، ويضيف هذا القول أن سيبويه ذكره وحده، ولم يتعرض إلى التنبيه على ذلك 5 ثم ستعرف في التصريف أن أصل: ريحان ريوحان بوزن فيعلان، لأن أصله (روح) فقلبت الواو ياء على القاعدة المعروفة، وحصل الإدغام فصار: ريحان، ثم حذفت عين الكلمة، ووزنها بعد الحذف فيلان، وهو حذف سماعي غير مطرد 6. - - والزجاج والأخفش الصغير وابن السراج وغيرهم، ومن كتبه: الأمالي، والممدود والمقصور، وفعلت وفعلت، والنوادر وغيرها.
توفي سنة 356 هـ (ينظر: ترجمته في البغية (1/ 453) تحقيق محمد أبو الفضل).

................................  ثم قال ابن عصفور: وأما عمر من قولهم: عمرك الله فمصدر لعمر واقع موقع تعمير حذفت زوائده، ورد إلى الأصل، ونظيره في ذلك (قدر) من قول الشاعر: 1479 - فإن يبرأه لم أنفث عليه... وإن يهلك فذلك كان قدري 1 يريد: تقديري، فحذف منه الزوائد ورده إلى الأصل، وهو مصدر تشبيهي جعل بدلا من الناصب له، وهو عمر، فإذا قلت: عمرك الله، فالتقدير: عمرتك الله عمرك الله نفسك، أي عمرتك الله مثل تعميرك إياه نفسك، إلا أنه حذف الثاني من مفعولي المصدر للعلم به، ومعنى عمرتك الله: تعميرك إياه نفسك، سألت الله أن يعمرك كسؤالك أن يعمرك الله. وقعدك الله بمعنى عمرك الله، والقول فيه كالقول في عمرك الله، أعني أنه مصدر لقعد واقع موقع تقعيد حذفت زوائده، ورد إلى الأصل، كما أن عمرك الله كذلك، وهو أيضا مصدر تشبيهي جعل بدلا من الناصب له وهو قعد؛ فإذا قلت: قعدك الله فالتقدير: قعدتك قعدك الله نفسك، أي قعدتك الله تقعيدا مثل تقعيدك إياه نفسك، ومعنى قعدتك قعدك الله نفسك حفظتك تحفيظا كتحفيظك إياه نفسك، أي: سألت الله أن يحفظك كسؤالك إياه أن يحفظك، إلا أنه لم يستعمل من قعدك فعل، فيقال: قعدتك الله، كما قالوا: عمرتك الله 2، وليس قعدتك من القعود الذي هو خلاف القيام، ولكنه من قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ 3 أي حفيظ، يبين ذلك قوله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ 4، وقد جاء في الشعر [2/ 385]: قعيدك الله كما قال الشاعر: 1480 - قعيدكما الله الّذي أنتما له... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا 5

................................  وهو مصدر كالنذير من أنذر، ثم قال: وقعدك الله، وعمرك الله وإن كان تفسيرها ما ذكرناه، فإنها لما كانت كثيرا تستعمل عند الطلب والسؤال صار قائلها كأنه قال: سألتك الله هل كان كذا وكذا، فوقع بعدها لذلك ما وقع عليه السؤال، والذي يقع عليه السؤال ست: الأمر والنهي والاستفهام، وأن ولما حقيقة وإلا فوقع بعدها الأمر والنهي والاستفهام؛ لأنها كلا بمعنى السؤال ومن ذلك قوله: 1481 - عمرك الله ساعة حديثنا... ودعينا من ذكر ما يؤذينا 1 وقول بعضهم: عمرك الله لا تقل إلا صدقت، ولا تسر إلا وقفت.
ووقعت بعدها أن؛ لأنها في صلة السؤال، ومن ذلك قوله: 1482 - قعيدك أن لا تسمعيني ملامة... ولا تنكأي قرح الفؤاد فييجعا 2 كأنه قال: سألتك بالله أن لا تسمعيني ملامة، ووقعت بعدها لما حقيقة، قالا: لأنهما يقعان بعد السؤال؛ فقالوا: عمرتك الله لما تفعل كذا، وإلا فعلت كذا، من ذلك قوله: 1483 - عمرتك الله إلّا ما ذكرت لنا... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم 3 وساغ إدخال (إلا) بعد السؤال في نحو قولك: سألتك بالله إلا فعلت، حملا على ما أفادوه من معنى النفي، لأنهم أرادوا: ما أسألك بالله إلا فعلت، والأصل في قولهم: (إلا فعلت): إلا أن تفعل، فأوقعوا الماضي موقع المضارع ولم يدخلوا (أن)، وقال الفارسي: إن الأصل فيه: إلا فعلك، فأوقعوا الفعل موقع المصدر، كما وقع موقعه في قول الشاعر أنشده أبو زيد: -

................................  1484 - وقالوا ما تشاء فقلت ألهو... إلى الإصباح آثر ذي أثير 1 فأوقع (ألهو) في جواب (ما تشاء) موقع اللهو 2، ونظير ذلك في الإتيان بألّا لإرادة معنى النفي قوله 3: 1485 - وهل هند إلّا مهرة عربيّة... سليلة أفراس تحلّلها بغل 4 فأتى بإلّا، لأن المعنى: ما هند إلا مهرة عربية، وقول الآخر: 1486 - وكلّهم حاشاك إلّا وجدته... كعين الكذوب جهدها واحتفالها 5 فأتى أيضا بإلا؛ لأن المعنى: ما منهم أحد حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب، قال 6: وأما غفرانك من قولهم: غفرانك لا كفرانك، فمصدر واقع موقع استغفار، ولا يستعمل على هذا المعنى إلا منصوبا مضافا إلى المفعول، ثم قال: وأما حنانيك، وهذاذيك وحذاريك ودواليك ولبيك وسعديك، فمصادر مثناة بلا خلاف، إلا لبيك فإن فيه خلافا، ثم ذكر المسألة إلى آخرها ومذهب يونس فيها، واستدلال سيبويه 7 عليه كما تقدم [2/ 386] في كلام المصنف، ثم قال: -

................................  والغرض بتثنية هذه المصادر التكثير بمعنى حنانيك تحنّنا بعد تحنّن، ثم فسر ذلك بأن قال: أي كلما كنت في رحمة منك فلا تنقطع عنا، ولكن موصولة بأخرى، وفيه نظر، قال: سبحان الله وحنانيه، فكأنه قال: سبحان الله واسترحامه، أي أسبح الله وأسترحمه استرحاما موصولا بمثله، وإذا قال: حذاريك فكأنه قال: ليكن منك حذر بعد حذر، وإذا قال: فعلته دواليك، فكأنه قال: مداولتك، وهو مصدر تشبيهي أي نتداوله مرة بعد أخرى مداولة مثل دواليك، أي مثل مداولتك، وإذا قال: هذاذيك فكأنه قال: هذا بعد هذا.
وإذا قال لبيك وسعديك كأنه قال: إجابة بعد إجابة أي كلما أجبتك في أمر، فإني في الآخر مجيب، قال: وإنما استعملتا في هذا المعنى وإن كان لبيك من قولهم: ألبّ على الأمر، إذا داوم عليه، ولم يفارقه.
وسعديك من قولهم: أسعد فلان فلانا على مراده، وساعده عليه، ولا يقال: ألب ولا أسعد بمعنى أجاب؛ لأن الإلباب والمساعدة دنوّ منه ومتابعة، وكل من دنا منك وتابعك على ما تريده فقد أجابك إلى ما تريد منه 1، ثم قال: ولكون هذه المصادر المثناة قد دخلها بالتثنية في حال انتصابها على أنها مصادر معنى، ليس للتثنية بحق الأصالة، وهو الكثير - لم يتصرفوا فيها، ومما يدل على ذلك أنهم لما أفردوا حنانا لم يمنعوه التصرف، قال الله تعالى: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا 2، وقال الشاعر: 1487 - فقالت حنان ما أتى بك هاهنا 3 ثم قال: فأما حنانيك وهذاذيك، وحذاريك، فإنها مضافة إلى الفاعل، وأما -

................................  سعديك ولبيك وحنانيه من سبحان الله وحنانيه، فإنها مضافة إلى المفعول، قال: وما ذهب إليه الأعلم من أن الكاف في دواليك وهذاذيك حرف خطاب 1 بمنزلتها في النجاك 2 باطل؛ لأن النون قد حذفت لها، ولا يعرف من كلامهم حذف النون للكاف التي هي حرف خطاب.
هذا انتهاء كلام ابن عصفور 3، وفي بعضه بحث، وسيأتي الكلام على هذه المصادر أعني المثناة كدواليك في باب الإضافة إن شاء الله تعالى.
وفي شرح الشيخ: وأما سلاما فقال أبو الخطاب 4: موضع تسليم برأه، أي لا خير بيننا ولا شر، وإذا لقيت فلانا فقل سلاما، فسره بعضهم بالبرأة عنه، ومعنى سلامك ربنا في كل فجر 5، وسلامتك أي برأتك من كل سوء كما تقول: سلم سلامة من هذا الأمر أي لم يتثبت منه بشيء.
وعلل عدم تصرفه بأنه حذفت منه التاء فلزم النصب، قال سيبويه: إن من العرب من يرفعه [2/ 387] فيقول: سلام وهو يريد معنى المبارأة، كما رفعوا حنان، سمع من العرب من يقول: لا تكونن مني إلا سلام بسلام 6، وهو استثناء منقطع، التقدير: إلا أن يكون مباركة ومبارأة، كأنه قال: إلا أمرنا سلام فسلام، أي مبارأة ما جرى، يريد مني ومنك، وكأنه قال: لا تكونن مني إلا مجانبا ومسالما، وكان هنا تامة؛ لأن -

................................  النهي لا يكون في الناقصة، كما لا يكون الأمر وقد حمل على الناقصة وهو للمبرد 1 فيكون مني متعلّقا بمحذوف هو الخبر لها على معنى لا يكونن منسوبا إلى إلا بالمجانبة 2. انتهى، وقول هذا القائل: إن النهي لا يكون في الناقصة كما لا يكون الأمر - كلام عجيب، وما المانع أن تقول لمخاطبك: لا تكن ظالما، ولا تكن جاهلا، وكن عالما، وكن عادلا، وقد قال الله تعالى: قُلْ كُونُوا حِجارَةً 3 وفي الشرح المذكور أيضا: وأما حجرا فكأنه من الحجر، وهو المنع فاستعمل مكسورا، كاستعمال العمر في القسم مفتوحا وهو من العمر، وقيل: هو الاسم واقع موقع المصدر، فيكون على فعل من لفظه، كأنه قال: أحجر حجرا، أي أمنعه عن نفسي وأبعده وأبرأ منه، ويقول الرجل للرجل: أتفعل هذا؟ فيقول: حجرا، أي منعا، وقال سيبويه: أي سترا وبرأة من هذا 4. والحجر يراد به الستر ومنه: وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً 5 أي حراما 6؛ لأن الحرام ممنوع منه.
ومحجورا تأكيد يريد حجرا حجرا، لكن أتى بصيغة المفعول وهو لا ينصرف إن كان بمعنى المبارأة والتعوذ، فإن كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب هذا المعنى، تصرف كقوله تعالى: قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ 7 أي لصاحب مانع يمنعه عن الباطل، أي صاحب عقل، ولذلك فسر هنا بالعقل؛ فأما وَحِجْراً مَحْجُوراً 8 يعد برزخا فمعناه ستر، فلم يجعل موضع الفعل على ذلك المعنى، وقيل: هو هنا على الأصل المذكور نائبا عن فعل، كأنه لما جعل بينهما البرزخ قدر ذلك بينهما تنافرا، فصار كل واحد منهما كأنه يقول للآخر: حجرا محجورا، مبالغة في الحجر، قال: وذهب المبرد 9 إلى أن حجرا يتصرف لما رآه يتصرف في موضع، ولكن قد تقدم الفرق 10.

[أحكام للمفعول المطلق المحذوف عامله وجوبا]

قال ابن مالك: (فصل: المجعول بدلا من اللفظ بفعل مهمل مفرد كذفرا، وجائز الإفراد والإضافة كويله، ومضاف غير مثنّى كبله الشيء وبهله، ومثنّى كلبّيك وليس كلدى لبقاء يائه مضافا إلى الظّاهر، خلافا ليونس، وربّما أفرد مبنيّا على الكسر.
وقد ينوب عن المصدر اللّازم إضمار ناصبه صفات كـ: عائذا بك، وهنيئا لك، وأقائما وقد قعد النّاس 1، وأسماء أعيان كتربا وجندلا، وفاها لفيك، وأأعور وذا ناب؛ والأصحّ كون الأسماء مفعولات والصّفات أحوالا).
قال ناظر الجيش: اعلم أن صدر هذا الفصل إلى قوله: (وربما أفرد [2/ 388] مبنيّا على الكسر) قد تضمن كلام المصنف المتقدم شرحه مستوعبا، وأما قوله: وقد ينوب عن المصدر اللازم إضمار ناصبه إلى آخر الفصل، فقال المصنف في شرحه 2: الأصل في الدعاء والإنشاء والتوبيخ والاستفهام أن يكون الفعل، وكثرت نيابة المصدر عنه في ذلك، لقوّة دلالته عليه نحو: معاذ الله، وغفرانك، و: 1488 - أذلّا إذا شبّ العدى نار حربهم 3 وقعودا يعلم الله وقد سار الركب، وقد يقوم مقام المصدر صفات مقصودا بها الحالية على سبيل التوكيد نحو: عائذا بالله من شرها، وهنيئا لك، وأقاعدا وقد سار الركب، وقائما علم الله وقد قعد الناس، فوقعت الصفات في مواقع المصادر، لتضمنها إياها 4، وجعلت أحوالا مؤكدة لعواملها المقدرة استغني بها عن المؤكد كما استغني بالمصادر، ولا يستبعد كون الحال مؤكدة لعاملها مع كونه -

................................  من لفظها، فإن ذلك واقع في أفصح الكلام كقوله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا 1، وقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ 2. ومن نيابة الحال في الإنشاء قول عبد الله بن الحارث السهمي رضي الله عنه 3: 1489 - ألحق عذابك بالقوم الّذين طغوا... وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني 4 أراد: وأعوذ عائذا بك، فحذف الفعل وأقام الحال كما كان يفعل بالمصدر، لو قال: عياذا بك؛ ومن نيابتها في التوبيخ قول الآخر: 1490 - أراك جمعت مسألة وحرصا... وعند الحقّ زحّارا أنانا 5 الأنان: الأنين، والعامل فيه (زحّارا)؛ لأن (زحر) قريب المعنى من أنّ.
ومن نيابة الحال في الاستفهام قول الذبياني: 1491 - أتاركة تدلّلها قطام... وضنّا بالتّحيّة والكلام 6 فهذا كقولك: قائما زيد وقد قعد الناس، وقد حمل المبرد: عائذا بك وأقائما -

................................  وقد سار الركب ونحوهما - على أنها مصادر، وجاءت على وزن فاعل كقولهم: فلج به فالجا، وما ذهب إليه غير صحيح 1؛ لأنه يوافقنا على أن عائذا وقاعدا ونحوه لا يدل على المصدرية في غير الأمثلة التي ادعى فيها المصدرية؛ فدلالتها عليها في هذه الأمكنة اشتراك ومخالفة للاستعمال المجمع عليه فلا تقبل بمجرد الدعوى، ولو سلم الاشتراك لكانت المصدرية مرجوحة في الصفات المشار إليها؛ لأن استعمالها في غير المصدرية أكثر من استعمالها في المصدرية عند من يرى صلاحيتها؛ فكان الحكم بعدم مصدريتها أولى، ومما يدل على أن عائذا وقاعدا ونحوهما ليست مصادر في الأمكنة [2/ 389] المذكورة امتناع مجيئها في الأمكنة المختصة للمصدرية نحو: قعدت قعودا طويلا، وقعدت قعود خاشع، والقعود المعروف؛ فلو جعلت قاعدا في أحد هذه الأمكنة لم يجز، فدل ذلك على انتفاء مصدريته وبثبوت حاليته، ولذلك لا يجيء هذا النوع إلا نكرة، ولو كان مصدرا لجاز وقوعه معرفة، كما جاز تعريف المصدر، قال سيبويه: ومن العرب من ينصب بالألف واللام، من ذلك: الحمد لله، فنصبها عامة بني تميم، وناس من العرب كثير، وسمعنا العرب الموثوق بهم يقولون: العجب لك 2، قلت: فعلى هذا لو قيل: العياذ بك على موضع عياذا بك لجاز، ولو عرف عائذ من قولهم: عائذا بك -

................................  لم يجز، فدل ذلك على أنه حال لا مصدر، وفي بعض ما ذكرته كفاية والحمد لله.
وكما استغنوا عن الفعل في هذه المواضع بالحال استغنوا في بعضها بالمفعول به كقولهم: تربا له وجندلا على تقدير: ألزمه الله وأطعمه، وكلا التقديرين قول سيبويه 1، ومثله قولهم: فاها لفيك، والضمير ضمير الداهية، ومنه قول الشاعر 2: 1492 - تحسّب هوّاس وأقبل أنّني... بها مفتد من واحد لا أغامره فقلت له: فاها لفيك فإنّها... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره 3 ومن حكم بالمصدرية على هذه الأسماء، فليس بمصيب، ولو نال من الشهرة أوفر نصيب، لكن الموضع بالأصالة للفعل، ثم للمصدر، ثم للحال، ثم للمفعول به، فمن قال: تربا لك وجندلا، فكأنه قال: تربت وجندلت، ومن قال: فاها لفيك، فكأنه قال: دهيت، فلو روعي في النّيابة الدرجة الأولى لقيل: تربا لك، وجندلة، ودهيا، ولو روعيت الدرجة الثانية لقيل: متروبا ومجندلا ومدهيا؛ لكنهم راعوا الدرجة الثالثة فجيء بأسماء الأعيان، ومن نيابة المفعول به عن فعل الإنكار قول رجل من بني أسد: يا بني أسد أأعور وذا ناب؟! 4 يريد: أتستقبلون أعور وذا ناب، وذلك في يوم التقى فيه بنو أسد وبنو عامر، فرأى بعض الأسديين بعيرا أعور، فتطير وقال لقومه هذا الكلام، فقضي أن قومه هزموا وقتل منهم.
انتهى كلام المصنف 5. -

................................  وها هنا أمور ننبه عليها منها: 1 - أن الفعل الموافق (هنيئا) في الاشتقاق كهنأ، يقال: هنأني الطعام أي ساغ لي وطاب، واسم الفاعل هانئ، وهنيء عدل من هانئ إليه للمبالغة، وأجازوا أن يكون من هنؤ الطعام إذا ساغ كما يقال: ظرف فهو ظريف، قالوا: وكذلك (مريئا) يحتمل أن يكون من هنأني الطعام ومرأني، ومن هنؤ الطعام ومرؤ، ثم إذا لم يذكر هنأني يقال: أمرأني رباعيّا، واستعمل مع هنأني [2/ 390] ثلاثيّا طلبا للتشاكل، والمريء ما ينساغ في الحلق 1، وإذ قد عرف اشتقاق هاتين الكلمتين، فاعلم أن سيبويه قال: هنيئا مرئيا صفتان نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئا مريئا 2. انتهى.
ومريئا تابع لهنيئا، وقال الزمخشري: إن انتصاب هنيئا مريئا في قوله تعالى: فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً 3 على أنه نعت لمصدر محذوف أي: فكلوه أكلا هنيئا، أو على أنه حال من ضمير المفعول 4. قال الشيخ: وهو قول مخالف لقول أئمة العربية سيبويه وغيره، فعلى ما قاله أئمة العربية يكون هنيئا مريئا من جملة أخرى غير (فكلوه)، ولا تعلق له به من حيث الإعراب، بل من حيث المعنى 5. انتهى.
وكان الزمخشري يقول: إن هنيئا له استعمالان: أحدهما: أن لا يقصد به الدعاء، فيستعمل مكملا به كلام تقدمه، وحينئذ يكون معمولا للعامل الكائن في ذلك الكلام، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ومن ثم أعرب نعتا لمصدر محذوف، أو حالا.
ثانيهما: أن يقصد به الدعاء، فيؤتى به في ابتداء الكلام 6، وذلك بأن يقول -

................................  إنسان: أكلت أو شربت، فتقول له هنيئا مريئا، وهذا هو الذي يجب إضمار عامله، وهو الذي قصده سيبويه، إلا أن يقال: ليس من شأن الطعام أن يكون هنيئا مريئا بنفسه، وإنما ذلك من فعل الله تعالى، وإذا كان كذلك تعين أن يكون هنيئا مريئا دعاء، وإذا كان دعاء تعين أن يكون له عامل غير ما هو له مذكور في الكلام، وهو ما أشار إليه سيبويه بقوله: كأنهم قالوا: نبت ذلك هنيئا مريئا 1. ثم قال الشيخ: وجماع القول في (هنيئا) أنها حال قائمة مقام الفعل الناصب لها، فإذا قيل: إن فلانا أصاب خبزا، فقلت: هنيئا له ذلك، فالأصل ثبت له ذلك هنيئا فحذف ثبت وأقيم هنيئا مقامه.
واختلفوا حينئذ فيما يرفع به ذلك فقال السيرافي: إنه مرفوع بذلك الفعل الذي هو ثبت وهنيئا حال من ذلك، وفي هنيئا ضمير يعود على ذلك، وإذا قلت (هنيئا) ولم تقل ذلك بل اقتصرت على (هنيئا) ففيه ضمير مستتر يعود على ذي الحال وهو ضمير الفاعل الذي استتر في ثبت المحذوف 2، وذهب الفارسي إلى أن (ذلك) مرفوع بقولك (هنيئا) القائم مقام الفعل المحذوف؛ لأنه صار عوضا منه، ولا يكون في هنيئا ضمير، لأنه قد رفع الظاهر أعني اسم الإشارة، وإذا قلت (هنيئا) دون (ذلك) ففيه ضمير فاعل بها وهو الضمير الذي كان فاعلا لثبت، ويكون (هنيئا) قد قام مقام الفعل المختزل مفرغا من الفاعل، قال: وإذا أتبعت (هنيئا) بقولك (مريئا) ففي نصب (مريئا) خلاف: قال بعضهم 3: إنه صفة لقولك: (هنيئا)، وقال الفارسي 4: إن انتصابه [2/ 391] انتصاب (هنيئا) فالتقدير عنده ثبت (مريئا).
ولا يجوز عنده أن يكون صفة لقولك: (هنيئا) من جهة أن حكم (هنيئا) حكم الفعل لنيابته عنه، والفعل لا يوصف 5. انتهى.
ولا يخفى ضعف هذا التعليل، وليعلم أن سيبويه أجاز أن يكون الفعل المقدر الناصب لهنيئا هنأ، مع إجازته تقدير ثبت، والتقدير: هنأه ذلك -

................................  هنيئا 1 قال بعض النحاة: وتقدير ثبت أولى، لكون الحال فيه مبينة، وإن قدر (هنأ) كانت الحال مؤكدة 2. 2 - ومنها: أن سيبويه رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر تربا وجندلا قال: واختزل الفعل هنا؛ لأنهم جعلوه بدلا من قولك: تربت يداك 3؛ فقد يتوهم من كلامه أن تربت هو الناصب لتربا، وليس مراده ذلك، بل مراده أنه لا يقال تربا إلا في المعنى الذي يقال فيه: (تربت يداك)، ثم إن تربا لما حل محل المصدر الذي اختزل فعله، وكان المصدر يجوز أن يعدل به من النصب إلى الرفع مع إرادة معنى النصب، جاز أن يعامل (تربا) هذه المعاملة، ومنه قول الشاعر: 1493 - لقد ألّب الواشون ألبا بجمعهم... فترب لأفواه الوشاة وجندل 4 فرفع وهو يريد ما يراد بالمنصوب من الدعاء، لكنهم نصوا على أن الرفع لا ينقاس في أسماء الأعيان التي يراد بها الدعاء لو قلت: (فوها لفيك) على قصد الدعاء لم يجز، قالوا: ولا يجوز تعريفها باللام، لأن الدعاء بالاسم قليل واللام -

................................  للاسم الذي لم يوضع موضع الفعل 1، لكن نقل الشيخ عن البسيط أن فيه: وقد أدخلوا هنا اللام كما فعلوا في المصدر رفعا ونصبا، فقالوا: الترب له والترب له 2. انتهى.
وقال سيبويه - في أأعور وذا ناب -: ولو قال: أأعور وذو ناب كان مصيبا يعني أنه يرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، التقدير: أمستقبلكم أو استقبالكم، ويكون إضمار ذلك المبتدأ واجبا، فلا يجوز إظهاره، كما أن الناصب لأعور كان كذلك 3. 3 - ومنها: أنه قد فهم من قول المصنف ومن حكم على هذه الأسماء - يعني تربا وجندلا، ونحوهما - بالمصدرية فليس بمصيب أنه كما قيل بمصدرية عائذا بك ونحوه قيل بمصدرية تربا وجندلا، وما كان نحوهما، لكن المصنف ذكر أن القائل بمصدرية نحو عائذا بك هو المبرد، وأما القائل بمصدرية نحو تربا وجندلا، فلم يذكره، وقد قال الشيخ: وذهب الأستاذ أبو علي وغيره إلى أن تربا وجندلا ينتصب كنصب المصادر؛ لأنها وإن كانت جواهر فقد وضعت موضع المصادر، لأن هذا المعنى كثر فيها، قال: ولذلك قدرها سيبويه بألزمك الله أو أطعمك الله 4، ثم قال: لأنهم جعلوه بدلا من تربت يداك؛ فالأول هو التقدير الأصلي، والثاني هو الطارئ الذي قلناه، وكذلك قدر في جندلا فعلا من لفظه ينتصب عليه، ولذلك تدخل فيه اللام، فتقول: تربا لك [3/ 392] كما تقول سقيا لك، وقصته قصته 5. انتهى.
ولم أفهم من هذا الكلام مقصودا، ثم ذكر الشيخ في: (أأعور وذا ناب) كلاما من نسبة هذا الكلام عن ابن عصفور 6، وأتبعه بأن المصنف خلط، حيث جمع -

................................  بين تربا وجندلا، وفاها لفيك، وبين أأعور وذا ناب، وذكر أن سيبويه لم يفعل ذلك، بل أفرد الثلاثة الأول بباب، وذكر أأعور وذا ناب في باب آخر 1، ولم يتحصل لي من ذلك كله شيء، ومن ثم يظهر فضل المصنف، فقد أفصح عن المقصود، وأبان المطلوب بأفصح عبارة وأوضح إشارة، فرحمه الله تعالى ورحمنا، ورحمهم أجمعين بمنّه وكرمه، إنه وليّ الإجابة.

جارٍ التحميل