تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 627-639

الباب الثامن باب الاسم العلم

صفحات 627-639

................................  فالتعدّد ليس بطريق الأصل، وإنّما احتيج إلى هذا؛ لأنّ العرب منعت بعضه الألف واللام والصّرف، ونصبت عنه الحال» انتهى.
وثم طريقة أخرى في تقرير هذا الموضع جنح إليها الشيخ، وهي أن إطلاقه العلمية على هذه الأنواع مجاز؛ لأن أسامة وأسد لا تخالف بينهما في المعنى، وإنما التخالف بينهما في أحكام لفظية، والعلم الجنس داخل في حد النكرة، ولكن ما وجدت فيها أحكام المعارف أطلقنا عليها معارف 1. وقال الإمام بدر الدين ولد المصنف مشيرا إلى أعلام الأجناس: «هذه كلّها أسماء أجناس؛ وسميت أعلاما لجريانها مجرى العلم الشخصي في الاستعمال، وذلك أنّها لا تقبل الألف واللّام، وإذا وصفت بالنكرة بعدها انتصبت على الحال، ويمنع منها الصّرف ما فيه التأنيث والألف والنون الزائدتان لما شاركت العلم الشّخص في الحكم ألحقت به» 2. وفي قول المصنف في الألفية: ووضعوا لبعض الأجناس علم... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم إشارة إلى هذه الطريقة.
وقال الشيخ بعد إيراده قول المصنف: فخصوصه باعتبار تعيينه الحقيقة في الذهن، وشياعه باعتبار أن لكل شخص من أشخاص نوعه قسطا من تلك الحقيقة في الخارج: «ما من نكرة إلّا ويتصوّر فيها هذا الّذي ذكره المصنّف وغيره».
انتهى 3. وما قاله [1/ 205] غير ظاهر؛ فإن النكرة كرجل مثلا لم توضع للحقيقة الذهنية، وإنما وضعت لفرد من أفراد ذكور الآدميين على سبيل الشياع.
والذي ذكره المصنف وغيره: أنّ العلم الجنس موضوع للحقيقة المعقولة في الذّهن نفسها.
واعلم أنهم قد وضعوا لبعض المألوفات أعلاما نوعية، كقولهم للأحمق: أبو الدّغفاء، وللمجهول شخصه ونسبه: هيّان بن بيّان، ومن ذلك قولهم لنوع -

................................  الأمة: اقعدي وقومي، ولنوع العبد: قنّور بن قنّور، ولنوع الفرس: أبو المضاء.
قال المصنف 1: ومن أبي الدغفاء وما بعده احترزت بقولي: لا تؤلف غالبا.
وأما قوله: ومن النّوعيّ ما لا يلزم التّعريف - فقال المصنف شارحا له: ولما كان لهذا الصنف من الأعلام يعني العلم الجنس؛ خصوص من وجه وشياع من وجه - جاز في بعضها أن يستعمل تارة معرفة فيعطى لفظه ما تعطاه المعارف الشخصية، وأن يستعمل تارة نكرة فيعطى لفظه ما يعطاه النكرات.
والطريقة في ذلك كله السماع 2. فمما جاء بالوجهين: فينة وغدوة وبكرة 3 وعشيّة؛ فلك أن تقول: فلان يأتينا فينة بلا تنوين، أي يأتينا الحين دون الحين، ولك أن تقول: يأتينا فينة بتنوين أي حينا دون حين، فيختلف التقديران والمراد واحد، وكذلك فلان يتعهدنا غدوة وبكرة وعشية، أي الأوقات المعبر عنها بهذه الأسماء، فلا تنوين إذا قصدت بها ما يقصد بالمقرون بالألف واللام عهديتين أو جنسيتين، كما تفعل بأسامة وذؤالة؛ إلا أن لك في بكرة وغدوة وعشية أن تنونها مؤولا لها بمجرد من الألف واللام، وليس لك ذلك في أسامة وذؤالة؛ ولا علة لذلك إلا مجرد الاتباع لما صح من السماع 4.56789

[حكم الصرف وعدمه لأنواع الأعلام]

قال ابن مالك: (ومن الأعلام الأمثلة الموزون بها؛ فما كان منها بتاء تأنيث، أو على وزن الفعل به أولى، أو مزيدا آخره ألف ونون أو ألف إلحاق مقصورة - لم ينصرف إلّا منكرا، وإن كان على زنة منتهى التّكسير، أو ذا ألف تأنيث - لم ينصرف مطلقا؛ فإن صلحت الألف لتأنيث وإلحاق جاء في المثال اعتباران).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: الأمثلة الموزون بها كقولك وزن عامر وطلحة وأحمد وعمر: فاعل وفعلة وأفعل وفعل؛ فهذه وما أشبهها معارف؛ لأن كل واحد منها يدل على المراد دلالة تتضمن الإشارة إلى حروفه وهيئته؛ ولذلك تقع بعده المعرفة صفة والنكرة حالا، كقولك: لا ينصرف فعل المعدول بل ينصرف فعل غير معدول.
والأمثلة المشار إليها بالنسبة إلى الصرف ومنعه على أربعة أقسام:

  • قسم ينصرف مطلقا.
  • وقسم لا ينصرف مطلقا.
  • وقسم ينصرف في التنكير دون التعريف.
  • وقسم له اعتباران هو في أحدهما كالثاني وفي الآخر كالثالث.
    فالأول: كفاعل؛ فإنه ليس فيه مع العلمية سبب ثان.
    والثاني: كفعلاء [1/ 206] وفعلى مما فيه ألف التأنيث ممدودة أو مقصورة، وكمفاعل ومفاعيل مما فيه زنة منتهى التكسير.
    والثالث: كفعلة وأفعل وفعلان وفعلى مما فيه تاء التأنيث، أو وزن الفعل، أو الألف والنون الزائدتان، أو ألف الإلحاق المقصورة؛ فهذه لا تنصرف ما دامت معارف، وتنصرف إذا وقعت موقعا يوجب تنكيرها، كقولك: كل فعلة صحيح العين فجمعه فعلات إن كان اسما، وفعلات إن كان صفة؛ وكل فعلان ذي مؤنث على فعلى لا ينصرف، وكل أفعل غير علم ولا صفة ينصرف.
    والرابع: الذي له اعتباران فعلى بفتح الفاء وكسرها؛ فإن ألفه صالحة للتأنيث -

................................  وصالحة للإلحاق؛ فإن حكم بتأنيثها كان ما هي فيه غير منصرف في تعريف ولا تنكير؛ وإن حكم بكونها للإلحاق كان ما هي فيه غير منصرف في التعريف منصرفا في التنكير.
انتهى كلام المصنف 1 رحمه الله تعالى.
ولابن الحاجب رحمه الله تعالى في هذه المسألة كلام وتقسيم حسن يفيد ما لا أفاده كلام المصنف، قال 2: «هذه الأمثلة إنما وقعت في اصطلاح النحويين، وضعوها لموزوناتها أعلاما على طريق الإيجاز والاختصار، وهي في الأعلام لموزوناتها بمنزلة باب أسامة على قول.
ثم لا يخلو إما أن تستعمل وزنا للأفعال على حدتها أو لغير ذلك».
«فإن استعملت للأفعال كان حكمها حكم موزوناتها، فنقول: استفعل حكمه كذا وكذا.
وإن وضعت لغير الأفعال فلا تخلو إما أن توضع لجنس ما يوزن بها أو لا؛ فإن وضعت لجنس ما يوزن بها سواء كانت للأسماء أم للأفعال - كان حكمها حكم نفسها، فإن كان فيها ما يمنع الصرف منعت (وإلّا صرفت) 3». «وإن لم تستعمل لجنس ما يوزن بها فلا تخلو إما أن تقع في الكلام كناية عن موزوناتها أو لا.
فإن وقعت كناية عن موزوناتها كان لها حكم موزوناتها، لا حكم نفسها على الأكثر.
وإن لم تكن كذلك وكانت موزوناتها مذكورا معها، كقولك: وزن قائمة فاعلة - فللنحويين فيها مذهبان: منهم: من يجريها مجرى الأول فيجعل له حكم نفسه، ومنهم: من يجعل حكمها حكم الثاني، فتقول على المذهب الأول: وزن قائمة فاعلة غير مصروف لأن فيه علتين: العلمية والتأنيث وهو مذهب الزمخشري».
«وتقول على المذهب الثاني: وزن قائمة فاعلة مصروفا لأن موزونه مصروف.
ووجه الأول هو أنه لما كان علما باعتبار الجنس كأسامة - وجب إجراؤه على كل واحد من مفرداته كما يجري أسامة؛ فإن أطلقته على واحد من مفرداتها كان علما، كما إذا أطلقت أسامة على واحد من الآساد كان اسما علما» [1/ 207]. -

................................  «ووجه الثاني هو أن باب أسامة في جريه علما على كل واحد - من المشكلات التي تتحير فيها الأفهام؛ لكونها في المعنى نكرة وحكمها حكم الأعلام، حتى احتيل في استقاميتها بأن قدرت أعلاما للحقائق المنقولة وصح إجراؤها للآحاد لوجود الحقيقة فيها.
ولولا أن العرب منعت صرف أسامة عند جريه على الواحد - لم يرتب في أنه نكرة».
«وإذا كان باب أسامة خارجا عن باب الأعلام؛ فإذا وضع النحويون أعلاما 1 فإعطاؤها حكم الأعلام القياسية أولى من إعطائها حكم أسامة الخارج من القياس؛ فعلى هذا لا يكون أفعل في قولك: وزن إصبع إفعل - علما.
ويرد على هؤلاء أنه إذا لم يكن علما وجب أن يكون نكرة، فيجب أن يقال: وزن طلحة فعلة؛ إذ ليس فيه ما يمنع الصرف أصلا؛ لأن العلمية مفقودة، وتاء التأنيث شرطها في التأثير العلمية، فلا علة لهذا».
«والجواب عنه أن يقال: هذا وإن لم يكن علما فليس اللفظ مقصودا في نفسه، وإنما الغرض به معرفة موزونه، فأجري مجرى موزونه» انتهى كلام ابن الحاجب 2. ووقفت لبعض مصنفي العجم على تقسيم تبع في أكثره ابن الحاجب: وهو أن هذه الأمثلة لا تخلو إما أن تستعمل مجردة عن الموزونات أو معها، والأول لا يخلو إما أن يكون أوزانا للأفعال على حدتها أو لغيرها، ففي الأول: حكمها حكم الأفعال، فتقول: فعل مبني على الفتح، ويفعل معرب، واستفعل للسؤال، وفي الثاني: وهو أن تكون لغير الأفعال على ثلاثة أقسام.
لأنها إما أن تعتبر بالنسبة إلى جميع ما يوزن بها، أو بالنسبة إلى بعض ما يوزن بها، بأن تجعل كناية عنه، أو بالنسبة إلى أنفسها من غير ملاحظة الموزونات: فالقسم الأول: «نكرة فإن كان فيه ما يمنع صرفه وهو نكرة منع، كما تقول: كل فعلاء مؤنث أفعل، وكل فعلى تأنيث فعلان؛ وإن خلا من مانع صرفه صرف، كما نقول: فعلة إذا كانت اسما وجمعت بألف وتاء - حركت عينها، فأنت لا تريد مثلا واحدا، وإنما تريد كل ما يوزن بها كتمرة وطلحة».
-

................................  والقسم الثاني: «وهو الذي كني بالأوزان فيه عن موزون معين غير مشترك حكمه حكم الموزون على الأكثر، فتقول: فاعلة صفة مؤنث وأنت تريد بها ضاربة فتصرف لأنها نكرة، وتقول: فاعلة بعدم الصرف كناية عن فاطمة علم.
وعند الأقليين 1 جعل غير منصرف في الصورتين اعتبارا بالزنة لا بالموزون».
والقسم الثالث: «وهو الذي اعتبرت فيه الزنات بالنسبة إلى أنفسها دون ملاحظة الموزونات؛ فالزنات بهذا الاعتبار أعلام، فإن انضم إلى العلمية ما يؤثر معها في منع الصرف - منعت الزنات الصرف وإلا فلا، فتقول: فعلة إذا كان اسما حركت عينها بالفتح في الجمع بألف وتاء بعدم الصرف، والثاني وهو الذي يذكر مع الموزون فيه قولان: منهم من يعتبر الموزون، ومنهم من يعتبر الزنة؛ فعلى الأول تقول: قائمة فاعلة بالصرف، وما يشبه فاعلة بعدم الصرف [1/ 208]، وتقول على الثاني: فاعلة بعدم الصرف في الصورتين».
ثم قال 2: «واعتبار الزنة مع الموزون في الصرف وعدمه يوجب أربعة أقسام: الأول: كلاهما منصرف، تقول: ضارب فاعل.
الثاني: كلاهما غير منصرف، تقول: حبلى فعلى.
الثالث: الزنة مصروفة والموزون غير منصرف، تقول: سعاد فعال، وهذا يقوي القول الأول.
الرابع: الزنة غير مصروفة والموزون مصروف، تقول: يرجع يفعل، وهذا يقوي القول الثاني» انتهى.
والظاهر أن الذي جعله مقويا للأول إنما هو مقوّ للثاني، ومقوي الثاني مقوي الأول، ثم لم يتجه لي تمثيله في القسم الثالث بفعلة إذا جمعته بألف وتاء، مع تمثيله بها في القسم الأول أيضا، والظاهر أن القسم الثالث لا تحقق له، ولذا لم يذكره ابن الحاجب ولكن التقسيم الذي ذكره لا يدفعه العقل.
وقال ابن هشام الخضراوي 3: «قد اتّفق أصحابنا في أمثلة الأوزان أنّها إن -

[حكم أفعل وصفا للنكرة]

قال ابن مالك: (وإن قرن مثال بما ينزله منزلة الموزون فحكمه حكمه).
استعملت للأفعال خاصة حكيت نحو: ضرب وزنه فعل وانطلق وزنه انفعل.
وإن استعملت للأسماء وأريد بها جنس ما يوزن - فإن حكمها حكم نفسها، فهي أعلام؛ فإن كان فيها ما يمنع الصرف مع العلمية لم تنصرف، نحو قولك: فعلان لا ينصرف، وأفعل لا ينصرف.
وإن لم يرد بها ذلك وأريد بها حكاية موزون مذكور معها - ففيه خلاف نحو قولك: ضاربة وزنها فاعلة؛ فمنهم من لم يصرف هنا فاعلة؛ لأن هذه الأمثلة أعلام.
فهذا علم فيه تاء التأنيث.
ومنهم من قال: يحكى به حالة موزونه - وهم الأكثر - فيصرف هنا فاعلة» انتهى 1. وقد ظهر من قوله: وإن استعملت للأسماء وأريد بها جنس ما يوزن - فإن حكمها حكم نفسها، فهي أعلام إلى آخره موافقة المصنف ومخالفة ما ذكره ابن الحاجب ومن تبعه.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «وإن قرن بالمثال ما ينزله منزلة الموزون، فحكمه حكم ما نزل منزلته، كقولك: هذا رجل أفعل؛ فحكم أفعل هنا حكم أسود ونحوه من الصفات؛ لأن اقترانه برجل نزله منزلة الموزون متساويا في الحكم وامتناع الصرف.
وخالف سيبويه المازنيّ في ذلك، فقال: ينبغي أن يصرف، وردّ عليه المبرّد وصوّب قول سيبويه».
انتهى 2. والذي يقوله المازني: «أن أفعل هنا ليس بوصف، وإنما هو مثال للوصف؛ ولهذا لما قال سيبويه 3: كلّ أفعل إذا كان صفة لا ينصرف، وقال: قلت له - يعني -

................................  الخليل -: كيف تصرفه وقد قلت: لا أصرفه؟ فقال: أفعل ها هنا ليس بوصف، فإنّما زعمت أنّ ما كان على هذا المثال وكان وصفا لا ينصرف».
ثم أتى سيبويه بعد ذلك بأفعل غير منصرف.
قال المازني: «أخطأ سيبويه ويجب عليه أن يصرفه، وإلّا نقض جميع ما قاله» وشبهة المازني بأن سيبويه لما قال عن الخليل أن أفعل ها هنا ليس بصفة فينصرف ظن المازني أن كل وزن [1/ 209] ليس بصفة ينصرف».
قال ابن الحاجب 1: «ولم يرد سيبويه هذا وإنّما أراد نفي تخيّل الوصفية في هذا المحل المخصوص؛ لأنه لما قال: كلّ أفعل لم تتخيّل العلميّة لدخول كل؛ فوزن الفعل متحقق فلا يبقى تخيل في منع صرفه إلّا بتقدير الصفة، فأجاب بنفي هذا التخيّل لتحقّق صرفه، فلا يلزم على هذا ألّا يمتنع من الصّرف من الأوزان إلّا ما كان صفة».
قال أبو علي: «وأراد بقوله: لم يصنع المازنيّ شيئا - أن المازنيّ تخيّل هذا التخيل المذكور» انتهى.
وقال المبرد في تصويب قول سيبويه: «أفعل في قولنا: هذا رجل أفعل في اللّفظ صفة، وليس في قولنا كلّ أفعل صفة في اللفظ، فليس المراعى إلا الحكم اللّفظي» 2. وقال السيرافي: «ما ردّ به المبرد على المازنيّ صحيح إلا أنّه مصروف؛ خلافا لسيبويه.
وذلك أن أفعل هنا صفة، وكان ينبغي منع صرفه للوزن والوصف، إلا أن أفعل أقصى أحواله في الوصف أن يكون كأربع إذا وصف به، فهو اسم وصف به، وما هو كذلك لا يمتنع من الصّرف» 3. -

[حكم الأعداد من التعريف وغيره والصرف وغيره]

قال ابن مالك: (وكذا بعض الأعداد المطلقة).
قال أبو الحسن بن الضائع 1: «ما قاله أبو سعيد مختلّ.
والصحيح في النظر قول سيبويه، وذلك أن أربع وضع على أن يكون اسما ليس بصفة فعرض فيه الوصف، فلم يعتد به؛ وأفعل هذا لم يستقر في كلامهم لا اسما ولا صفة، فينبغي أن يراعى فيه حكمه الحاضر له، وقد وجدنا العرب تحكم للكناية بحكم المكني عنه، ألا تراهم يمنعون صرف فلانة وليس في الحقيقة باسم علم لما كان كناية عن علم.
وكذلك يحذفون التنوين في قولهم: فلان ابن فلان، إلى غير ذلك من الأحكام.
وهكذا أفعل في قولنا: رجل أفعل ليس في الحقيقة بصفة، بل هو كناية عن صفة فينبغي أن يحكم له بحكم ما كني به عنه فيمنع.
فإن قيل: قد تكون الصفة على هذا الوزن مصروفة كأرمل.
قلت: علة صرف أرمل معدومة في أفعل هذا، ومع ذلك فإن الأكثر في أفعل الوصف ألّا ينصرف؛ لأن ما جاء دون شرطي منع صرفه، وهما ألّا يدخله تاء التأنيث، ولا يكون اسما في الأصل - قليل جدّا.
فإن قيل: فأفعل أيضا في قولنا: كلّ أفعل صفة لا ينصرف - كناية عن صفة.
قلت: بل هو اسم مثل به الوصف ولم يجر في اللفظ صفة على موصوف فيمنع ولا فيه معنى وصف، فيراعى وإن لم يجر صفة فصحّ مذهب سيبويه».
انتهى كلام ابن الضائع 2. قال ناظر الجيش: المراد بالأعداد المطلقة المدلول بها على مجرد العدد دون تقييد بمعدود، كقولهم: ستة ضعف ثلاثة وأربعة نصف ثمانية، فهذه الأشياء قد حكم بعلميتها ومنع صرفها للتعريف والتأنيث، وهي جديرة بذلك؛ لأن كلّا منها يدل على حقيقة معينة دلالة مانعة من الشركة متضمنة بالإشارة إلى ما ارتسم في الذهن معها؛ ولو عومل بهذه المعاملة كل عدد مطلق لصح.
ولو عومل بذلك [1/ 210]-

[حكم الكنايات من العلمية أو غيرها]

قال ابن مالك: (وكنوا بفلان وفلانة عن نحو زيد وهند، وبأبي فلان وأمّ فلانة عن نحو أبي بكر وأم سلمة، وبالفلان والفلانة عن لاحق وسكاب، وبهن وهنة أو هنت عن اسم جنس غير علم، وبهنيت عن جامعت، وبكيت أو كيّة، وبذيت أو ذيّة، أو كذا عن الحديث، وقد تكسر أو تضم تاء كيت وذيت).
غير العدد من أسماء المقادير لم يجز؛ لأن الاختلاف في حقائقها واقع بخلاف العدد؛ فإن حقائقه لا تختلف بوجه»، قاله المصنف 1. قيل: وأراد بقوله: لأن الاختلاف في حقائقها واقع بخلاف العدد؛ فإن حقائقه لا تختلف بوجه - أن الرطل والقدح ونحوهما يختلف باختلاف المواضع، فلا تدل على حقيقة معينة؛ أما العدد فالثلاثة ثلاثة عند كل أحد وفي كل مكان وفي كل لغة.
وذكر الشيخ أن صاحب رءوس المسائل ذكر أن بعض الشيوخ يصرف الأعداد المطلقة 2. واعلم أنني لم يظهر لي اقتصار المصنف على بعض الأعداد؛ لأنه إذا ثبت أن الأعداد المطلقة محكوم بعلميتها؛ فلأي شيء قصر الأمر على بعض الأعداد، وكان الأولى أن يقول: وكذا الأعداد المطلقة، ويحقق ما قلته قوله: ولو عومل بهذه المعاملة كلّ عدد مطلق لصحّ.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «فلان وفلانة، وأبو فلان وأم فلانة أسماء يكنى بها عن أعلام أولي العلم، إلا أن فلانا كناية عن اسم مذكر علم كزيد وعبد الله.
وأبو فلان كناية عن كنية كأبي زيد وأبي عبد الله، وفلانة كناية عن اسم امرأة كهند وأمة الله؛ وأمّ فلان كناية عن كنية امرأة كأم خالد وأم سليم.
ودعتهم الحاجة إلى الكناية عن أعلام البهائم المألوفة، فكنوا عن مذكرها كلاحق 3 بالفلان، وعن -

................................  مؤنثها كسكاب 1 بالفلانة، فزادوا الألف واللام في هاتين الكنايتين».
انتهى 2. واعلم أن هذه الكلمات أعلام: ويدل على إرادة المصنف لذلك إيراده لها في باب العلم، وأنه جعلها كناية عن أعلام، فكان حكمها في العلمية حكم ما كني عنه بها.
قال ابن الحاجب في شرح المفصل 3: «والدليل على أنها أعلام أمران: أحدهما: منع فلانة من الصرف، ولولا العلمية لم يجز منع صرفه، فوجب تقديرها لذلك، وإذا وجب تقديرها في فلانة وجب تقديرها في فلان؛ لأن نسبة فلانة إلى المؤنث نسبة فلان إلى المذكر، والتذكير والتأنيث لا أثر له في منع العلمية ولا إثباتها.
وإذا لم يكن لهما أثر في ذلك وقد وجبت العلمية لفلانة وجبت لفلان أيضا».
الثاني: «هو أنهم امتنعوا من دخول الألف واللام عليهما، ولولا العلمية لجاز ذلك، وإذا ثبت أنها أعلام فليست كوضع زيد وعمرو، وإنما هي كوضع أسامة وبابه، والدليل عليه صحة إطلاقه كناية عن كل علم، وكذلك باب أسامة بخلاف باب زيد وعمرو ومدلولهما أعلام الأناسي، وأعلام الأناسي لها حقيقة كحقيقة الأسد، فكما صح أن يوضع لتلك [1/ 211] الحقيقة علم صح أن يوضع لهذه الحقيقة علم، ولم يثبت استعمالها إلا حكاية؛ لأنها اسم اللفظ الذي هو علم لا اسم مدلول العلم، ولذلك لا يقال: جاءني فلان، ولكن يقال: قال زيد جاءني فلان، قال الله تعالى: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا 4. فهو إذن اسم الاسم».
ثم ذكر أن دخول اللام في الكناية عن أعلام البهائم إنما هو للتفرقة بينها وبين أعلام الأناسي كما ذكر المصنف، قال 5: «وكانت هذه يعني الكناية عن أعلام البهائم -

................................  أولى بزيادة اللام فارقة لوجهين: أحدهما: أن تلك أكثر وهذه أقل مناسب كون الزيادة في الأقل.
الآخر: أن تلك هي الأصل المحتاج إليه في التحقيق، وهذه محمولة عليها.
وإذا كان كذلك والأعلام تنافي الألف واللام، فإذا اضطررنا إلى دخولها على أحد القسمين كان إدخالها على الفرع أولى من إدخالها على الأصل».
«وزادوا الألف واللام دون غيرها؛ لأنها معرفة، فلما اضطروا إلى زيادة أمر للفرق زادوا عليه ما لا ينافي معناه في التعريف، ألا ترى أنه في المعنى كالنكرة، فلما كان كالنكرة وقصد إلى زيادة أمر فيه للفرق بينه وبين أعلام الأناسي - كان الأولى به دخول اللّام التي كان مقتضاه في المعنى دخولها لولا منع الصرف الذي ذكرنا أن تقدير العلمية لأجله» انتهى 1. وأشار المصنف بقوله: وبهن وهنة «إلى أنه كما كني عن علم المذكر بفلان، وعن علم المؤنث بفلانة - كني عن مذكر اسم الجنس بهن، وعن مؤنثه بهنة أو هنت إذا كان للمتكلم غرض في الستر، ولذلك كثرت الكناية عن الفرج، وعن فعل الجماع بهنيت»، هذا كلام المصنف 2. وأفهم قوله: عن اسم جنس غير علم - أن شيئا من الألفاظ الثلاثة ليس بعلم، ولو كان شيء منها علما لوجب منع صرف هنة، ولوجب ألا يضاف ولا تدخله الألف واللام، ولا خلاف في صحة إضافته وإدخال اللام عليه كالنكرات، ولهذا قال النحاة في هن: إنه اسم وضع بإزاء المستقبحات.
والفرق بين الكناية في فلان والكناية في هن: أن فلانا علم موضوع دال على اسم علم، وأما هن فاسم موضوع بإزاء مدلول اسم آخر لا أن مدلوله اسم، ولذلك تقول: كان بينهم هنات ولست تعني ألفاظا وإنما تعني أشياء قبيحة وكذلك يكنى بهن عن نفس الفرج لا عن لفظ الفرج، وصح كونه كناية لأنه عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا من أجل استقباح ذلك اللفظ.
واعلم أنه قد يكنى بهن عما لا يراد التصريح به لغرض، كقول الشاعر يخاطب -

................................  حسن بن زيد 1: 313 - الله أعطاك فضلا من عطيّته... على هن وهن فيما مضى وهن 2 يعني عبد الله وحسنا وإبراهيم بني حسن كانوا وعدوه شيئا فوفى به حسن.
وأشار المصنف: وبكيت أو كيّة [1/ 212] إلى أنه قد يكنى بهذه الكلمات أيضا عن الحديث، قال: فيقال للمرسل بحديث: قل كيت وكيت أو قل: زيت وزيت بفتح التاء وكسرها وضمها، وليس مع التشديد إلّا الفتح، وقد يقع مكانها: كذا وكذا 3.

جارٍ التحميل