تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2991-3030

الباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]

صفحات 2991-3030

................................  في «إلى»، هذا هو المشهور، وقيل: إنما يلزم ذلك في العاطفة، وقيل: هذا لازم لها حيث وقعت، وتخرج «حتى» إلى العطف وإلى الابتداء ولا يكون ذلك في «إلى».
وقد شذت «حتى» عن حروف الجر بكل ما فارقت به «إلى»، وهي بذلك شاذة عن العوامل؛ لأن عامتها مختصة.
ثم ذكر مسألة فقال: قال أبو العباس: إذا قلت: أكلت السمكة حتى رأسها فالرأس قد دخل الأكل؛ لأن معناها عاملة وعاطفة واحد.
وقد قال غيره 1: إذا انتهى الأمر إليها، ولم يقع بها فهي جارة لا غير، وإذا وقع بها جاز الوجهان وهو موضع خلاف.
وقال أبو علي: من حيث هي غاية صحّ معنى الغاية فيها بالانتهاء دون مباشرة 2 بها، ومذهب الفراء أن «حتى» يدخل ما بعدها في ما قبلها، ولا يدخل 3. واتفقوا في ما أعلم [على] أن العطف بها - في من يري أنها تعطف - لا يكون إلا في ما يصح فيه الجر فإن الجر أكثر وأقيس من العطف في ذلك إلا في باب: ضربت القوم حتى زيدا ضربته؛ فالنصب عندهم أحسن في من ذكر هنا العطف، وجعل «ضربته» تأكيدا، ومن لم يجعل هنا عطف المفرد على المفرد فالنصب عنده أيضا أحسن، وأنها لا تعطف فعلا على فعل، وعلة ذلك عندي - والله تعالى أعلم - أنها في الأصل حرف جر نقلت إلى العطف فلذلك لم تدخل على الفعل كما لم يدخل عليه حرف الجر، ولذلك لزمها في العطف الشروط التي ذكرناها في الخفض مع تقدم ما يصح العطف عليه، ولذلك لا تعطف مضمرا على ظاهر، ولا مضمر، ولا يجوز: أكرمت القوم حتى إياك، ولا: قاموا هم حتى أنت؛ لأنها منقولة من الخافضة وهي لا تدخل على المضمر.
ثم قال: فأما قولهم: سرت حتى إلى الليل؛ فـ «إلى» تأكيد زائدة كاللام في «يا ويح لزيد» عند البصريين وهو قول الفراء 4، وقد رأى الكسائي 5 أن «حتى» هنا ابتدائية والجرّ بـ «إلى» على تقدير: سرت أخرى، وذكر عن الكسائي أن الجر بعد «حتى» لا يكون إلا بإضمار «إلى» 6، -

................................  قال: وهو قول لا دليل عليه.
ولما ذكر ابن أبي الربيع أن ما بعد «حتى» العاطفة لا يكون إلا الطّرف الأعلى، أو الطرف الأدنى ومثّل ب جاءني الناس حتى الأمير، وقدم الحاج حتى المشاة، قال: ولو قيل: قدم الحاج حتى الركبان؛ لم يكن فيه دليل على قدوم المشاة؛ لأن الركبان أقوى على المشي من المشاة، قال: والأحسن في هذا أن يجعل الاسم مخفوضا فتقول: شتمه الناس حتى زيد، وضربت القوم حتى عمرو، ثم قال: فإن قلت: كيف خفضت بـ «حتى» وليس فيها معنى «إلى»؛ ألا ترى أنك لو جعلت مكانها «إلى» لم يصلح وفسد المعنى، قلت: كان الأستاذ أبو علي - رحمه الله تعالى - يذهب إلى أنها تخفض بما فيها من الغاية 1 ووجه ذلك: أنك لما قلت: جاءني القوم حتى زيد؛ كان معناه انتهى مجيء القوم إلى زيد، وكذلك: ضربت القوم حتى عمرو، أي: انتهى ضرب القوم إلى عمرو.
ثم ذكر مسألة وهي: إذا قلت: جاءني القوم حتى زيد؛ فقال: يجوز في «حتى» أن تكون عاطفة، ويكون ما بعدها مرفوعا، ويجوز أن تكون خافضة وهو أحسن، ولم يجز البصريون أن يكون ما بعدها مرفوعا بالابتداء والخبر محذوف، وكذلك: ضربت القوم حتى زيد أو حتى زيد الخفض أكثر وأحسن.
ولا يجوز الرفع بالابتداء والخبر محذوف ونقل عن بعض الكوفيين أنهم أجازوه.
قال: وكان الأستاذ أبو علي يقول 2: لا يجوز؛ لأن حتى [4/ 16] مهيأة للعمل في الاسم من حيث هو مفرد، وفي «حتى» معنى الغاية كما ذكرته.
فلو رفعت بالابتداء لهيأت العامل للعمل وقطعته عنه، وأمر آخر أنك تركت العامل اللفظي المهيأ للعمل، وأعملت المعنوي، واللفظي أقوى من المعنوي، والدليل على صحة هذا القياس ومراعاته عدم السماع، والله تعالى أعلم.
وأما ابن عصفور فإنه قد تقدم عنه ذكر الجارة ثم إنه قال بعد ذكره ذلك 3: ومثال استعمالها عاطفة: قدم الحجاج حتى المشاة، ومات الناس حتى الأنبياء عليهم -

................................  الصلاة والسّلام.
ولا يعطف بها إلا الأسماء وهذا الاستعمال أقل الاستعمالات فيها.
ومثال استعمالها حرف ابتداء قولهم: قام القوم حتى زيد قام، وحتى زيد يقوم، ومن ذلك قوله: 2566 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها في رواية من رفع «نعله».
والدليل على أنها حرف ابتداء أنها لو كانت جارة لانخفض ما بعدها، ولو كانت عاطفة لشركت بين الاسم الذي بعدها والاسم الذي قبلها في الإعراب فتعين أن تكون حرف ابتداء.
لا يقال: هي جارة والجملة بعدها في موضع خفض لها؛ لأن الجمل لا يدخل عليها حروف الجر في فصيح الكلام، فلا يقال: عجبت من يقوم زيد، ولا عجبت من زيد قائم؛ لأنه يؤدي إلى تعليق حروف الجر، وحروف الجر لا تعلّق في موضع؛ ألا ترى كيف فحّش سيبويه [ذلك] 1 ومما يدل على أنها تستعمل حرف ابتداء قول الشاعر: 2567 - فيا عجبا حتّى كليب تسبّني... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع 2 فإنها ليست خافضة؛ لما ذكرنا أن حرف الجر لا يباشر الجمل، ولا عاطفة؛ لأنها لا يعطف بها إلا الأسماء.
ثم شرع في التقسيم - أعني تقسيم «حتى» من الرأس - فقال 3: فعلى هذا: الاسم الواقع بعد «حتى» إما أن يقع بعده شيء، أو لا.
إن لم يقع بعده شيء يصلح أن يكون خبرا له؛ فإما أن يتقدم «حتى» ما يكون الاسم الواقع بعدها جزءا [منه]، أو لا يتقدم.
إن لم يتقدم؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا الخفض، وذلك نحو قولك: سرت حتى الليل، ونمت حتى الصباح؛ بخفض «الليل» و «الصباح».
وإن تقدمها ما يكون الاسم الواقع بعدها جزءا منه؛ فإما أن يقترن بالكلام قرينة تدل -

................................  على أن ما بعد «حتى» غير شريك لما قبلها في المعنى، أو لا يقترن.
إن وجدت قرينة تدل على ذلك؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا الخفض وذلك نحو: صمت الأيام حتى يوم الفطر؛ بالخفض، وإن لم يقترن به قرينة تدل على ذلك؛ حمل الكلام على أن ما بعد «حتى» شريك لما قبلها في المعنى، ويجوز كونها جارة، وكونها عاطفة حينئذ.
والخفض أحسن؛ لما تقدم من أن العطف بها لغة ضعيفة، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيدا، وحتى زيد؛ بنصب «زيد» وخفضه، إلا أن يقترن بالكلام قرينة تدل على أن المراد العطف؛ فلا يجوز الخفض، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيدا أيضا؛ بنصب «زيد» على العطف؛ لأن «أيضا» تدل على أنك أردت تكرار الفعل وهذا المعنى إنما يعطيه العطف من حيث كان حرف العطف نائبا من جهة المعنى مناب العامل ومغنيا عن تكراره؛ فكأنك قلت: ضربت القوم حتى ضربت زيدا أيضا.
وإن وقع بعد الاسم الواقع بعد حتى ما يصلح أن يكون خبرا له فإما أن يكون اسما مفردا، أو ظرفا، أو مجرورا، أو جملة، فإن كان اسما مفردا؛ لم يجز في الاسم الواقع بعدها إلا على الابتداء، وجعل الاسم الواقع بعده خبرا له وذلك نحو: ضرب القوم حتى زيد مضروب، وقام القوم حتى زيد قائم، وإن كان ظرفا أو مجرورا؛ جاز في الاسم الواقع بعد «حتى» ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والخفض على أن تكون «حتى» جارة، وجعل الاسم على حسب إعراب الاسم الواقع قبله على أن تكون «حتى» عاطفة، ويكون الظرف أو المجرور في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا للظرف أو المجرور المتقدمين، وذلك نحو قولك: القوم عندي حتى زيد عندي، والقوم في الدار حتى زيد فيها؛ برفع «زيد»، ونصبه، وخفضه.
وإن كان جملة فإن كانت اسمية وكان الاسم الواقع بعد «حتى» شريكا لما قبلها في المعنى جاز في الاسم ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء والجملة خبر، والخفض بـ «حتى» على أنها جارة، وجعل إعراب الاسم على حسب إعراب ما قبله على أنها عاطفة، وتكون الجملة الواقعة بعد الاسم في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا، وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيد هو مضروب؛ برفع «زيد»، ونصبه، وخفضه.
وإن لم يكن الاسم الواقع بعد «حتى» شريكا لما قبله في المعنى؛ لم يجز فيه إلا الرفع على الابتداء وجعل الجملة الواقعة بعده خبرا له وذلك نحو قولك: ضربت -

................................  القوم حتى زيد أبوه مضروب؛ فلم يجز العطف لعدم مشاركة «زيد» للقوم في الضرب، ولم يخفض؛ لأن الجملة الواقعة بعده إذ ذاك ليس فيها تأكيد لما قبلها.
وإن كانت فعلية فإن يكن الاسم الذي بعد «حتى» شريكا لما قبله في المعنى؛ جاز في الاسم وجهان: الرفع على الابتداء وجعل الجملة خبرا له، والحمل على إضمار فعل يفسره الفعل الظاهر الذي بعده وذلك نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربت أخاه؛ برفع «زيد»، ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده ولا يجوز عطفه؛ لعدم المشاركة، ولا الخفض؛ لأن الجملة إذ ذاك ليس فيها معنى تأكيد.
وإن كان الاسم الواقع بعدها شريكا لما قبله في المعنى فالفعل الواقع بعده إما أن يعمل في ضمير الاسم الواقع قبل «حتى» أو في ضمير ذلك الاسم إن كان قد عمل في ضمير [4/ 17] الاسم الواقع قبل «حتى» جاز في الاسم الواقع بعدها وجهان: الخفض على أن «حتى» جارة؛ وجعل إعرابه على حسب إعراب الاسم الذي قبله على أنها عاطفة، وذلك نحو قولك: ضربت القوم حتى زيد ضربتهم، وحتى زيدا ضربتهم، وتكون الجملة الواقعة بعد «زيد» في الحالتين تأكيدا للجملة التي قبل «حتى».
وإن كان قد عمل في ضمير الاسم الواقع بعدها جاز في الاسم الواقع بعدها أربعة أوجه: رفعه على الابتداء والجملة بعده خبر، وحمله على إضمار فعل يفسره الظاهر الذي بعده، وخفضه على أن «حتى» جارة، وجعل إعرابه على حسب إعراب الاسم الذي قبل «حتى» على أنها عاطفة، وتكون الجملة الواقعة بعد الاسم الواقع بعد «حتى» في هذين الوجهين الآخرين تأكيدا وذلك نحو قولك: ضربت القوم حتى زيد ضربته؛ برفع «زيد» على الابتداء، ونصبه على أن يكون معطوفا على القوم، أو على أن يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره الفعل الذي بعده، وخفضه على أن تكون «حتى» جارة ومن ذلك قوله: 2568 - ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله... والزّاد حتّى نعله ألقاها 1 فإنه روي بالأوجه الثلاثة.
وحكي عن بعضهم أن خفض الاسم المذكور، وعطفه على ما قبله، وجعل الجملة تأكيدا لا يجوز حتى يكون ذلك الفعل عاملا في ضمير الاسم الواقع قبل «حتى» نحو قولك: رأيت القوم حتى إخوتك رأيتهم؛ -

................................  لأنك تريد: رأيت القوم رأيتهم حتى إخوتك.
وزعم أن الخفض في قول الشاعر: 2569 - حتّى نعلّه ألقاها إنما جاز؛ لأن الضمير عائد على الصحيفة، والصحيح أن الخفض والعطف جائزان، وإن كان الفعل عاملا في ضمير الاسم الواقع بعد «حتى» وتكون الجملة إذ ذاك تأكيدا معنويّا لا تأكيدا لفظيّا من جهة أنك إذا قلت: ضربت القوم حتى زيد، بخفض «زيد» ونصبه على أن يكون معطوفا على القوم؛ كان «زيد» شريكا للقوم في الضرب، فإذا قلت بعد ذلك: ضربته كنت مؤكدا لما اقتضاه معنى الكلام من أنك ضربت زيدا 1. انتهى كلام ابن عصفور.
ولم يتعرض إلى ما نبّه عليه ابن أبي الربيع من أن البصريين لا يجيزون أن يكون ما بعد «حتى» مرفوعا بالابتداء والخبر محذوف 2. ثم اعلم أن ابن عصفور قد أطال الكلام في المسألة بما ذكره من التقسيم وما أشار إليه من جواز العطف في نحو: صمت الأيام حتى يوم الخميس، وجواز العطف والرفع على الابتداء، وقد ذكره المصنف صريحا حيث قال: ويختص تالي الصريح المنتهي به بجواز عطفه واستئنافه، ولم يشترط المصنف في جواز الرفع على الابتداء أن يذكر الخبر بعده لفظا كما اشترط ذلك ابن أبي الربيع.
ولهذا مثل للاستئناف بنحو: ضربتهم حتى زيد، ثم قال: فـ «زيد» مبتدأ محذوف الخبر قال: ويروى بالأوجه الثلاثة قول الشاعر: 2570 - عممتهم بالنّدى حتّى غواتهم... فكنت مالك ذي غيّ وذي رشد وأما كون عامل الاسم الذي بعد («حتى» إذا وقع بعد الاسم ما يصلح أن يكون خبرا يجوز أن يكون مضمرا يفسره الظاهر) 3؛ فتكون المسألة من الاشتغال، فهذا أمر معروف وقاعدة مستقرة تعرف من ذلك الباب؛ فلا يحتاج إلى أن يذكر في غيره.
وقد ذكر المصنف في الباب المذكور أن الاشتغال يقع عن الاسم الواقع بعد «حتى» فكان مستغنيا عن ذكر ذلك هنا.
-

................................  وأما «حتى» الابتدائية فاعلم أن معناها انتهاء الغاية، وإذا وقعت بعدها الجمل الفعلية دخلها معنى الفاء.
والمراد بكونها حرف ابتداء: أن الكلام يستأنف بعدها ويقع بعدها الجملة من فعل ومرفوعه، والجملة من مبتدأ وخبر، والكلمتان من شرط وجزاء.
فمن وقوع المبتدأ والخبر قول الشاعر: 2571 - فيا عجبا حتّى كليب يسبّنى... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع وقول الآخر: 2572 - فما زالت القتلى تمجّ دماءها... بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل 1 وقول الآخر: 2573 - [سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم]... وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان 2 والنصف الأول من هذا البيت وهو قوله: سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم شاهد وقوع الجملة الفعلية.
ومن وقوع الشرط والجزاء قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [فَادْفَعُوا] 3، وقوله تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها 4. ومن مجيء الفعل ومرفوعه قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ 5، ومنه أيضا قوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا 6. ومن ثم وهّم الشيخ المصنف في جعله «حتى» في هذه الآية الشريفة جارة حيث قال: والجارة ومجرورها إما اسم صريح [نحو: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ 7، -

................................  وسَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 1]، وإما مصدر مؤول من «أن» لازمة الإضمار وفعل ماض نحو: حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا 2، أو مضارع... إلى آخره؛ فزعم أن «أن» مضمرة بعد «حتى» في قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا.
قال الشيخ: وإنما هي الآية الشريفة حرف ابتداء ولولا ظهور النصب في المضارع بعد «حتى» لم ندّع أن «أن» مضمرة بعدها 3. انتهى.
وما قاله هو الظاهر، ويؤيده كلام ابن أبي الربيع.
وكأن الشيخ استند في كلامه هذا إليه فإنه قال في شرح الإيضاح: ضابط «حتى» أن تقول: إذا كان بعدها مفرد مخفوض أو فعل مضارع منصوب فهي حرف جر، وإذا وقع بعدها اسم مفرد مرفوع أو منصوب فهي حرف عطف، وإن وقع بعدها جملة فهي حرف ابتداء 4. انتهى.
والجملة الابتدائية بعد «حتى» لا موضع لها من الإعراب، ولا يعتد بقول من يقول: إنها في موضع جر؛ لما علم من أن حروف الجر لا تباشر الجمل في الكلام الفصيح.
ثم هاهنا بحث يتعلق بـ «حتى» هذه - أعني الابتدائية -: [4/ 18] وهو أن الفارسي قال في الإيضاح: إنها يستأنف بعدها كما يستأنف بعد «إما، وإذا» 5 فنوقش في ذلك بأن قيل: ليست «حتى» كـ «إما وإذا»؛ لأن «حتى» يشاكل بها الجمل كما يشاكل بحروف العطف و «إما وإذا» يقطعان، ويدل على ذلك قول سيبويه في بعض أبواب الاشتغال: ومما يختار فيه النصب لنصب الأول ويكون الحرف الذي بين الأول والآخر بمنزلة الواو، والفاء، وثم؛ قولك: قد لقيت القوم كلهم حتى عبد الله لقيته، وضربت القوم حتى زيدا ضربت أباه 6. وأجيب عن أبي علي أنه لم يرد أن «حتى» يستأنف بعدها في كل موضع، ولا تشبه «إما وإذا» في كل وجه.
قالوا: ولا يلزم هذا في كلامه ولا بد.
لكن لو قيده، فقال: في غير باب الاشتغال؛ كان أحسن، وإنما غلبت العرب جهة العطف في باب الاشتغال بما يحافظون عليه في ذلك الباب من المشاكلة و «إما، وإذا، وإنما»، -

[الكاف الجارة: معانيها... وأحكامها] قال ابن مالك: (ومنها: «الكاف» للتّشبيه، ودخولها على ضمير الغائب المجرور قليل، وعلى «أنت» و «إيّاك» وأخواتهما أقلّ، وقد توافق «على»، وقد تزاد إن أمن اللّبس وتكون اسما فتجرّ ويسند إليها، وإن وقعت صلة فالحرفية راجحة وتزاد بعدها ما كافّة وغير كافة، وكذا بعد «ربّ» و «الباء»، وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل، وقد تحدث في الكاف معنى التّعليل، وربّما نصبت حينئذ مضارعا لا لأنّ الأصل «كيما»، وإن ولي «ربما» اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبر، لا خبر مبتدأ محذوف، و «ما» نكرة موصوفة بهما، خلافا لأبي علي في المسألتين وتزاد «ما» غير كافّة بعد «من»، و «عن»).  وغيرها لم تكن عاطفة فلم يصح فيها الاستئناف، و «حتى» لما كانت عاطفة كان استعمالها على جهة العطف أولى. قال ابن هشام الخضراوي: وينبغي إذا وقع الرفع بعدها نحو: ضربت الناس حتى زيد ضربته؛ أن تكون ابتدائية؛ لأنها لم تجانس هنا بين الأول والثاني فيرجع إلى حكمها إذا كانت داخلة على الجمل. قال: وقد تكون عاطفة وقد أجازوا ضربت القوم حتى زيد بإضمار الخبر فهو دليل على صحة ما ذكره المصنف من جواز ذكر الاسم بعد «حتى» مرفوعا على الابتداء والخبر محذوف وهو خلاف ما ذكره ابن أبي الربيع ونقله أيضا عن الشلوبين 1. قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: الكاف من الحروف التي تجر الظاهر وحده: كـ «حتى»، فكما استغني في الغاية مع المضمر بـ «إلى» عن «حتى» استغني في التشبيه مع المضمر بمثل عن الكاف إلا أن الكاف خالفت أصلها في بعض الكلام لخفتها، فجرت ضمير الغائب المتصل كقول الشنفرى 3: 2574 - لئن كان من جنّ لأبرح طارقا... وإن كان إنسا ماكها الإنس تفعل 4

................................  أي: ما مثلها الإنس يفعل، وقول الراجز في وصف حمار وحش وأتن: 2575 - ولا ترى بعلا ولا حلائلا... كه 1 ولا كهنّ إلّا حاظلا 2 وقد خولف بهذا الأصل أيضا فأدخلت على ضمير الرفع، وضمير النصب المنفصلين فقالوا: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا، وأنا كإياك قال الشاعر: 2576 - قلت إنّي كأنت ثمّة لمّا... شبّت الحرب خضتها وكععتا 3 وأنشد الكسائي: 2577 - فأحسن وأجمل في أسيرك إنّه... ضعيف ولم يأسر كإيّاك آسر 4 وقد تجيء بمعنى «على»: كقول بعض العرب: كخير، في جواب من قال: كيف أصبحت؟ حكاه الفراء 5. وقد تزاد إن أمن اللبس: بكون الموضع غير صالح للتشبيه كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ 6 أي: ليس مثله شيء، لا بد من عدم الاعتداد بالكاف؛ لأن الاعتداد بها يستلزم ثبوت مثل لا شيء مثله، وذلك محال، وما أفضى إلى المحال محال، وكالزيادة في (كمثله) الزيادة في: وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ 7، وفي قول النبي صلّى الله عليه وسلّم على إحدى الروايتين: «يكفي كالوجه واليدين» 8 يريد: يكفي الوجه واليدين وهي الرواية الأخرى، ومنه قول الراجز: -

................................  2578 - لواحق الأقراب فيها كالمقق 1 يريد: فيها المقق، أي: الطول. وقال الفراء: قيل لبعض العرب: كيف تصنعون الأقط؟ فقال: كهين؛ يريد: هينا، فزاد الكاف 2، وتكون اسما: فتجر بحرف كقول الشاعر: 2579 - بكا للّقوّة الشّغواء جلت فلم أكن... لأولع إلّا بالكميّ المقنّع 3 وبإضافة كقوله: 2580 - تيّم القلب حبّ كالبدر لا... بل فاق حسنا من تيّم القلب حبّا 4 وتقع فاعلة كقول الشاعر: 2581 - وما هداك إلى أرض كعالمها... ولا أعانك في عزم كعزّام 5 واسم «كان» كقول الآخر: 2582 - لو كان في قلبي كقدر قلامة... فضلا لغيرك ما أتتك رسائلي 6 ومبتدأ كقول الآخر: 2583 - بنا كالجوى ممّا يخاف وقد ترى... شفاء القلوب الصّاديات الحوائم 7 وإن وقعت صلة فحرفيتها أولى من اسميتها كقول الراجز: 2584 - ما يرتجى وما يخاف جمعا... فهو الّذي كالغيث والّليث معا 8

................................  وتزاد بعدها ما كافة كقول زياد الأعجم 1: 2585 - لعمرك إنّني وأبا حميد... كما النّشوان والرّجل الحليم أريد هجاءه وأخاف ربّي... وأعلم أنّه عبد لئيم 2 وغير كافة كقول الآخر أنشده أبو المعالي علي القالي 3: 2586 - وننصر مولانا ونعلم أنّه... كما النّاس مجروم عليه وجارم 4 قال سيبويه: وسألته عن قولهم: هذا حق كما أنك هاهنا؛ فزعم أن العامل في أن الكاف و «ما» لغو إلا أنها لا تحذف كراهية أن يجيء لفظها كلفظ [كان] 5. وتزاد «ما» أيضا بعد «ربّ» [4/ 19] كافة كقول أبي دؤاد 6. 2587 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم... وعناجيج بينهنّ المهار 7 وغير كافة كقول الآخر: 2588 - ماويّ يا ربّتما غارة... شعواء كاللّذعة بالميسم 8

................................  وكذلك تزاد بعد الباء كافة كقول الشاعر: 2589 - فلئن صرت لا تحير جوابا... لبما قد ترى وأنت خطيب 1 وغير كافة كقوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ 2، وتحدث «ما» الكافة في الباء معنى «ربما» فمعنى «لبما قد ترى وأنت خطيب»: لربما قد ترى، ومثله قول كثير: 2590 - مغان يهيّجن الحليم إلى الهوى... وهنّ قديمات العهود دواثر بما قد أرى تلك الدّيار وأهلها... وهنّ جميعات الأنيس عوامر 3 أراد [ربما] قد أرى.
و «قد» مع المضارع تفيد هذا المعنى، ولكن اجتمعا توكيدا كما اجتمعت «عن» و «الباء» التي بمعناها في قول الشاعر: 2591 - فأصبحن لا يسألنه عن بما به... أصعّد في غار الهوى أم تصوّبا 4 وتحدث «ما» الكافة في الكاف معنى التعليل كقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ 5، وقال الأخفش في قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ 6 أي: كما أرسلنا فيكم رسولا فاذكروني أي: كما فعلت هذا فاذكروني 7. وجعل ابن برهان 8 من هذا قوله تعالى: وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ 9. أي أعجب؛ لأنه لا يفلح الكافرون 10، كذا قدره، ثم قال: وحكى سيبويه 11 كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه أي: لأنه لا يعلم.
وإذا حدث -

................................  فيها معنى التعليل ووليها مضارع نصبته تشبيها بـ «كي» كقول الشاعر: 2592 - وطرفك إمّا جئتنا فاحبسنّه... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر 1 وزعم الفارسي أن الأصل: كيما فحذفت الياء 2، وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه، وكذلك أيضا زعم في قول الشاعر: 2593 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم أنّ «ما» فيه نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر.
والصحيح أن «ما» فيه زائدة كافة هيأت «رب» للدخول على الجملة الاسمية كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ 3، وقول الشاعر: 2594 - لا يضيع الأمين سرّا ولكن... ربما يحسب الخؤون أمينا 4 وتزاد «ما» بعد «من، وعن» غير كافة كقوله تعالى: مِمَّا [خَطِيئاتِهِمْ] أُغْرِقُوا 5، وعَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ 6. انتهى كلام المصنف رحمه الله 7. وملخص ما ذكره: أن هذه الكلمة التي هي «الكاف» معناها التشبيه، وأنها تباشر الأسماء الظاهرة دون المضمرة إلا في الشعر، وأنها قد تفارق معنى التشبيه، وتوافق «على»، وأنها قد تستعمل زائدة فلا تفيد معنى، وأنها قد تستعمل اسما، وأنها قد تزاد بعدها «ما»، ثم إنه لما ذكر زيادة «ما» بعد «الكاف» وكانت تزاد بعد غيرها من حروف الجر استطرد فذكر أنها كما زيدت بعد «الكاف» زيدت بعد «رب»، وبعد «الباء»، وبعد «من» وبعد «عن»، ونبّه على أن «ما» المزيدة بعد «من، وعن» لا تكفهما عن العمل بل يبقيان على عملهما وأنها بعد ثلاثة الأحرف الأخر تكون كافة وغير كافة، لكن كونها بعد «الكاف» و «رب» كافة أكثر من كونها غير كافة، وكونها بعد «الباء» غير كافة أكثر من كونها كافة، -

................................  وأن «الباء» المكفوفة بـ «ما» يحدث فيها معنى التقليل، وأن «الكاف» المكفوفة بـ «ما» أيضا قد يحدث فيها معنى التقليل.
وقد أتى المصنف على شرح ذلك بما فيه غنية.
غير أن ثمّ مباحث تذكر: منها: أن بعض المصنفين استدل على أن «الكاف» حرف بأن الموصول يوصل بها وبمجرورها في السعة كقولك: جاءني الذي كزيد، ولو كانت الكاف اسما لم يجز ذلك إلا في قليل من الكلام، أو في الشعر.
وأقول: إن الاستدلال على حرفيتها مستغنى عنه؛ لأن الإجماع منعقد على أنها تكون حرفا.
وقد قال ابن أبي الربيع: ولا خلاف أعلمه في أن كاف التشبيه تكون حرفا، وإنما الخلاف في كونها اسما فذهب سيبويه إلى أنها لا تكون اسما بمنزلة «مثل» إلا في الضرورة 1، وذهب الأخفش إلى أنها تكون اسما في الكلام والشعر 2، انتهى.
ولهذا لم يحتج المصنف إلى أن يستدل على حرفيتها.
ومنها: أن الكاف تكون بمعنى «على» كقول بعض العرب: كخير، في جواب من قال: كيف أصبحت؟ كما حكاه الفراء؛ فإن المغاربة ذكروا أن هذا مذهب الأخفش كما أنه مذهب الكوفيين 3. قالوا: وعلى هذا خرّج الأخفش قول العرب: كن كما أنت قال: لا يتصور أن تكون الكاف للتشبيه؛ لأنه لا يشبه بحاله، والتقدير: كن على الحال الذي أنت عليه؛ فالكاف بمعنى «على»، و «ما» موصولة و «أنت» مبتدأ محذوف الخبر والجملة صلة لما قالوا.
ولا حجة في ما استدل به؛ أما كخير: فهو على حذف مضاف التقدير: كصاحب خير.
-

................................  وأما «كن كما أنت» فذكر ابن عصفور أنه يحتمل وجهين: أحدهما: ما تقدم ذكره، قال: وعلى ذلك حمله الأخفش 1 بأن «ما» كفت الكاف عن العمل، وهيأتها للدخول على الجمل كما في «ربما»، ويجوز إذ ذاك أن يكون «أنت» مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: كن كما أنت عليه، قال: وتكون الكاف إذ ذاك لتشبيه معنى الجملة التي قبلها بمعنى الجملة التي بعدها، وكأنه أمره بأن يكون منه في ما يستقبل كون يشبه كونه في الحال، ويكون ذلك نظير قوله تعالى حكاية: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ 2 ونظير قول القائل: 2595 - وإنّ بنا لو تعلمين لغلّة... إليك كما بالحائمات غليل 3 وقول الآخر: 2596 - لقد علمت سمراء أنّ حديثها... نجيع [4/ 20] كما ماء السّماء نجيع 4 ويجوز أن يكون «أنت» مرفوعا بفعل مضمر، والأصل: كن كما كنت، ثم حذف الفعل، وانفصل الضمير، فيكون نظير ما روي من قول الشاعر: 2597 - وما زرتنا في الدّهر إلّا لعلّة... كما اليائس العجلان ثمّ يغيب 5 أي كما يزور اليائس العجلان؛ لأن «ثم يغيب» معطوف على الفعل المضمر والكاف باقية أيضا على معناها من التشبيه.
ثم قال ابن عصفور: ويجوز عندي في: كما أنت وجه آخر، وهو أن يقال: إن «ما» زائدة، و «أنت» في موضع خفض بالكاف ووقع ضمير الرفع المنفصل بعد الكاف كقولهم: ما أنا كأنت، وفصل بين الكاف ومجرورها بـ «ما» الزائدة 6 هكذا ذكر.
ولم يظهر لي على هذا التقدير ما هو معنى هذا التركيب، وإذ هذا الذي قرره يؤدي إلى أن يصير المعنى: كن كإياك أي كن كنفسك، وهذا لا يقال، لكن قال: هو أنك تكون شبهته فيما يستعمل بنفسه قبل ذلك.
قال: ولا ينكر تشبيه الشيء بنفسه في حالتين مختلفتين.
وقال ابن أبي الربيع في «كن كما أنت»: «ما» بمعنى «الذي»، وما بعده صلة -

................................  الذي، و «أنت» مبتدأ والخبر محذوف؛ التقدير: كن كالذي أنت كائنه، والهاء عائدة على «الذي»، ويكون «كما أنت» خبرا لـ «كن»، ويجوز أن تجعل «ما» كافة فلما كفّت الكاف عن العمل وليتها الجملة ويكون هذا بمنزلة قولك: زيد جالس، كما عمرو كذلك، وارتبطت الجملتان بـ «كما» على أن مقتضى الأول شبه بمقتضى الثاني، وأنت هنا إنما أردت كن في ما يستقبل كحالك الآن، فلما دخلت «ما» كفتها عن مخفوضها ووقع بعدها جملة يفهم منها ما كان يفهم من المنخفض الذي يخفض بالكاف فلذلك يجاء بـ «ما».
قال: ونظير هذا قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 1، فهذه الجملة مفسرة للموعود ويعمل العرب هذا كثيرا في مواضع التعظيم 2. ثم قال ابن عصفور: وزعم الخليل أن الكاف إذا لحقتها «ما» الكافة [فقد] 3 يجعلها العرب بمعنى «لعلّ»، وجعل من ذلك قولهم: انتظرني كما آتيك؛ فالمعنى: لعلي آتيك، قال: ومنه قول الشاعر: 2598 - قلت لسفيان ادن من لقائه... كما نغدّي القوم من شوائه 4 أي: لعلنا نغدي القوم من شوائه، وقول الآخر: 2599 - لا تشتم النّاس كما لا تشتم 5 أي: لعلك لا تشتم وقال الفراء: إن الكاف للتشبيه، وجعل «كما آتيك» صفة لمصدر محذوف تقديره: انتظرني انتظارا صادقا مثل إتياني لك أي: فـ لي بالانتظار كما أفي لك بالإتيان، وكذا قال في «(لا) 6 تشتم النّاس كما لا تشتم»: التقدير: انته عن شتم الناس كانتهائهم عن شتمك 7، ثم قال: وجعل الكوفيون «كما» في «كما -

................................  نغدي القوم من شوائه» محذوفة من «كيما»، و «نغدي» في موضع نصب بها إلا أنه سكن ضرورة.
واستدلوا على ذلك بقوله: 2600 - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر وأقول: سيأتي الكلام على ما ذهب إليه الكوفيون في هذه المسألة.
واعلم أن ابن هشام الخضراوي أشار إلى ما نقله ابن عصفور عن الخليل، وزاد بذكر معاني أخر فقال: ذكر سيبويه أنها - يعني «كما» - تكون بمعنى «لعلّ» قال: وسألت الخليل عن قولهم: انتظرني كما آتيك فزعم أن «الكاف» و «ما» جعلتا كحرف واحد وصيرت للفعل كما صيرت «ربما» والمعنى لعلي آتيك، ومن ثم لم ينصبوا بها الفعل كما لم ينصبوا بـ «ربما» 1. يريد أن «ما» ليست بزائدة فتكون الكاف داخلة على الفعل فينتصب بإضمار «أن» كسائر ما تدخل عليه حروف الجر من الأفعال، وأنشد لرؤبة 2: 2601 - لا تشتم النّاس كما لا تشتم وقال: معناه: لأنك لا تشتم، وأنشد لأبي النجم 3: 2602 - قلت لسفيان ادن من لقائه...... البيت قال: وتكون «كما» بمعنى من أجل تقول: قمت كما قام زيد أي: من أجل قيامه قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ 4 قال: وتكون بمعنى «عند»، قالوا: دخلت السوق كما يؤذن المؤذن أي: عند ما يؤذن، قال: وتكون بمعنى المصدر التشبيهي مثل قوله: 2603 - تبكي الدّيار كما بكى ابن خذّام 5 هكذا قال.
وفيه نظر؛ فإن «كما» في هذا البيت إنما صفة لمصدر محذوف وذلك المحذوف هو المصدر التشبيهي فليست «كما» بمعنى المصدر.
ثم قال: وحكى الكوفيون أنها تكون بمعنى «كي» فينصب بها، ووافقهم المبرد وأنشدوا: -

................................  2604 - لا تظلموا النّاس كما لا تظلموا 1 وأنشدوا أيضا: 2605 - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه... عن ظفر غيب إذا ما سائل سألا 2 بالنصب، والبصريون يرفعون.
وأنشد المبرد: 2606 - وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر 3 ومنها: أنك قد عرفت ما ذكره المصنف من أن الكاف تزاد عند أمن اللبس وتقدم ذكر الأدلة على ذلك.
وقد نص النحاة على جواز زيادتها كابن هشام الخضراوي، وابن أبي الربيع وابن عصفور وغيرهم 4. قال ابن عصفور: إلا أن ذلك ليس بمطرد فيها، ولا منقاس.
قال: وزيادتها على وجهين: أحدهما: أن تزاد توكيدا للتشبيه نحو قوله: 2607 - [ولعبت طير بهم أبابيل]... فصيّروا مثل كعصف مأكول 5 فزاد الكاف لتأكيد التشبيه الذي يعطيه «مثل»، وجرّ «عصفا» بها، والكاف مع ما جرته في موضع خفض بـ «مثل» وكقول الآخر: 2608 - وصاليات ككما يؤثفين 6 فزاد إحدى الكافين تأكيدا لما تعطيه الأخرى من معنى التشبيه.
ثانيهما: أن تزاد، وتخرج عن معنى التشبيه جملة كقوله: -

................................  2609 - لو أحق الأقراب فيها كالمقق 1 المعنى: فيها مقق، أي طول؛ لأنه يقال: في الشيء طول ولا يقال فيه [4/ 21] كالطول.
ومنها: أن الكاف تكون اسما فتجر إما بالحرف، أو بالإضافة، وينسد إليها فتكون فاعلة ومبتدأ، وقد تقدم تقرير ذلك وأمثلته في كلام المصنف.
وذكر ابن أبي الربيع أنها تجيء مفعولة أيضا، وأنشد على ذلك قول القائل: 2610 - لا يبرمون إذا ما الأفق جلّله... برد الشّتاء من الأمحال كالأدم 2 قال: فالكاف بمنزلة مثل، وهي اسم ومفعولة بـ «جلل».
قال: وكذلك بيت النابغة أيضا: 2611 - كما لقيت ذات الصّفا من حليفها... [وما انفكّت الأمثال في النّاس سائره] 3 فإن الكاف مفعولة لقوله «لألقى» قبله، وقد تقدم أيضا الإعلام بأن سيبويه إنما يثبت اسميتها في الضرورة وأن الأخفش يثبت ذلك في الكلام.
ولا شك في ثبوت اسميتها في الجملة وقد كثر ورود ذلك.
فمن أجازه في الكلام كان مستنده كثرة ما ورد منه، ومن لم يجزه في الكلام جعل مستنده أن الوارد من ذلك إنما ورد في الشعر خاصة ولم يرد في نثر، ومن النحويين 4 من تأول ما ورد من ذلك على حذف الموصوف وإقامة المجرور الذي هو صفته مقامه.
وقال ابن عصفور في قول القائل: 2612 - أتنتهون ولن ينهى ذوي شطط... كالطّعن يذهب فيه الزّيت والفتل 5 الكاف فاعلة «ينهى»؛ لأنه لا يجوز أن يقدر الفاعل محذوفا ويكون التقدير: -

................................  ناه كالطعن، والكاف مع ما جرّته في موضع الصفة لـ «ناه»؛ لأنك إن لم تقم المجرور مقامه لزم أن يكون المجرور فاعلا؛ لأن الصفة إذا قامت مقام الموصوف أعربت بإعرابه والمجرور الذي حرف الجر فيه غير زائد لا يكون فاعلا. فتعين أن تكون الكاف فاعلة وكأنك قلت: مثل الطعن 1، ثم قال: ولا حجة في البيت عندي؛ لاحتمال أن يكون فاعل «ينهى» ضمير الوعيد الذي يدل عليه ما تقدم، وكأنه قال: ولن ينهى الوعيد ذوي شطط كالطعن أي: كنهي الطعن؛ فيكون المجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: ولن ينهاهم الوعيد نهيا كنهي الطعن. قال: وإنما الحجة على استعمالها اسما قول الآخر: 2613 - فيا عجبا إنّ الفراق يروعني... به كمناقيش الحليّ قصار 2 وقول امرئ القيس: 2614 - وإنّك لم يفخر عليك كفاخر... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب 3 ألا ترى أن الكاف من قوله: «كمناقيش» فاعلة «يروعني»، والكاف من قوله «كفاخر» فاعلة [يفخر] 4 ولا يكون الفاعل محذوفا، والكاف مع ما جرته صفة له؛ للدليل الذي تقدم ذكره 5. قال: وممّا يقوّي أن الكاف فاعلة في قول امرئ القيس أنه قرنها بـ «مثل» في قوله: ... ولم يغلبك مثل مغلّب 6 قال: ومما يدل أيضا على استعمال الكاف اسما قول ذي الرمة 7: 2615 - أبيت على ميّ كئيبا وبعلها... على كالنّقا من عالج يتبطّح 8

................................  وقول ابن عادية السلمي: 2616 - وزعت بكالهراة أعوجي... إذا ونت الرّياح جرى وثابا 1 وقول امرئ القيس: 2617 - ورحنا بكابن الماء يجنب وسطها... تصوّب [فيه العين] طورا وترتقي 2 وقول سلامة العجلي: 2618 - على كالخنيف السّحق يدعو به الصّدى... له قلب عفيّ الحياض أجون 3 وقول الآخر: 2619 - قليل غرار النّوم حتّى تقلّصوا... على كالقطا الجوني أفزعه الزّجر 4 قال: فالكاف في جميع ذلك اسم؛ بدليل دخول حرف الجر عليها، وحرف الجر لا يدخل على مثله إلا في ضرورة بشرط أن يكون الحرفان في معنى واحد فيكون أحدهما تأكيدا للآخر.
قال: ولا يتصور أن يجعل الكاف حرف جر في جميع ذلك، وتكون مع ما جرته في موضع صفة لموصوف محذوف، ويكون التقدير: على كفل كالنقا، وبغرس كالهراوة، وبفرس كابن الماء، وعلى طريق كالخنيف، وعلى خيل كالقطا الجوني؛ لأنك إن لم تقدر المجرور بالكاف قائما مقام المحذوف لزم من ذلك أن يكون «على والباء» مقطوعين عن الاسم والمجرور بهما، وقطع حرف الجر عن المجرور غير جائز، وإن قدرته قائما مقام المحذوف لزم من ذلك أن يكون حرف الجر الذي هو الكاف مع الاسم المجرور به في موضع خفض بـ «على، والباء» وذلك لا يجوز؛ لأن حرف الجر إنما يجر الأسماء وحدها، فلما تعذر أن تكون الكاف حرفا على التقديرين المذكورين لم يبق إلا أن تكون جعلت اسما حملا على ما هي في معناه -

................................  وهو «مثل» للضرورة وإن جاء شيء من مثل هذا في الكلام كان شاذّا 1. انتهى.
وفي كلامه نظر.
أما قوله: إن لم يقدر المجرور بالكاف قائما مقام المحذوف لزم قطع «على والباء» عن الاسم المجرور بهما وقطع حرف الجر عن المجرور غير جائز، فيقال فيه: الممتنع إنما هو قطع حرف الجر عن المجرور لفظا.
أما قطعه عنه تقديرا فكيف يمتنع؟ ولا شك أن كل حرف زائد [إنما] 2 هو مقطوع عن مجروره معنى بدليل جعلك: «حسبك درهم» من قولهم: بحسبك درهم مبتدأ، وجعلك الاسم المعظم فاعلا في كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 3، وكذلك جعلك «زيد» فاعلا في قولنا: أحسن بزيد.
وأما قوله: وإن قدرته قائما مقام المحذوف لزم منه أن يكون الجر الذي هو الكاف مع الاسم المجرور به في موضع خفض بـ «على، والباء» إلى آخره؛ فيقال فيه: إن الكاف مع مجرورها؛ والباء مع مجرورها.
كل منهما في موضع الصفة فهو متعلق بمحذوف، وإذا كان كذلك فالذي في موضع خفض بالحقيقة إنما هو ذلك المحذوف المتعلق به، التقدير: على كائن كالنقا، وبكائن كالهراوة.
ومنها: أن «ما» تزاد بعد الكاف وبعد «ربّ»، وبعد «الباء» كافة وغير كافة.
وحاصل الأمر: أن الكاف إذا [4/ 22] زيدت بعد [ها] «ما» كافة وليتها الجمل الاسمية، وصارت حرف ابتداء وقد تقدم استشهاد المصنف على ذلك بقول القائل: 2620 - كما النّشوان والرّجل الحليم واستشهد في غير هذا الكتاب بقول الآخر: 2621 - أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه 4 ومن ذلك قول الشاعر: -

................................  2622 - ألم تر أنّ البغل يتبع إلفه... كما عامر واللّؤم مؤتلفان 1 وقول الآخر: 2623 - وإنّ بنا لو تعلمين لغلّة... إليك كما بالحائمات غليل (2) وقول الآخر: 2624 - لقد علمت سمراء أنّ حديثها... نجيع كما ماء السّماء نجيع 2 وقد عرفت أن المصنف قال في باب الموصول: إن «ما» الموصوفة الحرفية قد توصل بجملة اسمية على رأي؛ فعلى هذا لا يتعين القول بكون «ما» كافة في هذه الأبيات إلا على قول من لا يجيز وصل المصدرية إلا بالجملة الفعلية.
أما من يجيز وصلها بالجمل الاسمية فيجوز عنده أن تكون «ما» مصدرية ينسبك منها مع الجملة التي بعدها مصدر يكون في موضع جر بالكاف، فلا تكون الكاف مكفوفة حينئذ.
ولكن المصنف كأنه لم يقل بذلك هنا؛ لأنه إنما ساق الكلام على أن «ما» كافة، ولهذا بنى على ذلك فقال: وقد يحدث في الكاف معنى التعليل، يعني أن الكاف تخرج بذلك عن التشبيه، ولا تخرج الكاف عن التشبيه إلى التعليل إلا إذا كانت «ما» كافة.
وأما زيادة «ما» بعد «ربّ» فسيأتي الكلام على ذلك عند الكلام على «رب» إن شاء الله تعالى.
وأما زيادة «ما» بعد الباء غير كافة: فقد اشتمل عليه القرآن العزيز.
وأما زيادتها بعدها كافة فقد استدل عليه المصنف بقول القائل: 2625 - بما قد ترى وأنت خطيب وبقول الآخر: 2626 - بما قد أرى تلك الدّيار وأهلها وقال: إن «ما» هذه - أعنى الكافة - تحدث في الباء معنى التقليل أي: معنى «ربما».
قال: فمعنى «لبما قد ترى»: لربما قد ترى ومعنى «[بما] قد أرى»: ربما قد أرى.
لكن قال الشيخ: ما ذهب إليه - يعني المصنف - من أن «ما» في ما ذكر كافة وأنها أحدثت معنى التقليل؛ غير صحيح، بل «ما» في ذلك مصدرية والباء للسببية المجازية والمعنى على التكثير لا على التقليل، ونظيره قول الآخر: -

................................  2627 - فلئن قلت هذيل شياه... لبما كان هذيلا يفل 1 قال: والفعل الذي يتعلق به الباء مقدر [مما] قبلها، والتقدير: لانتفاء إحارتك جوابا برؤيتك وأنت خطيب.
وهنّ قديمات العهود دواثر ترويني تلك الديار؛ لقلته بما كان نقلها، والسببية ظاهرة في هذا البيت، وأما في البيتين قبله: فسبب خرسه بالموت كونه كان خطيبا في الحياة؛ إذ ينشأ عن الحياة الموت، إذ مصير كل شيء إلى الممات، وكذلك البيت الثاني: سبب دثور الديار كونها عامرة بأهلها؛ إذ مصير العمران للخراب؛ ولذلك جاء: 2628 - لدوا للموت وابنوا للخراب... [فكلّكم يصير إلى ذهاب] 2 انتهى.
ولا يخفى أن ما قدره بعيد أن يكون مراد الشاعر، ولكن قول المصنف: إن المراد التعليل؛ غير ظاهر.
وأما قول المصنف: وربما نصبت حينئذ مضارعا؛ فمراده حين يحدث في الكاف معنى التعليل، وذلك إذا كانت «ما» كافة واقتضى كلام المصنف أن «كما» هي الناصبة وأنها إنما نصبت تشبيها لها بـ «كي» ولم يرتض قول الفارسي فيها، وهو أن الأصل كيما، وقول المصنف في المتن: وربّما نصبت حينئذ مضارعا يرشد إلى أن المراد بقوله في الشرح: وإذا حدث فيها معنى التعليل، ووليها مضارع نصبته: أنّ المضارع قد ينصب بعدها، أي: أن ذلك قليل؛ فلا تتوجه على عبارته في الشرح مناقشة.
ثم اعلم أنه قد تقدم لنا قول ابن عصفور: وجعل الكوفيون «كما» في: 2629 - [كما] نغدّي القوم من شوائه محذوفة من «كيما»، و «نغدّي» في موضع نصب بها، إلا أنه سكن للضرورة فقال: واستدلوا على ذلك بقوله: 2630 - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر فعلى هذا الذي ذكره المصنف في هذه المسألة عن الفارسي هو مذهب الكوفيين.
-

................................  وأقول: هذا الذي ذكر عن الكوفيين، والفارسي أقرب وأولى مما ادعاه المصنف.
ولهذا قال الشيخ: قول المصنف: وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه - ليس كما ذكر، بل هو تأويل عليه دليل وإليه حاجة؛ وذلك أنه لم يثبت النصب بـ «كما» في موضع خلاف هذا المختلف فيه فيحمل هذا عليه والنصب ثابت بـ «كيما»، والعلة في «كيما» أصل، وفي كاف التشبيه المكفوفة بـ «ما» ليس أصلا 1؛ فالأولى أن يعتقد أن أصلها «كيما»؛ لظهور التعليل فيها، ولثبوت النصب بـ «كيما» 2. انتهى.
وما قاله هو الظاهر، لكن قد تقدم لنا من كلام ابن هشام الخضراوي أنه لما تكلم على «كما» قال: وحكى الكوفيون أنها تكون بمعنى «كي»، فينصب بها ووافقتهم المبرد وأنشدوا: 2631 - اسمع حديثا كما يوما تحدّثه وكذا: 2632 - كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظر وهذا الكلام بظاهره يعطي ما ادعاه المصنف من أن الناصب «كما» نفسها تشبيها لها بـ «كي».
وأما قول المصنف أيضا: وإن ولي «ربما» اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبر لا خبر مبتدأ محذوف و «ما» نكرة موصوفة؛ خلافا لأبي علي، وقوله في الشرح بعد ذكر المسألة: نصب المضارع بعد «كما»، وأن الفارسي يزعم أن الأصل: «كيما»، وكذلك أيضا زعم - يعني الفارسي - في قول الشاعر: 2633 - ربّما الجامل المؤبّل فيهم أن «ما» نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر.
والصحيح أن «ما» فيه زائدة كافة هيأت «رب» للدخول على الجملة الاسمية كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية - فاعلم أنّ: المغاربة كالمطبقين على أن «ربما» لا تليها الجمل الاسمية عند الجمهور، وهو مذهب سيبويه 3. قال ابن هشام: و «هل» عند سيبويه حرف يدخل على الفعل، ويختص به، ولا يدخل على الجملة الابتدائية؛ ولهذا لما ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل -

................................  وذكر «قد» و «سوف» قال: ومن تلك الحروف «ربما» وقلما جعلوا «ربّ» مع «ما» بمنزلة كلمة واحدة وهيئوها ليذكروا بعدها الفعل؛ لأنهم لم يكن لهم سبيل إلى: ربّ يقول، ولا إلى: قلّ يقول؛ فألحقوها وأخلصوها للفعل 1، والذي ذكره المصنف عن الفارسي في قول الشاعر: 2634 - ربّما الجامل المؤبل فيهم هو الذي ذكره المغاربة فيه.
قال ابن عصفور بعد [4/ 23] إنشاده 2 هذا البيت على رواية من رواه بخفض «الجامل المؤبل»: والرواية الصحيحة «الجامل» بالرافع على أن تكون «ما» في موضع اسم نكرة مخفوض بـ «رب» و «الجامل» خبر مبتدأ مضمر والجملة في موضع الصفة كأنه قال: ربّ شيء هو الجامل المؤبل 3. ومن ثم قال الشيخ: هذا الذي قاله - يعني المصنف - عن الفارسي هو مذهب الجمهور، وابن عصفور خرّج البيت تخريج أبي علي وهو الصحيح؛ إذ لو كان الصحيح ما اختار المصنف لسمع من كلامهم: ربما زيد قائم بتصريح المبتدأ والخبر ولم يسمع ذلك فيما أعلم، فوجب تخرج البيت على ما خرّجه الفارسي وابن عصفور 4. قال: ومثل قوله: ربّما الجامل المؤبل» قول الآخر: 2635 - طالعات ببطن نقرة بدن... ربّما طاعن بها ومقيم 5 وقول الآخر: 2636 - أمّ الصّبيّين ما يدريك أن ربّما... عنظاء قلتها شمّاء قرواخ 6 قال: ويتأول هذان البيتان تأويل «ربما الجامل»، والعنظاء: الهضبة، وشماء: مرتفعة، وقرواخ: جرداء.
قال: والذي ذهب إليه المصنف هو مذهب المبرد، وزعم أنه يليها الجملة الاسمية والفعلية نحو «إنما» تقول: ربما قام زيد، وربما زيد قائم كما تقول ذلك في «إنما».
وأما زيادة «ما» بعد «من وعن» غير كافة: فقد تقدم الاستدلال عليه من -

................................  بتخفيفها، وقد ذكرت.
وهي حرف عند البصريين، واسم عند الكوفيين والأخفش 1 في أحد قوليه.
وحرفيتها أصح؛ لخلوها من علامات الأسماء اللفظية والمعنوية ولمساواتها (الحرف) 2 في الدلالة على معنى في مسمى غير مفهوم جنسه بلفظها بخلاف أسماء الاستفهام والشرط فإنها تدل على معنى في مسمى مفهوم بلفظها.
ومقتضى هذا التقدير أن تكون «كم» حرفا لكن اسميتها ثابتة بالعلامات اللفظية وهي الإضافة إليها، ودخول حرف الجر عليها، والابتداء بها، وإيقاع الأفعال عليها، وعود الضمير إليها.
واستدل الكوفيون على اسميتها بقول الشاعر: 2640 - إن يقتلوك فإنّ قتلك لم يكن... عارا عليك وربّ قتل عار 3 فزعموا أن «رب» مبتدأ وعار خبره والصحيح أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة لـ «قتل» والتقدير: وربّ قتل هو عار، وأكثر النحويين يقولون: معنى «رب» التقليل.
قال أبو العباس: «رب» تبني عمّا وقعت عليه أنه قد كان، وليس بالكثير؛ فلذلك لا تقع إلا على نكرة؛ لأن ما بعدها يخرج مخرج التمييز 4. وقال ابن السراج: النحويون كالمجمعين على أنّ «ربّ» جواب لما تقول: رب رجل عالم، لمن قال لك: ما رأيت رجلا عالما، أو قدرت أنه يقول...؛ فضارعت حرف النفي؛ إذ كان يليه الواحد المنكور وهو يراد به الجماعة 5. وقال ابن السراج أيضا: رب حرف جر وكان حقه أن يكون بعد الفعل موصّلا له إلى المجرور كأخواته، ولكن لما كان معناه التقليل وكان لا يعمل إلا في نكرة صار مقابلا لـ «كم» إذا كانت خبرا فجعل له صدر الكلام كما جعل لـ «كم» 6، وقال الزمخشري في المفصّل: «رب» للتقليل 7، وجعلها في الكشاف للتكثير 8. قلت: والصحيح أن معنى «رب» التكثير، ولذا تصلح «كم» في كل موضع وقعت فيه غير نادر كقول الشاعر: -

................................  2641 - ربّ من أنضجت غيظا صدره... قد تمنّى لي موتا لم يطع 1 وكقول الآخر: 2642 - ربّ رفد هرقته ذلك اليو... م وأسرى من معشر أقتال 2 وكقول الآخر: 2643 - ربّما تكره النّفوس من الأم... ر له فرجة كحلّ العقال 3 وكقول حسان رضي الله عنه: 2644 - ربّ حلم أضاعه عدم الما... لـ وجهل غطّى عليه النّعيم 4 وكقول الآخر: 2645 - وربّ امرئ ناقص عقله... وقد يعجب النّاس من شخصه وآخر تحسبه أحمقا... ويأتيك بالأمر من فصّه 5 وكقول ضابئ البرجمي: 2646 - وربّ أمور لا تضيرك ضيرة... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب 6 وكقول عدي بن زيد: 2647 - ربّ مأمول وراج أملا... قد ثناه الدّهر عن ذاك الأمل 7

................................  وهذا الذي أشرت إليه [4/ 24] من أن معنى «رب» التكثير هو مذهب سيبويه 1 رحمه الله تعالى، وقال ابن خروف: وذكر سيبويه في باب «كم» أن «رب» للتكثير، وذكر ذلك غيره من اللغويين. واستعمالها على ذلك موجود كثير 2، قلت: فمن كلامه الدال على ذلك قوله في باب «كم»: اعلم أن لـ «كم» موضعين: أحدهما: الاستفهام. والآخر: الخبر. ومعناها معنى «ربّ» 3. ثم قال بعد ذلك في الباب: واعلم أن «كم» في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه «رب»؛ لأن المعنى واحد إلا أن «كم» اسم، و «رب» غير اسم 4. هذا نصه ولا معارض له في كتابه. فعلم أن مذهبه كون «رب» مساوية لـ «كم» الخبرية في المعنى. ولا خلاف في أن معنى «كم» الخبرية التكثير، والذي دلّ عليه كلام سيبويه من أن معنى «رب» التكثير هو الواقع غير النادر من كلام العرب نثره ونظمه. فمن النظم الأبيات التي قدمت ذكرها، ومن النثر قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا ربّ كاسية في الدّنيا عارية يوم القيامة» 5، و «ربّ أشعث أغبر لا يؤبه له لو (أقسم) 6 على الله لأبرّ قسمه» 7، ومنه قول الأعرابي الذي سمعه الكسائي يقول بعد الفطر: ربّ صائمه لن يصومه وربّ قائمه لن يقومه 8، وقال الفراء: يقول القائل إذا أمر فعصي: أما والله لرب ندامة لك تذكر قولي فيها 9. وقولي: والتعليل بها نادر؛ أشرت به إلى قول الشاعر: 2648 - ألا ربّ مولود وليس له أب... وذي ولد لم يلده أبوان 10

................................  يريد آدم وعيسى عليهما السّلام، ومثله قول عمرو بن الشريد أخي الخنساء 1: 2649 - وذي إخوة قطّعت أقران بينهم... كما تركوني واحدا لا أخا ليا 2 ومثله: 2650 - ويوم على البلقاء لم يك مثله... على الأرض يوم في بعيد ولا دان 3 أراد بـ «ذي إخوة» زيد بن حرملة قاتل أخيه معاوية بن الشريد، وأراد الآخر: يوما كان فيه وقعة بين غسان ومذحج في موضع يعرف بالبلقاء. وقول المبرد: ربّ تبني عما وقعت عليه أنه قد كان هذا هو الأكثر، وأما كون ذلك لازما لا يوجد غيره فليس بصحيح؛ بل قد يكون مستقبلا كقول جحدر اللص: 4. 2651 - فإن أهلك فربّ فتى سيبكي... عليّ مهذّب رخص البنان 5 وكقول هند أم معاوية 6 رضي الله تعالى عنها: 2652 - يا ربّ قائلة غدا... يا لهف أمّ معاويه 7 وكقول سليم القشيري: 2653 - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى... سيردى وغار مشفق سيؤوب 8 وقال الراجز: 2654 - يا ربّ يوم لي لا أظلّله... أرمض من تحت وأضحى من عله 9

................................  وقال آخر: 2655 - يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم... لاقى مباعدة منكم وحرمانا 1 ولا مبالاة بقول المبرد ولا بقول ابن السراج؛ فإنهما لم يستندا في ذلك إلا إلى مجرد الدعوى، ولو لم يكن غير ما ادعياه مسموعا لكان مساويا لما ادعاه في إمكان الأخذ به، فكيف وهو ثابت بالنقل الصحيح في الكلام الفصيح؟! وقد يكون ما وقعت عليه «ربّ» حالا كقولك لمن قال: ما في وقتنا امرؤ مستريح: رب امرئ في وقتنا مستريح، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة: 2656 - فقمت ولم تعلم عليّ خيانة... ألا ربّ باغي الرّبح ليس برابح 2 ومثله: 2657 - ألا ربّ من تغتشّه لك ناصح... ومؤتمن بالغيب غير أمين 3 وقد هدي الزمخشريّ إلى الحق في معنى «ربّ» فقال في تفسير قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ 4: قَدْ نَرى ربما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية 5 وقال في قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ 6 بمعنى ربّما التي تجيء لزيادة الفعل وكثرته 7، وقال في قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ 8: أدخل (قد) لتوكيد علمه بما هم عليه؛ وذلك أن (قد) إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى «ربما»، فوافقت «ربما» في خروجها إلى معنى التكثير في قوله: 2658 - فإن تمس مهجور الفناء فربّما... أقام به بعد الوفود وفود 9 فكلامه هذا سديد أداه إليه ترك التقليد، وقال في رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ -

................................  كانُوا مُسْلِمِينَ 1: فإن قلت: ما معنى التقليل هاهنا؟ قلت: هو وارد على مذهب العرب في قولهم: لعلك ستندم على فعلك، وربما يندم الإنسان على ما فعل ولا يشكون في تندمه ولا يقصدون تقليله، ولكنهم أرادوا لو كان الندم مشكوكا فيه أو كان قليلا لحق عليك أن لا تفعل هذا الفعل؛ لأن العقلاء يتحرزون من التعرض للغم المظنون كما يتحرزون من الغم المتيقن، ومن القليل منه كما يتحرزون من الكثير وكذلك المعنى في الآية الشريفة: لو كانوا يودون الإسلام مرة واحدة لكانوا حقيقين بالمسارعة إليه فكيف وهم يودونه في كل ساعة 2. قلت: في هذا الكلام ما يناقض كلامه في قَدْ نَرى 3 وقَدْ نَعْلَمُ 4 وقَدْ يَعْلَمُ 5 من دلالة «ربما» على التكثير؛ لأنه نسب إليها هنا التقليل، وتكلف في تخريجه ما لا حاجة إليه، ولا دلالة عليه، ثم اعترف بقول العرب: ربما يندم الإنسان على ما فعل، وبأنهم لا يقصدون تقليله فهو حجه عليه، وعلى من وافقه.
وأظنه في هذا التأويل قلّد ابن السراج فإنه قال: قالوا في قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ بأنه لصدق الوعدة كأنه قد كان 6 كما قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ 7. والصحيح عندي: أن «إذ» قد يراد بها الاستقبال كما يراد بها المضي؛ فمن ذلك قوله تعالى: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ 8، وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها 9 فأبدل يَوْمَئِذٍ من «إذا» فلو لم تكن «إذ» صالحة للاستقبال ما أبدل «يوم» المضاف [4/ 25] إليها من «إذا»؛ فإنها لا يراد بها إلا الاستقبال.
والمبرد، وابن السراج، والفارسي، وابن خروف 10 يرون وجوب وصف المجرور بـ «ربّ» وقلّدهم في ذلك أكثر المتأخرين مع أنه خلاف مذهب سيبويه 11. -

................................  ولا حجة لهم إلا شبهتان: إحداهما: أن «رب» للتقليل، والنكرة بلا صفة فيها تكثير بالشياع والعموم، ووصفها يحدث فيها التقليل بإخراج الحالي منه، أي: من الوصف فلزم الوصف لذلك. والشبهة الثانية: أن قول القائل: ربّ رجل عالم لقيت، ردّ على من قال: ما لقيت رجلا عالما؛ فلو لم يذكر الصفة لم يكن الرد موافقا، وفي كلتا الشبهتين ضعف بيّن. أما ضعف الأولى؛ فلترتيبها على «ربّ» للتقليل، وقد سبق أنها للتكثير، وعلى تقدير أنها للتقليل فإن النكرة دون وصف صالحة أن يراد بها العموم فيكون فيها تكثير، وأن يراد بها غير العموم فيكون فيها تقليل. فإذا دخلت عليها «ربّ» على تقدير وضعها للتقليل أزالت احتمال التكثير كما يزول احتمال التقليل بـ «لا، ومن» الجنسيتين، فإن وصفت بعد دخول «ربّ» ازداد التقليل، فإن كان المطلوب زيادة التقليل لا مطلقه فينبغي أن لا يقتصر على وصف واحد؛ لأن التقليل يزيد بزيادة الأوصاف. وأما الشبهة الثانية؛ فضعفها أيضا بيّن؛ لأن مرتبه على أن «ربّ» لا يكون إلا جوابا، وعلى أن الجواب يلزم أن يوافق المجاب وكلا الأمرين غير لازم بالاستقراء. والصحيح: أنها تكون جوابا وغير جواب، وإذا كانت جوابا فقد تكون جواب موصوف، وجواب غير موصوف فيكون لمجرورها من الوصف وعدمه ما للمجاب فيقال لمن قال: ما رأيت رجلا: رب رجل رأيت، ولمن قال: ما رأيت رجلا عالما: رب رجل عالم رأيت، وإذا لم يكن جوابا فللمتكلم بها أن يصف مجرورها، وأن لا يصفه. ومن وقوعه غير موصوف قول أم معاوية رضى الله تعالى عنه: 2659 - يا ربّ قائلة غدا... يا لهف أمّ معاويه 1 ومثله: 2660 - ألا ربّ مأخوذ بإجرام غيره... فلا تسأمن هجران من كان مجرما 2 ومثله: 2661 - ربّ مستغن ولا مال له... وعظيم الفقر وهو ذو نسب 3

................................  والذي يدل على أن وصف مجرورها لا يلزم عند سيبويه تسويته إياها بـ «كم» الخبرية 1. ووصف مجرور كم الخبرية لا يلزم فكذا وصف ما سوّي بها.
ومن كلامه المتضمن استغناء مجرورها قوله في باب الجر: وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك؛ فقد أضفت القول إلى الرجل بـ «رب» 2. فبصريحه يكون «يقول» مضافا إلى الرجل بـ «رب» مانع كونه صفة؛ لأن الصفة لا تضاف إلى الموصوف وإنما يضاف العامل إلى المعمول فـ «يقول» إذا عامل في «رجل» بواسطة «رب» كما كان «مررت» من: مررت بزيد؛ عاملا في «زيد» بواسطة الباء، وكما كان («أخذت» من: أخذته من عبد الله) 3 عاملا في «عبد الله» بواسطة «من»، وهما من أمثلة سيبويه في باب الجر، وقال فيهما: وإنما أضفت المرور إلى «زيد» بالباء، وقال أيضا: فقد أضفت الأخذ إلى «عبد الله» بـ «من» فجعل نسبة «مررت» من «بزيد»، ونسبة «أخذت» من «عبد الله» كنسبة «يقول» من «رب رجل».
وفي تمثيله بـ «رب» رجل يقول ذاك، وجعله «يقول» معدى إلى «رجل» بواسطة «ربّ» دليل على أن مضمون ما دخلت عليه «رب» يجوز استقباله.
ولا يلزم مضيه، وقد تقدمت شواهد ذلك؛ إلا أن في هذا المثال إشكالا بيّنا؛ وذلك أن ظاهره يقتضي جواز أن يقال: من زيد عجب؛ إذا عجب من نفسه، وهو غير جائز بإجماع؛ لأن فيه إعمال فعل رافع ضمير متصل في مفسره، وذلك ممتنع دون خلاف.
وقد أخذ أكثر الناس هذا المثال على ظاهره فمنهم من خطأ فيه سيبويه، ومنهم من صوبه وتكلف تأويله، وأحسنهم مأخذا في التأويل أبو الحسن بن خروف؛ فإنه قال: فقول سيبويه: فقد أضفت القول إلى الرجل بـ «رب» 4؛ كلام حسن، وهو كقوله: فقد أضفت الكينونة إلى الدار بـ «في»، وكقوله: فقد أضفت إليه الرداءة بـ «في» 5 يعني قوله: أنت في الدار، وفيك خصلة سوء؛ فـ «رب» أوصلت القول إلى قليل الرجال وكثيرهم، كما أوصلت «في» الكينونة إلى الدار، -

................................  واستقرار الرداءة إلى المخاطب، وموضع المخفوض بـ «رب» مبتدأ و «بقول» خبره، فكأنه على تقدير: كثير من الرجال يقول ذلك.
ولا يخفى ما في هذا من التكلف.
وقد يسر لي بحمد الله تعالى تخريجه بوجه لا تخطئة فيه ولا تكلف.
وذلك بأن يجعل «يقول» مضارع «قال» بمعنى: فاق في المقاولة، ويجعل ذلك فاعلا أشير به إلى مرئي أو مذكور، كأنه قال: رب رجل يفوق ذلك في المقاولة؛ فهذا التخريج يؤمن الخطأ والتكلف، ويثبت استغناء مجرور «ربّ» عن الوصف، وكون ما دخلت عليه لا يلزم مضيه بل يجوز كونه مستقبلا وحالا.
ومنع ابن السراج استقباله وأجاز حاليته؛ فإنه قال: ولا يجوز: رب رجل سيقوم وليقومن غدا، إلا أن تريد: رب رجل يوصف بهذا تقول: رب رجل مسيء اليوم محسن غدا، أي: يوصف بهذا 1. والصحيح: جوازهما إلا أن المضي أكثر، قال ابن خروف: والمتأخرون مختلفون في «ربّ»؛ منهم من تبع المبرد على مذهبه كابن السراج والفارسي، وهو فاسد؛ لأنه ألزم مخفوضه [4/ 26] الصفة وحذف ما يتعلق به وأن لا يدل إلا على التقليل ولا يفتقر إلى الصفة كما زعموا؛ لأن معنى التقليل والتكثير الذي دلت عليه يقوم مقام وصف مخفوضها كما كان ذلك في «كم»، ولذلك قلت: كم غلام عندك؛ فابتدأت بنكرة؛ يعني أن ما دلت عليه «كم» من التكثير سوغ الابتداء بها مع أنها نكرة.
ونبهت بقولي: (وقد يعطف على مجرورها وشبهه مضاف إلى ضميريهما) على أنه قد يقال: رب رجل وأخيه رأيت، وكم ناقة وفصيلها ملكت؛ على تقدير: رب رجل وأخ له، وكم ناقة وفصيل لها.
ثم نبهت على أن المجرور بها قد يكون ضميرا لازما تفسيره بمميز مؤخر مطابق للذي يقصده المتكلم من إفراد وتذكير وغيرهما، وأن الضمير على أشهر المذهبين لا يكون إلا بلفظ الإفراد والتذكير فيقال: ربّه رجلا، وربّه رجلين، وربه رجالا، وربّه امرأة وربّه نسوة، ومثال «ربه رجلا» قول الشاعر: 2662 - ربه امرأ بك نال أمنع عزّة... وغنى بعيد خصاصة وهوان 2 ومثال «ربه رجالا» قول الآخر: -

................................  2663 - ربه فتية دعوت إلى ما... يورث المجد دائبا فأجابوا 1 وحكى الكوفيون: ربهما رجلين، وربهم رجالا، وربها امرأة، وإلى هذا الوجه والذي قبله أشرت بقولي: (ولزوم إفراد الضمير وتذكيره عند تثنية التمييز وجمعه وتأنيثه أشهر من المطابقة).
انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 2. وهو كما قيل وليعلم أن الكلام يتوجه في «رب» من عشر جهات: الأولى: ذاتها؛ أهي حرف، أم اسم؟ الثانية: معناها؛ هل للتكثير، أو التقليل؟ الثالثة: وصف مجرورها؛ أهو لازم، أم غير لازم؟ الرابعة: معنى ما يتعلق بها؛ أهو لازم أم غير لازم؟ الخامسة: تنكير مجرورها مع لزوم تصديرها.
السادسة: مباشرتها الضمير المجهول المفسر بتمييز بعده.
السابعة: حكم «ما» اللاحقة لها، وحكم «رب» معها.
الثامنة: ما يليها من الجمل إذا لحقتها «ما» وكفّتها عن العمل.
التاسعة: عملها محذوفة.
العاشرة: متعلقها أي: ما تتعلق «ربّ» به، وموضعها مع الاسم المجرور بها.
ثم إن الست الأول ذكرها المصنف هنا - أعني في فصل «رب» - والسابعة قد ذكرها آنفا عند ذكره زيادة «ما» بعد كاف الجر، والتاسعة: وهي عملها محذوفة سنذكرها في الفصل بعيد ما نحن فيه، وأما الثامنة وهي ما يليها من الجمل إذا كفتها «ما» فلم يحتج المصنف إلى ذكره؛ لأنه يرى أن يليها كل من الجملة الفعلية والاسمية.
و [أما] العاشرة: وهي ما تتعلق به، وموضعها مع المجرور بها؛ فلم يتعرض المصنف إليها.
وبعد: فأنا أشير إلى الجهات المذكورة جهة جهة، وأذكر ما يتعلق بها من المباحث التي لم يتضمنها كلام المصنف.
-

................................  وبعد: فأما كونها حرفا؛ فقد عرفت أنه مذهب البصريين؛ وأن القائل باسميتها هم الكوفيون، والأخفش في أحد قوليه، وتقدم استدلال المصنف على الحرفية والجواب عما استدل به الكوفيون، وفي ما ذكره مع اختصاره ولفظه غنية عن غيره.
واعلم أن الكوفيين كما زعموا أن «رب» مبتدأ في: وربّ قتل عار؛ يزعمون أن: «ربّ ضرب ضربت»؛ بتقدير المصدر، وأن «رب يوم سرت»؛ بتقدير الظرف، وأن «رب رجل ضربت»؛ مفعول، و «رب رجل قائم»؛ مبتدأ كما يكون ذلك في «كم» إذا قلت: كم ضربة ضربت، وكم يوم سرت، وكم رجل ضربت، وكم رجل قام.
ولا شك أن هذا جميعه إنما ابتنى عندهم على اسميتها ولكن لم يقم على كونها اسما دليل.
وما استدل به على بطلان اسميتها أنها لا يدخل عليها حرف الجر ولو كانت اسما؛ لتعدى إليها الفعل بحرف جر كما يتعدى إليها الفعل المتعدي بنفسه فكنت تقول: برب رجل عالم مررت، كما تقول: رب رجل عالم أكرمت؛ إذ ليس في الكلام اسم تعمل فيه الأفعال المتعدية بنفسها، ولا يعمل فيه الفعل المتعدي بحرف جر.
وقد احتج لهم بأنك تقول: رب رجل عاقل ضربت؛ فقد عديت المتعدي إلى ما ينصبه بنفسه بحرف جر.
وأجيب بأن حروف الجر لم تجلب للتعدي، وإنما جلبت لما تعطي من المعنى.
وأما كونها للتكثير وأن التقليل بها نادر؛ فقد استدل عليه المصنف بما لا مدفع له.
ولا شك أن مذهب سيبويه أنها للتكثير 1، ويدل عليه ما أورده المصنف من كلامه الدالّ على ذلك.
وقال الخضراوي: كون «رب» للتكثير هو المشهور عند الخليل، وظاهر كلام سيبويه؛ قال في باب «كم»: ومعناها معنى «ربّ» - يعني 2 «كم» الخبرية - ثم قال - يعني سيبويه -: واعلم أن «كم» بمنزلة اسم ينصرف في الكلام غير منون يجر ما بعده إذا أسقط التنوين، وذلك الاسم نحو: مائتي درهم؛ فانجر الدرهم؛ لأن التنوين ذهب ودخل فيما قبله والمعنى معنى «ربّ» 3. قال الخضراوي: وأبو علي - يعني الفارسي يتأول المعنى هنا بالحكم 4. قال: -

................................  لكن قول سيبويه: واعلم أن «كم» في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه «رب»؛ لأن المعنى واحد إلا أن «كم» اسم؛ و «رب» غير اسم 1، يبعد تأويل أبي علي 2، ثم إن سيبويه قال [4/ 27] في «كأين»: معناها معنى «رب» 3. ولا شك أن «كأين» ليس حكمها حكم «رب»؛ لأنها قلما تجر، وإنما ينتصب تمييزها، أو يدخل عليه حرف الجر، ثم قال 4: واختلف النحويون في معنى «رب» فمذهب أبي عليّ أنها للتقليل، وهو قول عيسى بن عمر، ويونس، وأبي زيد الأنصاري، وأبي عثمان، وأبي العباس، وأبي بكر، وأبي إسحق الزجاج، والرماني، وابن جني، والصيمري، والسيرافي، وأبي عمرو بن العلاء، والأخفش سعيد بن مسعدة، وأبي عمر الجرمي، وابن درستويه، وكذلك جعله الكوفيون، كالكسائي، والفراء، ومعاذ الهراء.
وهشام وابن سعدان 5. وبهذا قال الزمخشري 6 من المتأخرين.
وقيل: إنها للتكثير، قال بذلك جماعة منهم صاحب العين، وروى عن الخليل 7، وقال به كثير من المتأخرين، وقال بعض المتأخرين: هي من الأضداد تكون للتقليل والتكثير، وقال ابن (الباذش) 8 هي لمبهم العدد تكون تقليلا وتكثيرا، وبه قال ابن طاهر، وابن خروف 9، وذكر أنه مذهب سيبويه، وأن «كم» عنده تكون تقليلا وتكثيرا؛ لأنها لمبهم العدد عنده من قليل وكثير.
قال الخضراوي: وهذا غريب من القول في «كم».
وأما ابن عصفور فإنه قال في شرح الجمل 10: «وأما «ربّ» فمعناها عند المحققين من النحويين التقليل؛ فإذا قلت: رب رجل عالم لقيت؛ فكأنك قلت: قد لقيت من ضعيف الرجال العلماء وليس من لقيته بالكثير وأنشد: -

جارٍ التحميل