[بعض أحكام أسماء الأفعال]
قال ابن مالك: (أسماء الأفعال ألفاظ تقوم مقامها غير متصرفة تصرّفها، ولا تصرّف الأسماء، وحكمها - غالبا - في التعدّي واللزّوم والإظهار والإضمار حكم الأفعال الموافقتها معنى، ولا علامة للمضمر المرتفع بها، وبروزه
مع مشبهها في عدم التّصرّف دليل فعليّته).
قال ناظر الجيش: لم يحدّ المصنف هنا اسم الفعل ولكنه حدّه في شرح الكافية بأن قال 1 ما معناه: إنه ما ناب عن فعل ولم يكن معمولا ولا فضلة 2، قال:
فنائب عن فعل: جنس يعم المصدر العامل، واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة واسم الفعل، والحروف التي فيها معاني الأفعال كـ «ليت» و «لعل» فخرج بـ «لم يكن معمولا» ما سوى اسم الفعل والحرف لأن كلّا منهما غير معمول، وخرج بقولي: «ولا فضلة» الحروف.
انتهى.
وهذا بناء منه على أن أسماء الأفعال غير معمولة لشيء فإنه يرى ذلك 3 وهو الصحيح، وسيذكر الخلاف في المسألة، إذا عرف هذا فقوله في التسهيل: أسماء الأفعال ألفاظ تقوم مقامها يستفاد منه أحد الأمرين وهو: كونها نائبة عن الأفعال، ولم يحتج إلى أن يقول: غير معمولة لأنه قد جعلها قائمة مقام الأفعال فكان حكمها حكمها، ولو أتى هنا بقوله: «نائبة» لاحتاج إلى ذلك، لكن قد يقال:
إن ما ذكره صادق على الحروف التي فيها معاني الأفعال؛ لأنها ألفاظ تقوم مقام الأفعال، فهي داخلة تحت عبارته وليس ثمّ ما يخرجها.
وقوله: تقوم مقامها يعلم منه أنها تقوم مقامها في العمل، إذ ليس من شأن -
................................
الأفعال إذا انضمت إلى الأسماء إلا ذلك فيندفع قول الشيخ 1: إن كلامه فيه إبهام، قال: لأنه لا يدرى من هذا اللفظ في أي شيء قامت مقامها؟.
ثم لما كانت أسماء الأفعال لها استعمال خاص ولم تكن كالأفعال من كل الوجوه، ولا كالأسماء من كل الوجوه أشار إلى ذلك بقوله: غير متصرّفة تصرفها ولا تصرّف الأسماء وذلك أن أبنيتها لا تختلف لاختلاف الزمان
كالفعل ولا يسند إليها فتكون مبتدأة أو فاعلا مثلا كالاسم 2.
وأما قول زهير 3:
3593 - ولأنت أشجع من أسامة إذ... دعيت نزال ولجّ في الذّعر 4
فهو من الإسناد اللفظي الذي يشترك فيه الاسم والفعل والحرف والجملة 5.
وليعلم أن ظاهر قولهم: أسماء الأفعال، أن مسمياتها الألفاظ التي هي أفعال، وعلى هذا فليس لها دلالة على الحدث والزمان، إنما يكون مدلولها لفظا ذلك اللفظ له دلالة على الحدث والزمان 6، لكن قول المصنف: «إنّها تقوم مقام الأفعال» يعطي ظاهره أنها تدل بنفسها على ما تدل عليه الأفعال، ولا يبعد هذا القول - إن -
................................ قيل به - عن الصواب، ويدل على صحته عملها أي: رفعها الفاعل ونصبها المفعول، ولو كان مسماها لفظ الفعل لم يكن فيها مسوغ للعمل، لا يقال: فيلزم أن تكون أفعالا لدلالتها على الحدث والزمان، لأنا نقول: إنما كان يلزم ذلك أن لو كانت دلالتها على الزمان بالصيغة والأمر ليس كذلك. وأما القول بأن هذه الكلمات أفعال فليس مما يعوّل عليه ولا ينبغي التشاغل به 1. وقد استدلّ 2 على اسميتها بأنها لا تلزم الاشتقاق، وأنها تجري على أمثلة مختلفة (متخرجة) 3 وأنها تعرّف وتنكّر، وأن منها ثنائيّا ومركبا ومصغرا، وأن بعضها يدخل عليه اللام نحو: النّجاك بمعنى: انج، وأن ما كان منها نحو: نزال - إذا سمي به - أعربه التميميون بخلاف الفعل إذا كان فيه ضمير مستتر وسمي به فإنه يحكى عند جميع العرب 4. وقد حكى الخلاف في هذه الأسماء بين البصريين والكوفيين ابن أبي الربيع فقال: اختلفوا في هذه الأسماء: فذهب الكوفيون إلى أنها [5/ 27] أفعال من جهة المعنى، لكن جعلت ألفاظها ألفاظ الأسماء فقيل لها: أسماء أفعال أي: الأسماء التي معانيها معاني الأفعال، فنزال معناه كمعنى انزل فمعناه كمعنى الفعل، لكن جعل لفظه على فعال وفعال من أوزان الأسماء، وذهب البصريون إلى أنها أسماء من جهة لفظها ومعناها وأنها أسماء للأفعال، فنزال اسم لانزل كما جاء: 3594 - إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء 5
................................
فـ «لوّ» المشددة اسم لـ «لو» المخففة 1. انتهى.
ولم يتحقق لي الحال في ما ذكرها من المذهبين، أما مذهب الكوفيين فقوله فيه: «إنها أفعال من جهة المعنى لكن ألفاظها ألفاظ الأسماء» فإن الكلمة إذا أفادت معنى الفعل وهي في اللفظ اسم لا يقال إنها في المعنى فعل، بل يقال: إنها تفيد ما يفيده الفعل، وأما مذهب البصريين فإن كلامه يعطي أنها اسما للفظ الفعل بدليل استدلاله بقول القائل:
3595 - إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء
وقد تقدّم البحث في ذلك بأنها لو كان مسماها لفظ الفعل لم يكن فيها ما يسوغ العمل، والمذهبان المذكوران أشار إليهما الفارسي في الإيضاح 2.
والذي يظهر أن «نزال» اسم للفعل الذي هو: انزل مع مدلوله لا اسم للفظ الفعل خاصة، وقد أشار ابن عصفور إلى ذلك فقال 3: «إن نزال مثلا يكون اسما للفظ، فيكون «نزال» هو الدال على النزول لا انزل، قال: ويكون مدلول نزال إذ ذاك أزيد من مدلول انزل لأن انزل إنما يدل على المعنى الذي وضع له ونزال يدل على ذلك المعنى مع لفظ انزل».
انتهى.
وهذا الذي قاله هو الحق، والمصنف لم يتعرض إلى ذكر شيء من ذلك لكن الذي يعطيه ظاهر كلامه هو الذي أشرنا إليه والذي ذكره ابن عصفور.
ثم إذا كانت هذه الكلمات نائبة عن الأفعال وقائمة مقامها وجب أن يكون حكمها في التعدي واللزوم حكم الأفعال النائبة هي عنها 4، وهي التي عبر عنها - - مثله.
والبيت في الكتاب (3/ 261) (هارون) والمقتضب (1/ 325)، (4/ 32)، وابن يعيش (6/ 30)، والخزانة (3/ 45).
................................
المصنف بقوله: الموافقتها معنى.
فمن ثمّ كان «رويد» متعديا لأنه بمعنى «أمهل» وكان «صه» لازما لأنه بمعنى «اسكت».
ونبه المصنف بقوله: غالبا على كلمة «آمين» قال الشيخ 1: «فإنها لم يحفظ لها مفعول واستجب بمعناها يجوز أن ينصب مفعولا».
وقد جعل المصنف حكمها في الإظهار والإضمار حكم الأفعال الموافقتها معنى أيضا، قال الشيخ 2: «إن غني بذلك أنه كما يضمر الفعل ويظهر كذلك يضمر اسم الفعل ويظهر فليس بصحيح، لأنهم نصوا على أن اسم الفعل لا يضمر وعللوه بأن نيابة الاسم عن الفعل مجاز والإضمار مجاز فكان يكثر المجاز».
وأقول: إن كان هذا هو المستند في عدم جواز الإضمار فلا يخفى ضعفه، ثم قال الشيخ: وفي كتاب سيبويه ما يشعر ظاهره بأن اسم الفعل يضمر أي: يعمل مضمرا فإنه قال 3 في باب الأمر والنهي من أبواب الاشتغال: ومثل ذلك أمّا زيد فاقتله.
فإذا قلت:
زيد فاضربه لم يستقم أن تحمله على الابتداء، ألا ترى أنك لو قلت: زيد فمنطلق لم يستقم فهو دليل على أنه لا يجوز أن يكون مبتدأ، فإن شئت نصبته على شيء هذا تفسيره كما كان ذلك في الاستفهام، وإن شئت على عليك؛ كأنك قلت: عليك زيدا (فاقتله) 4. هذا كلام سيبويه وهو ظاهر في أن اسم الفعل يعمل مضمرا أي: مقدرا، ومن 5 حمل كلام سيبويه على أنه تفسير معنى لا تفسير إعراب فقد خالف الظاهر.
قلت: والمصنف يرى عمله مقدرا وقد صرح بذلك في شرح الكافية ونسبه إلى سيبويه 6.
ثم قال الشيخ 7: «وإن عني - يعني المصنف - بالإظهار والإضمار أنه يضمر فيها الفاعل أو يظهر معها ولا يضمر فصحيح لأن «صه» يضمر فيها كما يضمر في «اسكت»، وهيهات يظهر معها الفاعل نحو قوله: -
................................
3596 - فهيهات [هيهات] العقيق وأهله... وهيهات خلّ بالعقيق نواصله 1
ويضمر فيها أيضا كقوله تعالى في أحد القولين 2 هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ 3، أي: هيهات هو أي الإخراج، وذلك أن مدلولها «بعد» فكان حكمها في الإظهار والإضمار حكمها».
ومما يقارن به اسم الفعل الفعل: أن الضمير يبرز مع الفعل ولا يبرز معه، وهذا الحكم معروف.
وقد نبّه عليه في أول الكتاب حيث قال: «إنّ الفعل يعتبر اتصاله بضمير الرفع البارز» وعلى هذا لا يحتاج إلى التنبيه عليه ههنا، لكن الشيخ جعل قول المصنف هنا: ولا علامة للمضمر المرتفع بها إشارة إلى أن الضمير لا يبرز معها حتى إنه قال: «قوله: ولا علامة للمضمر المرتفع بها عبارة غير صحيحة لأن هذا شيء يشترك فيه اسم الفعل والفعل، لأن الفعل أيضا لا علامة للمضمر المرتفع به إنما يبرز هو بنفسه وليست له علامة تدل عليه، فالعبارة الصحيحة أن يقول: ولا يبرز معه الضمير في حال تثنية ولا جمع بل يسكن 4 مطلقا» انتهى.
وأقول: إن كلام المصنف يسوغ فيه أن يحمل على غير ذلك، فيقال: قد يتوهّم أن حكم أسماء الأفعال حكم الأسماء العاملة من كل الوجوه، ولا شك أن الأسماء العاملة كـ «اسم الفاعل»، مثلا تلحقها العلامات الدالة على الضمير المستتر فيها نحو: الرجلان قائمان، والرجال قائمون، وأسماء الأفعال لا تلحقها علامة فهي مخالفة في ذلك لغيرها من الأسماء العاملة، فالمنصف أراد بقوله: ولا علامة -
[أنواع أسماء الأفعال: أمر - ماض - حاضر]
قال ابن مالك: (وأكثرها أوامر، وقد تدلّ على حدث ماض أو حاضر، وقد تضمّن معنى نفي أو نهي أو استفهام أو تعجّب استحسان أو تندّم أو استعظام، [وقد يصحب بعضها «لا» النّافية]).
للمضمر المرتفع بها دفع هذا التّوهم الذي ذكرناه، ولم يرد بها تمييزها عن الأفعال كما فهمه الشيخ رحمه الله تعالى؛ لأنها مميزة عنها بأمور أخرى منها: بروز الضمير المرفوع إذ هو من خصائص الأفعال ومن ثمّ أردف المصنف كلامه هذا بقوله:
وبروزه مع شبهها دليل فعليّته أي: وبروز [5/ 28] الضمير مع ما يشبه أسماء الأفعال دليل على فعليته، وذلك نحو: «هلمّ» فإن بني تميم يبرزون الضمير المرفوع بها فيقولون: هلمّا، وهلمّوا، وهلمّي وهلممن 1، فلإبراز الضمير في لغتهم وجب الحكم على هذه الكلمة بالفعلية في لغتهم.
وفي قول المصنف: مع شبهها فيه لطف لأن «هلم» في اللغة الحجازية اسم فعل 2، وهي في لغة التميميين فعل لاتصال ضمائر الرفع البارزة بها 3، ولا شك أن «هلم» في لغة تميم قبل اتصال الضمائر بها شبيهة بـ «هلم» في لغة الحجازيين، وهي محكوم بفعليتها من أجل بروز الضمير المرفوع بها عندهم.
قال ناظر الجيش: اسم الفعل الدال على أمر كثير، واسم الفعل الدال على ما سوى الأمر قليل، وقد ذكر المصنف ما هو للأمر وما هو لغيره في متن الكتاب وعلل النحاة 4 كون الدّال منها على الأمر أكثر من الدال على غيره بكثرة حذفهم فعل الأمر لدلالة الحال عليه، قالوا: ولم يكثر ذلك منهم في الأخبار وإنما يجيء في -
................................
مواضع قليلة تحفظ ولا يقاس عليها، فكما استغنوا في اللفظ عن ذكر أفعال الأمر في اللفظ لدلالة الأحوال عليها فكذلك استغنوا عن ذكر أفعال الأمر في اللفظ.
والتقدير بأسماء الأفعال، وكما قلّ استغناؤهم عن ذكر الأفعال في الخبر في اللفظ فكذلك قلّ استغناؤهم عن ذكر الأفعال في الخبر في اللفظ والتقدير بأسماء الأفعال.
قال الشيخ 1: «وفي كلام المصنف تسامح لأن الأوامر حقيقة إنما هي الأفعال لا أسماء الأفعال، قال: وكذا الدّالّ على الحدث الماضي والحدث الحاضر إنما هو الفعل».
وأقول: ما قاله الشيخ بناء منه على أن مسمّى أسماء الأفعال ألفاظ الأفعال، وقد عرفت مما تقدم أن الأمر ليس كذلك 2، والعجب إلزام الشيخ المصنف شيئا ليس من القول به في شيء.
ثم قد ذكر المصنف أن أسماء الأفعال قد تضمّن أحد معاني ستة أشياء وهي:
النفي، والنهي، والاستفهام، وتعجب الاستحسان، وتعجب التندم، والاستعظام.
أما النّفي فقد مثل له بقول بعض العرب وقد قيل له: أبقي شيء؟ همهام أي:
لم يبق شيء 3 وأما النهي فقد قال 4 ابن عصفور في قول الفارسي «إن أسماء الأفعال تستعمل في الأمر والنهي» 5: لم يرد بالنهي النهي الصناعي وإنما أراد به الأمر الذي يراد به التحذير نحو: حذار من كذا، وأراد بالأمر الأمر الذي لا يراد به التحذير نحو: نزال، قال: لأنه لا يوجد اسم فعل بمعنى «لا يفعل» فلا يقال:
حذار بمعنى لا يحذر.
وجاء الشيخ فحمل كلام المصنف على هذا أعني على ما حمل عليه ابن عصفور كلام الفارسي، ويبعد أن يكون ما قاله ابن عصفور مراد المصنف.
والعجب أنهم لم ينازعوا في أن اسم الفعل يضمّن معنى النفي ونازعوا في تضمنه -
................................ معنى النهي وكلاهما سواء، فكان الواجب إما أن يمنع فيهما وإما أن يجاز فيهما. وأما الاستفهام فقد مثّل له 1 بما جاء في الحديث: أن عبد الرحمن بن عوف 2 رأى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أثر صفرة فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مهيم» 3 قال: تزوّجت يا رسول الله: كأن المعنى - والله تعالى أعلم - أحدث لك شيء؟ قالوا 4: فـ «مهيم» على هذا اسم فعل معناه الاستفهام. ومثال تعجب الاستحسان 5: «وا» في قول الراجز 6: 3597 - وا بأبي أنت وفوك الأشنب... كأنّما ذرّ عليه الزّرنب 7 ومثال تعجب التّندّم 8 قول الشاعر 9: 3598 - سالتاني الطّلاق أن رأتاني... قلّ مالي قد جئتماني بنكر
................................ وي كأن من يكن له نشب يح... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ 1 وقد ذكر المصنف في شرح الكافية 2 أن كلمة «وا» بمعنى «أعجب» وأنشد: 3599 - وا بأبي أنت......... وأن كلمة «وي» بمعنى «أتعجب» وأنشد: وي كأن من يكن له نشب......... واستدل بقوله تعالى: وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ 3، ولكنه لم يذكر الاستحسان ولا التندّم مع «أعجب» ولا «أتعجب». ثم إن في بعض نسخ التسهيل زيادة في هذا الموضع وهي «وقد يصحب بعضها لا النّافية» قال الشيخ 4: وهي في نسخة رأيت عليها خطه رحمه الله تعالى، قال: ومثال ذلك قولهم: لا لعا قال: ومنه قول ابن دريد: 3600 - فإن عثرت بعدها إن وألت... نفسي من هاتا فقولا: لا لعا 5
................................
ومعنى «لعا»: أقاله.
فإذا أدخل عليها لا فكأنه قيل: لا أقاله، انتهى 1.
ولم ينتظم لي تفسير «لعا» بـ «أقاله» مع كونها اسم فعل 2، وقال في الصحاح 3: ويقال للعاثر: لعا لك عاليا، دعاء له بأن ينتعش قال الأعشى:
3601 - بذات لوث عفرناة إذا عثرت... فالتّعس أدنى لها من أن أقول لعا 4
وذكر أبو البقاء أن معنى «لعا» أسلم 5، وهذا هو الأقرب بل الحق، وعلى هذا يكون معنى «لا لعا»: لا أقول له لعا، لا أقول له أسلم 6. وإذا كان التقدير كذلك لم يكن حرف النّفي قد صحب اسم الفعل فلا يصح تمثيل الشيخ به لما قاله المصنف، وإن تمّ ما قلناه فليكن قول ابن دريد «فقولا: لا لعا» فقولا: لا أقول لك أسلم.
................................
أو يا امرأتان، وهاؤوا يا رجال، وهاءين يا نساء.
وتصريفها تصريف «هب» - من الهبة - فيقال: هأ، هئي، هأا، هأوا، هأن.
وتصريفها تصريف «خف» فيقال: هأ، هائي، هاءا، هاؤوا، هأن.
وعلى هذا ورد عنهم: ما أهاء أي ما آخذ 1، فقد ثبتت الفعلية لهذه الكلمة على لغة من يتكلم بذلك لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها.
وفي شرح الشيخ 2: وأما هات بكسر التاء فمعناه: أعط، والألف منقلبة إما عن ياء أو واو، والتاء غير زائدة.
وقال الخليل 3: إنها مبدلة من الهمزة من: آتى أي: أعطى، وتقول للمرأة: هاتي، وللاثنين: هاتيا، وللجمع المذكر: هاتوا، وللمؤنثات: هاتين 4، ويقوي هذا ما ذكره الخليل من أنه من آتى.
انتهى.
وعرف منه أن التاء عند من خالف الخليل أصلية، وأن الكلمة في الأصل: إما هيت، وإما هوت، ولا يخفى أن قول الخليل في هذه الكلمة هو الأظهر بل المتعين.
وأما هلمّ: فلها معنيان وهما 5: أحضر، وأقبل، فإذا كانت بمعنى: أحضر كانت متعدية كما أن أحضر متعدية، قال الله تعالى: قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ 6 أي: أحضروا شهداءكم، وإذا كانت بمعنى: أقبل تعدّت بإلى كما يتعدى أقبل، قال الله تعالى: هَلُمَّ إِلَيْنا 7، أي: أقبلوا إلينا، وتقول العرب: هلمّ إلى الثّريد أي: حيّ إلى الثّريد، ومنهم من يعديها باللام فيقول: هلم للثّريد، ومنهم من يحذف الحرف فيقول: هلمّ الثّريد أي ائت الثريد 8، هذا حكم هلمّ في اللغة الحجازية.
وأما في اللغة التميمية فإنها عندهم فعل لأنهم يبرزون معها الضمير فيقولون: هلمّ -
................................
يا رجل، وهلمّي يا امرأة، وهلمّا للرجلين والمرأتين وهلمّوا يا رجال، وهلممن يا نساء 1.
ومذهب البصريين 2 أن هذه الكلمة مركبة من (ها) التي للتنبيه و «لمّ» التي هي فعل أمر من قولهم: لمّ الله شعثه، حذفت ألف «ها» تخفيفا، قالوا:
والمعنى: أجمع نفسك إلينا، لكن هذا أحد معنييها 3، وقال الخليل 4: إنها بعد التركيب حدث لها معنى لم يكن، وهذا هو الظاهر.
وقال الفراء: هي مركبة من «هل» التي للزجر و «أمّ» بمعنى اقصد، وقد أطالوا الكلام فيها وهو أمر لا يجدي شيئا فلا حاجة إلى الإطالة بذكره 5.
ويقال: هلم لك ولك ولكما ولكم ولكنّ، والتقدير: إرادتي لك فاللام للتبيين ومدلول الكاف هو مدلول الضمير المستكن في هلم، وقد اشتقوا منها فعلا وإن كانت مركبة لتنزلها عندهم منزلة كلمة واحدة 6، حكى الأصمعي 7 أنه يقال للرجل: هلمّ إلى كذا فيقول: لا أهلمّ 8 بفتح الهمزة والهاء، وضم اللام وفتح الميم مشددة -، وقالوا أيضا: إلى م أهلم (9)، وذكر أبو علي 9 أنه يقال للرجل:
هلم كذا فيقول: لا أهلمه أي: لا أعطيكه، وهذا يدل على أن معنى هلم كذا أعط كذا، فيكون قد ضمّن «هلم» معنى «أعط».
................................
ومن كلامهم: كان ذلك عام كذا وهلمّ جرّا إلى اليوم، حكاه الجوهري 1، وفي الارتشاف 2 «وهلمّ جرّا معناه: تعالوا على هينتكم متثبتين، قال 3:
وانتصاب «جرّا» على أنه مصدر في موضع الحال أي: جارين، قاله البصريون، وقال الكوفيون: هو منصوب على أنه مصدر لأن معنى «هلم» جروا، وقيل:
انتصب على التمييز.
انتهى.
ولم يظهر لي بهذا الإعراب الذي نقله توجيه هذا الكلام، وأي معنى بعد قولنا:
كان ذلك عاما أول لأن يقال: تعالوا على هينتكم ولا مناسبة بين الأول والثاني؟!
والظاهر أن «هلمّ» في قولهم: وهلمّ جرّا أريد بها معنى غير المعنى الأصلي بل ربما يتحتم ذلك، ولم يظهر لي معنى قولهم: وهلمّ جرّا 4.
وأما «حيّهل»: فقد ذكر المصنف لها معاني ثلاثة وهي: قدّم أو عجّل أو أقبل، وذكر في شرح الكافية 5 رابعا وهو معنى «ائت» كقولهم: حيّهل الثّريد 6، وذكر فيها أربع لغات بغير تنوين أيضا، والعجب أنه لم يذكر في اللغات التي لها «حيّ» مفردة، وقد ذكرها النحاة 7 قال ابن أبي الربيع: «حيّ تستعمل مركبة وتستعمل غير مركبة، فإذا كانت مركبة كانت بمنزلة «أقبل» فتتعدى بعلى، ومثال ذلك: «حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح» أي: أقبلوا على الصلاة وعلى ما فيه -
................................
بقاء الخير لكم، والفلاح والبقاء 1، وإذا كانت مركبة كانت متعدية وكانت بمنزلة: ائت، تقول: حيهل الثريد أي: ائت الثريد 2، قال: وزعم أبو الخطاب 3 أنه سمع من يقول: حيّهل الصّلاة 4، ثم قال: وفيها ثلاث لغات 5:
منهم من يقول: حيّهلا في الوصل والوقف، وكأن «حيّ» مركبة مع «هلا» التي هي [5/ 30] من الأصوات 6، ثم حدث بالتركيب ما لم يكن، أو يكون من إجراء الوصل مجرى الوقف.
ومنهم من يقول: حيّهل في الوصل؛ فإذا وقف وقف بتسكين اللام.
ومنهم من يقول: حيّهل في الوصل فإذا وقف وقف بالألف فيقول: حيّهلا، قال: وكأن الألف هنا عوض من هاء السكت بمنزلة الألف في أنا» 7 انتهى.
وقال ابن عصفور مشيرا إلى هذه الكلمة 8: هي في الأصل مركبة من «حي» و «هلا» إلا أن الألف من «هلا» حذفت في بعض هذه اللغات تخفيفا، وقد تستعمل كل واحدة منهما على انفرادها 9، فإذا استعملت «حي» على انفرادها كانت بمعنى «أقبل» وإذا استعملت «هلا» على انفرادها كانت بمعنى «تقدّم» -
................................
و «حي» خاصة باستحثاث العاقل و «هلا» باستحثاث غير العاقل 1، وقد تستعمل «هلا» في العاقل إلا أن ذلك قليل.
ومن ذلك قوله:
3602 - ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلّا 2
وإذا ركبت «حي» مع «هلا» فالأكثر أن تستعمل لاستحثاث العاقل تغليبا لـ «حي» ومنهم من يغلب «هلا» فيستعملها لاستحثاث غير العاقل وذلك قليل 3.
ثم إنه ذكر أن فيها ثماني لغات 4:
أحدها: حيّهل - يعني بفتح اللام - قال: وإذا وقفت عليها في هذا الوجه جاز أن تقف بالسكون وأن تقف بالألف اللاحقة لتبيين حركة المبني في الوقف.
ثانيها: أن تستعمل بالألف وصلا ووقفا من غير تنوين فيقال: حيّهلا بزيد.
ثالثها: أن تستعمل منونة فيقال: حيّهلا.
رابعها: حيّهل بتسكين اللام في الوصل والوقف.
خامسها: حيّهل بكسر اللام والتنوين كأنه قال: حيّهل على الوقف ثم ألحق التنوين وكسر اللام لالتقاء الساكنين.
-
................................
سادسها: حيّهلك بفتح اللام وإلحاق الكاف التي هي حرف خطاب.
سابعها: حيّهل بتسكين الهاء، وفتح اللام من غير تنوين.
ثامنها: حيّهلا بتسكين الهاء وفتح اللام والتنوين.
قال 1: فمن نوّن في شيء من ذلك جعله نكرة ومن لم ينون جعله معرفة 2، قال: وتستعمل في جميع ذلك متعدية بنفسها وبإلى وبعلى وبالباء 3، فإذا تعدّت بنفسها كانت بمعنى «ائت» وإذا تعدت بإلى أو بعلى كانت بمعنى «أقبل»، وإذا تعدت بالباء كانت بمعنى جئ 4. هذا كلامه في شرح الإيضاح 5، وقوله: إنها إذا تعدت بالباء تكون بمعنى «جئ» يطابق في المعنى قول المصنف: إنها تكون بمعنى «عجّل» لأن «عجّل» يتعدى بالباء أيضا.
وأما «تيد» و «رويد»: فاعلم أنهم قد ذكروا 6 أن «تيد» مثل «رويد» في المعنى وأنها تكون مصدرا واسم فعل كما تكون رويد كذلك، حكى البغداديون 7: تيدك زيدا، فإن كان مصدرا فالكاف في موضع خفض، وإن كان اسم فعل فالكاف حرف خطاب لا موضع لها من الإعراب 8، لكن كلام المصنف -
................................
يقتضي أن «تيد» لا تكون إلا اسم فعل خاصة لأنه لما قرن بها في الذكر «رويد» حاكما عليهما بأنهما اسما فعل لم يستثن إلا «رويد» فأخرجها عن أن تكون اسم فعل إذا نصبت على الحالية أو المصدرية، وهذا هو الظاهر إذ لم يقم دليل على أن «تيد» مصدر كما قام الدليل على مصدرية «رويد».
ثم إن المصنف ذكر أن معنى «تيد»: أمهل، وأن معنى «رويد»: أمهل أيضا، ولكن سيأتي بحث في كون معنى «رويد» أمهل.
وذكر أن لـ «رويد» استعمالات أربعا 1:
أحدها: أن تكون اسم فعل، ثانيها: أن تكون حالا، ثالثها: أن تكون مصدرا، رابعها: أن تكون نعتا لمصدر مذكور أو مقدر.
وقد ذكر ابن عصفور الاستعمالات الأربع لها أيضا فقال 2:
«رويد» اسم يستعمل على أربعة أضرب: اسم فعل بمعنى الأمر، ومصدر، وصفة لمصدر، وحال منه، فإذا استعمل اسم فعل كان مبنيّا ومتعديا إلى مفعول، حكى سيبويه 3 من كلامهم: لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشّعر،
قال: يريد أرود الشعر كقول القائل: لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشّعر، ومن ذلك قول الشاعر:
3603 - رويد بني شيبان بعض وعيدكم... تلاقوا غدا خيلي على سفوان 4
يريد: دعوا يا بني شيبان بعض وعيدكم، وانجزم «تلاقوا» على جوابه اجراء له في ذلك مجرى فعل الأمر الذي جعل اسما له، «رويد» عند البصريين تصغير -
................................ «إرواد» مصدر «أرود» بمعنى أمهل على قياس تصغير الترخيم 1، وهو عند الفراء 2 تصغير «رود» بمعنى: مهل وأنشد شاهدا على أن «رودا» بمعنى الرّفق والمهل قول الشاعر: 3604 - يكاد لا تثلم البطحاء وطأته... كأنّه ثمل يمشي على رود 3 وما ذكره البصريون أولى لأن «رويدا» إذا كان تصغير «إرواد» كان موافقا للفعل الذي وضع موضعه وجعل اسما له وهو «أرود» ولو كان تصغير «رود» لم يكن كذلك 4، ألا ترى أن الرود معناه: المهل والرّفق 5 وليس فعل متعدّ بهذا المعنى فيوضع تصغيره موضعه ويصير اسما له، وفاعله مستتر فيه في جميع الأحوال كسائر أسماء الأفعال 6، ومن العرب 7 من يلحقه كاف الخطاب ليتبين ذلك المضمر المستتر فيه فيقول: رويدك زيدا، ورويدكما زيدا، ورويدكم زيدا، ورويدكنّ زيدا، وإنما يلحقها إذا خاف الالتباس 8، ومن لم يخف التباسا لم يلحقها استغناء عنها بعلم المخاطب، وقد يلحقونها مع عدم اللبس على جهة التأكيد للبيان 9، وهي حرف لا موضع لها من الإعراب كالكاف في «ذلك».
................................
وإذا استعمل مصدرا نائبا مناب الفعل بقي على إعرابه وذلك نحو قولك: رويدا زيدا، ويجوز إذ ذاك إضافته إلى الفاعل فيقول: رويدك زيدا، وإلى المفعول حكي من كلامهم 1: رويد نفسه، وفي النصب به خلاف، فمنهم من منع ومنهم من أجاز، حجة المانع: تصغيره لأن التصغير يمنع الأسماء العاملة من العمل لكونه من خواص الأسماء
وإلى ذلك ذهب المبرد 2، وأما المجيزون فاختلفوا في سبب إعماله فقال الفارسي 3: إنه إنما عمل وهو مصغر حملا على «رويد» اسم الفعل وهذا منه دليل [5/ 31] أنه يمنع إعمال المصدر المصغر.
وأما ابن خروف وأبو بكر بن طاهر فإنهما يجيزان 4 عمل المصدر مصغرا، وإن كانا يمنعان عمل اسم الفاعل المصغر مستدلين بأن المصغر لم يعمل لشبهه بالفعل وإنما عمل لوضعه موضعه فلم يقدح التصغير في إعماله لأنه لم يعمل للشبه كما عمل اسم الفاعل، وهذا المذهب هو الصحيح عندي 5، ولا فرق بين «رويد» وغيره من المصادر المصغرة بالنسبة إلى العمل 6.
وكذلك 7 إذا استعمل صفة لمصدر أو حالا كان معربا أيضا إذ لا موجب لبنائه: فمثال استعماله صفة للمصدر قولك: ساروا سيرا رويدا 8 وفيه خلاف:
منهم من زعم أن «رويدا» الموصوف به هو الذي استعمل مصدرا إلا أنه وصف به فوقع موقع «مرود» كما وصفوا بـ «رضا» فقالوا: رجل رضا أي: مرضيّ، - - وحيّهلك وكقولهم النجاءك، وقال: فهذه الكاف لم تجئ علما للمأمورين والمنهيين المضمرين ولو كانت علما للمضمرين لكانت خطأ وانظر اللسان (رود).
................................
ومنهم من زعم أنه تصغير «مرود» تصغير ترخيم وليس بمصدر موصوف به 1، فعلى القول الأول يجوز فيه وجهان:
أن يجعل صفة للمصدر.
وأن يجعل حالا منه - وإن كان نكرة - لأن الحال إذا لم يكن صفة في الأصل جاز 2 مجيئها حالا من النكرة متأخرة عنها في فصيح الكلام، ومن ذلك قولهم:
هذا عربيّ قحّا 3، ووقع أمر فجأة، ومررت بماء قعدة رجل 4.
وعلى القول الثاني لا يكون إلا صفة للمصدر؛ لأن الاسم الذي هو صفة في الأصل لا ينتصب على أنه حال من نكرة وهو متأخر عنها، لا يقال: مررت برجل ضاحكا، ومثال استعماله حالا منه قوله: ساروا رويدا 5، فـ «رويدا» حال من ضمير محذوف عائد على المصدر الذي يدل عليه الفعل، تقديره: ساروه رويدا أي:
ساروا السّير رويدا، ولا يجوز 6 أن يكون تقدير ساروا رويدا: ساروا سيرا رويدا فحذف «سير» الذي هو المصدر وأقيمت صفته مقامه؛ لأن «رويدا» صفة غير خاصة بجنس الموصوف المحذوف لأن الإرواد من صفات السير وغير السير أيضا.
-
................................
هذا كلام ابن عصفور 1. ثم إنه 2 أورد سؤالا فقال: «فإن قيل: القاعدة في الباب 3 أن ما كان في الأصل ظرفا كـ «مكانك» أو مصدرا كـ «حذرك» ثم نقل واستعمل اسما للفعل يبقى على ما كان عليه من الإعراب فكان ينبغي على هذا إذا جعل «رويدا» اسما للفعل أن لا يبنى بل يبقى على إعرابه لأنه مصدر في الأصل؟».
ثم أجاب عن ذلك بأن قال: «إن «رويدا» لما نقل عن المصدرية وجعل اسما للفعل لم يبق على معناه، بل ضمّن معنى ما يقرب منه، فإنّ أرود إروادا معناه:
أمهل إمهالا أي: أنظر، ومعنى «رويد» الذي هو اسم للفعل: اترك ودع، وأرود ليست بمعنى دع في أصل وضعها، وإنما صار لها ذلك بالتضمين» انتهى.
وفي كلامه أمران:
أما أولا: فمنعه أن يكون «رويدا» من قولنا: ساروا رويدا صفة لمصدر محذوف معللا ذلك بأن الصفة التي هي «رويد» ليست خاصة بجنس الموصوف، لأن لقائل أن يقول: إن المسوغ لحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما هو وجود دليل على المحذوف سواء أكانت الصفة خاصة بجنس الموصوف أم غير خاصة!! نعم في بعض التراكيب قد لا يكون دليل إلا كون الصفة خاصة بجنس موصوفها كقولك: نظرت إلى كاتب، وفي بعض الصور قد يكون الدليل غير ذلك كما في قوله تعالى: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ 4 أي: دروعا سابغات، ولا يخفى أن الصفة المذكورة ليست خاصة بموصوفها المراد هنا، وقد حذف الموصوف لدلالة ذكر «الحديد» في الآية الشريفة عليه، وعلى هذا فالدليل على الموصوف المحذوف في مثل: ساروا رويدا كلمة «ساروا» إذ من المعلوم أن المراد:
ساروا سيرا رويدا؛ فالدليل على الموصوف المحذوف قائم حينئذ.
وأما ثانيا: فقوله: إن مكانك باق على إعرابه بعد نقله وتصييره اسم فعل؛ لأن «مكانك» كان منصوبا على الظرف أعني لفظ «مكان» المضاف إلى الضمير الذي -
................................
هو الكاف، والمجعول اسم فعل بعد النقل إنما هو مجموع الكلمتين أعني المضاف والمضاف إليه، وإذا كان كذلك سقط اعتبار حركة النون من «مكانك» مثلا، وصارت كحركة الكاف قبلها، أو الميم، إذ مجموع الكلمتين في حكم كلمة واحدة.
ثم إنّا نقول: إما أن يكون لأسماء الأفعال محل من الإعراب أو لا!!
فإن لم يكن لها محل فلا كلام، وإن كان لها محل فالحكم بذلك إنما هو على المحل لا على اللفظ، سواء أكان اسم الفعل كلمة واحدة كـ «نزال» أم كلمتين نحو: مكانك وحذرك.
بقي أن يقال: قد قال المصنف: إن معنى «رويد» أمهل، وكلام ابن عصفور يقتضي أن معناها: دع، وعلى ذلك فسر ما حكاه سيبويه 1 من كلام العرب:
لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشّعر أي: دع الشعر و «ما» زائدة 2 والذي يظهر أن «رويد» يجوز أن يراد بها كل من المعنيين أعني معنى «أمهل» ومعنى «دع»، وتستفاد دلالتها على أحد المعنيين دون الآخر من سياق الكلام وما يؤدي إليه المعنى في ذلك المحل الذي هي فيه.
واعلم أن ظاهر كلام صاحب الصحاح يقتضي أن «رويد» الذي هو اسم الفعل تصغير «رود»، وأن «رويد» الذي هو المصدر تصغير إرواد تصغير ترخيم، ولم أتحقق ذلك، وكلامه يحتاج إلى من يتأمله ويحرر ما قصده 3.
وأما «هيت» و «هيّا» و «هيك»: فمعناها واحد وهو: أسرع 4، والكاف في «هيك» للخطاب 5، وقال الله تعالى: وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ 6، والجمهور على أن معنى «هيت» في الآية الشريفة: أسرع و «لك» تبيين كما هي في قولهم: سقيا لك.
فاللام تتعلق بمحذوف، التقدير: لك أعني 7، وقد قال بعضهم: إن «هيت لك» معناه: جئت لك، فجعل «هيت» اسم فعل ماض -
................................ وأخرجها من الأمرية إلى الخبرية [5/ 32] ومنهم من قدر «هيت لك» مبتدأ وخبرا وقال: المعنى في الآية الشريفة: أنا مهيئة لك، وكل هذا لا معول عليه. وقد ذكر الشيخ 1 لغات أخر في هذه الكلمة منها: «هيّك» - بكسر الهاء وتشديد الياء، ومنها «هيت» - بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة ثم تاء مفتوحة - و «هيت» - بفتح الهاء وسكون الياء بضم التاء. وأما «بله» و «كذاك»: فمعناهما واحد وهو: دع 2، وقال سيبويه 3: «بله زيدا؛ أي دع زيدا» وقد ذكر المصنف في الألفية 4 أنها تكون مصدرا فيقال على هذا: بله زيد أي: ترك زيد، قال الشاعر 5: 3605 - تذر الجماجم ضاحيا هاماتها... بله الأكفّ كأنّها لم تخلق 6
................................
روي بجر «الأكف» على أن «بله» مصدر 1، ومن رواه بالنصب فـ «بله» عنده اسم فعل 2. ومن استعمالها اسم فعل قول الآخر:
3606 - تمشي القطوف إذا غنّى الحداة لها... مشي النّجيبة بله الجلّة النّجبا 3
وإذا كان اسم فعل كان مبنيّا على الفتح 4، وقد يبنى على الكسر 5، وروي فيه إذا كان مصدرا القلب فيقال: بهل زيد 6، وزعم بعضهم أن «بله» يكون بمعنى: كيف، فيقال: بله زيد، وبعضهم أنها يستثنى بها فيقال: قام القوم بله زيدا أي: إلا زيدا، ولا معول على شيء من ذلك.
وشاهد «كذاك» قول الشاعر:
3607 - يقلن وقد تلاحقت المطايا... كذاك القول إنّ عليك عينا 7
-
- «الأكف» مجرورا مضافا إليه، وإما أن تكون اسم فعل بمعنى: دع.
فيكون الأكف منصوبا على أنه مفعول لـ «بله» وقد روي البيت بالوجهين، وهناك وجه ثالث وهو: رفع الأكف على أن بله بمعنى: كيف.
وانظر البيت في ابن يعيش (4/ 47، 48) والخزانة (3/ 30)، وشرح شذور الذهب (ص 400) والتصريح (2/ 199) والهمع (1/ 236) والدرر (1/ 200).
- «الأكف» مجرورا مضافا إليه، وإما أن تكون اسم فعل بمعنى: دع.
................................
أي: دع القول، ولا يخفى أنها كلمة مركبة من «كاف» التشبيه ومن اسم الإشارة وزال بالتركيب معناهما، وضمّنت الكلمة معنى: دع، والكاف الواقعة بعدها للخطاب 1.
وأما «صه»: فمعناها: اسكت 2 وأمّا «إيها» و «مه»: فمعناهما واحد وهو: انكفف 3.
و «صه» و «مه» نقل فيهما اللغات الثلاث: سكون الآخر، وكسره دون تنوين، وكسره مع تنوين، فمن نوّن أجراهما مجرى المصدر المنكر كأنه قال:
سكوتا وانكفافا، ومن لا ينون أجراهما مجرى المصدر المعرف باللام وهو:
السكوت والانكفاف، ومن جعلهما معارف فلم ينون طلب السكوت عن فعل معين والانكفاف عن فعل معين، ومن نكّرهما لم ينون وطلب السكوت عن كل كلام والانكفاف عن كل فعل، هكذا في شرح الشيخ 4.
ولم أتحقق قوله: «ومن نكرهما لم ينون» لأن علامة التنكير في مثل هذه الأسماء إنما هو التنوين، فكيف يصح قوله: «ومن نكّرهما لم ينون»؟.
والذي ينبغي أن يقال: ومن نكرهما نوّن وطلب السكوت عن كل كلام والانكفاف عن كل فعل.
وأما «إيها»: فالتنوين اللاحقها تنوين التنكير، ومعناها: طلب الانكفاف عن كل فعل 5. وقد تستعمل معرفة فيقال: إيه - بفتح الهاء دون تنوين - ولكن ذلك قليل، ومعناه: طلب الانكفاف عن فعل معين 6. - - ومعنى «تلاحقت المطايا» أي لحق بعضها بعضا، والمعنى: دع القول إن عليك رقيبا.
والاستشهاد فيه: في قوله «كذاك» فإنه اسم فعل معناه: دع.
والبيت في التذييل (6/ 185) والعيني (4/ 319) واللسان (لحق).
وقال ابن منظور: الرواية (كفاك القول) أي ارفق وأمسك عن القول.
وعلى هذا فلا شاهد فيه حينئذ.
................................
وأما «إيه»: فمعناه: حدّث 1، قال ابن عصفور 2: «هي كلمة يراد بها الاستزادة من الحديث 3، وهو في الأصل مبني على السكون إلا أنه حرك لالتقاء الساكنين، وكانت الحركة كسرة على أصل حركة التقاء الساكنين؛ فمن لم ينونه جعله معرفة 4، لأنه يريد به الاستزادة من حديثه معه.
ومنه قول ذي الرمة:
3608 - وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالم... وما بال تكليم الرّسوم الطّواسم؟ 5
لأنه إنما طلب من الرسوم حديثا مخصوصا وهو الحديث عن «أم سالم» 6، -
................................
ومن نونه جعله نكرة كأنه يقول: حدّث حديثا، ومنه قول القائل 1:
3609 - إيه فداء لك يا فضاله... أجرّه الرّمح ولا تهاله 2
وفي شرح الصّفّار لسيبويه «وأما إيه فمعناه: حدّث أو زد، لكن هو لازم، لا يقال: إيه كذا».
قال الشيخ 3: «وقد استعمله بعض الشعراء المولدين متعديا فقال:
3610 - إيه أحاديث نعمان وساكنه 4
انتهى.
-
................................ ومن أشعار المتأخرين أيضا في تعدية «إيه» قول القائل: 3611 - إيه حديثك عن أخبارهم إيه 1 وأما «ويها»: فمعناه: اغر، والغراء: هو اللصوق بالشيء، يقال: غري يغرى غراء - بالمد - ومدّه شاذ 2، والإغراء: هو التسليط وهو راجع لمعنى الإلصاق، فإذا قال: ويها فكأنه قال له: تسلط 3، وفي الفصيح 4: «ويها: إذا زجرته عن الشيء أو أغريته به» ولكن في بعض نسخه: «وويها إذا حثثته على الشيء وأغريته به»، وصوب الناس هذا الكلام وصححوه - أعني ما في هذه النسخة من قوله: «إذا حثثته»، ومن ثمّ قال ابن درستويه في ويها: «إنما هي حضّ لا غير ولا يكون زجرا» 5. وأما «آمين»: فمعناها: استجب، وفيها لغتان: المدّ والقصر، قال الشاعر 6: 3612 - يا ربّ لا تسلبنّي حبّها أبدا... ويرحم الله عبدا قال آمينا 7 وقال الآخر: -
................................ 3613 - تباعد منّي فطحل أن سألته... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا 1 وأما «بسّ»: فمعناها: ارفق، قال في الصحاح 2: «البسّ: السّوق اللّيّن»، ولا شك أن اللين فيه رفق، فمن ثم قال المصنف: ولا رفق بسّ. لكن في الصحاح أيضا: «والإبساس عند الحلب: أن يقال للناقة: بس بس، وهو صوت للراعي تسكن فيه الناقة عند الحلب» 3 وهذا الكلام بظاهره يعطي أن هذه الكلمة اسم صوت. وأما «قرقار»: فمعناه: قرقر 4 قال في الصحاح 5: «يقال: قرقر البعير إذا صفا صوته ورجّع، وبعير قرقار الهدير إذا كان صافي الصّوت في هديره، وقرقرى على فعللى موضع، وقولهم: قرقار بني على الكسر وهو معدول، ولم يسمع العدل من الرباعي إلا في عرعار وقرقار. قال الراجز: 3614 - قالت له ريح الصّبا قرقار... واختلط المعروف بالإنكار 6
................................
يريد: قالت له: قرقر بالرعد كأنه يأمر السحاب بذلك».
قال الشيخ 1: «ما ذكره المصنف من أن «قرقار» اسم فعل هو مذهب سيبويه 2، وكذلك قال في «عرعار» 3، وزعم المبرد أن سيبويه غلط في هذا وأن «قرقار» و «عرعار» حكاية للصوت 4، وحكى مثله عن المازني وأبي عمرو، قال 5: والأظهر ما ذهب إليه سيبويه، ومما يقوي ذلك وجود مثل «قرقار» - اسم فعل - في غير الأمر.
حكى ابن كيسان أنه يقال: همهام، وحمحام، ومحماح وبحباح أي: لم يبق شيء 6، وأنشد:
3615 - ما كان إلّا كاصطفاق الأقدام... حتّى أتيناهم فقالوا: همهام 7
وليعلم أن المصنف أهمل ذكر صيغة من الصيغ الدالة على معنى الأمر وهي صيغة «فعال» كـ «نزال» و «تراك» و «مناع» فإن هذه الثلاثة معناها: انزل [5/ 33] واترك، وامنع.
ولا شك أن أسماء الأفعال مبنية، وهي في الأصل مبنية على السكون 8 إلا أنها حركت لالتقاء الساكنين، قال ابن عصفور 9: «أو مناسبة للمعنى، لأن أسماء -
................................ 3617 - فهيهات هيهات العقيق وأهله... وهيهات خلّ بالعقيق نواصله 1 وفي تائها الفتح وهو لغة الحجاز 2، والكسر وهو لغة تميم وأسد، والضم وهو لغة لبعضهم 3 وقرئ بهن 4، ولكن قراءة الجمهور بالفتح 5. وذكر ابن عصفور 6 أن فيها سبع عشرة لغة 7: هيهات وهيهاتا - بالفتح منونا وغير منون - ومنه قوله: 3618 - أتذكر أيّاما مضين من الصّبا... وهيهات هيهاتا إليك رجوعها 8 و «هيهات» و «هيهات» - بالكسر منونا وغير منون - قرأ 9 أبو جعفر: (هيهات هيهات لما توعدون) بالكسر دون تنوين، وقرأ 10 عيسى بن عمر (هيهات هيهات) بالتنوين، و (هيهات هيهات) بالضم منونا وغير منون، وقرأ 11 -
................................
أبو حيوة 1 (هيهات هيهات لما توعدون) بالضم والتنوين، فأما قراءة عيسى الهمداني 2: (هيهات هيهات) بسكون التاء فعلى نية الوقف.
و «أيهات» و «أيهاتا» بالفتح منونا وغير منون.
و «أيهات» و «أيهات» بالكسر منونا وغير منون.
و «أيهاك» والكاف للخطاب.
و «إيها» و «أيها» بكسر الهمزة وفتحها.
و «هيها» بحذف التاء.
و «هيهن» بفتح النون، و «أيهان» و «أيهان» بكسر النون وفتحها 3.
ثم إنه 4 أطال الكلام في هذه الكلمة أعني «هيهات» وقال: «إن الألف فيها منقلبة عن «ياء» أصلية 5 كما أن الألف في «حاحيت» منقلبة عن «ياء» أصلية، والأصل: حيحيت، وقلبت في الموضعين كراهية اجتماع الأمثال، قال:
ولا يجوز أن يجعل الألف في «هيهات» زائدة فتكون من لفظ «هيه» ومعناه من حيث كانت بمعنى «بعد»، و «هيه» زجر وإبعاد؛ لأن قوله 6:
3619 - هيهات من منخرق هيهاؤه 7 -
................................
يدل على أنها من باب «حاحيت» ألا ترى أن المعنى: بعد بعده كما قالوا: جنّ جنونه 1، وك «ضلّ ضلالنا» من قول أمية:
3620 - لولا وثاق الله ضلّ ضلالنا... ولسرّنا أنّا نتلّ فنوأد 2
فبنى من «هيهات» مصدرا على «فعلال» كـ «القلقال» و «الزّلزال» وأيضا فإن «الهيه» فاؤه ولامه من جنس واحد كـ «قلق» و «سلس» وهو باب قليل، وباب «حيحيت» أكثر منه.
وإذا كان كذلك فحمله على الأكثر أولى، وإذا ثبت أنها
من باب «حيحيت» كانت «هيه» منها كـ «سلس» من «سلسل» و «قلق» من «قلقل» و «جرج» من «جرجر» 3 انتهى 4.
وأورد الشيخ ذلك في شرحه 5 مقررا له دون نسبة إلى أحد، ولا يظهر لي ذلك؛ فإن أسماء الأفعال مبنية والمبني ليس له اشتقاق فلا يدخله تصريف.
ثم قال ابن عصفور بعد كلامه المتقدم: «ومن فتح الفاء منها كتبها بالهاء لأنها إذ ذاك واحدة كـ «أرطاة» 6 ومن كسرها كتبها تاء على لفظها لأنها جمع.
والدليل على ذلك وقف العرب على المفتوحة بالهاء وعلى المكسورة بالتاء، قال: وأما إذا ضمّت التاء فإن أبا الفتح يرى كتبها بالهاء؛ لأن أكثر القراءة «هيهات» بالفتح والفتح يدل على الإفراد، وأجاز في الضمة أن تكون بناء والأصل السكون إلا أن التاء حركت لالتقاء الساكنين، كما حرك بعضهم نون المثنى بالضم لالتقاء الساكنين، وأجاز أيضا أن تكون الضمة إعرابا على أن تكون الكلمة بمعنى: البعد، ولم تجعل اسما للفعل فتبنى، قال: وأما أبو علي فيرى كتبها إذا ضمّت بالتاء لأنه يرى أن التاء إنما ضمت في الجمع، وسبب ذلك عنده أنه جاء في هذه اللغة على صورة الرفع، وفي لغة من كسر التاء على صورة النصب، والمبنيات إنما تجيء على -
................................
صورة الرفع في حال الجمع، ألا ترى أن «الذين» جمع وهو مبني وبعض العرب يستعمله بالواو في حال الرفع، فلذلك اعتقد في «هيهات» إذا كان مضموما أنه جمع، قال: فعلى قراءة من قرأ (هيهات هيهات لما توعدون) - بالرفع - يكون المجرور في موضع خبر «هيهات» وكذلك أيضا يكون المجرور في أحد قولي ابن جني، ويكون
«هيهات» إذ ذاك مصدرا في الأصل 1، ويكون السبب في بنائها في قول أبي علي - قلة تمكنها وإبهامها وأنها بمنزلة الأصوات ولا يمكن أن تكون عنده اسم فعل لأن أسماء الأفعال لا موضع لها عنده من الإعراب 2.
قال 3: فإن قال قائل: إذا كانت في حال كسر التاء أو ضمها جمعا لـ «هيهات» المفتوحة التاء؛ فهلا قالوا: هيهيات فقلبوا الألف ياء كما يقال في مصطفاة: مصطفيات، وفي أرطى: أرطيات؟ فالجواب: أن هذا إنما هو حكم المعرب، وأما المبني فإنه يحذف منه الألف في الجمع بالألف والتاء كما قالوا في جمع إلى: إلات 4 [5/ 34].
ثم قال: وهيهات تثنية: هيها، ثم إن ابن عصفور أطال الكلام في هذه الكلمة، واعلم أني لم أتحقق ما قاله، ثم إنه حكم بالجمعية مع حكمه أن الكلمة مبنية لقوله:
«وأما المبني فإنه تحذف منه الألف» ولا شك أن المبني لا يجمع، وكذا لا يثنى، وقد حكم بأن «هيهات» تثنية «هيها».
وبعد فلم يتضح لي ما قاله، وأما كونه حكم بأن الكلمة قد تكون مصدرا؛ فإذا صحّ يقال له: لا مجامعة بين المصدر واسم الفعل، فتكلم على الكلمة اسم فعل ثم تكلم عليها مصدرا، كما أورد الكلام في «رويد» و «بله» ولا حاجة إلى خلط حكمها مصدرا بحكمها اسم فعل، وقد ذكر الشيخ في شرحه 5 غالب ما ذكره ابن عصفور دون أن ينسبه إليه، ثم قال 6: «والذي نختاره أن الضم في «هيهات» والكسرة ليست لأجل أنها جمع وأن «أيهان» و «هيهان» ليسا بمثنيين؛ بل يعتقد أن ذلك وغيره من الأوجه المذكورة فيها إنما هو من بلاغتهم واتساعهم في اللفظ الواحد -
................................
كما تلاعبوا في لفظ «أفّ» ولفظ «ايمن» في القسم وأنها على كل حال اسم فعل في الخبر بمعنى: بعد، قال: ولا حجة في وقفهم على «هيهات» - بالفتح 1 - ولا على «هيهات» - بالكسر أو الضم - بالتاء؛ لأنه لا يجوز في
«مسلمة» أن تقف بالتاء وفي «مسلمات» أن تقف بالهاء وإن كان قليلا فيكون هذا قد جاء على أحد الجائزين» انتهى.
والذي قاله الشيخ هو الحق ولا أدري كيف خفي هذا عن ابن عصفور؟
واعلم أن للمعربين في الآية الشريفة وهي قوله تعالى: هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ 2 غير القول الذي ذكره ابن عصفور قولين:
أحدهما: أن الفاعل مضمر تقديره: هيهات هو أي: التصديق الذي دل عليه المعنى، وقيل: الضمير المذكور يعود على الإخراج.
ثانيهما: أن اللام زائدة و «ما» فاعل 3.
وأما «هيهات» الثانية فمقتضى كلام ابن عصفور أن يمنع كونها تأكيدا للأولى؛ لأنه قال في:
3621 - فهيهات هيهات العقيق وأهله
الاختيار في «العقيق» أن يكون مرفوعا بالمتأخرة يعني على مختار البصريين 4.
ثم قال: فإن قال قائل: كيف جعلت هذا من الإعمال مع أنه كان رفع «العقيق» بـ «هيهات» الأولى وجعل الثانية تأكيدا لها كما في نحو: قام قام زيد فإن قام الثانية تأكيد للأولى؟
فالجواب: أن ذلك عندي لا يسوغ لأن اسم الفعل إنما أتي به دون الفعل اختصارا، لأنك تقول: صه ونزال للواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث، فتكراره -
................................
للتأكيد 1 مناقض لما أريد به من الاختصار؛ فتأكيد الأولى إن كان الفاعل الضمير، وعلى هذا يكون في الثانية
ضمير أيضا ويكون هذا التأكيد من قبيل توكيد الجملة بالجملة.
انتهى 2. ولا يخفى ضعف هذا التعليل الذي ذكره، وبتقدير تسليم أن اسم الفعل إنما أتي به اختصارا لا يلزم أن لا يكرر توكيدا، ولو كان ذلك لازما لا متنع توكيد الحرف؛ لأن الحرف إنما عدل إليه قصدا للاختصار أيضا، فالحق أن «هيهات» الثانية في البيت لا يمتنع كونها تأكيدا للأولى، وكذا يكون الحكم في التي كررت في الآية الشريفة أيضا إذ لا مانع من ذلك 3.
وأما قول ثعلب: إن هيهات هيهات مثل: هو جاري بيت بيت 4 - يعني أن الكلمتين ركبتا وصار حكمهما حكم الكلمة الواحدة - فقد استبعده ابن عصفور، ولا شك أن مثل هذا لا ينبغي التشاغل به.
وأما «سرعان» و «وشكان»: فإنهما اسمان لسرع والسين تضم وتفتح وتكسر مع سكون الراء 5، وكذا الواو من «وشكان» يجوز فيها الثلاث مع سكون الشين، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: مثلّثين.
وقد ذكر ابن عصفور الأوجه الثلاثة في «سرعان» مسندا ذلك إلى الجوهري، قال 6: وتستعمل خبرا محضا، وخبرا فيه معنى التعجب، حكى الجوهري 7 من كلامهم: لسرعان ما صنعت كذا: أي ما أسرع ما صنعت كذا، وقالوا: سرعان -
................................
ذي إهالة 1 وهو مثل، وذلك أن بعض حمقاء العرب يقال: إنه اشترى شاة فسال لغامها 2 هزالا فتوهّمه شحما مذابا فقال لبعض أهله: خذ من شاتنا إهالتها فنظر إلى مخاطها فقال: سرعان ذي إهالة أي: سرعت ذي إهالة فـ «ذي» فاعل سرعان و «إهالة» منصوب على التمييز، وهو محول من الفاعل، التقدير: سرعان إهالة ذي.
وأما «وشكان» فإنما هو اسم لـ «وشك» ومعنى وشك: سرع، يقال: وشك يوشك وشكا: سرع، قالوا: وتستعمل «وشكان» موضع المصدر فيقال: عجبت من وشكان ذلك الأمر أي من سرعته، ذكر الشيخ ذلك في شرحه 3 وفي الارتشاف 4 أيضا.
وأما «شتّان»: فهو اسم لـ «افترق» 5 وقال ابن عصفور: إنه اسم لـ «بعد» وهو بعيد.
فإنه لو كان كذلك لكان مرادفا لـ «هيهات» فكان يذكر معها 6، قال ابن عصفور:
وهو ساكن في الأصل إلا أنه حرك لالتقاء الساكنين وكانت الحركة فتحة إتباعا لما قبلها وطلبا للخفة، ولأنه واقع موقع الماضي والماضي مبني على الفتح فجعلت حركته 7 كحركته، قال: وزعم الزجاج أنه مصدر واقع موقع الفعل جاء على «فعلان» فخالف أخواته فبني لذلك 8، قال: فإن قيل لنا: فعلان في المصادر، قالوا: لوى يلوي ليّانا 9 وشنئته شنآنا، وأنت لو وضعت ليّانا وشنآنا موضع الفعل لبقيا على إعرابهما -