تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2871-2910

الباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]

صفحات 2871-2910

1 [تعريفها - سبب عملها - تقسيمها]

قال ابن مالك: (باب حروف الجرّ سوى المستثنى بها).
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المرفوعات والمنصوبات شرع في الكلام على المجرورات.
ومعلوم أن الجر إما بحرف وإما بإضافة 2، وها هو يذكر البابين.
وإنما قدم الكلام على المجرور بالحروف؛ لأن الجر بالحرف هو الأصل؛ لأن الحرف يستحق العمل فيما اختص به، وأما الجر بالإضافة فإنه لما كان على معنى حرف وهو «من» أو «اللام» 3 صار الجر كأنه بذلك الحرف، وإن كان عامله هو الاسم المضاف.
ثم قبل الشروع في مسائل الباب لا بد من التعرض إلى ذكر أمور تتعلق بما يذكر فيه: منها: أن المقصود من وضع هذه الحروف إنما هو إيصال معاني الأفعال بها إلى الأسماء ومن ثم يسميها بعضهم 4 حروف الإضافة.
ولذلك قيل 5 في حدها: هي ما وضع للإفضاء بفعل أو معناه إلى ما يليه.
فمثال الإفضاء بفعل: مررت بزيد.
ولا شك أن شبيه الفعل حكمه حكم الفعل، نحو: أنا مارّ بزيد، ومروري بزيد حسن، ومثال الإفضاء بمعنى الفعل: زيد في الدار، وهذا في الدار أبوك؛ فالعامل في المثال الأول معنى الاستقرار المستفاد من قولك: «في الدار» وفي المثال الثاني ما في هذا من معنى الإشارة.
-

................................  ومنها: أن هذه الحروف إنما عملت لاختصاصها بما هي عاملة فيه والقاعدة المعروفة أن الحرف إذا اختص بأحد النوعين - أعني الاسم والفعل - ساغ له أن يعمل في ذلك النوع.
فعلى هذا إنما تستحق هذه الحروف من العمل الجر، وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى الاعتذار عن عدم عملها الرفع أو النصب، لكنهم اعتذروا عن ذلك بأن قالوا: لم نعمل الرفع؛ لاستئثار العمدة به، ولا النصب؛ لإيهام إهمال الحرف.
ومنها: أن عدة الحروف التي ذكرها المصنف عشرون حرفا وهي: من، وإلى، واللام، وكي، والتاء في القسم، والباء، وفي، وعن، وعلى، وحتى، والكاف، ومذ، ومنذ، ورب، ولولا، ولعل، وحتى؛ فهذه سبعة عشر، وذكر في باب المستثنى ثلاثة وهي: خلا وعدا وحاشا، ونقصه من الحروف 1 الواو؛ فإنها حرف تجريد لكنها لا تستعمل إلا في القسم، وقد ذكر في الخلاصة، والعجب أنه لم يذكرها في باب القسم 2 من هذا الكتاب أيضا إلا أن الجر بـ «لعل ومتى» ينسب إلى بعض اللغات، ولا شك أنه في غاية القلة كما سيأتي الكلام على ذلك.
وذكر ابن عصفور 3 في حروف الجر أربع كلمات يجر بها في القسم خاصة وهي الميم المضمومة والمكسورة وهمزة الاستفهام وهاء التنبيه وقطع ألف الوصل، وذكر أيضا واو «ربّ» وفاءها و «بل» النائبة مناب «ربّ»، وتعرّض 4 إلى ذكر الخلاف في بعضها، ولم يتعرض المصنف إلى ذكر شيء من ذلك؛ لأن الميم عنده ليست حرفا مستقلّا إنما هي بعض «أيمن».
وأما الجر بعد هاء التنبيه وألف الوصل المقطوعة؛ فإنما هو بحرف قسم محذوف كما ستعرف ذلك في باب القسم إن شاء الله تعالى.
وأما الجر بعد الواو والفاء وبل؛ فإنما هو بـ «ربّ» محذوفة.
ومنها: أن من هذه الحروف ما يختص بجر المضمر وهو «لولا»، ومنها ما يختص بجر الأسماء الظاهرة وهو سبعة: الواو والكاف وحتى ومذ ومنذ وربّ -

................................  والتاء، لكن الثلاثة الأول لا تختص بظاهر دون ظاهر، و «مذ ومنذ» يختصان بأسماء الزمان، و «ربّ» تختص بالنكرات، والتاء تختص بالله تعالى وربّ مضافا إلى الكعبة أو لياء المتكلم، وقد تجر الكاف الضمير في الضرورة وكذلك «حتى» أيضا، وأما «ربّ» فتجر ضمير الغيبة في السعة.
وقد علمت أن ابن عصفور ذكر حروفا زائدة على ما ذكره المصنف وذكر تقسيما شاملا فأنا أورده: وهو أن: هذه الحروف تنقسم - بالنظر إلى ما تجره - ثلاثة أقسام: قسم لا يجر إلا المضمر وهو «لولا»، وقسم لا يجر إلا الظاهر وهو: هاء التنبيه وهمزة الاستفهام وقطع ألف الوصل و «من» في القسم والميم المكسورة والمضمومة في القسم أيضا وواو «ربّ» وفاؤها ومذ ومنذ [3/ 172] وكاف التشبيه وحتى، وقسم يجر الظاهر والمضمر وهو ما عدا ذلك، والحروف التي تجر الظاهر وحده أو مع المضمر منها ما يجر بعض الظواهر دون بعض وهو: لام القسم والميم المكسورة والمضمومة، وهاء التنبيه وهمزة الاستفهام وقطع ألف الوصل لا تجر إلا اسم الله تعالى في القسم، وتاء القسم لا تجر إلا اسم الله تعالى أو الرب، و «من» في القسم لا تجر إلا الرب، «وربّ» وفاؤها وواوها لا تجر من الظاهر إلا النكرات و «مذ ومنذ» لا تجرّان إلا أسماء الزمان، ومنها ما يجر كل ظاهر وهو ما عدا ذلك 1. هذا كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى.
ومنها: أن من الحروف المذكورة ما يستعمل اسما، ومنها ما يستعمل فعلا.
فالذي استعمل حرفا واسما خمسة وهي: عن وعلى والكاف ومذ ومنذ، والذي استعمل حرفا وفعلا ثلاثة وهي: خلا وعدا وحاشا؛ فالأقسام على هذا ثلاثة: ما يستعمل حرفا واسما، وما يستعمل حرفا وفعلا، وما هو مستمر الحرفية لا يستعمل غير حرف.
وذكر ابن عصفور قسما رابعا وهو ما يستعمل اسما وفعلا وحرفا قال: وهو على 2؛ فأخرجها من قسم ما يستعمل حرفا واسما وجعلها قسما برأسها.
وقد رد المحققون ذلك: بأنه إنما قصد إلى هذا التقسيم باعتبار المحافظة على اللفظ والمعنى الأصلي، ولو لم يكن الأمر كذلك؛ لكان يلزم عد اللام حرفا وفعلا في قولك: لـ زيدا إذ لفظها لفظ قولك: لزيد، وكذلك «من» لأنه أمر من «مان يمين» ولكانت «إلى» تعد حرفا واسما في قولك: إلى زيد بمعنى: نعمة زيد، ولكنهم اعتبروا اللفظ -

................................  والمعنى الأصلي معا؛ فلم يعدوا اللام؛ لخروجها عن معناها الأصلي، ولأن لفظها في الأصل مخالف للفظها في الحرف، وكذلك «من»، وكذلك «إلى».
ألا ترى أن «إلى» التي هي النعمة أصل ألفها ياء، «وإلى» التي هي حرف لا أصل لألفها، وكذلك ألف «على» التي هي فعل أصلها واو، والتي في الاسم والحرف لا أصل لها.
وقد عورض هذا التقرير: بأنه يلزم منه أن لا يعد خلا وعدا وحاشا؛ لأن ألفاتها إذا كانت أفعالا منقلبة وإذا كانت حروفا غير منقلبة، وقد جعل ذلك مانعا في «على» فليكن مانعا في هذه الثلاثة أيضا.
وأجيب عن ذلك: بأنا لم نعد «حاشا» من مثل قولك: حاشيته، ولا «عدا» من قولك: عدوته، ولا «خلا» من قولك: خلوته، وإنما عددنا خلا وعدا وحاشا الواقعة في الاستثناء؛ فإنها لا تتصرف ولما لم تتصرف تصرف الأفعال أشبهت الحروف فلم يجعل لألفها أصل كما أن الاسم إذا أشبه الحرف لا يكون لألفه أصل انقلبت عنه؛ بل هي أصل بنفسها كما هو مقرر عند أهل هذه الصناعة.
ومنها: أن هذه الحروف لا بد لها مما تتعلق به إما ظاهرا وإما مقدرا كما هو مقرر في علم العربية، ويستثنى من ذلك الحروف الزوائد فلا تتعلق بشيء نحو: بحسبك درهم، وهل من أحد قائم؛ لأن الزائد لم يجتلب لمعنى مقصود ولم يكن محتاجا إليه في ذلك التركيب الذي هو فيه فكيف يتصور تعلقه بشيء، و «لولا» إذا جرّ بها حكمها حكم الحرف الزائد في ما ذكر، وكذا «لعل» 1 أيضا إذا جرّ بها لا تتعلق بشيء، وسيشار إلى بيان ذلك عند الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
وذكر ابن عصفور 2 أن الكاف في نحو: جاءني الذي كزيد لا تتعلق بشيء ظاهر، إذ ليس في اللفظ ما يمكن أن يعمل فيه ولا بمضمر؛ إذ لا يحذف ما يعمل في المجرور (إذا وقع صلة) إلا ما يناسب الحرف قال: لا تتعلق بشيء نحو: جاءني الذي في الدار تريد الذي استقر في الدار؛ لأن «في» للوعاء، والاستقرار مناسب للوعاء ولو قلت: جاءني الذي في الدار تريد: ضحك في الدار، أو أكل في الدار؛ لم يجز لأنه ليس في الكلام ما يدل على ذلك فلا يمكن أن يكون المحذوف مع الكاف -

................................  الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى 1 ومجيئها لابتداء الغاية في الزمان مختلف فيه فبعض النحويين منعه، وبعض أجازه.
وقول من أجاز ذلك هو الصحيح الموافق لاستعمال العرب، وفي كلام سيبويه تصريح بجوازه، وتصريح بمنعه.
فأما التصريح بجوازه فقوله في باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف ومن ذلك قول العرب: 2351 - من لد شولا فإلى إتلائها 2 نصب؛ لأنه أراد زمانا والشول لا يكون زمانا ولا مكانا [3/ 173] فيجوز فيه الجر كقولك: من لد شولا شيء يحسن أن يكون زمانا إذا عمل في الشول [ولم يحسن إلا ذا كما لم يحسن ابتداء الأسماء بعد إن حتى أضمرت ما يحسن أن يكون عاملا في الأسماء فكذلك هذا] 3 كأنك قلت: من لد أن كانت شولا فإلى إتلائها 4. هذا نصه في هذا الباب وفيه تصريح بمجيء «من» لابتداء غاية الزمان ولابتداء غاية المكان.
وقال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: وأما «من» فتكون لابتداء الغاية في الأماكن 5 ثم قال: وأما «من» فتكون لابتداء الغاية في الأيام كما كانت «من» فيما ذكرت لك ولا تدخل واحدة منهما على صاحبتها.
فظاهر هذا الكلام منع استعمال «من» في الزمان ومنع استعمال «من» في المكان.
فأما منع استعمال «من» في المكان فمجمع عليه، وأما استعمال «من» في الزمان فمنعه غير صحيح بل الصحيح جوازه لثبوت ذلك في القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة، والأشعار الفصيحة، فالذى في القرآن قوله تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ 6، وقال الأخفش في المعاني: قال بعض العرب: من الآن إلى غد 7، وأما الأحاديث فمنها قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مثلكم ومثل اليهود والنّصارى كمثل رجل استعمل عمّالا فقال: -

................................  من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين.
ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس، ألا لكم الأجر مرتين» فقد استعملت «من» في هذا الحديث لابتداء غاية الزمان أربع مرات ومن الأحاديث الدالة على ذلك قول من روى حديث الاستسقاء: «فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة» 1 وقول عائشة رضي الله عنهما «فجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل» 2 وقول أنس رضي الله عنه 3: «فلم أزل أحبّ الدّبّا [ء] من يومئذ» 4. وهذه الأحاديث كلها في صحيح البخاري 5 رحمه الله تعالى.
وفي جامع المساند أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لفاطمة رضي الله عنها: «هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيّام» 6، وأما الأشعار فمنها قول النابغة الذبياني 7: 2352 - ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم... بهنّ فلول من قراع الكتائب 2353 - تخيّرن من أزمان يوم حليمة... إلى اليوم قد جرّبن كلّ التّجارب 8 ومنها قول جبل بن حوال: -

................................  2354 - وكلّ حسام أخلصته قيونه... تخيرن من أزمان عاد وجرهم 1 ومنها قول الراجز: 2355 - تنتهض الرّعدة في ظهيري... من لدن الظّهر إلى العصير 2 وقول الآخر: 2356 - إنّي زعيم يا نوي... قة إن أمنت من الرّزاح ونجوت من عرض المنو... ن من الغدو إلى الرّواح 3 ومنها قول بعض الطائيين: 2357 - من الآن قد أزمعت حلما فلن أرى... أغازل خودا أو أذوق مداما 4 ومثله: 2358 - ألفت الهوى من حيث ألفيت يافعا... إلى الآن منوا بواش وعاذل 5 ومثله: 2359 - ما زلت من يوم بنتم والها دنفا... ذا لوعة عيش من يبلى بها عجب 6 وتكون أيضا لابتداء الغاية في غير مكان ولا زمان كقولك: قرأت من أول سورة البقرة إلى آخرها، وأعطيت الفقراء من درهم إلى دينار؛ ولذلك قلت: لابتداء الغاية مطلقا، ولم أقل: في الزمان والمكان، وأشار سيبويه إلى هذا فقال: وتقول إذا كتبت كتابا: من فلان إلى فلان؛ فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها 7. هذا نصه.
ومجيء «من» للتبعيض كثير؛ كقوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ -

................................  عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ 1، وكقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ 2، وعلامتها جواز الاستغناء بـ «بعض» عنها كقراءة عبد الله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا بعض ما تحبون) 3، ومجيئها لبيان الجنس كقوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ 4، وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ 5، ومجيئها للتعليل كقوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ 6، و: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ 7، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: «فما أستطيع أن أقضيه إلّا في شعبان الشّغل من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» 8، وكقول الشاعر: 2360 - ومعتصم بالحيّ من خشية الرّدى... سيردى وغار مشفق سيؤوب 9 والتي للبدل كقوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ 10 ووَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ 11، ومنه قول الشاعر: 2361 - أخذوا المخاض من الفصيل غلبّة... ظلما ويكتب للأمير أفيلا 12 ومجيئها 13 للمجاوزة نحو: غدت منه، وأنفت منه، وبرئت منه، وشبعت، ورويت، ولهذا المعنى صاحبت «أفعل» التفضيل؛ فإن القائل: زيد أفضل من عمرو، كأنه قال: جاوز زيد عمرا في الفضل أو الانحطاط، وهذا أولى من أن -

................................  يقال: إنها لابتداء الارتفاع في نحو: أفضل منه، أو الانحطاط في نحو: شر منه، كما زعم سيبويه 1؛ إذ لو كان الابتداء [3/ 174] مقصودا لجاز أن يقع بعدها «إلى».
وقد أشار سيبويه إلى أن ابتداء الغاية قد يقصد دون إرادة منتهى فقال: وتقول: ما رأيته مذ يومين؛ فجعلتها غاية، كما قلت: أخذته من ذلك المكان؛ فجعلته غاية ولم ترد منتهى 2. هذا نصه.
والصحيح أن «من» في نحو: أخذته من ذلك المكان؛ للمجاوزة، إذ لو كان الابتداء مقصودا مع «أخذت» كما هو مقصود مع «حملت» في قولك: حملته من ذلك المكان؛ لصدق على استصحاب المأخوذ «أخذ» كما يصدق على استصحاب المحمول «حمل».
وأما «مذ» في: ما رأيته مذ يومين، ونحوه؛ فقد جعلها بعضهم بمعنى «في»، وليس كذلك؛ لأن المراد بـ: ما رأيته مذ يومين، ونحوه؛ نفي الرؤية في مدة أتيت في آخرها، والابتداء والانتهاء مقصودان واليومان معينان، ولو جيء بـ «فى» مكان «من» لم يفهم تعين ولا ابتداء ولا انتهاء، وقد تقع «من» موقع «مذ» في مثل هذا كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة رضي الله تعالى عنها: «هذا أوّل طعام أكله أبوك من ثلاثة أيّام»، فلو كان المجرور بـ «مذ»، أو «منذ» حاضرا غير مثنى ولا مجموع؛ صح قصد معنى «في»، كقوله عليه الصلاة والسّلام للملكين عليهما السّلام: «طوّفتماني منذ اللّيلة» 3. وأشار سيبويه إلى أن «من» الزائدة قصد بها التبعيض؛ لأنه قال - بعد تمثيله بـ: ما أتاني من رجل -: أدخلت «من»؛ لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال 4، هكذا قال.
يريد أن «من» دلت على شمول الجنس فلكل بعض منه قسط من المنسوب إلى جميعها؛ فالتبعيض على هذا التقدير مقصود.
وهذا غير مرض؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما المقصود بزيادة «من» في نحو: ما أتاني من رجل؛ جعل المجرور بها نصّا في العموم، وإنما تكون للتبعيض إذا لم يقصد عموم، وحسن في موضعها «بعض» نحو: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ 5، ومِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ 6، -

................................  وفَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ 1. وقد صرح بهذا المعنى فقال: وتكون للتبعيض نحو: هذا منهم، كأنك قلت: بعضهم 2، وأشار أيضا إلى قصد التبعيض بالمصاحبة «أفعل» التفضيل فقال: «هو أفضل من زيد؛ فضّله على بعض ولم يعم 3. ويبطل كون هذه للتبعيض أمران: أحدهما: عدم صلاحية «بعض» في موضعها. والثاني: صلاحية كون المجرور بها عاما كقولنا: الله أعظم من كل عظيم، وأرحم من كل رحيم، وإذا بطل كون المصاحبة «أفعل» التفضيل لابتداء الغاية وللتبعيض؛ تعين كونها لمعنى المجاوزة كما سبق. ومجيء «من» للانتهاء كقولك: قربت منه؛ فإنه لقولك: تقربت إليه، وقد أشار سيبويه إلى أن من معاني «من» الانتهاء فقال: وتقول: رأيته من ذلك الموضع؛ فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حين أردت الابتداء. قال ابن السراج رحمه الله تعالى: وحقيقة هذه المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي؛ فـ «من» لك، وإذا قلت: رأيت الهلال من خلل السحاب فـ «من» للهلال، والهلال غاية لرؤيتك؛ فلذلك جعل سيبويه «من» غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع 4 وقد جاءت «من» بمعنى «على» في قوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا 5 أي: على القوم، كذلك قال أبو الحسن الأخفش 6، وإليه أشرت بذكر الاستعلاء في معاني «من» وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ 7، وحَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ 8، ومنه قول الشاعر: 2362 - ولم تره قابلا للجميل... ولا عرف العزّ من ذلّه فسمه الهوان فإنّ الهوان... دواء لذي الجهل من جهله 9

................................  وأشرت بموافقة الباء إلى قوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ 1 أي: بطرف خفي، قال الأخفش 2: قال يونس: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ أي: بطرف، كما تقول العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف.
وأشرت بموافقة «في» إلى نحو: قول عدي بن زيد 3: 2363 - عسى سائل ذو حاجة إن منعته... من اليوم سؤلا أن ييسّر في غد 4 وتزاد «من» لتنصيص العموم كقولك: ما في الدار من رجل؛ فـ «من» زائدة؛ لأن الكلام يصح بدونها إذا قلت: ما فيها رجل، لكن «ما فيها من رجل» لا محتمل له غير العموم؛ ولذلك خطئ من قال: ما فيها من رجل بل اثنان، و «ما فيها رجل» محتمل لنفي الجنس على سبيل العموم، ولنفي الواحد دون ما فوقه، ولذلك يجوز أن يقال: ما فيها رجل بل اثنان، فلو كان المجرور بـ «من» هذه «أحد» أو «ديار» أو غيرهما من الأسماء المقصورة على العموم؛ لكانت مزيدة لمجرد التوكيد، فقولك: ما أحد و: ما فيها من أحد؛ سيان في إفهام العموم دون احتمال، ولا يكون المجرور بها عند سيبويه 5 إلا نكرة بعد نفي، أو نهي، أو استفهام، نحو: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ 6، وإلى النهي والاستفهام أشرت بذكر شبه النفي.
وأجاز أبو الحسن الأخفش 7 وقوعها في الإيجاب وجرّها المعرفة، وبقوله أقول؛ لثبوت السماع بذلك نثرا ونظما.
فمن النثر قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ 8، وقوله تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 9، وقوله تعالى: وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ 10، وقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ 11، وقول عائشة رضي الله عنها: «إنّ رسول الله [3/ 175] صلّى الله عليه وسلّم كان -

................................  يصلّي جالسا فيقرأ وهو جالس فإذا بقي من قراءته نحو من كذا» 1 أخرجه البخاري، وضبط بخط من يعتمد عليه بنصب «نحوا» على زيادة «من» وجعل «قراءته» فاعلا ناصبا «نحوا» والأصل: فإذا بقي قراءته نحوا من كذا، ومن النظم المتضمن زيادة «من» في الإيجاب قول عمر بن أبي ربيعة 2: 2364 - وينمي لها حبّها عندنا... فما قال من كاشح لم يضرّ 3 أراد: فما قال كاشح لم يضر، ومنه قول جرير: 2365 - لمّا بلغت إمام العدل قلت له... قد كان من طول إدلاج وتهجير 4 أراد قد كان طول إدلاج وتهجير، ومنه قول الآخر: 2366 - وكنت أرى كالموت من بين ساعة... فكيف ببين كان موعده الحشر 5 أراد: وكنت أرى بين ساعة كالموت، ومثله قول الآخر: 2367 - يظلّ به الحرباء يمثل قائما... ويكثر فيه من حنين الأباعر 6 أراد: ويكثر فيه حنين الأباعر.
وممن رأى زيادة «من» في الإيجاب الكسائي، وحمل على ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» 7؛ فقال: أراد: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، وممن رأى ذلك أبو الفتح بن جني، وحمل عليه قراءة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج 8 وإذ أخذ الله ميثاق النبين لماء اتيتكم من كتب 9 تقديره عنده «لمن ما» بزيادة «من» -

................................  في الواجب فأدغم نونها في ميم «ما» فصارت «لمما» بثلاث ميمات فحذفت الأولى التي هي ميم «من» وبقيت «لمّا» بميمين، أو لأنها بدل من نون «من» والثانية ميم «ما».
وأشرت بقولي: وربما دخلت على حال؛ إلى قراءة زيد بن ثابت 1، وأبي الدرداء 2، وأبي جعفر 3، وزيد بن علي 4، والحسن 5، ومجاهد 6 ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ 7، وإذا دخلت «من» على «قبل» و «بعد» و «لدن» فهي زائدة؛ لأن المعنى بثبوتها وسقوطها واحد، وإذا دخلت على «عند» و «لدى» و «مع» و «على» فهي لابتداء الغاية، و «عن» بعد دخول «من» بمعنى: جانب، و «على» بمعنى: فوق، قال جرير في «من عن»: 2368 - وإنّي لعف النفس مشترك الغنى... سريع إذا لم أرض داري انتقاليا جريء الجنان لا أهال من الرّدى... إذا ما جعلت السّيف من عن شماليا 8 وقال آخر: 2369 - ولقد أراني للرّماح درئية... من عن يميني تارة وشمالي 9 وقال آخر في «من عليه»: -

................................  2370 - غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها... تصلّ وعن قيض بزيزاء مجهل 1 فهذا ما تختص به «من»، وتختص أيضا «من» في القسم بـ «الرب» نحو: من ربي لأفعلن، ومن ربي إنك لأشر، وقد يقال: من ربي، بضم الميم ولا يجوز ذلك في غير قسم، وكاختصاص «من» في القسم بـ «الرب» اختصاص التاء فيه واللام بـ «الله» نحو: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا 2، ولله لا يؤخر الأجل، وشذ دخول «من» على «الله» ودخول التاء على الرب؛ انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى 3. وقد ذكر أن «من» غير الزائدة لمعان عدتها أحد عشر معنى.
وهي: ابتداء الغاية، والتبعيض، وبيان الجنس، والتعليل، والبدل، والمجاوزة، والانتهاء، والاستعلاء، والفصل، وموافقة الباء، وموافقة «في».
ولم يذكر ابن عصفور لمعاني غير الزائدة سوى التبعيض، وابتداء الغاية، والغاية، والتبيين 4 وأما الزمخشري؛ فإنه لم يذكر من معانيها سوى ابتداء (5) الغاية إلا أنه قال: «وكونها مبعضة ومبينة ومزيدة راجع إلى هذا 5؛ يعني إلى ابتداء الغاية.
وبعد: فيتعين التعرض إلى ذكر المعاني التي أشار إليها المصنف معنى معنى، ولنورد ذلك في مباحث: الأول: أن الذي اختاره المصنف من أن «من» لابتداء الغاية مطلقا - يعني في الزمان والمكان وغيرهما - هو الحق؛ لقيام الدليل على صحته، وقد قال الشيخ بعد إيراده الشواهد التي ذكرها المصنف: [و] كونها لابتداء الغاية في الزمان مختلف فيه؛ منع ذلك البصريون، وأثبته الكوفيون وهو الصحيح؛ قال: وتأويل البصريين لما ورد من ذلك مع كثرته ليس بشيء انتهى 6. -

................................  ثم قد فهمت من كلام الزمخشري المذكور آنفا معنى ابتداء الغاية مصاحب لها حال كونها مبعضة ومبينه ومزيدة، ويعضد كلامه قول النحاة إن ابتداء الغاية معنى لا يفارقها.
وفي شرح الشيخ: زعم المبرد والأخفش 1 الصغير وابن السراج 2 وطائفة من الحذاق 3 والسهيلي 4 أن «من» لا تكون إلا لابتداء الغاية وأن سائر المعاني التي ذكروها راجع إلى هذا المعنى 5. انتهى.
وأما كونها للتبعيض فأمر مشهور لا يكاد يجهل، وأفهم كلام الشيخ أن هؤلاء الذين ذكرتهم وهم المبرد ومن معه لا يثبتون ذلك؛ لأنه بعد ما ذكره أولا قال: وذهب الفارسي 6 والجمهور إلى أنها تكون للتبعيض (7)؛ قال: وصححه ابن عصفور مستدلّا بأنك لو جعلت مكانها بعضا لكان المعنى واحدا؛ ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: أخذت من ماله، وأخذت بعض ماله، و: قبضت من الدراهم، وقبضت بعض الدراهم 7، قال: ولو وضعتها موضع «من» التي لابتداء الغاية في نحو: سرت من الكوفة؛ لم يسغ أن تقول: سرت بعض الكوفة 8. انتهى.
ولقائل أن يقول: لا يلزم من قول المبرد ومن ذكر معه أنها لابتداء الغاية نفي قصد التبعيض؛ غاية ما يفهم من مذهبهم أن معنى ابتداء الغاية لازم لها، ثم قد قصد بها معنى آخر منضمّا إلى معنى الابتداء، ويدل على ذلك المعنى الزائد سياق الكلام.
ثم قول من قال: إن «من» التبعيضية بمعنى «بعض» وإن معنى «قبضت» من الدراهم قبضت بعض الدراهم؛ فيه إشكال وهو أنه يلزم منه أن تكون «من» اسما؛ لأنها وافقت في المعنى ما هو ثابت الاسمية وهو «بعض» فيجب الحكم باسميتها لذلك.
وقد ذكر المصنف في أول الكتاب ما يشير إلى أن ثم معارضا يمنع [3/ 176] من القول -

................................  باسميتها، وقد تقدم البحث 1 معه في ذلك، وأن المعارضة التي ذكرها لا تتحقق.
والذي يظهر أن معنى «من» ابتداء الغاية؛ فقد تتجرد لهذا المعنى، وقد تفيد معه التبعيض من حيث المعنى لا من حيث إن «من» واقعة موقع «بعض» مرادفة لها في هذا المحل أعني في مثل قولنا: قبضت من الدراهم.
ثم لازم قول من ادعى ذلك - أعنى أن «من» واقعة موقع «بعض» - أن يكون العامل في قولنا: قبضت من الدراهم؛ منصبّا على الحرف نفسه لا على مدخوله، وليس هذا شأن حروف الجر؛ لأن وضعها أن توصّل معنى العامل إلى ما دخلت هي عليه فالعامل إنما هو منصبّ على المجرور الذي هو مدخول الحرف.
وفي كلام ابن أبي الربيع 2 ما يعضد ما ذكرته؛ فإنه بعد أن مثل بـ: أكلت من الرغيف، قال: فـ «من» دلت على أن الأكل وقع بالرغيف على جهة التبعيض؛ إذ تعلق الأكل بالرغيف على وجهين: أحدهما: أنه عمّه.
والثاني: أنه خصّه ولم يقع بجملته؛ فلحقت «من» لبيان ذلك.
وإذا فهمت هذا فهمت الفرق بين «من» و «بعض».
فإنك إذا قلت: أكلت بعض الرغيف؛ فليس الرغيف متعلق الأكل؛ إنما متعلقه البعض، وسيق الرغيف لتخصيص ذلك البعض وزوال شياعه، وإذا قلت: أكلت من الرغيف؛ فـ «من» دلت على أن أكل الرغيف على جهة التبعيض، والرغيف متعلق الأكل، ودلت «من» على أنه لم يعمه 3. انتهى.
وهو تقرير حسن، غير أن لقائل أن يقول: إن في قوله -: إن الرغيف متعلق -

................................  الأكل في قولنا: أكلت من الرغيف، وإن «من» دلت على أن الأكل بالرغيف على جهة التبعيض - نظرا؛ لأن «أكل» فعل متعد بنفسه فهو مستغن عن حرف يعديه.
فإن قال: الحرف هنا ليس للتعدي إنما جيء به للمعنى الذي ذكرته وهو الدلالة على التبعيض.
قيل: كان يستغنى عن ذلك بأن يقال: أكلت بعض الرغيف أو جزء الرغيف أو شيئا منه.
فإن تم هذا الاعتراض أمكن أن يوجه ذلك بشيء آخر وهو أن يقال: إن مفعول «أكلت» يكون محذوفا، والتقدير: أكلت من الرغيف شيئا أو جزءا؛ فتكون «من» لابتداء الغاية مفيدة لبيان جنس ما أكل منه، ويكون التبعيض مستفادا من الكلام بمجموعه لا من «من» وحدها، ومما يحقق لك أن «من» ليست مرادفة لـ «بعض» أن الشواهد التي استدل بها على ذلك فيها ما ينافي ما ذكروه.
فقد استدل المصنف بقوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ 1، وبقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ 2، ولا يسوغ تفسير «من» بـ «بعض» في هاتين الآيتين الشريفتين؛ إذ لا يقال: بعضهم من كلم الله، ولا: بعضهم من يمشي على بطنه، والحقّ أن التبعيض إنما يفهم من معنى الكلام.
ففي قوله تعالى: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، وفي قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وكذا في قوله تعالى: وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ 3 أفهمه ما أعطاه الكلام من التقسيم.
ولا شك أن كل قسم من شيء هو بعض لذلك الشيء، وفي قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ 4 إنما يفهم التبعيض منه من جهة أن الفعل العامل متعد بنفسه فلا يحتاج إلى حرف يعديه وإذا كان كذلك فالعامل الذي هو حَتَّى تُنْفِقُوا منصبّ على شيء محذوف مقدر بعد «من» ومجرورها كما تقدمت الإشارة إلى تقرير ذلك.
وقد مثل بعض (5) العلماء الشارحين لكتاب المفصل التبعيض بقوله: أخذت درهما من المال؛ قال: فدلت «من» على أن الذي أخذت بعض المال 5، ولم يظهر لي ما قاله؛ فإن بعض المال إنما عرف -

................................  من قولك: «درهما»، وأما «من» في هذا المثال فلا شبهة أنها لابتداء الغاية.
البحث الثاني: كون «من» لبيان الجنس معروف وعليه الأكثرون.
والمغاربة ينازعون في ذلك، والمنقول عن الشلوبين 1 أنه ينكر أن تكون للبيان بالوضع قال: «وإن وجد ذلك فيها فإنما هو بالانجرار».
انتهى، ولا شك أن من قال: إنها لابتداء الغاية خاصة؛ يلزم من قوله منع كونها للبيان.
قال ابن عصفور: استدل القائلون بذلك بقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ 2؛ لأن الأوثان كلها رجس، وإنما أتى بـ «من» ليبين بما بعدها الجنس الذي قبلها كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس التي هي الأوثان أي: اجتنبوا الرجس الوثني، وبقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ 3؛ لأن المعنى: وعد الله الذين هم أنتم؛ لأن الخطاب إنما هو للمؤمنين، وبقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ 4 أي: من جبال هي برد؛ لأن الجبال هي البرد لا بعضها، ثم أجاب عن الأول - وهو لأبي علي الشلوبين - بأنه يتخرج على أن يكون المراد بالرجس: عبادة الوثن؛ فكأنه قيل: فاجتنبوا من الأوثان الرجس الذي هو العبادة؛ لأن المحرم من الأوثان إنما هو عبادتها.
قال: وتكون «من» غاية مثلها في قوله: أخذت من التابوت؛ ألا ترى أن اجتناب عبادة الأوثان ابتداؤه وانتهاؤه في الوثن، وعن الثاني بأن «من» للتبعيض ويكون الخطاب عامّا للمؤمنين وغيرهم، وعن الثالث بأن «من» (مبعضة) 5 ويكون المعنى مثله إذا جعلت لتبيين الجنس، وذلك بأن يكون [3/ 177] قوله تعالى: (من جبال) بدلا من (السماء) لأن السماء مشتملة على الجبال التي فيها كأنه قيل «وينزل من جبال في السماء، ويكون (من برد) بدلا من الجبال بدل شيء من شيء، كأنه قيل: وينزل من برد في السماء، ويكون من قبيل ما أعيد فيه العامل مع البدل 6. انتهى.
وأما ما استدل به المصنف وهو قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ -

................................  ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ 1، وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ 2 فقد أجيب عنه: بأن مِنْ ذَهَبٍ في موضع الصفة فهي للتبعيض، وكذا مِنْ سُنْدُسٍ، وأما مِنْ صَلْصالٍ ومِنْ مارِجٍ فـ «من» فيهما لابتداء الغاية؛ أي: ابتدأ خلق الإنسان من صلصال، وابتدأ خلق الجان من مارج، وأما مِنْ نارٍ فـ «من» للتبعيض. انتهى. ولم يظهر لي كون من في مِنْ ذَهَبٍ، ولا في مِنْ سُنْدُسٍ للتبعيض، ولا يخفى أن القول بأن «من» لبيان الجنس أسهل من التخريجات التي ذكرت. وأما التخريج الذي ذكره ابن عصفور في قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ 3؛ فلا يخفى عدم ظهوره. وقد ذكر ابن يعيش 4 في هذه الآية الشريفة أن «من» الأولى لابتداء الغاية، وأن الثانية؛ إما للتبعيض على أن الجبال برد تكثيرا لها فينزل بعضها، وإما لابتداء الغاية كقولك: خرجت من بغداد من داري إلى الكوفة؛ على أن المعنى: من أمثال الجبال من الغيم، وأن الثالثة؛ إما للتبعيض على معنى: ينزل من السماء بعض البرد، وأما للتبيين على أن الجبال من برد. وذكر ابن هشام الخضراوي 5 أن الأولى لابتداء الغاية، وكذا الثانية، وأن الثالثة للتبيين قاطعا بذلك، ولا يبعد أن هذا أولى الأقوال. البحث الثالث: في ذكر بقية المعاني التي تضمنها كلام المصنف: فمنها: كونها للتعليل، وقد تقدم استشهاد المصنف على ذلك، ومن الأدلة عليه أيضا قول الفرزدق: 2371 - يغضي حياء ويغضى من مهابته... فما يكلّم إلّا حين يبتسم 6

................................  ومنه قولهم: مات من علته، وضحك زيد من كلام عمرو، وغضب مما قيل، ومنه على أحد القولين قوله تعالى: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ 1 أي: بسبب الخوف، والقول الآخر: إن كلّا من الفعلين اللّذين هما (أطعمهم) (وآمنهم) ضمن معنى خلصهم؛ التقدير: خلصهم بالإطعام من جوع، وبالأمن من خوف.
ومنها: كونها للبدل وهذا المعنى فيه منازعة.
وكان المغاربة لا يثبتونه، وقد تقدم استدلال المصنف على ذلك، ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ 2 أي بدل الآخرة، وهو استدلال ظاهر، ومن تأول ذلك فقد أبعد.
وأما قول الزمخشري 3 إن المعنى: لولّدنا منكم ففي غاية البعد وكذا القول الذي ذكره أبو البقاء 4 وهو أن المعنى: لحوّلنا بعضكم ملائكة.
ولا شك أن القول بأن «من» للبدل أسهل من ذلك كله وأن المعنى عليه.
ومنها: كونها للمجاوزة وقد عرفت أن المصنف جعلها مع أفعل التفضيل للمجاوزة فإذا قيل: زيد أفضل من عمرو؛ فكأنه قيل: جاوز زيد عمرا في الفضل أو الانحطاط، وجعل القول بذلك أولى من القول بأنها لابتداء غاية الارتفاع في نحو: أفضل منه، أو الانحطاط في نحو: شر منه، كما زعم سيبويه.
قال 5: إذ لو كان الابتداء مقصودا لجاز أن يقع بعدها «إلى»، ثم قال: وقد أشار سيبويه إلى أن ابتداء الغاية قد يقصد دون إرادة منتهى، إلى آخر ما ذكره.
ثم قال: وأشار أيضا - يعني سيبويه - إلى قصد التبعيض بالمصاحبة «أفعل» التفضيل فقال في «هو أفضل من زيد»: «فضّله على بعض ولم يعم.
وقد عرفت أن المصنف نازع سيبويه في الأمرين - أعني كون المصاحبة لـ «أفعل» التفضيل لابتداء الغاية أو للتبعيض - وأن المصنف اختار أنها للمجاوزة.
قال الشيخ: اختلف النحويون في «من» بعد أفعل التفضيل نحو: زيد أفضل من عمرو؛ فذهب سيبويه إلى أنها لابتداء الغاية ولا تخلو من التبعيض، وذهب المبرد 6 إلى أنها لابتداء الغاية دون تبعيض، ومنع ابن ولاد 7 أن تكون «من» لابتداء الغاية؛ -

................................  لأن الابتداء لا بد أن يكون له انتهاء؛ تقول: خرجت من البصرة إلى الكوفة، ولا تقول: زيد أفضل منك إلى جعفر» انتهى.
قلت: وكلام ابن ولاد يعضد كلام المصنف.
ثم قال الشيخ: وزعم سيبويه أن «من» تكون غاية فقال: تقول: رأيته من ذلك الموضع؛ تجعله غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء يريد أن «من» هنا دخلت على المحل الذي وقع فيه ابتداء الرؤية وانتهاؤها ولذلك سماه غاية لما كان محيطا بغاية الفعل؛ لأن الغاية هي مدى الشيء أي: قدره فيمكن أن تكون في «زيد أفضل من عمرو» كذلك».
انتهى.
ولقائل أن يدعي أن «من» المصاحبة لـ «أفعل» التفضيل للبيان؛ لأن المذكور بعدها بين به المفضل عليه، وأما معنى ابتداء الغاية فيها فيحتاج إلى تأمل.
وكذا معنى التبعيض يحتاج إلى تأمل أكثر.
وبعد أن كتبت أن «من» المصاحبة لـ «أفعل» التفضيل للبيان رأيت ابن هشام الخضراوي ذكر أيضا أنها للتبيين قال: فإن القائل إذا قال: زيد أفضل؛ فهمت الزيادة ولم تعرف على من هي ففسرت «من» ذلك.
ومنها: كونها للانتهاء وقد تقدم من كلام المصنف أن سيبويه أشار إلى أن من معاني «من» الانتهاء فقال: وتقول: رأيته من ذلك الموضع؛ فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حين أردت [3/ 178] الابتداء.
وتقدم أيضا قول ابن السراج: إن حقيقة المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي فـ «من» لك، وإذا قلت: رأيت الهلال من خلل السحاب فـ «من» للهلال، و «الهلال» غاية لرؤيتك فلذلك جعل سيبويه «من» غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع، قال ابن عصفور 1: وأما التي زعم بعض النحويين أنها تكون لانتهاء الغاية فنحو قولك: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب؛ فابتداء الرؤية وقع من الدار وانتهاؤها في خلل السحاب، وكذلك: شممت من داري الريحان من الطريق؛ فابتداء شم الريحان من الدار وانتهاؤه إلى الطريق.
وهذا وأمثاله لا حجه لهم فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون كل واحد منهما لابتداء الغاية فتكون الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل، وتكون الثانية لابتداء الغاية في حق المفعول؛ ألا ترى أن ابتداء وقوع رؤية الهلال من الفاعل إنما كان في داره وأن ابتداء وقوع الرؤية بالهلال إنما كان في خلل السحاب؛ لأن -

................................  الرؤية إنما وقعت بالهلال وهو في خلل السحاب وكذا ابتداء وقوع الشم إنما كان من الدار، وابتداء وقوعه بالريحان إنما كان من الطريق لا الشم إنما تسلط على الريحان وهو في الطريق ونظير ذلك ما جاء في بعض الآثار: وهو كتاب أبي عبيدة بن الجراح 1 إلى عمر بالشام الغوث الغوث، وأبو عبيدة لم يكن في وقت كتبه إلى عمر بالشام بل الذي كان بالشام عمر رضي الله عنه.
فقوله: «بالشام» ظرف للفعل بالنظر إلى المفعول.
ومن الناس من جعل «من» الثانية لابتداء الغاية إلا أنه جعل العامل فيها محذوفا كأنه قال: رأيت الهلال من داري ظاهرا من خلل السحاب فجعل «من» لابتداء غاية الظهور، وكذا يقدر المثال الآخر: شممت الريحان من داري كائنا من الطريق فـ «من» الثانية لابتداء غاية الكون وهذا عندي فاسد؛ لأنه قد تقدم في باب المبتدأ أن المحذوف الذي يقوم المجرور مقامه إنما يكون مما يناسب معناه الحرف و «من» الابتدائية لا يفهم منها الكون ولا الظهور؛ فلا ينبغي أن يجوز حذفهما 2 منه.
انتهى كلامه.
فأما قوله: إن الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل والثانية لابتداء الغاية في حق المفعول فهو معنى قول ابن السراج: إن «من» لك في قولك: رأيت الهلال من موضعي وأن «من» للهلال في قولك: رأيت الهلال من خلل السحاب؛ فإن هذا يقتضي أن تكون «من» الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل وأن «من» الثانية لابتداء الغاية في حق المفعول، وأما إبطاله أن تكون الثانية لابتداء الغاية على أن العامل فيها محذوف بما أشار إليه من أن المحذوف إنما يكون مما يناسب معناه الحرف فممنوع؛ لأن العلة التي ذكرها لا تظهر صحتها.
وقد تقدم البحث معه في ذلك في أوائل هذا الباب.
وقد ذكر ابن يعيش المسألة وذكر قول الناس في «من» الثانية: إنها لابتداء الغاية ثم قال 3: والجيد أن تكون «من» الثانية لابتداء الغاية في الظهور أو بدلا من الأولى.
وكلام السهيلي يجنح إلى ذلك فإنه قال: ولا حجة في قولهم: شممت الريحان من -

................................  الطريق، ورأيت الهلال من خلل السحاب؛ لأن معنى الكلام أن الريحان نمّ من الطريق حتى شممت رائحته، وأن الهلال لاح من خلل السحاب حتى نظرت إليه.
انتهى.
فدل كلامه على أن المعنى: نامّا من الطريق ولائحا من خلل السحاب.
فكلام ابن يعيش والسهيلي يدفع ما قاله ابن عصفور، وكلام الشلوبين يقتضي ذلك فإنه قال في: رأيت الهلال من داري من خلل السحاب: إن «من خلل السحاب» متعلق بمحذوف تقديره: باديا من خلل السحاب.
انتهى.
وما قاله هو الظاهر.
وبعد: فلم يقم دليل واضح على أنها لانتهاء الغاية.
قيل وسيبويه لم يصح بأنها للانتهاء إنما جعلها غاية 1، وكأنهم يجعلون الغاية غير انتهاء الغاية.
ولهذا ذكر ابن عصفور المعنيين فقال: وأما التي للغاية فهي التي تدخل على ما هو محل لابتداء الفعل وانتهائه معا نحو: أخذته من زيد؛ فـ «زيد» هو محل ابتداء الأخذ وانتهائه 2 معا.
انتهى.
وعلى هذا حمل قول سيبويه في قولك: من ذلك الموضع؛ جعلته غاية 3 رؤيتك؛ فـ «ذلك» الموضع هو محل ابتداء الرؤية وانتهائها.
وإذا تقرر هذا: علم أن «من» لا تخلص لانتهاء الغاية؛ وإنما تكون لابتداء الغاية وهو الأغلب في الاستعمال، وتكون لابتداء الغاية وانتهائها وذلك قليل.
وأما قول القائل: 2372 - أزمعت من آل ليلى ابتكارا 4 فليس «من» فيه للانتهاء أي: أزمعت إلى آل ليلى؛ بل هي للتعليل أي: أزمعت من أجل آل ليلى ابتكارا؛ لأنه إذا أزمع ابتكارا (إليهم) 5 فقد أزمعه من أجلهم، وحذف المضاف لدلالة المعنى سائغ.
ومنها: كونها للاستعلاء، وقد عرفت استدلال المصنف على ذلك بقوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا 6 مسندا ذلك إلى الأخفش.
-

................................  لكن في كون «من» تفيد معنى «على» بعد كثير، ولا شك أن تضمين الفعل معنى فعل يتعدى بـ «من» أولى من أن يجعل الحرف بمعنى حرف آخر.
وقد ذكر المعربون كأبي البقاء 1 وغيره أن معنى (نصرنه) 2 في الآية الشريفة: منعناه، والتحقيق أن: (نصرنه) ضمّن معنى منعناه، وفائدة التضمين أن الفعل حينئذ يستفاد منه أمران وهما: معناه الأصلي الموضوع هو له، والمعنى المضمن الذي دلّ عليه ذلك الحرف الذي ترشد الصناعة النحوية إلى أنه متعلق به؛ [3/ 179] فـ (نصرنه) دل على حصول النصر بالوضع، ودلت تعديته بـ «من» على أنه ضمن معنى: منعناه؛ فصار المعنى: ومنعناه بالنصر؛ لأن المنع قد يكون بغير النصر، ولا شك أن المنع بالنصر أمر عظيم فأفادنا التضمين معنى عاملين مع الاقتصار على ذكر عامل واحد 3. ومنها: كونها للفصل، وقال المصنف: إنه أشار بذلك إلى دخولها على ثاني المتضادين نحو قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ 4، وحَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ 5 ونحو أحد الأبيات الثلاثة التي أنشدها وهو: 2373 - ولم تره قابلا للجميل... ولا عرف العزّ من ذلّه ومن ذلك قولهم: لا تعرف قبيلا من دبير.
قال الشيخ 6: وليس من شرطها الدخول على المتضادين بل تدخل على المتباينين تقول: فلان لا يعرف زيدا من عمرو انتهى.
ومراد المصنف بالمتضادين أنهما اللذان لا يجتمعان، ولا شك أن المتناقضين كذلك.
ومنها: كونها بمعنى الباء، وقد عرفت أن المصنف استشهد على ذلك بقوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ 7 وأنه نقله عن الأخفش عن يونس، وبقول -

................................  العرب: ضربته من السيف، أي: بالسيف.
قال الشيخ: وهو قول كوفي.
[ثم] قال: يحتمل أن تكون «من» في الآية الشريفة لابتداء الغاية أي: ابتداء نظرهم هو من طرف خفي 1. ومنها: كونها بمعنى «في»، وقد تقدم استشهاد المصنف على ذلك بقول الشاعر: 2374 - عسى سائل ذو حاجة إن منعته... من اليوم سؤلا أن ييسّر في غد واستدل غير المصنف على ذلك أيضا بقوله تعالى: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ 2 أي: في الأرض.
قال الشيخ: هذا قول كوفي أيضا، ولا حجة في البيت الذي أنشده؛ لأنه يحتمل أن تكون «من» للتبعيض على حذف مضاف، التقدير: إن منعته سؤلا من سؤلاته اليوم 3. انتهى.
وأما الآية الشريفة فيحتمل أن تكون «من» فيها لابتداء الغاية أي: ماذا خلقوا من الأرض؟ أي: ماذا وجدوه منها؟ لأن كون الخلق في الأرض لا خصوصية له، بخلاف الخلق من الأرض؛ فإن الخلق يدل على القدرة الباهرة فإذا كان من الأرض كان أعظم (دليل) 4 على ذلك.
ولا شك أن الآية الشريفة المقصود منها إقامة البرهان على ضلال عبّاد الأصنام بإقامة البرهان على عجزهم عما هو من أفعال من هو إله، وإنما قيد الخلق بكونه مِنَ الْأَرْضِ؛ لأن الخلق من الأرض - أي: من التراب - من أقوى الأدلة على القدرة التي لا تكون إلا لله سبحانه، وذكر بعضهم أن التقدير: من مخلوقات الأرض؛ فحذف المضاف، وهو تخريج لا بأس به، ولكن ما ذكرته أولى.
ومما استدل به على ذلك أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ 5 قالوا: المراد في يوم الجمعة.
ولقائل أن يقول: إن «من» في الآية الشريفة باقية على معناها الأصلي الذي هو ابتداء الغاية، وتقدير ذلك أن المراد التحريض على إتيان صلاة الجمعة.
لم تسق الآية الشريفة لغير هذا، وتفسير «من» بـ «في» لا يعلم منه هذا المقصود.
ومما يفيد أن المؤمنين مأمورون بالسعي إلى الصلاة إذا نودي لها في يوم الجمعة، ولا يتحتم أن -

................................  يكون السعي في يوم الجمعة؛ فقد يجوز أن يعلق الأمر بالسعي في غير يوم الجمعة، على النداء في يوم الجمعة وكذا لا يتحتم أن يكون السعي لصلاة الجمعة، أما إذا كانت «من» لابتداء الغاية فإن الجار والمجرور يكون في موضع الحال من الصلاة، التقدير: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة كائنة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله؛ فيصير المعنى: إذا نودي للصلاة الكائنة في يوم الجمعة فاسعوا إليها، وهذا هو المراد، والله تعالى أعلم. وقد علم مما أشرت إليه: أن المعاني التي ذكرها المصنف لهذا الحرف الذي هو «من» منها ما تحقق، ومنها ما لم يتحقق، ولا شك أن للنظر في ذلك مجالا. وبعد: فقد بقي التنبيه على أمور تتعلق بـ «من» ذكرها الشيخ: منها: أنه قال: وزعم السيرافي 1، والأعلم 2، وابن طاهر 3، وابن خروف 4 أن «من» إذا كان بعدها «ما» كانت بمعنى «ربما»، وزعموا أنّ سيبويه يشير بها لهذا المعنى كثيرا في كلامه كقوله في باب ما يكون في اللفظ من الأعراض 5: اعلم أنهم مما يحذفون أي: ربما يحذفون. وكان الأستاذ أبو علي لا يرتضي هذا المذهب؛ لكون سيبويه إذا ذكرهما إنما يريد التكثير؛ فلا يحسن إذ ذاك استعمال «رب» إذا كان معناها يناقض المراد. واحتج الذاهبون إلى ذلك بأنه قد سمع ذلك منهم قال: 2375 - وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة... على وجهه تلقي اللّسان من الفم 6

................................  قالوا: المعنى: لربما، وخرج [الأستاذ] 1 أبو علي وأصحابه ذلك على أن «ما» مصدرية و «من» لابتداء الغاية، وكأنهم خلقوا من الضرب؛ لكثرة ما يقع منهم، كما قال تعالى: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ 2 جعل كأنه مخلوق من العجل؛ لكثرة وقوع العجل منهم، فأما قول الشاعر: 2376 - نصحت أبا زيد فأدّى [نصيحة]... إليّ وممّا أن تعزّ النّصائح 3 وقول الآخر: 2377 - الأغنياء بالقادسيّة إنّني على... النّأي ممّا أن ألمّ بها ذاكرا 4 فلا يمكن أن تكون «ما» مصدرية؛ لأجل أن، قالو: فمعناها ربما، وتأوله من منع ذلك على أن ما نكرة موصوفة بالمنسبك من أن وما بعدها وهو مصدر كأنه قال: إنني على النأي من شيء إلمام بها ذاكرا فجعلهم من إلمامهم ذكرا لكثرة إلمامهم [3/ 180] وكذلك النصيحة للإنسان تشق عليه فكأنه النصح مخلوق مما يشق على الإنسان، وهذا التأويل بعيد، ولا يجوز الوصف بأن والفعل.
لا يجوز: مررت برجل أن يصوم، تريد: رجل صوم؛ لأن الوصف بالمصدر مجاز، ونيابة «أن» والفعل عنه مجاز فيكثر التجوز.
والأولى في التخريج أن يقال إن «ما» مصدرية وجمع بينهما وبين أن المصدرية لاختلاف لفظهما وذلك في الشعر كما جاء قوله: 2378 - فأصبحن لا يسألنني عن بما به... أصعّد في علو الهوى أم تصوّبا 5 وإذا جمعوا بين حرفي الجر مع كونهما عاملين فالجمع بين ما لا عمل له [و] هو «ما» [المصدرية] وما له عمل وهو «أن» أولى.
انتهى 6. ومنها: أن المصنف قد تقدم من كلامه أنه قال: وأشار سيبويه إلى أن «من» الزائدة قصد بها التبعيض؛ لأنه قال بعد تمثيله بـ: «ما أتاني من رجل»: أدخلت -

................................  «من» لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال.
هكذا قال، يريد أن «من» دلت على شمول الجنس؛ فلكل بعض منه قسط من المنسوب إلى جمعها فالتبعيض على هذا التقدير مقصود.
وتقدم أيضا قول المصنف بعد إيراد هذا الكلام: وهذا غير مرض؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما المقصود بزيادة «من» في نحو: ما أتاني من رجل جعل المجرور بها نصّا في العموم إلى آخر ما ذكره.
قال الشيخ: وما فهمه المصنف عن سيبويه ليس بصحيح؛ لأن سيبويه لم يرد بقوله: «لأن هذا موضع تبعيض» أنه حين زيدت كان الكلام بزيادتها استفيد منه التبعيض وإنما يريد أنها زيدت ناصة على العموم؛ لأن الكلام قبل الزيادة كان يفهم منه التبعيض ولم يكن نصّا العموم كما هو بزيادتها 1. ومنها: أنه قال: تقسيم المصنف وغيره «من» هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس ولتأكيد استغراق الجنس ليس مذهب سيبويه بل قولك: ما جاءني من أحد، وما جاءني من رجل؛ «من» في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس، قال: وهذا هو الصحيح؛ لأن من لم تدخل في قولك: ما جاءني من رجل، إلا على قولك: ما جاءني رجل؛ المراد به استغراق الجنس 2. انتهى.
ولم يتضح لي ما ذكره.
وقوله: لأن «من» لم تدخل في قولك: ما جاءني من رجل، إلا على قولك: ما جاءني رجل؛ المراد به استغراق الجنس - مسلّم، لكن لا يلزم من كون مراد المتكلم الاستغراق ألا يكون اللفظ محتملا لغير المراد؛ فإن نحو: ما جاءني رجل - وإن كان مراد المتكلم به الاستغراق - يحتمل أن يريد به نفي الواحد دون ما عداه وإذا كان كذلك فلا يصير نصّا في المراد إلا بذكر «من» ويصدق حينئذ أنها لتنصيص العموم، ومع كونها لتنصيص 3 العموم يمكن أن يقال: إنها تفيد التوكيد أيضا فهي بالنسبة إلى المتكلم للتوكيد وبالنسبة إلى المخاطب لإفادة التنصيص على العموم، وربما يفهم أنها مفيدة التوكيد مع التنصيص على -

................................  العموم قول المصنف أو لمجرد التوكيد بعد قوله: وتزاد لتنصيص العموم؛ فكأنها في قولك: ما جاءني من أحد؛ للتوكيد مجردا عن غيره لإفادته النص بالوضع، وفي قولك: ما جاءني من رجل؛ ليست للتوكيد مجردا بل له مع أمر آخر.
والعجب من الشيخ!! كيف قال ما قال، ثم نقل عن أبي العباس أنه ينفي الزيادة عن «من» في نحو قولك: ما جاءني من رجل، معللا ذلك بأن الزائد لا يفيد معنى، ومن هنا يفيد استغراق الجنس؟! قال 1: إنما هي زائدة في نحو: ما جاءني من أحد لأنك إذا حذفتها لم يخلّ حذفها بمعنى.
فذكر الشيخ لهذا وسكوته عنه يدل على تسليمه أن «من» في (نحو) 2: ما جاءني من رجل؛ أفادت معنى الاستغراق، وهو قد قال: إنها للتوكيد في هذا التركيب كما أنها للتوكيد في: ما جاءني من أحد، ويؤيد ذلك أنه بعد ذكر ما قاله أبو العباس نقل عن ابن هشام أنه قال: هذا الذي ذكره أبو العباس صحيح إلا أنها لما كان العامل يطلب موضعها، ولم تكن معدية؛ جعلها سيبويه بهذا الاعتبار زائدة.
فقد اعترف ابن هشام بصحة ما قاله أبو العباس حتى أجاب بما أجاب وإيراد الشيخ لذلك أقوى دليل على الاعتراف به.
ومنها: أن الاستفهام الذي تزاد «من» بعده ليس عامّا في جميع أدواته، لو قلت: كيف تضرب من رجل، وأين تضرب من رجل؛ لم يجز، إنما يحفظ ذلك مع «هل»، ولهذا اقتصر المصنف لما أشار إلى المسألة على التمثيل بها.
قال الشيخ: وفي إلحاق الهمزة بها نظر، ولا أحفظه من لسان العرب 3، وقد تقدم التمثيل لزيادتها مع المبتدأ بعد «هل» بقوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ 4، ومثال الزيادة معه بعد النفي قول الله تعالى: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ 5، وقال الشاعر: -

................................  2379 - ألا لا من سبيل إلى هند 1 ومثال الزيادة مع الفاعل قوله تعالى: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ 2، و: هل قام من رجل؟ و: لا يقم من أحد، وحكم اسم كان وأخواتها حكم الفاعل؛ قال الله تعالى: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ 3. أما خبر كان وأخواتها فلا تدخل عليه؛ لأنه ليس فاعلا ولا مفعولا إنما هو خبر، ومثال الزيادة مع المفعول قول الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ 4 [و] هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ 5، ويشمل المفعول به ما لم يسم فاعله أيضا.
واعلم أنها تدخل على الثاني من مفعولي باب أعطى؛ لأنه مفعول به كالأول وقد تدخل على الأول من باب ظن؛ لأنه [3/ 181] مبتدأ في الأصل، ومن باب علم؛ لأنه فاعل في الأصل.
ولا تدخل على ثاني مفعولي باب ظن؛ لأنه ليس مبتدأ ولا فاعلا ولا مفعولا؛ إنما هو خبر في الأصل، ولا على ثالث علم؛ لما ذكرته.
قال الشيخ 6: وفي دخولها على ثاني [علم] 7 نظر، ولا يخفى أنها تدخل على المتسع فيه من ظرف ومصدر نحو: ما سير من ميل، وما صيم من يوم وما ضرب من ضرب شديد.
قال ابن عصفور 8: وزعم بعض النحويين أن الشرط يجري مجرى النفي والنهي والاستفهام نحو: إن قام من رجل قام عمرو، وصحة من أجاز ذلك أن الشرط غير واجب، يعني أن المشروط غير واقع كما أن النفي غير واقع؛ قال: «والصحيح أنه لا يجوز ذلك؛ لأنك إذا قلت: إن قام من رجل قام عمرو؛ فالقيام وإن لم يكن واقعا فهو مفروض الوقوع، ولا يمكن أن يفرض إلا ما لا تناقض فيه؛ -

................................  ألا ترى أنك إذا قلت: إن قام من رجل قام عمرو؛ كان معناه: إن قدر وقوع هذا الخبر الذي هو قام من رجل قام عمرو، و «قام من رجل» لا يمكن وقوعه؛ لما ذكرنا من أنه يلزم أن يقوم الرجل وحده مع غيره في حيّز واحد، وذلك لا يمكن تقديره، وكان لما ذكر أن شرط زيادة «من» أن يكون الكلام التي هي فيه غير موجب؛ قال: «وأما التزام كون الكلام غير موجب؛ فلأنك إذا قلت: ما جاءني من رجل؛ فقد نفيت أن يجيئك رجل واحد، وقد نفيت أيضا أن يجيئك أكثر من واحد، فلو قلت على هذا: جاءني من رجل؛ للزمك أن يكون «من رجل» على حده بعد النفي، فيكون كأنك قلت في حين واحد: جاءني رجل وحده لم يجئني رجل وحده بل أكثر من رجل واحد، وذلك تناقض؛ لأنه يلزم اجتماع الضدين في الواجب وهو مجيء الرجل وحده مع غيره، ولا يلزم ذلك في غير الواجب؛ إذ قد يجوز اجتماع الأضداد في ما ليس بواجب؛ لأنك تقول: ما زيد أبيض ولا أسود، ولا تقول: زيد أبيض وأسود.
انتهى.
وهو كلام عجيب لا يخفى ضعفه.
ولا أعلم من أين يلزم أن قولك: «من رجل» في الإثبات يكون على حدّه في النفي حتى يلزم منه اجتماع الضدين.
ولا شك أن مدعي جواز الزيادة في الإثبات معترف أنه إذا قال: جاءني من رجل (فإنما) 1 جاءه رجل واحد، ولكنه أتى بـ «من» ولم تكن مفيدة لمعنى؛ فحكم بزيادتها، والذي أفادنا عدم مجيء الرجل الواحد وعدم مجيء أكثر من واحد إنما هو النفي و «من» لا مدخل لها في ذلك إنما هي مؤكدة في نحو: ما جاءني من أحد، أو [منبهة] 2 على عدم إرادة ما يحتمله اللفظ من غير المراد في نحو: ما جاءني من رجل، وإذا كان كذلك فلم يتم له الذي قصده وهو الاستدلال على عدم جواز زيادة «من» بعد الشرط؛ لأنه بناه على الدليل الذي نقلناه عنه، وقد عرف ما فيه.
ومما يتصل بالمسألة التي نحن فيها: أنك إذا قلت: قلما يقول ذلك رجل، وقلما أضرب رجلا؛ فإن جعلت «قلما» مقابلة «كثر ما» لم يجز دخول «من» على رجل؛ لأن الكلام موجب وإن جعلتها للنفي المحض جازت زيادة «من»؛ لأن -

................................  الكلام غير موجب واستعمال «قلما» بالوجهين سائغ في كلام العرب.
ومنها: أنك عرفت اختيار المصنف مذهب الأخفش في أن «من» تزاد في الكلام الموجب كما تزاد في غير الواجب، وأن كون مدخولها معرفة لا يمتنع.
والمنقول عن الكوفيين 1 أنهم يرون زيادتها في الواجب ولكنهم يشترطون أن يكون مدخولها نكرة كما هو مذهب البصريين، وقد تقدم استدلال المصنف على ذلك والمنتصرون لمذهب البصريين أجابوا عن جميع ما استدل به.
أما قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (2) فقالوا فيه: إن الفاعل مضمر أي: ولقد جاءك هذا النبأ، ومِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ في موضع الحال أي: كائنا من نبأ المرسلين؛ لأن قبله: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا 2، فأخبر تعالى أن هذا النبأ الذي جاءك هو من نبأ المرسلين فتأسّ بما جرى لهم.
ولك أن تقول: كون النبأ الذي جاءه صلّى الله عليه وسلّم هو من نبأ المرسلين قد علم قبل من قوله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وإذا كان قد علم فكيف يخبر ثانيا أنه من نبئهم؟! ولا شك أن كون نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ هو فاعل (جاء) هو الظاهر.
وأما قوله تعالى: يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ 3 فأجابوا عنه بأن من فيه للتبعيض، ولو قيل: إنها للبيان؛ لكان أقرب.
وأما قوله تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 4، ويَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ 5 فأجابوا عنه بأن الذي يكفر بعض السيئات، والذي يغفر بعض الذنوب؛ لأن ما كان فيه تبعة لآدمي لا يكفر، ولأن المغفور بالإيمان ما اكتسبوه من الكفر لا ما يكتسبونه في الإسلام من الذنوب، وما تقدم لهم من الذنوب في حال الكفر بعض ذنوبهم وإذا كان كذلك فـ «من» في الآيتين الشريفتين للتبعيض.
وقد قيل في يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ: إن (يغفر) ضمن معنى يخلص؛ التقدير: يخلصكم من ذنوبكم؛ لأن الكافر ذنوبه -

................................  محيطة به لا خلاص له منها إلا بالإيمان، وقد تقدم لنا التنبيه على فائدة التضمين.
وأما قوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ 1 فأجابوا عنه بأن «من» فيه [3/ 182] لابتداء الغاية وهو ظاهر.
وأما الحديث الشريف: «فإذا بقي من قراءته نحو من كذا» فأجابوا عنه بأن «من» فيه للتبعيض وأن الفاعل مضمر وهو اسم فاعل يفسره الفعل التقدير: فإذا بقي هو أي باق من قراءته نحوا من كذا.
وهذا الجواب الذي أجابوا به الحديث أجابوا [به] عن قول الشاعر: 2380 - فما قال من كاشح وعن قول الآخر: 2381 - قد كان من طول إدلاج وقول الآخر: 2382 - ويكثر فيه من حنين الأباعر وعن قول العرب: قد كان من مطر، وقولهم أيضا: قد كان من حديث فحل عنّي، ولا يخفى ضعف هذا التخريج؛ لعدم ذوقه.
وأما قول الآخر: 2383 - وكنت أرى كالموت من بين ساعة فقالوا فيه: إن «من» للسبب أي: أرى شيئا عظيما كالموت من أجل بين ساعة، فكيف يكون حالي ببين موعده الحشر؟! أي: بسبب بين موعده الحشر.
وخرّجه الإمام بدر الدين 2 ولد المصنف: على أن «من» لابتداء الغاية والكاف اسم، والمعنى: وكنت أرى «من» بين ساعة حالا مثل الموت؛ على حد قولهم: رأيت منك أسدا 3. وأقول: لا حاجة إلى تكلف هذه التخريجات لما ورد في هذه الأبيات؛ لأن البصريين يجيزون زيادة «من» في الكلام الموجب ودخولها على المعرفة في الشعر، -

................................  وإذا كان كذلك فلا حاجة إلى تكلف الجواب عن الوارد فيه.
وأما قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» فقد كفى المصنف مئونة الجواب عنه؛ إذ قال في باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر لما ذكر أن ضمير الشأن يكون اسما لـ «إن» وأنه يحذف معها كثيرا قال 1: وعليه يحمل «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون» لا على زيادة «من» خلافا للكسائي.
وقد خرج ابن عصفور «قد كان من مطر»، و «قد كان من حديث» على أن أصله: قد كان كائن من مطر، و: قد كان كائن من حديث؛ فحذف الموصوف وقامت الصفة مقامه.
قال: وإن كانت غير محضة 2. وقد ذكر في باب النعت 3 أن ذلك يحسن في الكلام مع «من»، ورده الشيخ بأنه يلزم من ذلك أن يكون المجرور فاعلا، والمجرور الذي يجر بحرف غير زائد لا يكون فاعلا.
وأما تخريج ابن جني قراءة ابن هرمز فقد استبعده الشيخ، وقال 4: هذا تخريج لا يحتمل مثله القرآن العزيز، قال: وكونها على ما استقر في «لما» ظاهر إما على الظرف أي: حين أتيناكم، وإما كونها حرف وجوب لوجوب وأتيناكم التفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى على الغيبة لكان: لما (أتيناهم) 5، قال: ولا يظهر معنى لتخريج ابن جني لمن ما أتيناكم من كتاب وحكمة.
وقد استدل على زيادة «من» في الواجب بأشياء أخر غير الذي ذكره المصنف: منها: قوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ 6، وقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ 7، ووَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً [وَأَجْراً عَظِيماً] 8. وأجيب بأن التقدير: ولهم مطعوم، أو فاكهة من كل الثمرات لما تقدم ذكر المشروب ذكر المطعوم وحذف المبتدأ لدلالة المعنى عليه جائز ولا سيّما إذا كانت له صفة.
وأما يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ فـ «من» للتبعيض؛ لأنهم لم يؤمروا بغض -

................................  الأبصار وإنما يغضّ منها ما كان في النظرية امتناع شرعي، وكذلك هي للتبعيض في وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً 1. ومنها: أنك قد عرفت ما ذكره المصنف من أن «من» الزائدة ربما دخلت على حال واستدلاله على ذلك بقراءة زيد بن ثابت ومن وافقه ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ 2 يعني بفتح الخاء وضم النون أي: أولياء.
ولا شك أن مسوّغ ذلك انسحاب النفي عليه من حيث المعنى كما انسحب عليه في قراءة الجماعة حين كان مفعولا 3 شبه ذلك بانسحاب النفي على الفعل المتعدي إلى مفعول كقوله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ 4. ومنها: أنك قد عرفت أيضا أن «من» تنفرد بجر ظروف لا تتصرف كما أشار المصنف إلى ذلك في متن الكتاب وهذا لا كلام فيه، ولكنه قال في الشرح ما تقدم نقله عنه وهو أن «من» إذا دخلت على «قبل وبعد ولدن وعن» فهي زائدة؛ لأن المعنى بسقوطها وثبوتها واحد.
فقال الشيخ: زعم بعض النحويين ذلك (5). قال: وليس كما زعم، بل المعنى مختلف؛ فإذا قلت: جئت من قبل زيد؛ كان مجيئك مبتدأ من الزمان المتعقبه زمان مجيء زيد، وإذا قلت: جئت قبل زيد؛ كان مجيئك سابقا على مجيء زيد واحتمل تعقبه زمان مجيء زيد أو كان بينهما مهلة كثيرة أو قليلة؛ لأنه يدل على مطلق السبق، وإذا قلت: جئت من بعد عمرو؛ كان ابتداء مجيئك من الزمان المتعقب زمان مجيء عمرو، وإذا قلت: جئت بعد عمرو احتمل أن يتعقب وأن يتأخر بمهلة كثيرة أو قليلة فـ «من» لابتداء الغاية في القبلية والبعدية، فلو جاء شخص ظهرا وآخر عصرا حسن «قبل وبعد»، ولم يحسن «من قبل» ولا «من بعد» إذ لا [ا] عتقاب في الزمانين 5. قال: وكذلك تقول في «من لدن»، و «من عن»: إنها فيهما لابتداء الغاية؛ فإذا قلت: قعد زيد عن يمين عمرو؛ فمعناه ناحية يمين عمرو، واحتمل أن يكون قعوده ملاصقا لأول ناحية يمينه، واحتمل ألا يكون ملاصقا لأولها.
وإذا قلت: من -

................................  عن يمينه؛ كان ابتداء القعود نشأ ملاصقا لأول الناحية 1. انتهى. والحاصل: أن المصنف جعل «من» إذا دخلت على الأربعة المذكورة وهي: «قبل، وبعد، ولدن، وعن» زائدة، وقد رأيت بحث الشيخ معه في ذلك وجعلها إذا دخلت على «عند، ولدى، ومع، وعلى» [3/ 183] لابتداء الغاية. ولقائل أن يقول: لا شك أن «عن، وعلى» يصير كل منهما اسما بمباشرة «من» له فإذا قيل: من عن؛ كانت بمعنى: جانب، وإذا قيل: من على؛ كانت «على» بمعنى: فوق وإذا كان كذلك فلا يظهر وجه للتفرقة بينهما في ما ذكر ويحتاج ذلك إلى تأمل. وقد استشهد على مباشرة «من» لـ «عن» ول «على» بأبيات غير ما أورده المصنف منها قول الشاعر. 2384 - فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها... يمينا ومهوى القرط من عن شمالك 2 وقول الآخر: 2385 - غدت من عليه تنفض الطّلّ بعد ما... رأت حاجب الشّمس استوى فترفّعا 3 وأما قول الآخر: 2386 - فقلت للرّكب لمّا أن علا بهم... من عن يمين الخبيّا نظرة قبل 4 فهو من إنشادات المصنف في غير هذا الموضع. قيل: وكان القياس أن يقال في «من عليه»: من علاه، كما يقال: من فتاه؛ لأن المقصور من الأسماء لا يتغير مع المظهر والمضمر لما روعي أصلها. وفي شرح الشيخ: وقد تجرّ «عن» بعلى قال الشاعر: 2387 - على عن يميني مرّت الطّير سنّحا... وكيف سنوح واليمين قطيع 5

................................  واعلم أن ابن عصفور حكم على «عن وعلى» بالاسمية إذا (باشرهما حرف جر كما قال المصنف، قال: وكذا - يعني يحكم عليهما بالاسمية - إذا) 1 أدّى جعل شيء منهما حرفا إلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل كقول القائل في «عن»: 2388 - [و] دع عنك نهبا صيح في حجراته... ولكن حديثا ما حديث الرّواحل 2 وكقول الآخر في «على»: 2389 - [فـ] هوّن عليك فإنّ الأمور... بكفّ الإله مقاديرها 3 وفي ما ذكره نظر؛ فإن «عنك» في «دع عنك»، و «عليك» في «هون عليك» ليسا مفعولي الفعلين اللّذين هما «دع، وهوّن» وإن كانا من متعلقاتهما إنما مفعول «دع» «نهبا»، وأما مفعول «هون» فمحذوف يدل عليه المعنى، التقدير: هون عليك ما تلقاه.
ولو كانت «عن» في البيت لتعدية الفعل الذي قبلها إلى ما بعدها لكان التقدير: دع إياك، أي: نفسك، وليس المعنى على هذا.
وكذا كان يكون التقدير في البيت الآخر: هون إياك، أي: نفسك، وهذا لا يقال.
فظهر أن المفعول غير ما باشره الحرفان المذكوران، وإذا كان المفعول غير ما باشره الحرف فمن أين يجيء تعدي فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، ولو كان ما قاله صحيحا لوجب أن يحكم باسمية «إلى» من قوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ 4، [و] وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ 5. ولم يذهب أحد إلى أن «إلى» اسم، وقد ذكر عن الأخفش 6 نحو ذلك، ولعله هو الموقع لابن عصفور في ما ذكرناه عنه، فإنه استدل على اسمية «على» بقول العرب: -

................................  سويت على ثيابي، بالطريق الذي ذكره ابن عصفور، وقد عرفت أن ذلك لا دليل فيه.
وقد سلم الشيخ أن التعدية 1 حاصلة فإنه قال: كما أن «إلى» من قوله تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ 2 حرف إجماعا كذلك تقول إن على، وعن حرفان يعني في الأبيات التي ذكرها ابن عصفور لكن هذه التعدية قليلة فلا يكون فيها دلالة على اسمية «عن وعلى» 3. انتهى.
وهو كلام عجيب!! وكيف يبقي الدلالة على الاسمية بعد أن سلم التعدية التي جعلها المدعي دليلا عليها؟! فإن قلت: فعلى أي وجه تعلق هذه الأحرف الجارة بالفعل وما معناها؟ قلت: الذي يظهر أن «عنك» من قوله: «دع عنك» في موضع الحال من المفعول المذكور - أعني «نهبا» - والتقدير: دع نهبا كائنا عنك، ومعنى «عن» المجاوزة، وكذلك القول في «عليك» من قول الآخر: «هوّن عليك»، التقدير: هوّن ما تلقاه كائنا عليك، ومعنى «على» الاستعلاء فإن ما يلقاه الإنسان من الأمور الصعبة كأنه عليه، فالاستعلاء الذي أفادته هنا معنوي.
وأما كون «إليك» من الآيتين الشريفتين في موضع الحال «وإلى» لانتهاء الغاية ففي غاية الظهور، التقدير: وهزي بجذع النخلة كائنا إليك، و: اضمم جناحك كائنا إليك.
ثم إن في كتب المغاربة الإشارة إلى مسألتين 4: الأولى: أن الفراء ومن وافقه من الكوفيين يزعمون أن «عن، وعلى» إذا دخلت عليهما «من» حرفان كما كانتا قبل دخولها قال: وزعموا أن «من» تدخل على حروف الجر كلها سوى «من» واللام، والباء، وفي»، وذكر عنهم دليلا 5. ولا شك أن هذا ونحوه مما لا يشتغل به فالواجب إهمال ذكره.
-

................................  الثانية: أن جماعة من النحاة منهم ابن طاهر، وابن خروف، والأستاذ أبو علي في أحد قوليه - ذهبوا 1 إلى أن «على» لا تكون حرفا، وزعموا أن ذلك مذهب سيبويه؛ لقوله في باب عدة ما يكون عليه الكلم: وهو اسم ولا يكون إلا ظرفا 2، قالوا: واستدل المخالف لهؤلاء بأن «على» إذا حذفت في ضرورة الشعر نصب ما بعدها على أنه مفعول به.
نحو قول الشاعر: 2390 - تحنّ فتبدي ما بها من صبابة... وأخفي الّذي لولا الأسى لقضاني 3 وقول الآخر: 2391 - بخلت فطيمة بالّذي يرضيني... إلّا الكلام وقلّما يجديني 4 أي: لقضى عليّ، وقلما يجدي عليّ، وقال آخر: 2392 - ما شقّ جيب ولا ناحتك نائحة... ولا بكتك جياد غير أسلاب 5 أي: ولا ناحت عليك.
وقد أجاز أبو الحسن 6 ذلك في الكلام وجعل منه قوله تعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ 7 أي: على صراطك، واستدل أيضا لذلك بحذفها مع الضمير في الصلة نحو: ركبت على الفرس الذي ركبت، قال الشاعر: 2393 - فأصبح من أسماء قيس كقابض... على الماء لا يدري بما هو قابض 8 أي: عليه، ولو كانت اسما لم يجز ذلك، لو قلت: قعدت وراء الذي قعدت، تريد وراءه؛ لم يجز.

جارٍ التحميل