تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4081-4086

الباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]

صفحات 4081-4086

................................  وأما قوله: وإن كان أفعل تفضيل خلافا لمن استثناه فإنه يشير به إلى مذهب الكوفيين؛ لأنهم هم المستثنون له، فهم يزعمون أن «أفعل من» لا يجوز صرفه للضرورة معتلين لذلك بأن التنوين إنما حذف من «أفعل» لأجل «من» فلا يمكن أن يجتمع معها كما لا يجتمع التنوين مع الإضافة 1، وهذا ليس بشيء؛ لأن منع الصرف إنما هو لوزن الفعل والوصف، ويدل على ذلك صرف 2: خير منك وشرّ منك مع وجود [من].
وليعلم أن من متأخري النحاة من استثنى من صرف ما لا ينصرف للضرورة في ما آخره ألف قال 3: فإنه لا يصرف إذ لا فائدة في صرفه؛ لأن صرف ما لا ينصرف إما أن يكون لزيادة حرف كما في قول القائل: وهنّ عواقد وإما لتغيير حركة كما في قول الشاعر: 3753 - إذا ما غزوا في الجيش حلّق فوقهم... عصائب طير تهتدي بعصائب 4 فصرف «عصائب» لأن القوافي مخفوضة، ولا شك أن ما آخره ألف يستوي فيه الرفع والنصب والخفض، فانتفى تغيير الحركة، وإذا زيد فيه التنوين سقطت الألف لالتقاء الساكنين، فيذهب حرف لمجيء حرف آخر.
- - كان وهو فعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث.
والشاهد في: «أحيمر» حيث كونه للضرورة مع كونه مستحقّا للمنع، والبيت في المقرب (2/ 202)، والتذييل (6/ 451)، والعيني (4/ 377)، والأشموني (3/ 274).

................................  وقد ردّ ذلك لأن في صرفه فائدة وذلك أن الكلمة التي في آخرها ألف كـ «سكرى» إذا نونت فجاء بعدها ساكن؛ واضطر المتكلم إلى النطق بذلك كسر التنوين لالتقاء الساكنين، ولا سيما المحتاج إلى ذلك لإقامة الوزن، فكما يقال: مررت بفتى انطلق، يقال: مررت بسكرى انطلقت، فيكسر التنوين ويقام الوزن بذلك، ولا شك أن ذلك لا يتأتى مع الألف 1. وأما منع صرف المستحق الصرف للضرورة ففيه الخلاف كما ذكرنا أجازه الكوفيون، والأخفش وأبو علي 2. قال المصنف 3: وبقولهم أقول لكثرة استعمال العرب ذلك كقول الكميت: 3754 - سيوف لا تزال طلال قوم... تهتكن البيوت [وتنثنينا] يرى الرّاءون بالشّفرات منها... وقود أبي حباحب والظّبينا 4 ومثله قول الأخطل: 3755 - طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت... بشبيب غائلة النّفوس غدور 5

................................  ومثله قول ذي الإصبع: 3756 - وممّن ولدوا عام... ر ذوا الطّول وذو العرض 1 ومثله قول قيس: 3757 - ومصعب حين جدّا لأم... ر أكبرها وأطيبها 2 وأنشد أبو سعيد لدوسر بن دهبل: 3758 - وقائلة ما بال دوسر بعدنا... صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند 3 قال الشيخ 4: «وهذا الذي اختاره المصنف هو الصحيح لكثرة ما ورد من ذلك وأورده ما أورده المصنف وأنشد للعباس بن مرداس 5 أيضا البيت المشهور وهو: - - والشاهد في البيت: منع «شبيب» الصرف للضرورة.
والبيت في الإنصاف (ص 493)، والتذييل (6/ 454)، والعيني (4/ 362)، وشرح التصريح (2/ 198، 228)، والأشموني (3/ 275).

................................  3759 - فما كان قيس ولا حابس... يفوقان مرداس في مجمع 1 قال 2: «وهذا من تشبيه الأصول بالفروع» انتهى.
وأما قوله: لا اختيارا خلافا لقوم فإشارة إلى أن بعضهم يجيز منع صرف ما ينصرف دون ضرورة، قال في شرح الكافية 3: «أنشد أحمد بن يحيى»: 3760 - أؤمّل أن أعيش وأنّ يومي... بأوّل أو بأهون أو جبار أو التّالي دبار فإن أفته... فمؤنس أو عروبة أو شيار 4 فقال الحامض 5 لأبي العباس: أؤمل أن أعيش موضوع قال: لم؟ قلت: لأن مؤنسا ودبارا مصروفات وقد ترك صرفهما، فقال أبو العباس 6: هذا جائز في الكلام فكيف في الشعر؟ انتهى.
فمراد المصنف بقوله: وزعم قوم أنّ صرف ما لا ينصرف [مطلقا] لغة إلى ما نقل عن الأخفش 7 أنه قال: من العرب من يصرف في الكلام جميع ما لا ينصرف، قال: وكأن هذه لغة الشعر إلا أنهم قد اضطروا إليه في الشعر فجرت ألسنتهم في -

................................  الكلام على ذلك.
ثم قال المصنف: والأعرف قصر ذلك على نحو سلاسل وقوارير ومراده بذلك: أن صرف ما لا ينصرف لا يجوز في الكلام إلا للتناسب كما في «سلاسل» و «قوارير»، وإذا لم يكن تناسب كان ذلك مقصورا على الضرورة، هكذا يظهر لي من هذا الكلام.
لكن الشيخ حمل كلامه على ما هو أعم من ذلك فإنه قال 1: إن المصنف يعني بذلك أن الأعرف أن يكون الصرف مخصوصا بالجمع المتناهى، قال: وقال الأخفش: إن بعض العرب وإنه سمع ذلك منهم، قال: وذكر الأخفش أن السبب في كون ذلك للجمع المذكور أن العرب يجمعونه جمع سلامة نحو قول بعضهم: صواحبات، وقال الفرزدق: 3761 - وإذا الرّجال رأوا يزيد رأيتهم... خضع الرّقاب نواكس الأبصار 2 قال: فأشبه هذا الجمع عندهم الآحاد فصرفوه انتهى.
وأقول: قد ذكر ابن أبي الربيع نحوا من هذا المنقول عن الأخفش لكنه لم ينسبه إليه، فإنه لما ذكر أن نحو «مساجد» ممنوع الصرف لأن فيه علتين: الجمع وعدم النظير في الآحاد فصار بذلك جمعا في اللفظ والمعنى، قال: فيجب على هذا أن من جمع هذا الجمع بالألف والتاء فقال: صواحبات أن يصرفه كما يصرف أكلبا وأجمالا، وقد وجد الصرف في هذا الجمع أكثر مما وجد فيما فيه علتان، قال الله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيراً 3، وقال تعالى: قَوارِيرَا قَوارِيرَا 4، وكان الأستاذ أبو علي يقول: إن أبا علي كان يذهب في هذا وما -

................................  أشبهه مما جاء في القرآن العزيز وفي كلام العرب أنه جاء على من قال: صواحبات وجمعه بالألف والتاء، وإن هذا عندي لحسن.
انتهى كلام ابن أبي الربيع.
ولا يظهر لي أن المصنف قصد [5/ 86] بقوله: والأعرف قصر ذلك على نحو سلاسل وقوارير؛ إلا ما قدمت ذكره والله سبحانه وتعالى أعلم.

جارٍ التحميل