تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدالباب العاشر باب اسم الإشارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب العاشر باب اسم الإشارة

[تعريفه - أنواعه]

قال ابن مالك: (وهو ما وضع لمسمّى وإشارة إليه وهو في القرب مفردا مذكّرا ذا ثمّ ذاك ثمّ ذلك وآلك، وللمؤنّثة تي وتا وته وذي وذه، وتكسر الهاءان باختلاس وإشباع.
وذات ثمّ تيك وتيك وذيك ثمّ تلك وتلك وتيلك وتالك).
قال ناظر الجيش: ما وضع: جنس يشمل كل موضوع لمسمى نكرة كان أو معرفة.
وإشارة إليه: مخرج لما سوى اسم الإشارة من الموضوعات.
قال المصنف 1: «وللنحويين في أسماء الإشارة مذهبان: أحدهما: أن لها مرتبتين: قريبة وبعيدة كالمنادى.
والثاني: أن لها ثلاث مراتب: قريبة وبعيدة ومتوسطة، وهذا هو المشهور وإن كان الأول أولى بالصواب، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد سردته على وفق المشهور لأنه السابق إلى أكثر الأذهان، فما عطفته بالواو فهو لغة فيما عطف عليه وفي مرتبته، وما عطفته بثم فهو في المرتبة التي تلي.
والحاصل: أن المشار إليه في المرتبة الأولى إن كان مفردا ولم يقصد معه تثنية: فله في التذكير لفظ واحد وهو ذا، وله في التأنيث عشرة ألفاظ: خمسة مبدوءة بتاء، وخمسة مبدوءة بذال، فالتي بالتاء: تي وتا وته بسكون أو كسر مختلس أو كسر مشبع، والتي بالذال: ذي وذات وذه بسكون أو كسر مختلس أو كسر مشبع [1/ 273]. وإن كان المشار إليه المفرد في المرتبة الثانية ولم يقصد منه تثنية: فله في التذكير لفظ واحد وهو ذاك، وله في التأنيث ثلاثة ألفاظ.
وهي: تيك وتيك وذيك.
وإن كان المشار إليه المفرد في المرتبة الثالثة: فله في التذكير لفظان وهما: ذلك وآلك، وله في التأنيث أربعة ألفاظ وهي: تلك وتلك وتيلك وتالك، كلها مروية عن العرب، إلا أن بعضها أشهر من بعض».
انتهى 2 -

الجزء: 2 - الصفحة: 795

................................  وذكر الشيخ: «أن الواحد المذكّر القريب يشار إليه بلفظين آخرين لم يذكرهما المصنف، وهما: ذاء بهمزة مكسورةبعد الألف، وذائه بهمزة بعد الألف وهاء تليها مكسورة» 3. ولا شك أن هاتين الكلمتين في غاية الندرة، فلذلك لم يذكرهما المصنف.
واعلم أن الكوفيين يزعمون أن ألف ذا زائدة محتجين بقولهم في التثنية ذان، فإن الألف للتثنية فلم يبق إلا الذال.
وأجيب عن هذا: بأنها ليست للتثنية، بل هي صيغة موضوعة للتثنية، ولما سلم أنها للتثنية أمكن دعوى سقوط الألف لالتقاء الساكنين.
ويبطل مذهب الكوفيين بأنه ليس في الأسماء الظاهرة القائمة بنفسها ما هو على حرف واحد.
وأما البصريون فألف ذا عندهم منقلبة عن أصل، ثم اختلفوا فقال بعضهم: هي منقلبة عن ياء واللام المحذوفة ياء أيضا، وهو ثلاثيّ الوضع، وقال بعضهم: الألف منقلبة عن واو، فهو من باب طويت.
واحتج البصريون على أنها منقلبة بقولهم في التصغير: ذيّا 4. وقال السيرافي 5: إنّ ذا ثنائي الوضع نحو ما وإنّ الألف أصل بنفسها، فلمّا -

الجزء: 2 - الصفحة: 796

قال ابن مالك: (وتلي الذّال والتّاء في التّثنية علامتها، مجوّزا تشديد نونها، وتليها الكاف وحدها في غير القرب، وقد يقال: ذانيك.
وفي الجمع مطلقا ألاء، وقد ينون ثمّ أولئك وقد يقصران، ثمّ أولالك على رأي، وعلى رأي أولاء، ثمّ أولاك ثمّ أولئك وأولالك وقد يقال: هلاء وأولاء، وقد تشبع الضّمة قبل اللّام، وقد يقال: هولاء وألّاك).
صغّروا ألحقوا ياء ليتمّ التّصغير.
قلت: وهذا الذي قاله السيرافي هو الظاهر؛ لأن ذا كلمة مبنية، وحكم المبنيات حكم الحروف بالنسبة إلى أصالة ألفاتها على ما عرف في التعريف.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 6: لما أنهيت القول في مفرد المشار إليه شرعت في مثناه وجمعه باعتبار المراتب الثلاث.
وأشرت بقولي: وتلي الذّال والتّاء في التّثنية علامتها - إلى أنّ ألفي ذا وتا تحذفان في التثنية وتتصل بالذال من ذا وبالتاء من تا ألف في الرفع وياء في الجر والنصب بعدهما نون مكسورةكما يفعل بالأسماء المتمكنة إذا ثنيت، إلا أن هذه التثنية مخالفة لتثنية الأسماء المتمكنة بأمرين: أحدهما: حذف الألف التي كانت آخر المفرد لزوما، ومثل ذلك لا يفعل باسم متمكن إلا شذوذا 7. والثاني: أن نون هذه التثنية يجوز تشديدها [1/ 274] ونون تثنية الاسم المتمكن لا يجوز تشديدها، وقد مضى الكلام على مثل ذلك في باب الموصولات.
والهاء من قولي: وتليها الكاف - عائدة على نونها، وقلت: وحدها في غير القرب؛ ليعلم أن اللام لا تجتمع مع الكاف في التثنية كما اجتمعت في الإفراد، وأن -

الجزء: 2 - الصفحة: 797

................................  المثنى المشار إليه في البعد ما له في التوسط؛ لأنهم استثقلوا اللام بعد النون.
وزعم قوم أن من قال ذانّك بتشديد النون قصد تثنية ذلك؛ ويبطل هذا القول جواز التشديد في نون ذين وتين، بل التشديد جابر لما فات من بقاء الألف التي حقها ألا تحذف كما لا تحذف ألف المقصور.
ويؤيد صحة هذا الاعتبار جواز تشديد نون اللذين واللتين؛ ليكون جابرا لما فات من بقاء ياء الذي والتي كما تبقى ياء المنقوص حين يثنى.
وإذا جمع اسم الإشارة وهو في المرتبة الأولى: قيل فيه أولاء مطلقا، أي في التذكير والتأنيث عاقلا كان المشار إليه أو غير عاقل.
وحكى قطرب أن أولاء بالتنوين لغة، وتسمية هذا تنوينا مجاز؛ لأنه غير مناسب لواحد من أقسام التنوين، والجيد أن يقال: إن صاحب هذه اللغة زاد بعد همزة أولاء نونا كما زيد بعد فاء ضيف نون، إلا أن ضيفنا معرب، فلما زيد آخره نون صار حرف إعراب فتحرك وأولاء مبني فلما زيد آخره نون سكن، إذ لا موجب لتحريكه؛ فإنه آخر مبني مسبوق بحركة.
وإذا جمع المشار إليه مجاوزا للمرتبة الأولى: قيل فيه أولئك ثم أولالك على رأي قوم وعلى رأي آخرين إن جمع المشار إليه في المرتبة الثالثة أولئك وأولالك معا، وله في المرتبة الثالثة أولاك بالقصر.
وقد حكى الفراء: أن المد في أولاء وأولئك لغة الحجازيين، وأن القصر فيهما لغة التميميين، وهذا هو المأخوذ به رواية، ومستند غيره رأي، والرواية أولى من الرأي 8. وهولاء في أولاء من باب إبدال الهمزة هاء، وهو باب واسع، وأما أولاء بضم الهمزتين وأولاء وأولئك بإشباع الضمة فلغتان غريبتان ذكرهما قطرب.
وذكر أبو علي الشلوبين 9 أنّ من العرب من يقول هولاء وأنشد: -

الجزء: 2 - الصفحة: 798

................................  500 - تجلّد لا يقل هولاء هذا... بكى لمّا بكى أسفا عليه 10 وقال أبو علي أيضا: حكى بعض اللغويين أولاك بالقصر والتّشديد وأنشد: 501 - من بين ألّاك إلى أولّاكا 11 وقرأ ابن كثير في شاذ (فذانيك) 12 بتخفيف النّون وزيادة ياء انتهى 13. ثم ها هنا أمور ينبه عليها: منها: أن مذهب المحققين أن نحو هذان وهاتان صيغ تثنية وليس ثم تثنية، كما قالوا في اللذين واللتين، وقد تقدم ذكر ذلك في باب الموصول.
ومنها: أن الشيخ ذكر في شرحه تابعا في ذلك كلام أبي الحسن بن عصفور: أنّ مذهب البصريين أنه لا يجوز تشديد النّون إلا مع الألف خاصّة وأنه لا يجوز مع الياء 14. وهذا عجب منهما؛ فإن التشديد ثابت مع الياء في الكتاب العزيز، والحق أحق أن يتبع، فكيف ينفى شيء قد ثبت في أفصح الكلام 15؟ -

الحديث: 500 - الجزء: 2 - الصفحة: 799

[مرتبة المشار إليه]

قال ابن مالك: (ومن لم ير التّوسّط جعل المجرّد للقرب وغيره للبعد، وزعم الفرّاء أنّ ترك اللّام لغة تميم).
أم كيف يقال إن مذهب البصريين خلاف ذلك [1/ 275]؟ ومنها: أن الشيخ قال: «سألني شيخنا الإمام بهاء الدين أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن النحاس الحلبي رحمه الله تعالى - عن قولهم: هذانّ بالتّشديد: ما النّون الزّائدة؟ فقلت له: الأولى، فقال: قال الفارسيّ في التّذكرة: هي الثّانية لئلّا يفصل بين ألف التثنية ونونها، ولا يفصل بينهما، قلت له: يكثر العمل في ذلك؛ لأنّا نكون زدنا نونا متحركة ثم سكّنّا الأولى وأدغمنا، أو زدناها ساكنة ثم أسكنّا الأولى وأدغمنا، فتحركت لأجل الإدغام بالكسر على أصل التقاء السّاكنين، وعلى ما ذكرته نكون زدنا نونا ساكنة وأدغمنا فقط؛ فهذا عندي أولى لقلّة العمل» انتهى 16. والأظهر ما قاله الفارسي للعلة التي ذكرناها، وأما كثرة العمل فلا يضر، وليس ذلك بمانع.
ومنها: أنه قال أيضا: «ليست هذه النّون في الزيادة كنون ضيفن؛ لأن نون ضيفن زيدت للإلحاق بجعفر، فجيء بها لأجل الإلحاق، ونون ذان لم يؤت بها لشيء» انتهى 17. وهو كلام عجيب، فإن الزيادة ليست منحصرة في الإلحاق حتى إذا انتفى الإلحاق انتفت الزيادة.
وقد ذكروا أن الزيادة تكون لأسباب من جملتها الإلحاق، فإذا تعذر الإلحاق أمكن القول بسبب آخر غيره.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 18: «المراد بالمجرد ما ليس معه كاف الخطاب سواء - - (1/ 312، 313).

الجزء: 2 - الصفحة: 800

................................  كان معه التثنية 19 أم لم تكن معه.
وقد تقدم أن في اسم الإشارة للنحويين مذهبين: أحدهما: أن له مرتبتين قريبة وبعيدة.
والثاني: أن له ثلاث مراتب.
والأول هو الصحيح: وهو الظاهر من كلام المتقدمين.
ويدل على صحته خمسة أوجه: أحدها: أن النحويين مجمعون على أن المنادى ليس له إلا مرتبتان: مرتبة للقريب يستعمل فيها الهمزة، ومرتبة للبعيد أو ما هو في حكمه تستعمل فيها بقية الحروف؛ والمشار إليه شبيه بالمنادى فليقتصر فيه على مرتبتين إلحاقا للنظير بالنظير.
الثاني: أن المرجوع إليه في مثل هذا النقل لا العقل، وقد روى الفراء أن بني تميم يقولون: ذاك وتيك بلا لام، حيث يقول الحجازيون: ذلك وتلك باللام، وإن الحجازيين ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا لام، وأن التميميين ليس من لغتهم استعمال الكاف مع اللام، فلزم من هذا أن اسم الإشارة على اللغتين ليس له إلا مرتبتان: إحداهما للقرب والأخرى لأدنى البعد وأقصاه.
الثالث: أن القرآن العزيز ليس فيه إشارة إلا لمجرد من الكاف واللام معا، أو لمصاحب لهما معا، أعني غير المثنى والمجموع؛ فلو كانت الإشارة إلى المتوسط بكاف لا لام معها - لكان القرآن العزيز غير جامع لوجوه الإشارة، وهذا مردود لقوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ 20. الرابع: أن التعبير بذلك عن مضمون كلام على أثر انقضائه سائغ شائع في القرآن وغيره، فلا واسطة بين نطقين كقوله تعالى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ 21، ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ 22، ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً 23، ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ 24. -

الجزء: 2 - الصفحة: 801

................................  الخامس: أنه لو كانت مراتب الإشارة ثلاثا [1/ 276] لم يكتف في باقي التثنية والجمع بلفظين؛ لأن في ذلك رجوعا عن سبيل الإفراد.
وفي اكتفائهم بقولهم: هذان وذانك وهؤلاء وأولئك - دليل على أن ذاك وذلك مستويان، وأن ليس للإشارة إلا مرتبتان، ولا التفات إلى قول من قال: إن تشديد نون ذانك دليل على البعد، وتخفيفها دليل على القرب - لأنه قد سبق الإعلام بأن التشديد عوض مما حذف من الواحد؛ لأنه يستعمل مع التجرد من الكاف كما يستعمل مع التلبس بها، وكذا لا يلتفت إلى قول من زعم أن أولالك للبعد دون أولئك؛ لقلة أولالك وكثرة الحاجة إلى جمع ذلك، ولأنه يلزم منه خلو القرآن العزيز من إشارة إلى جماعة بعداء، وذلك باطل بمواضع كثيرة في القرآن العزيز، فثبت ما أردناه 25 والحمد لله» انتهى 26. (وليس النحويون مجمعين على أن للمنادى مرتبتين قربى وبعدى، وقد ذكر هو في شرح الكافية أن منهم من أثبت مرتبة ثالثة وهي التوسط) 27 28. ثم لا يخفى ما في الوجه الثالث الذي ذكره، وأنه لا يثبت مقصوده 29. وقد نازعه الشيخ بالاستدلال بالأوجه التي ذكرها بما ليس يظهر طائلا، ولكن تركت إيراد ذلك خشية الإطالة 30.

الجزء: 2 - الصفحة: 802

[هاء التنبيه وأحكامها]

قال ابن مالك: (وتصحب هاء التّنبيه المجرّة كثيرا، والمفرد المقرون بالكاف دون اللّام قليلا) 31. قال ناظر الجيش: قال المصنف 32: قد تقدم أن المراد بالمجرد ما لم تتصل به كاف الخطاب، فدخل في ذلك ذا وذان وذي وأخواتها وتان وأولا وأولاء؛ فيقال: هذا وهذان وهذي إلى العاشرة، وهاتان وهؤلاء وهؤلا. ولا تلحق المقرون بكاف الخطاب إلا مجردا من اللام، وعدم لحاقها إياه أكثر من لحاقها. ومن لحاقها إياه قول طرفة: 502 - رأيت بني غبراء لا ينكرونني... ولا أهل هذاك الطّراف الممدّد 33 ومثله قول الآخر: 503 - يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا... من هؤليّائكنّ الضّال والسّمر 34

الحديث: 502 - الجزء: 2 - الصفحة: 803

فصل هاء التنبيه عن اسم الإشارة

قال ابن مالك: (وفصلها من المجرّد بأنا وأخواته كثير وبغيرها قليل وقد تعاد بعد الفصل توكيدا).
ولا تلحق المقرون باللام، فلا يقال هذالك، كرهوا كثرة الزوائد، ولا تلحق أيضا المقرون بالكاف في التثنية والجمع، فلا يقال هذانك ولا هؤلائك؛ لأن واحدهما ذاك أو ذلك، فحمل على ذلك مثناه وجمعه؛ لأنهما فرعاه، وحمل عليهما مثنى ذلك وجمعه لتساويهما لفظا ومعنى.
انتهى 35. وعجبا من المصنف كيف منع أن يقول هؤلائك وقد تقدم له إنشاد البيت الذي فيه من «هؤليائكن الضال والسمر» وهؤليائكن تصغير هؤلائكن.
قال الشيخ: وهذا الّذي ذهب إليه المصنف مبني على زعمه أنّ المشار إليه ليس له إلا مرتبتان: القرب والبعد.
وهذا الّذي اختاره وذكر أنه مذهب بعض النّحويين - لم أقف عليه لأحد على كثرة مطالعتي لكتب هذا الشأن 36. قال ناظر الجيش: الضمير يرجع إلى هاء التنبيه، أي: وفصل هاء التنبيه من اسم الإشارة المجرد من كاف الخطاب بأنا وأخواته من ضمائر الرفع المنفصلة - كثير ليس بالقليل، بخلاف الفصل بغيرها فإنه قليل.
فمثال الفصل بالضمير: قولك: ها أنا ذا، وها أنا ذي، وها نحن أولاء، وها أنت ذا، وها أنت ذي، وها أنتما ذان، وها أنتما تان، وها أنتم أولاء، وها هو ذا، وها - - اللغة: غزلان: جمع غزال، والمقصود به النساء.
شدنّ: يقال شدن الغزال إذا قوى وطلع قرناه.
ونونه الثانية للنسوة.
هؤليّائكنّ: مصغر هؤلاء شذوذا وأصله أولاء بالمد، وهاؤه للتنبيه وكافه للخطاب وهو مضوع الشاهد.
الضّال: جمع ضالة وهو السدر البري.
السّمر: بفتح السين وضم الميم جمع سمرة وهو شجر الطلح.
والمعنى: ما أجمل هؤلاء الفتيات اللاتي يقطنّ في هذه الأمكنة وبين تلك الأشجار.
واستشهد بالبيت على ما سبق ذكره في اللغة من لحاق هاء التنبيه اسم الإشارة المقرون بكاف الخطاب، واستشهد به الكوفيون على اسمية فعل التعجب بدليل تصغيره في قوله: يا ما أمليح.
والتصغير من خصائص الأسماء.
ويا فيه للنداء، والمنادى محذوف تقديره يا صاحبي.
والبيت في شرح التسهيل لابن مالك (1/ 244) وفي التذييل والتكميل (3/ 197) وليس في معجم الشواهد.

الجزء: 2 - الصفحة: 804

................................  هي ذي، وها هما ذان، وها هما تان، وها هم أولاء، وها هن أولاء [1/ 277]. وقد قال الله تعالى: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ، 37 ومنه قول السائل عن وقت الصلاة: ها أنا ذا يا رسول الله 38. ومثال الفصل بغير ذلك: قول النابغة: 504 - ها إنّ ذي عذرة إن لم تكن نفعت... فإنّ صاحبها قد تاه في البلد 39 وأنشد سيبويه 40: 505 - ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا... فقلت لها هذا لها ها وذا ليا 41

الحديث: 504 - الجزء: 2 - الصفحة: 805

................................  قال سيبويه 42: «كأنّه أراد: وهذا لي، فصيّر الواو بين ها وذا، وزعم الخليل أنّ مثل ذلك أي ها الله ذا».
قال سيبويه 43: وقد تكون ها في ها أنت ذا - غير ها المقدّمة.
ولكنّها تكون للتّنبيه بمنزلتها في هذا، يدلّك على ذلك قوله تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ 44. فلو كان ها المتقدمة مصاحبة أولاء لم تعد مع أولاء، وإلى نحو ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ أشرت بقولي: وقد تعاد بعد الفصل توكيدا.
انتهى كلام المصنف.
وها هنا بحثان: أحدهما: أن كلام سيبويه أفهم أن ها التي فيها أنت ذا - ممكن أن يكون أتى بها قبل الضمير ابتداء بقصد التنبيه كما يؤتى بها قبل اسم الإشارة، وإذا كان كذلك فليست التي تصحب الإشارة.
وعلى هذا فلا يقال إن الضمير فصل بين هاء واسم الإشارة؛ ولهذا قيل: إن كلام المصنف يخالف ظاهر كلام سيبويه.
والذي يظهر أن سيبويه أجاز في ها قبل الضمير أن تكون التي تصحب اسم الإشارة ثم فصل بينهما بالضمير كما قال المصنف، وأن يكون غيرها اسم الإشارة، وإنما أتى بها ابتداء؛ فعلى هذا لا فصل كما تقدم.
هذا إذا لم تصحب ها اسم الإشارة الواقع بعد الضمير، فإن صحبته تعين أن تكون المتقدمة أتى بها ابتداء، وحينئذ لا يتجه قول المصنف: وقد تعاد بعد الفصل توكيدا؛ إذ لا إعادة ولا فصل لأنهما اثنان.
الثاني: أن الشيخ لما أورد بيت النابغة، وهو الذي أوله: ها إن ذي عذرة، قال: «وهذا ليس من جنس ما فصل به بين هاء التنبيه 45 واسم الإشارة؛ لأن ذي اسم إنّ وعذرة الخبر، فلا يمكن تركيب هاء التّنبيه وذي في ذلك فتقول فصل بينهما بإنّ؛ لأنك لو قلت ها ذي إنّ عذرة - لم يكن كلاما، فها لم يدخل هنا على -

الجزء: 2 - الصفحة: 806

[إلحاق كاف الخطاب بأسماء الإشارة]

قال ابن مالك: (والكاف حرف خطاب يبيّن أحوال المخاطب بما يبيّنها إذا كان اسما، وقد يغني ذلك عن ذلكم، وربما استغني عن الميم بإشباع ضمّة الكاف).
اسم الإشارة».
انتهى 46. ولم يظهر لي ما قاله: والمصنف أورد هذا البيت على أن الأصل فيه إن هذي عذرة فقدم هاء التنبيه على أن محصل الفصل بإن بين ها وذي وهذا واضح ولا أعرف كيف قدر الشيخ إنّ مؤخرة عن اسم الإشارة ولا ما الموجب له أن فعل ذلك.
واعلم أن المثال الذي تقدم عن الخليل، وهو: أي ها الله ذا - قد حصل الفصل بالقسم بين هاء التنبيه وذا ومثله [1/ 278] في الفصل بالقسم قول الشاعر: 506 - تعلّمن ها لعمر الله ذا قسما... فاقدر بذرعك وانظر أين تنسلك 47 قال ناظر الجيش: قال المصنف 48: «والكاف حرف خطاب كتاء أنت تدل على أحوال المخاطب في حرفيتها بما يدل عليها في اسميتها، فيقال ذاك وذاك.
وذاكما وذاكم وذاكن كما يقال: رأيتك ورأيتك ورأيتكما ورأيتكم ورأيتكنّ، فيستوي اللفظ بالحرفية والاسمية، كما يستوي اللفظ بتاء أنت وتاء فعلت.
وقد يقال في خطاب جماعة الذكور كما يقال في خطاب الواحد كقوله تعالى: -

الحديث: 506 - الجزء: 2 - الصفحة: 807

................................  فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ 49 وذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ 50. فأغنى ذلك عن ذلكم، ولم يغنى أنت عن أنتم، وذلك أن الذال والألف قد يستغنى بهما عن الكاف عند تقدير القرب أو قصد الحكاية، كقوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ 51، هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ 52، وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ 53. فجاز الاستغناء عن الكاف بمصحوبها، ولا يستغنى بالهمزة والنون عن التاء.
وأشرت بقولي: وربما استغني عن الميم بإشباع ضمّة الكاف - إلى ما أسند الكوفيين من قول الراجز: 507 - وإنما الهالك ثمّ التّالك... ذو حيرة ضاقت به المسالك كيف يكون النّوك إلّا ذلك 54 في قوله: كيف يكون النوك إلا ذلك أراد ذلكم فأشبع الضمة واستغنى عن الميم بالواو الناشئة عن الإشباع.
قال الشيخ 55: «الّذي عندي في قوله: «كيف يكون النّوك إلّا ذلك» أنه من باب تغيير الحركة لأجل القافية؛ لأنّ القوافي قبله مرفوعة، فاحتاج أن غيّر حركة الكاف الّتي هي الفتحة إلى الضّمة».

الحديث: 507 - الجزء: 2 - الصفحة: 808

[إلحاق كاف الخطاب لبعض الكلمات الأخرى]

قال ابن مالك: (وتتّصل بـ «أرأيت» - موافقة أخبرني - هذه الكاف مغنيا لحاق علامات الفروع بها عن لحاقها بالتّاء، وليس الإسناد إليها مزالا عن التّاء، خلافا للفرّاء.
وتتّصل أيضا بـ «حيهل» و «النّجاء» و «رويد» أسماء أفعال.
وربّما اتّصلت بـ «بلى».
وأبصر، وكلّا، وليس، ونعم، وبئس، وحسبت).
قال ناظر الجيش: لما ذكر أن الكاف المتصلة بأسماء الإشارة حرف خطاب وكان ثم مواضع أخر تستعمل فيها الكاف حرفا استطرد المصنف فذكرها 56. فمنها (أرأيت): إذا أريد بها معنى أخبرني فإنه يجوز أن تتصل به كاف الخطاب وألا تتصل، فإن لم تتصل به وجب للتاء ما يجب لها مع سائر الأفعال: من تذكير وتأنيث، وتثنية وجمع، ومنه قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ 57. وإن اتصلت به استغني بما يلحق الكاف من علامة تأنيث وتثنية وجمع عن ما يلحق التاء، وألزمت التاء ما يلزمها في خطاب المفرد المذكر، ومنه قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ 58. ولو كان الخطاب لاثنين بهذا المعنى لقيل أرأيتكما، ولو كان لأنثى لقيل أرأيتك، ولو كان لإناث لقيل أرأيتكنّ [1/ 280] 59 فتلزم التاء الضمة والتجريد.
والكاف في هذا كله حرف خطاب لا موضع لها من الإعراب.
واستدل سيبويه 60 على ذلك بقول العرب: أرأيتك فلانا ما حاله؟ ومنه قوله تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ 61. وزعم الفراء أن موضعه رفع بالفاعلية، وأن التاء حرف خطاب 62؛ والقول -

الجزء: 2 - الصفحة: 809

................................  الأول أولى؛ لأن التاء لا يستغنى عنها، والكاف يستغنى عنها، وما لا يستغنى عنه أولى بالفاعلية مما يستغنى عنه، ولأن التاء محكوم بفاعليتها مع غير هذا الفعل بإجماع والكاف بخلاف ذلك؛ فلا يعدل عما ثبت لهما دون دليل.
فلو لم يرد بـ (أرأيت) معنى أخبرني وجب للتاء والكاف مجتمعين ما يجب لهما منفردين فيقال: أرأيتك قادرا، وأرأيتك قادرة، وأرأيتما كما قادرين، أرأيتموكم قادرين، أرأيتنكنّ قادرات، كما يقال: أعلمتك قادرا، وأعلمتما كما قادرين، وأعلمتموكم قادرين، وأعلمتك قادرة، وأعلمتنكن قادرات.
هذا كلام المصنف 63. وحاصل الأمر: أن رأيت التي بمعنى علمت يدخل عليها همزة الاستفهام.
ولا شك أنها تتعدى إلى اثنين؛ فإن لم يضمن معنى فعل آخر واستعملت على أصل موضعها - جاز أن يتصل بها الكاف ضميرا منصوبا، ويكون مطابقا للضمير المرفوع في إفراد وتذكير وأضدادهما، وتكون مفعولا أولا وما بعده مفعولا ثانيا.
وقد ذكر المصنف أمثلة ذلك.
وإن ضمنت معنى أخبرني انسلخ عنها معنى الاستفهام حتى لا تقتضي جوابا حينئذ، وجاز أن يتصل بها كاف الخطاب ويجيء فيها العمل الذي ذكره المصنف.
وقد تقدم ذكر أمثلته، وقد عرفت المذهبين المذكورين: وهما مذهب البصريين وهو أن التاء فاعلة والكاف حرف خطاب، ومذهب الفراء وهو أن الكاف فاعلة والتاء حرف خطاب كما التاء في أنت.
ومستنده أن التاء لما تجردت للخطاب وأفردت له - لم يجز أن تكون مرفوعة لإفرادها؛ لأن التاء إذا كانت ضميرا لم تفرد مذكرة لمثنى ومجموع ومؤنث.
بل تطابق ما كانت ضميرا له، فدل ذلك على سلب الاسمية عنها.
ولما ظهرت الاسمية في الكاف قال: إنها المسند إليها الفعل على جهة الفاعلية.
وقد رد المصنف قول الفراء بما تقدم ذكره، وقد ذكر أن في المسألة مذهبا ثالثا.
قال الشيخ 64: وفي محفوظي أنه مذهب الكسائي، وهو أن الكاف في موضع - - ورد بأن الكاف يستغنى عنها بخلاف التاء، فكانت أولى بالفاعلية.
وبأن التّاء محكوم بفاعليتها في غير هذا الفعل بإجماع، ولم يعهد ذلك في الكاف.
الثالث: أن الكاف في موضع نصب، وعليه الكسائي.
ورد بما ذكره الشارح نقلا عن أبي حيان مما سيأتي قريبا.

الجزء: 2 - الصفحة: 810

................................  نصب على المفعولية، ورد هذا المذهب بأن الكاف لو كانت في موضع نصب لكانت المفعول الأول من المفعولين اللذين تقتضيهما رأيت، والمفعول الأول في المعنى هو المفعول الثاني.
وأنت إذا قلت: أرأيتك زيدا ما صنع؟ [1/ 281] أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ 65 استحال أن يكون المخاطب غائبا، فلا يكون إذن المفعول الأول، وإذا لم يكن إياه علمنا أنه لا موضع له من الإعراب، وإن زيدا هو المفعول الأول وما بعده في موضع المفعول الثاني.
ومثال اتصال الكاف المذكورة بحيهل، والنّجاء، ورويد: حيّهلك، والنّجاءك، ورويدك، بمعنى إيت وأسرع وأمهل.
واحترز المصنف بقوله: أسماء أفعال - من استعمال النجاء ورويد مصدرين كما سيذكر ذلك في باب أسماء الأفعال إن شاء الله تعالى 66. قال المصنف: وروي أيضا اتّصالها ببلى، وأبصر، وكلا، وليس، ونعم، وبئس، وحسب، وأنشد أبو علي: 508 - [لسان السّوء تهديها إلينا]... وحنت وما حسبتك أن تحينا 67 وأجاز أن يكون الكاف فيه حرف خطاب، وهو غريب.
وحمله على ذلك وجود أن بعدها؛ فإنه إن لم يكن الأمر كما قال لزم الإخبار بأن والفعل عن اسم عين، وذلك لا سبيل إليه في موضع يخبر عنه فيه بمصدر صريح نحو: زيد رضا، -

الحديث: 508 - الجزء: 2 - الصفحة: 811

[تبادل أسماء الإشارة]

قال ابن مالك: (وقد ينوب ذو البعد عن ذي القرب لعظمة المشير أو المشار إليه، وذو القرب عن ذي البعد لحكاية الحال، وقد يتعاقبان مشارا بهما إلى ما ولياه، وقد يشار بما للواحد إلى الاثنين وإلى الجمع).
فكيف به في موضع بخلاف ذلك؟ قال ناظر الجيش: قال المصنف 68: من نيابة ذي البعد عن ذي القرب لعظمة المشير قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى 69، ومن نيابته عنه لعظمة المشار إليه قوله تعالى: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي 70 ومنه قول امرأة العزيز مشيرة إلى يوسف عليه الصلاة والسّلام فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ 71. بعد أن أشارت إليه النسوة بهذا؛ إذ قلن ما هذا بَشَراً 72 والمجلس واحد إلا أن مرأى يوسف عليه الصلاة والسّلام عند امرأة العزيز كان أعظم من مرآه عند النسوة، فأشارت إليه بما يشار به إلى البعد إعظاما وإجلالا.
ومن نيابة ذي القرب عن ذي البعد لحكاية الحال قوله تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ 73، وقوله تعالى: فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ 74. وأما تعاقب ذي القرب وذي البعد على أثر ما الإشارة إليه - فكقوله تعالى متصلا بقصة عيسى عليه السّلام ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ 75. ثم قال تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ 76 ومنه قوله تعالى: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ 77، وقوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (52) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ 78. ومنه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى 79، إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً 80. والإشارة بما للواحد إلى الاثنين كقوله تعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ 81. أي -

الجزء: 2 - الصفحة: 812

................................  بين الفارض والبكر.
ومنه قول الشاعر: 509 - إنّ الرّشاد وإنّ الغيّ في قرن... بكلّ ذلك يأتيك الجديدان 82 والإشارة بما للواحد إلى الجمع كقول لبيد 83 [1/ 282]: 510 - ولقد سئمت من الحياة وطولها... وسؤال هذا النّاس كيف لبيد 84 ومنه قول مسكين الدارمي 85: 511 - وبينا الفتى يرجو أمورا كثيرة... أتى قدر من دون ذاك متاح 86

الحديث: 509 - الجزء: 2 - الصفحة: 813

[الإشارة إلى المكان]

قال ابن مالك: (ويشار إلى المكان بهنا لازم الظّرفيّة أو شبهها معطى ما لذا من مصاحبة وتجرّد.
وكهنالك ثمّ وهنّا بفتح الهاء وكسرها، وقد يقال هنّت موضع هنّا، وقد تصحبها الكاف، وقد يراد بهناك وهنالك وهنا الزّمان.
وبني اسم الإشارة لتضمّن معناها، أو لشبه الحرف وضعا وافتقارا).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 87: من قال في الإشارة إلى الشخص القريب ذا، قال في الإشارة إلى المكان القريب هنا دون تنبيه ولا خطاب.
ومن رأى مصاحبة التنبيه فقال هذا، قال ها هنا.
ومن قال ذاك قال هناك، ومن قال ذلك قال هنالك، ومن سوّى ذاك وذلك ملغيا للتوسط سوّى هناك وهنالك، ومن لم يسوّهما معترفا بالتوسط لزمه مثل ذلك في هناك وهنالك، ومن قال هذاك جامعا بين التنبيه والخطاب قال ها هناك، ولا يقال ها هنالك، كما لا يقال هذالك.
ويشار أيضا إلى المكان البعيد بثمّ وهنّا وهنّا كما يشار إليه بهنالك، وقد يقال هنّاك وهنّاك، وقد يقال هنّت موضع هنّا.
ومن شواهد هذا قول الشاعر: 512 - كأنّ ورسا خالط اليرنّا... خالطه من ها هنّا وهنا 88 ومن شواهد هنّت قول الآخر: 513 - وكانت الحياة حين حبّت... وذكرها هنّت ولات هنّت 89

    • يكون ذاك في هذا البيت عائدا على مفرد وهو المصدر المفهوم من يرجو أي: من دون ذاك الرّجاء».
      انظر البيت في: معجم الشواهد (ص 84) وشرح التسهيل (1/ 250) والتذييل والتكميل (3/ 209). وتعليق الفرائد (ص 704).

الحديث: 512 - الجزء: 2 - الصفحة: 814

................................  أراد: هنا ولات هنا. وكل هذه الأسماء المشار إليها إلى المكان لا تفارق الظرفية إلا بدخول من أو إلى عليها. وإلى ذلك أشرت بقولي: لازم الظّرفية أو شبهها؛ لأن حرف الجر والمجرور بمنزلة الظرف. وقد يشار بهناك وهنالك وهنا إلى الزمان؛ فمن الإشارة إليه بهناك قول الأفوه الأودي 90: 514 - وإذا الأمور تعاظمت وتشابهت... فهناك يعترفون أين المفزع 91 ومن الإشارة بهنالك قوله تعالى: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً 92، ومنه قول الشاعر: 515 - إذا هي قامت حاسرا مشمعلّة... نخيب الفؤاد رأسها ما تقنّع وقمت إليها باللّجام ميسّرا... هنالك يجزيني الّذي كنت أصنع 93

الحديث: 514 - الجزء: 2 - الصفحة: 815

................................  ومن الإشارة إلى الزمان بهنّا قول الشاعر: 516 - حنّت نوار ولات هنّا حنّت... وبدا الّذي كانت نوار أجنّت 94 فهنّا إشارة إلى وقت، وهو منصوب على الظرفية، وحنت في موضع رفع بالابتداء، والخبر الظرف، وهذا أحد المواضع المخبر فيها عن الفعل مؤولا بمصدر.
وزعم بعض المتأخرين أن هنّا اسم لات، والتقدير: ليس ذلك الوقت وقت حنّت، أي وقت حنان.
وليس ما زعم صحيحا؛ لأن هذا الاستعمال مخالف لاستعمال لات الملحقة بليس ولاستعمال هنّا؛ فإن لات إنما يكون اسمها الحين [1/ 283] محذوفا كقوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ 95 أي: وليس الحين حين مناص.
وهنّا بخلاف ذلك فلا يكون اسم لات.
وأيضا فإن هنّا لا تفارق الظرفية إلا بدخول من أو إلى عليها وارتفاعه على أن يكون اسم لات مناف لذلك، فلا يصح.
والضمير من قولي: لتضمّن معناها - عائد على الإشارة؛ فإن معناها حقيق بأن يوضع له حرف يدل عليه كما وضع للتنبيه والاستفتاح وغيرهما من المعاني الزائدة على مدلولات الأسماء والأفعال، فاستغنوا عن وضع حرف إشارة يتضمن أسماء لمعناها فلذا يحدّ اسم الإشارة بأنه الدال بالوضع على مسمّى وإشارة إليه.
- - يشار بهما إلى المكان؛ لأن الزمان يدل على المكان؛ لأنه قال في ذلك المكان الذي كان جاءكم الكفار في زمانه من فوقكم ومن أسفل منكم ابتلي المؤمنون، وكذلك تأويل الأبيات المذكورة».
والشاهد في شروح التسهيل لابن مالك (1/ 251) ولأبي حيان (3/ 212)، وللمرادي (1/ 256).

الحديث: 516 - الجزء: 2 - الصفحة: 816

................................  واستحق البناء لتضمنه معنى من المعاني الحرفية، وإذا كان الاسم يستحق البناء لتضمنه معنى حرف لم يستغن به عن وضعه كاسم الاستفهام فبناء ما تضمنه معنى حرف استغنى عنه كاسم الإشارة أحق وأولى.
وهذا السبب يقتضي بناء كل اسم إشارة ولمن عارضه في ذين وتين شبههما بمسميات الأسماء المتمكنة فأعربا.
وقد تقدم التنبيه على ذلك وشبهه.
وأما الشبه في الافتقار: فالمراد به هنا حاجة اسم الإشارة في إبانة مسماه إلى مواجه أو ما يقوم مقامها مما ينزل منه منزلة الصلة من الموصول وهذا أيضا سبب عام.
وأما الشبه في الوضع: فالمراد به كون ذا وذي وأخواتهما موضوعات على حرفين وذلك من وضع الحروف فاستحقت البناء لذلك وحملت البواقي عليها لأنها فروع أو كالفروع وإنما قلت أو كالفروع لأن منها هنا وأخواتها وليست فروعا لذا أو ذي ولكنها كالفروع ولإمكان الاستغناء عنها بذا أو ذي والمستغنى به أصل للمستغنى عنه.

الجزء: 2 - الصفحة: 817

فصول الكتاب · 86 فصل
فصول تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد
المقدمةمقدمةالفصل الرابع كتاب شرح التسهيل لناظر الجيش المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»مقدمة المؤلفالباب الأول باب شرح الكلمة والكلام وما يتعلّق بهالباب الثاني باب إعراب الصّحيح الآخرالباب الثالث باب إعراب المعتلّ الآخرالباب الرابع باب إعراب المثنّى والمجموع على حدهالباب الخامس باب كيفيّة التّثنية وجمعي التّصحيحالباب السادس باب المعرفة والنّكرةالباب السابع باب المضمرالحديث عن ضمائر الرفع المنفصلةالحديث عن ضمائر النصب المنفصلةالباب الثامن باب الاسم العلمالباب التاسع باب الموصولالباب العاشر باب اسم الإشارةالباب الحادي عشر باب المعرّف بالأداةالباب الثاني عشر باب المبتدأالباب الثالث عشر باب الأفعال الرّافعة الاسم النّاصبة الخبرالباب الرابع عشر باب أفعال المقاربةالباب الخامس عشر باب الأحرف النّاصبة الاسم الرّافعة الخبرالباب السادس عشر باب لا العاملة عمل إنالباب السابع عشر باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر الداخل عليهما كان والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهامالباب الثامن عشر باب الفاعلالباب التاسع عشر باب النّائب عن الفاعلالباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسهالباب الحادي والعشرون باب تعدي الفعل ولزومهالباب الثاني والعشرون باب تنازع العالمين فصاعدا معمولا واحداالباب الثالث والعشرون باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراهالباب الرابع والعشرون باب المفعول لهالباب الخامس والعشرون باب المفعول المسمّى ظرفا ومفعولا فيهالباب السادس والعشرون باب المفعول معهالباب السابع والعشرون باب المستثنىالباب الثامن والعشرون باب الحالالباب التاسع والعشرون باب التّمييزالباب الثلاثون باب العددالباب الحادي والثلاثون باب كم وكأين وكذاالباب الثاني والثلاثون باب نعم وبئسالباب الثالث والثلاثون باب حبّذاالباب الرابع والثلاثون باب التّعجّبالباب الخامس والثلاثون باب «أفعل» التّفضيلالباب السادس والثلاثون باب اسم الفاعلالباب السابع والثلاثون باب الصّفة المشبّهة باسم الفاعلالباب الثامن والثلاثون باب إعمال المصدرالباب التاسع والثلاثون [باب حروف الجرّ]الباب الأربعون باب القسمالباب الحادي والأربعون باب الإضافةالباب الثاني والأربعون باب التّابعالباب الثالث والأربعون باب التّوكيدالباب الرابع والأربعون باب النّعتالباب الخامس والأربعون باب عطف البيانالباب السادس والأربعون باب البدلالباب السابع والأربعون باب المعطوف عطف النّسقالباب الثامن والأربعون باب النّداءالباب التاسع والأربعون باب الاستغاثة والتعجّب الشبيه بهاالباب الخمسون باب النّدبةالباب الحادي والخمسون باب أسماء لازمت النداءالباب الثاني والخمسون باب ترخيم المنادىالباب الثالث والخمسون باب الاختصاصالباب الرابع والخمسون باب التّحذير والإغراء وما ألحق بهماالباب الخامس والخمسون باب أبنية الأفعال ومعانيهاالباب السادس والخمسون باب همزة الوصلالباب السابع والخمسون باب مصادر الفعل الثّلاثيالباب الثامن والخمسون باب مصادر غير الثّلاثيالباب التاسع والخمسون باب ما زيدت الميم في أوّله لغير ما تقدّم وليس بصفةالباب الستون باب أسماء الأفعال والأصواتالباب الحادي والستون باب نوني التّوكيدالباب الثاني والستون [باب منع الصّرف]الباب الثالث والستون [باب التسمية بلفظ كائن ما كان]الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]الباب الخامس والستون باب عوامل الجزمالباب السادس والستون باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلكالباب السابع والستون باب الحكايةالباب الثامن والستون باب الإخبارالباب التاسع والستون باب التّذكير والتّأنيثالباب السبعون باب ألفي التّأنيثالباب الحادي والسبعون باب المقصور والممدودالباب الثاني والسبعون باب التقاء الساكنينالباب الثالث والسبعون باب النّسبالباب الرابع والسبعون باب جمع التكسيرالباب الخامس والسبعون باب التّصغيرالباب السادس والسبعون باب التّصريفالباب السابع والسبعون باب مخارج الحروفالباب الثامن والسبعون باب الإمالةالباب التاسع والسبعون باب الوقفالباب الثمانون والأخير باب الهجاء
جارٍ التحميل