تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2399-2438

الباب الثلاثون باب العدد

صفحات 2399-2438

[حكم تمييز الأعداد من واحد إلى مائة]

قال ابن مالك: (مفسّر ما بين عشرة ومائة واحد منصوب على التمييز، ويضاف غيره إلى مفسّره مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر، ما لم يكن مائة فيفرد غالبا، ومفردا مع مائة فصاعدا، وقد يجمع معها وقد يفرد تمييزا، وربّما قيل: عشرو درهم، وأربعو ثوبه، وخمسة أثوابا، ونحو ذلك، ولا يفسّر واحد واثنان، و «ثنتا حنظل» ضرورة) 1. قال ناظر الجيش: [3/ 103] لما كان العدد مفتقرا إلى التمييز وصل بابه ببابه 2، وقدّم فيه الكلام على العدد المميز بمنصوب ولا بدّ في الترجمة من مضاف محذوف والتقدير: باب اسم العدد، واسم العدد ما وضع لكميّة آحاد الأشياء، وأصوله اثنتا عشرة كلمة: واحد إلى عشرة، ومائة وألف، وأما ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلى تسعين ففروع لاشتراكها مع الآحاد في اللفظ، ولأنها تكرير للعشرة في المعنى.
ثم العدد بالنسبة للاستعمال أربعة أنواع: مفرد ومضاف ومركب ومعطوف 3. فالمفرد: واحد واثنان للمذكر، وواحدة واثنتان للمؤنث، والعقود الثمانية، وهي: عشرون وتسعون وما بينهما، ويستعمل للمذكر والمؤنث بلفظ واحد.
والمضاف: ثلاثة وعشرة وما بينهما في التذكير، وثلاث وعشر وما بينهما في التأنيث، ومائة وتثنيتها، وألف وتثنيته وجمعه، واستعمال هذه بلفظ واحد في التذكير والتأنيث.
والمركب: أحد عشر واثنا عشر وثلاثة عشر إلى تسعة عشر في التذكير، وإحدى -

................................  عشرة واثنتا عشرة وثلاث عشرة إلى تسع عشرة في التأنيث.
والمعطوف: العقود المعطوفة على النيّف: أحد وعشرون واثنان وعشرون وثلاثة وعشرون وهكذا إلى تسعة وتسعين في التذكير، وإحدى وعشرون واثنتان وعشرون وثلاث وعشرون وهكذا إلى تسع وتسعين في التأنيث.
ثم من هذه الأنواع ما لا يذكر معه تمييز وهو المفرد الذي هو واحد واثنان تذكيرا وتأنيثا؛ وذلك لأنّ المعدود إذا اقتصر على واحده ومثناه عرف جنسه ومقداره نحو: رجل ورجلان ودرهم ودرهمان.
وهذا بخلاف الجمع فإنه إذا اقتصر معه على الاسم كرجال مثلا جهل مقداره 1. والحاصل: أنّ لفظ المفرد ولفظ المثنى يدلان على جنس المعدود وكميته فاستغني فيهما عن اسم العدد بخلاف لفظ الجمع فإنه وإن دلّ على الجنس لا يفيد الدلالة على الكمية.
وأما المفرد الذي هو عشرون وثلاثون وأخواتهما، والأنواع الثلاثة الأخر فلا بدّ لها من تمييز؛ لأنّ اسم العدد إنما يفيد الكميّة فقط فيحتاج إلى ذكر ما يفيد الجنسية، فمن ثم كان ذكر التمييز لازما، ثم مميز المفرد الذي هو ألفاظ العقود ومميز المركب ومميز المعطوف واحد منصوب فهو تمييز اصطلاحي، كما أنه تمييز لغوي، ومميز المضاف مجرور فهو تمييز لغوي لا اصطلاحي 2، لكنه مع الثلاثة فما فوقها إلى العشرة مجموع، ومع المائة فما فوقها مفرد، هذا هو أصل الباب، وقد يقع الاستعمال بخلافه فيعدّ ذلك قليلا أو ضرورة كما ستقف عليه.
إذا عرف هذا فلنرجع إلى الشرح معتمدين كلام المصنف أولا فنقول: قد تناول قوله: مفسّر ما بين عشرة ومائة واحد منصوب على التمييز: أحد عشر 3 وإحدى -

................................  عشرة وتسعة وتسعين وتسعا وتسعين وما بينهما كقوله تعالى حكاية: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً 1 وكقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن لله تسعة وتسعين اسما» 2. ودلّ قوله: واحد على أن جمعه وهو تمييز لا يجوز مطلقا.
وزعم الزمخشري في الكشاف 3 أنّ أَسْباطاً من قوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً 4 تمييز، ثم قال: فإن قلت: مميز ماعدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعا؟ وأجاب: بأن المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وأنّ كل قبيلة أسباط لا سبط، فأوقع أَسْباطاً موقع قبيلة، كما قال: 1921 - بين رماحي مالك ونهشل 5 انتهى 6. قال المصنف: فمقتضى ما ذهب إليه أن يقال: «رأيت إحدى عشرة أنعاما» إذا أريد: إحدى عشرة جماعة، كل واحدة منها أنعام، ولا بأس برأيه في هذا لو ساعده استعمال، لكن قوله: كل قبيلة أسباط لا سبط - مخالف لما يقوله أهل اللغة: إنّ السبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، فعلى هذا معنى وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ -

................................  عَشْرَةَ أَسْباطاً [3/ 104]: قطعناهم اثنتى عشرة قبائل، فأسباط واقع موقع قبائل، لا موقع قبيلة، فلا يصح كونه تمييزا، وإنما هو بدل، والتمييز محذوف 1. وأجاز بعض العلماء أن يقول القائل: «عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا».
قاصدا أنّ لكل منهم عشرين درهما.
قال المصنف 2: وهذا إذا دعت الحاجة إليه فاستعماله حسن وإن لم تستعمله العرب؛ لأنه استعمال لا يفهم معناه بغيره ولا يجمع مميز عشرين وبابه في غير هذا النوع فإن وقع موقع تمييز شيء منها جمع فهو حال أو تابع، كبني مخاض في قول ابن مسعود 3: «قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض وعشرين بني مخاض وعشرين ابنة لبون وعشرين حقّة وعشرين جذعة» 4 فـ (بني مخاض) نعت أو حال.
انتهى.
والتمييز الذي ادّعى المصنف حذفه في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً هو (فرقة) ثم إنّ المصنف لم يبيّن المبدل منه ما هو، لكن بينه الشيخ فقال 5: هو بدل من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ التقدير: وقطعناهم أسباطا، أي: قبائل، ولا يجوز أن يكون بدلا من المحذوف يعني التمييز الذي هو (فرقة)؛ لأنّ العامل إذ ذاك يكون هو العامل في المبدل منه، أو يقدّر له عامل مثله، فيلزم حينئذ ما فررنا منه 6، وكذا يقال في -

................................  قوله: فـ (بني مخاض) نعت أو حال: إنه نعت لـ (عشرين) أو حال منها، والتمييز محذوف، التقدير: وعشرين جملا بني مخاض 1. وقال أيضا 2: الجمهور لا يجيزون الجمع في التمييز المنصوب بعد العدد، وذهب الفراء إلى أنّ ذلك جائز، فتقول: «عندي أحد عشر رجالا، وقام ثلاثون رجالا».
قال: ويمكن الاستدلال له بقوله تعالى: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً 3. انتهى.
وأقول: إنني لم أتحقق ما قاله المصنف في «عندي عشرون دراهم لعشرين رجلا» وهو أنه يفهم منه أنّ لكلّ رجل عشرين درهما.
وقد نازع الشيخ في ذلك، قال 4: لأنّ المفرد في عشرين درهما واقع موقع الجمع، فكما أنّ هذا المفرد لا يدل على ذلك المعنى فكذلك هذا الجمع لا يفيده، بل لو صرح فيه بالتركيب العربي الذي لا خلاف في جوازه، وهو أن يقال: «عندي دراهم عشرون، أو عندي عشرون من الدراهم لعشرين رجلا» لم يفد ذلك أنّ عنده لكل رجل عشرين درهما.
ثم إنّ المصنف أشار بقوله: ويضاف غيره إلى مفسّره إلى المميز المجرور وهو مميز المضاف؛ لأن الضمير في (غيره) و (مفسّره) عائد على ما بين عشرة ومائة، فعلم منه تساوي المائة فما فوقها، والعشرة فما دونها في الإضافة إلى المفسّر 5. ثم ذكر أنّ المفسّر جمع أو مفرد مشيرا إلى ذلك بقوله: مجموعا مع ما بين اثنين وأحد عشر ومفردا مع مائة فصاعدا فيقال: ثلاثة أيام، وثلاث ليال، وعشرة أشهر، وعشر سنين، ومائة دينار، وألف درهم، وكذا يقال في ما أشبه ما ذكرنا.
نعم إن كان مفسر الثلاثة إلى التسعة مائة أفرد، فيقال: ثلاثمائة إلى تسعمائة بالإفراد، قال المصنف 6: والقياس يقتضي أن يقال: ثلاث مئات أو مئين، كما يقال: ثلاثة -

................................  آلاف، إلّا أنّ العرب لا تجمع المائة إذا أضيف إليها عدد إلّا قليلا، كقول الشاعر: 1922 - ثلاث مئين للملوك وفى بها... ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم 1 ومن أجل هذا الوارد بجمع قيّد إفراد (المائة) بقوله: غالبا، ثمّ أشار 2 إلى أنّ المفسّر قد يجمع مع (المائة) وقد يفرد تمييزا، أي منصوبا، منبّها بذكر (قد) مع الفعلين، على أنّ ذلك قليل، فأما الجمع فكقراءة حمزة والكسائيّ: ثلث مائة سنين 3 بإضافة (مائة) وأما الإفراد والنصب فنحو قول الربيع بن ضبع الفزاريّ 4: 1923 - إذا عاش الفتى مائتين عاما... فقد ذهب المسرّة والفتاء 5

................................  ومثله - في رواية من نصب (مائة) - قول حذيفة 1 رضي الله تعالى عنه: «فقلنا: يا رسول الله أتخاف علينا، ونحن ما بين السّتّ مائة، والسبع مائة» 2 فأجرى الألف واللّام - في تصحيح نصب المميز - مجرى النّون، من «مائتين عاما»، لاستوائهما في المنع من الإضافة، قال المصنف: وهذا يقوّي ما ذهب إليه ابن كيسان، من جواز: الألف درهما، والمائة دينارا 3، قال: ويروى «ما بين الستّ مائة، إلى السبع مائة؟» بجرّ (مائة) وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون أراد (مئات) على 4 أنه بدل، ثمّ استعمل المفرد مكان الجمع، على فهم المعنى، كما قيل في قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ 5. والثّاني: أن يجعل الألف واللام زائدين، فلم يمنعا من الإضافة، كما لم يمنعا في قول الشاعر: 1924 - تولي الضّجيع إذا تنبّه موهنا... كالأقحوان من الرشاش المستقي 6 الثالث: أن يكون أراد ما بين الستّ ستمائة، ثم حذف المضاف، وأبقى عمله، -

................................  كقراءة بعض القراء: والله يريد الآخرة، 1، أي: عرض الآخرة، فحذف المضاف، وأبقى عمله وحكى الكسائيّ أن من العرب من يضيف العشرين وأخواته إلى المفسّر منكرا أو معرّفا، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: وربّما قيل: عشرو درهم، وأربعو ثوبه 2 ومنهم [3/ 63] من ينصب مفسّر الثلاثة وأخواتها على التمييز، فيقول: لي خمسة أثوابا 3، وهو نظير قول الربيع: 1925 - إذا عاش الفتى مائتين عاما ونظيره: «ونحن ما بين الستّ مائة» بالنصب.
هذا ما ذكره المصنف 4. ثم إنّنا نشير إلى أمور.
منها: أن تسأل عن الموجب لإفراد المائة المفسرة للعدد، من ثلاثة إلى تسعة ما هو؟ فأما بعضهم فإنه علّل ذلك بأنّ المائة جمع في المعنى، ولا يخفى أنّ هذا التعليل غير متّجه، لانتقاضه بالألف، فإنّه جمع في المعنى ومع هذا لا يفسّر به إلا وهو جمع، وقد ذكر الفارسيّ كلاما حسنا فقال: «والأصل فيما يبين العدد الإفراد؛ لأنّ المعدود قد علم قدره، وإنّما يحتاج إلى بيان جنسه، والواحد كاف في ذلك، ولفظه أخفّ من لفظ الجمع» 5. -

................................  وعلى ذلك جاء الاستعمال في ضروب العدد، إلا ما كان من الثلاثة إلى العشرة، فإنه يبين بجموع القلة؛ لأنّها تشبه الآحاد، من جهة تكسيرها تكسير الآحاد، وتحقيرها على لفظها، كما تحقّر الآحاد ومن جهة أنّها توصف بها الآحاد، نحو: برمة أعشار، وثوب أخلاق 1، ومن جهة عود الضمير المفرد المذكّر عليها، نحو قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ 2، ومما حسن تبيينها بها مناسبتها لها في القلة، ومما يبيّن لك أنّ الأصل في مفسّر الثلاثة إلى العشرة، التعيين بالمفرد أنّهم قد بيّنوا ضربا منها به، وذلك قولهم: ثلاثمائة، وأربعمائة، إلى الألف 3، وقولهم: ثلاث مئين وثلاث مئات شاذّ في القياس، وإنّما يجيء في الشعر، وأما إضافة الثلاثة، وأخواتها إلى جمع الكثرة فقليل، وغيره مقيس.
اه 4. ولكن قد تقدّم قول المصنف: والقياس يقتضي أن يقال: ثلاث مئات، أو مئين.
وقال سيبويه - رحمه الله تعالى -: وأما تسعمائة، وثلاثمائة فكان ينبغي أن يكون في القياس مئين، أو مئات، ولكنّهم شبهوه بعشرين، وأحد عشر، حين جعلوا ما يبين العدد واحدا؛ لأنه اسم لعدد، وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا، والمعنى جمع 5. انتهى، وهو خلاف ما قاله الفارسيّ، وقد جمع النحاة بين القولين بأن قالوا: لنا قياسان 6: أحدهما: أصل، وهو أنّ أصل تمييز العدد أن يكون واحدا.
- - وذلك أنّ المعدود قد علم قدره بذلك العدد، وإنّما يحتاج إلى ما يبين جنسه، والواحد يكفي في ذلك ولفظه أخف من لفظ الجمع، فكان التبيين به أولى...». ينظر: التذييل والتكميل (4/ 150) تحقيق د/ الشربيني أبو طالب.

................................  والثاني: أنهم حينما خالفوا هذا الأصل، فأضافوا (ثلاثة وتسعة)، وما بينهما إلى جمع صار هذا أصلا ثانيا، فلما أضافوا إلى المائة كان القياس فيها أن تجمع، فترك هذا القياس، وأضيفت إلى لفظ مائة مفردة.
وقد ذكر عن الفراء - في إفراد المائة، بعد اسم العدد من الثلاثة إلى التسعة - تعليل غير ذلك 1، ولكنّي تركت ذكره خوف الإطالة.
ومنها: أنّه قد تقدمت الإشارة إلى أنّ مميز المائة قد يجمع، وعليه قراءة من قرأ: ثلث مائة سنين 2 وأما من قرأ بالتنوين 3 فيكون إعراب سنين عطف بيان، أو بدلا 4. وقيل: ولا يجوز كونه تفسيرا؛ لأنّه يلزم منه أن يكون أقلّ ما لبثوا تسعمائة سنة، سوى التسع 5، وكأنّ مستند هذا القائل أنّ (سنين) جمع، وهو مفسر لـ ثَلاثَ مِائَةٍ، فكأنّه يقول: كلّ مائة سنة هي جمع، وأقلّ الجمع ثلاثة، فتعين أن يكون ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ تسعمائة سنة، ولا يخفى ضعف هذا التقدير.
-

................................  ومنها: أنّ تمييز الثلاثة إلى العشرة لا يلزم ذكره مضافا إليه، بل قد يذكر بعد اسم العدد، مجرورا بـ (من) نحو: ثلاثة من الرجال، وقد يذكر تابعا لاسم العدد، نحو: ثلاثة قرشيّون، وقد نصّوا على أنّ الإتباع في نحو: ثلاثة قرشيّون - يعنون في الصّفة - أحسن من الإضافة.
وقد ذكر ابن عصفور تقسيما، فقال: المعدود إمّا صفة أو جامد، فإن كان جامدا فالأحسن فيه الإضافة، نحو: «ثلاثة رجال»، ثم الفصل بـ (من) نحو: «ثلاثة من الرّجال»، ثم النصب على التمييز، نحو: «ثلاثة رجالا»، وإن كان صفة فالأحسن فيه الإتباع، نحو: «ثلاثة قرشيّون»، ثم يليه النصب على الحال من (ثلاثة) نحو: «ثلاثة قرشيّين»، ثمّ الإضافة، نحو: «ثلاثة قرشيين»، وهذا أضعفها، وسبب ضعفه استعمال الصفة استعمال الأسماء، يعني أن العامل أولها، ولا تستعمل الصفة استعمال الأسماء بقياس 1. انتهى.
وهو كلام مقبول، غير قوله: إنّ المعدود ينصب تمييزا نحو: «ثلاثة رجالا»؛ فإنّ ذلك لا يجوز عند البصريّين، وذكر الشيخ أنّ الفراء يجيزه قياسا 2. وقد ذكر سيبويه أنّ نحو: «ثلاثة أثواب»، قد تنوّن في الشّعر وينصب ما بعده 3 ولم يجزه في الكلام 4. وأقول: إذا ورد نحو: «ثلاثة أثوابا» في الشّعر، أمكن أن يجعل (أثوابا) حالا -

[أحكام خاصة بالتمييز «المفسّر»]

قال ابن مالك: (ولا يجمع المفسّر جمع تصحيح، ولا بمثال كثرة، من غير باب مفاعل إن كثر استعمال غيرهما، إلّا قليلا، ولا يسوّغ: ثلاثة كلاب ونحوه، تأوّله بثلاث من كذا، خلافا للمبرّد، وإن كان المفسّر اسم جنس، أو جمع فصل بـ «من» وإن ندر مضافا إليه لم يقس عليه، ويغني عن تمييز العدد إضافته إلى غيره).
من (ثلاثة) على حدّ قولهم: «عليه مائة بيضا» 1 وعلى هذا لا يتجه قول ابن عصفور: ثم النصب على التمييز، نحو: ثلاثة رجالا؛ لأنّ في هذا خرم القاعدة المستقرة، من أنّ مميز الثلاثة إلى العشرة لا ينصب 2. قال ناظر الجيش: قال المصنف: لا تضاف الثلاثة وأخواتها إلى جمع تصحيح إلّا إن أهمل غيره، أو جاور [3/ 64] ما أهمل غيره فالأول نحو: سَبْعَ سَماواتٍ 3، وتِسْعِ آياتٍ 4 وخمس صلوات، والثاني نحو: وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ 5 فإنّه حقيق بأن يجيء على مثال (مفاعل)؛ لأنّه أولى مما واحده صالح له من جمع التّصحيح، كقوله تعالى: أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ 6، وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ 7، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ 8، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ 9. -

................................  وقد يؤثر ما لا يماثل (مفاعل) من أمثلة الكثرة على جمع التصحيح، دون مجاور تقصد مشاكلته، نحو: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ 1. وقد يؤثر مثال كثرة، على مثال قلة، لخروجه عن القياس، أو لقلّة استعماله، فالأول نحو: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 2، والثاني نحو: «ثلاثة شسوع».
فأوثر قُرُوءٍ على (أقراء)؛ لأنّ واحده (قرء) كـ: (فلس)، وجمع مثله على (أفعال) شاذّ 3، وأوثر (شسوع) على (أشساع) لقلّة استعماله، وإن لم يكن شاذّا؛ لأنّ واحده (شسع) وجمع مثله على (أفعال) مطرد، لكنّ أكثر العرب يستغنون في جمع (شسع) بـ (فعول) عن غيره 4، ومثل إيثار قُرُوءٍ على (أقراء)، لخروجه عن القياس، إيثار (شهداء) على (أشهاد) في قوله تعالى: لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ 5؛ لأنّ واحد شُهَداءَ إمّا (شهيد) وإمّا (شاهد) ولكلّ واحد منهما نصيب في (أفعال) كـ (شريف) و (أشراف) و (صاحب) و (أصحاب)، وكلاهما شاذّ، فعدل إلى (فعلاء) لما عدل من (أقراء) إلى قُرُوءٍ 6. قال المبرد - في المقتضب -: فإن قلت: ثلاث حمير، وخمس كلاب جاز، على أنك تريد: ثلاثة من الحمير، وخمسة من الكلاب، وجعل من ذلك ثَلاثَةَ قُرُوءٍ 7. ولو جاز هذا لم يكن معنى في الحجر بجمع القلّة؛ لأنّ كلّ جمع كثرة صالح لأن يراد به مثل هذا، فكان يقال: ثلاثة فلوس، وثلاث دور، على تقدير: ثلاثة من الفلوس، وثلاث من الدّور، وإلى هذا أشرت بقولي: ولا يسوغ ثلاثة كلاب ونحوه، تأوّله بثلاثة من كذا، خلافا للمبرّد 8. وإن فسّر عدد باسم جنس، أو باسم جمع، لم يضف إليه إلّا بسماع، -

................................  كقوله تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ 1 وكقوله - عليه الصلاة والسّلام -: «ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة» 2 وكقول العرب: «خمسة رجلة» والأصل أن يجاء بمفسّر هذا النوع مقرونا بـ (من) نحو: ثلاثة من القوم، وأربعة من الحيّ، وخمسة من الركب، وعشرة من البطّ، قال الله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ 3. ويستغني العدد عن مفسّر بإضافته إلى غيره، كقولك: اقبض عشرتك، وعشري زيد؛ لأنك لم تضفه إلّا وهو عند السامع معلوم الجنس، فاستغنى عن مفسّر والله تعالى أعلم 4. انتهى كلام المصنف.
وفي فهم المراد من قوله: ولا يجمع المفسّر إلى قوله: إلّا قليلا، قلق، وإن كان في شرحه له بعض إيضاح.
والذي تلخص لي منه 5 ومن كلام الشّيخ ما أذكره: وهو إمّا أن يوجد للمعدود جمع تصحيح فقط، فيتعيّن، نحو: سَبْعَ سَماواتٍ 6 وسَبْعَ بَقَراتٍ 7 أو يوجد معه جمع تكسير وهو من باب (مفاعل) فيؤثر جمع التكسير المذكور عليه حينئذ، كـ: سَبْعَ سَنابِلَ 8 و «ثلاث أحامد»، و «ثلاث زيانب»، والتصحيح قليل، بأن يقال: سبع سنبلات، وثلاث أحمدين، وثلاث زينبات، إلّا إن حصلت مجاورته لما أهمل فيه غير جمع التصحيح، فيؤثر - إذ ذاك - جمع -

................................  التصحيح على جمع التكسير، كـ: سَبْعَ سُنْبُلاتٍ 1 بعد سَبْعَ بَقَراتٍ (2). وإن كان جمع التكسير من غير باب (مفاعل) أوثر على جمع التّصحيح، والتصحيح قليل، كقوله تعالى: ثَمانِيَ حِجَجٍ 2 وإن لم يوجد جمع تصحيح تعيّن التكسير.
ثم إن وجد أحد الجمعين من قلة، أو كثرة تعيّن، كـ: ثلاثة رجال وثلاث أرجل، وإن وجدا معا فجمع القلة يتعين في الأكثر، وقد يوقع موقعه جمع الكثرة، وفي الأكثر لا يعدل عن جمع القلّة إلى جمع الكثرة، إلا لخروج جمع (القلّة) عن القياس، أو لقلة الاستعمال، الأول: كـ قُرُوءٍ 3، والثاني: كـ «شسوع».
ويظهر لي أنّ قول المصنف - في الشرح -: «لا تضاف الثلاثة وأخواتها إلى جمع التصحيح إلا إن أهمل غيره، أو جاور ما أهمل غيره» لا يطابق قوله - في المتن -: ولا يجمع المفسّر جمع تصحيح، ولا بمثال كثرة، من غير باب (مفاعل) إن كثر استعمال غيره، إلا قليلا؛ لأنّ هذا يفهم منه أنّ المفسر لهذه الكلمات قد يكون جمع تصحيح، مع وجود غيره، ولكنّه قليل، والظاهر أن الأمر على ما قاله في الشرح.
ثم إنّ كلام المصنف يعطي ظاهره أنّ الجمع من باب (مفاعل) تقدّم على غيره، وإن وجد غيره، مع أنّه جمع كثرة، وقد عرف أنّ جمع القلة إذا وجد كان هو المؤثر على جمع الكثرة، ومثل لذلك بـ: سنابل، وطرائق، وليال، ومساكن، فإن كانت مفردات هذه الكلمات الأربع جمعت جمع تكسير على غير هذه الصيغة - أعني (مفاعل) - تم كلام المصنف، لكن يحتاج إلى بيان الأمر المسوّغ لذلك.
وإن كانت لم تجمع بهذه الصيغة، فلا وجه لاستثناء باب (مفاعل) وتخصيصه بالذّكر؛ لأنّ الكلمة إذا لم يكن لها إلّا جمع واحد، جمع كثرة كان، أو جمع قلّة، تعيّن.
وكلام الشيخ يقتضي أنّ الجمع بصيغة (مفاعل) يؤثر على جمع التصحيح فيقال: ثلاثة أحامد، وثلاث زيانب، ويجوز التصحيح على قلّة فيقال: ثلاثة أحمدين، وثلاث زينبات 4 وهو عجب، فإنّه قال - قبل ذلك بأسطر -: إن -

................................  جمع التصحيح لا يضاف إليه، إلا إذا لم يكن لذلك المفرد جمع غير هذا الجمع 1، فتبين مناقضة كلامه الثاني لكلامه الأول.
وبعد: فهذا الموضع لم يتحصل لي من كلام هذين الرجلين ضبطه على وجه منظوم، على أنّ ما ذكرته فيه للناظر الحاذق كفاية، ولا شكّ أنّ الأمر في ذلك قريب، وقد عرف من قول المصنّف: وإن كان المفسر اسم جنس أو جمع أنّ المراد بقوله: مجموعا مع ما بين اثنين، وأحد عشر الجمع اللّغويّ، لا الجمع الاصطلاحيّ.
ويفهم من كلامه أنّ إضافة اسم العدد، إلى اسم الجنس، واسم الجمع لا تنقاس [3/ 65] وإنّما ذلك موقوف على السماع.
قال الشيخ: وهذا اتّبع فيه الأخفش 2، ثمّ ذكر أنّ في ذلك مذهبين آخرين: أحدهما: أنه ينقاس.
والثّاني: التفصيل، بين ما يستعمل من اسم الجنس للقلة، فيجوز: ثلاثة نفر، وثلاث ذود، وتسع رهط، أو يستعمل للكثير، أو للقليل والكثير، فلا يجوز.
فلا يقال: ثلاثة بشر؛ لأنّ (بشر) تكون للكثير، ولا: ثلاثة قوم؛ لأنّ (قوم) تكون للقليل والكثير، وليس كذلك: رهط، وذود، ونفر؛ لأنّها لا تكون إلّا للقليل.
انتهى.
ويبعد أن يقوم دليل على ذلك.
والذي ذكره المصنف هو المشهور المعروف، ولا ينبغي العدول عنه.
وقد قال ابن هشام 3: ولا يجوز: خمسة قوم، وثلاثة إبل، وكذلك في الأجناس، وهي أسماء مفردة، وتكسّر كما تكسّر أسماء الجموع، فقد قالوا: ذود وأذواد 4، ورطب وأرطاب، وعنب وأعناب، وطلح وطلاح 5، فصارت -

[حذف تاء الثلاثة وأخواتها]

قال ابن مالك: (فصل: تحذف تاء الثّلاثة وأخواتها إن كان واحد المعدود مؤنّث المعنى حقيقة أو مجازا، أو كان المعدود اسم جنس أو جمع مؤنثا، غير نائب عن جمع مذكّر، ولا مسبوق بوصف يدلّ على التّذكير، وربّما أوّل مذكّر بمؤنّث، ومؤنّث بمذكر، فجيء بالعدد على حسب التأويل، وإن كان في المذكور لغتان، فالحذف والإثبات سيّان، وإن كان المذكور صفة نابت عن الموصوف اعتبر غالبا حاله لا حالها).
كالمفرد، فكما لا يضاف إلى المفرد، لا ينبغي أن يضاف إلى هذه» 1. قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: الثلاثة وأخواتها أسماء جماعات، كـ: زمرة 3، وأمّة، وعصبة، وفرقة، وسربة 4، وفتية، وعشيرة، وقبيلة، وفصيلة، فالأصل أن تكون بالتاء، لتوافق الأسماء التي هي بمنزلتها.
فاستصحب الأصل مع المعدود المذكّر، لتقدّم رتبته، وحذفت التاء مع المعدود المؤنّث، لتأخّر رتبته 5، فقيل: ثلاثة أعبد، وثلاث جوار، والمعتبر من التأنيث -

................................  تأنيث المفرد 1، لا تأنيث الجمع، سواء كان كل واحد منهما حقيقة أم مجازا، فلذلك يقال: ثلاثة سجلات، وعشرة دنينيرات، بثبوت التاء؛ لأنّ مفرديهما مذكّران 2. ولا يعتبر تأنيث المفرد إذا كان علما لمذكّر، نحو: طلحة، وسلمة؛ لأنّه تأنيث لا تعلق له بالمعنى لا حقيقة ولا مجازا؛ ولذلك لا يؤنث ضميره ولا ما يشار به إليه، فيقال: ثلاثة الطلحات لقيتهم، وثلاث المسلمات لقيتهن فتثبت التاء؛ لأنّ تأنيثه لمجرد اللّفظ، ومن أجل ذلك لا يؤنّث ضميره، ولا ما يشار به إليه، كقولك: الطلحات ذهبوا، والمسلمات أتوا، ويقال في الثاني - وهو الذي يتعلق تأنيثه بالمعنى حقيقة أو مجازا -: ثلاثة الفتيات رقين عشر الدرجات 3. وإن كان مفسّر الثلاثة وأخواتها اسم جنس، أو جمع مؤنث، جيء بالمفسر مقرونا بـ (من)، وحذفت التاء من اسم العدد، إن وليه المفسر موصوفا، نحو: لي ثلاث من البط ذكور، أو غير موصوف، كـ: عندي خمس من النخل 4 فإن توسط دليل تذكير لزم إثبات التاء، نحو: لي ثلاثة ذكور من البط، وأربعة فحول من الإبل، وإلى نحو هذا أشرت بقولي: ولا مسبوق بوصف يدل على التذكير 5. والحاصل: أنّ تاء الثلاثة وأخواتها تسقط لتأنيث واحد مفسرها، لا لتأنيثه نفسه، إن كان جمعا، ولتأنيثه نفسه دون تعرّض لواحد، إن كان اسم جنس، أو جمع.
وأما قولهم: ثلاثة أشياء وثلاثة رجلة 6، ففيهما شذوذان: -

................................  أحدهما: الإضافة إلى المفسّر، وحقّه أن ينفصل مقرونا بـ (من) كسائر أسماء الأجناس. الثاني: ثبوت التّاء في عددهما، والقياس الحذف؛ لأنّ اسم الجنس، أو الجمع لا يعتبر في التأنيث والتذكير حال واحده، وإنّما يعتبر فيها حاله، ولذلك يقال: ثلاث من البطّ ذكور، وواحده بطّة ذكر، ومع ذلك لم يقل: ثلاثة بل قيل: ثلاث، وقد وجّه ثبوت التاء، في عدد أشياء، ورجلة، بأنهما نائبان عن جمع مفرديهما على (أفعال)، فإنّ واحد (أشياء) شيء كـ (فيء) فقياسه أن يساويه في جمعه، وواحد (رجلة) راجل، فكان له نصيب من الجمع على (أفعال)، كما قيل: صاحب، وأصحاب، فعدل في جمع (شيء) من (أفعال) إلى (فعلاء)، ثم قدّمت لامه على فائه، فصار في الوزن (لفعاء) 1 استصحب منع صرفه لتأنيثه، ولزم التأنيث، وثبتت التاء في عدده، كما كانت تثبت مع المنوب عنه) وهو (أفعال)، وعدل في جمع (راجل) من (أفعال) إلى (فعلة) وتثبت تاء عدده أيضا، كما كانت تثبت مع المنوب عنه، وقد يؤوّل مذكر بمؤنث، فتسقط التاء، ومؤنث بمذكّر، فتثبت التاء 2، فالأول 3 كقول الشاعر: 1926 - وإنّ كلابا هذه عشر أبطن... وأنت بريء من قبائلها العشر 4

................................  ومثله قول الآخر: 1927 - فكان مجنّي دون من كنت أتّقي... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر 1 ومثال الثّاني 2 قول الشاعر: 1928 - ثلاثة أنفس وثلاث ذود... لقد جار الزّمان على عيالي 3 ومثله 4 قول الآخر: 1929 - وقائع في مضر تسعة... وفي وائل كانت العاشرة 5 أوّل (الأبطن) بـ (القبائل)، و (الشّخوص) بـ (الجواري)، فأسقط تاءي (عشرة)، و (ثلاثة)، وأول (الأنفس) بـ (أشخاص)، والوقائع بـ (مشاهد) فأثبت التاء، وقد يكون في المذكور لغتان، فيجوز في عدده وجهان كـ (حال) -

................................  و (عضد)، و (لسان)، فإنّها تذكّر وتؤنث، فيقال - على لغة من ذكّر -: ثلاثة أحوال، وثلاثة أعضاد، وثلاثة ألسنة 1. ويكثر الوجهان في أسماء الأجناس المميز واحدها بالتاء، كبقر، ونخل، وسحاب، فيقال - على لغة من ذكّر -: لزيد ثلاثة من البقر، وثلاثة من النخل، وسقيت أرضا بثلاثة من السحاب، ويقال - على لغة من أنّث -: ثلاث، وإن كان المذكور صفة قامت مقام موصوفها اعتبر في الغالب حال موصوفها، لا حالها 2 فنقول: ثلاثة ربعات - بإثبات التاء - إذا أردت رجالا، وثلاث ربعات - بإسقاطها - إذا أردت نساء، ومن اعتبار حال الموصوف قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها 3 فلولا قصد [3/ 66] الحسنات لقيل: عشرة أمثالها؛ لأنّ واحد الأمثال مذكر.
ومن العرب من يسقط تاء العدد المضاف إلى (دوابّ) لتأنيث لفظها، مع قصد تذكير الموصوف؛ لأنّ الدابة جرت مجرى الأسماء الجامدة، فاعتبر في العدد لفظها، ومنها احترزت بقولي: اعتبر غالبا حاله، لا حالها 4. انتهى كلام المصنّف.
ولا بدّ من الإشارة إلى أمور: منها: أنّ العلة التي أشار إليها المصنف أنّها موجبة لإثبات تاء الثلاثة وأخواتها، إذا كان المعدود بها مذكرا، وحذفها إذا كان مؤنثا هي العلة المعروفة، وهي أن أسماء العدد مصحوبة بالتاء وضعا، قبل أن يذكر معها معدود بدليل أنّك تقول: ستّة ضعف ثلاثة، وأربعة نصف ثمانية فكأنّ ذكرها مصحوبة بالتاء هو الأصل، ولا شكّ أنّ المذكر هو الأصل بالنسبة إلى المؤنث، فناسب أن يكون الأصل للأصل، والفرع للفرع 5، ومن ثمّ لم يحتج المصنف إلى أن يذكر إثبات التاء في هذه الكلمات مع -

................................  المذكّر، بل قال: تحذف تاء الثلاثة وأخواتها، إن كان واحد المعدود مؤنث المعنى فأفاد ذلك أنّ ثبوت التاء في هذه الكلمات هو الأصل، وإنّما تحذف لموجب، فوجب لذلك الاقتصار على ذكره.
وقد ذكر ابن عصفور عللا أخرى؛ منها ما هو مقبول، ومنها ما هو غير مقبول 1، واختار هو علة منها، والذي اختاره يرجع - إذا حقّق الأمر فيه - إلى الذي ذكره المصنّف.
ومنها: أنّ التاء قد تحذف من هذه الكلمات، ومع كون المعدود مذكّرا، لكن إنّما يكون ذلك عند عدم ذكر المعدود معها، نبّه على ذلك ابن عصفور، وغيره، قال: حكى الكسائيّ: صمنا من شهر كذا خمسا، ولا شكّ أنّ هذا حقّ، لقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من صام رمضان، وأتبعه بستّ من شوال، فكأنما صام الدّهر» 2. ومنها: أنّ أهل بغداد لا يعتبرون واحد المعدود المضاف إليه اسم العدد، بل المعتبر عندهم لفظ ما أضيف إليه العدد، بالنسبة إلى التذكير، والتأنيث، فتقول: ثلاث حمامات، اعتبارا بلفظ الجمع، ذكر ابن عصفور ذلك عنهم 3، ولا معوّل على هذا المذهب 4. ومنها: أنّ المصنف لم يذكر ما يدل على تأنيث اسم الجمع، لتحذف التاء من اسم عدده، وكأنه وكل الأمر في ذلك إلى الأخذ عن أهل اللغة، لكنّ ابن عصفور - في المقرّب - قال: إن كان اسم الجمع لمن يعقل فحكمه حكم المذكر، وإن كان لما - - أصل العدد قبل تعليقه على معدوده أن يكون مؤنثا بالتاء نحو: ثلاثة وأربعة، ونحوهما من أسماء العدد، فإذا أردت تعليقه على معدود هو أصل وفرع، جعل الأصل للأصل فأثبتت العلامة، والفرع للفرع فأسقطت العلامة، فمن أجل هذا قلت: ثلاثة رجال، وأربع نسوة.

................................  لا يعقل فحكمه حكم المؤنث 1، وينتقض ما قاله 2 بقوله تعالى: قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ 3، فالطير لا يعقل وقد عومل معاملة المذكّر في إثبات التاء في اسم عدده 4، ثمّ قد جاء التأنيث في (قوم)، قال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ 5، مع أنّه مختصّ بالعقلاء من الرّجال، وأما اسم الجنس فمعلوم أنّ التأنيث فيه لغة الحجازيّين 6، والتذكير لغة التميميّين 7. قال ابن عصفور - في المقرب -: إلّا ألفاظا، فإنّها استعملت مذكّرة وهي: عنب، وموز، وسدر 8، وفي شرح الشّيخ: وقمح أيضا 9. ويعطي كلام المصنّف أنّ البطّ التزم تأنيثه، مع أنّ الشيخ صرّح بتأنيثه وتأنيث النخل أيضا وعلى هذا فالواجب أن يقال: اسم الجنس فيه لغتان التذكير والتأنيث، إلا ألفاظا استعملت مذكرة، وألفاظا استعملت مؤنثة 10، ولا يقتصر على استثناء المذكّر، كما فعل ابن عصفور 11. ثم الظاهر أنّ الحجازيين يستعملون (عنبا)، وما ذكر معه مذكّرات، وإن كان من لغتهم تأنيث اسم الجنس، وإلّا فلا فائدة في الاستثناء؛ وكذلك ينبغي أنّ التميميّين يستعملون البطّ والنخل مؤنثين، ولو كان لغتهم التذكير، ويبقى مدرك -

................................  ذلك السّماع 1، وإن كان الأمر كذلك فالذي اعتمده المصنف هو المعتبر، وهو أنّه قال: إن كان المعدود اسم جنس، أو مقتصرا على ذلك؛ لأنّ الأمر بالتذكير والتأنيث راجع إلى استعمال موقوف على السّماع، فوكل هو الأمر إلى ما يثبت من استعمال الكلمة بالتذكير والتأنيث في اللغة، وكأنّ الذي ذكره ابن عصفور هو الغالب، أما أنّه توقّف عنده ويلتزم فلا.
ومنها: أنّ القياس والأكثر في الاستعمال، أنّ مفسر العدد من الثلاثة إلى العشرة - إذا كان اسم جنس، أو اسم جمع - أن يجرّ بعد اسم العدد بـ (من)؛ قال الله تعالى: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ 2 وتجوز الإضافة أيضا 3، قال تعالى: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ 4 وهذا الأمر يستفاد من قول المصنف - في ثلاثة أشياء، وثلاثة رجلة - كان حقّه أن يفصل مقرونا بـ (من) كسائر أسماء الأجناس 5. ومنها: أنّ المصنف ربما توجه مناقشته في (شيء) وهو أنّه احترز بـ: غالبا من قوله: وإن كان المذكور صفة نابت عن الموصوف اعتبر غالبا حاله لا حالها من قول بعض العرب: ثلاث دوابّ - بإسقاط التاء - يعني: مرادا بالدواب الذكور.
ثم قال: لأنّ الدوابّ جرت مجرى الأسماء الجامدة فاعتبر في العدد لفظها.
فيقال له: هذا التعليل يخرج الدابة عن أن تكون صفة هنا، وإذا خرجت عن أن تكون صفة فلا يقال: إنّ حال الصفة اعتبر دون الموصوف؛ لأننا ما اعتبرنا حال الصّفة أصلا؛ لأنّ ذلك الاعتبار إنما يكون مع بقائها على الوصفية، والغرض أنّها تجري مجرى الأسماء الجامدة.
وقد قال ابن عصفور: وأما قولهم: ثلاث دوابّ ذكور، فعلى جعل الدّابة اسما 6، وهو كلام حسن.

[عطف العشرين وأخواته على النيف]

قال ابن مالك: (فصل: يعطف العشرون وأخواته على النّيّف، وهو إن قصد التعيين واحد، أو أحد، واثنان، وثلاثة، وواحدة، أو إحدى، واثنتان، وثلاث، إلى تسعة في التذكير، وتسع في التأنيث، وإن لم يقصد التّعيين فيهما فبضعة وبضع، ويستعملان أيضا دون تنييف، وتجعل العشرة مع النيّف اسما واحدا مبنيّا على الفتح، ما لم يظهر العاطف.
ولتاء الثلاثة والتّسعة، وما بينهما عند عطف عشرين وأخواتها ما لها قبل النّيّف، ولتاء العشرة في التركيب عكس ما لها قبله، ويسكّن شينها في التأنيث الحجازيّون، ويكسرها التميميّون [3/ 67] وقد تفتح، وربّما سكّن عين عشر).
قال ناظر الجيش: قال المصنف: النيّف 1 عند قصد التعيين: تسعة فما دونها، وعند عدم قصده: بضعة في التذكير، وبضع في التأنيث، ولا يقال للشّيء منها: نيّف، إلّا وبعده عشرة، أو عشرون، فيقال في تعيين المعطوف عليه: ثلاثة وعشرون رجلا، وثلاث وعشرون امرأة.
ويقال في الإبهام: بضعة وعشرون، وبضع 2 وعشرون، وبضعة عشر، وبضع عشرة، إلى: وبضعة وتسعين، وبضع وتسعين، وقد يستعمل (بضعة) و (بضع) دون تنييف 3 كقوله تعالى: وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ 4. وقد تناول قولي: وتجعل العشرة مع النيف اسما واحدا: أحد عشر، وتسعة عشر، وما بينهما، ونبهت بقولي: ما لم يظهر العاطف على أنّ ظهور العاطف مانع من البناء والتركيب ومنه قول الشّاعر: -

................................  1930 - كأنّ بها البدر ابن عشر وأربع... إذا هبوات الصّيف عنه تجلّت 1 وللنّيف المعطوف عليه عشرون وأخواته من ثبوت التاء وسقوطها ما له لو استعمل دون عطف، فيقال في الذكور: ثلاثة وعشرون، وفي الإناث ثلاث وعشرون، كما يقال عند عدم العطف: ثلاثة، وثلاث، ثم قلت: ولتاء العشرة في التركيب عكس ما لها قبله.
ثم أشرت إلى شين عشرة في التركيب، ساكنة عند الحجازيين، ومكسورة عند بني تميم 2 وعلى لغتهم قراءة بعض القراء 3: (فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) 4 وقرأ الأعمش 5: (اثنتا عشرة) بالفتح 6، وهي أشهر من قراءة من قرأ بالكسر.
وقرأ يزيد بن القعقاع 7: أحد عشر 8 بسكون العين 9، وقرأ -

................................  هبيرة 1، صاحب حفص 2، بسكون عين اثنا عشر شهرا 3 وهي أشذّ 4 من قراءة يزيد، وكلّ هذه الوجوه مشار إليها في متن الكتاب.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى، ويتعين التعرض لذكر أمور: منها: أنّ الشيخ قال: ظاهر كلام المصنف أنّ استعمال بضعة، وبضع، يكون مع المعطوف فقط، وليس كذلك 5. وهذا عجب من الشيخ، فإنّ المصنف قد قال: «وتجعل العشرة مع النّيّف اسما واحدا» وقد عرفت أنّ النيف يشمل ما قصد به التعيين، وما قصد به الإبهام، فكيف يكون ظاهر كلامه ما ذكر؟!.
ومنها: أن كلامه يقتضي أنّ البضع يطلق على ما دون الثلاثة، إنّما هو للثلاثة، إلى التسعة، قالوا: إنه اسم جمع كالنفر، وهو من البضع، الذي هو القطع، فهو بفتح الباء مصدر، وبكسرها اسم، وأما النّيّف فهو من: أناف على الشيء، إذا زاد عليه، ويطلق على الواحد، إلى التسع 6، ولا يستعمل مفردا، فلا يقال: عندي نيف، بل يقال: عندي عشرة، أو عشر، ونيّف، معينا كان أو مبهما، فيجعلان اسما واحدا مبنيّا على الفتح، كما أشار إلى ذلك المصنف، في متن الكتاب إلا إن ظهر العطف فيتعين الإعراب لانتفاء التركيب وقد أنشد المصنف: 1931 - كأنّ بها البدر... البيت مستشهدا به على مراده، فقال الشيخ: هذا التركيب الذي في الشعر مخالف لتركيب أربع عشر، بتقديم النّيف على عشر، فلا يصحّ الاستدلال به على هذا التركيب 7. -

[مذكر ما دون ثلاثة عشر ومؤنثه]

قال ابن مالك: (ويقال في مذكّر ما دون ثلاثة عشر: أحد عشر، واثنا عشر، وفي مؤنّثه: إحدى عشرة، واثنتا عشرة، وربّما قيل: وحد عشر، وواحد عشر، وواحدة عشرة.
وإعراب «اثنا»، و «اثنتا» باق لوقوع ما بعدهما موقع النّون، ولذلك لا يضافان، بخلاف أخواتهما، وقد يجرى ما أضيف منهما مجرى «بعلبك» أو «ابن عرس»، ولا يقاس على الأول خلافا للأخفش، ولا على الثاني خلافا للفراء، ولا يجوز بإجماع ثماني عشرة إلا في الشعر).
والجواب: أنّ مراد المصنف أنه إذا لم يحصل تركيب امتنع البناء، سواء كان النيف مقدما أو مؤخرا، والحقّ أنّه لا حاجة إلى قول المصنف: ما لم يظهر العاطف؛ لأنّ الإعراب في هاتين الكلمتين هو الأصل، ولا تبنيان إلا إذا جعلتا اسما واحدا، وذلك لا يتصور فيهما إلا مع التركيب، وحرف العطف لا تركيب معه، فإذا فقد التركيب امتنع البناء، لزوال موجبه؛ وعادت الكلمتان إلى أصلهما من الإعراب.
ومنها: أنّ التميميين يكسرون شين العشرة في التأنيث حال تركيبها مع النيف كما تقدّم 1. فقال الشيخ: وكان القياس في لغتهم أن لا تكسر، وأنّ لغتهم أن يقولوا في (كبد): (كبد)، وفي (علم): علم، فإذا كانوا قد سكّنوا ما الكسر فيه أصل الوضع، فكان ينبغي أن لا يكسروا ما أصل الوضع فيه الفتح.
ثم قال: لكنه لما غير الحجازيّون شينها في التركيب، من الفتح إلى السكون، غيرت ذلك تميم إلى الكسر.
انتهى.
وفي هذا التعليل نظر، وكيف جعل ما ينطق به العربيّ بلغته التي جبل عليها إنّما قصد به مخالفة لغة قوم آخرين؟!.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: أصل أحد عشر، وإحدى عشرة: -

................................  وحد عشر، ووحدى عشرة، فأبدلت واوهما همزة على غير قياس، ومن العرب من يقول: وحدة عشر، وواحد عشر، وواحدة عشرة 1 وبني عجز هذا المركب لتضمّنه معنى الواو، وبني صدره؛ لوقوع العجز منه موقع النّون، ولوقوع العجز منهما موقع النّون لم يضافا، كما لا يضاف ما فيه النون بخلاف أخواتها 2، فيقال: أحد عشرك، ولا يقال: اثنا عشرك، واستثقل اجتماع علامتي تأنيث في ثلاثة عشر، ونحوه؛ لأنهما بلفظ واحد، ولمعنى واحد فإنّ مدلول تاء (ثلاثة) و (عشرة)، تذكير المعدود فاتّحدا لفظا ومعنى، فكره اجتماعهما في شيئين كشيء واحد بخلاف إحدى عشرة، فإنّ علامتيه مختلفتا اللفظ والمعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأنّ الألف في (إحدى) دالة على التأنيث، وتاء (عشرة) دالة على التذكير، وكذا (واحدة) و (عشرة)، فإن علامتيه وإن اتحدتا لفظا فقد اختلفتا معنى؛ لأنّ مدلول تاء (واحدة) تأنيث، ومدلول تاء (عشرة) تذكير [3/ 68] فلم يكن اجتماعهما كاجتماع تاءي (ثلاثة عشرة) والأجود فيما أضيف من هذا التركيب أن يبقى مبنيّا، كما بقي مع دخول الألف واللام عليه، لاستواء الإضافة، والألف واللّام، في الاختصاص بالأسماء، فيقال: أحد عشرك مع أحد عشر زيد، بالبناء، كما يقال: الأحد عشر مع الأحد عشر؛ لأنّ العرب يجمعون على بقاء البناء مع الألف واللّام.
وحكى سيبويه عن بعض العرب إعراب المضاف، مع بقاء التركيب، كقولك: أحد عشرك مع أحد عشر زيد، وهي لغة ضعيفة عند سيبويه 3، فيبقى الصدر -

................................  مفتوحا، ويعرب آخر العجز، كما تفعل بـ (بعلبك) إذا دعت الحاجة إلى إضافته، والقياس على هذا الوجه جائز عند الأخفش 1 واستحسنه، ولا وجه لهذا الاستحسان، فإن المبنيّ قد يضاف، نحو: كم رجل عندك، ومِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 2 ورأيت أيهم في الدار، ولا تخرجه الإضافة إلى الإعراب.
وأجاز الفراء إذا دعت حاجة إلى إضافة العدد المركّب إضافة صدره إلى عجزه، مزيلا بناءهما، وحكى أنّه سمع عن أبي فقعس الأسدي 3 وأبي الهيثم العقيليّ: ما فعلت خمسة عشرك، وإلى هذين الوجهين أشرت بقولي: وقد يجرى ما أضيف منها مجرى (بعلبك) أو (ابن عرس) 4. وقد يضاف - في الشّعر - الصدر إلى العجز، دون إضافة 5 كقول القائل: 1932 - كلّف من عنائه وشقوته... بنت ثماني عشرة من حجّته 6

    • فلا تغير، ومن العرب من يقول: «خمسة عشرك» وهي لغة رديئة».
      اه.
      واعترض المراديّ على ذلك حيث قال - في توضيح المقاصد والمسالك (4/ 316) -: «قال بعضهم: وهي لغة ضعيفة عند سيبويه، وإذا ثبت كونها لغة لم يمتنع القياس عليها وإن كانت ضعيفة».

................................  وهذا مخصوص بالشّعر بلا خلاف.
انتهى كلام المصنّف رحمه الله تعالى، ونتبعه بذكر أمور: منها: أنّ ابن عصفور - لما ذكر العدد المركب - قال: والنيّف مبنيّ مع العقد لتضمّنه معنى الحرف، فإذا قلت: خمسة عشر، فكأنك قلت: خمسة وعشرة، فلمّا تضمّنت معنى الحرف بنيت، إلا اثني عشر، فإنّه معرب.
وإنّما أعرب؛ لأنه اسم مبنيّ، والأسماء المبنية لم توجد مبنية بعد العوامل في موضع أصلا، وإنّما بني (عشر)؛ لأنّه وقع موقع النّون 1، وظاهر كلامه أنّ العلة في بناء الصدر والعجز واحدة، وهي تضمن معنى الحرف.
انتهى 2. ومن ثمّ قال الشيخ - لما ذكر كلام المصنّف 3 -: وهذا مخالف لكلام أصحابنا، فإنهم يقولون: بني الاثنان لتضمنهما معنى حرف العطف.
قال: والعطف هو نسبة بين المعطوف عليه والمعطوف، فلا يمكن أن يوجد العطف إلا بوجودهما.
انتهى 4، وفي ذلك نظر فإنّ الحرف إنما يضمّن معناه من الأسماء ما هو محتاج إليه، ولا شكّ أنّ الصدر ليس به احتياج إلى أن يعطف عليه غيره، وإنّما الذي يحتاج إلى العطف العقد، وذلك أنّ المتكلّم بنحو: - - والشاهد في: «ثماني عشرة» حيث أضاف صدره إلى عجزه، فهو شاهد على تجويز الكوفيين إضافة النيف إلى العشرة، وأجيب بأنه ضرورة.
والبيت من شواهد العيني، قال: الاستشهاد فيه في قوله: ثماني عشرة، حيث أضاف صدره إلى عجزه، بدون إضافة (عشرة) إلى شيء آخر، وهذا لا يجوز بالإجماع إلا في ضرورة الشعر، وادّعى ابن مالك الإجماع فيه، وهذه الدعوى ليست بصحيحة، وأنّ غيره حكى عن الكوفيّين أنهم أجازوا ذلك، مطلقا في الشّعر وغيره.
وينظر الشاهد أيضا في: الإنصاف (1/ 194)، والهمع (2/ 149)، والأشموني (4/ 72)، والدرر (2/ 240)، وشرح المرادي على الألفية (4 / 317).

................................  خمسة عشر، أراد بعد قوله: (خمسة) أن يذكر (عشر) منضمة إليها، ليفيد مقصوده، وكان سبيله أن يعطف (عشر) فلما عدل عن العطف، وركّب العقد مع النيّف، وكأنّ العقد هو الذي تضمن معنى الحرف كما قال المصنف.
ثم مقتضى ما ذكره ابن عصفور، ورضيه الشيخ أن لا يبنى العقد من اثني عشر، لأن إعراب أحد الجزءين يقتضي انتفاء علة البناء، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم المعلول بها، وقول ابن عصفور: وإنّه إنما يبنى، لوقوعه موقع النّون، من اثنين غير ظاهر؛ لأنّ مقتضى ذلك أن يبنى (زيد) من قولنا: غلاما زيد، لوقوعه موقع النّون.
وبعد، فالحقّ ما قاله المصنف، من أنّ عجز المركب يبنى لتضمّنه معنى الواو، وأنّ الصدر يبنى لوقوع العجز منه موقع تاء التأنيث، في (ثلاث عشرة) وأخواته، ولشبهه بما هو كذلك في البواقي.
وكذلك ما قال أيضا، من أنّ صدر (اثني عشر) و (اثنتي عشرة) أعربا لوقوع العجز منهما موقع النّون، وما قبل النّون محلّ إعراب، لا بناء.
واعلم أنّ الشيخ نقل أنّ ابن درستويه، وابن كيسان ذهبا إلى أنّ الصدر، من (اثني عشر) و (اثنتي عشرة) كصدر أخواتهما من المركّب، ولا يخفى أنّ هذا شيء لا يعول عليه والواجب ألا يسطر مثل ذلك في الكتب، ولكنّ الشيخ - رحمه الله تعالى - مولع بذكر الخلاف، سواء كان قول المخالف مقبولا، أم غير مقبول، ولا ينبغي شغل الأذهان بمثل هذه الأقوال الواهية المناقضة للقواعد 1. ومنها: أنّه قد استفيد من كلام المصنّف، حيث قال: «إنّ ألف إحدى دلت على التأنيث، وتاء (عشرة) دالة على التذكير 2، إذا قلنا (إحدى عشرة) فلم يمنع اجتماعهما أنّ هذا بعينه يقال في (اثنتي عشرة) وهو التاء في النيّف، لتأنيث المعدود، وفي (عشرة) هي تاء تذكير، ونحا ابن عصفور في هذه المسألة إلى -

................................  جواب آخر، وهو أنّ التاء في (اثنتا) للإلحاق، وليست للتأنيث 1، قال: والدليل على ذلك أنّ علامة التأنيث، لا يكون قبلها إلا متحرك، وهذه قبلها ساكن (2). ومنها: أنّ المصنف قال: إنّ الأجود فيما أضيف من المركّب أن يبقى مبنيّا 2. وذكر أنّ سيبويه حكى عن بعض العرب إعراب المضاف، مع بقاء التركيب يعني إعراب المركّب الذي قد أضيف إلى صاحبه، لا المركب دون إضافة، ففهم منه أنّ الإعراب ضعيف، وأما ابن عصفور؛ فإنّ كلامه في المقرّب وشرح الجمل يفهم منه التسوية بين الإعراب والبناء 3. لكن نقل الشيخ عنه أنّه اختار الوجه الذي ذكره سيبويه، وحكى عن العرب، الإعراب، وقال: إنّه بدأ به، ورجّحه، فقال: الأفصح أن يعرب الاسم الثّاني، ويبقى على بنائه، ثمّ ذكر الوجه الآخر، وهو بقاؤهما على البناء.
قال: وهو ضعيف.
انتهى 4. وأما الوجه الذي جنح إليه الفراء - وهو إضافة النيّف، إلى العقد، والعقد إلى الاسم - فقال ابن عصفور: وهذا باطل؛ لأنّه لم يسمع من كلامهم 5. وقد تقدم قول المصنف [3/ 69] أنّ الفراء سمع من ابن أبي فقعس، وأبي الهيثم: «ما فعلت خمسة عشرك؟».
ومنها: أنّ الشيخ ردّ على المصنّف دعوى الإجماع على منع إضافة الصدر إلى -

[ياء الثماني في التركيب والإفراد]

قال ابن مالك: (وياء الثّماني في التّركيب مفتوحة أو ساكنة، أو محذوفة، بعد كسرة أو فتحة، وقد تحذف في الإفراد، ويجعل الإعراب في متلوّها، وقد يفعل ذلك برباع، وشناح، وجوار وشبهها).  العجز، دون إضافة العدد إلى شيء، إلا في الشّعر، فقال: «المنقول عن الكوفيّين أنهم يجيزون ذلك مطلقا يعني وجدت الإضافة، أو لم توجد». انتهى. والنقول لا تدفع، ولكن ما أعلم أي معنى يستفاد من قول القائل: هذه خمسة عشر، فإنّ المحكوم عليه إنّما هو المضاف دون المضاف إليه، وكذلك المحكوم به؛ وليس مراد القائل بقوله: (هذه خمسة عشر) إلا الحكم على الاسم المشار به، بأنه خمسة وعشرة، لا خمسة من عشرة، ولا خمسة العشرة، وإذا كان كذلك فكيف يقبل قول من أجاز ذلك، ويردّ به على من خالفه، بل الواجب ألّا يقبل ذلك القول أصلا، وإذا لم يكن مقبولا لم يكن مبطلا للإجماع 1. قال ناظر الجيش: قال المصنف: يقال في تركيب ثمانية وعشرة: ثمانية عشر، في التذكير، وثماني عشرة في التأنيث، بفتح الياء 2، وثماني عشرة، بسكونها، وثمان عشرة، بحذفها، وبقاء الكسرة دالة عليها، وثمان عشرة، بحذفها لفظا، ونية، ومن العرب من يفعل ذلك في الإفراد، ويحرّك النّون بحركات الإعراب 3، ومن ذلك قول 4 الراجز: 1933 - لها ثنايا أربع حسان... وأربع فثغرها ثمان 5

................................  ومثل قوله - في ثماني -: ثمان قول بعض العرب: رباع، في الرباعي، من الحيوان، وهو ما فوق الثني، ومثله: شناح، في الشّناحي، وهو الطويل، ومثله قراءة بعض السّلف: ومن فوقهم غواش 1 بضم الشين، وروي أنّ عبد الله بن مسعود 2 رضي الله تعالى عنه قرأ: وله الجوار المنشئآت 3، بضم الراء.
وكل هذا أشار إليه في متن الكتاب.
انتهى.
قال الشيخ: الياء في (ثماني) زائدة، وهو اسم جرى في الإعراب مجرى المنقوص، تقول: جاءني ثمان، ورأيت ثمانيا، ومررت بثمان 4. قال: كذلك الياء في (رباعي) و (شناحي) 5 زائدة أيضا، وكونها زائدة هو المسوّغ لحذفها، وأما الياء في (جوار) فأصلية، ثم قال: وفتح الياء في (ثماني عشرة) هو الوجه؛ لأنه لما ركّب الاثنان فتحا، والياء قابلة للفتحة إعرابا، فكذلك تقبلها بناء، - - والشاهد فيه: قوله: «ثمان»؛ حيث إنه قد حذفت الياء من (ثماني) في الإفراد، وجعل الإعراب على النون، وأنكر الحريري في درة الغواص (ص 164) حذف هذه الياء، وينظر هذا الشاهد في التذييل والتكميل (4/ 239)، وشرح التسهيل لابن مالك (2/ 403) والأشموني (4/ 72).

[استعمال «أحد» استعمال «واحد»]

قال ابن مالك: (وقد يستعمل «أحد» استعمال «واحد» في غير تنييف، وقد يغني بعد نفي أو استفهام عن قوم، أو نسوة، وتعريفه - حينئذ - نادر، ولا تستعمل «إحدى» في تنييف وغيره دون إضافة؛ وقد يقال لما يستعظم مما لا نظير له: هو أحد الأحدين وإحدى الإحد).
وسكونها كسكونها في (معديكرب) حالة البناء.
وسكونها في (معديكرب) لشبهها بياء (دردبيس) 1؛ إذ (معديكرب) جعل اسما لواحد، كما أنّ (دردبيس) كذلك.
وأما حذفها فلأنّها زائدة وأبقيت الكسرة قبلها للدّلالة على المحذوف.
وأما فتحها فيظهر أنّ ذلك على لغة من حذف الياء في الإفراد، قبل أن تركّب في العدد، فلما ركبت بنيت على الفتحة، كما أنّها في الإفراد - في هذه اللغة - تعرب حالة النصب بالفتحة.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 2: قد يستعمل (أحد) استعمال (واحد) في غير تنييف، من ذلك قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ 3، ومنه قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 4، ومنه قول الشاعر: 1934 - وقد ظهرت، فما تخفى على أحد... إلّا على أحد لا يعرف القمرا 5 أراد: إلّا على واحد لا يعرف القمر، ومثله قول الآخر: -

................................  1935 - إذا ناقة شدّت برحل ونمرق... إلى أحد بعدي فضلّ ضلالها 1 وقد يغني (أحد) - بعد نفي أو استفهام - عن قوم، ونسوة فإغناؤه - بعد نفي - عن قوم، قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 2، وإغناؤه - بعد استفهام - عن قوم ما جاء في الحديث، من قول أبي عبيدة 3 رضي الله عنه: «يا رسول الله: أحد خير منّا؟» أصله: أأحد خير منّا؟ 4 فحذف همزة الاستفهام، وأوقع (أحد) موقع (قوم). وإغناؤه عن نسوة كقوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ 5. وحقّه - إذا أغنى عن قوم أو نسوة - أن يكون نكرة، وشذّ تعريفه في قول الشاعر: 1936 - وليس يظلمني في أمر غانية... إلّا كعمرو، وما عمرو من الأحد 6

................................  قال اللّحيانيّ 1: قالوا ما أنت من الأحد: أي من الناس 2 وأنشد هذا البيت.
ويقال للموصوف بعدم النظير: هو أحد الأحد، وإحدى الإحد، أي: الدّواهي المقول لكلّ واحدة منها: لا نظير لها.
قال الراجز: 1937 - حتّى استثاروا بي إحدى الإحد... ليثا هزبرا ذا سلاح معتد 3 انتهى ما ذكره المصنّف.
فأمّا قوله: إنّ (أحدا) قد يستعمل استعمال (واحد) في غير تنييف؛ فحق وأمّا قوله: إنّه يغني - بعد نفي أو استفهام - عن قوم ونسوة؛ فيحتاج إلى تحقيق ذاك، فيما استشهد به على هذه الدّعوى، فتقول: أمّا (أحد) في قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 4 فالظاهر، بل المتعين أنّه ليس هذا، بل الذي يختصّ في استعماله بالنّفي، مقصودا به عموم النفي 5، كقوله تعالى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً 6، فالمعنى المستفاد من قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 7 نظير المعنى المستفاد من قولك: ما رأيت منكم أحدا.
-

................................  لا يقال: الذي يدلّ على أنّ (أحد) في هذه الآية الشريفة بمعنى (قوم) مجيء المخبر عنه جمعا؛ لأنّا نقول: لمّا كان (أحد) دالّا على العموم كان جمعا في المعنى، فجاز مجيء خبره جمعا، بهذا الاعتبار، ويؤيد ذلك قوله تعالى: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ 1؛ لأنّ (بين) لا تضاف إلّا إلى متعدّد، فلولا ملاحظة تعدّده معنى لم يجز إضافة (بين) إليه.
وكذلك تقول في الآية الشريفة التي هي: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ 2 [3/ 70] إنّ (أحدا) - فيها - المراد به العموم، لوقوعه في سياق النّفي، والمعنى: ليست واحدة منكنّ كأحد من النساء، وليس المعنى لستنّ كنسوة، إذ لا فائدة في الإخبار بذلك، والمراد إنما هو تفضيل نساء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم - لشرفهنّ - على كلّ من النساء، وغيرهنّ.
وأمّا قول أبي عبيدة: «أحد خير؟» فإمّا أن يكون المراد بهذا الاستفهام النفي، وهو الظاهر، فأحد للعموم، كما هي في الآيتين الشريفتين المذكورتين 3. وإما أن يكون الاستفهام هو المراد، فلا يكون (أحد) للعموم، ويتعين أن يكون (أحد) هو المستعمل في العدد، وحينئذ يتعين أن يكون المراد: هل قوم من الأقوام خير منّا؟ لأنّ القطع حاصل بأنّه لا يجوز أن يكون التقدير: هل واحد من الناس خير منّا؟ إذ ذلك غير مراد جزما.
وقد نازع الشيخ المصنّف فيما ادّعاه، وقال: إنّ الذي ادّعاه ليس بصحيح 4 وأجاب عما استشهد به بما توقّف عليه من كلامه.
-

................................  وأمّا قوله: وتعريفه - حينئذ - نادر أي حين يغني عن قوم، أو نسوة، واستشهاده بقول الشاعر: 1938 - وليس يظلمني في أمر غانية... إلّا كعمرو وما عمرو من الأحد 1 فغير ظاهر، فإنّ (أحد) المعرّف في البيت هو (أحد) المختصّ بالنّفي، الدالّ على العموم، وليس بمعنى (قوم) ولا (نسوة) ولا شكّ أنّ (أحدا) المختصّ بالنفي لازم التنكير، ليفيد العموم، فكان الواجب أن يؤخّر قوله: وتعريفه نادر إلى أن يذكر (أحدا) ذاك، أعني الدالّ على العموم، مع النّفي. وأمّا قوله: ولا تستعمل إحدى في تنييف وغيره دون إضافة فإنّ المصنف لم يتعرض إلى شرحه، قال الشيخ: «وبعضه وهم؛ لأنّ (إحدى) تستعمل في تنييف دون إضافة، فإنك تقول: إحدى وعشرون امرأة، وإحدى عشرة جارية، قال: وإصلاح ذلك أن تقول: ولا تستعمل (إحدى) في غير تنييف، دون إضافة، فإنه حكم صحيح، قال الله تعالى: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ 2، أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى 3، قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ 4، قال: «ولها شرط في الإضافة، وهو: أنّها لا تضاف إلى العلم 5. وأمّا قول النّابغة 6: 1939 - إحدى بليّ وما هام الفؤاد بها... إلا السّفاه، وإلا ذكرة حلما 7

جارٍ التحميل