الباب السادس باب المعرفة والنّكرة
[أنواع المعرفة]
قال ابن مالك: (الاسم معرفة ونكرة؛ فالمعرفة مضمر وعلم ومشار به ومنادى وموصول ومضاف وذو أداة).
قال ناظر الجيش: لم يحدّ المصنف المعرفة واستغنى عن ذكرها بذكر أنواعها، ولا النكرة؛ لأنه لما حصل أنواع المعرفة بالعد بين أن النكرة ما عدا ذلك، والحامل له على ترك ذكر الحد ما ذكره في الشرح، وهو أنه قال 1:
«من تعرض لحد المعرفة عجز عن الوصول إليه [1/ 124] دون استدراك عليه؛ لأن من الأسماء ما هو معرفة معنى، نكرة لفظا، وما هو نكرة معنى، معرفة لفظا، وما هو في استعمالهم على وجهين:
فالأول: نحو قولهم: كان ذلك عاما أوّل وأوّل من أمس، فإن مدلول كل واحد منهما معين لا شياع فيه؛ ولكنهما لم
يستعملا إلا نكرتين.
والثاني: نحو قولهم للأسد: أسامة، فإنه يجري في اللفظ مجرى حمزة في منع الصرف والاستغناء عن الإضافة، والألف واللام، وفي وصفه بالمعرفة دون النكرة، واستحسان مجيئه مبتدأ وصاحب حال، وهو في الشياع كأسد.
والثالث 2: كواحد أمّه، وعبد بطنه؛ فإن أكثر العرب يجعلهما معرفتين بمقتضى الإضافة، وبعض العرب يجعلهما نكرتين ويدخل عليهما ربّ وينصبهما على الحال، ذكر ذلك أبو علي.
ومثلهما في إعطاء حكم المعرفة تارة وحكم النكرة أخرى - ذو الألف واللام الجنسيتين؛ فإنه من قبيل اللفظ معرفة، ومن قبيل المعنى لشياعه نكرة؛ فلذلك يجوز أن يوصف بمعرفة اعتبارا بلفظه وهو الأكثر، ويجوز أن يوصف بنكرة اعتبارا بمعناه نحو:
مررت بالرجل خير منك.
وعلى ذلك حمل المحققون قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ -
الجزء: 1 - الصفحة: 429
................................
نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ 3 فجعلوا نسلخ صفة لليل، والجمل لا يوصف بها إلا النكرات.
وإذا ثبت كون الاسم معرفة بهذه المثابة، فأحسن ما يبين به ذكر أقسامه مستقصاة.
ثم يقال: وما سوى ذلك فهو نكرة» انتهى 4.
وناقشه الشيخ فيما ذكره فقال:
«أما قوله إن عاما أوّل، وأوّل من أمس في التركيب الذي أشار إليه مدلولهما معين لا شياع فيه بوجه، ولم يستعملا إلا نكرتين، ففرق بين الوضع والاستعمال.
أما لفظ عام فلا شك في أنه نكرة ومدلوله شائع 5 في جنسه كرجل؛ وإنما اكتسب التعيين عند السامع باستعماله عند صفته للعام الذي كان قبل عامك.
وكذلك أول من أمس معناه: يوما أول من أمس فحذف يوما وقامت صفته مقامه ومدلول يوم شائع في جنسه؛ ولما وصفته بأول وعنيت عاما أول من عامك، ويوما أول من يومك - اكتسب بالاستعمال والوصف انطلاقه على العام الذي يلي عامك، واليوم الذي يلي يومك 6.
ولا شك أنه يعرض للنكرات أن تعيين المراد ببعض أفرادها لقرينة لفظية أو حالية» انتهى 7.
والذي ذكره الشيخ حق؛ ولا شك أن بين الوضع والاستعمال فرقا واضحا؛ فلا يلزم من التعيين في الاستعمال التعيين في الوضع 8.
ثم قال الشيخ: «وأما قولهم للأسد أسامة ونحو ذلك، فقد يطلق عليه أنه معرفة على طريق المجاز؛ إذ لا يخالف في معناه دلالة أسد؛ إنما يخالفه في أحكام لفظية» انتهى 9. -
الجزء: 1 - الصفحة: 430
................................
قلت: ويؤيد ما ذكره الشيخ قول المصنف في ألفيته:
(ووضعوا لبعض الأجناس علم... كعلم الأشخاص لفظا وهو عم)
ثم قال الشيخ: «وأما قوله يعني [1/ 125] المصنف: كواحد أمّه وعبد بطنه، فهذا له اعتبارات كما ذكر، لا يدخل أحد الاعتبارين على الآخر.
ومن تأول واحد أمه بمنفرد أمه، وعبد بطنه بخادم بطنه، اعتقد تنكيرهما لتأولهما باسم الفاعل، ومن لم يتأولهما باسم الفاعل أقرهما على التعريف بالإضافة، وهذا لا يبعد نظيره في اللفظ الواحد باعتبار تأويلين.
ألا ترى أن مثلك نكرة عند أكثر العرب، ومعرفة عند بعضهم؟» انتهى 10.
والذي ذكره الشيخ من الاعتبارين صحيح.
ثم قال: وأما قوله: ومثلهما ذو الألف واللام الجنسيتين - فلا يقوم دليل على أن الذي هي فيه نكرة، ولا يقوم دليل
على أنها تنعت بالنكرة.
وأما قولهم: مررت بالرجل خير منك، فيحتمل أن تكون اللام زائدة، أو يكون (خير منك) بدلا لا وصفا.
وأما قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ 11 فنسلخ جملة حالية لا نعت.
انتهى 12.
قلت: وقد قال المصنف في باب المعرف بالأداة: «والبدليّة في نحو: ما يحسن بالرّجل خير منك - أولى من النّعت والزّيادة» 13.
وإذ قد عرفت هذا فلنذكر حدي المعرفة والنكرة، وأحسن ما قيل إن المعرفة: هي ما وضع لشيء بعينه، فما وضع لشيء: يشمل المعرفة والنكرة.
وبعينه: يخرج النكرة، ولا يعني بالتعريف أن يكون المدلول معينا للمخاطب حتى لا يلتبس بغيره، وإنما يعني به أن يكون اللفظ موضوعا لمعين، على خلاف وضع النكرات في كونها موضوعة لواحد لا بعينه من آحاد مشتركة في معنى كلي.
وإن النكرة: هي ما وضع لشيء لا بعينه، أي لواحد شائع في أمته لا يخصّ -
الجزء: 1 - الصفحة: 431
................................
واحدا دون آخر باعتبار الوضع وبخلاف المعرفة.
وفي كلام المصنف إشارة إلى شيء من هذا، حيث قال في الكافية الشافية:
ما شاع في جنس كعبد نكرة... وغيره معرفة كعنترة 14
والمراد بالمنادى في كلام المصنف: النكرة المقبل عليها؛ لأن النكرة غير المقبل عليها باقية على التنكير، والعلم باق في النداء على تعريف العلمية، خلافا لمن ادعى أنه ينكر ثم يعرف بالنداء.
والمراد بالمضاف: ما أضيف إلى معرفة إضافة معنوية لا لفظية؛ وإنما سكت عن تبيين ذلك لوضوحه.
وعند المصنف: أن أقسام المعرفة سبعة كما ذكرها.
وأكثرهم يذكرون أنها خمسة أقسام؛ لأنهم لا يعدون المنادى والموصول، ومنهم من يغفل المنادى خاصة فيكون الأقسام عنده ستة، لكن يعدها خمسة؛ لأنه يجعل منها قسما هو المبهم، ويعبر به عن اسم الإشارة والموصول.
والسبب في أن منهم من يعد المنادى والموصول، ومنهم من لا يعدهما، أو لا يعد أحدهما: أنهم اختلفوا في الموجب لتعريفهما.
وأما المنادى: فقيل: إنه معرفة بألف ولام محذوفتين.
وناب حرف النداء منابهما؛ فهو من قبيل ما عرف باللام.
قال الشيخ: «وهو الّذي صحّحه أصحابنا» 15.
وقيل: إنه معرفة بالإقبال عليه والقصد والخطاب، فهو قسم برأسه.
قال المصنف: «قال قوم: تعريفه بحرف [1/ 126] حذف لفظا وبقي معنى، كما بقي معنى الإضافة في نحو: وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ 16.
وقال قوم: بل تعريفه بالمواجهة والإشارة إليه، وهذا المعنى مفهوم من ظاهر قول سيبويه، وهو أظهر وأبعد من التكلف» انتهى 17. -
الجزء: 1 - الصفحة: 432
[ترتيب المعارف]
قال ابن مالك: (وأعرفها ضمير المتكلم، ثمّ ضمير المخاطب، ثمّ العلم، ثمّ ضمير الغائب السّالم عن إبهام، ثمّ المشار به، والمنادى، ثمّ الموصول وذو الأداة؛ والمضاف بحسب المضاف إليه).
وأما الموصول: فذهب الأخفش 18 إلى أنه معرف باللام، وما ليس فيه لام كمن وما، فهو في معنى ما هي فيه، وأما أيهم فإنه معرف بالإضافة، وعلى هذا الأكثرون من النحاة؛ فالموصول على هذا من قبيل المعرف باللام أيضا.
وذهب الفارسي 19 إلى أن تعريفه بالعهد الذي في الصلة؛ وهذا هو رأي المصنف، ولذا عده قسما برأسه.
وقد رد هذا المذهب بأن الصلة تتنزل من الموصول منزلة الجزء، فكما أن جزء الشيء لا يعرف الشيء، كذلك ما نزل منزلته.
وفي هذا الرد نظر لا يخفى 20.
قال ناظر الجيش: اعلم أن معنى كون بعض المعارف أعرف من الآخر، أن يكون أقل اشتراكا من الذي أعرف منه، فيكون تطرق الاحتمال إلى الأعرف أقل من تطرقه إلى غير الأعرف، وعلى هذا يندفع ما ذكر عن ابن حزم الظاهري 21 - - الكتاب: (2/ 5 - 8). وقد أسقط أبو حيان العبارة السابقة من شرحه؛ فدل ذلك على دقته؛ لكن شارحنا ذكرها تبعا لابن مالك.
عفا الله عن الجميع.
الجزء: 1 - الصفحة: 433
................................
رحمه الله تعالى، من أن المعارف كلها مستوية الرتبة، فلا يصح أن يقال: هذا أعرف من هذا؛ لأن المعرفة لا تتفاضل.
ولا يصح أن يقال: عرفت هذا أكثر من هذا؛ لأنه يكون في حق المرجوح المعرفة جهلا؛ فالذي أشار إليه ابن حزم وإن كان صحيحا في نفسه هو غير ما أراده أهل الصناعة النحوية 22.
ثم إن المنادى والموصول لم يخصا بالذكر عند التعرض لذكر التفاضل بين المعارف:
أما على رأي من لا يعدهما قسمين برأسيهما فظاهر، وأما على رأي من يعدهما كالمصنف، فلأنه جعل المنادى في رتبة المشار إليه، والموصول في رتبة ذي الأداة؛ فعلى هذا إنما يذكر التفاضل بين الخمسة الباقية وهي:
المضمر، والعلم، والمشار به، وذو الأداة 23، والمضاف إلى أحدهما.
واعلم أنه ما من شيء من المعارف المذكورة إلا قيل إنه أعرف من بقيتها إلا المضاف.
وسببه أن المضاف إنما يكتسب التعريف من الذي أضيف إليه، فلا يمكن جعله أعرف مما اكتسب منه التعريف.
إذا تقرر هذا: فقيل: المضمر أعرفها، وعلى ذلك الجمهور وهو مذهب سيبويه، وقيل: العلم أعرفها، وعزي إلى الكوفيين والصيمري 24، وقيل: اسم الإشارة أعرفها، ونسب إلى ابن السراج، وقيل: المعرف بأل أعرفها.
والأصح: أن الضمير أعرفها، ثم يليه العلم، ثم اسم الإشارة، ثم ذو الأداة، وهذا هو الذي أورده المصنف.
وقد تقدم أن المنادى في رتبة المشار به؛ وأن الموصول - - والمؤلفين والعلماء.
من مؤلفاته: طوق الحمامة في الأدب، وجمهرة الأنساب في التراجم، وغير ذلك من الكتب، وتوفي سنة (456 هـ)، ترجمته في الأعلام (5/ 59).
الجزء: 1 - الصفحة: 434
................................
في رتبة ذي الأداة 25.
وأما المضاف إلى أحدها ففيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن ما أضيف إلى شيء فهو في رتبة ذلك الشيء، وهو رأي جماعة منهم المصنف.
الثاني: أن ما أضيف [1/ 127] إلى شيء فهو دون ما أضيف إليه في الرتبة وهو قول المبرد.
الثالث: التفصيل وهو إن أضيف إلى غير المضمر فهو في رتبته، وإن أضيف إلى المضمر فهو في رتبة العلم 27.
وذكر ابن عصفور 28 أنه مذهب سيبويه.
واختار الشيخ أن العلم أعرف المعارف، ثم المضمر، ثم المبهم، ثم ذو الأداة؛ -262930
الجزء: 1 - الصفحة: 435
................................
فجرى على الترتيب المذكور آنفا، غير أنه قدم العلم على المضمر، قال:
«وإنما ذهبت إلى تقديم العلم؛ لأنه جزئي وضعا واستعمالا، وباقي المعارف كليات وضعا، جزئيات استعمالا.
فأنا مثلا لكل متكلم، وكذا أنت لكل مخاطب، وهو لكل غائب؛ فوضعت كلية وبالاستعمال تصير جزئية، وكذا اسم الإشارة وضع لكل من يشار إليه» انتهى 31.
وهذا الذي ذهب إليه الشيخ من أن المضمر وبقية المعارف غير العلم كليات وضعا - ذهب إليه بعض المتأخرين من علماء الأصول، فاستشكل كونهم جعلوا الضمير أعرف المعارف.
والحق أن المضمر جزئي وضعا؛ وذلك أن أنا مثلا وضع للمتكلم، والمتكلم حال التكلم معين.
وأنت للمخاطب والمخاطب حال الخطاب معين، وكذا بقية الضمائر.
واسم الإشارة أيضا وضع للمشار إليه، وهو معين حال الإشارة إليه، فلم يوضع كل من الضمير واسم الإشارة إلا لمعين.
ثم إذا كان المضمر أعرف من بقية المعارف، فإن تعريفه في نفسه متفاوت بالنسبة إلى أنواعه، فضمير المتكلم
أعرف.
قال المصنف: لأنه يدل على المراد به بنفسه، وبمشاهدة مدلوله، وبعدم صلاحيته لغيره وبتميز صوته 32.
ثم ضمير المخاطب؛ لأنه يدل على المراد به بنفسه وبمواجهة مدلوله.
ويقتضي قولهم: إن الضمير أعرف المعارف أن يلي ضمير المخاطب في الرتبة ضمير الغائب، وقد صرح ابن عصفور بذلك 33.
لكن المصنف جعل رتبة العلم قبل رتبة ضمير الغيبة، قال: لأن العلم يدل على المراد به حاضرا وغائبا على سبيل الاختصاص.
قال الشيخ: «لا أعلم أحدا جعل العلم أعرف من ضمير الغائب إلّا المصنف» 34.
وقيد المصنف ضمير الغائب بكونه سالما عن إبهام ومثله بقوله: زيد رأيته، قال: -
الجزء: 1 - الصفحة: 436
................................
«فلو تقدمه اسمان أو أكثر نحو: قام زيد وعمرو كلمته - لتطرق إليه إبهام، ونقص تمكنه في التّعريف» انتهى 35.
وعلى ما قرره لم تعرف رتبة الضمير المتطرق إليه الإبهام ما هي في التعريف؛ والظاهر أنها دون رتبة الضمير السالم عن الإبهام، وفوق رتبة المشار إليه 36.
وقول المصنف: ثمّ المشار به والمنادى - قد تقدم أن المشار به دون العلم في الرتبة وأن المنادى في رتبته؛ وقوله: ثم الموصول وذو الأداة تقدم أن ذا الأداة بعد المشار إليه في الرتبة، وأن الموصول في رتبته.
قال المصنف: «وهو بحسب صلته يتكمل تعريفه بكمال وضوحها وينقص بنقصانها» 37 وكلامه في الشرح يشعر بتقديم الموصول في الرتبة على ذي الأداة [1/ 128] 38.
قال ابن عصفور - بعد أن ذكر أعرف المضمرات - 39: «وأعرف الأعلام أسماء الأماكن، ثم أسماء الأناسي، ثم أسماء الأجناس.
وأعرف الإشارات ما كان للقريب ثم للمتوسط ثم للبعيد؛ وأعرف ذي الأداة ما كان فيه للحضور ثم للعهد في شخص، ثمّ للعهد في جنس.
وأسماء الأجناس لا يعرف تعريفها من تنكيرها إلا بالاستقراء.
فمما هو معرفة ابن آوى وابن قرة 40، ومما هو نكرة ابن لبون وابن مخاض، ومما جاء معرفة ونكرة ابن عرس.
وأما ابن أوبر فزعم سيبويه أنه معرفة لامتناعه من الصرف 41، وقال المبرد: هو نكرة لدخول اللام 42 عليه في قول الشاعر: -
الجزء: 1 - الصفحة: 437
................................
179 - [ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا]... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر 43
وعند من يرى مذهب سيبويه تكون أل في هذا الاسم زائدة».
انتهى ملخصا 44.
وقوله: والمضاف بحسب المضاف إليه قد تقدم ذكر المذاهب فيه، وأن مذهب سيبويه أن المضاف في رتبة المضاف إليه؛ إلا المضاف إلى المضمر فإنه في رتبة العلم.
وإنما جعلوا المضاف إلى المضمر دونه في الرتبة؛ لئلا يكون مساويا للمضمر في التعريف؛ والغرض أن المضمر فقط أعرف المعارف، فلا يشاركه غيره؛ وليس بعد المضمر رتبة تليه إلا رتبة العلم؛ فقالوا: هو في رتبة العلم، ولا يخفى ضعف هذا التعليل 45.
وأما من جعل المضاف في رتبة المضاف إليه مطلقا، فعمدته في ذلك أن سيبويه حكم بذلك فيما أضيف إلى ذي الأداة، فعمم هؤلاء الحكم 46.
وقد قيل إن سيبويه لم يطلق التسوية إلا في المضاف إلى ذي الأداة؛ وموجب ذلك أن ذا الأداة أقل وجوه التعريف،
فلا انحطاط بعده.
وأما أبو العباس المبرد فإنه حمل المضاف إلى كل واحد من الثلاثة غير المضمر على -
الحديث: 179 - الجزء: 1 - الصفحة: 438
[تفوق الأقل في التعريف]
قال ابن مالك: (وقد يعرض للمفوق ما يجعله مساويا أو فائقا).
المضاف إلى المضمر، فجعل المضاف إلى كل منها دونه في التعريف، ورد عليه بقوله تعالى: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ 47 فوصف المضاف إلى ما فيه اللام بما فيه اللام؛ والمتقرر أن النعت لا بد أن يكون مساويا للمنعوت في التعريف أو أقل منه تعريفا، ويلزم من قول المبرد أن يكون النعت فائقا للمنعوت في التعريف، وهو لا يجوز.
وأنشد ابن عصفور في شرح الجمل ردّا على المبرد، قول الشاعر:
180 - فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه... يمرّ كخذروف الوليد المثقّب 48
وقول الآخر:
181 - كتيس الظّباء الأعفر انضرجت له... عقاب تدلّت من شماريخ ثهلان 49
ووجه الرد فيما قرر في الآية الكريمة.
قال ناظر الجيش: لم يمثل المصنف لمفوق جعل مساويا؛ بل مثل لمفوق جعل فائقا، قال: «كقولك لرجلين حضراك دون ثالث: لك مبرّة بل لك، فإنهما -
الحديث: 180 - الجزء: 1 - الصفحة: 439
................................
لا يعرفان بمجرد هذا اللفظ المعطوف من المعطوف عليه ما لم يعضد اللفظ بمواجهة أو نحوها؛ بخلاف قولك: للكبير منكما مبرّة بل للصّغير أو بالعكس، أو تقول:
للّذي سبق منكما مبرّة، بل للّذي تأخّر، فإنهما لا يرتابان في مراده بالأول والثاني فقد عرض لذي الأداة
والموصول ما جعلهما فائقين في الوضوح لضمير الحاضر.
وكذلك يعرض للعلم ما يجعله أعرف من ضمير المتكلم [1/ 129] كقول من شهر باسم لا شركة فيه لمن قال له: من أنت؟ أنا فلان، ومنه قوله تعالى: أَنَا يُوسُفُ 50 فالبيان لم يستفد بأنا بل بالعلم بعده.
وقد يعرض للموصول مثل ما عرض للعلم، كقول من شهر بفعل لا شركة فيه لمن قال له: من أنت؟ أنا الذي فعل كذا.
ومن هذا القبيل سلام الله على من أنزل عليه القرآن، وعلى من سجدت له الملائكة.
ومنه: وا من حفر بئر زمزماه» انتهى 51.
وفيما ذكره نظر؛ وذلك أن ضمير المخاطب إنما يدل على معناه بالمواجهة.
وقول المصنف: ما لم يعضد اللفظ بمواجهة، يدل على أن المواجهة في إيراد المثال الذي ذكره مفقودة، وإذا فقدت المواجهة فقد الخطاب، وإذا فقد الخطاب فقدت دلالة اللفظ على ما يقصد به.
ولا شك أن قولنا للكبير أو للصغير أو للذي سبق أو تأخر، يتطرق إليه من الاحتمال ما لا يتطرق إلى الضمير في قولنا: لك بل لك إذا حصلت المواجهة من المتكلم للمخاطب، فكيف يكون ما يتطرق إليه الاحتمال أعرف من الذي لا يتطرق إليه احتمال، أو يكون النظر إليه أقل، فلم يظهر أن ذا الأداة والموصول فاقا ضمير الحضور في الوضوح.
وأما قوله: إن العلم قد يكون أعرف من ضمير المتكلم كقول القائل: أنا فلان - فغير ظاهر، وذلك أن العلم لم يذكر بعد الضمير للإيضاح؛ لأن دلالة الضمير على - - وامرؤ القيس يصف فرسه بالقوة وأنه يشبه في عدوه تيس ظباء ظهرت له عقاب من أعالي الجبل، فخاف وذعر واشتد في الجري.
والشاهد فيه: كما في البيت السابق.
والبيت في معجم الشواهد (ص 396)، وهو في التذييل والتكميل (2/ 118).
الجزء: 1 - الصفحة: 440
[تعريف النكرة]
قال ابن مالك: (والنّكرة ما سوى المعرفة).
معناه لا لبس فيها، فيحتاج إلى الإزالة.
وإنما ذكر ليعلم المخاطب أن المتكلم صاحب هذا الاسم، أي الذي يطلق
عليه هذا الاسم؛ فإن المخاطب قد كان يعرف اسما ولا يدري من هو المراد به، فأفاده المتكلم أنه هو المراد بذلك الاسم، فالمخاطب إنما كان يجهل المراد بذلك الاسم، ولم يجهل المتكلم أصلا، وفي قوله تعالى: قالَ أَنَا يُوسُفُ بعد قول إخوة يوسف - عليه وعليهم السّلام -: قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ 52 ما يشعر بما ذكرته.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: «تمييز النكرة بعد عد المعارف بأن يقال:
وما سوى ذلك نكرة - أجود من تمييزها بدخول رب والألف واللام، لأن من المعارف ما تدخل عليه الألف واللام كفضل وعباس، ومن النكرات ما لا يدخل عليه رب ولا الألف واللام، كأين وكيف وعريب وديّار» انتهى 53.
واعلم أن غير المصنف تعرض لذكر رتب الأسماء في التنكير، كما ذكر رتبها في التعريف، فقالوا: «أنكر النّكرات شيء ثمّ متحيز ثم جسم ثم نام ثم حيوان ثم ماش ثم ذو رجلين ثم إنسان ثم رجل».
فهذه تسعة أشياء.
وحكم ما يقابل كل واحد من هذه الأسماء حكم ما هو في مرتبته؛ فأما شيء فليس له ما هو في مرتبته؛ لأنه أعم النكرات؛ ومتحيز في مرتبته غير متحيز، وجسم في مرتبته هيئة، ونام في مرتبته غير نام، وحيوان في مرتبته جماد، وماش في مرتبته سابح وطائر، وذو رجلين في مرتبته [1/ 130] غير ذي رجلين، وذو أرجل وإنسان في مرتبته بهيمة، ورجل في مرتبته امرأة 54.
قال ابن عصفور 55 - لما رد على أبي القاسم 56 تقسيمه -:
«والصحيح أنّ كلّ نكرة يدخل غيرها تحتها ولا تدخل هي تحت غيرها فهي -
الجزء: 1 - الصفحة: 441
................................
أنكر النّكرات؛ فإن دخلت تحت غيرها، ودخل غيرها تحتها؛ فهي بالإضافة إلى ما يدخل تحتها أعمّ وبالإضافة إلى ما تدخل تحته أخصّ».
وقال ابن الضائع - ما معناه -: «إن قول النحاة: أنكر النكرات كذا ثم كذا، إنما يكون في الأمور التي ينسب بعضها إلى بعض بالعموم والخصوص المطلق، فالأمور المتباينة أو المتساوية في العموم والخصوص، أو التي ينسب
بعضها إلى بعض بالعموم والخصوص من وجه لا يكون فيها ذلك».
قال بعد تقسيم ذكره: «فمعنى قولهم: أنكر النكرات شيء - يعنون أنكر النكرات الداخل بعضها تحت بعض المتفاضلة في العموم والخصوص».
قال:
«ولذلك لا يرد عليهم أن يقال ليس شيء أنكر من موجود».
ثم قال:
«فإن قيل: معلوم أنكر من شيء؛ لأن المعلوم يقع على المعدوم.
قيل: ربّ شيء ليس بمعلوم لنا؛ فلفظة معلوم من حيث هي فقط لا بالنظر إلى العالم ليست بأعم من شيء على الإطلاق.
ولا يرد علينا أن كلّ شيء معلوم لله تعالى؛ فإن من الأشياء ما هو مجهول عندنا فيصدق عليه أنه ليس بمعلوم.
فلفظة معلوم إضافية لا ينبغي أن تقرن بما هو موضوع على ذاته من حيث هي تلك الذات لا بالنظر إلى غيرها» انتهى كلام ابن الضائع 57.
واعلم أن مذهب سيبويه 58 أن النكرة أول والمعرفة بعدها وطارئة عليها؛ وزعم الكوفيون وابن الطراوة 59 أن الأمر ليس على ما ذهب إليه سيبويه، قالوا: «لأن من الأسماء ما التعريف فيه قبل التنكير، نحو مررت بزيد وزيد آخر، ومنها ما لا يفارقه التعريف كالمضمرات، ومنها ما التنكير فيه قبل التعريف، كما قال سيبويه؛ فضم الجميع إلى هذا الضرب الواحد غير صحيح».
-
الجزء: 1 - الصفحة: 442
[اختلاف النحويين في ترتيب المعارف]
قال ابن مالك: (وليس ذو الإشارة قبل العلم؛ خلافا للكوفيّين، ولا ذو الأداة قبل الموصول، ولا من وما المستفهم بهما معرفتين؛ خلافا لابن كيسان في المسألتين).
قال الأستاذ أبو علي الشلوبين: «لم يلتفت سيبويه هنا في التعريف والتنكير إلا إلى حال الوجود لا إلى ما تخيله
الكوفيون، وإذا نظر إلى حال الوجود كان التنكير قبل التعريف صحيحا؛ لأن الأجناس هي أول ثم الأنواع ووضعها على التنكير؛ إذ كان الجنس لا يختلط بالجنس، والنوع لا يختلط بالنوع، والأشخاص هي التي حدث فيها التعريف لاختلاط بعضها ببعض.
فالذي قاله سيبويه صحيح لا اعتراض عليه» 60.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 61: «اسم الإشارة عند الكوفيين أعرف من العلم، ولهم في ذلك شبهتان 62:
إحداهما: أن اسم الإشارة ملازم للتعريف غير قابل للتنكير، والعلم بخلاف ذلك؛ فكان تعريفه دون تعريف اسم الإشارة 63.
والثانية: أن تعريف اسم الإشارة حسي وعقلي، وتعريف العلم عقلي لا غير.
وتعريف من جهتين أقوى من تعريف من جهة واحدة.
والجواب عن الأولى أن يقال [1/ 131]:
لزوم الشيء معنى لا يوجب له مزية على ما له ذلك المعنى دون لزوم.
بل قد تثبت المزية لغير ذي اللزوم على ذي اللزوم كما تثبت لنقيضك على غيرك مزية، فيتعرف بالإضافة مع عدم لزومه لها، ولم يتعرف غيرك بها مع لزومه لها.
وكما يثبت للجميع مزية على الجماء في قولهم: جاءوا الجماء الغفير، بحيث عد الجميع -
الجزء: 1 - الصفحة: 443
................................
معرفة غير مؤولة بنكرة مع عدم لزوم الألف واللام، وأول الجماء الغفير بنكرة مع لزوم الألف واللام.
والجواب عن الثانية أن يقال: المعتبر في كون المعرفة معرفة الدلالة المانعة من الشياع، سواء حصل ذلك من جهة أو جهتين.
والمعتبر في ترجيح التعريف قوة منع الشياع وزيادة الوضوح.
ومعلوم أن اسم الإشارة وإن عين المشار إليه فحقيقته لا تستحضر به على التمام، وذلك لا يستغني غالبا عن صفة تكمل دلالته؛ بخلاف العلم، لا
سيما علم لم تعرض فيه شركة كإسرافيل وطالوت وأدد ونزار ومكة ويثرب.
وذهب ابن كيسان 64 إلى أن ذا الأداة أعرف من الموصول؛ وشبهته أن ذا الأداة يوصف بالموصول كقوله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى 65 والموصوف به إما مساو وإما دون الموصوف؛ ولا قائل بالمساواة، فثبت كون الذي أقل تعريفا من الكتاب.
والجواب أن يقال: لا نسلم كون الذي في الآية صفة بل هو بدل أو مقطوع على إضمار فعل ناصب أو مبتدأ، وعلى تقدير كون الذي صفة، فالكتاب علم بالغلبة؛ لأن المعنيين بالخطاب بنو إسرائيل، وقد غلب استعمال الكتاب عندهم مرادا به التوراة، فالتحق في عرفهم بالأعلام، فلا يلزم من وصفه بالذي جواز وصف غيره مما يلحق بالأعلام.
وبالجواب الأول يجاب من أورد نحو قوله تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى 66. وقد تقدمت الإشارة إلى أن الموصول قد تتضح صلته وضوحا يجعله في رتبة العلم، ولا يكون ذلك في ذي الأداة غالبا، إلا إذا عرض له ما عرض للنجم والصّعق من الغلبة الملحقة -
الجزء: 1 - الصفحة: 444
................................
بالأعلام الخاصة.
انتهى 67.
وهذا الجواب الذي أجاب به المصنف ابن كيسان - يدل منه على أن الموصول ليس مساويا في التعريف ذا الأداة؛ بل رتبة الموصول أعلى.
قال الشيخ: «ثبت في بعض نسخ هذا الكتاب أن ذا الأداة بعد الموصول؛ فصارت المذاهب ثلاثة:
أحدها: أن الموصول وذا الأداة سواء.
الثاني: أن الموصول أعرف.
الثالث: أن ذا الأداة أعرف» 68.
وناقش المصنف في قوله: ولا قائل بالمساواة؛ قال: فإن مذهب أصحابنا أن الموصول من قبيل ما عرف باللام فيجوز أن [1/ 132] يوصف كل منهما بالآخر لتساويهما.
فمن وصف ذي الأداة بالموصول الآيات الكريمة التي ذكرت، ومن قول الشاعر:
182 - أأنت الهلاليّ الّذي كنت مرّة... [سمعنا به والأرحبيّ المعلّق] 69
ومن وصف الموصول بذي الأداة قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا... 70 الآيات.
فوصف الذين بقوله: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ -
الحديث: 182 - الجزء: 1 - الصفحة: 445
................................
وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ انتهى 71.
وألحق ابن كيسان 72 بالمعارف من وما الاستفهاميتين نظرا إلى أن جوابهما يكون معرفة، والجواب مطابق للسؤال.
فإذا قيل: من عندك؟ فجوابه: زيد ونحوه؛ وإذا قيل: ما دعاك إلى كذا؟ فجوابه: لقاؤك أو نحوه؛ فدل
تعريف الجواب على تعريف المجاب.
قال المصنف: «وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أن تعريف الجواب غير لازم؛ إذ لمن قيل له: من عندك؟ أن يقول:
رجل من بني فلان، ولمن قيل له: ما دعاك إلى كذا؟ أن يقول: أمر مهم.
والثاني: أن من وما في السؤالين قائمان مقام أي إنسان وأي شيء وهما نكرتان؛ فوجب تنكير ما قام مقامهما، والتمسك بهذا أقوى من التمسك بتعريف الجواب؛ لأن تطابق شيئين قائم أحدهما مقام الآخر، ألزم وآكد من تطابق الجواب السؤال.
وأيضا فالتعريف فرع؛ فمن ادعاه فعليه الدليل بخلاف ادعاء التنكير» 73.
الجزء: 1 - الصفحة: 446