................................
وفي شرح الشيخ 1 وتعرف عجمة الاسم بوجوه:
أحدها: أن ينقل ذلك الأئمة، قال: وقد صنّف أبو منصور الجواليقي 2 في ذلك كتابا حسنا 3.
الثاني: بخروجه عن أوزان الأسماء العربية نحو: إبريسم 4.
الثالث: أن تتبع الراء النون من أول الكلمة نحو: نرجس 5، فإن ذلك لا يكون في كلمة عربية، وقد تتبعها في الكلمة العربية من آخرها نحو: دنّر ومدنّر 6.
الرابع: أن تتبع الزاي الدال نحو: مهندز وهو بناء عظيم كالجبل، ببلخ يضرب لعظمه به المثل، ولا يكون ذلك في كلمة عربية.
الخامس: أن يجتمع فيه الجيم والقاف بغير حاجز نحو: أبجق 7 وقج 8، فإن كان بينهما حاجز فأكثر ما يجتمعان في الكلمة الأعجمية نحو: القبج 9 -
................................ والمنجنيق 1. السادس: أن يكون خماسيّا عاريا من حروف الذلاقة 2 وهي خمسة 3 يجمعها قولك: «ملف نبرّ» فإنه متى كان عربيّا فلا بد أن يكون فيه شيء منها نحو: سفرجل 4، وقرطعب 5 وحجمرش 6، وقذعمل 7، ولذلك إن كان رباعيّا وعري منها فهو أعجمي إلا إن كانت فيه سين نحو: عسجد 8 وهو قليل جدّا 9. ثم قال 10: وأما ما يبنى على قياس كلام العرب ويسمى به نحو أن تبني على وزن «برثن» 11 من الضرب فتقول: ضربب، أو على مثال «سفرجل» فتقول: ضربّب، فإذا سميت بشيء من هذا أو نحوه فذلك يبنى على اختلاف الناس فيما بنى على ذلك هل يلحق بكلام العرب أو لا يلحق؟ -
................................
فمنهم من قال: يلحق فيحكم له بحكم العربي وإن كان فيه مانع منع وإلا صرف.
ومنهم من قال: لا يلحق فيمنع الصرف لأنه ليس من كلام العرب فصار بمنزلة الأعجمي.
ومنهم من قال: لا يلحق إن بني على قياس ما لم يطرد في كلامهم مثل أن تبني من: الضّرب مثل «كوثر» 1 فتقول:
ضورب، لأن الإلحاق بالواو ثانية لم يكثر فمثل هذا يمنع الصرف إذا سمي به وإن بنى على قياس ما اطرد في كلامهم مثل أن تبنى من: الضّرب: مثل: «قردد» 2 فنقول: ضربب فيلحق بكلامهم، لأنه قد كثر الإلحاق بتكرار اللام فيمنع الصرف إن كان فيه مانع وإلا صرف، قال: وهذا هو الصحيح» 3.
وفي الشرح المذكور 4 أيضا «وما كان من الأسماء الأعجمية موافقا في الوزن لما في اللسان العربي نحو: إسحاق فإنه مصدر لـ «أسحق» بمعنى: أبعد 5، أو بمعنى ارتفع، يقال: أسحق الضرع أي: ارتفع لبنه 6، ونحو: يعقوب فإنه ذكر القبج 7، فإن كان شيء منه اسم رجل تبغ فيه قصد المسمى فإن قصد اسم النبي صلّى الله عليه وسلّم منع الصرف للعلمية والعجمة، وإن عني مدلوله في اللسان العربي صرف، وإن جهل قصد المسمى حمل على ما جرت به عادة الناس وهو القصد بكل منهما موافقة النبي عليه الصلاة والسّلام.
ثم قال: وما وافق من الأسماء الأعجمية لمادة عربية فلا يسوغ أن يقال: إنه اشتق من تلك المادة:، لا يقال: إدريس مشتق من الدرس، ولا قابوس مأخوذ من:
قبست، ولا يعقوب مأخوذ من: العقبى، ولذلك رد أبو علي في «القصريات» 8 -
[ما يمتنع صرفه للعلمية والتأنيث]
قال ابن مالك: (ويمنع مع العلميّة أيضا تأنيث بالهاء أو بالتّعليق على مؤنّث، وإن سمّي مذكّر بمؤنّث مجرّد فمنعه
مشروط بزيادة على الثّلاثة لفظا أو تقديرا كاللّفظ، وبعدم سبق تذكير انفرد به محقّقا أو مقدّرا، وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لا يلزم، وبعدم استعماله قبل العلميّة في المذكّر، وربّما ألغي التّأنيث فيما قلّ استعماله في المذكّر، فإن كان علم المؤنّث ثنائيّا أو ثلاثيّا ساكن الحشو وضعا أو إعلالا غير مصغّر ففيه وجهان أجودهما المنع، إلّا أن يكون الثّلاثيّ أعجميّا فيتعينّ منعه، وكذا إن تحرّك ثانيه لفظا خلافا لابن الأنباريّ في كونه ذا وجهين، وكذا إن كان مذكّر الأصل خلافا لعيسى في تجويز صرفه).
على أحمد بن يحيى 1 ما ادّعاه من أن إبليس من: أبلس وأنه مسمى بذلك لانقطاع رجائه من الله تعالى فقال: هذا لا يصح لأنه غير معروف وليس بمؤنث 2، على أن 3 أحمد بن يحيى يمكن أن يعتقد في إبليس أنه عربي ولذلك اشتقه من:
أبلس وامتنع الصرف للتعريف وشبه العجمة من حيث إنه قلّت التسمية به».
قال ناظر الجيش: قد عرفت أن العلمية تمنع الصرف مع سبع فقدم الكلام على ست منها ونشأ عن معرفة ذلك معرفة ستة أقسام مما أحد علتيه العلمية، وها هو الآن يتكلم في السابعة وهي التأنيث بغير الألف وينشأ عنها معرفة القسم السابع الذي هو تكملة الاثني عشر قسما وبه تتم أقسام الممتنع الصرف، والمصنف قد أورد الكلام على هذا القسم في شرح الكافية 4 إيرادا حسنا، وقد لخصت كلامه فأنا أورد أولا ما لخصته كي يستظهر الطالب على ضبط صور مسائل القسم المذكور ثم أعود إلى لفظ الكتاب، فأقول: المؤنث إما بالتاء أو بالمعنى، فالمؤنث بالتاء ممنوع الصرف حتما على الإطلاق 5 أي سواء أكان كثير الحروف أم قليلها، مؤنث المسمى أم -
................................
مذكره كـ «عمرة» و «حمزة» و «طلحة» و «ضباعة» و «عكاشة» و «ثبة» و «هبة» وأما المؤنث بالمعنى فممنوع الصرف حتما أيضا إن زاد على ثلاثة كـ «زينب» و «سعاد»، أو كان ثلاثيّا محرّك الوسط كـ «سفر» أو ساكن الوسط
عجميّا كـ «حمص» أو منقولا من مذكر كـ «زيد» إذا جعل اسم امرأة، فإن انتفت العجمة والنقل من مذكر عمّا هو ساكن الوسط جاز فيه الصرف وعدمه 1 كـ «جمل» و «دعد» و «هند» إلا أن ترك الصرف فيه أجود 2.
والزجاج 3 لا يرى فيه إلا المنع، على أن الساكن الوسط المنقول من مذكر إلى مؤنث كـ «زيد» لامرأة فيه خلاف:
فعند عيسى بن عمر 4 وأبي زيد والجرمي والمبرد 5 هو ذو وجهين 6، وعند الخليل وسيبويه وأبي عمرو ويونس [5/ 64] وابن أبي إسحاق 7 يتعين المنع، لأنهم جعلوا نقل المذكر إلى المؤنث ثقلا يعادل الخفة التي بها صرف نحو هند 8 وكذا الثلاثي المحرك الوسط ممتنع 9 الصرف عند جميعهم 10، وهو عند ابن الأنباري 11 ذو وجهين 12، هذا كله إذا كان المسمّى مؤنثا.
-
................................ أما إذا كان المسّمى مذكرا فإن كان الاسم ثلاثيّا فتأنيثه غير معتبر في منع الصرف، وسواء في ذلك الساكن الثاني والمحركه 1، وإن كان الاسم زائدا على الثلاثة اعتبر تأنيثه 2، لأن الحرف الزائد منزل منزلة التأنيث وذلك كـ «زينب» و «سعاد»، ويستثنى من هذا الأصل شيئان: أحدهما: ما هو من أسماء 3 الإناث إلا أنه مذكر الأصل كـ «دلال» و «وصال» فإنهما من أسماء النساء وأصلهما التذكير لأنهما مصدران، فإذا سمي بمثل هذا مذكر بعد أن سمّى به مؤنث انصرف ولم يعتبر تأنيثه لأنه مسبوق بتذكير 4، بخلاف نحو: زينب وسعاد من المؤنث الذي ليس مسبوقا بتذكير. ثانيهما: ما هو من صفات المؤنث لكنه مستعمل بلفظ التذكير نحو: حائض، فإنه إذا سمي به مذكر انصرف 5 لأنه مذكر وصف به مؤنث لأمن اللبس فلما سمي به مذكر عاد إلى أصله ولم يعتبر فيه تأنيث فيقال في حائض اسم رجل: هذا حائض ورأيت حائضا ومررت بحائض، ومن هذا النوع، جنوب ودبور وشمال وحرور وسموم، إذا سميت بشيء منها رجلا صرفته لأن كلّا من هذه الكلمات بمنزلة حائض في الوضعية والتّعرّي من العلاقة وإن كان مخصوصا في الاستعمال بالريح وهي مؤنثة لكنه مذكر الأصل كحائض. قال سيبويه 6 بعد أن حكى قول العرب: ريح شمال وريح سموم وريح جنوب: «سمعنا ذلك من فصحاء العرب لا يعرفون غيره»، وأنشد للأعشى: 3709 - لها زجل كحفيف الحصا... د صادف باللّيل ريحا دبورا 7
................................
ثم قال 1: ويجعل اسما وذلك قليل قال الشاعر:
3710 - حالت وحيل بها وغيّر آيها... صرف البلى يجري به الرّيحان
ريح الجنوب مع الشّمال وتارة... رهم الرّبيع وصائب التّهتان 2
قال 3: «فمن جعلها اسما لم يصرف شيئا منها اسم رجل وصارت بمنزلة الصعود والهبوط» يعني بذلك أن الصعود والهبوط ونحوهما أسماء لا صفات فلا غنى عن تأنيثها لتأنيث مسمّاها وهو الأرض.
قال المصنف 4: «حاصل كلام سيبويه أن الواقع من أسماء الأجناس على مؤنث حقيقي أو مجازي إذا لم يكن فيه علامة فهو إما اسم أو صفة، فالاسم تأنيثه معتبر حتما كـ «هبوط» و «صعود» والصفة تأنيث الاسم معها غير معتبر إن سمي به مذكر كـ «حائض» و «ضناك» 5، وإن كان صفة على لغة [واسما على لغة] كجنوب اعتبر تأنيثه إن سمي به مذكر على لغة من جعله اسما، ولم يعتبر على لغة من جعله صفة.
وليعلم أن تأنيث الجمع غير معتبر إذا كان المسمى بذلك الجمع مذكرا كأن تسمى رجلا بـ «كلاب»، قال في شرح الكافية 6: «جمع التكسير المجرد كواحد مذكر - - يعني أن صوتها إذا تحركت على لابسها كصوت الحصاد إذا هبت عليه الدبور، وصف كتيبة تلك حال دروعها.
والشاهد: في جعله الدبور وصفا للريح، فعلى هذا إذا سمي به مذكر انصرف في المعرفة والنكرة، لأنه صفة مذكرة وصف بها مؤنث كطاهر وحائض، ومن جعل الدبور اسما للريح ولم يصفها به وسمى به مذكرا لم يصرفه لأنه بمنزلة عقرب وعناق ونحوهما من أسماء المؤنث.
والبيت في ما ينصرف وما لا ينصرف للزجاج وديوان الأعشى (ص 71)، وابن السيرافي (2/ 217)، واللسان (دبر).
................................
اللفظ، فإذا سمي به مذكر انصرف، ولو كان جمع مؤنث حقيقي، فيقال في رجل اسمه «نساء»: هذا نساء ورأيت نساء ومررت بنساء، [فـ «نساء» في تسمية المذكر به كـ «رجال» في تسمية رجل به]، قال: والمراد بكونه مجردا أن لا يكون على وزن الفعل كـ «أكلب» ولا على وزن منتهى التكسير كمساجد، ولا ذا علامة تأنيث كـ «بعولة» و «أولياء»، ولا مزيدا فيه ألف ونون كـ «غلمان» ولا ذا عدل كـ «أخر» انتهى.
ولنرجع إلى ألفاظ الكتاب فنقول:
قوله: ويمنع مع العلمية أيضا تأنيث بالهاء أفاد بإطلاقة أن المؤنث بالهاء ممنوع الصرف مؤنثا كان المسمى به أو مذكرا، كثير الحروف كان أو قليلها، وكأنه إنما عدل عن أن يقول «تأنيث بالتاء» إلى قوله «بالهاء» لئلا يلزم منه أن نحو: «بنت» و «أخت» حكمها في التسمية بهما حكم «هبة» و «ثبة» مسمّى بهما وليس كذلك، فإن بنتا وأختا إذا سمي بهما مؤنث كان حكمهما حكم «هند» فيجيء فيهما الوجهان 1، وإن سمي بهما مذكر كان حكمهما الصرف عند سيبويه وأكثر النحويين 2، لأن التاء فيهما قد بنيت الكلمة عليها وسكن ما قبلها فاشبهتا تاء «جبب» 3 و «سحت» 4.
وقوله: أو بالتّعليق على مؤنّث أشار به إلى المؤنث بالمعنى، لكن قد عرفت أن شرط تحتم منعه الصرف أن يكون زائدا على ثلاثة أحرف أو محرك الوسط إن كان ثلاثيّا، وإن كان ساكن الوسط فشرط منعه أن يكون أعجميّا أو منقولا من مذكر، وقد أشار المصنف إلى ذلك كله في أثناء الفصل حيث قال: فإن كان علم المؤنّث ثنائيّا أو ثلاثيّا ساكن الحشو وضعا أو إعلالا غير مصغّر ففيه وجهان أجودهما المنع إلّا أن يكون الثّلاثيّ أعجميّا فيتعيّن منعه، وكذا إن تحرّك ثانيه لفظا خلافا لابن الأنباري في كونه ذا وجهين، وكّذا إن كان مذكّر الأصل خلافا لعيسى في تجويز صرفه.
-
................................
فقوله: فإن كان علم المؤنّث ثنائيّا أو ثلاثيّا ساكن الحشو ففيه وجهان - يستفاد منه أن قوله قبل: أو بالتّعليق على مؤنّث مصروف إلى غير هذين الشيئين من أسماء وهو الثلاثي المحرك الوسط والزائد على الثلاثة.
ثم إنه لما قال: إن الثلاثي الساكن الحشو ذو وجهين، وكان فيه ما هو متحتم المنع كما عرفت قبل - استثنى ذلك بقوله: إلّا أن يكون الثّلاثيّ أعجميّا فيتعيّن منعه، وبقوله بعد: وكذا إن كان مذكّر الأصل خلافا لعيسى في تجويز صرفه.
فإن قيل: أيّ شيء أحوجه إلى أن يقول: وكذا إن تحّرك ثانيه لفظا [5/ 65] نحن قد عرفنا ذلك من قوله أولا: أو بالتّعليق على مؤنّث وهو لم يخرج من ذلك إلا الساكن الحشو فـ: ما لم يكن ساكن الحشو داخل تحت قوله: أو بالتّعليق على مؤنّث، فيكون متحتم المنع؟.
فالجواب: أنه لم يكن محتاجا إلى ذكر ذلك لما قلت، وإنما ذكره لأمر آخر وهو التنبيه على أن فيه خلاف ابن الأنباري حيث لم يقل بتحتم المنع فيه وجعله ذا وجهين.
ومثال الثنائي «يد» إذا سميت به امرأة قال في شرح الكافية 1: «وإذا سميت امرأة بيد ونحوه مما هو على حرفين جاز فيه ما جاز في هند ذكر ذلك سيبويه 2 انتهى.
وأنت قد عرفت أن في نحو «هند» وجهين أجودهما المنع، فلتكن «يد» إذا سمّي بها مؤنّث كذلك.
ثم إنه فصّل الساكن الحشو إلى ما سكونه بالوضع وذلك كـ «هند» و «دعد» وإلى ما سكونه بالإعلال كـ «دار»، وإنما احتاج إلى ذكر ما سكونه بالإعلال لئلا يقول قائل: هذا متحرك الحشو وإنما عرض له ما أوجب إعلاله فليكن ممنوع -
................................ الصرف، فأزال هذا التخيل بقوله أو إعلالا. وأما قوله غير مصغّر فاحترز به كما ذكر الشيخ 1 من نحو: «يد» و «هند» إذا صغّرا فقيل فيهما: يديّة وهنيدة، فإنهما يتحتم فيهما المنع، وإذا كان هذا كما ذكر الشيخ فالمصنف قد كان في غنى عن ذكر ذلك، لأنه قد عرفنا أولا أن التأنيث بالهاء مانع مع العلمية فيصير ذكر هذا ثانيا تكريرا. قال الشيخ 2: «فإن لم تلحقه الهاء في التصغير نحو: حرب وناب اسمين لامرأة، إذا صغّرا وقيل فيهما: حريب ونييب جاز فيهما الوجهان، فقد أطلق المصنف في قوله: غير مصغّر، فكان ينبغي أن يقول: غير مصغّر بالهاء» انتهى. وقول المصنف: أجودهما المنع هو قول الجمهور 3، وقال أبو علي 4: إن الصرف أفصح، وغلّطوه في ذلك حتى قال ابن هشام 5: «ولا أعرف أحدا قال هذا القول قبله». وذهب الزجاج 6 إلى أن الصرف غير جائز، وربما علل ذلك بأن الموانع المعنوية لا يعارضها اللفظ 7 وقد أبطل 8 مذهب الزجاج بالسماع والقياس، أما السماع: فنقل النحويون كافة عن العرب أنها تصرف ومن ذلك قول الشاعر: 3711 - فأبكي إلى هند إذا هي فارقت... وأبكي إذا فارقت هندا إلى دعد 9
................................ وقال آخر: 3712 - أعلنت في حب جمل أي إعلان... وقد بدا شأنها من بعد كتمان 1 وقال آخر: 3713 - أتصبر عن جمل وأنت صفيّها... أبا هاشم ليس المحبّ أخا الصّبر تبيت خليّا ترقد اللّيل كلّه... وجمل تراعي الفرقدين إلى النّسر 2 وقال آخر 3: 3714 - إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل... لزمان يهمّ بالإحسان 4 وقال آخر: 3715 - أهيم بدعد ما حييت فإن أمت... فوا كبدي ممّا أحنّ إلى دعد 5 ومما جاء غير مصروف قول الشاعر: -
................................ 3716 - ما بال همّ عنيد بات يطرقني... بالواد من هند إذ تعدو عواديها؟ 1 وقال آخر: 3717 - على جمل منّي إذ دنا الموت بغتة... سلام كثير كلّما ذرّ شارق 2 وقال آخر: 3718 - لم تتلفع بفضل مئزرها... دعد ولم تغد دعد في العلب 3 فجمع بين اللغتين الصرف وتركه في بيت واحد 4. وأما القياس 5: فصرفهم «لوطا» و «نوحا» وهما أعجميان معرفتان لخفة الوزن، قالوا 6: فكما قاومت الخفة أحد السببين فيهما فكذلك قاومت أحد -
................................
السببين في «هند»، و «دعد» ونحوهما.
وأقول: إن في ذلك نظرا؛ لأن الاسم الأعجمي الثلاثي مصروف، ولو كان محرّك الوسط فكيف يقال: إن السكون في «نوح» و «لوط» قاوم أحد السببين والعجمة لا أثر لها في الثلاثي جملة 1؟
وقوله إلّا أن يكون الثّلاثيّ أعجميا قد تقدم التمثيل لذلك بـ «حمص» ومثله:
ماء وجور 2، ووجه منعه من الصرف أن العلم الثلاثي المؤنث الساكن الوسط غير المنقول من مذكر فيه وجهان: الصرف وتركه، وكان القياس منعه للتأنيث والعلمية، ولكنه حصل له خفة بالسكون فجاز فيه الصرف، فلما انضاف إلى ذلك عجمة ثقل الاسم بها، فكأن العجمة قاومت السكون فرجع الاسم المذكور إلى ما يقتضيه القياس فيه من منع الصرف، فالعلة المانعة من الصرف فيه هي العلمية والتأنيث، والعجمة شرط لتحتم المنع.
وفي شرح الشيخ 3: «وبعض النحويين جعله كهند فجوز فيه الوجهين ولم يجعل للعجمة تأثيرا».
ومثال ما تحرك ثانيه: قد تقدم تمثيله بـ «سقر» ومثله أيضا «قدم» 4، وقد عرفت أن ابن الأنباري جعله ذا وجهين فخالف النحاة أجمعين، ومستند منع الصرف فيه أن حركة الوسط تنزلت منزلة الحرف الرابع، والدليل على أن حركة الوسط تتنزل منزلة الحرف الرابع أنهم يقولون في النسب إلى جمزى جمزيّ بحذف الألف، كما يحذفونها من حبارى ونحوه مما قبل الألف فيه أربعة أحرف، فلو سكن الوسط أجازوا إبقاء الألف ولم يوجبوا الحذف نحو: حبلى، -
................................
فإنه يجوز أن يقال في النسب إليه: حبلويّ وإن جاز فيه: حبليّ أيضا.
وقيد الحركة - أعني حركة الثاني - بكونها لفظا احترازا من نحو: دار ونار مسمّى بهما، فإن ثانيهما متحرك تقديرا، والحاصل: أن الحركة المقدرة لا أثر لها فكما احترز عنها عند ذكره سكون الحشو احترز عنها عند ذكر تحركه أيضا.
وقوله: وكذا إن كان مذكّر الأصل خلافا لعيسى في تجويز صرفه قد تقدم ذكر الخلاف في هذه المسألة، وأن مذهب الخليل وسيبويه وأبي عمرو ويونس وابن أبي إسحاق في المنقول من مذكر المسمى به مؤنث منع الصرف، وعلى ذلك الأخفش والمازني والفراء 1 أيضا، والعلة في ذلك أن الاسم نقل من الأخف - وهو باب التذكير - إلى الأثقل - وهو باب التأنيث - وهذا بخلاف [5/ 66] إذا سميت رجلا بـ «شمس» فإنك تصرفه؛ لأنه خرج من الباب الأثقل إلى الباب الأخف، واحتج سيبويه - رحمه الله تعالى - بأن الأصل أن يسمى المؤنث بالمؤنث والمذكر بالمذكر 2، فلما كان ثقل المذكر إلى المؤنث الذي يلائمه خلافا لوضع كلامهم والمعتاد من ألفاظهم ثقل فعادل ذلك نهاية الخفة التي لها صرف «هندا» من صرف فلم يجز فيه إلّا منع الصرف 3.
واعلم أنني قدمت الكلام على ما في أثناء الفصل لتعلّقه بما المسمّى فيه مؤنث، فيكون الكلام مرتبطا بعضه ببعض؛ لأن صور المسائل المذكورة داخلة تحت قسم واحد فلا ينبغي التفريق بينهما في الذكر.
بقي الكلام على القسم الذي ما سمي فيه مذكر فنقول:
قوله: وإن سمّي مذكّر بمؤنّث مجرّد يريد به أن يكون مجردا من الهاء 4 وهو أمر معلوم.
وقوله: فمنعه مشروط بزيادة على الثّلاثة قد تقدم أن تأنيث الثلاثي غير معتبر في هذا القسم، وأن شرط منع الصرف الزيادة على الثلاثة، لكن زعم ابن خروف 5 أن «قدما» ونحوه من المؤنث إذا سمي به مذكر منع الصرف، لأن حركة العين -
................................
قامت مقام الحرف الرابع، وردّ ذلك عليه بأن العرب إنما حكمت للحرف الرابع في «زينب» ونحوه بحكم علامة التأنيث لمعاقبته لها، والحركة لم تعاقب علامة التأنيث، فلم يحكم لها بحكمها، كأنهم يعنون بهذا الكلام أن المؤنث الثلاثي إذا صغّر ولم يكن فيه «ياء» لحقته في التصغير «تاء» كقولهم في عين: عيينة، ويد:
يديّة، وأذن: أذينة وإن كان المؤنث رباعيّا كـ «عقرب» مثلا وصغر لم تلحقه التاء، فحيث لم يوجد الحرف الرابع أتوا بالتاء، وحيث كان الحرف الرابع موجودا امتنعوا من الإتيان، وهذه معاقبة بين الحرفين، ولم توجد هذه المعاقبة بين حركة وحرف.
ومذهب الفراء وثعلب 1 أن الاسم الثلاثي المجرد المؤنث إذا سمي به مذكرا امتنع من الصرف: ولم يفرقا بين المتحرك الوسط والساكنه وذلك نحو: فخذ وريح، وعللا ذلك بأن فيه أمرين يوجبان له النقل، وهما: التعريف والتعليق على ما لا يشاكله في الثقل.
وردّ ذلك بأن نقل اللفظ الثقيل إلى ما لا يلائمه في الثقل لم تجعله العرب من الأسباب المانعة للصرف بدليل صرفهم «كعسبا» اسم رجل وهو منقول من الفعل، والفعل ثقيل، ولأن السماع إنما ورد بالصرف ولم يرد بغيره، قال الشاعر:
3719 - تجاوزت هندا رغبة عن قتاله... إلى ملك أعشو إلى ضوء ناره 2
وقوله: لفظا ظاهر وذلك كـ «سعاد» و «عناق» و «أبان» مسمّى بها.
وقوله: أو تقديرا مثاله: «جيل» إذا سميت به المذكر هو اسم للضّبع 3، وأصله: جيأل؛ نقلت حركة الهمزة إلى الياء ثم حذفت، فهو ثلاثي في اللفظ، زائد على الثلاثة في التقدير.
وقوله: كاللّفظ يريد به أن هذا المقدر بمنزلة الملفوظ به؛ لأنه قد يصير مخففا في الكلية فينطق به، بخلاف ما لا يمكن النطق به وهو مقدر، وذلك نحو: كتف -
................................
وقدم إذا سميت بهما مذكرا، فإنهما يصرفان، ومع ذلك فالنحاة يقولون: إذا سمي بهما مؤنث امتنع الصرف، لأن الحركة تنزلت منزلة الحرف الرابع فكأنه مقدر فيه؛ ولذلك إذا صغّروا ذلك ألحقوه هاء التأنيث فقالوا: كتيفة وقديمة، ومع ذلك فإن كان الحرف الرابع مقدّرا قامت الحركة مقامه، فلا يجوز اللفظ به وهو مكبر، فهذا تقدير لا يلفظ به، ومانع للصرف، لكن في المؤنث لا في المذكر.
هذا تقرير الشيخ 1.
ولم أتحقق ما قاله، وقد يقال: إن تقدير الهمزة في «جيل» لتصير الكلمة أربعة أحرف فيمنع الصرف إذا سمي به مذكر، إنما كان كاللفظ من جهة أن الحركة التي كانت على الهمزة باقية بعد حذف الهمزة، وهي ملقاة على الياء التي هي ساكنة في أصل وضع الكلمة، فكان بقاء الحركة كأنه بقاء لما كان محرّكا بها، فمن ثمّ قيل: إن هذا التقدير كاللفظ، وليس لقوله كاللفظ مفهوم لأنه يريد أن التقدير حكم له بحكم اللفظ.
وقوله: وبعدم سبق تذكير انفرد به محقّقا أو مقدّرا أقول: قد تقدم أن الاسم المؤنث الزائدة حروفه على ثلاثة إذا سمّي به مذكر امتنع صرفه إلا اسمين: ما هو مذكر الأصل وقد سمي به مؤنث قبل أن يسمى المذكر به كـ «دلال» و «وصال»، وما هو من صفات المؤنث ولكن لفظه لفظ المذكر كـ «حائض» و «طامث» 2، فأشار إلى القسمين الآن بقوله: «وبعدم سبق تذكير» وقصده إخراجهما مما يمتنع صرفه إذا سمي به مذكر، وذلك أنه جعل عدم سبق التذكير التسمية شرطا لمنع الصرف، وهذه الكلمات سبق تذكيرها التسمية بها، فلم يوجد فيها عدم السبق، بل وجد السبق فتكون مصروفة، ولكن سبق التذكير في «دلال» و «وصال» محقق، و «حائض» و «طامث» سبق التذكير فيهما مقدر؛ لأنهما لم يستعملا لمذكر أصلا، لكنهما مع ذلك اسمان مذكران في اللفظ، فمن هذه الحيثية كان سبق التذكير فيهما مقدرا، وإنما وصف بهما وبأمثالهما المؤنث، إما لأمن اللبس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وإما للحمل على المعنى؛ لأن معنى امرأة حائض:
شخص حائض 3. -
................................
وأما قوله: «انفرد به» فهو فيه زائد في التسهيل، ولا تعرض إليه في شرح الكافية.
قال الشيخ 1: «وهو احتراز من نحو: ظلوم وقتول، فإنك إذا سميت به رجلا لم ينصرف عنده، لأنه سبقه تذكير ولم ينفرد به المذكر؛ لأنه يطلق على المؤنث كما يطلق على المذكر، قال: ولا يأتي هذا الذي ذكره على مذهب البصريين؛ لأنهم لا فرق عندهم في سبق التذكير [بين] ما انفرد به المذكر كدلال ووصال.
وما لم ينفرد به [5/ 67] كظلوم، وقتول، قال (2): وعلى هذا لا فرق بين وصف مختصّ معناه بالمؤنث، ووصف يشترك في معناه المذكر والمؤنث، فإذا سمي بشيء منها مذكر كان منصرفا نظرا إلى أصالة التذكير فيها؛ لأنها أسماء مذكرة وصف بها مؤنث، قال 2: ومما يدل على اعتبار التذكير السابق في ما ذكر أنهم إذا صغروا شيئا من هذه الأوصاف لا يدخلون فيه تاء التأنيث فإنهم يقولون في نصف 3 إذا صغّروا: امرأة نصيف، فجعلوا لهذه الأوصاف - وإن كانت صفات إناث - حكم المذكر، وأما الكوفيون فإنهم لا يصرفون نحو: حائض وطامث اسمي مذكر كما نقل الشيخ في شرحه 4 وذكر عنهم تعليلا وتفصيلا في ذلك عن بعضهم، فتركت إيراده خشية الإطالة، ولأن قول البصريين هو المعمول به في هذه المسألة.
وقوله: وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لا يلزم أقول: قد تقدم أن هذه الكلمات وهي: جنوب، ودبور، وشمال، وحرور، وسموم حكمها الصرف إذا سمي بشيء منها مذكر بمنزلة «حائض» في الوصفية والتعري من العلامة، وإن كانت مخصوصة في الاستعمال بالريح وهي مؤنثة، لكنها مذكرات في الأصل كـ «حائض»، وتقدم أن بعض العرب يجعلها أسماء فتكون حينئذ كـ «الصّعود» و «الهبوط» فتمنع الصرف والذي تقدم تقريره مما تحصل من كلام سيبويه أن الواقع من أسماء الأجناس على مؤنث حقيقي أو مجازي إذا لم يكن فيه علامة فهو إما اسم أو صفة، فالاسم تأنيثه معتبر حتما كـ «هبوط» و «صعود» والصفة التأنيث فيها غير معتبر إن سمي -
................................
بها مذكر كـ «حائض» و «ضناك» وإن كانت صفة على لغة واسما على لغة كـ «جنوب» اعتبر تأنيثه إن سمي به مذكر على لغة من جعله اسما، ولم يعتبر على لغة من جعله صفة، وإذا كان الحكم في هذه بالنسبة إلى الصرف وعدمه حكم «حائض» فلا حاجة إلى أن يشار إليه ثانيا؛ لأن حكمها قد علم مما علم مما علم منه حكم «حائض» المسمى به وهو قوله: وبعدم سبق تذكير، لكنه قد قال: وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لا يلزم فقال الشيخ في شرحه 1: يعني أنه يمنع الاسم الصرف في المذكر بشرط زيادة على ثلاثة وعدم سبق تذكير وعدم ما ذكر في هذا، فإن كان ثلاثيّا انصرف وإن سبقه تذكير انصرف، وإن احتاج مؤنثه إلى تأويل فإما أن يكون غير لازم أو لازما، إن كان غير لازم انصرف، وذلك اسم الجنس بغير علامة لمؤنث نحو: جنوب ودبور وشمال وسموم وحرور، وذلك أنها مؤنثة تحتاج إلى تأويل ولكنه لا يلزم، قال: والتأويل فيها أنها أوصاف جرت على الريح، والريح مؤنثة، ولكن تأويلها هذا ليس بلازم، ألا ترى أن بعض العرب يجعلها أسماء لمؤنثات ولا يلحظ فيها معنى الصفة كـ «الصّعود» و «الهبوط» فعلى هذا إذا سميت بها مذكرا منعتها الصرف، فمتى كان هذا المؤنث يحتاج إلى تأويل لازم كحال هذه إذا جعلت أسماء فإنه يلزم أن تؤوّل بمؤنث وتمنع الصرف إذا سمي بها مذكر وتصير كـ «زينب»، وإن لم يلزم أن تؤوّل بمؤنث كمشهور استعمالها، فإنها إذا سمي بها مذكر انصرفت قال 2: وملخص هذا: أن ما كان اسما على لغة وصفة على لغة فهو ذو وجهين:
الصرف وتركه، وذلك كـ «جنوب» ونحوه إذا سميت به مذكرا.
انتهى.
وملخص ما قال: أن هذه الكلمات وهي «جنوب» وما ذكر معها إن استعملت صفات ففيها تأويل، والتأويل فيها أنها أوصاف جرت على الريح، والريح مؤنثة، وأن تأويلها ليس بلازم معللا عدم اللزوم بأن بعض العرب يستعملها أسماء لمؤنثات، وإن استعملت أسماء فإنها تؤول بمؤنث ويكون التأويل فيها لازما، وأقول: إن في ذلك نظرا؛ لأننا إن سلمنا أن فيها تأويلا حال استعمالها صفات، فتأويلها لازم ما دامت صفات، ولا ينفى عنها لزوم التأويل باستعمال بعض العرب لها أسماء؛ لأن حال استعمالها أسماء غير حال استعمالها صفات فلا تعلق لإحدى الحالين بالأخرى.
-
................................
وأما قوله: إنها إذا استعملت أسماء كان تأويلها بمؤنث لازما فغير ظاهر أيضا؛ إذ لا تأويل في هذه الحالة؛ لأن الاسم تابع المسمى، إن كان المسمى مذكرا فالاسم مذكر، وإن كان المسمى مؤنثا فالاسم مؤنث.
وبعد، فهذا الموضع قد أشكل عليّ فيه كلام الشيخ وكذا عبارة المصنف وهي قوله: وبعدم احتياج مؤنّثه إلى تأويل لازم لأن هذا اللفظ يعطي بظاهره أن نحو:
جنوب، ودبور، وما ذكر معهما له مؤنث وليس كذلك، إنما المؤنث هي أنفسها إن كانت أسماء، وإن كانت صفات حكم بتأنيثها لجريانها على مؤنث إلّا أن لفظها مذكر، فروعي تذكير اللفظ عند التسمية بها فصرفت، بخلاف ما إذا نقلت وهي أسماء وسمي بها، فإنها لا تصرف حينئذ كما تقدم تقرير ذلك.
والحق أن المصنف قد كان في غنية عن ذكر ذلك، لأنه إن كان المراد به أن نحو «جنوب» إذا سمي به منقولا من الصفة انصرف، فهذا قد عرف من قوله وبعدم سبق تذكير كما قدّمنا، وإن كان المراد به غير ذلك فسبحان العالم بما تضمر النفوس.
وقوله: وبعدم غلبة استعماله قبل العلميّة في المذكّر يريد به أن منع الصرف في ما سمي به مذكر من المؤنث مشروط أيضا بغلبة استعمال ذلك الاسم قبل العلمية في المذكر، فمعناه أنه إن غلب استعماله قبل العلمية في المذكر انصرف، قال الشيخ 1:
«ومثال ذلك ذراع، فإنه مؤنث، وسمي به المذكر حتى صار كأنه من أسماء المذكر وبقي بعد مصروفا لكثرة استعمال [5/ 68] العرب له في أسماء الرجال 2، قال:
وقول المصنف: إنه غلب استعماله قبل العلمية في المذكر، يعني أنه قبل أن يصير علما غلب استعماله في المذكر أي تابعا للمذكر، فإن العرب تصف به المذكر فتقول: هذا ثوب ذراع أي: قصير 3، فعومل لذلك معاملة ما سمي به من الأسماء المذكرة الزائدة على ثلاثة أحرف، قال: ولا يزيد المصنف أنه غلب استعماله قبل العلمية في المذكر جنسا واقعا على مدلوله في المؤنث غير موصوف به؛ لأن ذلك ليس في كلام العرب وهو أنه يغلب استعماله مذكرا على غير الوجه الذي -
................................
قدمناه من الوصف به، قال: ويحتمل أن يزيد المصنف أنه إذا غلب استعماله في المؤنث قبل العلمية في المذكر، أي قبل أن يصير علما في المذكر فإنه إذ ذاك يصرف ويكون إذ ذاك ذراع سمع فيه التذكير والتأنيث، ولكن غلب فيه التأنيث» انتهى.
وهذا الذي ذكره احتمالا لعله هو مراد المصنف لأنه قال في شرح الكافية 1: «وإذا استعمل الاسم بتذكير وتأنيث وزاد على ثلاثة أحرف جاز فيه إذا سمي به رجل الصرف وتركه كذراع وكراع 2، وترك الصرف أجود في هذين؛ لأن تأنيثهما أكثر.
انتهى.
وبعد فلم يتوجه لي كلامه في التسهيل إذا جعلنا المراد به ما ذكره في شرح الكافية؛ لأن كلامه هنا إنما هو فيما يتعين امتناع صرفه من المؤنث إذا سمي به مذكر، لأن قوله: وبعدم غلبة استعماله قبل العلمية في المذكّر معطوف على ما تقدم من المجرور بالياء المتعلقة بقوله: فمنعنه مشروط فالمعنى أنه إن غلب استعماله قبل العلمية في المذكر انصرف وإن لم يغلب الاستعمال المذكور لم ينصرف، فليس الكلام في ما فيه الصرف وتركه، بل فيما يتعين فيه منع الصرف كما ذكرنا، فكيف يمثل لما يتعين منع صرفه بما ذكر هو أن فيه الوجهين أعني الصرف وتركه؟
ثم قال الشيخ 3: وقد شبهوا كراعا بذراع حين سموا به مذكرا، وإن كان مؤنثا في الأصل فصرفوه وليس بقياس، والقياس ترك صرفه وهو أجود في كلامهم من الصرف، قال سيبويه 4، قال 5: وإلى مسألة كراع أشار المصنف بقوله: وربما ألغي التّأنيث في ما قلّ استعماله في المذكّر، وهو صرف «كراع» إذا سمي به، فإنه يقل استعماله في المذكر، بل هو من الأسماء الغالبة في المؤنث، فكان القياس ألا يصرف هو ولا ذراع، لكن عارض هذا كثرة التسمية بهما في المذكر حتى صار كأنهما من أسمائه، وزاد «ذراع» على «كراع» أنه وصف به المذكر؛ فلذلك تحتم صرفه ولم يتحتم صرف كراع «انتهى».
وقد عرفت أن كلام المصنف في شرح الكافية يأبى ذلك؛ لأنه سوى بين «ذراع» -
[مسألتان في العلم المختوم بالزيادتين والمجهول الأصل]
قال ابن مالك: (ولا اعتداد في منع الصّرف بكون العلم مجهول الأصل، أو مختوما بنون أصليّة تلي ألفا زائدة خلافا للفرّاء في المسألتين، ولا اكتراث بإبدال ما لولاه لوجب 1 منع الصّرف).
- و «كراع» فكيف يحمل كلامه هنا على ما يأباه ثمّ؟.
وقد ذكر الشيخ عن صاحب الإفصاح 2 ما يقارب كلام المصنف في شرح الكافية قال 3: «ذراع» مسمّى به مصروف سماعا من العرب والقياس ترك الصرف، وقال الخليل وسيبويه 4: ومن العرب من يصرف كراعا شبهه بذراع وهو أخبث الوجهين، يعني أن كليهما خارج عن القياس، لكن ذراع كثر تسمية المذكر به ووصف به، وكراع ليس كذلك، قال 5: وحكى الأصمعي تذكير الذّراع والكراع، فعلى هذا يكون المسموع على القياس، ولم يحفظ الخليل وسيبويه فيهما تذكيرا، ولم يحك أحد في التسمية بذراع عدم الصرف، فكأنهم اتفقوا عند التسمية على التذكير».
هذا كلام صاحب الإفصاح.
وقد تبين أن هذا الموضوع وهو من قوله: «وبعدم احتياج مؤنثه إلى تأويل» إلى قوله: «في ما قلّ استعماله في المذكر» لم يتحصل من شرحه ما يشفي الغليل، مع ما في عبارة الكتاب من القلق، وما في بعضها من الإباء لما فسر به كلامه، ولا شك أن المسألة معروفة، وكلامه في شرح الكافية واف بالمقصود يمكن الاستغناء به عن هذا الذي ذكره في التسهيل.
قال ناظر الجيش: هاتان مسألتان: الأولى: أنه لا يعتد في منع الصرف بكون العلم مجهول الأصل، ولا يكون الاسم العلم -
................................
مختوما بنون أصلية تلي ألفا زائدة، فمثال الأول: أبو صعرور 1، قال الشيخ 2:
«ذهب بعض النحويين إلى أن العرب إذا سمت بالاسم المجهول أو بالاسم الذي ليس من عادتهم التسمية به فإنه يجريه مجرى الأعجمي لشبهه به من جهة أنه غير معهود في أسمائهم كما أن الأعجمية كذلك»، وفهمت من كلام الشيخ أنه يرى ذلك لأنه قال 3: «وهذا موافق لما تقرر في هذا الباب من جعل شبه العلة علّة».
ومثال الثاني: سنان 4 وبيان 5، شبه المانع للصرف النون الأصلية بالنون الزائدة، ولا يخفى ضعف هذا المذهب 6.
وقد خالف الفراء 7 في هذين الأمرين فمنع الصرف في المجهول وفي ما آخره نون أصلية بعد ألف زائدة، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: خلافا للفرّاء في المسألتين.
الثانية:
أن نحو «هراق» بإبدال الهمزة هاء ممتنع الصرف وكذا «أصيلال» بإبدال اللام من النون ممتنع الصرف أيضا إذا سمي بكل منهما، لأن «هراق» فيه وزن الفعل والعلمية، و «أصيلال» فيه زيادة الألف واللام التي هي بدل من النون الزائدة التي لو وجدت لكانت مانعة فأجري ما قام مقامها مجراها 8.
ومعنى قوله «بإبدال ما لولاه لوجب منع الصّرف» ما لولا كونه [5/ 69] بدلا لوجب المنع وذلك في «أراق» بالهمزة و «أصيلان» بالنون.
-
[حكم أسماء القبائل والأماكن]
قال ابن مالك: (فصل: صرف أسماء القبائل والأرضين والكلم ومنعه مبنيّان على المعنى، فإن كان أبا أو حيّا أو مكانا أو لفظا صرف، وإن كان أمّا أو قبيلة أو بقعة أو كلمة أو سورة لم يصرف، وقد يتعيّن اعتبار القبيلة أو البقعة أو الحيّ أو المكان).
قال الشيخ 1: «وثبت في نسخة عليها خط المصنف بدل قوله: «لوجب منع الصّرف»: «لوجب الصّرف»، وذلك إشارة إلى مسألة عكس هذه المسألة وهي أنك لو سميت بـ «حنّان»، وهو الحنّاء أبدلت همزته نونا، لصرفته، لأن النون بدل من حرف أصلي، كما أن اللام في «أصيلال» بدل من حرف زائد، فلم يكن في «حنّان» إلّا سبب واحد وهو العلمية، ولم يحفل بالنون؛ لأنها بدل من أصل كما لم يحفل باللام لأنها بدل من زائد».
قال ناظر الجيش: من المعلوم أن هذا الكلام فيه لف ونشر 2، لأن قوله: فإن كان أبا أو حيّا يرجع إلى «القبائل» وقوله: أو مكانا يرجع إلى «الأرضين»، وقوله: أو لفظا يرجع إلى الكلم، وكذا قوله: وإن كان أمّا أو قبيلة يرجع إلى الأول، وقوله: أو بقعة يرجع إلى الثاني، وقوله: أو كلمة أو سورة يرجع إلى الثالث، فمتى أريد بالأول: الأب أو الحي صرف، لفقد التأنيث، فمثال ما أريد به الأب: «معدّ» و «تميم» و «جذام» و «لخم»، ومثال ما أريد به الحي:
«قريش» و «ثقيف» 3، ومتى ما أريد به الأم أو القبيلة منع، لانضمام التأنيث إلى العلمية، فمثال ما أريد به الأم: «باهلة» 4، ومثال ما أريد به القبيلة: «مجوس» و «يهود» 5 و «آدم» ومتى أريد بالثاني المكان صرف، ومثال ذلك: «بدر» -
................................
و «ثبير»، ومتى أريد به البقعة منع، ومثال ذلك: «فارس» «وعمان»، ومتى أريد بالثالث اللفظ صرف، ومثال ذلك: «كتب زيدا فأجاده» - بضمير التذكير - تريد اللفظ، ومتى أريد به الكلمة منع، ومثال ذلك: «كتب زيدا فأجادها» يريد الكلمة، وكذا «كتبت هود» إن أردت السورة منعت الصرف، وإن أردت أنك كتبت هذا الاسم فقط صرفت؛ لأن مدلوله اللفظ وهو مذكر، فالأب والحي يقابلهما الأم والقبيلة، والمكان يقابله البقعة، واللفظ يقابله الكلمة والسورة، قال الشيخ 1: وأما سدوس وسلول فهما منقولان من أب ومن أم، وقد ذهب سيبويه إلى أن سدوس اسم مذكر، اسم أب، وقال 2: تقول: بنو سدوس منصرف، وغلّطه 3 المبرد في ذلك وقال 4: إنما سدوس اسم امرأة، فإذا قلت:
من بني سدوس لم تصرف، وكذلك سلول وقال الشاعر:
3720 - إذا ما كنت مفتخرا ففاخر... ببيت مثل بيت بني سدوسا 5
وتابع الزجاج 6 المبرد في ذلك، والصحيح [5/ 68] ما ذكرناه من أنهما أسماء أب وأم.
انتهى.
وبعد فجميع ما ذكر هنا وما لم يذكر مما يشبهه من كونه لمذكر أو مؤنث موقوف على النقل عن أئمة اللغة لا مجال للنظر فيه، وقد أعلى المصنف قانونا كليّا يتميز به ما يصرف مما لا يصرف، وهذا هو الذي يتعلق بالصناعة النحوية، ثم ههنا أمور نشير إليها:
الأول: أن الشيخ استدرك على المصنف فقال 7: «ظاهر قوله: أنه إذا كان المعنى أبا أو حيّا صرف، وليس كذلك، ألا ترى أن «تغلب» سواء أقصدت به -
................................ القبيلة أم الحي فإنه لا ينصرف لأن فيه وزن الفعل، قال: وقد غلط الزجاج 1 فذكر أن «تغلب» إذا أردت به القبيلة منعته الصرف، وإذا أردت به الحي صرفته. انتهى. وهذا الاستدراك يتعجب منه؛ لأن كون نحو «تغلب» ممنوع الصرف قد علم من قبل على ما تقرر في الفصل المفروغ منه، وإذا كان كذلك علم أن الكلام الآن في ما عدا ذلك، ثم إن مبنى هذا الفصل إنما هو على أن بعض الأسماء التي هي أعلام قد يكون معناها صالحا لأن يكون مذكرا وأن يكون مؤنثا، فيترتب على اعتبار كل من الأمرين الصرف وتركه، أما كون العلمية يكون معها مانع آخر غير التأنيث فذلك أمر قد عرف، وكأن الذي أوجب للشيخ هذا الاستدراك هو قول ابن عصفور 2 في تقسيمه: «فإن قصدت به قصد الحي صرفته إلّا أن يكون فيه ما يوجب منع الصرف» فأشار إلى مثل ذلك. والحق أن ابن عصفور مستغن عن ذلك لما ذكرنا. الأمر الثاني: أن ابن عصفور ذكر في شرح الجمل 3 في باب «أسماء القبائل والبلدان والأحياء والسور» أن أسماء القبائل والأحياء تنقسم خمسة أقسام، وملخص ما ذكره: أن أسماء المذكورات تنقسم أربعة أقسام: قسم لا يستعمل إلا للقبيلة وذلك: يهود ومجوس وآدم، قال الشاعر: 3721 - أولئك أولى من يهود بمدحة... إذا أنت يوما قلتها لم تؤنّب 4
................................
وقال الآخر:
3722 - كنار مجوس تستعر استعارا 1
وقال آخر:
3723 - سادوا البلاد وأصبحوا في آدم... بلغوا بها بيض الوجوه فحولا 2
فأعاد الضمير عليه مؤنثا وصرفه للضرورة، فإن لم يجعل «يهود» و «مجوس» علمين كانا جمع.
يهودي ومجوسي كما تقول: روميّ وروم، وزنجيّ وزنج، ويدل على خروجهما عن العلمية إذا أريد بهما ذلك دخول اللام عليهما فتقول: اليهود والمجوس.
وثلاثة الأقسام الباقية تستعمل لما معناه مذكر ولما معناه مؤنث، فقسم تغلب فيه استعماله للمذكر وهو الحي وذلك: «قريش» و «ثقيف» و «معد» و «عاد» واستعماله للقبيلة قليل، قال الشاعر:
3724 - علم القبائل من معدّ وغيرها... أنّ الجواد محمّد بن عطارد 3
فمنع صرفه لقصد القبيلة، وقال آخر:4
................................
3725 - غلب المساميح الوليد سماحة... وكفى قريش المعضلات وسادها 1
وقال آخر:
3726 - لو شهد عاد في زمان عاد... لابتزّها مبارك الجلاد 2
قال: [5/ 70] والعرب تقول: هذه ثقيف بنت قيس فتمنعه الصرف؛ لأنها قصدت به القبيلة، وكما غلب قصد الحي على قصد القبيلة في هذه الكلمات هكذا غلب قصد الأب على قصد القبيلة في كلمة وهي «تميم» سمع من كلامهم: هذه تميم بنت مرّة 3، وقد جعل ابن عصفور هذا قسما برأسه، ولهذا كانت الأقسام عنده خمسة، والواجب أن ما قصد به الحي أو الأب قسم واحد، لأن كلّا منهما إنما قصد به المذكر فحكمهما واحد.
وقسم يتساوى فيه الأمران ومثاله: «ثمود» و «سبأ» قال الله تعالى: أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ 4، وقال تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ 5، وجاء صرف «سبأ» وعدم صرفه في الكتاب العزيز 6. -
................................ وقسم الغالب فيه استعماله اسما للقبيلة وهو ما بقي. انتهى. ويعني بما بقي غير الذي ذكره في الأقسام الثلاثة المتقدمة الذكر، وكان ابن عصفور قد افتتح كلامه في التقسيم الذي أشرنا إليه بأن قال 1: أسماء القبائل إما أن تكون منقولة من اسم أب أو أم أو غير منقولة، فالمنقولة من اسم أم: سدوس وسلول في أحد القولين، وباهلة، قال الشاعر: 3727 - إذا ما كنت مفتخرا ففاخر... ببيت مثل بيت بني سدوسا 2 والمنقول من اسم أب: معد وتميم وجذام ولخم، وغير المنقول منها مثل: قريش، وثقيف، ويهود، ومجوس. فإن كان منقولا من اسم أب أو أم، فإن أضيف إليه «ابن» بقى على ما كان عليه من صرف أو منع صرف؛ لأنه ليس باسم للقبيلة، وإن لم يضف إليه «ابن» فإن كان على نية إضافته إليه، فحكمه حكم المضاف إليه «ابن» لفظا، وإن لم تنو إضافة «ابن» إليه فإن قصد به الحي أو الأب صرفته، وإن قصد به القبيلة منعته الصرف. انتهى. ولا أعرف ما فائدة التفصيل الذي ذكره من إضافة «ابن» أو نية إضافته، والذي يظهر أن مراده أن «ابنا» إذا كان مضافا أو نويت إضافته خرج المضاف إليه عن أن يكون المراد به الحي أو القبيلة، فيكون له حكم نفسه بالنسبة إلى الصرف وعدمه، وإذا لم يضف إليه «ابن» لا لفظا ولا نية تعين حينئذ أن يراد به إما الحي أو القبيلة. ولا شك أن هذا واضح غني عن التنبيه عليه، إلا أن الشيخ لما ذكر هذه المسألة في شرحه قال 3: «والحكم هنا في الأخبار والضمائر وغير ذلك يكون للمحذوف لا للملفوظ به بخلاف المضاف في غير هذا الباب، فإن الحكم للملفوظ به لا للمحذوف، تقول: تميم بن مرّ ناصرون لي؛ لأنك تريد أبناء تميم بن مر، قال امرؤ القيس: 3728 - تميم بن مرّ وأشياعها... وكندة حولي جميع صبر 4
................................
فقال: وأشياعها؛ لأنه يريد أبناء تميم بن مر، فلذلك أعاد الضمير مؤنثا ولا تقول: تميم بن مر وأشياعه، فتجري الحكم على تميم كما أجريته في قوله تعالى:
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها 1 فإنه روعي هنا الملفوظ به القائم مقام المحذوف ولذلك أعيد الضمير مؤنثا في فيها.
انتهى.
وقوله: إن الحكم في غير هذا الباب يكون للملفوظ لا للمحذوف ليس كذلك فقد قال الله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ 2 ولا شك أن الضمير في «يغشاه» عائد على المضاف المحذوف، إذ التقدير: أو كذى ظلمات، وقد تقدم في باب الإضافة أن الأمرين جائزان، أعني مراعاة المضاف المحذوف، ومراعاة المضاف إليه، فكيف يقول: إن الحكم يكون للملفوظ به لا للمحذوف؟
ثم إن الآية الشريفة وهي قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها ليس فيها دليل على ما ذكره؛ لأن المقصود من قوله تعالى: الَّتِي كُنَّا فِيها وصف المضاف إليه الذي هو «القرية» بذلك لا وصف المضاف المحذوف الذي هو «الأهل»، يدل على ذلك أنه لو قيل في غير القرآن العزيز، واسأل أهل القرية التي كنا فيها، لكان صحيحا، ولو كان «التي كنا فيها» مقصودا به وصف «أهل» لما صح ذلك، وقد تقدم الكلام في ذلك في باب الإضافة 3.
فالحق أن الحكم يكون للمضاف المحذوف مطلقا، وقد يراعى الملفوظ به الذي هو المضاف إليه فيجعل الحكم في الإخبار عنه وعود الضمير وغير ذلك إذا دلّ على المراد دليل.
الأمر الثالث: قسم ابن عصفور 4 أسماء الأمكنة غير الواجب منع صرفها لعلمية وتأنيث بعلامة فيه كـ «مكة» و «حزوى» إلى خمسة أقسام كما قسم أسماء القبائل:
قسم لا يستعمل إلّا مذكرا وذلك «بدر» و «ثبير» و «فلج» و «نجد»، قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ 5، وقالت العرب: «أشرق ثبير كيما -
................................ نغير» 1، ولم يقولوا: أشرقي ثبير، وقال الشاعر: 3729 - وإنّ الّذي حانت بفلج دماؤهم... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد 2 وقال الآخر: 3730 - فإن تدعي نجدا أدعه ومن به... وإن تسكني نجدا فيا حبّذا نجد 3 فصرف «بدر» و «فلج» و «نجد» دليل التذكير، وكذا أمر «ثبير» بما يؤمر به المذكر دليل تذكيره أيضا. وقسم الغالب عليه التأنيث وهما: «فارس» و «عمان» وعليه قول القائل: 3731 - لقد علمت أبناء فارس أنّني... على عربيّات النّساء غيور 4 وقسم الغالب عليه التذكير وهو: منى وهجر ودابق وواسط وحنين، وقد تستعمل مؤنثات وقسم يستوي فيه الأمران وهو: حراء، وقباء، وبغداد، قال الشاعر: 3732 - ستعلم أيّنا خير مكانا... وأعظمنا ببعض حراء نارا 5
................................
فمنع «حراء» الصرف، وقال آخر 1:
3733 - وربّ وجه حراء منحن 2
فصرفه.
وقسم لا يستعمل إلّا مؤنثا وهو ما بقى ومنه: دمشق وجلّق.
الأمر الرابع: قسم ابن عصفور 3 أيضا أسماء السور ثلاثة أقسام: قسم هو جملة، وقسم فعل، وقسم اسم.
فالجملة تحكي نحو قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ 4، وأَتى أَمْرُ اللَّهِ 5 وأشباه ذلك.
والفعل يعرب غير مصروف، وإن كان فيه ألف وصل قطعت؛ لأنه قد صار من جملة الأسماء، وألف الوصل لا تكون في الأسماء إلّا في أسماء معلومة وذلك نحو:
اقْتَرَبَتِ 6، وكذا [5/ 71] تقلب تاؤه هاء في الوقف، وتكتب بالهاء أيضا.
والاسم قسمان:
قسم هو حرف من حروف الهجاء، تجوّز ابن عصفور في تسمية ذلك حرفا من حروف الهجاء وإنما هو اسم حرف من حروف الهجاء.
وقسم غير ذلك؛ فالذي هو غير ذلك يمنع الصرف للتعريف والتأنيث نحو:
«هود» و «نوح»، تقول: هذه هود ونوح، وقرأت هود ونوح، وتبركت بهود ونوح، وإن أضفت إليه سورة في اللفظ أو التقدير بقي على ما كان عليه قبل، فإن كان فيه ما يوجب منع الصرف منع، نحو: قرأت سورة يونس 7، وإلّا صرف نحو: قرأت سورة نوح، وسورة هود؛ والذي هو حرف من حروف الهجاء إما أن يكون واحدا أو أكثر، إن كان واحدا؛ فإن أضفت إليه سورة كان موقوفا لا إعراب - - البقعة.
وانظر البيت في الكتاب (3/ 245) والمقتضب (3/ 359).
................................
فيه فتقول: هذه سورة ص، وإن لم تضف إليه سورة لا في اللفظ ولا في التقدير جاز فيه ثلاثة أوجه: الوقف على الحكاية، وأن تعربه منصرفا إن قدرته منقولا من مذكر، وغير منصرف إن قدرته منقولا من مؤنث؛ لأن أسماء الحروف يجوز فيها التذكير على معنى الحرف والتأنيث على معنى الكلمة.
وإن كان أكثر من واحد فإن كان على وزن من أوزان الأسماء الأعجمية وأضفت إليه سورة لفظا أو تقديرا فالوقف، وإن لم تضفها إليه لا لفظا ولا تقديرا ففيه وجهان: إعرابه غير منصرف والوقف على الحكاية، وذلك نحو: طس، حم هما على وزن: هابيل وقابيل 1.
وإن لم يكن على وزن من أوزان الأعجمية فإن أمكن جعله اسما مركبا وذلك:
طسم فإن أضفت إليه سورة لفظا أو تقديرا فالوقف، وإن لم تضفها إليه لا لفظا ولا تقديرا فالوقف والبناء نحو «خمسة عشر»، وإعرابه ما لا ينصرف نحو «بعلبك»، وإن لم يمكن جعله اسما واحدا فالوقف ليس إلّا، أضفت إليه سورة أو لم تضف، نحو: «كهيعص»، و «حم عسق» انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وعرف منه أن اسم السورة إذا أضيف إليه سورة لفظا أو تقديرا يكون موقوفا أي محكيّا في ثلاثة مواضع.
الأول: أن يكون اسم الحرف واحدا نحو: سورة ص، وسورة ق، وسورة ن.
الثاني: أن يكون الاسم على وزن من أوزان الأعجمية نحو: سورة طس، سورة حم.
الثالث: أن لا يكون على وزن من الأوزان الأعجمية لكن يمكن تركيبه، أي يمكن أن يركب الأول مع الثاني نحو: سورة طسم، وأجاز الأستاذ أبو علي 2 في هذه المواضع الثلاثة مع الحكاية الإعراب أيضا، ففي نحو: ص وهو الموضع الأول يجيز الصرف وعدمه، لأن أسماء الحروف تذكر وتؤنث، فمن ذكر صرف، ومن أنث كان عنده كـ «هند» فيجوز فيه الصرف وعدمه، وفي نحو: طس وحم وهو الموضع الثاني يعربه إعراب ما لا ينصرف؛ لأنها وازنت هابيل وقابيل، وفي نحو: طسم وهو الموضع الثالث يجعل الاسمين اسما واحدا، ويجري فيه الوجهين في «حضر موت».
-
[تعريفات ومسائل في أسماء القبائل]
قال ابن مالك: (وقد تسمّى القبيلة باسم الأب والحيّ باسم الأمّ فيوصفان بابن وبنت وقد يؤنّث اسم الأب على حذف مضاف مؤنّث، فلا يمنع من الصّرف، وكذا قرأت هودا ونحوه إن نويت إضافة السّورة).
فيجوز التركيب بأن يجعل الإعراب في الميم ويفتح النون من «طس»، وتجوز الإضافة أيضا بأن يجعل الإعراب في النون ويجر الثاني بالإضافة إليه بالكسرة، إلّا إن كان فيه ما يمنع الصرف فيجر بالفتحة على ما هو المعروف في هذه المسألة.
والظاهر ما قاله ابن عصفور، أعني أن الوقف أي الحكاية واجب ولا يجوز الإعراب؛ لأن السورة إذا كانت مضافة لفظا أو تقديرا، فإنما تضاف إلى مسماها، ومسماها إنما هو لفظ القرآن العزيز لا غيره، ولفظ القرآن العزيز لا يتغير فيتعين أن يقال سورة ص، سورة طس، سورة طسم بحكاية لفظ القرآن العزيز، نعم هذا الذي قاله أبو علي من جواز الإعراب يتوجه إذا لم تذكر السورة ولم تقدر، بل ذكر الاسم خاصة، فإن الذاكر يمكن أن لا يقصد لفظ القرآن العزيز وأنه قصد ذكر اسم هذه السورة وحينئذ يجوز الإعراب 1.
قال ناظر الجيش: تضمن هذا الكلام الإشارة إلى ثلاث مسائل:
الأولى:
أن القبيلة قد تسمى باسم الأب فتوصف بابن من حيث إنه اسم أب، وببنت من حيث أطلق على القبيلة، وكذا الحي قد يسمى باسم الأم فيوصف ببنت من حيث إنه اسم أم، وبابن من حيث إنه أطلق على الحي، مثال الأول: تميم بن مرّ، وتميم بنت مرّ لأن 2 «تميما» اسم الأب وسميت به القبيلة 3، ومثال الثاني: باهلة بنت -
................................
أعصر، وباهلة ابن أعصر 1 لأن «باهلة» اسم أم وسمي به الحي 2.
المسألة الثانية:
قال الشيخ 3: مثال ذلك: قول الشاعر:
3734 - سادوا البلاد وأصبحوا في آدم... بلغوا بها بيض الوجوه فحولا 4
قال: فآدم اسم أب وهو على حذف مضاف مؤنث كأنه قال: سادوا البلاد وأصبحوا في قبائل آدم أو في أولاد آدم ونحو ذلك مما يصلح أن يقدر بمؤنث، ثم أنث آدم بعود الضمير إليه مؤنثا وهو قوله: بلغوا بها، ومع كونه أعاد الضمير مؤنثا لم يمنعه من الصرف؛ لأنه راعى المضاف المحذوف، قال: وقوله: فلا يمنع من الصّرف إشعار بانه لا يتحتم فيه الصرف لأنه يجوز أن يقول: وأصبحوا في آدم فلا يصرف لكن الوزن لا يساعده [و] لأن آدم نقلوا أنه يستعمل للقبيلة وإن كان اسم أب كما استعملوا تميما، فمن هذا الوجه يجوز أن يرد غير مصروف للتأنيث والعلمية انتهى.
وما قاله غير ظاهر فإن «آدم» الذي هو اسم لا ينصرف قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ 5، وعدم انصرافه لوزن الفعل والعلمية، وصرفه في البيت الذي أنشده إنما هو للضرورة، وهو محكوم عليه بمنع الصرف فكيف يحكم عليه بأنه مصروف؟
ولم يستحسن كلام الشيخ هنا على أنه قال 6 عقب ذلك مشيرا إلى المصنف:
«وهذا الذي قاله لا تحقيق فيه [5/ 72] لأن الضمير إنما عاد على ذلك المؤنث المحذوف وهو قبائل».
والذي قاله صحيح ولكن من أين لما أن المصنف أراد هذا الذي ذكره هو؟ فقد -
................................
يكون مراده غير ذلك وهو الظاهر، فالشيخ حمل كلام المصنف على معنى يحتمل أن يكون مرادا له، وأن يكون غير مراد، ثم رد ذلك المحتمل بقوله: «وهذا الذي قاله لا تحقيق فيه» مع أننا لم نقطع بأنه قال هذا.
وبعد ذلك فقول المصنف: وقد يؤنث اسم الأب على حذف مضاف مؤنث فلا يمنع من الصّرف غير ظاهر أيضا لأن الاسم العلم إذا أنث وجب منع صرفه، فكيف يقال: فلا يمنع من الصرف؟ نعم لو كان الأمر عكس ذلك حتى كأن يقول: وقد يؤنث اسم الأب على حذف مضاف مؤنث فيمنع من الصرف لكان أقرب، وذلك أن التأنيث العارض ليس حكمه حكم التأنيث الأصلي، فما عرض تأنيثه لا يذهب الذهن إلى منع صرفه؛ لأن صرفه هو الأصل فلا حاجة إلى أن ينبه عليه بقوله:
فلا يمنع الصرف، وإنما الفائدة في التنبيه على منع صرفه.
المسألة الثالثة:
وهي المشار إليها بقوله: وكذا قرأت عودا ونحوه إن نويت إضافة السّورة، قال الشيخ 1: يقول إن هودا ونحوه لا يمتنع من الصرف إذا نويت إضافة السورة إليه؛ لأنك إذا لم تنو إضافة السورة إليه تحتم منع صرفه؛ لأنه قد انضاف إلى العلمية فيه العجمة في الثلاثي الساكن الوسط المصاحبة للتأنيث، وانضاف إلى تأنيث الثلاثي الساكن الوسط في ذلك كونه منقولا من مذكر، لأنه في الأصل اسم للنبي صلّى الله عليه وسلّم ثم سميت السورة به.
انتهى.
ولا شك أن كون «هود» منصرفا في قولنا: قرأت هودا ناوين إضافة سورة إليه أمر معلوم؛ لأنه بإضافة سورة إليه تعين أن يراد به اسم النبي صلّى الله عليه وسلّم والاسم الأعجمي شرط منعه الزيادة على الثلاثة كما عرف، وكذا من المعلوم أنا إذا جعلناه اسما للسورة يمتنع للعلمية والتأنيث المنضم إليه العجمة، وإذا كان كذلك فإنما أتى المصنف بقوله: وكذا قرأت هودا إن نويت إضافة السورة ليبين أن نية الإضافة حكمها حكم ما لو نطق بالمضاف، فكما أننا إذا قلنا: قرأت سورة هود نصرف هودا هكذا إذا قلنا: قرأت هودا ونوينا إضافة سورة إليه، ولو لم يذكر ذلك لجاز أن يتوهم أن نية إضافة السورة -
[ما يمتنع صرفه معرفة ونكرة وما يمتنع صرفه معرفة فقط]
قال ابن مالك: (فصل ما منع صرفه دون علميّة منع معها وبعدها أيضا إن لم يكن «أفعل تفضيل» مجرّدا من «من»
خلافا للأخفش في [معدول العدد وفي] مركّب تركيب «حضر موت» مختوم بمثل «مفاعل أو مفاعيل» أو بذي ألف التّأنيث، وله في أحد قوليه، وللمبرّد في نحو:
«هوازن» و «شراحيل» و «أحمر»، وما لم يمنع إلّا مع العلميّة صرف منكّرا بإجماع).
إلى هود صلّى الله عليه وسلّم ليس كإضافتها في اللفظ فنبه بما ذكره أن الحكم فيهما واحد.
قال ناظر الجيش: قد تقدمت الإشارة إلى أن ما لا ينصرف ضربان: ضرب لا ينصرف في تنكير ولا تعريف، وضرب لا ينصرف في تعريف وينصرف في تنكير.
أما ما لا ينصرف في الحالين فخمسة أقسام وهي: ما أنث بالألف كـ «سكرى» و «حمراء»، والجمع الذي لا نظير له في الآحاد كـ «مساجد» و «قناديل»، والاسم الذي هو صفة إما مع العدل، أو مع الألف والنون الزائدتين، أو مع وزن الفعل كـ «مثنى» و «أخر» وك «سكران» و «ريّان» وك «أحمر» و «أصفر» فهذه تمنع الصرف منكرات، وكذا إذا سمي بها فصارت أعلاما؛ لأن قسمين منها وهما المؤنث بالألف والجمع، كل منهما ذو علة مستقلة بالمنع، فلا فرق فيه بين النكرة والمعرفة، وأما ثلاثة الأقسام الباقية، فلأن العلمية خلفت فيها الوصف، فاستحق منه الصرف لوجود العلتين.
وأما ما لا ينصرف في التنكير فسبعة أقسام وهي:
ما انضم إلى العلمية فيه تأنيث بغير الألف كـ «طلحة» و «زينب»، أو تركيب كـ «معدى كرب»، أو عجمة كـ «إبراهيم»، أو ألف إلحاق كـ «علقى»، أو عدل كـ «عمر» أو زيادة ألف ونون كـ «عمران»، أو وزن فعل كـ «يزيد» و «تغلب»، فهذه إذا نكرت صرفت، وذلك أن ما كان منها شرط منع صرفه العلمية كالذي فيه تأنيث بغير الألف، أو تركيب، أو عجمة، أو ألف إلحاق مقصورة، فظاهر صرفه إذا نكر لزوال شرط المنع منه وهو العلمية، وما -
................................
كان ليس شرط منع صرفه العلمية فالذي فيه عدل، أو زيادة ألف ونون، أو وزن فعل، إذا زالت العلمية منه لم يبق فيه إلّا علة واحدة، نعم إن كان ما فيه أحد الثلاثة وصفا في الأصل فنقل وسمي به ثم نكر بعد التسمية فإنه يمنع الصرف على المذهب الصحيح وهو مذهب سيبويه 1 كما سيأتي بيان ذلك.
وقد أشار ابن الحاجب إلى هذا الأصل الذي قرر بعبارة وجيزة مفيدة للحكم والتعليل حيث قال 2: «وما فيه علمية مؤثرة إذا نكر صرف لما تبين من أنها لا تجامع مؤثرة إلا ما هي شرط فيه إلّا العدل ووزن الفعل وهما متضادان فلا يكون إلّا أحدهما، فإذا نكر بقى بلا سبب أو على سبب واحد».
فقوله «مؤثرة» يحترز به من أن تكون العلمية لا أثر لها في منع الصرف لذلك الاسم كـ «مساجد» و «حمراء» اسمي رجلين، فإن العلمية لا أثر لها فيهما لاستقلال الحكم بالجمعية وألف التأنيث.
وإنما انصرف ما فيه علمية مؤثرة إذا نكر لما تبين من أن العلمية لا تجامع شيئا من العلل وهي مؤثرة إلّا ما هي فيه إلّا العدل ووزن الفعل فإنها تجامعهما من غير شرطية بدليل منع «ثلاث» و «أخر» و «أحمر» الصرف، ولو كانت العلمية شرطا فيهما لصرفت هذه الكلمات، فدل ذلك على أن العلمية ليست شرطا فيهما، لاستقلال الحكم دونها إلّا [5/ 73] أن العدل ووزن الفعل متضادان، وبيان التضاد 3 أن العدل لا يكون إلّا بالأوزان المذكورة ولا شيء منها من أوزان الفعل، فلا يجتمع أبدا مع العلمية إلّا أحدهما، فإن لم يكن فيه أحدهما بقي بلا سبب أصلا؛ لأن العلمية تزول بالتنكير، ويزول كون البواقي سببا لكون العلمية شرطا فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، وإذا نكر وفيه أحدهما بقي على سبب واحد وهو إما العدل أو وزن الفعل، والعلمية تزول بالتنكير، هذا شرح ما قصده ابن الحاجب.
وأقول: قد بقي عليه أن يستثنى الألف والنون الزائدتين؛ لأنهما يمنعان مع الوصف كما يمنعان مع العلمية، فهما في ذلك كالعدل ووزن الفعل، وإذا كان -
................................
كذلك فكان الواجب أن يقول: إلّا العدل ووزن الفعل، والألف والنون المزيدتين وهي متضادة فلا يكون إلّا أحدهما، وقد ذكر هذا الإيراد لبعضهم فأجاب بأن قال:
هو مستغن عن ذلك لقوله 1: «إن كانا - يعني الألف والنون - في اسم فشرطه العلمية، وهذا الجواب لا يفيد، لأن ذلك يقال في العدل أيضا، فيقال: إن كان في اسم فشرطه العلمية وكذا وزن الفعل يقال فيه: إن كان في اسم فشرطه العلمية.
وإذ قد تقرر هذا فلنرجع إلى لفظ الكتاب وإبراز صور المسائل المذكورة من منطوقة ومفهومه مع الإشارة إلى التعليل فنقول:
دخل تحت قوله ما منع صرفه دون علميّة منع معها؛ الأقسام الخمسة وهي:
ما امتنع صرفه لسبب واحد كالمؤنث بالألف والجمع المتناهى.
وما امتنع صرفه لسببين أحدهما الصفة والآخر العدل أو الزيادة أو الوزن.
أما المؤنث فلأن الألف كانت مستقلة بالمنع والعلمية تزيد الاسم ثقلا.
وأما الجمع المتناهى فالمانع فيه بعد التسمية به أمران: التعريف وشبه العجمة، لأنك أدخلت في الآحاد العربية ما ليس منها، كما أنك إذا سميت بالعجمي فقد أدخلت في كلام العرب ما ليس منه، هذه الجماعة - أعني المغاربة - وكان المصنف يعلل المنع - أعني منع صرفه - بغير ذلك، والظاهر ما قاله الجماعة.
وقال الشيخ 2: «إن نحو مساجد إذا سمي به يمتنع الصرف للعلمية وشبه العجمة بلا خلاف بين النحويين؛ لأن شبه العلة في هذا الباب علة، وقد استدلوا على أن العلة هنا علة بمنع «شراحيل» الصرف وهو اسم رجل سمي بالجمع، لأن سيبويه ذكر أنه عربي 3، وهذا المثال لا يكون في الآحاد العربية فهو منقول من جمع».
وأما الأقسام الثلاثة الأخر وهي التي امتنع صرفها لسببين أحدهما الصفة فلأنها بعد التسمية بها تخلف الصفة فيها العلمية، وهذا ظاهر، نعم في «أخر» و «مثنى» وأخواتها المعدولة خلاف بعد التسمية بها: مذهب سيبويه منع الصرف 4، وذهب -
................................
جماعة إلى أنها مصروفة قال [5/ 72] المصنف في شرح الكافية 1: «وكل ممنوع الصرف في التنكير ممنوع الصرف في التعريف؛ لأنه إن كان ممنوعا لألف التأنيث فقد تقدم أنها سبب قام مقام سببين، وإذا كانت كذلك في التنكير فهي في التعريف أحق بذلك؛ لأنه لا يخفف ما هو فيه بل يزيده ثقلا، وإذا كان من باب «سكران» 2 فزيادتاه إما مستقلتان بالمنع لمضارعتهما ألفي التأنيث، وإما معتضدتان بالوصفية، فإن كانتا مستقلتين فمع العلمية أولى، وإن كانتا معتضدتين بالوصفية فالعلمية تخلفها، وكذا الممنوع للوزن والوصفية، ولعدم النظير والجمعية، وهكذا الممنوع للعدل والوصفية كـ «أخر» و «مثنى» صرح بذلك سيبويه 3 وخالفه الأخفش 4 وأبو
علي وابن برهان 5 وابن بابشاذ 6 وقالوا: لأن العدل يزول معناه بالتسمية فينصرف «ثناء» وأخواته إذا سمي شيء منها مذكر، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه من منع الصرف؛ لأن لفظ العدل باق فلا أثر لزوال معناه كما لا أثر لزوال معنى الجمعية من «مساجد» علما، ولا لزوال معنى التأنيث من «سعاد» علم رجل.
وقوله - أعني المصنف -: وبعدها يريد به أن الذي منع من الصرف مع العلمية وقد كان ممنوعا دونها وهو الأقسام الخمسة المتقدمة الذكر إذا زالت العلمية عنه عاد إلى الحال التي كان عليها، فيمنع الصرف بعد العلمية أيضا إذا نكر، أما المؤنث فلأن الألف لها الاستقلال بذلك، فلا مبالاة بفقد العملية؛ لأنها لم تكن مؤثرة شيئا يزول الأثر بزوالها.
وأما ما هو بصيغة الجمع: فقالوا: إن العلة في منعه الصرف شبيه بأصله، وذلك أن الاسم نكرة كما كان قبل التسمية به كذلك، وقال المصنف في شرح الكافية 7:
«وإذا سمي بنحو: مساجد ثم نكر لم ينصرف عند غير الأخفش 8، وحكم -
................................
الأخفش بصرفه بعد التنكير، قال: والصحيح مذهب سيبويه 1، ويدل على صحته استعمال العرب «سراويل» غير مصروف كقول ابن مقبل، يصف مكانا فيه بقر الوحش:
3735 - يمشّي به ذبّ الرّياد كأنّه... فتى فارسيّ في سراويل رامح 2
و «سراويل» اسم مفرد نكرة، والجمعية منتفية في الحال، والأصل بخلاف «مساجد» إذا نكر بعد التسمية فإن الجمعية منتفية منه في الحال لا في الأصل فهو أثقل من سراويل [وأحق] بمنع الصرف.
انتهى.
وليس في كلامه ما يفهم منه علة منع الصرف، غايته أنه استدل على المنع بمنع صرف «سراويل» في لسان العرب.
وأما الثلاثة الأخر - أعني الممتنع للوصف ولأحد الثلاثة التي هي: العدل والزيادة والوزن فلأن الاسم المذكور لما زالت منه العلمية اعتبر فيه الأصل وهو الصفة، وقد علم أن المعتبر في هذا الباب إنما هو أصالة الوصف؛ ولذلك لم يؤثر عروض الاسمية في «أدهم» بل منع الصرف نظرا إلى أنه صفة في الأصل ولم يؤثر عروض الوصفية في «أكلب» من قولك: مررت [5/ 74] بقوم أكلب أي: أخسّاء، فلما كان المعتبر إنما هو أصالة الوصف وكانت هذه الأسماء صفات قبل العلمية اعتبر فيها بعد زوال العلمية ما كانت عليه قبلها.
وبعد ففي كل من الثلاثة خلاف وأنا أذكر ذلك مفصلا:
أما نحو «أحمر» وهو ما كان ممنوعا للعلمية ووزن الفعل كـ «آدر» و «آلى» فإنه إذا نكر بعد التسمية به ففيه مذاهب أربعة:
أحدها: مذهب سيبويه وهو أنه لا ينصرف 3، والظاهر أن العلة في منع صرفه ما تقدمت الإشارة إليه وهو وزن الفعل والصفة التي هي أصله، لكن المغاربة يقولون: إن العلة فيه وزن الفعل وشبهه بأصله؛ لأنه الآن نكرة كحاله إذا كان وصفا 4، وشبه العلة في هذا الباب علة كما تقدم.
ثانيها: أنه منصرف، وعلة ذلك عند القائل به أنه ليس فيه إلّا علة واحدة؛ لأنه قد نكر بعد التسمية ومعنى الوصف كان قد زال عنه حين سمي به، وهذا المذهب -