[مفسّر ضمير الغائب وتأخيره جوازا]
قال ابن مالك: (وقد يقدّم الضّمير المكمّل معمول فعل أو شبهه على مفسّر صريح كثيرا إن كان المعمول مؤخّر الرّتبة، وقليلا إن كان مقدّمها، وشاركه صاحب الضّمير في عامله).
ثم ها هنا تنبيهان:
ناقش الشيخ المصنف في تمثيله بقوله تعالى: هِيَ راوَدَتْنِي 1، ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ 2 لما لم يذكر مفسره، قال:
«فإنّ الضّمير في (هى) عائد على قوله: بِأَهْلِكَ سُوءاً 3 والضّمير في اسْتَأْجِرْهُ عائد على موسى صلّى الله عليه وسلّم.
فالمفسّر في الاثنين مصرّح بلفظه» انتهى 4.
الثاني: لم يجعل ابن عصفور الضمير في: عندي درهم ونصفه - عائدا على نظير المذكور كما قال المصنف؛ بل جعله عائدا على الدرهم المذكور باعتبار اللفظ، لا باعتبار المعنى، وكذا جعل الضمير في: نصفه فقد، وفي: ونحن
خلعنا قيده 5.
قال ناظر الجيش: قد تقدم الإعلام بأن مفسر الضمير قد يؤتى به مؤخرا عن الضمير، وإن كان ذلك على خلاف الأصل 6.
وينبغي أن يعلم أن الضمير منه ما يفسره ما بعده، فعلى هذا يكون تأخير المفسر في هذا القسم واجبا لا لأمر اقتضى وجوب تأخيره؛ بل لأن من الضمير ما وضعه أن يفسره ما بعده.
إذا تقرر هذا فيقال: إن تأخير المفسر منه واجب ومنه جائز.
وقد بدأ بذكر مواضع الجواز، وثنى بذكر مواضع الوجوب، وإذا عرفت مواضع -
................................
القسمين علم أن ما عداها باق على الأصل، فيمتنع فيه التأخير.
أما مواضع الجواز:
فاعلم أن المفسر [1/ 172] المؤخر إما أن يكون رتبته التقديم، وإما أن يكون رتبته التأخير، فهما قسمان:
أما القسم الأول: فإليه الإشارة بقوله: ويقدّم الضّمير المكمّل إلى قوله: إن كان المعمول مؤخر الرّتبة؛ لأن المعمول الذي اتصل به الضمير إذا كان مؤخر الرتبة كان المفسر عن ذلك الضمير مقدم الرتبة.
ومراده أنه يجوز تأخير المفسر كثيرا إذا كان الضمير مكملا معمول فعل، ورتبة ذلك المعمول التأخير عن المفسر المؤخر في اللفظ، ويدخل تحت هذه العبارة صور وهي:
ضرب غلامه زيد 1، وغلامه ضرب زيد، وضرب غلام أخيه زيد 2، وغلام أخيه ضرب زيد، وما أراد أخذ زيد 3، وضرب جارية يحبّها زيد 4.
لأن المضاف إليه يكمل المضاف، ومعمول الصلة يكمل الموصول، كما يكمل ما بفاعل أراد الممثل به، ومعمول الصفة يكمل الموصوف كما يكمل جارية بفاعل يحبها.
ونظير المثال الأول 5 قوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى 6.
ونظير الثاني 7 قول العرب: في بيته يؤتى الحكم 8، وشتّى تؤوب -
................................ الحلبة 1. فإن: في بيته في موضع نصب بيؤتى، والهاء عائدة على الحكم، وقد تقدما على العامل والمفسر. وشتى حال من الحلبة، وفيها ضمير عائد عليهم، وقد تقدم على العامل والمفسر. قال المصنف: «والكوفيّون لا يجيزون مثل هذا، وسماعه من فصحاء العرب صحيح؛ فهو حجة عليهم» 2. ونظير المثال الرابع 3 قول الشاعر: 268 - شرّ يوميها وأغواه لها... ركبت عنز بحدج جملا 4 لأن شر يوميها ظرف لركبت. ونظير المثال الخامس 5 قول رجل: 269 - ما شاء إن شاء ربّي والّذي هو لم... يشأ فلست تراه ناشئا أبدا 6
................................
ومثال الضمير المكمل معمول شبه الفعل قولك: هند ضارب غلامه زيد من أجلها، ومررت بامرأة ضارب غلامه أخوها.
ولا أعلم ممّاذا احترز بقوله: صريح.
وأما القسم الثاني: فإليه الإشارة بقوله: قليلا إن كان مقدّمها، أي: ويقدم الضمير المكمل معمول فعل أو شبهه على مفسر صريح قليلا إن كان المعمول مقدم الرتبة؛ لأن المعمول المكمل بالضمير إذا كان مقدم الرتبة كان المفسر الذي أخر عن ذلك الضمير مؤخر الرتبة، أي: واقع في رتبته التي هو فيها.
ومراده: أن تقديم الضمير على مفسره إذا كان بهذه الحيثية يقل لما يلزم منه من عود الضمير على متأخر في اللفظ والرتبة؛ بخلاف القسم الأول؛ فإنه وإن عاد فيه الضمير على متأخر في اللفظ، فهو متقدم في الرتبة.
ومثال ذلك قول حسان بن ثابت رضي الله عنه يرثي مطعم بن عدي:
270 - ولو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا... من النّاس أبقى مجده الدّهر مطعما 1
[1/ 173] وقال غيره:
271 - كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد... ورقّى نداه ذا النّدى في ذرا المجد 2
-
- في شرح التسهيل لابن مالك (1/ 160)، والتذييل والتكميل (2/ 260)، وليس في معجم الشواهد.
................................ وقال آخر: 272 - لمّا رأى طالبوه مصعبا ذعروا... وكاد لو ساعد المقدور ينتصر 1 وقال آخر: 273 - لقد جاز من يعنى به الحمد إن أبى... مكافأة الباغين والسّفهاء 2 وقال آخر: 274 - وما نفعت أعماله المرء راجيا... جزاء عليها من سوى من له الأمر 3 وأنشد ابن جني: 275 - ألا ليت شعري هل يلومنّ قومه... زهيرا على ما جرّ من كلّ جانب 4
-
- والمعنى: صاحب الحلم يسود قومه لعفوه عنهم، وكذلك الكريم لجوده عليهم.
وشاهده: كما في البيت قبله: عود الضمير من الفاعل (حلمه) إلى المفعول (ذا الحلم).
والبيت في شرح التسهيل (1/ 161)، وفي التذييل والتكميل (2/ 260)، وفي معجم الشواهد (ص 110).
- والمعنى: صاحب الحلم يسود قومه لعفوه عنهم، وكذلك الكريم لجوده عليهم.
................................
وأنشد أيضا:
276 - جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر... وحسن فعل كما يجزى سنمّار 1
قال المصنف 2: «والنّحويون إلا أبا الفتح يحكمون بمنع مثل هذا، والصحيح جوازه لوروده عن العرب في الأبيات المذكورة وغيرها، ولأن جواز نحو: ضرب غلامه زيدا أسهل من جواز نحو: ضربوني وضربت الزّيدين، ونحو: ضربته زيدا على إبدال زيد من الهاء.
وقد أجاز الأول البصريون 3 وأجيز الثاني بإجماع حكاه ابن كيسان 4. - - ومعنى البيت: يقول أبو جندب: على قوم زهير أن يلوموا زهيرا؛ فإنه السبب في إيذائي لهم واعتدائي عليهم.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 161)، وفي التذييل والتكميل (2/ 261)، وفي معجم الشواهد (ص 56).
ترجمة أبي جندب: هو أبو جندب بن مرة، أحد شعراء هذيل المعدودين، وهو أخو عروة وأخو خويلد بن مرة المشهور بأبي خراش الذي سبقت ترجمته.
وانظر ترجمة أبي جندب وأخباره في الشعر والشعراء (2/ 668).
................................
وكلاهما فيه ما في: ضرب غلامه زيدا، من تقديم ضمير على مفسّر مؤخر الرتبة؛ لأن مفسر واو ضربوني معمول معطوف على عاملها، والمعطوف ومعموله أمكن في استحقاق التّأخر من المفعول بالنسبة إلى الفاعل؛ لأن تقديم المفعول على الفاعل يجوز في الاختيار كثيرا، وقد يجب 1، وتقديم المعطوف وما يتعلق به على المعطوف عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز: ضربوني وضربت الزّيدين - أن يحكم بأولية جواز: ضرب غلامه زيدا لما ذكرناه.
وكذلك يلزم من أجاز إبدال ظاهر من مضمر لا مفسر له غيره نحو: ضربته زيدا، واللهمّ صلّ عليه الرءوف الرحيم؛ لأن البدل تابع والتابع مؤخر بالرتبة، ومؤخر في الاستعمال على سبيل اللزوم، والمفعول ليس كذلك؛ إذ لا يلزم تأخره» انتهى 2.
وقال في شرح الكافية: الفعل المتعدّي يدلّ على فاعل ومفعول؛ فشعور الذهن بهما مقارن لشعوره بمعنى الفعل، فإذا افتتح كلام بفعل ووليه مضاف إلى ضمير - علم أن صاحب الضمير فاعل إن كان المضاف منصوبا، ومفعول إن كان المضاف مرفوعا، فلا ضرر في تقديم الفاعل المضاف إلى ضمير المفعول، كما لا ضرر في تقديم المفعول المضاف إلى ضمير الفاعل 3.
قال الشيخ 4: «وأجاز ذلك قبل أبي الفتح من الكوفيّين أبو عبد الله الطّوال» 5.
قال الشيخ: «ولعمري إنه قد كثر مجيء ذلك في الشعر، فالأحوط جوازه في الشّعر دون الكلام.
وقد رام بعض النحويين تأويل ذلك كله، والتأويل فيه بعد» -
................................
انتهى 1.
ومثال الضمير المكمل معمول شبه الفاعل في هذا القسم قولك: هند ضارب غلامه زيدا من أجلها [1/ 174].
وأما قول المصنف: وشاركه صاحب الضّمير في عامله - فهو قيد في جواز المسألة والمعنى، وشارك المعمول للفعل أو شبهه صاحب الضمير أي المفسر في عامله، أي: ويكون صاحب الضمير معمولا للعامل الذي عمل في المعمول المكمل بالضمير كالأمثلة المتقدمة 2.
فلو لم تحصل المشاركة المذكورة لم يجز التقديم؛ نحو: ضرب غلامها جار هند؛ لأن هند مؤخر الرتبة من جهتين 3. ولا تعلق لها بضرب بخلاف ضرب غلامها هندا؛ فإن صاحب الضمير في هذا المثال قد شارك المكمل بالضمير في عامله، وصاحب الضمير في المثال الأول وهو ضرب غلامها جار هند - غير مشارك له في العامل.
وهذا بخلاف ما إذا كان المعمول المكمل بالضمير مؤخر الرتبة؛ فإنه لا يشترط مشاركة صاحب الضمير له في العامل، فيجوز أن يقال: ضرب غلامها جار هند، ومنهم من منع التقديم في ذلك أيضا.
فعلى هذا إذا اتصل الضمير العائد على الفاعل بالمفعول، فقد يشارك الفاعل المفعول في العامل وقد لا يشاركه.
وإذا اتصل الضمير العائد على المفعول بالفاعل، فقد يشارك المفعول الفاعل في العامل، وقد لا يشاركه أيضا.
فالصور أربع: - - وأبو عبد الله الطوال: هو محمد بن أحمد بن عبد الله الطوال النحوي، من أهل الكوفة، أحد أصحاب الكسائي، حدث عن الأصمعي وقدم بغداد، وسمع عنه أبو عمرو الدوري المقرئ.
قال ثعلب عنه: كان حاذقا بإلقاء العربية.
توفي سنة (243 هـ). (انظر ترجمته في بغية الوعاة: 1/ 50).
[مفسّر ضمير الغيبة وتأخره لزوما]
قال ابن مالك: (ويتقدّم أيضا غير منويّ التّأخير إن جرّ بربّ، أو رفع بنعم، أو شبهها، أو بأوّل المتنازعين، أو أبدل منه المفسّر، أو جعل خبره، أو كان المسمّى ضمير الشّأن عند البصريّين [1/ 175]، وضمير المجهول عند الكوفيّين).
الأولى: ضرب غلامه زيد وهي جائزة بلا خلاف 1.
الثانية: ضرب غلامها بعل هند وفيها خلاف.
فالمجيز يقول: لما عاد الضمير على ما أضيف إليه الفاعل، والمضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد - كان بمنزلة عود الضمير على الفاعل.
والمانع نظر إلى تأخر مفسر الضمير لفظا ورتبة، مع عدم تعلق الفعل به، فمنع.
لكن الصحيح الجواز، وقد أفهمه كلام المصنف؛ لأنه لما قال: إن كان المعمول مؤخر الرّتبة لم يعتد بالمشاركة، كما فعل في المسألة الثانية بل أطلق.
الثالثة: ضرب غلامه زيدا وقد علمت أنها ممنوعة 2 إلا عند أبي الفتح والمصنف.
الرابعة: ضرب غلامها بعل هند، وهي ممنوعة بلا خلاف.
وقد تقدم ذكر علة المنع 3.
وقال المصنف: «ومما حكم بجوازه لشبهه بضرب غلامه زيدا: ضربت جارية يحبّها زيدا، فتقدم يحبها وهو مسند إلى ضمير يعود إلى زيد، وإن كان متأخرا لفظا ورتبة؛ لأن يحبّها مكمل لجارية؛ إذ هو صفتها، فجاز تأخر مفسر ضميرها، كما جاز تأخّر مفسر الضمير المضاف إليه في نحو: ضرب غلامه زيدا» 4.
قال ناظر الجيش: لما أنهى الكلام على المفسر الجائز التأخير شرع في ذكر المفسر الواجب التأخير.
وأفاد قول المصنف ويتقدم أيضا غير منويّ التّأخير أن الضمائر
................................ التي يذكرها موضوعة على أن يفسرها ما بعدها، فرتبتها أن تكون مقدمة على المفسر. وذكر أن الضمير يفسره ما بعده في ستة مواضع: الأول: المجرور برب، مثاله قول الشاعر: 277 - واه رأبت وشيكا صدع أعظمه... وربّه عطبا أنقذت من عطبه 1 الثاني: المرفوع بنعم أو شبهها يعني ببئس 2 مثاله قول الشاعر: 278 - نعم امرأ هرم لم تعر نائبة... إلّا وكان لمرتاع بها وزرا 3 الثالث: المرفوع بأول المتنازعين 4 مثاله قول الشاعر: 279 - جفوني ولم أجف الأخلّاء إنني... لغير جميل من خليلي مهمل 5
................................
الرابع: ما أبدل منه مفسره، كقوله: اللهمّ صلّ عليه الرّءوف الرّحيم 1، حكاه الكسائي.
وذكر ابن عصفور أن في ذلك خلافا، وأن الأخفش يجيزه وغيره يمنعه، وأن الصحيح الجواز 2.
الخامس: ما جعل المفسر خبرا له، ومثال قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا 3.
قال الزمخشري: «هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلّا بما يتلوه من بيانه وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدلّ عليها ويبيّنها.
قال: ومنه: هي النّفس تحمل ما حمّلت، وهي العرب تقول ما شاءت» 4.
قال المصنف: «وهذا من جيد كلامه، وفي تنظيره بهي النّفس وهي العرب - ضعف لإمكان جعل النّفس والعرب بدلين، وتحمل وتقول خبرين» انتهى 5.
ومفسر هذه الخمسة مفرد.
ولكل واحد منها موضع إن شاء الله تعالى 6.
وأما السادس: فمفسره جملة كما سيأتي: وهو ضمير الشأن إن ذكر لفظه، - - اللغة: جفوني: من الجفاء وهو ترك المودة أو فعل السوء.
الأخلاء: الأصدقاء.
المعنى: يفتخر الشاعر بمروءته وطيب نفسه، فهو يحمل للناس الحب وللأصدقاء الإخلاص، ويتجنب كل فعل قبيح يسوءهم، أما هم فيفعلون به غير ذلك.
وشاهده: عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة؛ لأنه مرفوع بأول الفعلين المتنازعين اسما واحدا.
والمسألة فيها خلاف مشهور بين النحاة مذكور في باب التنازع.
والبيت في معجم الشواهد (ص 282)، وفي شرح التسهيل (1/ 163)، وفي التذييل والتكميل (2/ 267).
[ضمير الشأن وأحكامه]
قال ابن مالك: (ولا يفسّر إلّا بجملة خبريّة مصرّح بجزأيها؛ خلافا للكوفيّين في نحو: ظننته قائما زيد، وإنه ضرب أو قام).
نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1. وضمير القصة إن أنث لفظه، نحو: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ 2، وهذا عند البصريين، وسماه الكوفيون ضمير المجهول؛ لأنه لا يدرى عندهم ما يعود عليه 3. وإنما يفتتح المتكلم كلامه بالضمير المذكور إذا قصد أن يستعظم السامع حديثه قبل الأخذ فيه.
ولا خلاف في أنه اسم يحكم على موضعه بالإعراب على حسب العامل.
وزعم ابن الطراوة 4 أنه حرف، وأنكر كونه اسما، وفي كلام الشيخ جنوح إلى مذهبه 5 وليس هذا مما يتشاغل به 6.
واعلم أن ضمير الشأن كما خالف بقية الضمائر في أنه لا يفسر بمفرد، خالفها أيضا في أنه لا يعطف عليه، ولا يؤكد، ولا يبدل منه، ولا يتقدم خبره عليه 7.
قال ناظر الجيش: شرط الجملة المفسّرة للضمير المذكور المخبر به عنه، أن تكون خبرية، فلا تكون إنشائية ولا طلبية، وأن يكون مصرحا بجزأيها، فلا يجوّز -89101112
[أحكام أخرى تخص ضمير الشأن]
قال ابن مالك: (وإفراده لازم وكذا تذكيره ما لم يله مؤنّث، أو مذكّر شبيه به مؤنّث، أو فعل بعلامة تأنيث، فيرجّح تأنيثه باعتبار القصة على تذكيره باعتبار الشّأن).
البصريون حذف بعض الجمل المذكورة؛ لأنها مؤكدة له، ومدلول به على فخامة مضمونها.
واختصارها مناف لذلك؛ فلا يجوز [1/ 176] كما لا يجوز ترخيم المندوب، ولا حذف حرف النداء قبله.
قال المصنف 1: «وبهذا يعلم أنّ ما أجازه الكوفيّون من: إنّه ضرب، وإنّه قام ونحوهما - غير مستقيم ولا سليم؛
لافتتاحه بمزيد الاعتناء بالمحدّث عنه، واختتامه بحذف ما لا بدّ منه» 2.
وأما تجويزهم نحو: ظننته قائما زيد، على أن يكون الهاء ضمير الشأن - فمردود أيضا؛ لأن سامعه يسبق إلى فهمه كون زيد مبتدأ مؤخرا، وكون ظننت ومفعوليها خبرا مقدما، وذلك مفوت للغرض الذي لأجله جيء بضمير الشأن؛ لأن من شرطه عدم صلاحية الضمير لغير ذلك، حتى يحصل به من فخامة الأمر ما قصده المتكلم.
قال ناظر الجيش: لا يجوز أن يكون ضمير الشأن مثنّى ولا مجموعا؛ لأنه كناية عن الشأن في التذكير، وعن القصة في التأنيث، وهما مفردان، فوجب إفراد ما هو كناية عنهما، فيقال: إنه أخواك منطلقان، وإنها جاريتاك حسنتان، وإنه إخوتك صالحون، وإنها إماؤك مطيعات.
ولا تؤنث إلا إذا وليه مؤنث، كقوله تعالى:
فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا 3، أو مذكر شبه به مؤنث نحو:
«إنّها قمر جاريتك» 4، أو فعل بعلامة تأنيث مسند إلى مؤنث، كقوله تعالى: -
................................ فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ 1. ومثله قول الشاعر: 280 - على أنّها تعفو الكلوم وإنّما... يوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي 2 فهذا وأمثاله التأنيث فيه أجود من التذكير؛ لأن مع التأنيث مشاكلة تحسن اللفظ مع كون التأنيث لا يختلف؛ إذ القصة والشأن بمعنى واحد، والتذكير مع ذلك جائز، كما قال أبو طالب: 281 - وإلّا يكن لحم غريض فإنّه... تكبّ على أفواههنّ الغرائر 3 وكما قال غيره: 282 - نخلت له نفسي النّصيحة إنّه... عند الشّدائد تذهب الأحقاد 4
................................
فلو كان المؤنث الذي في الجملة بعد مذكر لم يشبه به مؤنث فضلة أو كالفضلة - لم يكترث بتأنيثه فيؤنث لأجله الضمير، بل حكمه حينئذ التذكير، كقوله تعالى:
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ 1.
وكقول الشاعر:
283 - ألا إنّه من يلع عاقبة الهوى... مطيع دواعيه يبؤ بهوان 2
وكذلك لا يكترث بتأنيث ما ولي الضمير من مؤنث شبه به مذكر، نحو «إنّه شمس وجهك» ولا بتأنيث فاعل فعل ولي الضمير بلا علامة تأنيث، نحو «إنّه قام جاريتك» هذا كله كلام المصنف 3.
وقال الشيخ 4: «أصحابنا ذكروا أن ضمير الأمر أو القصة يجوز أن يأتي بعدهما المذكّر والمؤنث، فتقول: هو زيد قائم، وهي زيد قائم، وهي هند ذاهبة، وهو هند ذاهبة [1/ 177] قال: وأما الكوفيون فزعموا أن المخبر عنه إن كان مذكرا فالضمير ضمير أمر، أو مؤنثا فالضمير ضمير قصة، ولا يجوز عندهم خلاف ذلك، وقد رد عليهم بقراءة من قرأ: أولم تكن لهم آية أن يعلمه علمؤا بنى إسرائيل 5.
فآية خبر مقدم لأن يعلمه، وأن يعلمه هو المبتدأ، وهو مذكر، والضمير في تكن - - عويف هذا ثم طلقها فعاداه عويف.
ولما سجن الحجاج عيينة في جبايات له وصله عويف وعطف عليه، وقال هذه المقطوعة.
وانظر القصة بالتفصيل وبقية الأبيات في الأمالي (2/ 218)، والتنبيه على الأمالي (ص 119)، وشرح ديوان الحماسة (1/ 263). وشاهده كالذي قبله، والبيت ليس في معجم الشواهد، وهو في شرح التسهيل (1/ 164)، وفي التذييل والتكميل (2/ 277).
[حكم ضمير الشأن من بروزه أو استتاره]
قال ابن مالك: (ويبرز مبتدأ واسم ما، ومنصوبا في بابي إنّ وظنّ، ويستكنّ في بابي كان وكاد).
ضمير قصة 1 ويقول العرب: إنّه أمة الله ذاهبة 2.
قال ناظر الجيش: ضمير الشأن لا بد أن يكون معمولا للابتداء، أو أحد نواسخه، وهي كان وإن وظن أو إحدى أخواتهن، والجملة بعده متممة لمقتضى العامل، وهو بمنزلة ضمير غائب تقدم ذكره؛ فلذلك يستتر مرفوعا بكان أو كاد أو إحدى أخواتهما، كما يستتر ما ارتفع بهما من ضمير غائب تقدم ذكره، ويبرز إذا كان مبتدأ أو اسم ما أو منصوبا بإن أو ظن أو إحدى أخواتهما، وبروزه مبتدأ كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 3.
وذكر صاحب البسيط خلافا في المبتدأ: هل يكون ضمير شأن أو لا؟ وذكر أن الفراء وأبا الحسن منعا ذلك 4. وقد خرج قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ على وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا يتكلمون في توحيد الله، فقيل لهم: هو أي التوحيد الله أحد.
الثاني: أن (أحد) بدل من اسم الله تعالى 5. -
................................ وبروزه اسما لما كقول الشاعر: 284 - وما هو من يأسو الكلوم وتتّقى... به نائبات الدّهر كالدّائم البخل 1 وبروزه في باب إن كقوله تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ 2. وبروزه في باب ظن كقول الشاعر: 285 - علمته الحقّ لا يخفى على أحد... فكن محقّا تنل ما شئت من ظفر 3 واستكنانه في باب كان كقول الشاعر: 286 - إذا متّ كان النّاس صنفان شامت... وآخر مثن بالّذي كنت أصنع 4
أسباب بناء الضمائر
قال ابن مالك: (وبني المضمر لشبهه بالحرف وضعا، وافتقارا، وجمودا، أو للاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني.
وأعلاها اختصاصا ما للمتكلّم وأدناها ما للغائب، ويغلّب الأخصّ في الاجتماع).
واستكنانه في باب كاد، كقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ 1 في قراءة حمزة وحفص؛ فإنهما قرءا يزيغ بالياء، فهو مستند إلى قلوب، والجملة التي من الفعل والفاعل خبر كاد، واسم كاد ضمير الأمر 2.
قال ناظر الجيش: ذكر لبناء المضمر سببين:
أحدهما: شبه الحرف.
والثاني: الاستغناء عن الإعراب لعدم الحاجة فيه.
وجعل شبهه للحرف في ثلاثة أمور: الوضع والافتقار والجمود.
ومراده أن كلّا من هذه الأمور مستقل بالعلية، كما أن مجموعها علة واحدة.
والمراد بشبه الحرف وضعا: كون بعض المضمرات على حرف واحد، كتاء فعلت وكاف حديثك.
وعلى حرفين كنا، وما كان [1/ 178] من المضمرات على أكثر من حرفين فمحمول على غيره؛ لأن ما هو على أقل من ثلاثة منها فهو أصل أو كالأصل، وأيضا كأنهم قصدوا جري الباب على سنن واحد.
- - هي الشّفاء لدائي لو ظفرت به... وليس منها شفاء الدّاء مبذول وانظر بيت الشاهد في معجم الشواهد (ص 217)، وهو في شرح التسهيل (1/ 165)، وفي التذييل والتكميل (2/ 282). ترجمة الشاعر: هو عمير بن عبد الله من بني سلول بنت ذهل بن شيبان، ولقبه عجير، ويكنى بأبي الفرزدق وأبي الفيل، عاش أيام عبد الملك بن مروان، فهو شاعر إسلامي يحتج بشعره، وجعله ابن سلام في شعراء الطبقة الخامسة من الإسلاميين، وقد أورد له أبو تمام مختارات في الحماسة.
توفي سنة (90 هـ). ترجمته في الأعلام للزركلي (5/ 5).
................................
والمراد بالافتقار: كون المضمر لا تتم 1 دلالته على مسماه إلا بضميمة من مشاهدة أو ما يقوم مقامها؛ فأشبه بذلك الحرف؛ لأنه لا يفهم معناه بنفسه بل بضميمة.
والمراد بالجمود: عدم التصرف في لفظه بوجه من الوجوه حتى ياء التصغير، وبأن يوصف أو يوصف به كما فعل بالمبهمات 2.
وأما الاستغناء باختلاف صيغه لاختلاف المعاني: فالمراد به أن المتكلم إذا عبر عن نفسه خاصة فله تاء مضمومة في الرفع وفي غيره ياء، وإذا عبر عن المخاطب فله تاء مفتوحة في الرفع، وفي غيره كاف مفتوحة في التذكير ومكسورة في التأنيث؛ فأغنى ذلك عن إعرابه، لأن الامتياز حاصل بدونه.
قال الشيخ: «وهذا ليس بشيء؛ لأنّ المعاني الّتي جيء بالإعراب لأجلها هي الفاعليّة والمفعوليّة والإضافة، وليست هذه الأحوال التي عرضت للمضمر من التكلم والخطاب والغيبة تدلّ على شيء من المعاني الإعرابية؛ فلا يصح الاستغناء عنها بهذه الأحوال؛ لأنّها تدلّ عليها» انتهى 3.
وما قاله حق أن لو كان اختلاف صيغ المضمر إنما هو للدلالة على التكلم وقسيميه؛ لكن الدال منه على التكلم للمرفوع منه صيغة، وكذا للمنصوب والمجرور أيضا.
وكذا الدال على الخطاب والدال على الغيبة.
والمضمر وإن انقسمت صيغه بالقسمة الأولى إلى الدلالة على التكلم والخطاب والغيبة، فهي منقسمة بالقسمة الثانية إلى ما هو للمرفوع وللمنصوب والمجرور، وقد اختلفت صيغه لاختلاف المعاني الثلاثة التي جيء بالإعراب لأجلها.
وأما قول المصنف: وأعلاها اختصاصا أي أعلى الضمائر، فقد تقدمت الإشارة إليه في أول باب المعرفة والنكرة حيث قال: -
ضمير الفصل وأحكامه
قال ابن مالك: (من المضمرات المسمّى عند البصريّين فصلا، وعند الكوفيين عمادا، ويقع بلفظ المرفوع المنفصل مطابقا لمعرفة قبل - باقي الابتداء أو منسوخه - ذي خبر بعد، معرفة أو كمعرفة في امتناع دخول الألف واللّام عليه).
وأعرفها ضمير المتكلم، ولكن ذكر هنا ليرتب عليها الحكم المذكور بعد، وهو قوله: ويغلّب الأخصّ في الاجتماع، والمراد بذلك أنك تقول: أنا وأنت فعلنا، وأنت وهو فعلتما، ولا يغلب غير الأخص، فيقال في الأول فعلتما وفي الثاني فعلا 1.
قال ناظر الجيش: الضمير المسمى فصلا عند البصريين، وعمادا عند الكوفيين كهو من قولك: حسبت زيدا هو الكريم.
فسمي فصلا للفصل به بين شيئين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ولانفصال السامع عن توهم الخبر تابعا.
وسمي عمادا لأنه معتمد عليه في تقرير المراد ومزيد البيان 2.
وذكر التابع أولى من ذكر النعت [1/ 179]، لأن الضمير المشار إليه قد يقع بعد ما لا ينعت وقبل ما لا ينعت به، نحو: حسبتك أنت القائم، وحسبت القائم هو زيدا.
ولا بد من مطابقته لما قبله في حضوره وغيبته، وتذكيره وتأنيثه، وإفراده وتثنيته وجمعه.
ولا يكون ما قبله إلا معرفة إلا عند بعضهم، فإنه أجاز تنكيره كما سيأتي 3. -
[استثناء من بعض أحكام الضمير]
قال ابن مالك: (وأجاز بعضهم وقوعه بين نكرتين كمعرفتين، وربّما وقع بين حال وصاحبها، وربّما وقع بلفظ الغيبة بعد حاضر قائم مقام مضاف).
ولا يكون عند غير الأخفش إلا مبتدأ، وما كان مبتدأ ثم دخل عليه نواسخ الابتداء وإلى هذا كله الإشارة بقوله: مطابقا لمعرفة قبل، باقي الابتداء أو منسوخه.
وأما ما بعد الضمير فلا يكون إلا معرفة أو مضارعا لها في عدم قبول حرف التعريف، كحسبتك أنت مثله أو خيرا منه، ولو أوقع قبل نكرة فقبل حرف التعريف لم يجز.
قال سيبويه 1: «واعلم أن هذا لا يحسن أن يكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة مما قال ولم تدخله الألف واللام فضارع زيدا وعمرا نحو قولك: خير منك ومثلك وأفضل منك وشرّ منك، كما أنها لا تكون في الفصل إلا وقبلها معرفة أو ما ضارعها، كذلك لا يكون ما بعدها إلا معرفة أو ما ضارعها، فلو قلت: كان زيد هو منطلقا كان قبيحا حتى تذكر الأسماء التي ذكرت لك من المعرفة أو ما ضارعها من النكرة، مما لا يدخله الألف واللام» انتهى 2.
وقال المصنف: وقلت: مطابقا لمعرفة قبل، ذي خبر بعد ليعلم أنه لو قدم الخبر لاستغني عنه 3.
قال ناظر الجيش: هذه ثلاث مسائل، وهي كالاستثناء من الضوابط الكلية المتقدمة.
أما الأولى: وهي وقوع ضمير الفصل بين نكرتين، فكالاستثناء من قوله:
لمعرفة قبل.
ومثاله: ما أظن أحدا هو خيرا منك، فإن أحدا بما فيه من العموم شبيه بالمعرف باللام الجنسية، وخيرا منك شبيه معرفة في امتناع دخول حرف التعريف عليه.
وحكى سيبويه «أن أهل المدينة يجيزون الفصل بين نكرتين كهاتين، وروي عن يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا» وقال سيبويه: «لم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، -
................................
كما أنّه لا يكون وصفا ولا بدلا لنكرة» انتهى 1.
وقد ذكر عن جماعة من النحويين موافقة أهل المدينة في ذلك 2.
وجعل بعضهم منه قوله تعالى: أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ 3. قال:
فأربى في موضع نصب 4.
وأما الثانية: وهي وقوع ضمير الفصل بين حال وصاحبها، فكالاستثناء من قوله: باقي الابتداء أو منسوخه، ومثال ذلك حكاية الأخفش عن بعض العرب أنه يأتي بالفصل بين الحال وصاحبها، فيقول: ضربت زيدا هو ضاحكا 5.
وعلى هذه اللغة قرأ بعضهم: (هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) 6 بنصب أطهر.
قال الشيخ: «اختلفوا في دخولها بعد تمام الكلام نحو: هذا زيد هو خيرا -
................................
منك، فأجاز عيسى 1 ذلك، وقرأ (هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) بالنصب، وهذا لحن عند الخليل وسيبويه [1/ 180].
قالوا: ولو جاز هذا لجاز ضربت زيدا هو أفضل منك، قالوا: وهذا خطأ على كلّ علّة قيلت في المجيء بالفصل، وزعم يونس أن أبا عمرو رآه لحنا» انتهى 2.
وأما الثالثة: وهي وقوعه بلفظ الغيبة بعد حاضر، فكالاستثناء من قوله: مطابقا.
ومثاله قول الشاعر:
287 - وكائن بالأباطح من صديق... يراني إن أصبت هو المصابا 3
قال المصنف: «تقديره عند أكثرهم: يرى مصابي إن أصبت هو المصابا، فحذف المضاف إلى الياء وأقامه في اللّفظ مقامه، وطابق الفصل المحذوف لا الثّابت» انتهى 4.
والظاهر أن معنى البيت أن المتكلم إذا أصيب، فإن صديقه يرى أنه نفسه هو -
مسائل وأحكام أخرى لضمير الفصل
قال ابن مالك: (ولا يتقدّم مع الخبر المقدّم خلافا للكسائي، ولا موضع له من الإعراب على الأصحّ، وإنّما يتعيّن فصليته إذا وليه منصوب وقرن باللّام، أو ولي ظاهرا، وهو مبتدأ مخبر عنه بما بعده عند كثير من العرب).
المصاب لا أن الصديق يرى مصاب المتكلم هو المصاب 1.
وذكر الشيخ عن العكبري 2 أنه قال: «هو توكيد للفاعل في يراني، وفصل به بين المفعولين، والأول محذوف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمضاف مصدر؛ أي يظنّ مصابي هو المصاب يحقر كلّ مصاب دونه» انتهى 3.
وما قاله العكبري أقرب مما قاله المصنف.
قال ناظر الجيش: هذه أربع مسائل:
الأولى: أن ضمير الفصل لا يؤتى به مع الخبر المقدم بل يترك، قال المصنف:
«لما كانت فائدة الفصل صون الخبر من توهمه تابعا لزم من ذلك الاستغناء عنه إذا قدّم الخبر؛ لأنّ تقدمه يمنع من توهمه تابعا؛ إذ التابع لا يتقدم على المتبوع.
فلو قدم المفعول الثاني في حسبت زيدا هو خيرا منك - لترك الفصل لعدم الحاجة إليه مع كونه في محلّه؛ فلأن يترك ولا يجاء به قبل الخبر المقدم أحقّ وأولى، فظهر بهذا بطلان ما أجازه الكسائيّ من ذلك» انتهى 4. -
................................
ولو قال المصنف: ولا يؤتى به مع الخبر المقدّم - لكان أولى من قوله:
ولا يتقدّم.
ومن فروع هذه المسألة أنه إذا تقدم مفعولا ظننت عليها جاز أن يأتي الفصل بينهما نحو: زيدا هو القائم ظننت.
فإن توسطت ظننت بين المفعولين نحو:
زيدا ظننت هو القائم، قال الشيخ: ففي جواز ذلك نظر 1.
المسألة الثانية: هل لضمير الفصل موضع من الإعراب أو لا؟
وقد اختلف النحويون أولا في صيغ ضمير الفصل، فالأكثرون 2 على أنها حروف وأنها تخلصت للحرفية، كما تخلصت الكاف التي في أكرمك للخطاب مع أسماء الإشارة في نحو ذلك.
قال المصنف في شرح الكافية:
«وإذا لم يكن له موضع من الإعراب فالحكم عليه بالحرفية غير مستبعد» انتهى 3.
وذهب الخليل 4 ووافقه جماعة إلى أنها باقية على الاسمية.
ورجح ابن عصفور مذهب الأكثرين 5 واستدل على الخليل بأنها لا موضع لها من الإعراب، قال: لو كانت أسماء لكان لها موضع من الإعراب.
وقد ردّ على ابن عصفور 6 [1/ 181] بأنه لا يلزم من كونها لا موضع لها من الإعراب نفي اسميتها؛ لأن ذلك نفي عارض من العوارض عنها، ونفي ما يعرض لا ينتفي به الأصل إنما ينتفي الشيء بانتفاء وضعه الذي أتى له.
- - الجواز عن الكسائيّ مختلف فيه عن الكسائيّ، فالّذي حفظ عنه هشام المنع، والذي حكاه الفراء وغيره عنه الجواز.
والمنع قول البصريين وهشام والفرّاء» (التذييل والتكميل: 2/ 298).
................................
والصحيح: ما ذهب إليه الخليل من أنها أسماء ولا موضع لها من الإعراب؛ إذ لا يحتاج إلى ذلك في كل موضع؛ لأن حقيقة الاسمية ثابتة في كل منها، وهي الدلالة على المسمى مثل سائر الأسماء.
وإذا ثبت أنه من الأسماء فلا بعد في أن يكون ضميرا؛ إذ دلالته بكناية كسائر الضمائر.
ثم القائلون باسمية ضمير الفصل اختلفوا: هل له موضع من الإعراب أو لا؟
فالبصريون على أنه لا موضع له 1، لأن الغرض به الإعلام من أول وهلة؛ ليكون الخبر خبرا لا صفة فاشتد شبهه بالحرف، إذ لم يجأ به إلا لمعنى في غيره، فلم يحتج إلى موضع من الإعراب، ولأنه لو كان له موضع من الإعراب لكان إياي أولى من أنا في نحو: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ 2، ولكان إياه أولى من هو في نحو:
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً 3.
والكوفيون يرون أن له موضعا من الإعراب، فله عند الكسائي ما لما بعده، وله عند الفراء ما لما قبله: فإذا قلت: زيد هو القائم فهو في موضع رفع على مذهبيهما، وإذا قلت: ظننت زيدا هو القائم فهو في موضع نصب، وإذا قلت: كان زيد هو القائم فهو عند الكسائي في موضع نصب، وعند الفراء في موضع رفع 4.
وقد تبين أن مختار المصنف أن الفصل لا موضع له من الإعراب، لكن لم يشعر -
................................
كلامه بحرفيته إلا ما نقلته عنه من شرح الكافية من أنه لا يستبعد القول بذلك إن قيل به.
وأما كلامه في التسهيل فيشعر باسميته لقوله: من المضمرات المسمّى عند البصريّين فصلا.
فظاهر هذه العبارة أن صيغ الفصل عنده من المضمرات.
وإذا كان كذلك تعين القول باسميتها، ودل كلامه في الشرح على أن القائلين بأن له موضعا يجعلونه توكيدا لما قبله.
ورد عليهم بقول سيبويه 1: «لو كان كذلك لجاز مررت بعبد الله هو نفسه»، وبأنه قال 2: «إن كان زيد لهو الظّريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين».
قال سيبويه 3 «فالعرب تنصب هذا والنّحويّون أجمعون، ولا يكون هو ونحن صفة ومعها اللّام».
يعني بالصفة التوكيد.
ثم قال سيبويه 4: «فصارت هو وأخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوا في أنّها لا تغيّر ما بعدها عن حالته قبل أن تذكر» انتهى.
وأشعر كلام سيبويه بأن الفصل لا موضع له من الإعراب.
المسألة الثالثة: في تعيين ذلك الضمير للفصلية:
وذكر أنه يتعين فصليته في صورتين:
إحداهما: إذا ولي ذلك الضمير منصوب وقرن الضمير باللام ظاهرا كان ذو الخبر أو ضميرا، نحو: - - توكيدا وكما أنك إذا قلت جاءني زيد نفسه كان تابعا لزيد في إعرابه، فكذلك العماد إذا قلت زيد هو العاقل، يجب أن يكون تابعا في إعرابه.
وأما الذين ذهبوا بأنه لا موضع له من الإعراب وهم البصريون؛ لأنه إنما دخل لمعنى وهو الفصل بين النعت والخبر كما تدخل الكاف في ذلك وتلك وتثنى وتجمع ولا حظ لها في الإعراب، وما تكون للتوكيد ولا حظ لها في الإعراب.
وردوا رأي الكسائي القائل بأن محله ما بعده، قالوا: هذا باطل؛ لأنه لا تعلق له بما بعده لأنه كناية عما قبله.
وردوا على رأي الفراء القائل: محله ما قبله لأنه توكيد، قالوا: هذا باطل أيضا؛ لأن المكني لا يكون تأكيدا للمظهر في شيء من كلامهم.
(الإنصاف: 2/ 706).
................................
إن كان زيد لهو الفاضل، وإن كنت لأنت الفاضل، وإن ظننت زيدا لهو الفاضل، وإن ظننتك لأنت الفاضل.
وإنما تعينت فصليته في هذه الصورة لامتناع حمله [1/ 182] على غير الفصلية، وذلك لأن الابتدائية فيه تمتنع لنصب الواقع بعده، وكذا البدلية والتأكيد؛ لأن اللام المذكورة لا يفصل بها بين التابع والمتبوع، وإذا امتنع كونه مبتدأ وتابعا تعين كونه فصلا.
الصورة الثانية: إذا ولي ذلك الضمير منصوبا أيضا كما في الأولى ولم يقرن هو باللام، لكن ولي ظاهرا نحو: ظننت زيدا هو القائم، فقول المصنف: أو ولي معطوف على قوله: وقرن باللّام لا على قوله: وليه منصوب؛ لأن شرط تعينه للفصلية في الصورتين هو أن يليه منصوب.
ثم لا بد مع هذا الشرط من أحد شيئين: وهو أن يقرن الضمير باللام أو يلي هو ظاهرا وإن لم يقرن بها.
وإنما تعينت فصليته في هذه الصورة أيضا؛ لامتناع حمله على غير الفصلية.
أما منع الابتدائية فيه فظاهر لنصب ما بعده، وأما التوكيد فيه فممتنع أيضا؛ لأن الظاهر لا يؤكد بالضمير، وأما البدل فذلك لعدم المطابقة في الإعراب.
واعلم أن المصنف يدخل عليه لكونه اقتصر في هذه الصورة الثانية على قوله:
أو ولي ظاهرا نحو: كان زيد هو القائم؛ لأنه قد ولي الضمير فيه منصوب، والضمير قد ولي ظاهرا، ومع هذا لا تتعين الفصلية في هذا المثال؛ إذ يجوز أن يكون الضمير بدلا من الظاهر الذي هو زيد لاتفاقهما في الإعراب، فكان الواجب أن يقول: وولي ظاهرا منصوبا؛ ليندفع عنه هذا الداخل.
أما غير هاتين من الصور التي يؤتى فيها بضمير الفصل، فلا يتعين ذلك الضمير فيها للفصلية، بل يجوز كونه فصلا وغير فصل؛ فنحو زيد هو القائم يجوز في هو أن يكون فصلا وغير فصل وأن يكون بدلا وأن يكون مبتدأ ثانيا.
وإن كان المبتدأ مضمرا نحو: أنت أنت القائم، جازت الأوجه الثلاثة 1 وزاد رابع وهو أن يكون توكيدا.
-
................................
ونحو كان زيد هو القائم، وكنت أنت القائم، مع رفع القائم في المثالين يتعين أن يكون الضمير مبتدأ، ونحو كان زيد هو القائم بنصب القائم يجوز الوجهان 1.
ووجه ثالث وهو التوكيد.
ونحو إن زيدا هو القائم يجوز فيه الابتداء والفصل 2، ونحو إنّك أنت القائم يجوز فيه الوجهان 3 ووجه ثالث وهو التوكيد.
ونحو ظننت زيدا هو القائم، وظننتك أنت القائم بنصب القائم يجوز فيه الفصلية والتأكيد.
المسألة الرابعة: هو أن كثيرا من العرب 4 يجعلون هذا الضمير مبتدأ، ويخبرون عنه بما بعده فيقرءون: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ 5، وتجدوه عند الله هو خير 6 بالرفع.
قال سيبويه 7: «بلغنا أنّ رؤبة كان يقول: أظنّ زيدا هو خير منك، وحدّثنا عيسى أنّ ناسا [1/ 183] كثيرا من العرب يقولون: وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ -
................................
الظَّالِمِينَ 1» وأنشد:
288 - تبكي على لبنى وأنت تركتها... وكنت عليها بالملا أنت أقدر 2
قال المصنف في شرح الكافية:
«البصريّون يلتزمون الرّفع في كلّ ما كان فيه الثّاني غير الأوّل، نحو: كان زيد هو القائمة جاريته؛ فإن قلت كان زيد هو القائم الجارية أجازوا النّصب» انتهى 3.
ثم ها هنا أمران:
أحدهما: أن هؤلاء العرب المشار إليهم الملتزمين لابتدائية هذا الضمير والإخبار عنه بما بعده لا يعرفون ضمير الفصل، أي لا يستعملونه في أساليب كلامهم، وإذا نطقوا بكلام غيرهم وكان مشتملا على الضمير المذكور - رفعوا ما بعده إن لم يكن مرفوعا، وجعلوه خبرا عنه؛ حتى إنهم يعدلون في الصورتين اللتين تعينت الفصلية فيهما عن نصب ما هو بعد ذلك الضمير إلى رفعه.
والحاصل: أنهم لا ينطقون بالفصل أصلا.
-
................................
الثاني: ذكر النحاة عند ذكرهم اشتراط تعريف الخبر تقسيما ينشأ عنه مسائل اختلف الأئمة فيها جوازا ومنعا فقالوا:
لم يشترط البصريون في تعريف الخبر شرطا؛ فالمضمر والعلم والمبهم والمعرف باللام 1 والمضاف إلى واحد منها في ذلك سواء.
وقال الفراء:
«إن كان معرفة بغير اللّام: لم يجز إلّا الرّفع، ولا يجوز أن يكون فصلا» 2.
وأما إن كان معرفة باللام: فإن كان في باب ما فلا يجوز الفراء أن يكون فصلا نحو: ما زيد هو القائم.
وإن كان في باب ليس: فالرفع الوجه عند الفراء، نحو: ليس زيد هو القائم، ويجوز النصب.
وأما البصريون 3 فالنصب عندهم هو الوجه وأجازوا الرفع.
وإن كان في غير ليس: فإما أن يكون دخل على الخبر لام الفرق، أو فاء جواب أما، أو دخل على صيغة المضمر لا النافية أو إلا، أو كان في معنى ما دخل عليه إلا.
فإن دخلت لام الفرق، نحو: إن كان زيد هو للقائم فلا يجوز أن يكون فصلا، وينصب القائم عند الفراء، وهو الذي يقتضيه تعليل سيبويه، لأن الفصل إنما جيء به فرقا بين النعت والخبر، فيجب ألا يجوز النصب، لأن اللام لا تدخل في النعت، وعلى قول أبي العباس يجوز النصب؛ لأن الفصل عنده إنما يؤتى به ليدل على أن الخبر معرفة أو ما قاربها 4.
وإن دخلت على الخبر فاء جواب أما نحو قولك: أمّا زيد هو فالقائم - فذهب سيبويه والفراء إلى أنه لا يجوز
الفصل؛ لأن دخول الفاء يدل على أنه ليس بنعت.
-
................................
وعلى قول أبي العباس يجب أن يجوز 1.
وإن دخلت لا النافية على صيغة المضمر نحو قولك: كان عبد الله لا هو العالم ولا المقارب؛ فمذهب البصريين جواز الفصل والنصب؛ لأن (لا) لا تغير من هذا شيئا، ويفرق بها بين النعت والمنعوت لا اختلاف في ذلك.
وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز إلا الرفع فيهما جميعا 2.
وإن دخلت (إلا) [1/ 184] على صيغة المضمر نحو: ما كان زيد إلّا هو الكريم؛ فذهب البصريون والفراء إلى أنه لا يجوز الفصل ولا النصب، وذهب الكسائي إلى جواز ذلك؛ لأن المعنى: ما كان زيد إلا الكريم.
وإن كان الكلام في معنى ما دخل عليه (إلا) نحو: إنّما كان زيد هو القائم؛ فهي عند الفراء كالمسألة التي قبلها 3. والحجة في إجازتها أن النعت هنا يجوز.
وإن لم يدخل على الخبر ولا على صيغة الضمير شيء مما ذكر فإما أن يكون الخبر جامدا أو مشتقّا:
إن كان جامدا: جاز أن يكون فصلا، نحو قوله تعالى: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ 4، وإن كان مشتقّا: فإما أن يرفع ضمير الأول أو سببيه:
إن رفع ضمير الأول: فإما أن يتقدم عليه ما ظاهره التعلق به من حيث المعنى أو لا يتقدم، نحو: كان زيد هو بالجارية الكفيل.
فإن أردت يكون بالجارية في صلة الكفيل لم تجز المسألة بإجماع رفعت الكفيل أو نصبته.
وإن أردت ألا تكون في صلة الكفيل، فمن النحاة من يجعل ذلك تبيينا، ومنهم من يقدره هو كفيل بالجارية الكفيل،
ومنهم من يجعل الكفيل بمنزلة الرجل، والرفع في الكفيل هو البين.
فإن -
................................
نصبت الكفيل لم تجز المسألة عند الفراء بوجه، وعلى أصول البصريين إذا جعلت الجارية تبيينا جاز النصب في هذا الوجه خاصة.
وإن لم يتقدم جاز الفصل نحو: كان زيد هو الكفيل بالجارية، وظننت زيدا هو القائم، وكان زيد هو الحسن الوجه 1.
وإن كان رافعا السببي والضمير مطابق للاسم نحو: ظننت زيدا هو القائم أبوه، وهو القائمة جاريته، فلا يجوز فيه عند البصريين الفصل؛ بل يجب الرفع، وأجاز الكسائي الفصل والنصب.
وفصل الفراء بين أن يكون خلفا 2 فيوافق الكسائي، وغير خلف فيوافق البصريين.
وإن كان مخالفا نحو: كان زيد هي القائمة جاريته؛ فأجاز الكسائي النصب ومنع الفراء والبصريون هذه المسألة، فلا يجوز لا برفع ولا بنصب لتقدم المكني على الظاهر 3.
وإذا عطفت بالواو: فإن لم يذكر الضمير بعدها نحو: كان زيد هو المقبل والمدبر جاز الوجهان: الرفع والنصب - وإن ذكر بعدها واختلف الخبران نحو: كان زيد هو القائم وهو الأمير، فلا يجوز في الأمير عند البصريين والفراء إلا الرفع، وأجاز هشام فيه النصب 4.
وإن اتفقا نحو: كان زيد هو المقبل وهو المدبر، فالرفع في المقبل والمدبر عند البصريين فقط، وأجاز النصب الفراء وهشام 5.
وإذا عطفت بلا وذكرت الضمير بعدها نحو: كان زيد هو القائم لا هو القاعد رفعت على قول البصريين، ونصبت على قول هشام - وإن لم يذكر نحو: كان زيد هو القائم لا القاعد جاز رفعهما ونصبهما بلا خلاف.
وإذا عطفت بـ (ولكن) نحو: ما كان زيد هو القائم ولكن هو القاعد رفعت القاعد في قول البصريين وأجاز هشام النصب 6 [1/ 185].
واعلم أن فائدة الفصل عند الجمهور هو إعلام السامع أن ما بعده لا يكون نعتا مع -
................................
التوكيد 1.
وقال السهيلي 2: «فائدته الاختصاص، فإذا قلت: كان زيد القائم، كان إخبارا عن زيد بالقيام، واحتمل أن يكون غيره قد شاركه فيه، وإذا قلت: كان زيد هو القائم أفاد اختصاصه بالقيام دون غيره، وعلى هذا معنى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 3 أنه المختص بالبتر دونك يا محمد، والآية نزلت في العاص بن وائل 4.
وجعل من الاختصاص قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى 5، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا 6، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى 7، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى 8.
لما كان ثم من يدعي أنه يضحك ويبكي، ويميت ويحيي ويفني ويغني، وأن الشعرى رب - أخبر تعالى عن نفسه بأنه هو المختص بذلك، وقال تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ 9 لما لم يدّع أحد الخلق لم يحتج إلى التخصيص» انتهى.
ولا يخفى 10 أن الخبر الواقع بعد ضمير الفصل لا يكون فعلا؛ فإدراجه ذلك في التمثيل ليس بجيد.
إلا أن الشيخ حكى أن الجرجاني حكى أن بعضهم أجاز أن يكون ما بعد صيغة الضمير الذي هو فصل فعلا مضارعا نحو: كان زيد هو يقوم 11 وكذا في كلام -
................................
أصحاب علم البيان ما يشعر بجواز ذلك.
لكن قد تقدم النقل عن سيبويه بأن هو لا يكون فصلا حتى يكون ما بعده معرفة أو ما أشبه المعرفة، وبأنه قال: فلو قلت:
كان زيد هو منطلقا كان قبيحا 1.
وأما إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ 2، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى 3، فمحتمل ما قاله 4 ووافق السهيلي في هذه الدعوى أصحاب علم البيان، فقالوا:
إنّ ضمير الفصل يفيد الاختصاص 5.
ولنختم الكلام على الفصل بمسألة ذكرها الشيخ في ارتشاف الضرب 6 له وهي:
«ما إذا اجتمع ضميران مع الفصل ولم يفصل بينهما، نحو: زيد ظننته هو إيّاه القائم؛ فمذهب سيبويه لا يجوز ذلك، وإن فصلت وأخّرت البدل جاز نحو: ظننته هو القائم إياه سواء كان الفصل بالمفعول الثاني كما مثّلنا أم بظرف معمول الخبر نحو: ظننته هو يوم الجمعة إيّاه القائم إذا جوّزنا معمول ذي أل أن يتقدم عليها، فإن كان أحدهما إضمارا والآخر ظاهرا جاز اتفاقا، نحو: ظننته هو نفسه القائم» 7.
شرح التسهيل المسمى «تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد»
تأليف محب الدين محمد بن يوسف بن أحمد المعروف بناظر الجيش المتوفى سنة 778 هـ
دراسة وتحقيق: • أ. د. علي محمد فاخر (كلية اللغة العربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر محمد البراجة (كلية اللغة العربية بالزقازيق- جامعة الأزهر) • أ. د. إبراهيم جمعة العجمي (كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر) • أ. د. جابر السيد المبارك (كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالمنصورة - جامعة الأزهر) • أ. د. علي السنوسي محمد (كلية اللغة العربية بأسيوط - جامعة الأزهر) • أ. د. محمد راغب نزال (كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية)
[المجلد الثاني]