قال ابن مالك: (ومن المضمرات إيّا خلافا للزّجّاج.
وهو في النّصب كأنا في الرّفع.
لكن يليه دليل ما يراد به من متكلّم أو غيره، اسما مضافا إليه وفاقا للخليل والأخفش والمازني، لا حرفا خلافا لسيبويه ومن وافقه.
ويقال: إيّاك وإياك وهيّاك وهياك).
ومثال التشديد على لغة همدان 1 قول الآخر:
227 - وإنّ لساني شهدة يشتفى بها... وهوّ على من صبّه الله علقم 2
وقول الآخر:
228 - والنّفس إن دعيت بالعنف آبية... وهيّ ما أمّرت باللّطف تأتمر 3
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على المنفصل المرفوع أخذ يتكلم في المنفصل المنصوب، وهو إيا أو ما اتصل بها أو مجموعهما على اختلاف الأقوال.
وذكر المصنف في ذلك ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن إيّا اسم ظاهر لا مضمر، وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، فيكون -
................................
الضمير ما بعد إيّا 1، ونسب ابن عصفور هذا المذهب إلى الخليل 2.
الثاني: أن إيّا اسم مضمر، وأن اللواحق التي تلحق أسماء مضافا إليها إيّا.
قال المصنف: «وهو مذهب الخليل والأخفش والمازني» 3.
الثالث: أن إيّا اسم مضمر، وأن اللواحق التي تلحقها حروف دالة على المتكلم وغيره، وهو مذهب سيبويه 4.
وذكر ابن عصفور مذهبين آخرين:
أحدهما: أن إيّا دعامة، أي زيادة يعتمد عليها اللواحق؛ ليتميز المنفصل عن المتصل.
قال الشيخ: «وهو مذهب الفرّاء» 5.
الثاني: أن الاسم بجملته هو الضمير، وهو إيّا وما يتصل بها.
قال الشيخ:
«ونسب إلى الكوفيّين» 6.
فأما مذهب الزجاج فقال المصنف 7:
«الدليل على أن إيّا ضمير: أنه يخلف ضمير النصب المتصل عند تعذره لتقديم على العامل، نحو: إيّاك أكرمت، أو لإضماره، نحو: إياك والأسد، أو لانفصال بحصر أو غيره، نحو: ما أكرم إلا إيّاك، وأكرمته وإيّاك؛ فخلفه كما يخلف ضمير الرفع المنفصل ضمير الرفع المتصل عند تعذره، فنسبة المنفصلين من المتصلين نسبة واحدة، ولأن بعض المرفوعات كجزء من رافعه، وقد ثبت لضميره منفصل؛ فثبوت ذلك لضمير النصب أولى؛ إذ لا شيء من المنصوبات كجزء من ناصبه، ولأن إيّا لا تقع دون ندور في موضع رفع.
[1/ 157] وكل اسم لا يقع في موضع -
................................
رفع فهو مضمر أو مصدر أو ظرف أو حال أو منادى، ومباينة إيّا لغير المضمر متيقنة فتعين كونه مضمرا، ولأن إيّا لو كان ظاهرا لكان تأخره عن العامل واتصاله به جائزا، بل راجحا على انفصاله عنه وتقدمه عليه كحال غيره من المنصوبات الظاهرة؛ والأمر بخلاف ذلك فامتنع كونه ظاهرا ولزم كونه مضمرا، لكنه وضع بلفظ واحد، فافتقر إلى وصله بما يبين المراد به من الكاف وأخواتها» انتهى 1.
وناقشه الشيخ في هذه الوجوه المستدل بها بما يمكن المنازعة فيه 2.
وأما مذهب الفراء فأبطل بأن الاسم لا يكون دعامة، وأما مذهب الكوفيين 3 بأن الاسم لا يتغير بعضه بتغير
أحوال المراد به من غيبة وخطاب وتكلم.
وأما مذهب الخليل ومن وافقه وهو أن الكاف وأخواتها ضمائر مجرورة بالإضافة لا حروف، فقال المصنف: «إنه هو الصحيح لأن فيه سلامة من ستة أوجه مخالفة للأصل:
أحدها 4: أن الكاف في إياك لو كانت حرفا كما هي في ذلك لاستعملت على وجهين: مجردة من لام وتالية لها، كما استعملت مع ذا وهنا، ولحاقها مع إيا أولى لأنها كانت ترفع توهم الإضافة، فإن ذهاب الوهم إليها مع إيا أمكن منه مع ذا؛ لأن إيا -
................................
قد يليها غير الكاف، ولذا لم يختلف في حرفية كاف ذاك، بخلاف كاف إياك 1.
الثاني: أنها لو كانت حرفا لجاز تجريدها من الميم في الجمع كما جاز تجريدها مع ذا.
كقوله تعالى: فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ 2، ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ 3، 4.
الثالث: أنه لو كانت اللواحق بإيا حروفا، لم يحتج إلى الياء في إياي، كما لم يحتج إلى التاء المضمومة في أنا 5.
الرابع: أن غير الكاف من لواحق إيا مجمع على اسميته مع غير إيا مختلف في اسميتها معها؛ فلا يترك ما أجمع عليه لما اختلف فيه، ثم تلحق الكاف بأخواتها ليجري الجميع على سنن واحد 6.
الخامس: أن الأصل عدم اشتراك اسم وحرف في لفظ، وفي القول باسمية اللواحق سلامة من ذلك فوجب المصير إليه.
السادس: أن هذه اللواحق لو لم تكن أسماء مجرورة المحل، لم يخلفها اسم مجرور بالإضافة فيما رواه الخليل من قول العرب: إذا بلغ الرّجل السّتين فإيّاه وإيّا الشّوابّ، وروي: فإيّاه وإيّا السّوآت يعني بالسين المهملة 7. وهذا مستند قوي؛ لأنه منقول بنقل العدول بعبارتين صحيحتي المعنى» انتهى 8. -
................................ ولا يخفى ضعف بعض هذه الأوجه، بل أكثرها وأقواها الوجه الرابع. وأما ما رواه الخليل من: فإيّاه وإيّا الشواب، فقد حملوه على الشذوذ. قال ابن عصفور 1: «بل لنا أن نقول: هذه المضافة إلى الظّاهر ليست بإيّا من إيّاك، وإن اتّفقا في اللّفظ، بل هي اسم مظهر؛ لأنّ المضمر لا يضاف؛ لأنه لا يفارقه التعريف ولا يضاف إلّا ما يتنكّر» انتهى. قال بعضهم: «فإيّا فيما روى الخليل بمعنى حقيقة، كأنّه قال: فإيّاه وحقيقة الشّوابّ» ثم قال المصنف - بعد إيراد الأوجه الستة - 2: «فإن قيل هذه الوجوه مؤدية إلى إضافة إيا وهي ممتنعة [1/ 158] من وجهين: أحدهما: أن إيا لو كان مضافا لم تخل إضافته من قصد تخفيف أو تخصيص. فقصد التخفيف ممتنع؛ لأنه مخصوص بالأسماء العاملة عمل الأفعال وإيا ليس منها. وقصد التخصيص ممتنع أيضا، لأن إيا أحد الضمائر، وهي أعرف المعارف، فلا حاجة بها إلى تخصيص. الثاني: أن إيا لو كان مضافا لكانت إضافته إضافة شيء إلى نفسه وهي ممتنعة. والجواب أن يقال: أما إضافة التخفيف فمسلم امتناعها من إيا. وأما إضافة التخصيص فغير ممتنعة، فإنها تصير المضاف معرفة إن كان قبلها نكرة، وإلا ازداد بها وضوحا، كما يزداد بالصفة، كقول الشاعر: 229 - علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم... بأبيض ماضي الشّفرتين يماني 3
................................
فإضافة زيد هنا أوجبت له من زيادة الوضوح مثل ما يوجب وصفه إذا قيل: علا زيد الذي منا زيدا الذي منكم.
فكما قبل زيادة الوضوح بالصفة، قبل زيادة الوضوح بالإضافة من غير حاجة إلى انتزاع تعريفه.
وقد يضاف علم لا اشتراك فيه على تقدير وقوع الاشتراك المحوج إلى زيادة الوضوح، كقول ورقة بن نوفل 1:
230 - ولوجا في الّذي كرهت قريش... ولو عجّت بمكّتها عجيجا 2
وإذا جازت إضافة مكة ونحوها مما لا اشتراك فيه، فإضافة ما فيه اشتراك أولى بالجواز كإيا، فإنه قبل ذكر ما يليه صالح أن يراد به واحد من اثني عشر معنى؛ فالإضافة إذا له صالحة، وحقيقته بها واضحة، وكأن انفرادها بالإضافة دون غيرها من الضمائر كانفراد أي بها دون سائر الموصولات.
ورفعوا توهم حرفية ما يضاف إليه بإضافتها إلى الظاهر في قولهم: فإيّاه وإيّا الشّوابّ.
والاحتجاج بهذا للخليل على سيبويه 3 شبيه باحتجاج سيبويه على يونس 4 - - والبيت في معجم الشواهد (ص 396)، وشرح التسهيل (1/ 147)، والتذييل والتكميل (2/ 211).
................................
بقول الشاعر:
231 - دعوت لما نابني مسورا... فلبّي فلبّي يدي مسور 1
لأن يونس يرى أن ياء لبيك ليست للتثنية، بل هي كياء لديك؛ فاحتج سيبويه بثبوت ياء لبي مع الظاهر، ولو كانت كياء لدى لم تثبت إلا مع المضمر، كما أن ياء لدى لا تثبت إلا مع المضمر.
وأما إلزامهم بإضافته أيضا إضافة الشيء إلى نفسه، فنلتزمها معتذرين بما اعتذر عنها في نحو: جاء زيد نفسه وأشباه ذلك» انتهى 2 وهو كلام حسن.
قال الشيخ: «الذي يقطع ببطلان اسمية ما أضيف إليه إيّا، أنه كان يلزم إعراب إيّا كما لزم إعراب أي؛ فإنّ سبب إعراب أي إنما هو لزوم الإضافة، وذلك موجود في إيّا» انتهى 3.
وما ذكره غير لازم؛ إذ لا يلزم من اعتبار الإضافة في أي اعتبارها في غيرها، على أنه قد تقدم في باب الإعراب أن المقتضي لإعراب أي أمران:
وهما لزوم الإضافة، وكونها بمعنى بعض مع المعرفة، وبمعنى كل مع النكرة.
وإذا كان كذلك فلا يلزم المصنف بإعراب إيا؛ لأن المقتضي بتمامه لم يوجد فيه، إنما [1/ 159] وجد جزؤه وجزء العلة ليس بعلة.
وذكر المصنف فيها غير اللغة المشهورة أربع لغات 4: - - هذا اللفظ في الإضافة كقولك عليك، وزعم الخليل أنها تثنية بمنزلة حنانيك؛ لأنا سمعناهم يقولون: حنان، وبعد أن أنشد بيت الشاهد قال: فلو كان بمنزلة على لقال: فلبي يدي مسور؛ لأنك تقول: على زيد إذا أظهرت الاسم».
[مواضع انفصال الضمير]
قال ابن مالك: (فصل: يتعيّن انفصال الضّمير إن حصر بإنّما، أو رفع بمصدر مضاف إلى المنصوب، أو بصفة جرت على غير صاحبها، أو أضمر العامل، أو أخّر، أو كان حرف نفي أو فصله متبوع، أو ولي واو المصاحبة، أو إلّا، أو إمّا، أو اللّام الفارقة، أو نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتّفقا رتبة، وربّما اتّصلا غائبين إن لم يشتبها لفظا). وهي أيّاك بفتح الهمزة وتشديد الياء، وإياك بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وهيّاك بكسر الهاء وتشديد الياء، وهياك بفتح الهاء وتخفيف الياء. قال المصنف: «وأغرب لغاتها تخفيف الياء» 1. قال ناظر الجيش: المضمر بالنسبة إلى الاتصال والانفصال على ثلاثة أقسام: قسم يجب اتصاله، وقسم يجب انفصاله، وقسم يجوز فيه الأمران. ولما كانت مواضع الانفصال محصورة، وكذا مواضع الاتصال والانفصال، اقتصر المصنف على ذكرها، فعلم أن ما سكت عنه يجب فيه الاتصال. أما الانفصال فذكر أنه يجب في اثني عشر موضعا: الأول: إذا حصر بإنما 2 كقول الشاعر: 232 - أنا الذّائد الحامي الذّمار وإنّما... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي 3
................................
وكقول الآخر:
233 - كأنّا يوم قرّى إنّما نقتل إيّانا 1
الثاني: إذا رفع بمصدر مضاف إلى المنصوب 2 كقول الشاعر:
234 - بنصركم نحن كنتم ظافرين وقد... أغرى العدا بكم استسلامكم فشلا 3
الثالث: إذا رفع بصفة جارية على غير صاحبها، كقول الشاعر:
235 - غيلان ميّة مشغوف بها هو قد... بدت له فحجاه بان أو كربا 4
الرابع: إذا أضمر العامل، كقول الشاعر: - - (ديوان الفرزدق: (2/ 152). اللغة: الذائد: من ذاد عنه أي دافع، وقد روي مكانه الفارس.
الذّمار: بزنة كتاب؛ ما يلزمك حفظه وحمايته.
الأحساب: مفاخر الآباء.
والمعنى والشاهد واضحان.
وانظر البيت ومراجعه في معجم الشواهد (ص 301)، وشرح التسهيل: (1/ 147)، والتذييل والتكميل (2/ 215).
................................ 236 - فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل 1 الخامس: إذا أخر العامل، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ 2. السادس: أن يكون العامل حرف نفي، كقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ 3، ومنه قول الشاعر: 237 - إن هو مستوليا على أحد... إلّا على أضعف المجانين 4 السابع: إذا فصل بمتبوع، كقوله تعالى: يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ 5. ومنه قول الشاعر، أنشده سيبويه 6: 238 - مبرّأ من عيوب النّاس كلّهم... فالله يرعى أبا حفص ويرعانا 7
................................ ومثل المصنف لذلك بقوله تعالى: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ 1. الثامن: إذا ولي واو المصاحبة، كقول الشاعر: 239 - فآليت لا أنفكّ أحدو قصيدة... تكون وإيّاها بها مثلا بعدي 2 التاسع: إذا ولي إلا، كقوله تعالى: أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ 3، ومنه [1/ 160] قول الشاعر: 240 - قد علمت سلمى وجاراتها... ما قطّر الفارس إلّا أنا 4 العاشر: إذا ولي أما كقول الشاعر: 241 - بك أو بي استعان فليك إمّا... أنا أو أنت ما ابتغى المستعين 5
-
- قال أبو حيان في الشاهد: «وقد خالف في ذلك بعض أصحابنا، والانفصال في وإيّانا لم يجز إلّا لضرورة الوزن».
والبيت في معجم الشواهد (ص 488)، وشرح التسهيل (1/ 150)، والتذييل والتكميل (2/ 225).
- قال أبو حيان في الشاهد: «وقد خالف في ذلك بعض أصحابنا، والانفصال في وإيّانا لم يجز إلّا لضرورة الوزن».
................................
الحادي عشر: إذا ولي اللام الفارقة 1 كقول الشاعر:
242 - إن وجدت الصّديق حقّا لإيّا... كـ فمرني فلن أزال مطيعا 2
الثاني عشر: إذا نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتفق رتبة مثاله:
علمتك إيّاك أي أنت في علمي الآن كما كنت من قبل.
والمراد بالموافقة في الرتبة كونه لمتكلم كعلمتني إياي، أو لمخاطب كعلمتك إياك، أو لغائب كزيد علمته إياه، أو لغائبين كقولك: مال زيد أعطيته إياه 3.
قال المصنف: «فانفصال ثاني الحاضرين متعين أبدا؛ لأنه لا يكون إلّا مثل الأول لفظا ومتحدا به معنى؛ فاستثقل اتّصالهما، ولأنّ اتّصالهما يوهم التّكرار.
وانفصال ثاني الغائبين متعين أيضا إن كان هو الأول في المعنى، نحو: مال زيد أعطيته إيّاه» انتهى 4.
واحترز بقوله: غير مرفوع: من قولهم: ظننتني قائما؛ فإن الضمير الذي هو الياء نصبه عامل في مضمر قبله، وقد اتفقا رتبة؛ فإنهما لمتكلم؛ لكن الضمير الأول مرفوع فلا يجب انفصال الثاني بل ولا يجوز انفصاله.
وكذلك قولك: زيد ظنّه قائما 5، قد عمل ظن في مضمر مرفوع، وهو الفاعل المستكن، وفي مضمر - - والشاعر يفتخر بنفسه وبصاحبه بأن من يريد الاستعانة بأحد في أمر فليستعن به أو بصاحبه.
والبيت في معجم الشواهد (ص 395)، وفي شرح التسهيل (1/ 150)، وفي التذييل والتكميل (2/ 227).
................................
منصوب وهو الهاء وقد اتفقا رتبة ولا يجوز فصل الضمير المنصوب أيضا.
وأشار المصنف بقوله: وربّما اتّصلا غائبين إذا لم يشتبها لفظا إلى أنه إن غاير الثاني الأول لفظا حال الغيبة جاز الاتصال لكنه ضعيف، وبه يشعر قوله: وربّما، واستدل المصنف على ذلك بما روى الكسائي من قول العرب: «هم أحسن النّاس وجوها وأنضرهموها».
وقول مغلّس بن لقيط 1:
243 - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة... لضغمهماها يقرع العظم نابها 2
(وأنشد الإمام بدر الدين بن مالك 3... -
................................
في شرح الألفية 1:
244 - لوجهك في الإحسان بسط وبهجة... أنا لهماه قفو أكرم والد 2
وهذا في الدلالة أصرح مما ذكره والده) 3.
ثم هنا أبحاث:
[البحث الأول]:
ذكر ابن عصفور في شرح الجمل 4 والصفار 5 في شرح الكتاب 6 في - - وقد شرح ألفية والده وهو الكتاب المأخوذ منه النص المذكور.
كما شرح كافيته أيضا ولاميته.
وقد كمل شرح التسهيل بعد والده، من أول المصادر، لكنه لم يتم الكتاب، وله كتب أخرى في البلاغة والمنطق والعروض.
توفي بدمشق سنة (686 هـ) وحزن الناس عليه حزنهم على والده.
انظر ترجمته في بغية الوعاة (1/ 225)، الأعلام (7/ 260).
................................
فصل الضمير بعد إنما مذهبين:
أحدهما: مذهب سيبويه: وهو أن الفصل ضرورة 1. وذكرا أن سيبويه لم يلتفت إلى المعنى، وهو كون الضمير
في معنى المفصول بينه وبين عامله بإلا.
الثاني: مذهب الزجاج: وهو أن الفصل ليس بضرورة، لما ذكر من كون الكلام بمعنى إلا.
وأفهم كلامهما أن الزجاج يجيز الفصل ولا يوجبه؛ ومن ثم جعل الشيخ القول الأول بتعين الانفصال في كلام المصنف مذهبا ثالثا 2.
قال ابن عصفور: «والصّحيح أنّ الفصل ضرورة، إذ لو كان هذا الموضع موضع فصل الضّمير لوجب ألّا يؤتى به [1/ 161] متّصلا كما لا يجوز ذلك مع إلّا؛ فقول العرب: إنّما أدافع عن أحسابهم وأمثاله؛ دليل على أنّه من مواضع الاتّصال وأنّ الانفصال فيه ضرورة» 3.
وقال الصفار: «مذهب سيبويه أسدّ؛ لأنّك تقدر على الاتّصال فلا تفصله؛ بخلاف إلّا؛ إذ لا يمكن أن يتّصل بهما ضمير وتكون القرائن تبيّن المحصور ما هو من فاعل أو مفعول على حسب المواضع» انتهى 4.
ولا يتجه لي القول بأنه إذا كان الضمير محصورا بعد إنما لا يتعين انفصاله؛ فضلا عن أنه لا يجوز، لأنّا بالبديهة نعقل الفرق بين قولنا: إنما قام أنا، وبين قولنا:
إنما قمت.
إذ معنى الأول: ما قام إلا أنا، فالحصر في الفاعل، ومعنى الثاني:
ما فعلت إلا القيام، فالحصر في الفعل، فلا يعلم أن الحصر في الفاعل إلا بانفصال الضمير، وسببه: أن إنما لما كانت للحصر كان معناها معنى إلا الواقعة بعد النفي.
والمحصور بإلا يجب تأخره عنها؛ فيجب إذ ذاك انفصاله إن كان ضميرا متصلا بعامل قبلها، فكذلك يجب أن يكون الحال مع إنما.
ولو كان الأمر على ما قال -
................................ الصفار من أن الحصر إنما يتبين بالقرائن، لما أوجب النحاة تأخير المحصور بها؛ لكنهم أوجبوا تأخير الفاعل إذا قصد حصره، وكذلك تأخير المفعول أيضا؛ فدل على أنهم لم يكتفوا بالقرائن. وأما قول ابن عصفور: إنه لو كان من مواضع الانفصال لما جاء متصلا، وقد قالت العرب: إنما أدافع عن أحسابهم فغير ظاهر؛ لأن قائل هذا الكلام لم يقصد حصر الفاعل، والفصل إنما يجب مع قصد الحصر، وإنما قصد هذا المتكلم حصر المتعلق بالفعل، أي: لا أدافع إلا عن أحسابهم لا عن شيء آخر. أما كون غيره لا يدافع فلم يتعرض إليه. والظاهر أن الجماعة إنما حكموا بأن مذهب سيبويه أن الفصل ضرورة بقوله 1: «هذا باب ما يجوز في الشّعر من إيّا، ولا يجوز في الكلام، فمن ذلك قول حميد الأرقط 2: 245 - [أتتك عنس تقطع الأراكا]... إليك حتّى بلغت إيّاكا 3 وقال آخر: 246 - كأنّا يوم قرّى إنّما نقتل إيّانا 4
................................
وقد حمل المصنف الفصل في: إنما نقتل إيانا - على أنه ضرورة من وجه آخر غير الوجه الذي حمل الجماعة عليه وهو الذي أذكره:
قال المصنف: «وقد وهم الزمخشريّ في قوله: إنّما نقتل إيّانا، فظنّ أنّه من وقوع المنفصل موقع المتصل 1، وليس كذلك، لأنه لو أوقع هنا المتصل فقال:
إنّما نقتلنا، لجمع بين ضميرين متّصلين أحدهما فاعل والآخر مفعول مع اتحاد المسمى، وذلك مما يختصّ به الأفعال القلبية.
وغر الزمخشريّ ذكر سيبويه هذا البيت في باب: ما يجوز في الشّعر من إيّا ولا يجوز في الكلام، فذكر البيت الّذي أوله كأنّا لا لأن ما فيه لا يجوز إلا في الشعر، بل لأن إيّانا وقع فيه موقع أنفسنا فبينه وبين الأول يعني: حتى بلغت إياكا مناسبة من قبل أن إيا في الموضعين [1/ 162] واقعا موقعا غيره به أولى.
لكن في الثّاني من معنى الحصر المستفاد بإنما ما جعله مساويا للمقرون بإلا، فحسن وقوع إيا فيه كما كان يحسن بعد إلا وهذا مطّرد، فمن اعتقد شذوذه فقد وهم» انتهى وهو محمل جيد 2.
وقال الشيخ: «ما ذهب إليه المصنّف من تعيّن انفصال الضّمير بعد إنّما - خطأ فاحش وجهل بلسان العرب.
قال الله تعالى: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ 3، إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ 4، إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ 5، وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ 6، ولو كان الأمر على ما زعم لكان التركيب إنّما -
................................
يشكو بثّي وحزني إلى الله أنا 1، وإنّما يعظكم بواحدة أنا، وإنّما أمر أن يعبد ربّ هذه البلدة أنا، وإنّما يوفّى
أجوركم أنتم» انتهى 2.
ويا لله التعجب من الشيخ، جهّل المصنف وخطّأه وقوّله ما لم يقل، واعتقد فيه أنه يمنع من جواز ما لم يتوهم بشر منعه.
لم يقل إن إنما لا يقع بعدها الضمير إلا منفصلا فيرد عليه بوقوعه متصلا، إنما قال: إن الضمير المحصور بإنما يجب انفصاله، فكيف يرد عليه بما لم يقصد فيه حصر الضمير.
أما الآيات الكريمة التي رد بها الشيخ على المصنف، فلم يقصد في شيء منها حصر الفاعل، إنما قصد حصر متعلق الفعل؛ فمعنى الآية الأولى «لا أشكو بثي وحزني إلا إلى الله» أي لا أشكو إلى غيره 3. ومعنى الآية الثانية «لا أعظكم إلا بواحدة» أي لا أعظكم بغيرها، ومعنى الآية الثالثة «ما أمرت إلا أن أعبد رب هذه البلدة»، ومعنى الآية الرابعة «لا توفون أجوركم إلا يوم القيامة»، وهذا واضح، ولا أعرف كيف خفي هذا على الشيخ رحمه الله تعالى.
البحث الثاني:
ما ذكره المصنف هنا من تعين انفصال الضمير إذا رفع بصفة جارية على غير صاحبها، هو مذهب البصريين، ولم يوجب الكوفيون الإبراز إلا عند خوف اللبس 4، واختار المصنف في باب المبتدأ مذهبهم؛ فإطلاقه القول هنا بوجوب الانفصال إما للاتكال منه على ما ذكر في باب المبتدأ فيقيد به هذا الإطلاق، وإما لأنه جرى هنا على مذهب البصريين، ثم نبه على مختاره في باب المبتدأ 5. -
................................
وقد استثنى الكوفيون أيضا صورة ثانية لا يجب فيها الإبراز، وهي إذا تكررت الصفة نحو: زيد حسنة أمه عاقلة هي، فلا يوجبون هي بعد عاقلة.
وفي الحقيقة هذه الصورة داخلة تحت قولهم: لا يجب الإبراز عند أمن اللبس، فلا حاجة إلى تخصيصها بالذكر.
وقد ذكر النحاة أن الضمير لا يبرز إذا كان لمثنى أو جمع؛ لأن في تثنية اسم الفاعل وجمعه دلالة عليه، وذلك نحو: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، وقائم آباؤه لا قاعدين.
استغنى في المثال الأول عن هما، وفي المثال الثاني عن هم بتثنية اسم الفاعل وجمعه، وسيأتي ذلك في باب المبتدأ إن شاء الله تعالى.
البحث الثالث:
تقدم أنه يجب انفصال [1/ 163] الضمير إذا نصبه عامل في مضمر قبله غير مرفوع عند الاتفاق في الرتبة، إلا إذا كانا للغيبة واختلفا لفظا؛ فإنه قد يتصل الضمير الثاني.
وقد ذكر الشيخ أنه قد يؤتى بالثاني متصلا حال التكلّم والخطاب والغيبة دون الاختلاف لفظا فقال 1:
«إذا اتفق الضميران في الرتبة فإما أن يكونا لمتكلم أو مخاطب أو غائب.
إن كان لمتكلم فلا اتصال نحو: منحتني إياي، ويقبح الاتصال، وإن كانا لمخاطب فالاختيار الانفصال، ويجوز الاتصال ضعيفا نحو: أعطيتكما إياكما، وأعطيتكما كما، وأعطيتكم إيّاكم، وأعطيتكم كم، وأعطيتكن إيّاكن، وأعطيتكن كنّ، ومنع الاتصال الفراء 2.
وإن كانا لغائب فإما أن يتحدا لفظا أو يختلفا 3: إن اتحدا فكضمير المخاطب 4 فيكون الانفصال مختارا نحو: الدرهم أعطيته إياه، ويجوز على ضعف: - - جريان رافع الضّمير على غير صاحب معناه؛ ليجري الباب على سنن واحد.
وخالفهم الكوفيّون فلم يلتزموا الإبراز إلّا مع اللّبس وبقولهم أقول لورود ذلك في كلام العرب كقول الشّاعر (من البسيط): قومي ذرى المجد بانوها وقد علمت... بكنه ذلك عدنان وقحطان
................................
أعطيتهوه، ومنع الفراء أيضا الاتصال.
وإن اختلفا فالفصل هو الكثير، تقول: هند الدّرهم أعطيتها إيّاه، وأعطيته إياها، ويجوز: أعطيتهاه وأعطيتهوها» انتهى 1.
وفي كتاب سيبويه ما يقتضي منع الاتصال إذا كان الضميران للمتكلم 2. وأما إذا كانا للغيبة فقال سيبويه: «فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب، قلت:
أعطاهوها وأعطاهاه جاز وهو عربيّ لا عليك بأيّهما بدأت من قبل أنّهما كلاهما غائب، وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم، والكثير في كلامهم أعطاه إيّاه» انتهى كلام سيبويه 3.
وأشعر قوله: والكثير في كلامهم أعطاه إيّاه - أن القليل جواز الاتصال وإن اتفق اللفظان؛ وعلى هذا لا يحسن قول المصنف فيما تقدم 4: إن لم يشتبها لفظا لإشعار كلام الإمام بخلافه.
البحث الرابع:
انتقد الشيخ على المصنف كونه مثّل للاتصال في الغائبين المختلفي اللفظ بما في بيت مغلس وهو (لضغمهماها) وبما روى الكسائي من (وأنضرهموها).
قال:
لأن أحد الغائبين مخفوض، وأصحابنا ذكروا أنه لا يجوز فيه إلا الانفصال، نحو قولك: هند زيد عجبت من ضربه إيّاها 5.
قالوا: ولا يجوز من ضربهها إلّا في ضرورة، وأنشدوا بيت مغلّس؛ أو في -
[مواضع جواز الاتصال والانفصال]
قال ابن مالك: (وإن اختلفا رتبة جاز الأمران، ووجب في غير ندور تقديم الأسبق 1 رتبة مع الاتّصال؛ خلافا للمبرّد ولكثير من القدماء، وشذّ إلّاك فلا يقاس عليه).
- نادر كلام، وذكروا ما رآه الكسائي 2.
وظاهر كلام سيبويه ينفي ما انتقده الشيخ على المصنف، فإنه قال بعد قوله:
والكثير في كلامهم أعطاه إياه: على أنّ الشّاعر قد قال 3:
247 - وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة...... البيت المذكور
البحث الخامس:
اعلم أن المصنف لما ذكر وجوب انفصال الضمير 4 - إنما ذكر المواضع التي يمكن فيها الاتصال، أما ما لم يمكن فيه ذلك فلم يذكره؛ لأن الانفصال فيه ضروري، ولهذا لم يتعرض إلى ما ذكره غيره من أن الضمير يجب فصله إذا كان مبتدأ أو خبرا للمبتدأ أو خبرا لإن.
لكن ذكر ابن عصفور صورة يجب فيها [1/ 164] الانفصال، ولم يذكرها المصنف وهي 5 ما إذا كان الضمير منصوبا بمصدر مضاف إلى الفاعل، ومثل لذلك بقوله: عجبت من ضرب زيد إياك، ومن ضربك إياه.
وأقول: أما ضرب زيد إياك فظاهر فيها وجوب الانفصال 6، وأما ضربك إياه فالاتصال فيها جائز كما سيأتي 7. قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على مواضع الانفصال شرع في ذكر مواضع الاتصال والانفصال وأشار إلى ضابطها بقوله: وإن اختلفا رتبة جاز الأمران أي -
................................
الاتصال والانفصال في الثاني من الضميرين.
واعلم أن المواضع التي يجوز فيها الأمران ستة، وهي ما كان فيه الضميران منصوبين وتحته قسمان؛ لأن النصب فيهما إما بفعل غير قلبي كأعطيتكه، وإما بفعل قلبي كخلتكه، وما كان فيه أول الضميرين مجرورا وتحته ثلاثة أقسام؛ لأن الجر إما بإضافة اسم فاعل نحو: الدرهم (زيد) 1 معطيكه، أو بإضافة مصدر.
والمجرور إما فاعل به وإما مفعول نحو: فراقيها ومنعكها 2.
وما كان فيه أول الضميرين مرفوعا؛ وهو والمنصوب بعده مبتدأ وخبر في الأصل نحو: كنته 3، وإذا كان كذلك فينبغي ألا يكون الضمير في اختلفا عائدا على ما تقدم ذكره؛ إذ يلزم فيه أن تكون الإشارة إلى الضميرين المنصوبين خاصة، بل يكون الضمير المذكور عائدا على الضميرين غير مقيدين بالقيد المتقدم.
أي: وإن اختلف الضميران رتبة جاز الأمران، وهذا هو الذي يقتضيه كلام المصنف في الشرح.
وأما كون أول الضميرين المختلفي الرتبة منصوبا أو مجرورا أو مرفوعا بالقيود التي ذكرت فيعلم من كلامه بعد، ثم مع الفصل تقدم أي الضميرين شئت، فتقول:
الدرهم أعطيتك إياه وأعطيته إياك، وهذا مستفاد بطريق المفهوم من قول المصنف:
ووجب في غير ندور تقديم الأسبق رتبة مع الاتّصال.
وأما مع الاتصال فعند سيبويه يجب تقديم الأسبق رتبة، فتقول: أعطيتكه، ولا يجوز أعطيتهوك، وأجاز كثير من قدماء النحويين 4 ووافقهم المبرد - تقديم غير الأسبق مطلقا 5. وأجازه الفراء إذا كان الضمير لمثنى أو لجماعة مذكرين، نحو: -
................................ الدرهمان أعطيتهماك، والغلمان أعطيتهموك، وأجاز الكسائي ما أجازه الفراء وزاد عليه أن يكون الضمير للإناث، نحو: الدراهم أعطيتهن كن، والذي ورد به السماع مذهب سيبويه، ومن أجاز غير ذلك فإنما أجازه قياسا 1. قال سيبويه: «فإن بدأ بالمخاطب قبل نفسه فقال أعطاكني، أو بدأ بالغائب قبل المخاطب فقال أعطاهوك، فهذا قبيح لا تتكلّم به العرب، ولكنّ النّحويّين قاسوه» 2. قال المصنف [1/ 165]: «قلت: ولا يعضد قول من أجاز القياس في ذلك قول العرب: عليكني؛ لكون الكاف فيه متقدمة على الياء؛ لأن الكاف في عليك فاعل في المعنى، فينزل تقدمها على الياء منزلة تقدم التاء في قولك: أكرمتني، فلا يجوز أن يجري مجراها كاف ليس لها حظ في الفاعلية، نحو كاف أعطاك، ولكن يعضد قول من أجاز القياس في ذلك بما روى ابن الأثير في غريبه من قول عثمان رضي الله عنه: «أراهمني الباطل شيطانا»، فقدم ضمير الغائب على ضمير المتكلم المتصل» انتهى 3. -
................................
قلت: لم يكن المصنف ليحتاج إلى الاعتذار عن تقدم الكاف على الياء في عليكني؛ وذلك أن الكلام إنما هو في ضميرين قد سلط عليهما عامل واحد، ولا شك أن على وإن عمل في الكاف - ليس عاملا في الياء، بل لما عمل في الكاف جعل المجموع من الجار والمجرور عاملا في الياء، فلا يقال إن الكاف تقدمت على الياء.
وأيضا فإنما يقال بتقدم واحد من الضميرين على آخر، حيث يتصور تقدم ذلك الآخر عليه، وها هنا لا يتصور تقدم الياء على الكاف، أعني في عليكني ونحوه.
وأما لفظ عثمان رضي الله عنه فعنه احترز بقوله: في غير ندور.
وهذا الاحتراز ليس بجيد؛ فإنه لو قدم ضمير المتكلم في هذا الكلام على ضمير الغيبة، لانعكس المراد من مقصود المتكلم كما تقدم، وإنما الواجب أن كان يؤتى بالضمير الثاني منفصلا، فيقال: أراهم إياي.
فالشذوذ إنما هو في الإتيان بالضمير متصلا لا في تقدم ضمير الغيبة على ضمير المتكلم.
وأشار المصنف بقوله: وشذ إلّاك فلا يقاس عليه - إلى قول الشاعر:
248 - وما نبالي إذا ما كنت جارتنا... ألّا يجاورنا إلّاك ديّار 1
قال: «فالأكثرون على أن الاتصال فيه لم يستبح إلا لضرورة؛ لأنّ حقّ الضّمير بعد إلا الانفصال اعتبارا بأن إلا غير عاملة، ومن حكم على إلا بأنها عاملة 2 لم يعدّ هذا من الضرورات، بل جعله مراجعة لأصل متروك، ويعتذر عن مثل:
قاموا إلا إيّاك، بكون الاستعمال استمر بالانفصال، والأولى به الاتصال».
[المختار في مواضع جواز الاتصال والانفصال]
قال ابن مالك: (ويختار اتّصال نحو هاء أعطيتكه، وانفصال الآخر من نحو فراقيها ومنعكها وخلتكه، وكهاء أعطيتكه هاء كنته، وخلف ثاني مفعولي نحو: أعطيت زيدا درهما في باب الإخبار).
قال ناظر الجيش: لما ذكر ضابط ما يجوز فيه الاتصال والانفصال، وكان بعضه مختار الاتصال وبعضه مختار الانفصال، أخذ في بيان ذلك، وقد تقدم أن الأمرين جائزان في ستة أبواب ذكر المصنف منها في المتن خمسة 1. والسادس ذكره في الشرح: وهو ما كان فيه أول الضميرين مجرورا 2، وهما معمولان لاسم فاعل.
وأما ما فيه خلف ثاني المفعولين في باب الإخبار فهو من فروع باب أعطيتكه، فلا يعد قسما زائدا.
وأشار بنحو هاء أعطيتكه 3 إلى ما كان ثانيا من ضميرين [1/ 166] منصوبين بفعل غير قلبي، فإنه جائز فيه الاتصال والانفصال، واتصاله أجود؛ ولذلك لم يأت في القرآن إلا متصلا كقوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ 4.
قال المصنف 5: «وظاهر كلام سيبويه أنّ الاتصال لازم 6 ويدلّ على عدم -
................................
لزومه قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فإنّ الله ملّككم إيّاهم، ولو شاء ملّكهم إيّاكم» 1.
وقال الشيخ: «لم يذكر سيبويه في هذا إلّا الاتصال 2 وحكى غيره «الانفصال».
وقال السيرافي: «لا يجيز سيبويه فيه الانفصال» وقال الأستاذ أبو علي:
«الانفصال فيه أفصح» 3 وتأول كلام سيبويه.
وأشار بالآخر من نحو فراقيها ومنعكها 4 إلى ما كان من الضمائر منصوبا بمصدر مضاف إلى ضمير قبله هو فاعل أو مفعول أول.
وأدرج المصنف هنا ما كان منصوبا باسم فاعل مضاف إلى ضمير هو مفعول أول 5.
فالمنصوب بمصدر مضاف إلى ضمير هو فاعل كقول الشاعر:
249 - تعزّيت عنها كارها فتركتها... وكان فراقيها أمرّ من الصّبر 6
والمنصوب بمصدر مضاف إلى ضمير هو مفعول أول كقوله: -
................................ 250 - فلا تطمع أبيت اللّعن فيها... ومنعكها بشيء يستطاع 1 والمنصوب باسم فاعل مضاف إلى ضمير هو مفعول أول كقول الشاعر: 251 - لا ترج أو تخش غير الله إنّ أذى... واقيكه الله لا ينفكّ مأمونا 2 والمختار في هذه الثلاثة ونحوها الانفصال. وإذا كان الضمير كهاء خلتكه 3 في كونه ثاني مفعولي أحد أفعال القلوب فالانفصال به أولى. قال المصنف: «لأنّه خبر مبتدأ في الأصل، وقد حجزه عن الفعل منصوب آخر» انتهى 4. وقال سيبويه: «وتقول: حسبتك إيّاه وحسبتني إيّاه؛ لأنّ حسبتنيه قليل في الكلام» 5. ومن الانفصال قول الشاعر: 252 - أخي حسبتك إيّاه وقد ملئت... أرجاء صدرك بالأضغان والإحن 6
................................
ومن وروده متصلا قول الآخر:
253 - بلّغت صنع امرئ برّ إخالكه... إذ لم تزل لاكتساب المجد مبتدرا 1
وأشار بقوله: وكهاء أعطيتكه هاء نحو كنته 2 يعني أنه يختار فيها الاتصال على الانفصال وهذا هو اختيار المصنف.
قال الشيخ: «واتّبع فيه الرّمّاني وابن الطّراوة» 3.
وفرق المصنف بين هاء خلتكه وهاء كنته، وإن اشتركا في أن كلّا منهما خبر مبتدأ في الأصل - بأن هاء خلتكه حجزه عن الفعل منصوب آخر بخلاف هاء كنته، فإنه شبيه بهاء ضربته في أنه لم يحجزه إلا ضمير مرفوع، والمرفوع كجزء من الفعل، فكأن الفعل مباشر له؛ فكان مقتضى هذا ألا ينفصل كما لا ينفصل هاء ضربته إلا أنه أجيز الانفصال فيه مرجوحا لا راجحا؛ خلافا لسيبويه ومن تبعه 4. - - يكون منادى؛ لأن المعنى على الإخبار لا على النداء والعتاب.
وشاهده واضح من الشرح.
والبيت في شرح التسهيل (1/ 155)، والتذييل والتكميل (2/ 239)، ومعجم الشواهد (ص 401).
................................
دليلنا على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن المشار إليه ضمير [1/ 167] منصوب بفعل لا حاجز له إلا ما هو كجزء منه؛ فأشبه مفعولا لم يحجزه من الفعل إلا الفاعل، فوجب له من الاتصال ما وجب للمفعول الأول؛ فإن لم يساوه في وجوب الاتصال فلا أقل من كون اتصاله راجحا.
الوجه الثاني: أن الوجهين مسموعان فاشتركا في الجواز إلا أن الاتصال ثابت في النثر والنظم.
والانفصال لم يثبت في غير استثناء إلا في نظم؛ فرجح الاتصال لأنه أكثر في الاستعمال.
ومن الوارد منه متصلا في النظم دون ضرورة قول الشاعر:
254 - كم ليث اغترّبي ذا أشبل غرثت... فكانني أعظم اللّيثين إقداما 1
فقال: كانني مع تمكنه من أن يقول فكنته أعظم الليثين، على جعل أعظم بدلا من الضمير ومفسرا له 2 كما قالوا: اللهمّ صلّ عليه الرّؤوف الرّحيم.
- - ولم تستحكم هذه الحروف ها هنا، لا تقول كانني وليسني ولا كانك فصارت إيّا هاهنا بمنزلتها في ضربي إيّاك.
وتقول: أتوني ليس إيّاك، ولا يكون إيّاك؛ لأنك لا تقدر على الكاف ولا الهاء ها هنا؛ فصارت إيّا بدلا من الكاف والهاء في هذا الموضع».
ثم قال: «وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسني وكذلك كانني».
................................
ومن الوارد منه في النثر قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها «إيّاك أن تكونيها يا حميراء» 1، وقوله صلّى الله عليه وسلّم لعمر رضي الله عنه في ابن صياد: «إن يكنه فلن تسلّط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» 2.
ومن ذلك قول بعض العرب عليه رجل ليسني، وقال سيبويه: «وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنّهم يقولون: ليسني، وكذلك كانني» 3.
هذا نصه، ولم يحك في الانفصال نثرا إلا قولهم في الاستثناء: «أتوني ليس إيّاك، ولا يكون إيّاك» 4. وهذا يتعين انفصاله في غير الضرورة؛ لأن ليس و (لا يكون) فيه واقعان موقع إلا؛ فعومل الضمير بعدهما معاملته بعدها، فلا يقاس على ذلك ما ليس مثله.
والاتصال في قوله:
255 - [عددت قومي كعديد الطّيس]... إذ ذهب القوم الكرام ليسي 5
من الضرورات؛ لأنه استثناء، ولو لم يكن استثناء لكان الاتصال أولى من الانفصال كما تقرر.
انتهى كلام المصنف واستدلاله 6.
وقد تكلم الشيخ هنا في جانب المصنف بكلام غير مناسب، وجعله مكابرا ومكاذبا لسيبويه، واعتذر عنه بأنه «قليل الإلمام بكتاب سيبويه، وأنه يلمح شيئا -
................................
منه ببادئ النّظر، فيستدل به من غير تتبّع لما قبله ولما بعده.
وكم شيء فاته من علم سيبويه لقلّة إلمامه به» انتهى كلام الشيخ 1.
ولم يرد على المصنف بشيء غير أنه قال: إن سيبويه يقول: إنّ كلام العرب على الانفصال، وإنّ الاتّصال قليل.
والمصنف لم يجهل أن سيبويه قال ذلك، ولو جهله لم يصرح في الشرح بخلافه؛ حيث قال: «خلافا لسيبويه ومن تبعه».
ولكن هذه عادة الشيخ مع المصنف.
256 - وهبني قلت هذا الصّبح ليل... أيعمى العالمون عن الضّياء 2
ولقد أجاد القائل في قوله:
257 - لا تضع من عظيم قدر وإن كن... ت مشارا إليه بالتّعظيم
فالشّريف الكريم ينقص قدرا... بالتّحري عن الشّريف الكريم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم... ر بتنجيسها وبالتّحريم 3
[1/ 168] وقد علم مما تقدم أن الاتصال يختار في بابين وهما باب أعطيتكه وباب كنته، وأن الانفصال يختار في أربعة أبواب، وهي باب خلتكه، وباب فراقيها، وباب منعكه، وباب معطيكه 4. -
فصل الضمير الواجب الاتصال
قال ابن مالك: (ونحو: ضمنت إيّاهم الأرض، ويزيدهم حبّا إليّ هم - من الضّرورات). وجعل المصنف خلف ثاني مفعولي نحو: أعطيت زيدا درهما في باب الإخبار كهاء أعطيتكه 1، فيكون الاتصال فيه مختارا. ومثال ذلك: الذي أعطيته زيدا درهم، هذا على الاتصال؛ وإن جئت به منفصلا مراعاة للترتيب الأصلي قلت: الذي أعطيت زيدا إياه درهم، والاتصال رأي أبي عثمان المازني. قال المصنف: «وباختياره أقول؛ لأنّ الاتصال هو الأصل؛ فإذا أمكن بلا محذور، فلا عدول عنه عند مراعاة الأولى؛ فلو كان بدل الدرهم مفعول لا يعلم كونه ثانيا إلا بالتأخر نحو: أعطيت زيدا عمرا فأخبر عنه - تعيّن انفصاله لأن وصله بالفعل يوهم كونه أولا؛ فلو عضد بهذا قول غير المازنيّ 2 لاعتضد، فيقال: إذا تعيّن الانفصال في بعض صور الإخبار فليلتزم في جميعها، ليجري الباب على سنن واحد كما فعل في غيره» 3. قال ناظر الجيش: لما اقتصر المصنف على ذكر مواضع انفصال الضمير، ومواضع اتصاله وانفصاله - علم أن ما سكت عنه يجب فيه الاتصال، فصار كأنه قال: «وما عدا ما ذكر من مواضع وجوب الانفصال ومواضع جواز الأمرين - يجب اتصاله» ولهذا ساغ له أن يحكم بالضرورة على ما أنشده والضمير فيه منفصل. أما ضمنت إياهم الأرض فمن قول الفرزدق: 258 - بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت... إيّاهم الأرض في دهر الدّهارير 4
................................
فلولا الضرورة لقال ضمنتهم.
وأما يزيدهم حبّا فمن قول الشاعر:
259 - وما أصاحب من قوم فأذكرهم... إلّا يزيدهم حبّا إليّ هم 1
فهم الآخر فاعل يزيد.
قال المصنف: «وظن بعضهم أنّ هذا جائز في غير الشعر؛ لأن قائله لو قال يزيدونهم لصح.
فيجعل المتّصل وهو الواو فاعلا والمنفصل توكيدا، وهذا وهم؛ لأنّ ذلك جمع بين ضميرين متصلين لمسمى واحد أحدهما فاعل والآخر مفعول، وذلك لا يكون في غير فعل قلبي» انتهى 2.
قال الشيخ: الذي ظنه هذا الظّان صحيح، وما ردّ به المصنف فاسد؛ لأنه اعتقد أنّ الفاعل بيزيد هو المفعول به، وليس كذلك، بل الفاعل بيزيد عائد على قوم.
وهم المتصل بيزيد عائد على من سبق ذكره في الشّعر من الّذين فارقهم.
فاختلف مدلول الفاعل والمفعول.
انتهى 3. - - ونسب إلى أمية بن أبي الصلت وليس في ديوانه.
وشاهده واضح من الشرح، ودهر الدهارير معناه الزمن الطويل.
وهو في شرح التسهيل (1/ 156)، وفي التذييل والتكميل (2/ 247)، وفي معجم الشواهد (ص 183).
[مفسّر ضمير الغائب وتقديمه]
قال ابن مالك: (فصل: الأصل تقديم مفسّر ضمير الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلّا بدليل، وهو إمّا مصرّح بلفظه، أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسّا أو علما أو بذكر ما هو له جزء أو كلّ أو نظير أو مصاحب بوجه ما).
والذي ذكره الشيخ حق، وقد كان وقع لي هذا عند قراءة هذا الموضع، ولكن لما ذكره الشيخ تعين إسناده إليه.
قال ناظر الجيش: ما دل على الحضور وهو ضمير المتكلم والخطاب مستغن عن المفسر [1/ 169] اكتفاء بالمشاهدة المقارنة الدالة على المراد به.
وأما ضمير الغائب فليس له مشاهدة مقارنة فاحتاج لذلك إلى مفسر.
والأصل أن يكون المفسّر مقدما على ما يفسره، ولا يكون مؤخرا إلا في أبواب محصورة 1، فقول المصنف: الأصل تقديم مفسّر ضمير الغائب يفهم منه شيئان:
أحدهما: أن ضمير الغائب لا بد له من مفسر، ويفهم منه أن ضمير الحضور مستغن عن ذلك.
والثاني: أن الأصل في المفسّر أن يكون مقدما على الضمير المفسّر.
وذكر المصنف والشيخ أن ضمير الحضور مفسر بالمشاهدة، والأمر في ذلك قريب والظاهر ما ذكرته 2.
ثم إذا تقدم على الضمير شيئان صالح كل منهما للتفسير - فالمفسّر هو الأقرب نحو: أكرمت زيدا وعمرا في داره، فالضمير لعمرو لقربه.
ولا يكون المفسّر غير الأقرب، إلا إن دل على ذلك دليل، ومثّله الشيخ بقوله تعالى: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ 3، -
................................
فالضمير في ذريته عائد على إبراهيم لا على إسحاق ولا على يعقوب صلوات الله عليهم أجمعين؛ لأن المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها هو إبراهيم 1.
قال المصنف: «جعلوا تقديم مفسر الغائب خلفا عمّا فاته من مقارنة المشاهدة؛ ومقتضى هذا القصد تقديم الشعور بالمفسر كما يتقدم الشعور بذات يصلح أن يعبر عنها بضمير حاضر.
واللائق بالمفسر لكونه كجزء المفسر 2 في تكميل وضوحه أن يتصل به؛ فلذلك إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا، جعل للأقرب ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج» انتهى 3.
ولكون الضمير لا يعود إلا على الأقرب، قال الشيخ: «استدلّ ابن حزم على تحريم جميع الخنزير لحما وشحما وجلدا وغيرها بقوله تعالى: فَإِنَّهُ رِجْسٌ 4 بعد قوله تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ لما ألزم أن يقول بتحليل شحم الخنزير.
فجعل الضمير في فَإِنَّهُ عائدا على الخنزير؛ لأنّه أقرب مذكور، وإنما ذكر اللحم أولا لأنه هو المعهود أكله لمن يأكله لا على جهة حصر التحريم فيه» انتهى 5.
ثم المفسّر قد يستغنى عن ذكره، ويدل عليه ما يفهم من سياق الكلام، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسّا أو علما.
والأكثر كونه مذكورا، وقد يستغنى عن ذكره بذكر ما يدل عليه مما بينه وبينه نسبة للجزئية أو الكلية أو غيرهما كما سيأتي.
-
................................ ولنرجع إلى لفظ الكتاب: وقوله: وهو إما مصرح بلفظه أي المفسّر، وذلك نحو: زيد لقيته. وقوله: أو مستغنى عنه أي مستغنى عن لفظه بحضور معناه في الحس كقوله تعالى: هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي 1، ويا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ 2، أو بحضور معناه في العلم، كقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 3، ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ 4، ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ 5. وقوله: أو بذكر [1/ 170] ما هو له جزء أي: أو مستغنى عنه بذكر ما صاحب الضمير جزؤه، فهذا عائد على صاحب الضمير، والضمير في له عائد على المذكور، وذلك كقول الشاعر: 260 - أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصّدر 6
................................
وذكر الفتى مغن عن ذكر النفس؛ لأنها جزؤه، فعاد إليها فاعل حشرجت، والضمير المجرور بالياء ومنه قولهم: «من كذب كان شرّا له» 1 فأضمروا في كان ضمير الكذب؛ لأنه جزء مدلول كذب، ومثله قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى 2 فهذا عائد على العدل؛ لأنه جزء مدلول اعْدِلُوا.
ومنه قول الشاعر:
261 - وإذا سئلت الخير فاعلم أنّها... حسنى تخصّ بها من الرّحمن 3
فأعاد الضمير إلى المسألة؛ لأنها جزء مدلول سئلت.
ومنه قول الشاعر:
262 - إذا نهي السّفيه جرى إليه... وخالف والسّفيه إلى الخلاف 4
فالهاء من إليه عائد على السفه؛ لأنه جزء مدلول السفيه.
وقوله: أو كلّ أي: أو يذكر ما صاحب الضمير له أي للمذكور كل؛ فإن الجزء يدل على الكل كما يدل الكل على الجزء.
قال المصنف: ومن ذلك - والله أعلم - وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ 5؛ فإن الذهب والفضة بعض المكنوزات، فأغنى ذكرهما عن ذكر الجميع، كأنه قيل: -
................................
والذين يكنزون أصناف ما يكنز ولا ينفقونها.
ومن هذا أيضا قول الشاعر:
263 - ولو حلفت بين الصّفا أمّ معمر... ومروتها بالله برّت يمينها 1
فأعاد الضمير إلى مكة؛ لأن الصفا جزء منها.
وذكر الجزء مغن عن ذكر الكل في بعض الكلام.
ويمكن أن يكون من هذا قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ 2؛ فيكون الضمير للدنيا وإن لم يجر ذكرها في هذه السورة؛ لأن ما جرى ذكره بعضها، والبعض يدل على الكل.
وقوله: أو نظيره أي: ويذكر ما هو نظير لصاحب الضمير، ومثّلوه بقولهم:
عندي درهم ونصفه أي ونصف 3 درهم آخر، ومنه قول الشاعر:
264 - قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا 4... إلى حمامتنا أو نصفه فقد 5
أي: ونصف حمام آخر مثله في العدة.
-
................................ وقول الآخر: 265 - وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم... ونحن خلعنا قيده فهو سارب 1 أي: قيد فحلنا. وقوله: أو مصاحب بوجه ما: قال المصنف: «وقد يستغنى عن ذكر صاحب الضّمير بذكر ما يصاحبه بوجه ما» وذكر لذلك صورا ثلاثا 2: الأولى: الاستغناء بمستلزم عن مستلزم، ومنه قوله تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ 3. فعفي يستلزم عافيا؛ فأغنى ذلك عن ذكره، وأعيدت الهاء من إليه عليه. ومن قول الشاعر [1/ 171]: 266 - فإنّك والتّأبين عروة بعد ما... دعاك وأيدينا إليه شوارع لكالرّجل الحادي وقد تلع الضّحى... وطير المنايا فوقهنّ أواقع 4
................................
فالحادي يستلزم إبلا محدوة، فأغنى ذلك عن ذكرهن، وأعاد ضمير فوقهن عليهن 1.
الثانية: الاستغناء بذكرها يصاحب صاحب الضمير ذكرا أو استحضارا، كذكر الخير وحده متلوّا بضمير اثنين مقصود بهما المذكور وضده، كقول الشاعر:
267 - وما أدري إذا يمّمت أمرا... أريد الخير أيهّما يليني 2
فأعاد الضمير على الشر أيضا وإن لم يذكر؛ لأنه يصاحب الخير في الذكر والاستحضار.
الثالثة: الاستغناء بذكر المصاحب في الاستحضار لا في الذكر، وذلك نحو قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ 3. فهي عائدة على الأيدي لأنها تصاحب الأعناق في الأغلال؛ فأغنى ذكر الأعناق عن ذكرها.
ومثله قوله تعالى: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ 4 أي من عمر غير المعمر، فأعيد الضمير على غير المعمر؛ لأن ذكر المعمر مذكر به لتقابلهما، فكان مصاحبه في الاستحضار الذهني.
- - رجال شجعان.
وصار حال هؤلاء يشبه حال رجل له إبل سلمها للموت يأكلها واحدا بعد الآخر.
وقد استشهد شراح الألفية (الأشموني: 2/ 284) بالبيت الأول على عمل المصدر المقترن بأل وهو قليل، كما استشهد شراح التسهيل بالبيت الثاني على ذكر مصاحب بوجه ما على ما يعود إليه الضمير كما هو في الشرح.
وانظر البيتين في شرح التسهيل (1/ 158)، وفي التذييل والتكميل (2/ 257)، وفي معجم الشواهد (ص 223).