الباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسه
[ترجح رفع الاسم على الابتداء]
قال ابن مالك: (وإن عدم المانع والموجب والمرجّح والمسوّي، رجح الابتداء خلافا للكسائيّ في ترجيح نصب تالي ما هو فاعل في المعنى نحو: أنا زيد ضربته، وأنت عمرو كلّمته).
ولا شك أن القسم الثالث لا يدخل هنا، لأن النظر فيه إلى كون العامل فعلا لا إلى كونه دالّا على النفي، وإنما جاء الخلاف فيه؛ لعدم تصرفه، ولا بتناء الجواز فيه على جواز تقديم خبر ليس عليها، والخلاف في ذلك معروف.
وأما ما ذكره في القسم الثاني فلا مدخل لنحو: ما زيدا ضربته، مع قولنا: زيدا لا أضربه، وزيدا لم أضربه، وزيدا لن أضربه؛ لأن نحو: ما زيدا ضربته؛ قد ولي الاسم المشتغل عنه حرف النفي، والنفي يطلب المعاني لا الذوات [2/ 293]؛ فكان تقدير الفعل بعده أولى من عدم تقديره، وهذا المعنى لم يكن في ثلاث الصور الأخر - أعني زيدا لم أضربه، وما ذكر معها - والفرق واضح.
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: لما تقدم التنبيه على موانع النصب، وموجباته، ومرجحاته، وسبب تسويته بالرفع حسنت الإحالة على ذلك، فقلت:
وإن عدم المانع والموجب والمرجح والمستوي رجح الرفع بالابتداء؛ فعلم من هذا أن رفع «زيد» أجود من نصبه في قولك: زيد ضربته 2؛ وإني زيد لقيته، وعمرو مهجور، وزيد أحببته، وشبه ذلك مما لا قرينة فيه من القرائن المقدم ذكرها 3، وإذا تقدم على المشتغل عنه اسم هو وفاعل المشغول دالّان على شيء واحد، نحو: أنا زيد ضربته، وأنت عمرو كلمته؛ رجح نصب المشتغل عنه عند الكسائي 4؛ لأن تقديمه وهو الفاعل في المعنى منبه على مزيد العناية بالحديث عنه، فكأن المسند إليه متقدم، ولا اكتراث بذلك عند غير الكسائي؛ لأن الاسم المشار إليه لا يدل على -
................................
فعل، ولا يقتضيه؛ فوجوده وعدمه سيان 1. انتهى.
ولو ذكر هاهنا المسألة المتقدمة التي خالف فيها ابن السيد فكان بعد ذكره خلاف الكسائي يقول: وخلافا لابن السيد في المتلو بلم أو لن أو لا لكان أولى كما تقدم التنبيه على ذلك 2؛ وإنما رجح الرفع عند عدم المانع والموجوب والمرجح والمستوي؛ لأن النصب محوج إلى تكلف إضمار عامل؛ فكان الرفع راجحا لعدم تكلف الإضمار، ولكن النصب عربي كثير 3 كما قال سيبويه 4، ومع كونه مرجوحا، هو في بعض الصور أقوى منه في البعض، فـ «زيدا ضربته» أقوى من «زيدا ضربت أخاه»، و «زيدا ضربت أخاه»، أقوى من «زيدا مررت به»، و «زيدا مررت به» أقوى من «زيدا مررت بأخيه».
ذكر هذا أبو الحسن بن عصفور، وابن أبي الربيع أيضا وهو حسن، وتعليله ظاهر 5، لكن المصنف لم يتعرض إلى ذلك في شيء من كتبه، ثم إن ابن عصفور قال: فإن قيل: فهلّا أجزتم في الاسم إذا عمل في ضميره أو في سببه جر الخفض كما كان منصوبا إذا عمل فيه النصب؟ فالجواب: أنه لو خفضت، فقلت: زيد مررت به، على تقدير: مررت بزيد مررت به؛ لأدى ذلك إلى إضمار الخافض، وإبقاء عمله مع أنه أضعف [2/ 294] العوامل، وهذا لا يجوز، فإن قيل: فهلا قيل: بزيد مررت به، ولم تضمر الخافض؟ فالجواب: أن الخافض قد ينزل من الفعل منزلة الجزء منه؛ لأنه به يصل إلى معموله كما يصل بهمزة النقل.
-
[أنواع ملابسة الضمير للمشغول عنه]
قال ابن مالك: (وملابسة الضّمير بنعت أو معطوف بالواو غير معاد معه العامل كملابسته بدونهما، وكذا الملابسة بالعطف في غير هذا الباب).
فكما لا يجوز إضمار بعض اللفظة، وإبقاء بعضها؛ كذلك لا يجوز هذا، فلما تعذر الخفض عدلوا إلى النصب بإضمار فعل، لقرب النصب من الخفض؛ ألا ترى أنهما اشتركا في الضمير في نحو قولك: ضربتك، ومررت بك، وأن كلّ واحد منهما فضلة؛ وأن المجرور في المعنى منصوب؛ إذ لا فرق في المعنى بين قولك:
مررت بزيد، ولقيت زيدا 1. انتهى.
ويقوي ما قاله أن ابن أبي الربيع لما ذكر ما يحتاج إليه باب الاشتغال من الشروط، ذكر من جملتها؛ أن يكون العامل المقدر يصل بنفسه ولا يصل بحرف الجر، وفي الارتشارف: وأجاز بعض النحويين جر الاسم السابق بمثل ما جر الضمير؛ فأجاز بزيد مررت به، وعلى زيد غضبت عليه، والصحيح أنه لا يجوز، ولو وجد كان ما بعده بدلا 2.
قال ناظر الجيش: قد تقدم من كلام المصنف أن ملابس الضمير هو العامل فيه بإضافة، نحو: أزيدا ضربت غلامه، أو بغير إضافة، نحو: أزيدا ضربت راغبا فيه 3، ولما كانت ملابسة الضمير تكون بغير هذا، نبه عليه هنا، فقال: إنها تكون بالنعت وبمعطوف بالواو، فمثال الملابسة بالنعت: أزيدا رأيت رجلا يحبه، ومثالها بمعطوف بالواو على الوجه الذي ذكره: أزيدا رأيت عمرا وأخاه 4.
قال المصنف: فـ «يحبه» صفة لـ «رجلا» و «أخاه» معطوف على «زيدا»، والهاء منهما عائدة على المنعوت، والمعطوف عليه، وبها حصلت السببية، وارتفعت الأجنبية، فنزل الكلام منزلة لو قيل: أزيدا رأيت محبّه، وأزيدا رأيت أخاه، فلو كان العاطف غير الواو لم تجز المسألة، وكذا لو أعيد العامل 5. انتهى.
واعلم أن إيراد ابن عصفور لهذه المسألة أحسن من إيراد المصنف لها، وذلك أنه -
................................
عبر عن الملابس بالسببي، ثم قال: وأعني بالسببي ما اتصل به ضمير عائد على المشتغل عنه، وما اشتملت صفته على ضمير عائد عليه، وما عطف عليه اسم قد اتصل به ضمير عائد عليه بالواو خاصة، وما أضيف إلى
شيء من ذلك 1، ولما مثل الأول بـ: زيد ضربت أخاه، ساق معه في التمثيل: زيد ضربت الذي ضربه؛ وذلك لأن الصلة من كمال الموصول؛ فلذا لم يقل: وما اشتملت صلته على ضمير عائد إلى الاسم الأول، وذكر في شرح الجمل: المعطوف [2/ 295] عليه قد اتصل به ضمير يعود على الاسم الأول عطف بيان، نحو: زيد ضربت عمرا أخاه، إذا كان عمرو أخا زيد 2، لكن نحو: زيد ضربت راغبا فيه؛ قد شملتها عبارة المصنف، ولم يظهر لي دخولها تحت كلام ابن عصفور، وقد عرف من هذا الذي ذكره أن لا ملابسة مع البدل، وكذا لا ملابسة مع العطف بغير الواو، وإذا كان كذلك فلا يعدّ المبدل منه، ولا المعطوف عليه بغير الواو سببين.
أما البدل؛ فلأنه على نية تكرار العامل، فإذا قلت: زيد ضربت عمرا أخاه، وجعلت الأخ بدلا فكأنك قلت: زيد ضربت رجلا ضربت أخاه، قال ابن عصفور:
فتخلو الجملة التي هي في موضع الخبر من ضمير يعود على المبتدأ 3.
وفي هذا التعليل الذي ذكره نظر؛ لأن مقتضاه منع صحة كون الاسم مبتدأ، ولا يلزم من ذلك منع النصب بفعل مقدر على أنه من باب الاشتغال، والأولى أن يعلل منع الملابسة بالبدل بشيء؛ وهو أن شرط الاسم الذي يشغل العامل عن الاسم السابق ضميرا كان أو سببيّا أن يكون معمولا للعامل الذي شغل بأحدهما؛ ليكون الكلام جملة واحدة، وإذا كان البدل على نية تكرار العامل يصير كأنه من جملة أخرى، ومتى قدر أنه من جملة أخرى، وكل جملة مستقلة بنفسها؛ فلا تدخل الجملة الثانية في الأولى، فلا يحصل الربط ويلزم انتفاء السببية حينئذ.
وأما العطف؛ فإنما فرق فيه بين الواو وغيرها من أجل أن الواو تنفرد (من) 4 بين أخواتها؛ بأنها قد تكون جامعة، وإذا كانت كذلك صيرت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة اسم واحد؛ وذلك نحو قولك: هذان زيد وعمرو؛ فإنهما معا خبر عن -
[مسألة يترجح فيها الرفع]
قال ابن مالك: (ولا يمتنع نصب المشتغل عنه بمجرور حقّق فاعليّة ما علّق به خلافا لابن كيسان).
اسم الإشارة، وأيضا؛ وفلأن الواو إذا كانت جامعة كانت بمعنى «مع»؛ فإذا قلت: زيد ضربت رجلا وأخاه، فكأنك قلت: زيد ضربت رجلا مع أخيه، وليس هذا المعنى بموجود في «الفاء»، ولا في «ثم»؛ فلهذا ثبتت الملابسة للمعطوف عليه، إذا كان المعطوف قد عطف بالواو، ولم تثبت له إذا كان المعطوف قد عطف بـ «ثم»، أو بـ «بالفاء» 1، ونبه المصنف بقوله: (غير معاد معه العامل) على أنه إذا أعيد العامل امتنع الاشتغال، نحو: زيد رأيت عمرا، ورأيت أخاه؛ وذلك لأن السببي صار من جملة أخرى، وإذا امتنع الاشتغال مع البدل، لكونه في نية تكرار العامل كان امتناعه في هذا أولى، وأشار بقوله: (وكذلك الملابسة بالعطف في غير ذا الباب) إلى أن حكم الملابسة في (غير) 2 هذا الباب بالعطف كحكمها فيه، كقولك: مررت برجل قائم زيد وأخوه، ولا يجوز: مررت برجل [2/ 296] قائم زيد 3 وقائم أخوه؛ لإفادة العامل، كما لم يجز مثل ذلك في هذا الباب 4، وليس ذلك مقصورا على باب الصفة؛ بل باب الحال وباب الخبر كذلك أيضا فيقال: جاء زيد ضاحكا عمرو وأخوه، وزيد قائم عمرو وأخوه.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: ولا يمتنع نصب الاسم في نحو: زيد ظفرت به، إذا كان المراد أن زيدا سبب الظفر، ومنع ذلك ابن كيسان 5؛ لكون المجرور فاعلا في المعنى 6. انتهى.
واعلم أن الخلاف ليس مقصورا على هذا المثال الذي ذكره ونحوه؛ بل ذلك ملفت إلى أصل مختلف فيه بين النحاة، وهو: هل يشترط في باب الاشتغال أن -
................................
يكون النصب في الاسم المشتغل عنه، وفي الضمير أو السببي من جهة واحدة، أو لا يشترط ذلك، فيجوز الاشتغال مع اختلاف جهة النصب؟ 1.
قال ابن أبي الربيع: تقول: زيد جلست عنده، وزيد ضربت ضربه؛ بالرفع، واختلف النحويون في النصب؛ فمنهم من أجازه، فقال: أنصبه بفعل وأقدره في:
زيدا ضربت ضربه: ما ثلت زيدا ضربت ضربه، وفي: زيدا جلست عنده: لا صقت زيدا جلست عنده، وما أشبه ذلك، قال: يذكر أن أبا الحسن أجازه.
ومنهم من منع النصب، فقال: لا يجوز النصب في الاسم حتى يكون طريق نصبه، وطريق نصب سببه واحدا، و «زيد» هنا منصوب على أنه مفعول به، وسببه في:
ضربت ضربه؛ منصوب على المصدر، وفي: جلست عنده؛ منصوب على الظرف، فقد اختلفت جهتا النصب؛ وإنما الذي يجوز: زيدا ضربت أخاه: أن الأخ مفعول به، «وزيد» كذلك، وهذا هو الذي كان الأستاذ أبو علي يختاره، وهو عندي الصحيح؛ لأن هذا الباب باب خارج عن القياس؛ فلا يقال منه إلا ما قالته العرب.. انتهى.
وإذا تقرر ذلك، فـ: زيد ظفرت به؛ إذا لم يقصد به الظفر بـ «زيد»؛ وإنما قصد الظفر بغيره؛ ولكن كان هو السبب من هذا القبيل، لأن «الباء» إذا كانت في «به» للسبب كان مفعولا من أجله، ونصب «زيد»، إذا نصب إنما هو على أنه مفعول به، فقد اختلفت الجملتان، فلو قصد بهذا الكلام؛ أن زيدا هو المظفور به كان المجرور في موضع المفعول به، ولا خلاف حينئذ في نصب زيد؛ لاتحاد الجهة، وقد ذكر الشيخ هذه المسألة، ونقل فيها الخلاف بين النحاة؛ لكنه نقل أن مذهب سيبويه الجواز، ونقل عن الأستاذ أبي علي أن له قولين: الجواز وعدمه، قال: وقال سيبويه: أعبد الله كنت مثله، أي: أشبهت عبدا وأزيدا لست مثله 2، أي: أباينت زيدا، قال: فانتصاب الاسم الأول على جهة المفعولية، وانتصاب السببي من جهة [2/ 297] أنه خبر 3. انتهى.
-
[رفع الاسم المشغول عنه وأحكامه في ذلك]
قال ابن مالك: (وإن رفع المشغول شاغله لفظا أو تقديرا، فحكمه في تفسير رافع الاسم السّابق، حكمه في تفسير
ناصبه، ولا يجوز في نحو:
أزيد ذهب به؟ الاشتغال بمصدر منويّ، ونصب صاحب الضّمير خلافا للسّيرافيّ وابن السّراج).
ولا يقوى الاستدلال بما ذكره، لأن الخبر في باب كان شبيه بالمفعول به وقد سماه سيبويه مفعولا 1، ولا شك أن صورته صورة المفعول لمجيئه بعد فعل وفاعل؛ فلا يلزم من إجازة سيبويه: أزيدا لست مثله؛ إجازة: أزيدا ضربت، ولا: أزيدا جلست عنده، ثم قال الشيخ: وهذا هو المذهب الصحيح، قال: ويعضّده نقل الأخفش عن العرب؛ أنهم يقولون: أزيدا جلست عنده، ذكره في الأوسط من تأليفه، قال:
فنصبت زيدا على إضمار فعل تقديره: ألابست زيدا جلست عنده، ثم قال الشيخ:
وبهذه المسألة ونحوها، يبطل قول المصنف في أول الباب: (بجائز العمل فيما قبله)؛ فإن «جلست» من قولك: زيدا جلست عنده، لا يمكن أن تعمل في زيد 2 انتهى.
وفيما قاله نظر؛ لأن ضابط كل باب يذكر أول الباب لتبنى أحكامه عليها، ثم إنه قد يشذ شيء عن الضابط الذي ضبط الباب به شيء أو يخرج عن القاعدة التي قررت فيه، فيحتاج إلى أن ينبه عليه بخصوصه، والأمر في هذه المسألة كذلك، ولولا خروجها عن ضابط الباب ما احتاج أن ينبه عليها.
قال ناظر الجيش: قال المصنف: وإذا كان المشغول رافعا لشاغله لفظا أو تقديرا فسر رافعا لصاحب الضمير، وينقسم ذلك الرفع إلى واجب وراجح، ومرجوح ومساو، كما انقسم النصب، فمثال الواجب: رفع «زيد» في قولك: إن زيد قام قمت 3، ومثال الراجح رفعه قولك: أزيد قام؟، ومثال المرجوح رفعه: زيد قام، ومثال المساوي رفعه نحو: أنا قمت وزيد قعد، وسبب كون الرفع واجبا وراجحا ومرجوحا ومساويا مفهوم ببيان مثل ذلك في النصب 4، وذكر السيرافي أن -
................................
الفاعلية في نحو: أزيد قام؛ راجحة على الابتداء عند الأخفش مرجوحة عند الجرمي، وفي قول سيبويه احتمال،
كذا زعم السيرافي 1، وليس كما زعم، بل صرح برجحان الفاعلية، فإنه قال: وتقول: أعبد الله ضرب أخوه زيدا، لا يكون إلا الرفع، لأن الذي من سبب «عبد الله» فاعل، والذي ليس من سببه مفعول؛ فيرفع إذا ارتفع الذي من سببه، كما ينصب إذا انتصب، ويكون المضمر ما يرفع كما أضمرت في الأول ما ينصب؛ فإنما جعل [2/ 298] هذا المضمر بيان ما هو مثله 2.. هذا نصه، وبان به خلاف ما زعم السيرافي.
انتهى كلام المصنف 3.
واعلم أن الكلام هنا يتوجه في مقامين:
أحدهما: أن يقال: إنه يتصور في الاسم الذي يليه عامل رافع لضمير أو 4 لما هو من سببه لفظا أو تقديرا 5؛ أن يرفع أن يرفع على الابتداء، وأن يرفع بفعل مقدر 6، يفسره ذلك الفعل المتأخر، وهذا الأمر لا شك في صحته.
وثانيهما: أن يقال: هل تدخل هذه المسألة بصورها في باب الاشتغال؟ فيقال:
إن الاشتغال كما يتصور حال نصب الضمير أو السببي يتصور حال رفعهما أيضا.
وأقول: أما ابن عصفور فإنه أدخلها في الباب؛ لأنه قال في المقرب في حد الاشتغال: هو أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل متصرف، أو ما جرى مجراه قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سببه، ولو لم يعمل فيه لعمل في الاسم المشتغل عنه أو في موضعه، ثم قال: ومثال عمله في موضعه قولك: أزيد قام أبوه، ألا ترى أن «قام» لو لم يعمل في الأب لم يعمل في زيد؛ لأن الفاعل لا يتقدم على الفعل، لكن يعمل في ظرف أو مجرور إن وقع موقعه 7، وقال في الشرح: إن الاسم المشتغل عنه على ضربين: أن يعمل العامل في ضميره أو في سببه نصبا أو جرّا، نحو: زيد ضربته، وزيد ضربت أخاه، وزيد مررت به، وزيد مررت بأخيه، فهذا -
................................
النوع لو لم يعمل العامل في الضمير أو في السببي لعمل في زيد، والثاني: أن يكون العامل قد عمل في ضميره أو
في سببه رفعا، نحو قولك: أزيد قام؟ وأزيد قام أبوه؟
فهذا الضرب لو لم يعمل فيه العامل في الضمير أو السببي لم يصح له العمل في الاسم المشتغل عنه؛ لأن الفاعل لا يجوز تقديمه على الفعل، لكنه يصح له لو لم يعمل في الضمير أو السببي؛ أن يعمل في اسم يقع موقع الاسم المشتغل عنه، ألا ترى أن «قام» لا يصح له العمل في ظرف أو مجرور واقع موقع «زيد»؛ إلا بشرط أن لا يشتغل ذلك الموضع بحلول «زيد» فيه؛ وذلك لا يتصور إلا بأنّ «قام» يعمل في «زيد» لا في ضميره، ولا في سببه، فتقول: اليوم قام زيد، وأما إذا عمل «قام» في الضمير أو السببي؛ فإنه يلزم تقديم زيد على «قام»، فيتعذر إعمال الفعل في ظرف أو مجرور واقع موقع «زيد»؛ لاشتغال ذلك الموضع بحلول «زيد» فيه 1. انتهى.
والمغاربة موافقون لابن عصفور في ذلك، وعليه مشى الشيخ 2، وأما المصنف فيظهر من كلامه أن جعل المسألة من باب الاشتغال، لكنه لم يلتزم ما التزمه ابن عصفور من أنه يذكر للاشتغال حدّا يشمل النوعين؛ بل ذكر كل نوع على حدة، وهو أولى من فعل ابن عصفور، والذي يظهر [2/ 299] أن هذه المسألة ليست من باب الاشتغال؛ لأن الذي يفهم من قولهم: اشتغال العامل عن الاسم الذي قبله، أن ذلك كان متوجها إلى العمل في الاسم المذكور؛ ولكن شغل عن العمل فيه بغيره، وهذا لا يتصور في مسائل الاشتغال بالمرفوع؛ لأن «قام» من نحو: أزيد قام؟ أو أزيد قام أبوه؟ لم يشتغل عن زيد أصلا؛ لأن معنى الاشتغال عنه؛ أنه كان موجها للعمل فيه كما قلنا.
ولا شك أن الأمر ليس كذلك، ثم يقال لابن عصفور ولمن وافقه: أي أثر لكونه يعمل في موضع الاسم لو لم يعمل في الضمير أو السببي حتى يكون ذلك مدخلا للمسألة في هذا الباب؟
ثم إنه قال: إنما يصح العمل في موضع الاسم إذا أخر الاسم وهو «زيد» مثلا، وعمل فيه العامل الذي كان عاملا في الضمير أو السببي، نحو: اليوم قام زيد.
-
................................
ولا شك أنه إذا أخر الاسم المفروض فيه الاشتغال صار التركيب تركيبا آخر غير التركيب الذي صور فيه الاشتغال؛ فكان ينبغي أن يصور الاشتغال والاسم في محله، وبعد فقد قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في تعليقه لما ذكر قوله: (أو في موضعه): ليس هذا من باب الاشتغال في شيء، وعجبت منه كيف ذكر هذا وكرره في هذا
الباب مرارا؟ ثم كيف يقول: (في موضعه) وهو يريد بذلك أنه يعمل في ظرف أو مجرور لو وقع موقع هذا الاسم؟ قال: فمثل هذا تطلق عليه لفظة «موضع» في اصطلاح أحد من النحاة؟ هذا ما لا علم لي به.
انتهى 1.
ولا شك أن الرجل المشار إليه كان من العلماء المحققين رحمه الله تعالى، ثم لك أن تقول: إن المصنف لم يصرح بأن المسألة مذكورة من هذا الباب، ولم يذكرها فيه إلا ليبين أن الاسم الذي شأنه ذلك يجوز فيه: الرفع على الابتداء، والرفع على الفاعلية، وقد عرفت أن ذلك حق لا شبهة فيه، ومناسبة ذكرها في هذا الباب: أن الاسم هنا يجوز رفعه على الابتداء كما يجوز حال الاشتغال بالمنصوب رفع الاسم بالابتداء أيضا، لا يقال: قوله: (وإن رفع المشغول شاغله) يدل على أن المسألة من هذا الباب؛ إذ معناه: وإن رفع المشغول عن الاسم السابق شاغله؛ لأنك قد عرفت أن العامل في نحو: أزيد قام أبوه؟ لم يشتغل عن الاسم السابق؛ لأنه لم يكن موجها إلى العمل فيه أصلا، وإذا كان كذلك تعين أن يكون مراده: وإن رفع العامل الذي شأنه أن يقع بعد اسم سابق، ويكون شأنه أنه مشغول عنه؛ فكأنه يقول: إذا اتفق أن هذا العامل المشغول لا يكون ناصبا كما ذكرت من أول الباب إلى هذا الموضع [2/ 300] بل يكون رافعا لما بعده فحكمه كيت وكيت.
وقد بقي هاهنا بحثان:
أحدهما:
أن المصنف ذكر أقساما أربعة وهي: واجب الرفع بالفاعلية، وراجحه بها، ومرجوحه بها، وما استوى فيه الرفع بالفاعلية والرفع بالابتداء، وبقي عليه خامس -
................................ وهو ممتنع الرفع بالفاعلية؛ لأنه أحال مسائل الرفع على مسائل النصب وتلك خمس، فما وجب رفعه بالفاعلية، نحو: إن زيد قام؛ نظير ما وجب نصبه، وما رجح رفعه بالفاعلية رفعه بالابتداء، نحو: أزيد قام أبوه؟ نظير ما رجح نصبه وما رفعه (بالفاعلية) 1 مرجوح عن رفعه بالابتداء 2 على نصبه، والمستوي فيه الرفع بالفاعلية: زيد قام، وعمرو قعد؛ نظير ما استوى فيه الرفع والنصب وما امتنع رفعه بالفاعلية نحو: ليتما زيد يقوم؛ نظير ما امتنع نصبه، ووجب رفعه بالابتداء 3. وهذا القسم الذي تخلف عن المصنف 4. الثاني: أن المغاربة يشترطون في الاشتغال بالمرفوع أن يتقدم الاسم ما يطلب الفعل؛ إما على اللزوم، وإما على الاختيار، فإذا لم يتقدم الاسم شيء من ذلك، أوجبوا رفعه على الابتداء، ولا يجوز رفعه بالفاعلية 5، قالوا: وإنما يجيز رفعه بالفاعلية أبو القاسم بن العريف 6، فلا يشترط أن يتقدم على الاسم ما يطلب الفعل 7، ومن ثمّ لما ذكر الشيخ صور المسألة مثل لما يحمل على الابتداء فقط، بنحو: زيد قام؛ -
مسألة أخيرة في باب الاشتغال
قال ابن مالك: (وقد يفسّر عامل الاسم المشغول عنه العامل الظّاهر عاملا فيما قبله إن كان من سببه، وكان المشغول مسندا إلى غير ضميريهما؛ فإن أسند إلى أحدهما فصاحبه مرفوع بمفسّر المشغول، وصاحب الآخر منصوب به) 1.
- قال: فهذا لا يجوز فيه إلا الرفع على الابتداء، ولا يجوز فيه الحمل على الفعل خلافا لابن العريف 2.
وهذا عجب من الشيخ؛ لأن المصنف لا يشترط تقدم ما يطلب الفعل، فكيف يمثل لبعض الصور بما لا يراه صاحب الكتاب؟! والظاهر أن المشترطين لذلك إنما اشترطوه؛ لأنهم يجعلون المسألة من باب الاشتغال.
وقد تقدم أن الظاهر أنها ليست من باب الاشتغال، وإذا كان كذلك فلا مانع من أن يرتفع زيد، من نحو: زيد قام، على أنه فاعل بفعل مقدر، كما قال المصنف رحمه الله تعالى.
وأما قوله: ولا يجوز في نحو: أزيد ذهب به، إلى آخره.
فقال في شرحه: ولم يجز سيبويه في نحو: أزيد ذهب به؛ إلا الرفع بالابتداء أو بفعل مضمر كأنه قال: أذهب زيد ذهب به؟ وأجاز السيرافي 3 النصب على إسناد «ذهب» إلى مصدر ذهب منويّا، وجعل المجرور في موضع نصب، وزعم أنه مذهب المبرد.
وأجاز ذلك أيضا ابن السراج 4، وهو رأي ضعيف؛ لأنه مبني على الإسناد إلى المصدر الذي تضمنه الفعل، ولا يتضمن الفعل إلا مصدرا غير مختص، والإسناد إليه منطوقا به غير مقيد، فكيف إذا لم يكن منطوقا 5 به 6. انتهى [2/ 301]. قال ناظر الجيش: قال المصنف: تقول: أزيدا أخاه تضربه أو يضربه عمرو، -
................................
فتنصب الأخ بفعل مضمر يفسره «تضربه»، وينصب «زيدا» بفعل آخر مفسّر بالمضمر الذي نصب الأخ؛ لأن المضمر الذي نصب الأخ، قد فسره الفعل الظاهر وعرف واستبان حتى صار كالظاهر، فهو مفسّر بما بعده ومفسّر للمضمر قبله، وهذا الحكم فيما أسند فيه الفعل إلى غير ضميري الاسمين المتقدمين؛ فلو أسند إلى أحدهما، نحو: أزيد أخاه تضربه؛ رفع صاحب الضمير المرفوع بفعل مفسر بالظاهر ناصب لصاحب الضمير المنصوب 1. انتهى.
قال الشيخ: في نصب الاسم الأول في هذه المسألة خلاف؛ ذهب سيبويه 2 والأخفش إلى جوازه، وذهب قوم من القدماء إلى أنه لا يجوز فيه إلا الرفع، فقال ذلك عنهم الأخفش؛ وإنما منعوا النصب؛ لأن المضمر لا يفسر المضمر عندهم.
والجواب عن هذا قد عرف من قول المصنف: إن ذلك المضمر عرف واستبان حتى صار كالظاهر؛ يعني حتى صار كالملفوظ به، ثم قال الشيخ: وهذه المسألة ليس نصب الاسم الأول فيها سماعا عن العرب، وإنما هي مسألة قياسية 3، ثم إنه أفسد القياس بما لم أتحقق أنه مفسد فتركت إيراده خشية الإطالة، ووكلت أمره إلى الناظر، فليتأمله إن أراد.
وإذا انقضى الكلام على الباب فلنذكر الآن ثلاث مسائل، هي من متعلقات المسألة الأولى:
الأولى: ذكر ابن أبي الربيع: أن باب الاشتغال يحتاج إلى سبعة شروط؛ وذلك أنه ذكر مسألة جره الكلام فيها إلى ذلك، وهي: أيوم الجمعة أنت أمير فيه؟ قال:
لا يجوز في هذا إلا الرفع؛ لأنك إن نصبت «يوم الجمعة»، لا يخلو أن تنصبه بفعل أو بمعنى فعل، أما الفعل فلا يصح؛ لأن المفسر وهو «أمير» وهو معنى الفعل وسبيل المفسّر أن يكون على حسب المفسّر؛ فلا يفسّر الفعل إلا فعل مثله، وأما معنى الفعل فلا يقدّر؛ لضعفه، ولا دخول له في هذا الباب، ألا ترى أن الفعل الصريح إذا تعدى بحرف الجر، لا يدخل في هذا الباب لضعفه، ومعنى الفعل بلا شك أضعف منه، قال: وهذا لا أعلم فيه خلافا 4، ثم ذكر الشروط السبعة -
................................
قال: فمنها ثلاثة في المحذوف، وهي: أن يكون فعلا ولا يكون معنى.
الثاني: أن يكون يصل بنفسه ولا يصل بحرف الجر [2/ 302]. الثالث: أن يعمل في واحد، وخالف في هذا الأخفش يعني مسألة: أزيد عمرا يضربه؛ فإنه خالف فيها سيبويه على ما عرف، وقد تقدم 1.
ومنها شرطان في المشتغل عنه، وهما: أن يكون إعرابه كإعراب ضميره أو سببه، فإن كان منصوبا كان المشتغل عنه كذلك، وأن تكون جهة النصب واحدة، وفي هذا خلاف قلت: وقد عرفته فيما تقدم.
ومنها شرطان في المفسّر، وهما: أن يكون فعلا أو ما جرى مجراه كاسم الفاعل، وأن يكون مما يصح أن يعمل في الاسم لو تجرد عن الضمير أو السبب 2؛ لأنه لا يفسر هنا إلا ما يصح أن يعمل.
المسألة الثانية: قال ابن أبي الربيع: إذا كان معك سببان أحدهما مرفوع والآخر منصوب، فاحمل الاسم على أيهما
شئت، نحو: أزيد ضرب أخوه غلامه، وكذلك إذا كان معك ضمير وسبب، والضمير منفصل، نحو: أزيد لم يضرب أخاه إلا هو؟ وأزيد لم يضرب أخوه إلا إياه؟ فإذا كان الضمير متصلا فاحمل الاسم على حسب الضمير؛ فإن كان الضمير مرفوعا فارفعه، وإن كان منصوبا فانصبه، نحو: أزيد لم يضرب إلا أخاه؟ لا يجوز النصب؛ لأنك إن نصبت صار كأنه مفعول بالفعل المفسر، ولا يتعدى فعل المضمر (المتصل) 3 إلى ظاهره في - - من أن يكون ظرفا، فصار بمنزلة «عبد الله»، ألا ترى أنك إذا قلت: أكلّ يوم ينطلق فيه؟ صار كقولك: أزيد يذهب به؟ ولو جاز أن ينصب «كل يوم» وأنت تريد بالأمير الاسم لقلت: أعبد الله عليه ثوب؟ لأنك تقول: أكلّ يوم لك ثوب؟ فيكون نصبا فإن قلت: أكلّ يوم لك فيه ثوب؟ فنصبت، وقد جعلته خارجا من أن يكون ظرفا، فإنه ينبغي أن تنصب: أعبد الله عليه ثوب؟ وهذا لا يكون؛ لأن الظرف هنا لم ينصبه فعل، إنما «عليه» ظرف للثوب، وكذلك فيه» اه.
سبق شرحه فقد جاء فيه تعليق السيرافي على هذه المسألة.
................................
باب من أبواب العربية، فإن قلت: أزيدا لم يضربه إلا أخوه، ولا يجوز الرفع في «زيد»؛ لأنك إن رفعته صار كأنه فاعل بالمفسر، ولا يتعدى فعل الظاهر إلى مضمره، إلا في باب «ظننت»، تقول: ظنه زيد منطلقا، إذا ظن نفسه، فيجوز على هذا: أزيد ظنّه أخوه منطلقا؟ بالرفع والنصب؛ وكذلك إذا كان له ضميران:
أحدهما: منفصل، والآخر: متصل؛ يجري الاسم على ما أجريته قبل، وإما أن يكون للاسم ضميران متصلان فلا يوجد إلا في باب ظننت، ويجوز هناك أن ترفع، وتنصب فتقول: أأنت ظننتك منطلقا؟ وأإياك ظننتك منطلقا؟ 1. انتهى.
وهو كلام واف بالمقصود في هذه المسألة غير أن ابن عصفور استوعب الأقسام في تقسيمه، فقال: الفعل الذي اشتغل عن الاسم، إمّا أن يكون من باب ظننت، وقعدت، وعدمت أو من غيرها؛ فإن كان غيرها فالاسم الذي اشتغل عنه الفعل:
إما أن يكون له ضمير واحد، أو سببي واحد، أو ضميران، أو سببيان، أو ضمير وسبب؛ فإن كان له ضمير واحد؛
حملته عليه، نحو: زيد أضربته؟ وإن كان له سببي واحد حملت عليه، نحو: زيدا ضربت أخاه؟ وإن كان له سببيان؛ حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا ضرب أخوه أباه؟ وأزيد ضرب أخوه أباه؛ وإن كان له ضمير وسببي؛ فإما أن يكون الضمير متصلا أو منفصلا، إن كان متصلا حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا أباه ضرب أخوه، وأزيد أباه ضرب أخوه؛ لأن الضمير المنفصل يجري مجرى السببي في جميع هذه المسائل؛ وإن كان الضمير متصلا حملت عليه ولا [2/ 303] يجوز حمله على السببي أصلا، فمثال ذلك، والضمير منصوب: أزيدا ضربه، ومثاله والضمير مرفوع: أزيد ضرب أخاه، وإن كان له ضميران؛ فإما أن يكونا متصلين أو منفصلين، أو يكون أحدهما متصلا والآخر منفصلا؛ فإن كانا متصلين فلا تجوز المسألة؛ لأن فعل المضمر المتصل لا يتعدى إلى مضمره المتصل إلا في الأماكن المستثناة؛ وإن كانا منفصلين حملت على أيهما شئت، نحو: أزيد أباه لم يضرب إلا هو؟ وإن كان أحدهما متصلا والآخر منفصلا حملت على المتصل، نحو: أزيدا لم يضربه إلا هو، وأزيد لم يضرب إلا أباه؛ وإن كان الفعل الذي اشتغل عن الاسم من الأفعال المستثنيات، فالاسم -
................................
الذي اشتغل عنه الفعل، إما أن يكون له ضمير واحد، أو سببي واحد، أو ضميران، أو سببيان، أو ضمير وسببي، فإن كان له ضمير واحد أو سببي واحد؛ حملت عليه، نحو: أزيدا 1 ظننته 2 قائما، وأزيدا ظننت أخاه قائما، وإن كان له سببيان؛ حملت على أيهما شئت، نحو: أزيدا ظن أخاه أبوه قائما، وإن كان له ضمير وسببي؛ فالضمير إما متصل وإما منفصل، ثم (المتصل) 3 إما مرفوع أو منصوب؛ فإن كان منصوبا حملت على أيهما شئت، وذلك نحو: أزيدا ظنه أخوه قائما؟ وإن كان مرفوعا حملت عليه، ولا يجوز الحمل على السببي أصلا، وذلك نحو: أزيد ظن أباه قائما، وإن كان الضمير منفصلا (حملت عليه) 4، وذلك نحو: أزيدا لم يظن أخاه إلا هو قائما؟ وإن كان له ضميران، فإما متصلان، وإما منفصلان، وإما مختلفان؛ فإن كان متصلين حملت على المرفوع، ولا يجوز الحمل على المنصوب؛ وذلك نحو: أزيد ظنه قائما، وإن كانا منفصلين 5 حملت على أيهما شئت، وذلك نحو: أزيدا إيّاه لم يظن 6 إلا هو قائما؟ وإن كان أحدهما متصلا والآخر منفصلا؛ فالمتصل إما مرفوع، وإما منصوب؛ فإن كان منصوبا حملت على أيهما شئت وذلك نحو: أزيدا لم يظنه 7 إلا هو قائما؛ وإن كان مرفوعا حملت عليه، ولا يجوز الحمل على غيره، وذلك نحو: أزيد لم يظن إلا (إيّاه) 8 قائما؟ هذا آخر تقسيمه، ثم قال: وتعتبر هذه المسائل؛ بأن يضع الاسم الذي اشتغل عنه الفعل موضع ما حملت عليه إن أمكن، وإن لم يمكن حذفت ما
حملته عليه، وتركته في موضعه ونويت به التأخير، فإن جازت المسألة بعد ذلك، فهي جائزة قبله، وإلا فهي ممتنعة، والله تعالى أعلم 9. انتهى كلامه.
-
................................
وإن قصدت اختصار ما ذكره، قلت: الفعل الذي اشتغل عن الاسم؛ إن كان من غير باب ظن وفقد وعدم [2/ 304]، وللاسم ضمير أو سببي؛ حمل عليه، أو ضميران متصلان؛ فلا تجوز المسألة، أو منفصلان؛ فعلى أيهما شئت، أو أحدهما متصل، والآخر منفصل؛ حملت على المتصل 1، أو سببيان؛ فعلى أيهما، أو ضمير وسببي، والضمير منفصل؛ فعلى أيهما شئت، أو متصل؛ حملت عليه لا على السببي؛ وإن كان من باب ظن، أو كان الفعل فقد أو عدم وللاسم ضمير أو سببي؛ حملت عليه، أو ضميران متصلان؛ حملت على المرفوع لا على المنصوب، أو منفصلان؛ حملت على أيهما شئت أو أحدهما متصل، والآخر منفصل، والمتصل مرفوع؛ حملت عليه لا على غيره، أو منصوب؛ حملت على أيهما شئت، أو سببيان؛ حملت على أيهما شئت، أو ضمير متصل مرفوع وسببي؛ حملت عليه لا على السببي، أو منصوب؛ حملت على أيهما شئت، أو منفصل مرفوع وسببي؛ حملت على أيهما.
فصور القسم الأول: سبع، وصور القسم الثاني: تسع، والمحتاج إلى التنبيه عليه منها إنما هو ست صور في الأول، وثماني صور في الثاني؛ لأن الاسم إذا كان له ضمير، أو سببي تعين حمله عليه ضرورة، وإنما يظهر أثر ذلك إذا تعدد ما للاسم من ضمير أو سببي أو منهما، ثم من صور القسم الأول (مسألة) 2 هي ممتنعة من أصلها، من غير نظر إلى تعلقها بباب الاشتغال، وهي ما كان للاسم فيها ضميران متصلان، نحو: أزيد ضربه؛ فإن هذا التركيب
ممتنع في نصبه لما عرف من أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى المضمر المتصل، في غير الأبواب الثلاثة المستثناة 3.
يبقى خمس صور، منها صورتان يحمل الاسم فيهما على الضمير المتصل، لا غير، وهما: ما إذا كان مع الضمير المتصل 4 ضمير منفصل، أو سببي، مثال الأول:
[أزيدا لم يضربه إلا هو؟ وأزيد لم يضرب إلا أباه؟ ومثال الثاني: أزيدا ضرب 5 -
................................
أخوه؟ وأزيد ضرب أخاه؟ وإنما تعين الحمل على الضمير المتصل دون المنفصل، ودون السببي في: أزيدا لم يضربه إلا هو؟ وفي: أزيدا ضربه أخوه؟؛ لأنه لو حمل على المنفصل وعلى السببي، لرفع الاسم السابق بفعل مقدر، يفسره الفعل الملفوظ به، والفعل المذكور فاعله الضمير المنفصل في أحد المثالين.
والسببي في المثال الآخر، وقد عرفت أن المفسر في هذا الباب، يقدر أنه العامل في الاسم الذي قبله، وإذا كان كذلك، فيصير التقدير حينئذ: ضربه زيد، فيكون فعل الظاهر قد تعدى إلى ضميره المتصل؛ وذلك لا يجوز إلا في باب ظن، وفي فقد، وعدم؛ وإنما تعين الحمل على الضمير المتصل أيضا دون المنفصل، ودون السببي في: أزيد لم يضرب إلا أباه؟ وفي:
أزيد ضرب أخاه؟؛ لأنه لو حمل عليهما الاسم السابق لنصب بمقدر يفسره الفعل الملفوظ به، والمفسّر في هذا الباب يقدر عاملا كما عرف، فيصير التقدير حينئذ: أزيدا ضرب؟ فيجوز 1 تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهر؛ وذلك لا يجوز في باب من أبواب العربية] 2، وهاتان الصورتان هما اللتان يضبطان وثلاث الصور الباقية، يحمل الاسم فيها على أيّ شئت وهي: ما إذا كان للاسم ضميران منفصلان، نحو:
أزيدا أباه لم يضرب إلا هو؟ أو سببيان، نحو: أزيدا ضرب أخوه إيّاه؟ وأزيد ضرب أخوه إياه؟ أو ضمير وسببي، والضمير منفصل، نحو: أزيدا ضرب أخوه إياه؟ وأزيد ضرب أخوه إياه.
وأما صور القسم الثاني: فمنها ثلاث صور يحمل الاسم فيها على الضمير المرفوع المتصل لا غير.
الأولى: إذا كان مع الضمير المرفوع ضمير منفصل منصوب، نحو: أزيد ظنه قائما؟.
الثانية: إذا كان مع الضمير المرفوع ضمير منفصل، نحو: أزيد لم يظن إلا إياه قائما؟.
الثالثة: إذا كان مع الضمير المرفوع سببي، نحو: أزيد ظن أخاه قائما، والعلة -
................................ في الثلاثة واحدة، وهي أنك لو حملت على المنصوب لزم من ذلك تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره [2/ 305]، وهو لا يجوز في باب من أبواب العربية، فهذه الثلاث هي التي تضبط وخمس الصور الباقية يحمل الاسم فيها على أيّ شئت، وهي ما إذا كان للاسم ضميران منفصلان، نحو: أزيدا إياه لم يظن إلا هو قائما، أو ضميران أحدهما متصل والآخر منفصل، والمتصل منصوب، نحو: أزيدا لم يظنه إلا هو قائما، أو سببيان، نحو: أزيدا ظن أخاه أبوه قائما، أو ضمير متصل منصوب وسببي، نحو: أزيدا ظنه أخوه قائما، أو ضمير منفصل مرفوع وسببي، نحو: أزيد 1 لم يظن أخاه إلا هو قائما 2. اعلم أن الحكم بجواز حمل الاسم على أمر دون آخر تارة، وبجواز حمله على كل من الأمرين تارة؛ مبني على أصول ثلاثة مقررة في علم العربية: الأول: أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى ضميره المتصل، فلا يقال: ضربتني، ولا: ضربتك، ولا: زيد ضربه، أي: ضرب نفسه، نعم إذا أريد هذا المعنى أتي بلفظ النفس؛ لأن العرب تجري النفس مجرى الأجنبي؛ ولذلك تخاطبها، فتقول: يا نفس أقلعي عن كذا، وافعلي كذا، وكذا لا يجوز تعدي فعل الظاهر إلى ضميره المتصل، لا يقال: ضربه زيد؛ بل إذا أريد هذا المعنى، يقال: ضرب نفسه زيد إلا في باب ظننت، وفقدت، وعدمت، يقال: ظننتني قائما 3، وزيد ظنه قائما أي: ظننت نفسي، وظننت نفسك، وظن نفسه، وحكم فقد وعدم كذلك؛ وكذا لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل إلى ظاهره في بابين من الأبواب؛ فلا يجوز: زيدا ضرب، ولا: زيدا ظن قائما، تريد ضرب نفسه، وظن نفسه قائما 4. الثاني: أن العامل الذي شغله الضمير أو السببي يفرض عاملا في الاسم السابق -
................................
تنزيلا للمفسّر منزلة المفسّر 1.
الثالث: أن الضمير المنفصل محكوم له بحكم الظاهر؛ فينزل منزلته ليعامل معاملته، وقد عرفت فيما تقدم أن لك أن تحمل الاسم على أيّ شئت، إلا في خمس صور؛ فإنك تحمل على الضمير المتصل لا غير، صورتان منها في غير باب ظننت، وثلاث صور في باب ظننت؛ وفقدت، وعدمت، أما الصورتان في غير باب ظننت؛ فقد عرفت أنهما ما إذا كان مع الضمير المتصل ضمير منفصل، نحو:
أزيدا لم يضربه إلا هو؟ وأزيد لم يضرب إلا إياه؟ أو سببي، نحو: أزيدا ضربه أخوه؟ وأزيد ضرب أخاه؟ وأما الثلاث الصور في باب ظن وما لحق 2 به، فقد عرفت أيضا أنهما ما إذا كان [مع الضمير المتصل المرفوع ضمير متصل منصوب، نحو: أزيد ظنه قائما؟ وما إذا كان] 3 معه ضمير منفصل، نحو: أزيد لم يظن إلا إياه قائما؟ وما إذا كان معه سببي، نحو: أزيد ظن أخاه قائما؟ وإذا كان كذلك وإن أردت نظم صور [2/ 306] مسائل البابين، وذكر ما اتفق (فيه البابان) 4، وما اختلفا فيه، فقل: اتفق البابان في صور ست، منها أربع يحمل الاسم فيها على أيّ شئت من ضمير، أو سببي، وهي: ما إذا كان للاسم ضمير واحد أو سببي واحد، وما إذا كان للاسم سببيان، وما إذا كان للاسم ضمير، وسببي والضمير منفصل، وما إذا كان الاسم له ضميران منفصلان.
وصورتان يحمل (الاسم فيهما) 5 على الضمير دون السببي، وعلى المتصل دون المنفصل، وهما: ما إذا كان للاسم ضمير وسببي والضمير متصل مرفوع، وما إذا كان له ضميران أحدهما متصل مرفوع والآخر منفصل.
واختلف البابان في صور ثلاث وهي: ما إذا كان للاسم ضمير وسببي والضمير منصوب، فإنه يحمل على الضمير لا على السببي في غير باب ظننت وما معها، وفي باب ظننت وما معها يحمل على أيهما شئت، [وما إذا كان له ضميران متصلان؛ فإن ذلك لا يجوز في غير باب ظننت، وفي باب ظننت يحمل على المرفوع لا غير؛ وما إذا -
................................
كان له ضميران أحدهما متصل منصوب والآخر منفصل؛ فإنه يحمل على المتصل] 1 [في غير باب ظننت، وفي باب ظننت يحمل على أيّ شئت] 2، واعلم أن المصنف لم يتعرض في شيء من كتبه إلى ذكر هذه المسألة، وكأنه يرى الاستغناء عن ذكرها بكونه أشار إلى الأصول الثلاثة التي تبنى عليها المسألة المذكورة:
الأول: ما أشار إليه في باب ظن وأخواتها من أن الأفعال القلبية المنصرفة تختص بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين متحدي المعنى، وأن الاتحاد يمنع عموما إن أضمر الفاعل متصلا مفسرا بالمفعول.
والثاني: ما أشار إليه في هذا الباب أعني: باب الاشتغال من أن العامل المشغول، يصح تسلطه على الاسم السابق، وعمله فيه لو فرع حتى يفرض كأنه هو العامل 3 فيه.
وأما الثالث: فإنه يفهم من ذكر مسائل متفرقة في الكتاب، تتعلق بالضمير المنفصل، يعرف منها أن حكمه حكم الظاهر.
المسألة الثالثة: قال الشيخ: وفي البسيط ما ملخصه شرط المشغول عنه أن يكون مما يقبل أن يضمر، وأن يتقدم فلا يصح الشغل عن الحال، والتمييز، والمصدر المؤكد، ومجرور كاف التشبيه، وحتى، وغير ذلك مما امتنع إضماره؛ فالظرف إن كان على التوسع جرى مجرى المفعول به واتصل بالفعل، نحو: يوم الجمعة صمته؛ رفعا ونصبا، إما على السعة، وإما على الظرف؛ فإن كان على الظرف قلت: يوم الجمعة ألقاك فيه، والمصدر إن كان متسعا فيه جاز الشغل عنه، نحو: ضربت زيدا الضرب الشديد، فتقول: الضرب الشديد ضربته زيدا؛ رفعا ونصبا، والمفعول معه، بمنزلة المجرور؛ تقول: الخشبة استوى الماء وإياها؛ فيصير بمنزلة [2/ 307] زيدا ضربت عمرا أخاه، أي: لابس الماء الخشبة، وأما المفعول من أجله؛ فإن كان اسما فكالمجرور 4، نحو: الله أطعمت له، وإن كان مصدرا؛ فإن جوزنا إضماره جاز، -
................................
وإلا فلا كمسألته في الإخبار، وتجري هذه المشغول عنها في الفصل، والأدوات، والأحكام، على نحو ما تقدم 1. انتهى.
والذي يظهر لي أن هذا الذي ذكره صاحب البسيط غير محتاج إليه؛ لأنه قد عرف أن الاسم المشتغل عنه لا بد أن يكون سابقا على العامل الذي اشتغل بغيره عنه؛ وأن العامل لا بد أن يشتغل بضميره أو بملابس ضميره، والملابس هو الذي يذكر معه ضمير ما تقدمه، فما لا يكون متقدما ولا يضمر، كيف يتصور فيه الاشتغال، ثم إن في قوله: والمفعول معه بمنزلة المجرور، تقول: الخشبة استوى الماء وإياها، فتصير بمنزلة: زيدا ضربت عمرا وأخاه؛ نظرا لأنه يفهم منه جواز الاشتغال عن المفعول معه 2، وهو غير ظاهر؛ لأنه يلزم من إجازة ذلك، جواز تقديم المفعول معه على العامل، وذلك ممتنع بالإجماع، وينبغي للناظر أن يتأمل ما قاله، فقد يفهم منه غير ما فهمته، نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى طريق الحق؛ وأن يوفقنا في القول، والعمل بمنه وكرمه، وصلّى الله على النبي محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.