تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 1657-1696

الباب العشرون باب اشتغال العامل عن الاسم السّابق بضميره أو ملابسه

صفحات 1657-1696

[مواضع نصب المشغول عنه وجوبا]

قال ابن مالك: (إذا انتصب لفظا أو تقديرا ضمير اسم سابق مفتقر لما بعده أو ملابس ضميره بجائز العمل فيما قبله غير صلة ولا مشبّه بها ولا شرط مفصول بأداته، ولا جواب مجزوم ولا مسند إلى ضمير للسّابق متّصل ولا تالي استثناء أو معلّق أو حرف ناسخ أو كم الخبريّة أو حرف تحضيض أو عرض أو تمنّ بـ «ألا» وجب نصب السّابق إن تلا ما يختصّ بالفعل، أو استفهاما بغير الهمزة بعامل لا يظهر موافق للظّاهر أو مقارب وقد يضمر مطاوع للظّاهر فيرفع السّابق).
قال ناظر الجيش: اشتغال العامل عبارة عن أخذه معموله، كما أن تفريقه عبارة عن عدم أخذه معموله، وحقيقته: أن يتقدم اسم ويتأخر عنه عامل قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في ملابسه لو لم يعمل في أحدهما لعمل في الاسم المذكور 1. وقد فهم من ترجمة الباب الإشارة إلى أن الاسم يكون متقدما على العامل، وأن العامل يكون قد شغل عنه بأحد الأمرين وهو إما الضمير أو ملابس الضمير، وأما كون العامل يصح له العمل في الاسم السابق لو لم يعمل في الضمير، فيعرف من قول المصنف في متن الكتاب: (بجائز العمل فيما قبله) وقد زاد المصنف أمرا آخر، وهو كون الاسم المشتغل عنه العامل مفتقرا لما بعده، وإذا تقرر هذا الأصل فلنورد كلام المصنف أولا ثم نذكر ما يتعلق به من المباحث.
قال رحمه الله تعالى 2: اشتغال العامل يتناول اشتغال الفعل نحو: أزيدا ضربته، واشتغال غير الفعل نحو: أزيدا أنت ضاربه 3، وتقييد المشتغل عنه بسابق -

................................  مخرج للمشتغل عنه متأخرا نحو: ضربته زيدا على إبدال الظاهر من المضمر، وضربته زيد على [2/ 269] الابتداء وتقديم الجملة خبرا، وملابس الضمير هو العامل فيه بإضافة نحو: أزيدا ضربت غلامه، أو بغير إضافة نحو: أزيدا ضربت راغبا فيه 1، وقيد السابق بمفتقر لما بعده ليخرج المستغني عما بعده كزيد من قولك: في الدار زيد فاضربه، وكقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 2 على تقدير سيبويه، فإن تقديره عنده: وفيما يتلى عليكم السارق والسارقة 3، ولولا ذلك الفعل لكان النصب مختارا؛ لأن المشتغل إذا كان أمرا أو نهيا ترجح النصب، والباء من قولي: بجائز العمل، متعلقة بقولي: انتصب، ونبهت بذلك أن على شرط انتصاب المشتغل عنه العامل صحة تسلطه عليه لو عدم الشاغل، فخرج بذلك فعل التعجب نحو: زيد ما أحسنه، وأسماء الأفعال نحو: زيد تراكه، وأفعل التفضيل نحو: زيد أكرم منه عمرو، فليس للاسم المتقدم على هذه إلا الرفع؛ لأنها لا تعمل فيما تقدم وما لا يعمل لا يفسر عاملا على الوجه المعتبر في هذا الباب 4، والوجه المعتبر في هذا الباب كون العامل المشغول عوضا في اللفظ من العامل المضمر، ودليلا عليه، ولكونه عوضا امتنع الإظهار؛ إذ لا يجمع بين العوض والمعوّض منه، ولكونه دليلا لزم أن يكون موافقا في المعنى أو مقاربا 5، فلو قصدت الدلالة دون التعويض لم تكن المسألة من باب الاشتغال كقول الراجز 6: 1289 - أيّها المائح دلوي دونكا 7

    • فهو قد أوضح هذه المسألة في كلامه؛ لأن قول المصنف هنا: (غير الفعل) فيه عموم وشمول لكل ما يعمل عمل الفعل، وينظر: حاشية الصبان (2/ 71).

................................  فـ «دلوي» منصوب بعامل مقدر مدلول عليه بالملفوظ، نص على ذلك سيبويه 1، وليس الملفوظ به عوضا من المقدر، فلو جمع بينهما لم يمتنع، والحاصل أن المجعول دليلا دون تعويض لا يلزم صلاحيته للعمل في موضع دلالته، بخلاف المجعول دليلا وعوضا ومن كلام العرب: البهم أين هو؟ فنصب قائل هذا «البهم» بفعل مضمر، وجعل أين هو دليلا عليه مع عدم صلاحيته للعمل 2، ونبهت أيضا على ما يعرض للعامل الجائز العمل فيما قبله مما جعله ممنوع العمل، وممنوع الصلاحية للتفسير، فمن ذلك وقوعه صلة نحو: زيد أنا الضاربه، وأذكر أن تلده ناقتك أحبّ إليك أم أنثى؟ 3، ومن ذلك شبهه بصلة نحو: ما شيء تحبه يكره، وزيد حين ألقاه يسرّ؛ فإن الصفة والمضاف إليه يشبهان الصلة في تتميم ما قبلهما بهما، فلا عمل لهما فيما تقدم مع التفريغ فلا يفسران عاملا فيه مع الاشتغال 4. ومن مواقع العمل والتفسير: وقوع الفعل شرطا مفصولا بأداته نحو: زيد إن زرته يكرمك، فإن أداة الشرط لها صدر الكلام، فلا يؤثر معمولها فيما قبلها عملا [2/ 270] ولا تفسيرا 5، واحترزت بقولي: مفصولا بأداته، من نحو: إن زيدا أكرمته - - الزجاجي (ص 237)، والتذييل (3/ 5)، والإنصاف (1/ 228)، وابن يعيش (1/ 117)، والخزانة (3/ 15)، والمغني (2/ 609، 618)، وشذور الذهب (ص 485)، والعيني (4/ 311)، والتصريح (2/ 200)، والهمع (2/ 105)، والدرر (2/ 138)، ولسان العرب، وتاج العروس ومقاييس اللغة «منح»، وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل (1/ 175). والشاهد قوله: «أيها المائح دلوي»؛ حيث نصب «دلوي» بفعل محذوف لدلالة اسم الفعل الذي لا يصح له العمل فيه.

................................  يضرك، فإن له حكما آخر يأتي ذكره.
ومن مواقع العمل والتفسير: وقوع الفعل جوابا مجزوما نحو: زيد إن يقم أكرمه، فلو كان الفعل الواقع موقع الجواب فعلا مرفوعا جاز عند سيبويه إعماله في الاسم السابق مع التفريغ وتفسيره عاملا فيه مع الاشتغال؛ لأنه عنده مقدر التقديم مدلول به على جواب محذوف 1. ومن مواقع العمل والتفسير: إسناد الفعل إلى ضمير الاسم السابق مع كون الضمير متصلا نحو: زيد ظنّه ناجيا بمعنى: ظن نفسه، وذلك ممتنع لاستلزامه كون الفاعل الذي هو عمدة مفسرا بالمفعول الذي حقه أن يكون فضلة، فلو كان الضمير منفصلا جازت المسألة نحو: زيدا لم يظنه ناجيا إلا هو؛ لأن الضمير المنفصل كالظاهر فينزل هذا منزلة: زيدا لم يظنه ناجيا إلا عمرو؛ ولأن أصل لم يظنه ناجيا إلا هو: لم يظنه أحد ناجيا إلا هو؛ فصحت المسألة ولم يلزم كون العمدة متوقفا في مفهوميّته على الفضلة، كما لزم إذا كان المسند إليه ضميرا متصلا مفسرا بالمفعول 2. ومن موانع العمل في السابق والتفسير لعامل فيه: وقوع الفعل بعد استثناء 3 نحو: ما زيد يضربه إلا عمرو، فلا يجوز في زيد وما وقع موقعه إلا الرفع؛ لأن ما بعد «إلا» لا يعمل فيما قبلها ولا يفسر عاملا فيه، وكذلك ما وقع بعد معلّق، والمراد بالمعلّق: الاستفهام والنفي بما ولامي الابتداء والقسم نحو: زيد هل ضربته؟؛ وعمرو كيف وجدته؟، وخالد ما أقساه، وعامر لتحيه بشر، والمحسن ليجزينّه الله، فلا يجوز في: زيد وعمرو وخالد وعامر والمحسن وما وقع مواقعها إلا الرفع؛ لأن ما بعد الاستفهام و «ما» النافية و «لامي» الابتداء والقسم لا يعمل فيما قبلها ولا يفسر عاملا فيه، وكذلك ما وقع بعد حرف ناسخ للابتداء نحو: زيد إني أضربه، وعمرو ليتني ألقاه، وكذلك الواقع بعد كم الخبرية نحو: زيد كم لقيته، فإنها أجريت مجرى الاستفهامية، وكذلك 4 الواقع بعد التّحضيض نحو: زيد هلّا ضربته، وبعد العرض نحو: عمرو ألا تكرمه، وبعد التّمنّي بألا نحو: -

................................  العون على الخير ألا أجده 1. هذا هو مذهب المحققين من العارفين بكتاب سيبويه أعني إجراء التحضيض والعرض والتمني بألا مجرى الاستفهام في منع تأثر ما قبلها بما بعدها 2، وإنما أجريت مجراه؛ لأن معنى هلّا فعلت، وهلّا تفعل: لم لم تفعل ولم لا تفعل، ومعنى ألا تفعل: أتفعل، مع أن «هلّا» مركبة من هل ولا [2/ 271] و «ألا» مركبة من الهمزة ولا؛ فوجب مع التركيب ما وجب قبله، وقد عكس قوم الآخر، فجعلوا توسيط التحضيض وأخويه قرينة يرجح بها نصب الاسم السابق.
وممن ذهب إلى هذا أبو موسى الجزولي 3، وهو ضد مذهب سيبويه.
ومن مواقع نصب الاسم السابق بالفعل المشغول: وقوعه بعد إذا المفاجئة نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، ولا يجوز عندي في «زيد» وما وقع موقعه إلا الرفع؛ لأن العرب ألزمت «إذا» هذه أن لا يليها إلا مبتدأ بعده خبر، أو خبر بعده مبتدأ 4 فمن نصب ما بعدها فقد استعمل ما لم يستعمل العرب في نثر ولا نظم، وقد ألحقها سيبويه بـ «أما» قياسا فأجاز نصب الاسم الذي يليها بفعل مضمر يفسره المشغول بعده نحو: خرجت فإذا زيدا يضربه، كما تقول: أمّا زيدا فيضربه عمرو 5، ولا ينبغي أن تلحق «إذا» بـ «أما»؛ لأن «أمّا» وإن لم يليها فعل فقد يليها معمول الفعل المفرغ كثيرا كقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ 6، وقد -

................................  يليها معمول فعل مقدر بعده مفسر بمشغول، كقراءة بعض السلف 1: وأما ثمود فهدينهم 2 ولم يل «إذا» فعل ظاهر ولا معمول فعل، إنما يليها أبدا في النثر والنظم مبتدأ وخبر منطوق بهما، أو مبتدأ محذوف الخبر، فمن أولاها غير ذلك فقد خالف كلام العرب فلا يلتفت إليه وإن كان سيبويه. وقولي: وجب نصب السابق 3، أي: إذا انتصب الضمير أو ملابسه على الوجه المذكور، وعدمت موانع نصب صاحب الضمير وجب نصبه إن كان بعد ما يختص بالفعل نحو: إن زيدا ضربته عقل، أو كان بعد استفهام بغير الهمزة نحو: هل مرادك نلته فالنصب في هذين وشبههما واجب، ولا يجب مع الهمزة بل يكون مختارا نحو: أزيدا لقيته 4. ثم نبهت على أن ناصب السابق عامل لا يظهر موافق للعامل المشتغل لفظا ومعنى إن أمكن وإلا فمقارب له في المعنى، فالموافق كقولنا في أزيدا ضربته: أضربت زيدا ضربته، والمقارب كقولنا في أزيدا مررت به، وأعمرا كلمت أخاه: أجاوزت زيدا مررت به، وألابست عمرا كلمت أخاه 5. وقلت: بعامل؛ لأعمّ الفعل وشبهه نحو: أزيدا أنت ضاربه، التقدير: أضارب زيدا أنت ضاربه، وإن كان الفعل المشتغل مطاوع جاز أن يضمر ويرفع به السابق كقول لبيد: 1290 - فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب... لعلّك تهديك القرون الأوائل 6

................................  فأنت فاعل لم «تنتفع» مضمرا، وجاز إضماره؛ لأنه مطاوع ينفع، والمطاوع يستلزم المطاوع ويدل عليه ولو [2/ 272] أضمر الموافق لنصب «وجاء بإياك»، ومثل هذا البيت ما أنشده الأخفش من قول الشاعر 1: 1291 - أتجزع إن نفس أتاها حمامها... فهلّا الّتي عن بين جنبيك تدفع 2 فرفع نفسا «بماتت» مقدرا؛ لأنه لازم أتاها حمامها كلزوم انتفع لتنتفع وروي قول الشاعر 3. 1292 - لا تجزعي إن منفس أهلكته... فإذا هلكت فبعد ذلك فاجزعي 4 بنصب المنفس على إضمار الموافق، ويرفعه على إضمار المطاوع، وإلى هذا ونحوه أشرت بقولي: وقد يضمر مطاوع للظاهر فيرفع السابق.
هذا آخر كلام - - والشعر والشعراء (ص 279)، والخزانة (1/ 339)، والعيني (1/ 291) والتصريح (1/ 105)، والهمع (1/ 63)، (2/ 59، 114)، والدرر (1/ 40)، (2/ 75، 147)، والأشموني (2/ 75) وديوان لبيد (ص 255). والشاهد قوله: «فإن أنت لم ينفعك علمك»؛ حيث رفع «أنت» بالفاعلية لفعل مضمر مطاوع للظاهر، والتقدير: وإن لم تنتفع بعلمك لم ينفعك علمك.

................................  المصنف 1 رحمه الله تعالى وهو كما قال ابن الرومي: 1293 - وحديثها السّحر الحلال لو انّه... لم يجن قتل المسلم المتحرّز إن طال لم يملل وإن هي أوجزت... ودّ المحدّث أنّها لم توجز شرك العقول ونزهة ما مثلها... للمطمئنّ وعقلة المستوفز 2 أما المباحث: فمنها: أن الاسم المشتغل عنه في الباب بالنسبة إلى رفعه ونصبه ينقسم إلى خمسة أقسام: واجب الرفع - واجب النصب - راجح النصب - مستو فيه الأمران - راجح الرفع، هذا ما اعتمده المصنف في إيراد مسائل هذا الباب في جميع كتبه، وهو الحق كما سأبينه، وجماعة من كبار النحويين لم يذكروا في الأقسام ما يجب رفعه قالوا: لأن حد الاشتغال لا يصدق على هذا القسم لما عرف من أن شرط العامل المشتغل بالضمير أن يصح عمله في الاسم السابق لو فرغ، والعامل في نحو: زيد هل ضربته إذا حذف الضمير الذي هو مفعوله لا يصح عمله في زيد 3، والذي اعتمده المصنف هو الصواب؛ لأن العامل في نحو: زيد هل ضربته مثلا صالح للعمل في الاسم السابق بذاته لو فرغ، لكن منع من عمله مانع، فغير المصنف نظر إلى كون العامل في الضمير بتقدير خلوه يصح عمله في الاسم السابق، فما كان العامل الذي -

................................  منعه بهذه الصفة عد من هذا الباب، وما لا فلا، وأما المصنف فإنه فرق بين العامل الذي لا يجوز له العمل فيما قبله أصلا والعامل الذي يجوز له العمل، لكنه منعه من العمل مانع؛ فما امتنع عمله فيما قبله لذاته لا يدخل في باب الاشتغال 1؛ ولذلك قيد المصنف العامل بكونه جائز العمل فيما قبله، فأخرج بهذا القيد ما تقدمت الإشارة إليه من: زيد ما أحسنه، وزيد تراكه، وزيد أحسن منه عمرو، وما امتنع عمل العامل فيه لا لذاته بل لعارض جعله المصنف من هذا الباب؛ لأنه لا يصور فيه من حيث الجملة أن يعمل فيه ذلك العامل، وإذا تقرر أن القسم الواجب الرفع من أقسام مسائل هذا الباب؛ فاعلم أن المصنف لم يورد الكلام فيه صريحا بأن قال: إنه يجب رفعه كما صرح في بقية الأقسام بوجوب النصب ورجحانه واستواء الأمرين، ورجحان الرفع؛ وإنما أورد صورة مستثناة [2/ 273] من الحكم بالنصب، ولا شك أن المستثنى مخالف في هذا الحكم للمستثنى منه، والمستثنى منه محكوم بنصبه، فوجب أن المستثنى لا ينصب، وإذا لم ينصب تعين رفعه؛ إذ لا ثالث لهما في هذا المحل. ومنها: أن ابن عصفور قيد العامل المشتغل بالضمير بكونه متصرفا 2، والمصنف عدل عن التقييد بالتصرف إلى التقييد بجواز العمل فيما قبله، والذي فعله المصنف أولى، بل هو المتعين؛ لأن سيبويه رحمه الله تعالى ذكر مسائل فلو وقعت «الإساءة» موقع أن تسيء لم يجز حذف «من» إلا في الضرورة 3، كقول الشاعر 4: 1294 - وإيّاك إيّاك المراء فإنّه... إلى الشّرّ دعّاء وبالشّرّ آمر 5

................................  أراد: إياك أن تماري، ثم أوقع موقع «أن تماري» «المراء»، فعامله معاملة ما هو واقع موقعه، ويجوز أن يكون نصب المراء بفعل مضمر غير الذي نصب إياك.
وعلى كل حال فلا يجوز مثل هذا إلا في الشعر، وليس العطف بعد إياك من عطف الجمل خلافا لابن طاهر وابن خروف 1، ولا من عطف المفرد على تقدير: اتق نفسك أن تدنو من الشر والشر أن يدنو منك، بل هو من عطف المفرد، على تقدير: اتق تلاقي نفسك والشر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولا شك أن هذا أقل تكلفا فكان أولى، ويساوي التحذير في كل ما ذكرته الإغراء نحو: أخاك أخاك، بإضمار الزم وشبهه.. انتهى كلام المصنف 2. ولا بد مع ذلك من الإشارة إلى أمور منها: أن يكون الفعل مسندا إلى ضمير للسابق متصل نحو: زيد أظنه ناجيا، فإنها لا فاصل فيها بين الاسم والعامل، فالمنع في هذه الصورة ليس للفصل، إذ لا فاصل إنما لأمر آخر كما عرفته 3. ومنها: أن المراد بعمل العامل المشتغل فيما قبله إذا فرع العمل إما في لفظه نحو: أزيدا ضربته، أو في محله نحو: أزيدا مررت به، فإن «مررت» وإن لم يصلح في لفظ «زيد» صالح للعمل في محله، نحو: بزيد مررت به، فكما أن عمل المشتغل في الضمير إما لفظا نحو: زيد ضربته، أو تقديرا نحو: زيد مررت به، هكذا يكون قصور العمل في الاسم السابق عند تفريغ العامل وتسليطه عليه 4. ومنها: أنهم ذكروا أن العامل قد لا يشتغل بالضمير ولا بالسببي، وإنما يشتغل بالظاهر الذي هو الاسم السابق، فيذكر بعد العامل مكررا نحو قولك: زيدا ضربت زيدا [2/ 274] لكنهم قالوا: إنما يجيء ذلك في الشعر أما في الكلام فلا، قالوا: وإنما جرى تكرار الظاهر في هذا الباب مجرى المضمر كما جرى مجراه في ربط الجملة -

................................  الواقعة خبرا للمبتدأ، قال ابن عصفور: ومما جاء من ذلك قول الشاعر 1: 1295 - إذا الوحش ضمّ الوحش في ظللاتها... سواقط من حرّ وإن كان أظهرا 2 قال: فالوحش مرفوع بفعل مضمر يفسر الفعل الظاهر، والتقدير: إذا ضم الوحش ضم الوحش 3. ومنها: أن الشيخ قال في قول المصنف: (غير صلة): هذا استثناء منقطع؛ لأن ما ذكر لا يندرج تحت قوله: (بجائز العمل فيما قبله) 4. انتهى.
وأقول: قد عرفت أن العوامل التي انطوى عليها قوله: غير صلة.. إلى آخره، كلها جائزة العمل فيما قبلها بذاتها، وأن المصنف فرق بين عامل ممنوع العمل فيما قبله لذاته، وعامل ممنوع العمل فيما قبله لعارض، وعلى هذا فالاستثناء متصل قطعا، ولا جائز أن يكون منقطعا.
ومنها: أنه قد تقدم قول المصنف: (وقيد السابق بمفتقر لما بعده) ليخرج ما يستغني عما بعده كزيد من قولك: في الدار زيد فاضربه، وكقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 5 على تقدير سيبويه إلى آخره، فاعلم أن الذي ذكره هنا وفي: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما هو الصحيح، وكذا الحكم في قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما 6. وهذا بخلاف ما ذكره في فصل دخول الفاء في خبر المبتدأ، فإنه حكم هناك بأن: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما خبر عن وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وأن فَاجْلِدُوا خبر عن الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ولم يتعرض إلى كون هذا مذهب المبرد، بل أطلق القول، وكلامه هنا يقيد ذلك -

................................  الإطلاق كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم عند شرح الفصل المذكور 1. قال ابن الحاجب: ونحو: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا 2 ظاهره أنه من هذا الباب - يعني باب الاشتغال - لأنه اسم بعده فعل تسلط على ما يتعلق بضميره لو سلط عليه لنصبه، ولكن لما اتفق القراء على الرفع أرشد ذلك إلى أن المقصود غير الظاهر 3. فقال المبرد: الألف واللام بمعنى الذي، والفاء جيء بها لتدل على السببية كما في قوله 4: الذي يأتيني فله درهم، وعلى ذلك لا يكون من هذا الباب؛ لأنه لا يصلح أن يعمل ما بعد الفاء الجزائية فيما قبلها فلذلك تعيّن الرفع، فإن فرق فارق بين فاء الجزاء وبين هذه الفاء بأن قال: فاء الجزاء إنما امتنع عمل ما بعدها فيما قبلها إجراء لجملتها مجرى جملة أختيها التي هي الشرطية لم يفده ذلك لفوات معنى السببية في القصة؛ لأن معنى السببية هاهنا إنما يستقر إذا كان المنصوب مبتدأ أو في حكمه على قول، مخبرا عنه بالجملة التي تضمنت الفاء، وإذا نصب [2/ 275] هذا بفعل مقدر خرج عن ذلك فيفوت المعنى المقصود فلزم خروجه من هذا الباب عند هذا التقدير؛ إذ تقدير الفعل للنصب مخرج لمعنى السببية كما تقدم 5، وقال سيبويه: التقدير: مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني؛ فهو جملة ابتدائية مستقلة مع قطع النظر عن الفعل الذي بعدها، ثم ذكر الفعل جملة مستقلة مبينا الحكم الموعود بذكره 6، وإذا كان كذلك لم يجز أن يقدر: فَاجْلِدُوا مسلطا على الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي؛ لأنه مبتدأ مخبر عنه بغيره وهذا من جملة أخرى، ولا يستقيم عمل فعل من جملة في مبتدأ مخبر عنه بغيره من جملة أخرى، ومثاله: زيد مضروب فأكرمه، فلا يستقيم أن يكون «فأكرمه» مسلطا على «زيد» عاملا نصبا بوجه؛ لاختلال الكلام بذلك 7. -

................................  ومنها: أن قول المصنف: (ولا جواب مجزوم) قد يوهم أنه إذا رفع هو جواب أيضا، لكنه يجوز فيه؛ لكونه مرفوعا ما لا يجوز في المجزوم، وليس كذلك؛ لأن المرفوع ليس جوابا عند سيبويه كما أفهمه كلام المصنف في الشرح، إنما هو دليل الجواب، والجواب محذوف، ولما كان دليل الجواب كان مقدر التقديم فجاز أن يعمل فيما قبله، فجاز أن يفسر عاملا 1. ثم من المعروف أن من النحاة من يجيز تقديم معمول فعل الشرط على أداته وكذا منهم من يجيز تقديم معمول الجواب أيضا كما هو مقرر في موضعه، وعلى مذهب من يجيز التقديم يتصور الاشتغال إذا كان العامل في ضمير الاسم السابق فعل شرط مفصول بينه وبين الاسم بأداة الشرط، وكذا إذا كان العامل جواب الشرط 2. ومنها: أنك قد عرفت أن من موانع نصب الاسم السابق بالفعل المشغول وقوعه بعد إذا المفاجئة نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، وأنه قد تقدم نقل المصنف عن سيبويه أنه ألحقها «بأمّا» قياسا، فأجاز نصب الاسم الذي يليها بفعل مضمر يفسره المشغول 3 بعده والذي ذكره سيبويه هو أن قال: فإن قلت: لقيت زيدا وأما عمرو فقد مررت به، ولقيت زيدا وإذا عبد الله يضربه عمرو، فالرفع إلا في قول من قال: زيدا رأيته وزيدا مررت به؛ لأن «أمّا» و «إذا» انقطع بهما الكلام وهما من حروف الابتداء يصرفان الكلام إلى الابتداء، إلا أن يدخل عليهما ما ينصب ولا يحمل بواحد منهما آخر على أول كما يحمل بثمّ والفاء، ألا ترى أنهم قرأوا: وأما ثمود فهدينهم وقبله نصب؛ وذلك لأنها تصرف الكلام إلى الابتداء إلا أن يقع بعدها فعل نحو: أمّا زيدا فضربت 4. هذا كلام سيبويه.
-

................................  وقد استشكله الناس؛ لأن ظاهره يعطي ما ذكره المصنف من جواز النصب بعد إذا كما هو جائز بعد «أمّا»، قالوا: والنحويون وسيبويه [2/ 276] يقولون: إن إذا الفجائية لا يقع بعدها فعل ألبتة لا ظاهرا ولا مضمرا ولا معمول فعل أصلا، ثم منهم من خرج كلام سيبويه وأوله، ومنهم من حمله على ظاهره 1، واختلف تخريج من خرجه، فابن خروف خرجه على أنه مما خلط فيه حكم واحد بآخر على حد قوله تعالى: نَسِيا حُوتَهُما 2، ويَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ 3؛ وإنما الناسي أحدهما، والذي يخرج منه أحدهما 4، ولا يخفي أنه تخريج بعيد، والشلوبين خرجه على أنه لما كانت «أمّا» و «إذا» الفجائية لابتداء الكلام وقطع ما تقدم، وأنهما لا يقع بعدهما إلا الاسم، وأنه لا يبقى معهما الحكم كما كان قبل ذكرهما هنا معا فقال: لأن «أمّا وإذا» انقطع بهما الكلام «أو يرجع قوله فالرفع إلى ما يليق وإلى ما يصح رجوعه إليه وذلك إلى «أمّا» 5 لا إلى «إذا» 6. والذين حملوا كلامه على ظاهره قالوا: حكى الأخفش عن العرب أن الفعل إذا كان مقرونا بقد جاز أن يلي إذا الفجائية؛ تقول: خرجت فإذا قد ضرب زيد عمرا، فإن لم يكن مقرونا بقد؛ فلا يجوز أن يليها الفعل 7، وإنما أجري الفعل المقرون بقد مجرى الجملة الاسمية في أن ولي «إذا» الفجائية؛ لمعاملة العرب له معاملة الجملة الاسمية في دخول واو الحال عليه تقول: جاء زيد وقد ضحك، كما يقال: جاء زيد وهو يضحك، وهذا هو الذي جنح إليه ابن عصفور وذكره في شرح -

................................  المقرب 1، ولا يخفى على الفطن أن حمل كلام سيبويه على ذلك فيه بعد كثير، والذي يظهر تخريج كلامه على الوجه الذي ذكره الشلوبين، فهو أقرب من غيره.
ومنها: أن الشيخ استدرك على المصنف فقال: ونقص المصنف من الأشياء التي يرتفع فيها الاسم ولا يجوز نصبه مجيء الفعل المشغول غير مصحوب بقد لا لفظا ولا تقديرا، والاسم يلي واو الحال نحو: جاء زيد وعمرو يضربه بشر، فلا يجوز أن تقول: وعمرا يضربه بشر، لأنه يكون التقدير: ويضرب عمرا يضربه بشر، وواو الحال لا تباشر المضارع قال: ونقصه أيضا من المواضع التي يجب فيها رفع الاسم ما إذا فصل بين الاسم والفعل المشتغل بالضمير أو السببي بأجنبي نحو: زيد أنت تضربه وهند عمرو يضربها، قال: فسيبويه وهشام لا يجيزان النصب؛ للفصل بين العامل والمعمول بأجنبي فإن ذلك يمنع العمل، وما لا يعمل لا يفسر عاملا، قال: وذهب الكسائي إلى أنه يجوز النصب قياسا على اسم [2/ 277] الفاعل 2. انتهى.
وأقول: أما المسألة الأولى: ففي منعها نظر؛ لأن الفعل الذي يقدر ناصبا للاسم السابق لا يلزم كونه مضارعا فيجوز كونه ماضيا، ولا ينافي ذلك تفسيره بمضارع؛ لأن الماضي المقدر مصروف إلى الحضور بقرينة وقوعه حالا فيستوي مدلوله ومدلول المضارع حينئذ، وإذا كان كذلك وجب نصب الاسم السابق، ولا يتعين رفعه على أن في عبارة الشيخ مناقشة وهي: أنه قال: إن المانع من النصب مجيء الفعل المشغول غير مصحوب بقد لا لفظا ولا تقديرا، وهذه العبارة يدخل تحتها ما إذا كان الفعل المشغول ماضيا نحو: جاء زيد وعمرو ضربه، فإنه لا مانع من نصب عمرو هنا؛ لأن التقدير: وضرب عمرا ضربه، وواو الحال تباشر الفعل الماضي قطعا.
وأما المسألة الثانية: فمنع الاشتغال فيها مبني على أن خبر المبتدأ إذا كان فعلا وكان له معمول لا يتقدم ذلك المعمول على المبتدأ، أي: لا يعمل الخبر إذا كان فعلا في شيء مقدم على المبتدأ، ويلزم من عدم عمله جواز تفسيره بعامل كما عرفت، وهذه المسألة ذكرها ابن عصفور 3، وذكره لها عجيب فإنه إنما يذكر في كتبه -

................................  المصنفة مذهب البصريين، وإن ذكر شيئا من مذاهب الكوفيين نبه على ذلك بنسبته إليهم، أما إذا أطلق القول في مسألة فذلك الذي يذكره فيها هو مذهب البصريين، والمعروف في هذه المسألة من مذهب البصريين خلاف ما ذكره ابن عصفور 1. وقد قال المصنف في باب المبتدأ: وتقديم المفسر إن أمكن مصحح خلافا للكوفيين إلا هشاما، ووافق الكسائي في نحو: زيدا أجله محرز، لا في نحو: زيدا أجله أحرز. والعجب من الشيخ كيف قرر هذا في مكانه المذكور، ولم ينازع المصنف في كون هذا مذهب البصريين؟ ثم إنه هاهنا تبع ابن عصفور، والحق ما ذكره المصنف فعلى هذا لا يمتنع الاشتغال في مثل: زيد هند تضربه، وإذا كان كذلك فلا استدراك على المصنف، لا يقال: المسألة التي ذكرها الشيخ - وهي: زيد أنت تضربه، وهند عمرو يضربها - الاسم الفاصل فيها بين الاسم والفعل أجنبي، فلا يجوز نصب الاسم المتقدم بالعامل؛ لكون الفاصل أجنبيّا من المبتدأ 2، وأما نحو: زيد أجله أحرز؛ فالفاصل فيه ليس بأجنبي، فإذا نصبنا زيدا بالفعل الذي هو «أحرز» جاز؛ لأنا نقول: لا فرق في هذه المسألة بين أن يكون الفاصل أجنبيّا أو غير أجنبي؛ لأمرين: أحدهما: أن مدار منع تقديم المعمول وجوازه على شيء وهو أن تقديم المعمول يؤذن بجواز تقديم العامل، والعامل هنا لا يتقدم؛ لأنه فعل مسند إلى ضمير من أخبر به عنه [2/ 278]، وإذا كان كذلك؛ فأي أثر لكون الفاصل يكون أجنبيّا أو غيره؟. الثاني: أن كلام ابن عصفور يقتضي أن لا فرق؛ وذلك أنه قال في شرح الجمل في باب «كان»: وأما قول الشاعر 3: 1296 - بما كان إيّاهم عطيّة عوّدا 4

................................  فضرورة يحفظ ولا يقاس عليه؛ لأن أولى كان «إياهم» وهو مفعول عوّد، ثم قال: ما معناه: ولا يجوز أن يكون في كان ضمير الأمر والشأن؛ لأن ذلك يؤدي إلى ما لا يجوز، وذلك أن خبر المبتدأ لا يتقدم معموله على المبتدأ إذا كان فعلا 1، فجعل علة منع التقديم ما ترى، وقال في شرح المقرب 2 في مسألة: كانت زيد الحمى تأخذه، بعد أن حكم عليها بالمنع؛ فإن جعلت الحمى مبتدأ، وتأخذ في موضع خبره، وزيدا منصوبا بتأخذ والجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر كان، واسم كان ضمير قصة مستتر فيها فإن في ذلك خلافا بين النحويين، منهم من أجاز ذلك؛ لأنك إنما أوليت كان اسمها وهو ضمير القصة وهو قول الفارسي في الإيضاح 3، ومنهم من منع لما يلزم فيه من الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي منها 4. وإلى ذلك ذهب أبو علي في التذكرة فقال: إن قولك: زيد أجله أحرز، وزيدا أبوه ضربت، حكى أحمد عن الكسائي أنه كان يجيزه مع الدائم وهشام يجيزه مع الماضي والمستقبل والدائم «ثم» قال: ووجه إجازة الكسائي ذلك مع اسم الفاعل وامتناعه من إجازته مع الماضي والمستقبل أنه إذا كان «زيدا أجله محرز» لم يفصل بين الفاعل والمفعول بالأجنبي الذي هو «أجله»، كما يفصل بين الماضي والمستقبل ألا ترى أن الأجل الذي هو مبتدأ لا ينزل منزلة الأجنبي، وأنه مع الخبر الذي هو اسم الفاعل بمنزلة الفعل والفاعل، وإنما كان كذلك؛ لأن اسم الفاعل لا ينصب من غير أن ينضم إلى المبتدأ، كما أن الفعل لا ينصب حتى ينضم إليه الفاعل، فلما - - والبيت في المقتضب (4/ 101)، وشرح الجمل لابن عصفور (1/ 393)، والخزانة (4/ 57)، والمغني (2/ 610)، والعيني (2/ 34)، والهمع (1/ 118)، والدرر (1/ 87)، والأشموني (1/ 237)، وديوان الفرزدق (ص 214). وقد استشهد به ابن عصفور على إيلاء معمول الخبر لكان وذلك لضرورة الشعر.

................................  كان كذلك صار المبتدأ مع اسم الفاعل كالفعل والفاعل، فكما لا يمتنع: زيدا ضرب غلامه؛ كذلك لا يمتنع: زيدا أجله محرز.
ومما بين ذلك أن سيبويه 1 لا يرى النصب في قولك: أأنت زيد ضربته؛ للفصل، ولو قال: أأنت زيدا ضاربه غدا نصبه، ونزل الفاعل في المعنى مع اسم الفاعل منزلة يفعل، وكذلك يقول الكسائي: اسم الفاعل مع المبتدأ بمنزلة الفعل والفاعل فتقول: زيدا أجله محرز، كما تقول: زيد يحرز الأجل، وليس كذلك يحرز وأحرز؛ لأن كل واحد منهما مستقل 2 بفاعله؛ فيصير المبتدأ الفاصل بين الفعل والمفعول أجنبيّا عنهما.
هذا كلامه في التذكرة وهو يعطي أن الراجح [2/ 279] عنده أن تقديم معمول الفعل الواقع في موضع الخبر على المبتدأ لا يجوز، وإذا كان ذلك عنده غير جائز فينبغي أن لا يجيز: كانت زيدا الحمى تأخذ؛ جعلت في كان ضميرا لقصة، أو لم تجعل؛ لأنك في الوجه الواحد وهو: أن تجعل «الحمى» مرفوعا بـ «كانت» يلزمك الفصل بينها وبين اسمها بأجنبي عنها، وفي الوجه الآخر وهو: أن تجعل في كان ضميرا لقصة يلزمك أن تقدم معمول الخبر - وهو فعل - على المبتدأ.
انتهى كلام ابن عصفور.
وقد ظهر لك منه أولا وآخرا وبحثا وتعليلا: أن محط المنع - أعني منع التقديم - إنما هو كون المعمول معمول فعل واقع خبر المبتدأ، لا ما تقتضيه عبارة الشيخ، وإذا كان كذلك؛ فقد تم البحث الذي بحثه وسلم من الخدش.
ومنها: أن المصنف ذكر لوجوب النصب سببين وهما: 1 - أن يتلو الاسم ما يختص بالفعل نحو: إن زيدا ضربته عقل.
2 - أن يتلوه استفهام بغير الهمزة نحو: هل مرادك نلته؟ فشمل قوله: (ما يختص بالفعل) أدوات الشرط العاملة، وأدوات التّحضيض، و «لو» شرطية كانت أو امتناعية، و «إذا» الشرطية 3، إلا أنه يجب التنبيه هنا على شيء وهو: أن أدوات الشرط يتعين أن يليها الفعل لفظا، ولا يليها الاسم -

................................  متقدما على الفعل إلا في الضرورة نحو قوله 1: 1297 - فمتى واغل يزرهم يحيّو... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي 2 ونحو قول الآخر 3: 1298 - صعدة نابتة في حائر... أينما الرّيح تميّلها تمل 4 ويستثنى من الأدوات المذكورة «إن» فإن الاسم يجوز أن يليها في الكلام؛ لأنها أم الباب يعني أنها الأصل في إفادة معنى الشرط، لكن يشترط أن يكون الفعل الواقع بعد الاسم الذي يليها ماضيا نحو: إن زيدا أكرمته أكرمك 5، كما يقرر ذلك في باب جوازم الأفعال، وعلى هذا: فالاشتغال يتصور في الاسم الواقع بعد أدوات الشرط؛ إمّا في الكلام كأن يشترط كون الفعل الواقع بعد الاسم ماضيا كما تقدم، وإما في الشعر كما في الأدوات.
وأما السبب الثاني؛ وهو أن يتلو الاسم استفهاما بغير الهمزة نحو: هل مرادك نلته؟ فقد يقال: المعروف أن أدوات الاستفهام غير الهمزة إذا وقع بعدها الاسم والفعل تقدم الفعل على الاسم؛ ولهذا إن ابن عصفور لما ذكر هذا الحكم قال: -

................................  فلا تكون المسألة من باب الاشتغال 1، وعلى هذا يقال: كيف ذكر المصنف من باب الاشتغال ما لا يكون فيه اشتغال؟.
والجواب: أنهم نصوا على أنه يجوز تقديم الاسم على الفعل في الشعر، وإذا كان التقديم جائزا في موضع جاء الاشتغال حيث جاز التقديم؛ فالاشتغال متصور مع أدوات الاستفهام في الجملة، وهذا كما قلناه في أدوات الشرط، غير أن الاشتغال [2/ 280] يتصور معها، وقد رأيت في كلام الشيخ ما يقتضي جواز الاشتغال مع أدوات الاستفهام مطلقا، وذلك أنه قال بعد ذكر «هل مرادك نلته؟» فالنصب هنا واجب؛ وذلك أن «هل» إذا جاء بعدها اسم وفعل وليها الفعل دون الاسم، ولا يجوز أن يليها الاسم لو قلت: هل زيدا ضربت؟ لم يجز إلا في الشعر، فإذا جاء في الكلام: هل زيدا ضربته؟ كان ذلك على الاشتغال، والتقدير: هل ضربت زيدا ضربته؟ فتكون «هل» وليت الفعل، هذا مذهب سيبويه، وخالفه الكسائي وذهب إلى أنه يجوز أن يليها الاسم وإن جاء معه الفعل، وأجاز أن يرتفع بالابتداء فنقول: هل زيد ضربته؟ فعلى رأيه يجوز رفع زيد ونصبه على الاشتغال 2. انتهى.
وهو مخالف لما قاله ابن عصفور، والناظر يحتاج إلى أن يحقق المسألة على أن كلام ابن عصفور موافق لكلام الناس في المسألة 3. ثم قال الشيخ: ويشمل قول المصنف: (بغير الهمزة) أدوات الاستفهام نحو: هل، ومتى، وغيرهما، تقول: من أمة الله تضربها؟ فإن وليت اسم الاستفهام الأفعال نحو: من رأيته؟ فيحتمل أن يقدر بوجهين: أحدهما: تقدير الهمزة والاسم بعدها كأنك قلت: أزيدا رأيته، فيكون في موضع نصب، ويحتمل أن يقدر تقديم الاسم المقتدم على الاستفهام، كأنك قلت: زيدا رأيته؛ فلا يكون إلا الرفع ويظهر ذلك في «أي» إذا قلت: أيهم ضربته؟ نصبا ورفعا، قال: وكذلك أسماء الشرط.
وإذا اجتمع بعد اسم الاستفهام الاسم والفعل؛ قدم الفعل، كهو مع هل، وقال سيبويه: إن قلت: أيهم زيدا ضرب؟ قبح.. انتهى كلام الشيخ 4. -

................................  ومنها: أنه قد عرف من قول المصنف: بعامل لا يظهر، أن عامل النصب في الاسم المشتغل عنه شيء مقدر، وهذا مذهب البصريين وعليه التعويل وهو الحق.
وللكوفيين في العامل مذهبان آخران: أحدهما: قول الكسائي وهو: أن الناصب للاسم العامل الذي بعده على إلغاء العائد 1. والآخر: قول الفراء وهو: أن العامل عامل في الاسم وفي الضمير معا 2. والمذهبان لا معول عليهما، ويبطل مذهب الكسائي أن العامل قد يكون متعلقه السببي فلا يمكن أن يلغى؛ لأنه في الحقيقة هو مطلوب العامل نحو: زيدا ضربت غلام رجل يحبه، ويبطل مذهب الفراء أن الفعل المتعدي إلى واحد، يصير متعديا في باب الاشتغال إلى اثنين، والمتعدّي إلى اثنين يصير متعديا فيه إلى ثلاثة وهذا خرم للقواعد.
ويبطل المذهبين معا أن العامل قد يكون متعديا بحرف الجر فكيف يجوز أن يتعدى إلى الاسم السابق 3 [2/ 281] بنفسه، وقد ردّ الفراء على البصريين بوجوه ثلاثة لكنها ضعيفة، والجواب عنها أسهل، وإنما تركت إيراد ذلك؛ خشية الإطالة 4. ومنها: أن الشيخ تعرض إلى ذكر المثال الذي مثّل به المصنف لما العامل فيه شبه الفعل -

................................  وهو: أزيدا أنت ضاربه؟ وأنّ التقدير: أضارب زيدا أنت ضاربه؟ فقال: لم يبين المصنف إعراب هذا الكلام، وفي البسيط: إذا قلت: زيدا أنت ضاربه، وأدخلت الحروف التي يعتمد عليها اسم الفاعل؛ جاز في الاسم النصب بإضمار فعل، وجاز أن يكون بتقدير اسم فاعل لصحة اعتماده، قيل: ويجب أن يكون «أنت» مرتفعا (به) 1؛ لأنه إما يكون اسم الفاعل مبتدأ به أو خبرا متقدما، وهو في كل حال مفتقر إليه، ويرتفع ضارب الثاني بتقدير ابتداء آخر 2. ومنها: أنك قد عرفت أن الاسم السابق قد يرتفع مع أن ضميره منصوب، وذلك بأن يضمر فعل مطاوع للفعل الظاهر وعليه قول لبيد: 1299 - فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب 3 وقول الآخر: 1300 - أتجزع إن نفس أتاها حمامها 4 وكذا: 1301 - لا تجزعي إن منفس أهلكته 5 في رواية من رفع منفسا، وقد تقدم تقرير ذلك في كلام المصنف 6، ولكن المغاربة لم يجنحوا إلى ما جنح إليه المصنف من إضمار المطاوع ولهم في بيت لبيد تخريجات: قيل: إن «أنت» مرفوع على الابتداء، قال الشيخ: وهذا وجه ذكره سيبويه إذا كان الخبر فعلا نحو: إن الله أمكنني من فلان 7، وذكره ابن جني عن الأخفش 8، وقيل: إن هذا مما وضع فيه ضمير الرفع موضع ضمير النصب كما وضع ضمير المنصوب موضع المرفوع في قولهم: لم يضربني إلّا إيّاه، وفي المحكي -

[مواضع ترجيح النصب في المشغول عنه]

قال ابن مالك: (ويرجّح نصبه على رفعه بالابتداء إن أجيب به استفهام بمفعول ما يليه، أو بمضاف إليه مفعول ما يليه، أو وليه فعل أمر أو نهي أو دعاء، أو ولي هو همزة استفهام، أو حرف نفي لا يختصّ أو «حيث» [2/ 282] أو عاطفا على جملة فعليّة تحقيقا أو تشبيها، أو كان الرّفع يوهم وصفا مخلّا).
من كلام العرب: «فإذا هو إياها» 1، وفي الحديث: «من خرج إلى الصّلاة لا تنهزه إلّا إيّاها» 2، وهذان التخريجان للسهيلي 3. وقيل: إنه مرفوع بإضمار فعل يفسره المعنى ولا يكون من باب الاشتغال، التقدير: فإن ضللت لم ينفعك علمك، فأضمر «ضللت» لفهم المعنى، وبرز الضمير لما استتر الفعل، وهذا التخريج هو الذي ذكره ابن عصفور 4، واعلم أن الذي ذكره المصنف أسهل من هذا الذي ذكروه فالقول به أولى؛ إذ لا مانع منه، ثم إنه يتمشى مع الأبيات الثلاثة التي ذكرها ولا يحتاج فيها إلى تكلف.
قال ناظر الجيش: لما انقضى الكلام على تبيين موانع نصب الاسم وتبيين موجبات نصبه؛ شرع في تبيين مرجحات نصبه على رفعه بالابتداء، والأسباب المرجحة التي ذكرها سبعة 5: -

................................  الأوّل: أن يجاب به استفهام بمفعول ما يليه، أو بمضاف إليه مفعول ما يليه؛ فالأول كقولك: زيدا ضربته؛ في جواب من قال: أيّهم ضربت؟، أو: من ضربت؟، والثاني: كقولك: ثوب زيد لبسته؛ في جواب من قال: ثوب أيّهم لبست؟ 1، فلو كان الاسم المستفهم غير مفعول نحو: أيّهم ضربته؟ فالجواب: زيد ضربته؛ بالرفع عند سبيويه، ولا يجيز النصب إلا على حد: زيدا ضربته؛ غير جواب 2، ونقل الشيخ: أن الأخفش يجوز النصب على حد ما يجوز في العطف في الجملة ذات الوجهين 3. واعلم أنهم أجروا ما ليس جوابا لاسم استفهام مجرى ما هو جواب له، فإذا قيل: هل رأيت زيدا؟ قيل: لا، ولكن عبد الله لقيته؛ قالوا: فهذا في حكم الجواب، وإن لم يكن هو المسئول عنه؛ لكنه لما كان جوابا في الجملة جرى مجرى الأول، وكذا لو عطفت فقلت: لا، بل عمرو لقيته، أو نعم، عمرا لقيته 4. ولم يظهر لي تقييد قوله: استفهام بمفعول، بقوله: ما يليه، ولا عرفت ما فائدته، ولا عن أي شيء احترز به، ويظهر أنه لو اقتصر على قوله: استفهام بمفعول كان كافيا، فإن ذلك يخرج الاستفهام بغير مفعول، كالاستفهام بمبتدأ كما تقدم.
الثاني: أن يلي الاسم السابق فعل ذو طلب، وهو فعل: أمر، أو نهي، أو دعاء؛ كقولك: زيدا ذره، وعمرا لا تقربه، وذنوبنا اللهمّ اغفرها، وكذا إذا كان الأمر لغير مخاطب نحو: زيدا ليضربه عمرو، فإن لام الأمر ليست من حروف الصدر، فجائز لما بعدها أن يفسر عاملا فيما قبلها، ولو كان الأمر بصيغة الخبر كان الحكم كذلك نحو: الأولاد يرضعهن الوالدات، وكذا: زيدا رحمه الله، وزيدا يعذبه الله 5. وأما قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا 6، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا 7؛ -

................................  فقد عرفت مذهب سيبويه والمبرد في الآيتين الشريفتين ما هو 1، وابن السيد حكم بأن نحو ذلك من باب الاشتغال، وأجاب عن عدم النصب بأن المبتدأ في الآيتين الشريفتين المراد به العموم، وحاصل كلامه أنه يفرق في الاسم الواقع بعده فعل ذو طلب بين أن يكون مقصودا به الخصوص، فيختار فيه النصب أو مقصودا به العموم فيختار فيه الرفع، وعلل ذلك بأن الذي يراد به العموم يشبه الشرط في العموم [2/ 283] والإبهام 2. وليعلم أن الاسم الذي في معنى فعل الأمر 3 حكمه حكم الفعل نحو: زيدا ضربا إيّاه 4، وهذا الحكم يستفاد من قول المصنف في ابتداء الباب: (إذا انتصب ضمير اسم بجائز العمل فيما قبله) فمن هنا يعلم أنه لا فرق بين الفعل والاسم إذا وجد الوصف الذي ذكره.
الثالث: أن يلي الاسم السابق همزة استفهام نحو: أزيدا ضربته؟، وخصصت الهمزة بذكرها مع مرجحات النصب؛ لأن غيرها من أدوات الاستفهام من موجبات النصب كما عرفت، واستفيد من قول المصنف: (أو ولي هو همزة استفهام) أنه إذا لم يل الهمزة بأن يكون بينهما فاصل فلا يختار الرفع؛ لأن الهمزة مع الفاصل لا أثر لها إلا أن يكون الفاصل ظرفا نحو: أكلّ يوم عمرا تكرمه؟؛ لأن الظرف لا يعد فاصلا بالحقيقة، وسواء أكان الاستفهام عن الفعل أم عن الاسم نحو: أزيدا ضربته؟ ونحو: زيدا ضربته أم عمرا 5، وقال ابن الطراوة: إن كان الاستفهام عن الفعل؛ اختير الرفع 6، وقد -

................................  استشهد بقول الشاعر 1: 1302 - أثعلبة الفوارس أم رياحا... عدلت بهم طهيّة والخشابا 2 وزعم ابن الطراوة أن سيبويه أخطأ 3، قلت: وهذه مكابرة منه لسيبويه. ومن كلام العرب: أزيدا ضربت أم عمرا؟ بالنصب وهو سؤال عن الاسم وفي شرح الشيخ: وينبغي أن يقدر الفعل متأخرا عن الاسم، فيقدر في نحو: أزيدا ضربته أم عمرا؟ أزيدا ضربت ضربته أم عمرا؟ 4. الرابع: أن يلي الاسم السابق حرف نفي لا يختص نحو: ما عمرا أهنته، ونحو: لا زيدا قتلته ولا عمرا 5. قال المصنف: وقيل: حرف نفي؛ احترازا من النفي بليس؛ فإنها فعل، وإذا وليها الاسم السابق كان اسمها فيتعين رفعه نحو: ليس زيد أبغضه، وقيد حرف النفي بكونه لا يختص؛ احترازا من «لن» و «لم» و «لمّا» الجازمة؛ لأن الاسم لا يلي واحدا منها إلا في ضرورة، وحكمه حينئذ أن يضمر له على سبيل الوجوب فعل يفسره المشغول كما قال الشاعر: 1303 - ظننت فقيرا ذا غنى ثمّ نلته... فلم ذا رجاء ألقه غير واهب 6

................................  أراد: فلم ألقه ذا رجاء ألقه غير واهب 1. انتهى.
قال الشيخ: ما ذكره المصنف من أنه إذا ولي المشتغل عنه حرف نفي لا يختص يختار فيه النصب، كحاله إذا ولي همزة الاستفهام مخالف لظاهر كلام سيبويه، فإن سيبويه لما ذكر النصب فيه قال بعد ذلك: وإن شئت رفعت، والرفع فيه أقوى؛ إذ كان يكون في ألف الاستفهام؛ لأنهن نفي واجب، يبتدأ بعدهن، ويبنى على المبتدأ [2/ 284] بعدهن، ولم يبلغن أن يكن مثل ما شبهن به 2. وأطال الكلام في المسألة ثم قال: فصار في المسألة ثلاثة مذاهب: استواء الرفع والنصب، وأرجحية الرفع، وأرجحية النصب 3. والحاصل: أنه ذكر عن النحاة نقولا مضطربة، والذي يظهر أن النصب أقوى من الرفع 4، قال ابن عصفور: وهو مذهب الجمهور 5، قلت: ولا يلزم من قول سيبويه: والرفع فيه أقوى؛ أنه أقوى من النصب، بل يمكن أن يريد أن الرفع فيه أقوى منه في الاستفهام مع كون النصب راجحا عليه.
الخامس: أن يلي الاسم السابق «حيث» كقولك: حيث زيدا تلقاه يكرمك، وعلّل ذلك بأن «حيث» في معنى حروف المجازاة؛ فكان النصب أرجح 6. السادس: أن يلي الاسم السابق حرف عطف قبله جملة فعلية، متعديا كان فعلها أو غير متعد؛ فالمتعدي نحو: لقيت زيدا وعمرا كلمته، وغير المتعدي نحو: جاء سعد وسعيدا زرته، فنصب «عمرو» و «سعيد» راجح على رفعهما؛ لأنك في نصبهما عاطف جملة فعلية على جملة فعلية، وأنت في رفعهما عاطف جملة ابتدائية على جملة فعلية، والمشاركة في عطف الجمل راجحة 7؛ قال الله تعالى: - - ومغني اللبيب (1/ 278)، وشرح شواهده للسيوطي (2/ 679). والشاهد قوله: «فلم ذا رجاء ألقه»؛ حيث ولي الاسم «لم» الجازمة للضرورة، ويرى ابن مالك أنه يجب حينئذ أن يضمر فعل يفسره المشغول كما بين في البيت.

................................  فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ 1، وقال تعالى: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ 2 التقدير: وأغرقنا قوم نوح وأضل فريقا، ومنه قول الربيع 3: 1304 - أصبحت لا أملك السّلاح ولا... أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا 4 وقول الآخر وهو امرؤ القيس: 1305 - وأضحى يسحّ الماء من كلّ فيقة... يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل وتيماء لم يترك بها جذع نخلة... ولا أطما إلّا مشيدا بجندل 5 فـ «تيماء» كالذئب في قول الربيع غير أن المقدر في لفظ الربيع لفظ المفسر، والمقدر في قول امرئ القيس من معناه أي: «خرب تيماء؛ لأنه إذا لم يترك بها جذع نخلة ولا أطما فقد خربها وهدمها.
قال المصنف: وليس الغرض في ترجيح نصب ما بعد العاطف إلا تعادل اللفظ ظاهرا، ولولا ذلك لم يرجح بعد «حتى»؛ لأنها لا يعطف بها جملة بل مفرد على كل، فإذا قلت: ضربت القوم حتى زيدا ضربت أخاه؛ فـ «حتى» حرف ابتداء، ولكن لما وليها في اللفظ بعض ما قبلها أشبهت العاطف فأعطي تاليها ما يعطى تالي -

................................  «الواو» فإن قلت: ضربتهم حتى زيدا ضربته، فالأجود أن ينتصب «زيدا» بمقتضى العطف، ويجعل «ضربته» توكيدا 1، فلو قلت: ضربت زيدا حتى عمرو ضربته؛ تعين رفع [2/ 285] «عمرو»، لزوال شبه حتى الابتدائية بالعاطفة؛ إذ لا تقع العاطفة إلا بين كل وبعض.. 2. انتهى.
وهذا الذي قرره في مسألة «حتى» هو المراد بقوله: «أو تشبيها» بعد قوله: «أو عاطفا على جملة فعلية تحقيقا» وقد ذكر سيبويه «حتى ولكن وبل» فقال: ومما يختار فيه النصب قوله: ما لقيت زيدا ولكن عمرا مررت به، وما رأيت زيدا بل خالدا لقيت أباه؛ تجريه على قولك: لقيت زيدا وعمرا لم ألقه 3. وقال أيضا: ومما يختار فيه النصب لنصب الأول ويكون الحرف الذي بين الأول والآخر بمنزلة الواو، والفاء، وثم، قولك: قد لقيت القوم كلهم حتى عبد الله لقيته، وضربت القوم حتى زيدا ضربت أباه، وأتيت القوم أجمعين حتى زيدا مررت به، ومررت بالقوم حتى زيدا مررت به.
وإنما اختير النصب؛ لأنها حروف تشبه العاطفة من حيث إنها لا تكون إلا بعد كلام ولا تبتدأ أصلا، ولأنها أيضا يعطف بها في المفردات، فاختيرت المشاكلة لذلك، كما اختير في حروف العطف 4. انتهى.
ومن ثم قال الشيخ: كأن المصنف قصد بذكر «حتى» التمثيل لا الحصر - يعني في «حتى» - لكنه نازع المصنف في قوله: فالأجود أن ينتصب «زيدا» بمقتضى العطف، ويجعل «ضربته» توكيدا، يعني في قولك: ضربت القوم حتى زيدا ضربته، قال: لأن التأسيس أولى من التأكيد 5، وما قاله في هذا المثال غير ظاهر، فإن التأسيس إنما يكون أولى إذا دار الحال بين الأمرين وهاهنا ليس كذلك، فإنك إذا نصبت زيدا بمقتضى العطف على القوم حصل التأسيس، ثم إذا أكد قوي أمره، ولا شك أن الجمع بين تأسيس وتأكيد أولى من تأسيس دون توكيد، ونازعه أيضا في قوله: فلو قلت: ضربت زيدا حتى عمرو ضربته، تعين رفع «عمرو»؛ لزوال شبه -

................................  حتى الابتدائية بالعاطفة؛ إذ لا تقع العاطفة إلا بين كل وبعض؛ فقال: لم يتعرض سيبويه ولا غيره لهذا الشرط الذي شرطه المصنف في «حتى» هذه من أنه لا يحمل الاسم بعدها على إضمار فعل على سبيل الاشتغال «حتى» يكون فيها شرط حتى العاطفة من أن ما بعدها يكون خبرا مما قبلها 1. انتهى.
ولا شك أن الذي قاله المصنف هو الذي تقتضيه القواعد، وتمثيل سيبويه يدل على ذلك؛ فإنه لم يمثل في مسألة الاشتغال فيما بعد «حتى» إلا بما المذكور بعدها فيه جزء ممّا قبلها كما رأيت.
السابع: أن يكون نصب الاسم السابق مخلصا من إيهام غير الصواب، والرفع بخلاف ذلك 2، كقوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ 3 فإن نصب كل شيء يرفع توهم كون (خلقنه) صفة لـ (شئ)؛ إذ لو كان صفة له لم يفسر ناصبا لما لقبله [2/ 286] وإذا لم يكن صفة كان خبرا، فلزم عموم خلق الأشياء بقدر خيرا كان أو شرّا وهو قول أهل السنة، ولو قرئ بالرفع احتمل أن يكون (خلقنه) صفة مخصصة وأن يكون خبرا، فكان النصب لرفعه احتمال غير الصواب راجحا 4، قال الشيخ: ما ذكره المصنف من ترجيح النصب بالسبب الذي ذكره هو قول أكثر النحويين، وأما سيبويه فإنه ذكر أن الرفع أقوى في نحو: إني زيد لقيته وأنا عمرو ضربته، وليئنني عبد الله مررت به، ثم قال بعد: وأما قول الله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فإنما جاء على قولك: زيدا ضربته، وهو عربي كثير، وقد قرأ بعضهم: وأما ثمود فهدينهم 5 إلا أن القراءة لا تخالف؛ لأنها السنة 6. قال: فليس في كلام سيبويه إشارة إلى ترجيح النصب، وإنما خرج ذلك على «زيدا ضربته» قال: وظاهر كلام سيبويه والمصنف أن الآية الشريفة لم تقرأ إلا بالنصب وليس كذلك؛ بل قرئ بالرفع على الابتداء 7، وقول سيبويه في نصب «زيدا ضربته»: وهو -

[جواز الرفع والنصب على السواء في المشغول عنه]

قال ابن مالك: (وإذا 1 ولي العاطف جملة ذات وجهين أي اسميّة الصّدر فعليّة العجز، استوى الرّفع والنصب مطلقا خلافا للأخفش ومن وافقه في ترجيح الرّفع إن لم يصلح جعل ما بعد العاطف خبرا، ولا أثر للعاطف إن وليه «أمّا»).

  • عربي كثير 2، يردّ قول من قال: إن النصب ضعيف 3، وقال ابن الحاجب 4: [وعند خوف لبس المفسر بالصفة مثل: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ 5، وهي أيضا قرينة من قرائن النصب المختار، ووجهه أنه لو رفع لكان المعنى المقصود غير متعين بنفس الإخبار، ألا ترى أنه يجوز إذا رفعت أن يكون (خلقنه) خبرا فيفيد المعنى المقصود وصفه، فيفيد غير المقصود لأن التقدير معه: كل مخلوق لنا بقدر، وهو معنى غير المقصود، فكان النصب أولى لما فيه من البيان للنصوصية على المعنى المقصود؛ لأنك إذا نصبت، نصبت بفعل يفسره (خلقنه) فيكون التقدير: خلقنا كل شيء خلقناه بقدر؛ فيفيد العموم في المخلوقات وهو المعنى المقصود] 6. اه.
    قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على أقسام ثلاثة شرع في القسم الرابع، وهو ما استوى فيه الأمران، أعني: الرفع والنصب.
    قال المصنف 7: تسمى الجملة ذات وجهين إذا ابتدئت بمبتدأ، وختمت بمعمول - - هنا أقوى من النصب، وإن كانت الجماعة على النصب، وذلك أنه من مواضع الابتداء، فهو كقولك: زيد ضربته، وهو مذهب صاحب الكتاب والجماعة».
    اه.
    وينظر: معاني القرآن للأخفش (ص 330، 331)، والبحر المحيط (8/ 183).

................................  فعل؛ لأنها اسمية من جهتها الأولى، فعلية من جهتها الأخرى، فإذا توسط عاطف بينهما وبين الاسم المشتغل عنه، جاز رفعه ونصبه جوازا حسنا دون ترجيح؛ لأنه إذا رفع كان مبتدأ مخبرا عنه بجملة فعلية معطوفا على مبتدأ مخبر عنه بجملة فعلية، وإذا نصب كان معمول فعل معطوفا في [2/ 287] اللفظ على معمول فعل، فمع كل واحد من العملين مشاكلة توجد عدم المفاضلة، ولكل منهما ضعف وقوة، فضعف الرفع لترتبه على أبعد المتشاكلين، وقوته؛ لصلاحية الثاني فيه لأن يسد مسد الأول، وضعف النصب؛ لعدم صلاحية الثاني منه أن يسد مسد المحمول عليه، وقوته؛ لترتبه على أقرب المتشاكلين، فحصل بذلك تعادل في مراعاة التشاكل 1. وشهد لحسن الوجهين قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ 2 قرأ الحرميان 3 وأبو عمرو بالرفع، والباقون بالنصب 4، واتفقوا على نصب 5 وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ 6 وكلاهما من العطف على جملة ذات وجهين، وفيهما رد على الأخفش؛ لأنه يستضعف النصب بعد العاطف على جملة ذات وجهين ما لم تتضمن الجملة المعطوفة ذكرا يرجع إلى المبتدأ، نحو: زيد لقيته وعمرو رأيته؛ فلا يستحسن نصب ما بعد العاطف؛ لأن ذلك يستلزم عطف جملة لا محل لها من الإعراب، وهذا ساقط عند سيبويه؛ لأن ما له المحل من الإعراب لما لم يظهر في اللفظ سقط حكمه، وجرت الجملة ذات المحل والتي لا محل لها مجرى واحدا، كما أن اسم الفاعل حين لم يظهر الضمير المرتفع به جرى مجرى ما لا ضمير فيه، فقيل في تثنيته: قائمان، كما قيل: فرسان، وإذا كان اسم الفاعل قد يظهر ضميره إذا جرى على غير ما هو له ثم أجرى مع ذلك ما لا ضمير فيه لعدم ظهوره في بعض المواضع؛ كان ما لا يظهر إعرابه أصلا أحق أن لا يعتدّ به 7، وإن وقع بعد العاطف «أمّا» أبطلت حكم -

................................  العطف، فكان للاسم بعدها ما له مفتتحا به؛ فإن كان معه سوى العطف ما يرجح النصب عمل بمقتضاه، وإلا فالرفع راجح 1. انتهى كلام المصنف 2. وهاهنا أبحاث: الأول: الظاهر أن المصنف إنما احتاج إلى تفسير ذات الوجهين بقوله: اسمية الصدر فعلية العجز؛ ليفيد المراد بها في اصطلاح النحاة؛ ولكن قال الشيخ: إن ذات الوجهين يراد بها: كبرى وصغرى، فالصغرى في ضمن الكبرى، والصغرى أعم من أن تكون اسمية أو فعلية قال: فتبين أن المراد بقوله: (ذات وجهين): ما الصغرى فيه فعلية 3، ويقتضي كلامه أن نحو: زيد أبوه قائم؛ يقال فيه: إنه جملة ذات وجهين، وفي هذا بعد؛ إذ لا وجهين لها، غاية الأمر أن الصغرى بعض الكبرى والجملة ذات وجه واحد؛ لأن الجملة التي هي بعضها اسمية، وأما: زيد قائم؛ فالصغرى فيه [2/ 288] بعض الكبرى أيضا لكن الجملة ذات وجهين؛ لأن الجملة التي هي بعض فعلية، فلها وجه غير وجه الجملة برمتها.
الثاني: ليس استواء الأمرين موقوفا على الفعل نفسه في الجملة ذات الوجهين، بل لو وقع موقعه مشتق، أعني وصفا عاملا ثبت معه هذا الحكم 4، نحو: زيد مكرم عمرا وخالد أكرمه 5. الثالث: ما أشبه العاطف من الحروف العاطفة يعطى حكم العاطف؛ وإن لم يكن عاطفا في ذلك المحل، نحو: زيد يكرم القوم حتى عمرو يكرمه.
نص النحاة -

................................  على ذلك 1. الرابع: يستثنى من قولهم: اسمية الصدر فعلية العجز مسألة لا يستوي فيها الأمران، وإنما يرجح فيها الرفع، وقد ذكرها سيبويه، وهي: ما أحسن زيدا، لو أتي بعده بجملة، وقيل: وزيد ضربته، وقد علل ذلك بأن فعل التعجب جار مجرى الأسماء؛ ولذا صغر فبعد عن الاحتمال 2. الخامس 3: لم يطبقوا في هذه المسألة على استواء الأمرين، بل منهم من ذهب إلى ترجيح الرفع، ونسب إلى أبي علي، ومنهم من ذهب إلى ترجيح النصب، وهو رأي بعض متأخري المغاربة 4، والمذهب المشهور المتصور هو الذي ذكره المصنف 5، وهو مذهب سيبويه 6، وهذا إذا كان في الجملة المعطوفة ضمير يعود على المبتدأ الذي في الجملة الأولى، نحو: هند ضربتها، وزيد كلمته في دارها، أما إذا لم يوجد فيها ضمير عائد على المبتدأ المذكور، نحو: زيد ضربته وعمرو أكرمته، فقيل لا يجوز العطف على الجملة الصغرى، أي: لا ينصب الاسم الذي يلي العاطف بإضمار فعل؛ لأنه يلزم من ذلك عطف الفعل المقدر على الفعل الذي هو -

................................  خبر عن المبتدأ المقدم، والمعطوف على الخبر خبر، فيكون «عمرو أكرمته» خبرا عن «زيد» وهو جملة ولا ضمير فيها يربطها بالاسم الأول، وقد أجيب عن ذلك بأربعة أجوبة.
أما السيرافي فالتزم السؤال، وقال ما معناه: إن سيبويه لم يمثل بهذا المثال على أنه صحيح، بل ليريك صورة العطف في الجملة ذات الوجهين، واعتمد في المسألة على أنه: إن وجد باقي الشروط صحت المسألة، وإلا فلا 1، وأما أبو علي فإنه أجاب عن ذلك بأن قال ما معناه: بأنه لما لم يظهر الرفع في الجملة التي هي خبر المبتدأ صارت؛ كأنها غير خبر، فجاز أن يعطف عليه ما لا يصح أن يكون خبرا ووافقه ابن جني على هذا الجواب، قالا: ونظيره الضمير في اسم الفاعل لما لم يظهر لم يعتد به، فثني الاسم وجمع، ولو ظهر لم يثن ولم يجمع 2، وأما ابن خروف فإنه أجاب عن ذلك بما معناه: أنه ليس المراد هنا العطف [2/ 289] الحقيقي الذي يوجب التشريك، بل المراد هنا إنما هو تراخي الجمل بدليل أن سيبويه - رحمه الله تعالى - ذكر من جملة مسائل الباب العطف بحتى، نحو قولك: القوم أكرمتهم حتى زيد أكرمته، قال: و «حتى» لا يعطف بها في الجمل، فعلمنا أن المراد: التراخي لا العطف التشريكي؛ فلا تحتاج حينئذ الجملة المعطوفة إلى ضمير 3، وأما الرماني فإنه أجاب عن ذلك بأن قال ما معناه: إن الجملة المعطوفة لا تحتاج هنا إلى ضمير؛ لأن العطف هنا إنما هو بالنظر إلى المعنى، وقولنا: زيد ضربته أولا، في معنى قولنا: ضربت زيدا، فلم ينظر إلى كونها مبتدأ وخبرا في اللفظ؛ بل إلى المعنى، وكأنها -

................................  جملة فعلية فكأننا قلنا: ضربت زيدا وعمرا أكرمته، ولو قلنا ذلك لم تحتج الجملة الثانية إلى ضمير، فلما كانت في معنى ما لا يحتاج إلى ضمير لم يكن فيها ضمير.
واعلم أن أضعف هذه الأجوبة جواب الرماني، وأما جواب السيرافي فيبطله القرآن العزيز؛ فإنه قد ورد فيه ما هو على صورة المثال الذي ذكره سيبويه من غير نقص، ولا زيادة وهو قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (6) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ 1، وأما جواب أبي علي فقد نوقش فيه؛ قال الشيخ جمال الدين بن عمرون: وما تمسك به من عدم ظهور الإعراب يبطله تجويز سيبويه النصب في: هذا ضارب عبد الله، وزيدا تمر به، فيجوز النصب مع ظهور الإعراب ولا ضمير في الجملة، وأما جواب ابن خروف فهو أحسنها وأقربها إلى الصواب، واختاره ابن عمرون، وأحسن منه ما أجاب بعض المتقدمين، وهو أن العطف إنما هو على الجملة الكبرى رفعت، أو نصبت، لكننا في النصب نلاحظ الصغرى طلبا للمشاكلة؛ ولا يلزم من ملاحظتها أن يكون العطف عليها، قالوا: وكأنه نوع من التوهم، واختار هذا القول جماعة منهم ابن عصفور 2. وقال الشيخ: إلا أنه مخالف لظاهر قول سيبويه؛ فإنه قال: إذا كان منصوبا؛ فإنه محمول على الصغرى، والحمل لا يفهم منه إلا العطف 3. انتهى.
وقد علم من أجوبة هؤلاء الأئمة أنهم يجيزون نصب الاسم الكائن في الجملة المعطوفة مع خلوها من ضمير يرجع إلى المبتدأ، الذي هو 4 في الجملة الأولى؛ وأن من يشترط وجود الضمير لا يجيز النصب، وإذا كان كذلك أشكل ما ذكره المصنف عن الأخفش وموافقيه من أنهم يرجحون الرفع على النصب؛ إن لم يصلح جعل ما بعد العاطف خبرا؛ إذ مقتضاه أنهم يجيزون النصب وإن كان مرجوحا، والمنقول عن مشترطي الضمير في الجملة أنهم يمنعون النصب عند فقد الضمير، وهو الذي يقتضيه تعليلهم، والذي ذكره الشيخ عن الأخفش؛ إنما هو منع 5 النصب لا مرجوحيته [2/ 290] فإنه ذكر في المسألة أربعة مذاهب - أعني في جواز -

................................  (نصب) 1 الاسم من الجملة المعطوفة، إذا خلت من ضمير يرجع إلى المبتدأ من الجملة الأولى - قال: أحدها: ما ذهب إليه جماعة من القدماء والفارسي من جواز العطف على الصغرى، نحو: هند ضربتها وعمرو أكرمته، وهو ظاهر كلام سيبويه.
الثاني: ما ذهب إليه الأخفش والزيادي ومن يتبعهما كالسيرافي، وهو أنه لا يجوز؛ فإن وجد النصب فليس لكونه معطوفا على الجملة الصغرى، إنما ذلك نحو جواز: زيدا ضربته؛ ابتداء من غير مراعاة عطف على الصغرى، ويكون من عطف الجملة الفعلية على الجملة الاسمية، وذلك جائز لا خلاف فيه 2. الثالث: ما ذهب إليه هشام، وهو: إن كان العطف بالفاء أو بالواو جازت المسألة؛ لأن الفاء فيها تسبّب؛ فيحتمل أن يكون الربط في الجملة بضمير واحد، والواو فيها معنى الجمع؛ وإن كان العطف بغيرهما لم يجز 3. الرابع: ما ذهب إليه الجمهور، وهو إن كان العطف بالفاء جازت المسألة؛ وإن كان بغيرها لم تجز 4. انتهى.
وقد تبين من المباحث المتقدمة ما هو الحق في هذه المسألة، ثم لا أعلم كيف يكون مذهب الجمهور ما ذكره، وقد ذكر أن الظاهر من كلام سيبويه، الجواز دون تقييد بفاء ولا غيرها، وكون ذلك مذهب الجمهور - مع أن المصنف لم يتعرض إلى ذكر شيء من ذلك في تصانيفه - فيه بعد كبير.
واعلم أن الشيخ ناقش المصنف في قوله في الشرح: وإذا نصب كان معمول فعل معطوفا في اللفظ على معمول فعل؛ فقال: ليس هذا الكلام بجيد؛ فإنه كما يعطف على الجملة الصغرى المتضمنة منصوبا؛ كذلك يعطف على الصغرى؛ وإن لم يكن فيها منصوب ألبتة، نحو: زيد قام أخوه، وعمرا كلمته، قال: فمراعاة المشاكلة ليست لكون الصغرى فيها منصوب؛ بل لمجرد كونها فعلية 5.

[مسألتان اختلف فيهما النحاة أيهما أرجح]

قال ابن مالك: (وابتداء المسبوق باستفهام أولى من نصبه إن ولي فصلا بغير ظرف أو شبهه خلافا للأخفش، وكذا ابتداء المتلوّ بلم أو لن أو لا خلافا لابن السّيّد).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: إن حال بين الاستفهام وبين الاسم المشتغل عنه اسم آخر، نحو: أأنت زيد ضربته؟ بطل حكم الاستفهام عند سيبويه؛ لبعده من الفعل 2، ولم يبطل عند الأخفش؛ لوجود الاستفهام في أول الكلام، والفعل في آخره، فيرفع «أنت» بـ «ضربت» مقدرا وينصب به «زيدا» 3 ويرى هذا أولى من جعل «أنت» مبتدأ أول، و «زيدا» مبتدأ ثانيا خبره ما بعده، وهو وخبره خبر الأول، وهذا عند سيبويه أولى من الوجه الأول؛ فلو كان الحائل ظرفا أو شبهه اتفقا على ترجيح النصب؛ لأن الفصل [2/ 291] بهما مفتقر في مواضع كثيرة 4، وزعم أبو محمد بن السيد أن نصب الاسم قبل النفي بلم أو لن أو لا راجح على الرفع 5، وليس بصحيح، لأن تقدم الاسم على فعل منفي بغير «ما» كتقدمه على فعل مثبت؛ فإنهما متقابلان الأمر والنهي، فكما يستوي المتقدم على فعل الأمر والنهي، كذلك يستوي المتقدم على فعلي الإثبات والنفي بغير «ما»، فلو كان النفي بـ «ما» لم يجز النصب، لأنها من بين حروف النفي مخصوصة بالتصدير 6. انتهى.
وأقول: هاتان المسألتان المذكورتان، ليس هذا موضع ذكرهما؛ أما الأولى: فكان الواجب أن تذكر في قسم ما ترجح نصبه على رفعه عند قوله: (أو ولي هو همزة استفهام) (7)؛ لأنها متفرعة عنها، وأما الثانية: فالواجب أن تذكر في قسم ما ترجح رفعه على نصبه 7، وستذكر لأنها من فروعه؛ لأنها على رأيه عدمت المانع والموجب -

................................  والمسوي؛ ثم إن الشيخ قد أطال الكلام في المسألة الأولى جدّا؛ فأنا أذكر ما لخصته من كلامه فيها، ثم أذكر كلام ابن السيد في المسألة الثانية، قال الشيخ: خطأ معظم النحويين الأخفش في اختياره النصب على الرفع.
فأما ابن ولادة فمن جهة أن الاشتغال لا يكون بالنظر إلى اثنين أصلا؛ وذلك أن المشتغل لا بد أن يكون خبرا عن الاسم؛ فإذا قلت: أزيد ضربته؟ فـ «ضربته» خبر، وقد كان خبرا قبل الاشتغال حين قلت: زيد ضربت، ولو قلت: أأنت عبد الله ضربته؛ لم يكن «ضربته» خبرا عن «أنت»، وإنما يكون خبره الجملة؛ فخرج عن الاشتغال، ولا يعترض على هذا بقولك: أزيد أنت ضاربه؟ فيقال فيها: هذا جائز وليس خبرا عن «زيد»؛ بل «أنت» وما بعده الخبر، وقد أجمعوا على جواز النصب، لأن «أنت» مع «ضارب» بمنزلة «ضرب»؛ لأنه لا يصح له العمل إلا معتمدا، وإذا كان كذلك فلا فاصل حينئذ.
وأما ابن مضاء 1 فجعل خطأ الأخفش من جهة «ضربته» يصير مفسرا لعامل يطلب معمولين ملفوظا بهما، وهما «عبد الله» «وأنت»، والتفسير لا يقوى هذه القوة، واعترض ابن خروف هذا القول بأن التفسير أبدا كذلك، ألا ترى أنك إذا قلت: أعبد الله ضربته؟ فتقدر له فعلا يعمل في فاعل، وفي المفعول المنطوق به، ورد هذا الاعتراض؛ بأن المعمولين هنا منطوق بهما، وهناك لم يلفظ بالمعمول الواحد إلا حين لفظت بالعامل فلم يكونا ملفوظا بهما حتى يفتقرا إلى ما يفسر عاملهما؛ فليس هذا مثل ذلك.
وأما ابن طاهر فجعل خطأ الأخفش من أجل أنك إذا قلت: أعبد الله ضرب أخوه زيدا، برفع «عبد الله» بفعل مضمر يفسره ما بعده، فإنما ذلك بطريق الحمل للفاعل على المفعول؛ وإلا فلم يكن من حقه أن يفسره [2/ 292] إذ لا يصح له أن -

................................  يعمل فيه، فإذا فسرنا به على ذلك كان على طرف من الضعف؛ فلا يتعدى به أكثر من ذلك، فإذا رفعت «أنت» بفعل مضمر يفسره الفعل المتصل بسببه وهو التاء؛ فقد تجوزت به الأمر المتوسع فيه، بأن فسرت به عاملا يعمل فيه مع بعده منه، ووقوع الفصل بينهما وهم إنما تسامحوا بذلك حين الاتصال، قال الشلوبين: هذا أيضا يقرب أن يكون مانعا في المسألة من النصب، وأن يكون سيبويه منعه لهذا، ويحتمل أن لم يمنع سيبويه من ذلك إلا ما دام «أنت» مبتدأ؛ وأنه إنما ذكر الوجه في المسألة التي وقعت فيها «أنت» مبتدأ ولم يتعرض لهذا، وكأنه لما كان فيها الفصل بالمبتدأ بين الهمزة التي تطلب الفعل، وبين الكلام صار كأنه لا همزة استفهام فيه 1. انتهى.
وقال الأبذي: قال قوم: لا خلاف بين سيبويه والأخفش في هذه المسألة؛ بل هما مقصدان، إن أدخلت الهمزة على (أنت زيد ضربته) 2 حال رفع زيد؛ اختير الرفع في زيد، ويكون «أنت» مبتدأ؛ وإن أدخلتها حال نصب «زيد» كان النصب مختارا، وكان «أنت» مرفوعا بالفعل الناصب لزيد، وقال الشلوبين: في الحقيقة لا خلاف بينهما، وإنما منع سيبويه من الذي ذهب إليه الأخفش ما دامت «أنت» مبتدأ؛ وكذلك كان يقول الأخفش لو سئل عنه؛ فأما إذا جعلت «أنت» فاعلا بالفعل الذي يفسره «ضربت» 3 المتصل بسببه، فلا ينكر ذلك سيبويه، ولا يمنع منه 4. انتهى.
وهذا الذي قاله الشلوبين لا يبعد عن الصواب؛ إذ لم يقم دليل قاطع على بطلان دعوى الأخفش.
هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.
وأما المسألة الثانية؛ فقال ابن السيد: الجحد ينقسم ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز فيه إلا الرفع، وهو أن يكون النفي بـ «ما»، ويتقدم الاسم قبلها كقولك: زيد ما ضربته.
وقسم يختار فيه النصب، وهو أن يكون فيه النفي بلا أو بتأخر الاسم بعد «ما» كقولك: زيدا لا أضربه، وزيدا لم أضربه، وزيدا لن أضربه، وما زيدا ضربته.
وقسم في جواز النصب فيه خلاف، وهو كقولك: أزيدا لست مثله؟ 5. انتهى.
-

جارٍ التحميل