................................ فيه فلا عمل له في صفته، والاسم المبني على الفتح إن نصب صفته دلّ ذلك عنده على الإعمال، فإذا رفعت دلّ ذلك عنده على الإلغاء 1، وما ذهب إليه غير صحيح، لأن إعمال «لا» المشار إليها عند استكمال شروطها ثابت بإجماع العرب، فالحكم عليها بالإلغاء دون نقصان الشروط حكم بما لا نظير له، وقوله: «لا عمل للابتداء في الاسم المنصوب» غير مسلم، بل له عمل في موضعه كما له بإجماع عمل في موضع المجرور بمن في نحو: هل من رجل في الدار، فصح ما قلناه، وبطل ما ادعاه، ولا قوة إلا بالله، وللبدل في هذا الباب النصب باعتبار عمل «لا» إن كان صالحا لعملها نحو لا أحد فيها رجلا ولا امرأة، ولا مال له دينارا ولا درهما والرفع باعتبار عمل الابتداء نحو لا أحد فيها رجل ولا امرأة ولا مال له دينار ولا درهم، فلو لم يصلح البدل لعمل «لا» تعين الرفع نحو: لا أحد فيها زيد ولا عمرو [2/ 159] كما يتعين رفع المعطوف إن لم يصلح لعملها نحو: لا غلام فيها ولا زيد 2. وإذا كرّر اسم «لا» المركب معها دون فصل جاز تركيب الأول والثاني كما ركب الموصوف والصفة، وذلك كقولك: لا ماء ماء باردا لنا، ولا ماء ماء باردا 3 انتهى كلام المصنف 4. ولا بد من التنبيه على أمور: منها: أن الظاهر من كلام المصنف، وهو قوله: بطل العمل بإجماع أنه يرجع إلى المسألتين قبله، وهما: ما إذا انفصل مصحوب لا، أو كان معرفة، وقال الشيخ: الكوفيون يجيزون بناء الاسم العلم سواء أكان مفردا أم مضافا، والرماني 5 يقول: إنه إذا فصل بطل البناء، ولكن يجوز النصب انتهى 6. ولا يخفى ضعف مذهب الكوفيين، ومذهب الرماني فيما ادعوه، ولعلهم -
................................
لا يجدون على ذلك دليلا مع أن لازم قولهم هدم القواعد ومخالفة الأصول، وما أدى إلى ذلك لا يعبأ فيه بخلاف من خالف، ولهذا لم يعتبره المصنف.
ومنها: أنك قد عرفت العلة التي ذكرها المصنف في لزوم التكرار، إذا كان مصحوب «لا» معرفة أو نكرة مفصولة، وقد ذكر غيره تعليلا آخر وهو أن العرب جعلت لا زيد عندك ولا عمرو في جواب من سأل بالهمزة وأم، قالوا: فكما أن السؤال بهما لا بد فيه من العطف فكذلك ما هو جواب له، قالوا: ولا يجوز لا زيد في الدار يعني دون تكرار 1 على أن يجعل جوابا لمن قال هل زيد في الدار، لأن العرب جعلت هل زيد في الدار، ما زيد في الدار، وليس زيد في الدار واستغنوا بذلك عن 2 «لا».
ومنها: أنهم نصوا على أن الاسم الواقع بعد «لا» في معنى الفعل لا يلزم التكرار، وكلام المصنف مفهم ذلك، فإنه علل عدم التكرار في «لا نولك أن تفعل» بأنهم أوقعوه موقع لا ينبغي لك أن تفعل، قال: فاستغنوا فيه عن التكرار كما يستغنون فيما هو واقع موقعه، لكن كلام المصنف قد يوهم أن ذلك مقصور على الاسم المعرفة وليس كذلك فإنهم قالوا: لا فرق في ذلك بين المعرفة والنكرة ومن ذلك: لا سلام على زيد معناه: سلم الله زيد، قالوا: ولهذا لم يعمل زيدا، لأن «لا» إذا دخلت على النكرة التي فيها معنى الفعل لا تعمل، وعلل ذلك بأن النفي لا يكون إذ ذاك دعاء، و «لا» إنما تعمل إذا اختص إلا أن تجعل الدلالة على العموم ومن كلامهم:
لا بك السوء لأنه في معنى لا يسوءك الله 3 وقد علل عدم تكرارها مع الفعل بشيء لم أتحقق علته.
فقالوا: لأنها تقع في جواب اليمين، واليمين قد يقع على فعل واحد -
................................
وقد علل المبرد بشيء غير ذلك فقال: إن الأفعال بعد «لا» واقعة موقع الأسماء النكرات [2/ 160] التي بنيت مع «لا» فكما لا يلزم التكرار مع الأسماء المنفية لا يلزم التكرار مع الفعل 1، وقد أبطل تعليله، فليوقف عليه من كلامهم 2، واعلم أن ابن هشام جعل «أن تفعل» فاعلا «بنولك» سادّا مسد الخبر لما كان في معنى الفعل قال: ونظيره أقائم الزيدان، وما قائم الزيدان، لأن المعنى أيقوم وما يقوم.
والشيخ جعل أن تفعل خبرا، قال: وليس مرفوعا رفع الفاعل قال: لأن نولك ليس باسم فاعل ولا مفعول 3 انتهى والظاهر ما قاله ابن هشام فليتأمل.
ومنها: أن الشيخ قال: أفهم قول المصنف: وكذا التاليها خبر مفرد أنه إذا وليها الخبر وهو جملة فلا يلزم تكرارها، وليس كذلك بل إن كان جملة فعلية كان ذلك نحو: زيد لا يقوم وإن كانت اسمية فيلزم تكرارها إلا في ضرورة (4). انتهى.
وكأنه يعني بالجملة الاسمية الجملة التي مصحوب «لا» فيها معرفة أو مفصول منها لأنه لا يمتنع أن يقال: زيد لا مال له ولا علم عنده، وإذا كان المراد بالجملة ما كان مصحوب «لا» فيها معرفة أو مفصولا فقد عرف الحكم في ذلك وهو لزوم التكرار من قوله: ويلزم حينئذ التكرار أي حين يكون مصحوبها مفصولا أو يكون معرفة فلا يحتاج إلى أن يذكره ثانيا ولكونه قد كان ذكره قيد بالإفراد في قوله: وكذا التاليها خبر مفرد لأن الخبر الذي هو جملة قد عرف حكمه قيل، فوجب أن يحترز عنه، ولم يحترز المصنف بقيد الإفراد عن الجملة الفعلية أصلا، لأن كلامه في هذا الباب إنما هو في «لا» المختصة بالأسماء، فكيف يحترز عن شيء لم يتضمنه كلامه ولا تبويبه؟
ومنها: أنه قد تقدم تخريج المصنف نحو: لا أمية بالبلاد، ولا قريش بعد اليوم، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، بأنه إما على تقدير «مثل» محذوفة وإما على تقدير: لا مسمى بهذا الاسم، وتقدير ذلك أنهم قالوا: لا بد أن يحكم بتنكير المعرفة والتنكير فيه ضربان: -
................................
أحدهما: أن يجعل الاسم واقعا على مسماه، وعلى كل من أشبه مسماه، فيكون إذ ذاك نكره لعمومه، ومن هذا القبيل لا أمية بالبلاد، وأوقع أمية على الشخص الذي اسمه أميه، وعلى كل من أشبهه، وكذلك «هيثم» في:
1082 - لا هيثم الليلة للمطي 1
قالوا: وإيقاع اسم الشخص على من أشبهه جائز في كلام العرب نحو: زيد زهير 2 وعلى هذا التقدير تنزع الألف واللام إن كانت فيه، لأن التنكير مع وجودهما غير جائز ومنه «ولا أبا حسن».
والثاني: أن يكون مثل مضافا إليه في التقدير، فعلى هذا يقال: قضية ولا أبا الحسن، يريد ولا مثل أبي الحسن 3، فثبت الألف واللام، وقد استدل على أن [2/ 161] هذه الأسماء أعني التي صحبتها «لا» هذه نكرات بأننا إذ أجرينا عليها نعوتا، إنما نجريها نكرات فنقول: لا أبا أمية 4 عاقلا لك.
ومنها: أننا ركّبنا الصفة مع الموصوف في نحو: لا رجل ظريف كما مر، خرجت «لا» عن أن يكون لها مدخل في التركيب لأن ثلاثة أشياء لا تجعل كشيء واحد قالوا: وعلة البناء كون الوصف من تمام اسم «واسم لا» واجب له البناء لتضمنه معنى الاستغراق، وهذا من تمامه، فصار كأنهما تضمنا معنى من 5.
ومنها: أن المصنف ذكر في الاسم التالي من نحو لا ماء ماء باردا الفتح والنصب، وذكروا وجها ثالثا وهو الرفع أيضا 6، ثم إذا ركبت الاسم الثاني -
[اقتران لا بهمزة الاستفهام وأحكام ذلك]
قال ابن مالك: (ول «لا» مقرونة بهمزة الاستفهام في غير تمنّ وعرض ما لها مجرّدة، ولها في التّمنّي من لزوم العمل ومنع الإلغاء، واعتبار الابتداء ما لـ «ليت» خلافا للمازني (والمبرد) 1 في جعلها كالمجرّدة.
ويجوز إلحاق «لا» العاملة بليس فيما لا تمنّي فيه من جميع مواضعها، وإن لم تقصد الدّلالة بعملها على نصوصيّة العموم).
- مع الأول، فهو صفة له قطعا، وإن لم يركب ونصبت أو رفع فهو صفة أيضا ومنهم من جعله توكيدا لفظيّا لجموده ودعوى التأكيد فيه لا تدفع غير أن التوكيد لا يتعين 2، وأما الوصف بالاسم الجامد فجائز إذا وصف
ذلك الاسم نحو مررت برجل رجل عاقل، وكلام سيبويه يشعر بأن الثاني في لا ماء ماء باردا وصف للأول، فإنه قال: ولا بد من تنوين بارد، لأنه وصف ثان 3، وقالوا: إن الاسم هنا تكرر توطئة للنعت، كما جاءت التوطئة في الحال، وإذا تقرر أن الاسم الثاني في لا ماء باردا توطئة للنعت وجب كونه صفة سواء أبني أم نصب أم رفع فأما إذ لم يقدر توطئة، وجعل بدلا من الاسم الذي قبله، فإنه لا يجوز البناء، لأن البدل في نية تكرار العامل، وإذا كان العامل مقدرا منع تقديره من بناء الاسمين وجعلهما كاسم واحد.
قال ناظر الجيش: اعلم أنه إذا اقترنت همزة الاستفهام «بلا» كانت على أربعة أقسام: الأول: أن يراد بالهمزة الاستفهام، وبلا النفي فيكون المراد حينئذ الاستفهام عن النفي.
الثاني: أن لا يراد حقيقة الاستفهام، إنما يراد التوبيخ والإنكار.
الثالث: أن يراد بالكلمة ما يراد «بليت» أي تفيد التمني كما تفيده ليت.
الرابع: أن يراد بها التحضيض 4. أما القسمان الأول والثاني: فللا فيهما من الأحكام ما لها دون الهمزة فينبني -
................................ الاسم معها إذا كان مفردا ويعرب إن كان غير مفرد، ويجوز إلغاؤها حيث جاز الإلغاء دون همزة، ويجوز مراعاة محل اسمها أيضا فيقال: ألا رجل في الدار بالفتح وحده، وألا صاحب معروف فيها؛ بالنصب وحده، وألا ارعواء ولا حياء لمن شاب قذاله، بالأوجه الخمسة، كما يقال مع عدم [2/ 162] الهمزة 1، وشاهد القسم الأول قول الشاعر: 1083 - ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد... إذا ألاقي الّذي لاقاه أمثالي 2 وشاهد القسم الثاني قول حسان رضي الله تعالى عنه: 1084 - ألا طعان ألا فرسان عادية... إلّا تجشّؤكم حول التّنانير 3 وقول الآخر: 1085 - ألا ارعواء لمن ولّت شبيبته... وآذنت بمشيب بعده هرم 4
................................
وزعم أبو علي الشلوبين أنها لا تقع لمجرد الاستفهام عن النفي 1، ورد على الجزولي 2 إجازة ذلك، والصحيح أن ذلك جائز، ويدل عليه ما تقدم من قول الشاعر:
1086 - ألا اصطبار لسلمى... البيت
لكنه قليل والأكثر أن يراد بالكلمة التوبيخ والإنكار كما سبق تمثيله ببيت حسان وغيره.
وأما القسم الثالث: وهو أن يقصد بها معنى التمني، فلها مع مصحوبها فيه من تركيب وعمل ما كان لـ «لا» مجردة من الهمزة، إلا أنها لا تلغى ولا يعتبر في اسمها معنى الابتداء ولا يكون لها خبر لا في اللفظ ولا في 3 التقدير.
والحاصل: أن الاسم يبنى معها إن كان مفردا، ويعرب إن كان مضافا أو معلولا، ولا يلغى بحال، ولا يتبع اسمها إلا على اللفظ خاصة، وليس لها خبر لا لفظا ولا تقديرا، فلا عمل لها إلا في الاسم خاصة، قال سيبويه: ومن قال:
لا غلام أفضل منك لم يقل في ألا غلام أفضل منك إلا بالنصب لأنه دخل فيه معنى التمني، وصار مستغنيا عن الخبر انتهى 4.
وهذا الذي أشير إليه هو مذهب سيبويه والخليل والجرمي 5.
ومثال ورودها في التمني قول الشاعر:
1087 - ألا عمرو ولّى مستطاع رجوعه... فيرأب ما أثات يد الغفلات 6
-
- والشاهد فيه: كالذي قبله حيث دخلت همزة الاستفهام على لا في قوله (ألا ارعواء) مراد بها الإنكار والتوبيخ فبقيت لا على حالها.
................................
فنصب يرأب، لأنه جواب عن مقرون بالفاء، ولا يتوهم أن قوله: مستطاع نعت؛ فإنه قد تقرر أن ألا التي للتمني لا تعتبر في اسمها معنى الابتداء بل «مستطاع» خبر مقدم على مبتدأ به، وهو رجوعه والجملة بأسرها في موضع نصب على الصفة، وخالف المازني والمبرد سيبويه فيما ذهب إليه 1 وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: خلافا للمازني والمبرد في جعلها كالمجرورة، يعني كالمجردة من الهمزة فالمازني والمبرد يخالفان سيبويه في ثلاثة الأحكام التي ذكرت، فجوزا إلغاءها واعتبرا في اسمها معنى الابتداء، وجعلا لها خبرا.
وحاصل الأمر: أنهما جعلا أحكام «لا» التي للنفي ثابتة لـ «ألا» إذا أريد بها التمني واستدلا على ذلك ببناء الاسم بعدها كما يبنى قبل دخول الهمزة، قال:
فكما جرت مع الهمزة مجراها قبل الهمزة في بناء الاسم بعدها، فكذلك تجري مجراها في بقية الأحكام 2 [2/ 163] وقد ردّ ابن عصفور على المازني بما يوقف عليه في كلامه 3. - - اللغة: يرأب: يصلح.
أثات: أفسدت.
والشاهد قوله: (ألا عمرو ولى مستطاع رجوعه) حيث وردت (ألا) للتمني ودليل ذلك نصب المضارع في جوابها بعد الفاء.
................................
والفرق بين المذهبين من حيث المعنى: أن في مذهب سيبويه التمني واقع على الاسم وفي مذهب المازني على الخبر كما هو في «ليت» 1 وإذ قد تقرر ذلك فاعلم أن المصنف لم يتعرض إلى كونه «ألا» المتمني بها لا خبر 2 لها ولم يذكر ذلك في الشرح أيضا ثم إن الشيخ: قال إن قول المصنف في المتن، «وضع الإلغاء» لا حاجة إليه قال: لأن قوله: «لزوم العمل» يدل على منع الإلغاء 3، وما قاله الشيخ ظاهر إلا أن يقال: المراد بقوله: ومنع الإلغاء أنها لا تلغى، وإن كررت فيستقيم.
وأما القسم الرابع: وهو أن يراد بـ «ألا» التحضيض، وهو الذي عبر عنه المصنف بالعرض في قوله: في غير تمنّ وعرض - فلا مدخل لذكره في هذا الباب لأن حروف التحضيض لا يليها إلا الأفعال، وإنما تعرض المصنف لذكرها لكونها شاكلت بقية الأقسام في اللفظ فقصد إخراجها، وعلى هذا فإذا وليها اسم كان معمولا لفعل مقدر فيكون معربا على حسب ما يقتضيه العامل، ويلزم تنوينه إن كان مما ينون 4، ومثال ذلك قول الشاعر 5:
1088 - ألا رجلا جزاه الله خيرا... يدلّ على محصّلة تبيت 6
التقدير: ألا ترونني رجلا فهو بمنزلة قولك: هلا خيرا من ذلك وهذا قول الخليل -
................................
في هذا البيت، وزعم يونس أن «ألا» في البيت للتمني وأن الشاعر نون للضرورة 1، وهو خلاف الظاهر، قال الشيخ: وظاهر كلام النحاة أن «ألا» هذه يعنى التي للتحضيض مركبة من همزة الاستفهام و «لا» التي للنفي، ودخلها معنى التحضيض والذي أذهب إليه أنها بسيطة، كما هي بسيطة إذا كانت للتنبيه والاستفتاح 2 انتهى.
وأشار المصنف بقوله: ويجوز إلحاق «لا» العاملة بـ «ليس» فيما لا تمني فيه إلى أنه يجوز إجراء «لا» مجرى ليس فيما لا يقصد به تمنّ من مواضع إعمالها 3 إن لم يقصد التنصيص على العموم بلفظ ما وليها.
فعند ذلك لا يجوز إجراؤها مجرى ليس لأنها إذا جرت مجرى «ليس» جاز أن يكون العموم مقصودا وغير مقصود 4.
والحاصل: أن العاملة عمل «ليس» لا يمتنع أن يراد بما نفيه العموم لكنه محتمل أن لا يراد به العموم، فمن ثم لم يكن لها نصوصية على العموم إذا عملت عمل ليس.