ّ
[بناء الاسم المفرد على الفتح ونصب المضاف]
قال ابن مالك: (إذا لم تكرّر «لا» وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها غير معمول لغيرها، عملت عمل «إنّ» إلّا أنّ الاسم إذا لم يكن مضافا ولا شبيها به ركب معها، وبني على ما كان ينصب به، والفتح في نحو «ولا لذّات للشّيب» أولى من الكسر.
ورفع الخبر إن لم يركّب الاسم مع «لا» بها عند الجميع، وكذا مع التّركيب على الأصحّ.
وإذا علم كثر حذفه عند الحجازيين، ولم يلفظ به عند التميميين، وربّما أبقي وحذف الاسم.
ولا عمل لـ «لا» في لفظ المثنّى من نحو «لا رجلين فيها» خلافا للمبرد، وليست الفتحة في نحو «لا أحد فيها» إعرابيّة، خلافا للزّجّاج والسّيرافي، ودخول الباء على «لا» يمنع التّركيب غالبا، وربّما ركّبت النّكرة مع «لا» الزّائدة.
وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب، ونزع التّنوين والنّون إن وليه مجرور بلام معلّقة بمحذوف غير خبر، فإن فصلها جارّ آخر أو ظرف؛ امتنعت المسألة في الاختيار خلافا ليونس.
وقد يقال في الشّعر: «لا أباك» وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل فينزع تنوينه).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: إذا قصد بلا نفي الجنس على سبيل الاستغراق ورفع احتمال الخصوص؛ اختصت بالأسماء، لأن قصد ذلك يستلزم وجود (من) الجنسية لفظا، أو معنى، ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات، فوجب لـ «لا» عند ذلك القصد عمل فيما يليها من نكرة 2، وذلك العمل إما جرّ، وإما نصب وإما رفع، فلم يكن جرّا لئلا يتوهم أنه من المنويّة، فإنها في حكم الموجودة لظهورها في بعض الأحيان كقول الشاعر: -
................................
1042 - فقام يذود النّاس عنها بسيفه... وقال ألا لا من سبيل إلى هند 1
ولأن عامل الجر لا يستقل كلام به وبمعموله، ولا يستحق التصدير، «ولا» المذكورة بخلاف ذلك، ولم يكن عملها فيما يليها رفعا، لئلا يتوهم أن عامله الابتداء، فإن موضعها موضع المبتدأ 2. ولأنها لو رفعت ما يليها عند قصد التنصيص على العموم لم يحصل الغرض 3 لأنها على ذلك التقدير بمنزلة المحمولة على «ليس» وهي لا تنصيص فيها على العموم، فلما امتنع أن تعمل فيما وليها جرّا ورفعا مع استحقاقها عملا تعين أن يكون نصبا، ولما لم يستغن بما يليها عن جزء ثان عملت فيه رفعا، لأنه عمل لا يستغنى بغيره عنه في شيء من الجمل.
وأيضا فإن إعمال لا [2/ 139] هذا العمل إلحاق لها «بإنّ» لمشابهتها في التصدير والدخول على المبتدأ والخبر، وإفادة التوكيد، فإن «لا» لتوكيد النفي، وإنّ لتوكيد الإثبات، ولفظ «لا» مساو للفظ «إنّ» إذا خففت.
وأيضا فإن «لا» تقترن بهمزة الاستفهام ويراد بها التمني 4، فيجب إلحاقها «بليت» في العمل، ثم حملت في سائر أحوالها على حالها في التمني 5، ولا يجب أن تعمل «لا» هذا العمل مع القصد المذكور إذا كررت بل إذا كررت جاز إعمالها وإلغاؤها 6، فجواز -
................................ إعمالها لعدم تغير حالها وحال مصحوبها، وجواز إلغائها لشبهها بالمكررة مع المعرفة فلجواز الوجهين مع التكرير شرطت انتفاءه في وجوب العمل، فقلت: إذا لم تكرر «لا» وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها، فعلم بهذا أنها لا تعمل في معرفة 1، ولا في منفصل 2، واحترزت بقولي: (غير معمول لغيرها) من نحو قوله تعالى: لا مَرْحَباً بِهِمْ 3 4 ثم أشرت إلى أن اسمها ينقسم إلى مفرد وإلى مضاف وإلى مشبه به، وخصصت المفرد بالتركيب والبناء فعلم بذلك أن الآخرين منصوبان نصبا صريحا، نحو: لا صاحب برّ مذموم، ولا راغبا في الشر محمود 5، وتناول قولي: «بني على ما كان ينصب به» المبني على فتحة 6 نحو: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [الصافات: 35]، [وقوله تعالى]: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ 7 والمبني على «ياء» مفتوح ما قبلها كقول الشاعر: 1043 - تعزّ فلا إلفين بالعيش متّعا... ولكن لورّاد المنون تتابع 8
................................ والمبني على ياء مكسور ما قبلها كقول الشاعر: 1044 - يحشر النّاس لا بنين ولا آ... باء إلّا وقد عنتهم شؤون 1 والمبني على كسرة كقول سلامة بن جندل: 1045 - إنّ الشّباب الّذي مجد عواقبه... فيه نلذّ ولا لذّات للشّيب 2 يروى بكسر التاء وفتحها، والفتح أشهر وبالوجهين أنشد قول الآخر: 1046 - لا سابغات ولا جأواء باسلة... تقي المنون لدى استيفاء آجال 3 وزعم أبو الحسن بن عصفور أن الفتح في مثل هذا لازم 4. والصحيح جواز الفتح والكسر ثم أشرت إلى أنه لا خلاف في كون الخبر مرفوعا «بلا» إذا لم يركب الاسم معها 5، ثم قلت: هو كذا مع التركيب على الأصح 6، فنبهت -
................................
بذلك على ما ذهب إليه سيبويه من أن الخبر مع التركيب مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول «لا» 1، لأن شبهها «بإنّ» ضعف حين ركبت وصارت كجزء كلمة وجزء الكلمة لا يعمل، ومقتضى هذا أن يبطل عملها في الاسم والخبر، لكن أبقي عملها في أقرب المعمولين، وجعلت هي ومعمولها بمنزلة مبتدأ والخبر بعدهما على ما كان عليه مع التجرد، وغير ما ذهب إليه سيبويه أولى 2، لأن كل ما استحقت «لا» به العمل من المناسبات السابق ذكرها باق، فليبق ما ثبت بسببه، ولا يضر التركيب، كما لم يضر «إنّ» صيرورتها بفتح الهمزة مع معمولها كشيء واحد، ولو كان جعل «لا» مع اسمها كشيء واحد مانعا من العمل في [2/ 140] الخبر لمنعها من العمل في الاسم، لأن أحد جزأي كلمة «لا» يعمل في الآخر، ولا خلاف في أن التركيب لم يمنع عملها في الاسم 3، فلا يمنع عملها في الخبر.
وأيضا فإن عمل «لا» في الخبر أولى من عملها في الاسم.
لأن تأثيرها في معناه أشد من تأثيرها في معنى الاسم، والإعراب إنما جيء به في الأصل للدلالة على المعنى الحادث بالعامل، وإنما لم يكن خلافا في ارتفاع الخبر «بلا» غير المركبة لأن مانع التركيب هو كون الاسم مضافا أو شبيها به، وكلاهما صالح للابتداء به مجردا عن «لا» كما أن اسم «لا» صالح للابتداء به مجردا عن «إنّ» وليس كذلك مصحوب «لا» المركب، فإنّ تجرده من «لا» يبطل الابتداء به لأنه نكرة لا مسوغ معها، وإذا اقترنت «بلا» كانت بمنزلة نكرة ابتدئ بها لاعتمادها على نفي.
ثم أشرت إلى حذف الخبر وهو على ثلاثة أقسام: ممتنع، وجائز، وواجب.
فالمتنع حذفه في موضع لا دليل فيه من لفظ ولا معنى، كقولك مبتدئا مقتصرا:
«لا رجل»، فمثل هذا لا يعد كلاما عند أحد من العرب، لأن المخاطب لا يستفيد -
................................
منه شيئا، وأما الجائز والواجب فحذف ما دل عليه دليل، كقولك: «لا رجل» لمن قال: هل في الدار رجل؟ وكقولك للشاكي: «لا بأس» تحذف «فيها» من الأول، «وعليك» من الآخر، فمثل هذا يجوز فيه الحذف والإثبات عند الحجازيين، ولا يلفظ به التميميون ولا الطائيون أصلا، بل الحذف عندهم واجب بشرط ظهور المعنى 1، ومن نسب إليهم التزام الحذف مطلقا أو بشرط كونه ظرفا، فليس بمصيب.
وإن رزق من الشهرة أوفر نصيب 2. وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع «إلا» نحو:
«لا إله إلّا الله» 3 ومن حذفه دون «إلا» قوله تعالى: قالُوا لا ضَيْرَ 4.
وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ 5 ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم «لا ضرر ولا ضرار» 6، «ولا عدوى ولا طيرة» 7. ومن استعمال الخبر منطوقا به في لغة غير الحجازيين قول حاتم 8:
1047 - وردّ جازرهم حرفا مضرّبة... ولا كريم من الولدان مصبوح 9
فمصبوح خبر لا صفة لعدم الحاجة إلى تقدير، وربما حذف الاسم للعلم به، -
................................
وبقي الخبر، كقولهم: «لا عليك» أي لا بأس عليك، وخالف المبرد سيبويه في اسم «لا» المثنى نحو: لا رجلين فيها، فزعم أنه معرب، واحتج له بأمرين، أحدهما: أنه بزيادة الياء والنون أشبه المطول المستحق للنصب نحو: لا خيرا من زيد هنا.
1 والثاني: أن العرب تقول: أعجبني يوما زرتني، فتفتح، وأعجبني يوما زرتني فتعرب، وكلا الحجتين ضعيفة: أما الأولى: فمعارضة بأن شبه لا رجلين بيا رجلان أقوى من شبهه بـ «لا خيرا من زيد» وقد سوى بين «يا رجلان» و «يا رجل» فليسوّ بين «لا رجلين» و «لا رجل» 2.
وأما الثانية: فضعفها بيّن أيضا وذلك أن بناء يوم، وشبهه حين أضيف إلى الجملة، فإنما 3 كان لشبهه «بإذ» لفظا ومعنى، فلما بني خالفه، بلحاق علامة التثنية، [2/ 141] ويكون اليوم إذا ثني مؤقتا، والحمل على «إذ» لا يكون مؤقتا، وإنما يكون يكون مبهما أي صالحا لنهار وليلة، وللقليل والكثير، واليوم المفرد بهذه المنزلة كقوله تعالى: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ 4 وكقوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ 5. المعنى: وحين يقول كن فيكون قوله الحق وكل حين هو في شأن.
والحاصل: أن «يوما» لإبهامه أشبه «إذ» فحمل عليه في البناء إذ استعمل استعماله، فإذا ثني زال إبهامه، فلم يصح أن يحمل على «إذ» للزوم إبهامها وصلاحيتها لكل زمان ماض، ليلا كان أو نهارا، قليلا كان أو كثيرا.
وزعم أبو إسحاق الزجاج 6 والسيرافي أن فتحة «لا رجل» وشبهه فتحة إعراب وأن التنوين حذف منه تخفيفا ولشبهه
بالمركب 7، وهذا الرأي لو لم يكن في كلام العرب ما يبطله لبطل بكونه مستلزما مخالفة النظائر، فإن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين من الأسماء لا يكون إلا لمنع الصرف، أو للإضافة أو لدخول الألف واللام، أو لكونه في علم موصوف بابن مضاف إلى علم أو لملاقاة ساكن.
أو لوقف، أو لبناء.
-
................................
والاسم المشار إليه ليس ممنوعا من الصرف ولا مضافا، ولا ذا ألف ولام، ولا علما موصوفا بابن، ولا ذا التقاء الساكين، ولا موقوفا عليه، فتعين كونه مبنيا، كيف وقد روى عن العرب: (جئت بلا شيء) بالفتح وسقوط التنوين 1، كما قالوا: (جئت بخمسة عشر)، والجار لا يلغى ولا يعلق فثبت البناء بذلك يقينا، والعجب من الزجاج والسيرافي، في زعمهما أن ما ذهب إليه من أن فتحة «لا رجل» وشبهه، فتحه إعراب هو مذهب سيبويه، إسنادا إلى قوله في الباب الأول من أبواب «لا»: و «لا» تعمل فيما بعدها فتنصبه بغير تنوين 2، وغفلا عن قوله في الباب الثاني: وعلم أن المنفي الواحد إذا لم يل لك، فإنما يذهب منه التنوين، كما أذهب من خمسة عشر، لا كما أذهب من المضاف 3، فهذا نص لا احتمال فيه، قلت: ومما يدل على أن الفتحة المشار إليها فتحه بناء، لا فتحة إعراب، ثبوتها في:
1048 - ولا لذات للشيب 4
وتوجيه رواية الكسر على أن يكون «لذات» منصوبا لكونه مضافا، أو مشبها بالمضاف على نحو ما يوجه به لا أبا لك، ولا يدي لك، وسيأتي بيان ذلك مستوفى بعون الله.
وقد قال سيبويه - في الثاني من أبواب لا في النفي -: «اعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع، إذا قلت: لا غلام لك، كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثل زيد، فعلم بهذا أن فتحة ميم «لا غلام لك» عنده كفتحة لام لا مثل زيد 5، لأنهما عنده سيان في الإضافة، فعلى
هذا تكون كسرة «لذات» كسرة إعراب، لكونه مضافا، واللام مقحمة، وهذا واضح بلا تكلف، وندر تركيب النكرة مع «لا» الزائدة 6 كقول الشاعر:
1049 - لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها... إذن لزار ذوو أحسابها عمرا 7
وهذا من التشبيه الملحوظ فيه مجرد اللفظ، وهو نظير تشبيه «ما» الموصولة -
................................ بـ «ما» النافية في قول الشاعر [2/ 142]: 1050 - يرجّى المرء ما إن لا يراه... ويعرض دون أدناه الخطوب 1 فزاد «إن» بعد «ما» الموصولة، وإنما تزاد بعد النافية لكن سوغ ذلك كون اللفظ واحدا، والمشهور الوارد على القياس أن يقال في اسم «لا» إذا كان أبا أو أخا: لا أب له، ولا أخ لك، كما قال نهار اليشكري: 1051 - أبي الإسلام لا أب لي سواه... إذا افتخروا بقيس أو تميم 2 وأن يقال فيه إذا كان مثنّى أو شبهه، كما قال الشاعر: 1052 - تأمّل فلا عينين للمرء صارفا... عنايته عن مظهر العبرات 3 وكما قال الآخر: 1053 - أرى الرّبع لا أهلين في عرصاته... ومن قبل عن أهليه كان يضيق 4 وقد كثر في الكلام مع مخالفته القياس نحو لا أبا لك، ولا أخا له، ولا غلامي لك 5. فمن ذلك قول الراجز 6: - - والشاهد قوله: (لا ذنوب لها) حيث عملت «لا» الزائدة عمل «لا» غير الزائدة، وركبت مع اسمها وهو ذنوب.
................................ 1054 - أهدموا بيتك لا أبا لكا... وزعموا أنّك لا أخا لكا وأنا أمشي الدّألى حوالكا 1 ومثال لا غلامي لك قول الشاعر: 1055 - لا تعبأنّ بما أسبابه عسرت... فلا يدي لامرئ إلّا بما قدرا 2 ولم يرد هذا الاستعمال في غير ضرورة إلا مع اللام، وقد تحذف في الضرورة وكقول الشاعر: 1056 - وقد مات شمّاخ ومات مزرد... وأيّ كريم لا أباك مخلّد 3 وقال آخر: 1057 - أبالموت الّذي لا بدّ أنّي... ملاق لا أباك تخوّفيني 4
................................ ومذهب أكثر النحويين في هذا النوع أنه مضاف إلى المجرور باللام، وأن اللام مقحمة لا اعتداد 1 بها كما لا اعتداد باللام في قول الشاعر: 1058 - يا بؤس للحرب الّتي... وضعت أراهط فاستراحوا 2 وهذا القول، وإن كان قول أكثر النحويين - لا أرتضيه، لأن الإضافة التي ادعيت في الأمثلة المشار إليها إما محضة، وإما غير محضة، فإن كانت محضة لزم كون اسم «لا» معرفة، وهو غير جائز، ولا عذر في الانفصال باللام لأن نية الإضافة المحضة كافية في التعريف مع كون المضاف غير مهيأ للإضافة كقوله تعالى: وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ 3 ولِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 4، وما نحن بسبيله مهيأ للإضافة، فهو أحق بتأثيريّة الإضافة فيه 5. وإن كانت الإضافة المدعاة غير محضة 6؛ لزم من ذلك مخالفة النظائر، لأن المضاف إضافة غير محضة لا بد من كونه عاملا عمل الفعل، لشبهه به لفظا ومعنى، نحو: هذا ضارب زيد الآن وحسن الوجه، أو معطوفا على ما لا يكون إلا نكرة، نحو: رب رجل وأخيه، وكم ناقة وفصيلها 7. والأسماء المشار إليها بخلاف -
................................
ذلك، فلا تكون إضافتها غير محضة 1، وأيضا فلو كانت مضافة وإضافتها [2/ 143] غير محضة لم يلق بها أن تؤكد معناها بإقحام اللام، لأن المؤكد معتنى به، وما ليس محضا لا يعتنى به فيؤكد، ولذلك قبح توكيد الفعل الملغى، لأنه مذكور في حكم المسكوت عنه، وقول من قال: «يا بؤس للحرب»، وهو يريد:
يا بؤس الحرب، سهله كون إضافته محضة على أن لقائل أن يجعل أصله يا بؤسى للحرب، ثم حذفت الألف
للضرورة، وهي مرادة 2، فلا إضافة ولا إقحام، وأيضا لو كانت إضافة الأسماء المشار إليها غير محضة مع «لا» لكانت كذلك مع غيرها، إذ لا شيء مما يضافة إضافة غير محضة إلا وهو كذلك مع كل عامل، ومعلوم أن إضافتها في غير هذا الباب محضة، فيجب أن لا تكون في هذا الباب، وإلا لزم عدم النظير.
وممّا يدل على ضعف القول بكون الأسماء المشار إليها مضافة قولهم: لا أبا لي ولا أخا لي فلو كانوا قاصدين الإضافة، لقالوا: لا أب لي، ولا أخ لي، فيكسرون الباء والخاء إشعارا بأنها متصلة بالياء تقديرا، فإن اللام لا اعتداد بها على ذلك التقدير، وإذ لم يفعلوا ذلك فلا ارتياب في كونهم لم يقصدوا الإضافة، ولكنهم قصدوا إعطاء الأسماء المذكورة حكم المضاف إذا كانت موصوفة بلام الجر، ومجرورها، ولم يفصل بينهما 3، وذلك أن الصفة يتكمل بها الموصوف كما يتكمل المضاف بالمضاف إليه، فإذا انضم إلى ذلك كون الموصوف معلوم الافتقار إلى مضاف إليه، وكون الصفة متصلة بالموصوف، وكونها باللام التي يلازم معناها -
................................
الإضافة غالبا، وكون المجرور صالحا، لأن يضاف إليه الأول، تأكّد شبه الموصوف بالمضاف، فجاز أن يجري مجراه فيما ذكر من الحذف والإثبات، فمن ثم لم يبالوا بفيك أن يجرى هذا المجرى كقول الشاعر 1:
1059 - وداهية من دواهي المنو... ن يرهبها النّاس لا فا لها 2
فنصبه بالألف كما ينصبه الإضافة، وممّن ذهب في هذه المسألة إلى ما ذهبت إليه ابن كيسان وهشام الكوفي بشرط كون اللام ومجرورها غير خبر 3. فإن كان هو الخبر تعين إثبات النون، وحذف الألف بإجماع، وكذ إن لم يل اللام ومجرورها، أو كان موضع اللام حرف غيرها، وأجاز يونس 4 المعاملة المذكورة مطلقا مع فصل اللام بظرف أو جار غيرها نحو لا يدي بها لك، ولا غلامي عندك لزيد.
وأشار سيبويه إلى جواز ذلك في الضرورة 5، ولا تختص هذه المعاملة بالمثنى، وأب وأخ وأخواتهما، بل هي جائزة في كل ما وليه لام جر معلقة بمحذوف غير خبر حتى في:
«لا غلام لك»، و «لا بني لك»، و «لا بنات لك»، ولا عشرى لك.
وقد فهم ذلك من قولي: وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب، ونزع التنوين والنون، فدل ذكر الإعراب على أن فتحة لا غلام لك قد تكون [2/ 144] إعرابا، وأنه يقال:
لا أبا لك، ولا أخا لك، ولا غلامي لك ولا بني لك، ولا بنات لك، ودل ذكر نزع التنوين والنون على أن تنوين (لا غلام لك) أزيل لما أزيل له نون (لا غلامي لك)، وذلك كله مفهوم قول سيبويه، فلو جعل اللام ومجرورها خبرا تعين البناء، وتوابعه، ولو تعلقت اللام بالاسم تعين الإعراب وتوابعه غالبا نحو: لا واهبا لك درهما، -
................................
واحترزت بغالبا من قول الشاعر:
1060 - أراني ولا كفران لله آية... لنفسي قد طالبت غير منيل 1
أنشده أبو علي في التذكرة، وقال: إن آية منصوب بكفران، أي لا أكفر الله رحمة لنفسي، ولا يجوز نصب آية بأوّيت مضمرا، لئلا يلزم من ذلك اعتراض بين مفعولي أرى بجملتين.
إحداهما: «لا» واسمها وخبرها.
والثانية: أوّيت ومعناه: رفعت 2. وإلى كفران لله آية أشرت بقولي: وقد يحمل على المضاف مشابهة بالعمل،
ويمكن أن يكون من هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«لا صمت يوم إلى اللّيل» 3 على رفع يوم بالمصدر على تقديره بأن وفعل ما لم يسم فاعله، ولا يستغنى عن اللام بعد ما أعطى حكم المضاف من الأسماء المذكورة إلا بعد «أب» في الضرورة، كقول الشاعر:
1061 - وقد مات شمّاخ ومات مزرد... وأيّ كريم لا أباك مخلّد (4)
وكقول الآخر:
1062 - أبالموت الّذي لا بدّ أنّي... ملاق لا أباك تخوّفيني 4
أراد: لا أبا لك ولا أباك.
كذا زعموا وهو عندي بعيد، لأنه إن كان الأمر كذلك، لم يخل من أن يكون «أب» مضافا إلى الكاف عاملا فيها أو يكون مقدر الانفصال باللام، وهي العاملة في الكاف مع حذفها، فالأول ممنوع لاستلزامه تعريف اسم «لا» أو تقدير عدم تمحّض الإضافة فيما إضافته محضة.
والثاني ممنوع لاستلزامه وجود ضمير متصل، معمول العامل غير منطوق به، وهو شيء لا يعلم له نظير، فوجب الإعراض -
................................
عنه والتبرؤ منه، والوجه عندي في أباك ولا أباك، أن يكون دعاء على المخاطب بأن لا يأباه الموت، وهذا توجيه ليس فيه من التكلف شيء والحمد لله.
هذا آخر كلام المصنف 1، ويتعلق ببعضه وبمسائل الفصل مباحث:
منها:
أنه شرط في الاسم الذي تعمل فيه «لا» إذا وليها أن يكون غير معمول لغيرها احترازا من نحو قوله تعالى: لا مَرْحَباً بِهِمْ 2، فقال الشيخ: لا يحتاج إلى احتراز من هذا ولا إلى ذكره، لأن مرحبا لم يل «لا»، بل هو منصوب بفعل مقدر،
فالذي ولي «لا» إنما هو ذلك الفعل المحذوف، لا الاسم النكرة 3. والذي قاله الشيخ ظاهر لكن قد يعتذر عن المصنف [2/ 145] بأن (مرحبا) قد ولي «لا» لفظا، فاحترز عنه، لدخوله في كلامه المتقدم صورة.
قال الشيخ: ولأنه أيضا قد خرج هذا بقوله: وقصد خلوص العموم باسم نكرة، وفي «لا مرحبا» لم يقصد ذلك باسم نكرة، فلم يندرج فيما قبله ليحترز عنه 4.
ومنها:
أن غير المصنف زاد في الشروط شرطا آخر، وهو أن لا يقع بين عامل ومعمول 5 نحو قولك: جئت بلا زاد، لأن ما ذكره المصنف من الأمور الموجبة للعمل موجود فيها، ومع ذلك لا يعمل، قلت: قد استغنى المصنف عن ذكر ذلك بقوله: ودخول الباء على «لا» يمنع التركيب غالبا 6، بل أفاد بقوله: «غالبا» أنها -
................................
قد تعمل مع دخول الباء فكأن ما فعله أولى 1.
ومنها:
أن المصنف وقع في كلامه المتقدم أن «لا» لتوكيد النفي، وإنّ لتوكيد الإثبات فقال الشيخ: إن «لا» ليست لتأكيد النفي، بل لتأسيس النفي إذ لم تدخل على شيء منفيّ، فأكدت، إنما استفيد النفي منها، بخلاف «إنّ» فإنها لتأكيد الإثبات كما قال.
انتهى 2، والذي قاله المصنف هو الجاري على الألسنة، فلا تزال تسمع قولهم: «إنّ» لتوكيد الإثبات، و «لا» لتوكيد النفي، والذي يظهر أن «لا» هذه لما كانت تفيد عموم النفي نصّا دون غيرها تخيل فيها كأنها
بعد إفادة النفي المحتمل للعموم أفادت بهذا العمل الخاص، النفي العام صريحا، ودفعت الاحتمال الذي كان، فمن ثم قيل: إنها لتأكيد النفي.
ومنها:
أنهم ذكروا أن عمل «لا» عمل «إنّ» هو فرع فرع 3، لأنها حملت على «إن» فهي فرع، وإنّ حملت على ضرب زيدا عمرو، فإن فرع، وضرب زيدا عمرو، فرع (ضرب عمرو زيدا) 4.
ومنها:
أن المشهور أن الموجب لعمل «لا» شبهها 5 بإنّ كما تقدم، والمصنف قد ذكر ذلك، ولكنه قدم قبله أن «لا» إنما عملت هذا العمل لأنها اختصت بالاسم، لما قصد بها عموم النفي، فوجب لها العمل للاختصاص، وامتنع العمل أن يكون جرّا أو رفعا كما ذكره، فتعين أن يكون نصبا.
وعلى هذا لا يكون عملها بالحمل على «إنّ»، -
................................
والحق أن عمل «لا» يجوز أن يعلل بكل من الأمرين على انفراده، والمصنف قد جمع منهما، لا على أن كلّا منهما جزء علة، بل على أنه مستقل بالعلية.
ومنها:
أنهم اختلفوا في علة بناء المفرد مع «لا»، فقال قائلون: العلة في ذلك تضمن الاسم معنى «من»، وقال قائلون: العلة فيه التركيب 1، وهذا ظاهر كلام المصنف فإنه قال في شرح الكافية: فإن كان مفردا بني معها على الفتح تشبيها بخمسة عشر 2. وأما التعليل الأول، فهو اختيار ابن عصفور 3، وهو غير ظاهر، فإن الاسم من قولنا «لا رجل» لم يتضمن «من»، ولهذا رد ابن الضائع قول ابن عصفور، وقال: لم يتضمن الاسم معنى [2/ 146] «من» والذي
يظهر أن معنى «من» مفهوم من مجموع الكلمتين لا من كل منهما بمفرده، فالمتضمن لمعنى «من» إذا إنما هو «لا» مع «رجل» في قولنا: لا رجل 4 ثم قوى ابن الضائع البناء للتركيب بشيء آخر وهو بناء الاسم مع صفته، وجعل ابن هشام البناء للتركيب مذهب سيبويه 5 والجماعة، فقال: مذهبهم أن العرب ركبت «لا» مع الاسم، وجعلتهما كلمة واحدة، فبنوا الاسم للتركيب كخمسة عشر.
ودليل ذلك أنه إذا فصل بينهما أعربوا الاسم نحو: لا في الدار رجل ولا امرأة، وأن قوما من الحجاز يقولون: لا رجل أفضل من زيد، في التزام التنكير، وترك تقديم الخبر وعدم الفصل، وأن المعنى استغراق الجنس، وقد أعربوا، لكنهم لم يقصدوا التركيب، وفيها معنى 6 «من» في هذه المواضع كلها لأنها تعطي الاستغراق.
ومنها:
أن المصنف ذكر أن الصحيح في نحو: -
................................
1063 -... ولا لذات للشيب 1
جواز الفتح والكسر، وذكر أن ابن عصفور أوجب الفتح، والذي ذكره عنه هو الذي أورده في المقرب 2، ولكنه ذكر في شرح الجمل خلاف ذلك، فإنه قال: فإن دخلت على جمع سلامة بالألف والتاء مثل أذرعات، ففيها خلاف، فمن قال إن الحركة في: «لا رجل» حركة إعراب يقول في النصب هنا: لا أذرعات بالكسر أي بغير تنوين ومن قال: إنها حركة بناء يقول: لا أذرعات بالفتح، ولا يجوز الكسر، لأن الحركة ليست عنده لأذرعات خاصة، وإنما هي لأذرعات و «لا»، وهذا الذي قال باطل، ثم قال: والكسر هو الصحيح، وبه ورد السماع، وأنشد البيت الذي فيه: «ولا لذات للشيب».
وقال: فإنه روي بكسر التاء من «لذات» 3.
وقد تضمن شرح الشيخ ذكر أربعة مذاهب في هذه المسألة:
أحدها: الكسر مع التنوين، وهو مذهب ابن خروف، وقوم من النحويين سبقوه إلى ذلك.
الثاني: الكسر بلا تنوين وهو مذهب الأكثرين.
الثالث: الفتح وهو مذهب المازني والفارسي.
الرابع: جواز الكسر والفتح من غير تنوين في الحالين.
قال الشيخ: وهو الصحيح وبه ورد السماع 4. انتهى.
فقد ثبت أن الأصح من هذه المذاهب جواز الوجهين، وهو الذي ذكره المصنف وأنه هو الصحيح.
ومنها:
أنك قد عرفت أن المصنف خالف سيبويه، فجعل «لا» عاملة في الخبر إذا ركب الاسم معها، كما أنها عاملة فيه إذا لم يكن تركيب - قال الشيخ: -
................................
هذا الذي اختاره 1 يعني المصنف هو مذهب الأخفش والمازني 2 وأبي العباس، وجماعة ذهبوا إلى أن «لا» هي العاملة في الخبر الرفع إجراء لها مجرى «إنّ»، وذهب غيرهم من النحويين إلى أنها لم تعمل في الخبر شيئا، بل النكرة مع «لا» العاملة [2/ 147] فيها في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدهما خبر للابتداء، كما أن النكرة مع «من» في قولك: «هل من رجل قائم» في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدها خبر للمبتدأ 3.
وهذا المذهب هو الظاهر من كلام سيبويه وهو الصحيح، والدليل على ذلك أنه يجوز أن يحمل جميع توابعها 4 قبل أن يأتي الخبر 5، كما يجوز أن تحمل توابع النكرة المجرورة (بمن) في قولك: هل من رجل في الدار على الموضع قبل الخبر.
فتقول: (لا رجل عاقل في الدار)، و (لا رجل وامرأة في الدار)، كما تقول: (هل من رجل عاقل في الدار وهل من رجل
وامرأة في الدار) فلولا أنها مع «لا» محكوم لها بحكم اسم مبتدأ، لما جاز الحمل على الموضع قبل الخبر كما لم يجز الحمل على موضع «إنّ» قبل الخبر وثمرة الخلاف تظهر في نحو: قولك: (لا رجل وامرأة قائمان)، فعلى مذهب الأخفش، لا يجوز ذلك، لأنه يؤدي إلى إعمال عاملين في معمول واحد لأن لا هي العاملة في الخبر على رأيه، فإذا قلت: (لا رجل وامرأة عاقلان)؛ كان عاقلان قد عمل فيه «لا» من حيث هو خبر لاسمها.
وتعمل فيه امرأة من حيث هو خبرها، ولا يجوز ذلك، وعلى المذهب الآخر يجوز لأنهما اسمان مبتدآن معطوف أحدهما على الآخر، كما تقول زيد وعمرو قائمان.
وأما إذا كان الخبر مما يصلح أن يكون لأحدهما نحو قول الشاعر 6: -
................................
1064 - فلا لغو ولا تأثيم فيها 1
ففيها خبر عن الاسمين على ظاهر قول سيبويه، وخبر عن أحدهما، وخبر الآخر محذوف على قول أبي الحسن.
انتهى 2. واعلم أن الاستدلال للمذهب المنسوب إلى سيبويه بجواز حمل التوابع على الموضع قبل الخبر، لم يظهر لي وجه صحته، فإن حمل التابع على الموضع جائز قبل الخبر، إذا كان اسم «لا» غير مركب معها أيضا، ولا شك أن «لا» عاملة حينئذ في الخبر إجماعا، فدل ذلك على أن حمل التوابع على الموضع قبل الخبر، لا أثر له في كون لا غير عاملة في الخبر 3 وإذا لم يتبين صحة الدليل الذي ذكره ثم الدليل الذي ذكره المصنف.
ومنها:
أن المصنف قصر خلاف المبرد على المثنى حيث قال: ولا عمل للا في لفظ المثنى من نحو: لا رجلين فيها، خلافا للمبرد، والمبرد كما خالف في المثنى خالف في المجموع على حده 4، قال ابن عصفور: فإن كان مثنّى أو مجموعا جمع سلامة لمذكر فاختلف النحويون فيه، فمذهب سيبويه أنه مبني ومذهب أبي العباسي المبرد أنه معرب.
انتهى 5. ومن ثم قال الشيخ: «في عبارة المصنف قصور، لأنه قصر هذا الحكم على المثنى، والخلاف في الجمع الذي على حد التثنية كالخلاف في التثنية» 6. -
................................ ومنها: أنك عرفت أن في نحو: «لا أبا لك» مذهبين للنحويين، وقد ذكر الشيخ مذهبا ثالثا: وهو أن: (لا) 1 أبا لك، ولا أخا لك - إنما جاء على لغة القصر فقولنا: لا أبا لك، كقولنا: لا أب لك 2. ولا يخفى ضعف هذا القول لأمرين [2/ 148]. أحدهما: أن نحو «لا أبا لك» يتكلم به من ليس لغته قصر الأسماء المذكورة. الثاني: قول الشاعر: 1065 - فلا يدي لامرئ إلا بما قدرا 3 وهذا ظاهر، فإذا لا معول على هذا المذهب، بل لا ينبغي ذكره. واعلم بأن قول المصنف فيما تقدم والخاء إشعارا بأنها متصلة بالباء تقديرا إلى آخره فيه نظر لأنه لا يلزم كسر ما قبل ياء المتكلم إلا إذا فضل بها لفظا. وأما قوله: (فإن اللام لا اعتداد بها) فصحيح من حيث المعنى، وأما من حيث اللفظ فيجب أن يعتد بها، ولا شك أن اللام هى الجارة للضمير لفظا، وقد أوردوا هذا سؤالا فقالو: إذا كان الأب من قولهم: «لا أبا لك» مضافا لما بعده، فكيف ساغ للعرب أن تقول: لا أبا لي بإثبات الألف، ولا أخا لي. قال الأعشى 4: 1066 - فأنت أبي ما لم تكن لي حاجة... وإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا 5
................................
وقال آخر 1:
1067 - وذي أخوّة قطّعت أسباب بينهم... كما تركوني مفردا لا أخا ليا 2
والأب والأخ إذا أضيفا إلى ياء المتكلم لم ترد فيه اللام المحذوفة؟
والجواب: أن الذي منع من رد اللام المحذوفة إذا قلت أبي، إنما هو ما يلزم في ذلك من نقل التضعيف 3 في ياء
المتكلم، لأجل الإدغام، فلما فصلت بين الألف وياء المتكلم اللام، أمن التضعيف المستقل فأعادوا اللام المحذوفة كما يعيدوها في حال الإضافة إلى غير ياء المتكلم.
ومنها:
أن المصنف لم يفرق فيما نقله عن يونس من جواز الفصل بين الظرف الناقص والتام وفي كتاب سيبويه أن يونس يفرق بينهما.
فالناقص يجيز الفصل به في فصيح الكلام، وكأنه عنده لما لم يستقل به الكلام لم يؤثر، والتام لا يجيز الفصل به.
ورد سيبويه بأنك لم تفرق بين الناقص والتام في الفصل بين «إن» واسمها، ولا في باب «كان».
ألا ترى أنك تقول إن عندك زيدا مقيم، وإن اليوم زيدا مسافرا، وكان عندك زيد مقيما، وكان اليوم زيدا مسافرا.
وأجاز سيبويه الفصل بجملة الاعتراض، نحو: لا أبا أعلم لك 4.
ومنها:
أنك قد علمت أن المصنف قال: والوجه عندي في لا أبا لك: أن يكون دعاء على المخاطب بأن لا يأباه الموت، يعني أن «أبى» في لا أباك فعل ماض، وفاعله ضمير يرجع إلى الاسم الذي قبله في قوله: - - والشاهد قوله: (لا أبا ليا) حيث أثبتت الألف مع أن الأب مضاف إلى ياء المتكلم.
................................
1068 - أبالموت الّذى لا بدّ أنّي ملاق
وضمير المصدر المفهوم من قول الآخر:
1069 - وقد مات شمّاخ... البيت
فقال الشيخ: الذي ذكره النحويون: أن اللام المحذوفة مقدرة، وإن كانت إذا أتي بها مقحمة زائدة لأنهم لما استعملوها في حال الإضافة إصلاحا [2/ 149] للفظ، ورفضوا ترك الإتيان بها، وإن كان الأصل، صار الإتيان بها كأنه الأصل، فلما اضطر الشاعر إلى إسقاطها قدرها ونواها لذلك، وإذا كانت مقدرة وجب أن يكون خفض الضمير بها، لا بالإضافة، لأن المنوي المقدر بمنزلة الثابت الملفوظ به، ومما يبين أن اللام منونة مقدرة قولهم: (لا أباي) حكاه ابن طاهر، ألا ترى أن اللام لو لم تكن مقدرة لقالوا: لا أبيّ، كما قالوا: فيّ فلما لم يكسروا الباء في أباي دل ذلك على أن الكسرة التي توجبها ياء المتكلم ليست في اللام المردودة، وإنما هي في اللام المحذوفة المقدرة.
قال: وتأويل المصنف فاسد لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن العرب قالت: لا أباك حيث لم يذكر موتا فلا يكون دعاء بالموت قال ابن الدمينة: -
1070 - فقلت لها لا أباك هلّا غررتني... لديها فقد حانت عليّ ذنوب 1
قال: فليست هنا للدعاء بالموت.
ثانيها: أن العرب حذفت من الكلمة الهمزة كما في هذا البيت، ثم إنهم حذفوا مع الهمزة أيضا الألف، فقالوا: لاب شانيك، وبدون «لا» أبا لشانيك ولو كان هذا فعلا ماضيا، لم يجز حذف ذلك منه، وإنما جاز كثرة الحذف في أب لك لكثرة دوره على ألسنتهم.
ثالثها: يدل على أن أبا اسم لا فعل جر ما بعده في قولهم: لاب شانيك، وقولهم: لا أباي، فلو كان فعلا ماضيا لقال: لا أباني.
انتهى 2. -
................................
ولقائل أن يجيب عن المصنف بأنه لم يدع ذلك على الإطلاق، بل إنما ادعاه في البيتين اللذين أنشدهما، ولكن قد يقول الشيخ إن مقتضى تخريج المصنف لهذين البيتين على ما ذكره أنه يدعي ذلك في كل ما ورد وعلى هذا يتم كلام الشيخ.
ومنها:
أن الشيخ بحث مع المصنف في قوله: وقد يحمل على المضاف مشابهة بالعمل فينزع تنوينه، وإنشاده:
1071 - أراني ولا كفران لله آية... لنفسي قد طالبت غير منيل 1
مستدلّا به على ما ذكر، فقال الشيخ: إن هذا الذي ذكره خلاف مذهب الجمهور، وأن ابن كيسان يرى في مثل ذلك التنوين وترك التنوين، وأن ترك التنوين عنده أحسن.
وذكر عنه تعليلا غير ما ذكره المصنف من حمله أعني المطول على المضاف، قال: فالمصنف لم يأخذ بمذهب الجمهور، لأنهم لا يجيزون ذلك.
ولم يأخذ بمذهب ابن كيسان، فإن الأحسن عنده ترك التنوين 2. والمصنف قال: وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل.
فدل كلامه على قلة ذلك، قال: وأما البيت الذي أنشده عن أبي علي فيخرج على أن آية فيه منصوب بمحذوف يدل عليه:
لا كفران بالله، أي لا أكفر آية لنفسي، ودل على هذا المحذوف ما قبله.
كما خرجوا قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 3 أي لا عاصم يعصم اليوم [2/ 150]، وأبو علي إنما منع تقدير عامل بناء على مذهبه من أنه لا يجوز الاعتراض بجملتين 4، ولكن الأصح جوازه 5. انتهى.
والذي يظهر أن المصنف لم يعرج على مذهب ابن كيسان في هذه المسألة، والدليل عليه أن ابن كيسان جعل نزع التنوين لأجل البناء وتركب الاسم مع «لا» وكأنه يقطع النظر عن المعمول المذكور بعد اسم «لا» فيصير للاسم العامل حكم الاسم المفرد 6، -
................................ والمصنف لم يجنح إلى هذا التعليل، بل لا يرتضيه لضعفه، وإنما العلة عنده تشبيه المطول بالمضاف لتعلق الاسم الأول بعده في الموضعين 1، وهو تعليل حسن وعلى هذا لا تتوجه مؤاخذة الشيخ للمصنف، وأقول: إن في النفس ركونا إلى هذه المسألة، أعني أن يعامل المطول في نزع التنوين معاملة المضاف في ذلك لشبهه به، وعليه الآية الشريفة: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 2 3 وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا مانع لما أعطيت» 4 ومنه قول الحماسي: 1072 - لا جزع اليوم على قرب الأجل 5 وهذا كثير. وتقدير العامل في ذلك على خلاف الأصل. واعلم أن الشيخ ختم الكلام على هذا الفصل بمسألة: وهي أن الاسم المركب من قبيل المشبه بالمضاف من جهة أنه لا يجوز تركيبه مع «لا» وجعلهما كاسم واحد، لما يلزم من تركيب ثلاثة أشياء، فإذا قلت لا خمسة عشر لك، فخمسة عشر في موضع نصب بلا، وليس مركبة مع «لا» والفتحة التي في «راء» عشر هي الفتحة التي كانت فيها قبل دخول «لا» عليها، وليست حادثة بسبب «لا» ومما يبين ذلك أنك لو أدخلت «لا» على عمرو به على حد دخولها على هيثم في قوله: 1073 - لا هيثم اللّيلة للمطيّ 6
................................
لقلت: لا عمرو به، فأبقيت الاسم على كسرة، ولم تفتح الآخر بسبب «لا».
انتهى.
ومما يتعين ذكره والإشارة إليه في هذا المكان: الكلام على إعراب كلمة الحق وهي: لا إله إلا الله:
فنقول: اعلم أن الاسم المعظم في هذا التركيب يرفع، وهو الكثير.
ولم يأت في القرآن غيره، وقد ينصب، أما إذا رفع، فالأقوال فيه للناس على اختلاف إعرابهم خمسة، منها قولان معتبران، وثلاثة أقوال لا معول على شيء منها.
أما القولان المعتبران: فأن يكون على البدلية 1، وأن يكون على الخبرية 2.
أما القول بالبدلية: فهو المشهور الجاري على ألسنة المعربين وهو رأي المصنف، فإنه قد قال فيما تقدم لما تكلم على حذف الخبر: وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع «إلّا» نحو لا إله إلا الله 3. وهذا الكلام يدل على أن رفع الاسم المعظم ليس على الخبرية، وحينئذ يتعين كونه على البدلية، ثم الأقرب أن يكون البدل من الضمير المستتر في الخبر المقدر 4. وقد قيل: إنه بدل اسم «لا» باعتبار عمل الابتداء [2/ 151] يعني باعتبار محل الاسم قبل دخول «لا» 5.
وإنما كان القول بالبدل 6 من الضمير المستتر أولى لأن الإبدال من الأقرب أولى من الإبدال من الأبعد، ولأنه لا داعية إلى اتباع باعتبار المحل مع إمكان الاتباع باعتبار اللفظ، ثم البدل إن كان من الضمير المستكن في الخبر كان البدل فيه نظير البدل في نحو: ما قام أحد إلا زيد لأن البدل في المسألتين باعتبار اللفظ، وإن كان -
................................
من اسم «لا» كان البدل فيه نظير البدل في نحو: لا أحد فيها إلا زيد، لأن البدل في المسألتين باعتبار المحل، وقد استشكل الناس البدل فيما ذكرنا، أما في نحو: ما قام أحد إلا زيد فمن جهتين:
إحداهما: أنه بدل بعض، وليس ثم ضمير يعود على المبدل منه.
الثاني: أن بينهما مخالفة، فإن المبدل موجب، والمبدل منه منفي.
وقد أجيب عن الأول: بأن «إلا» وما بعدها من تمام الكلام الأول و «إلا» قرينة مفهمة أن الثاني قد كان يتناوله الأول، فمعلوم أنه بعض، فلا يحتاج فيه إلى رابط 1، بخلاف نحو: قبضت المال 2 بعضه.
وعن الثاني: بأنه بدل من الأول في عمل العامل فيه، وتخالفهما بالنفي والإيجاب لا يمنع البدلية، لأن مذهب أهل البدل فيه أن يجعل الأول كأنه لم يذكر، والثاني في موضعه 3 وقد قال ابن الضائع 4: اعلم أن البدل في الاستثناء إنما المراعى فيه وقوعه مكان المبدل منه، فإذا قلت: ما قام أحد إلا زيد، فإلا زيد هو البدل، وهو الذي يقع موقع أحد قال: والإ زيد هو الأحد الذي نفيت عنه القيام، فالإ زيد بيان للأحد الذي عنيت، ثم قال بعد ذلك: فعلى هذا البدل في الاستثناء أشبه ببدل الشيء من الشيء من بدل البعض من الكل.
وقال في موضع آخر:
لو قيل إن البدل في الاستثناء قسم على حدته ليس من تلك الأبدال التي تبينت في غير الاستثناء، لكان وجها وهو الحق 5. انتهى.
وأما في نحو: لا أحد فيها إلا زيد، فوجه الإشكال فيه أن زيدا بدل من أحد، -
................................
وأنت لا يمكنك أن تحله محله، وقد أجاب الشلوبين عن ذلك بأن هذا الكلام إنما هو على توهم: ما فيها أحد إلا زيد 1. انتهى وهو جواب حسن.
ولابن عصفور في هذه المسألة كلام كأنه ادعى عدم تقرير السؤال من أحد، وقرر الكلام في المسألة على وجه آخر 2، وكأنه يقصد الرد على الشلوبين، وقد ذكرت ذلك في باب المستثنى من هذا الكتاب، ونبهت على أن كلام ابن عصفور في المسألة المذكورة غير ظاهر، فليتأمله الواقف عليه 3.
وأما القول بالخبرية: فقد قال به جماعة، ويظهر لي أنه أرجح من القول بالبدلية، وقد ضعف القول بالخبرية بثلاثة أمور، وهي: أنه يلزم من القول بذلك كون خبر «لا» معرفة، و «لا» لا تعمل في المعرفة، وبأن الاسم المعظم مستثنى، والمستثنى لا يصح [2/ 152] أن يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا ليبين ما قصد بالمستثنى منه، وبأن اسم «لا» عام والاسم المعظم خاص، والخاص لا يكون خبرا عن العام، لا يقال الحيوان إنسان 4. والجواب عن هذه الأمور: -
................................
أما الأول: فهو أنك قد عرفت أن مذهب سيبويه أن «لا» حال تركيب الاسم معها لا عمل لها في الخبر، وأنه حينئذ مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول «لا»، وقد علل ذلك بأن شبهها بإنّ ضعف حين ركبت، وصارت كجزء كلمة وجزء الكلمة لا يعمل 1، ومقتضى هذا أن يبطل عملها في الاسم والخبر، لكن أبقي عملها في أقرب المعمولين، وجعلت هي ومعمولها بمنزلة مبتدأ، والخبر بعدها على ما كان عليه قبل التجرد.
وإذا كان كذلك، فلم يثبت عمل «لا» في المعرفة 2.
وأما الثاني: فلا نسلم أن اسم «لا» هو المستثنى منه وذلك لأن الاسم المعظم إذا كان خبرا كان الاستثناء مفرغا، والمفرغ هو الذي لم يكن المستثنى منه فيه مذكورا، نعم الاستثناء فيه إنما هو من شيء مقدر لصحة المعنى، ولا اعتداد بذلك المقدر أصلا.
ولا خلاف يعلم في نحو: ما زيد إلا قائم، أن قائم خبر عن زيد، ولا شك أن «زيدا» فاعل في قولنا ما قام إلا زيد 3، فعلى هذا لا منافاة بين كون الاسم المعظم خبرا عن اسم قبله، وبين كونه مستثنى من مقدر، إذ جعله خبرا منظور إلى جانب اللفظ، وجعله مستثنى منظور فيه إلى 4 جانب المعنى.
وأما الثالث: فهو أن يقال إن قولكم: إن الخاص لا يكون خبرا عن العام مسلم لكن في: «لا إله إلا الله» لم يخبر بخاص عن عام، لأن العموم منفي والكلام إنما سيق لنفي العموم، وتخصيص الخبر المذكور بواحد من أفراد ما دلّ عليه اللفظ 5 العام.
وأما الأقوال الثلاثة الأخرى: فأحدها: أن «إلا» ليست أداة استثناء، وإنما هي بمعنى غير، وهي مع الاسم المعظم صفة لاسم «لا» باعتبار المحل.
ذكر ذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني 6 عن بعضهم، والتقدير على هذا: لا إله غير الله في -
................................
الوجود 1، وقد وقفت على كلام لبعض العلماء في تقدير ذلك ووجدته قد أطال ومزج كلام غير النحاة بكلام النحاة، وذكرنا مباحث مدخولة فأضربت عن ذكره، ولا شك بأن القول بأن «إلا» في هذا التركيب بمعنى غير، ليس له مانع يمنعه من جهة الصناعة النحوية، وإنما يمتنع من حيث المعنى، وذلك أن المقصود من هذا الكلام أمران، نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وإثبات الإلهية لله سبحانه، وهذا إنما يتم إذا كانت «إلا» فيه للاستثناء لأننا نستفيد النفي والإثبات بالمنطوق، أما إذا كانت «إلا» بمعنى غير فلا يفيد [2/ 153] الكلام بمنطوقه إلا نفي الإلهية عن الله تعالى، وأما إثبات الإلهية لله سبحانه وتعالى فلا يفيده التركيب المذكور بوجه من الوجوه حينئذ، فإن قيل: يستفاد ذلك من المفهوم؛ قيل: دلالة المفهوم من دلالة المنطوق؟
ثم هذا المفهوم إن كان مفهوم لقب فلا عبرة به 2 إذ لم يقبل به إلا الدقاق 3 وإن كان مفهوم صفة فقد عرفت في أصول الفقه أنه غير مجمع على ثبوته، فقد تبين ضعف هذا القول لا محالة.
والقول الثاني - وينسب إلى الإمام الزمخشري 4 -: أن «لا إله» في موضع الخبر، وإلا الله في موضع المبتدأ، وقد قرر ذلك بتقدير للنظر فيه مجال 5، ولا يخفى ضعف هذا القول، وأنه يلزم منه أن الخبر يبنى مع «لا» وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ.
ثم لو كان الأمر كذلك لم يجز نصب الاسم المعظم في هذا التركيب، -
................................
وقد جوزوه 1 كما سيأتي.
والقول الثالث: أن الاسم المعظم مرفوع «بإله» كما يرتفع الاسم بالصفة في قولنا: أقائم الزيدان، فيكون المرفوع قد أغنى عن الخبر وقد قرر ذلك بأن «إله» بمعنى مألوه من «أله» أي «عبد» 2، فيكون الاسم المعظم مرفوعا على أنه مفعول أقيم مقام الفاعل، واستغني به عن الخبر كما في نحو قولنا: ما مضروب العمران.
وضعف هذا القول غير خفي لأن «إلها» ليس وصفا، فلا يستحق عملا، ثم لو كان «إله» عاملا الرفع فيما يليه لوجب إعرابه وتنوينه، لأنه مطول إذ ذاك 3.
وقد أجاب بعض الفضلاء عن هذا بأن بعض النحاة يجيز حذف التنوين من نحو ذلك، وعليه يحمل قوله تعالى: لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ 4، [وقوله]: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ 5 6، وفي هذا الجواب نظر: لأن الذي يجيز حذف التنوين في مثل ذلك يجيز إثباته أيضا، ولا نعلم أن أحد أجاز التنوين في لا إله إلا الله 7. هذا آخر الكلام على توجيه الرفع.
وأما النصب فقد ذكروا له توجيهين:
أحدهما: أن يكون على الاستثناء من الضمير في الخبر المقدر 8.
الثاني: أن يكون «إلا الله» صفة لاسم «لا»، أما كونه صفة، فهو لا يكون -
................................
إلا إن كانت إلا بمعنى غير، وقد عرفت أن الأمر إذا كان كذلك لا يكون الكلام وإلا بمنطوقة على إثبات الإلهية لله تعالى.
والمقصود الأعظم هو إثبات الإلهية لله تعالى بعد نفي الإلهية عن غيره وعلى هذا يمتنع هذا التوجيه، أعني كون «إلا الله» صفة لاسم لا 1.
وأما التوجيه الأول؛ فقالوا فيه: لم يرجح البدل، وكان حقه أن يكون راجحا لأن الكلام غير موجب، والمقتضي لعدم أرجحية البدل هنا أن الترجيح في نحو: ما قام القوم إلا زيد إنما كان لحصول المشاكلة، حتى لو جعلت المشاكلة في [2/ 154] تركيب استويا نحو: ما ضربت أحدا إلا زيدا فمن ثم قالوا: إذا لم تحصل مشاكلة في الإتباع كان النصب على الاستثناء أولى، قالوا: وفي هذا التركيب يترجح النصب في القياس، لكن السماع والأكثر الرفع 2، ونقل عن الأبذي 3 أنك إذا قلت: لا رجل في الدار إلا عمرو، كان نصب إلا عمرا على الاستثناء أحسن من رفعه على البدل 4، هذا ما ذكروه.
والذي يقتضيه النظر: أن النصب لا يجوز، بل ولا البدل أيضا، وتقرير ذلك أن يقال إلا في الكلام التام الموجب نحو: قام القوم إلا زيدا متمحضة للاستثناء، فهي تخرج ما بعدها مما أفاده الكلام الذي قبلها، وذلك أن هذا الكلام إنما قصد به الإخبار عن القوم بالقيام ثم إن زيدا منهم لو لم يكن شاركهم فيما أسند إليهم، فوجب إخراجه، وكذا حكم «إلا» في الكلام غير الموجب الذي هو تام أيضا نحو: ما قام القوم إلا زيدا، فإنها متمحضة فيه للاستثناء بغير ما قلناه في الموجب، وأما الكلام الذي هو غير تام فإلا مسوقة فيه لإثبات المنفي قبلها للمذكور بعدها نحو: ما قام إلا زيد، أعني أن المقصود منها ذلك، ومن ثمّ كان نحو هذا التركيب مفيدا للحصر، مع أنها للاستثناء أيضا، لأن المذكور بعد «إلا»، لا بد أن يكون -
................................
مخرجا، فيتعين تقدير شيء قبل «إلا» ليصبح الإخراج منه، لكن إنما أحوج إلى هذا التقدير تصحيح المعنى.
فتبين من هذا الذي قلناه أن المقصود في الكلام الذي ليس بتام، إنما هو إثبات الحكم قبل «إلّا» لما بعدها، وأن الاستثناء ليس بمقصود 1، ولهذا اتفق النحاة على أن المذكور بعد «إلا» في نحو: «ما قام إلا زيد» معمول للعامل الذي قبلها 2.
ولا شك أن المقصود من هذا التركيب الشريف أمران، وهما: نفي الإلهية عن كل شيء، وإثباتها لله تعالى كما تقدم، وإذا كانت «إلّا» مسوقة لمحض الاستثناء، لا يتم هذا المطلوب سواء نصبنا على الاستثناء أم أبدلنا، وذلك لأنه لا ينصب ولا يبدل إلا إذا كان الكلام قبل «إلا» تامّا، ولا يكون تامّا إلا إذا قدر خبر محذوف، وحينئذ ليس الحكم بالنفي على ما بعدها في الكلام الموجب، وبالإثبات عليه في غير الموجب مجمعا عليه، إذ لا يقول بذلك إلا من مذهبه أن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، ومن ليس مذهبه ذلك يقول:
إن ما بعد إلا مسكوت عنه، وإذا كان مسكوتا عنه، فكيف يكون قائل:
«لا إله إلا الله» موحدا؟.
فتعين أن تكون إلا في هذا التركيب مسوقة لقصد إثبات ما نفي قبلها لما بعدها، ولا يتم ذلك إلا أن يكون ما قبلها غير تام [2/ 155] ولا يكون غير تام إلا بأن «لا» يقدر خبر محذوف، وإذا لم يقدر خبر قبلها وجب أن يكون ما بعدها الخبر، وهذا هو الذي تركن إليه النفس، وقد تقدم تقدير صحة كون الاسم المعظم في هذا التركيب هو الخبر.
[دخول لا على المعرفة - العطف على اسمها - وصف الاسم]
قال ابن مالك: (إذا انفصل مصحوب «لا»، أو كان معرفة بطل العمل بإجماع ويلزم حينئذ التكرار في غير ضرورة خلافا للمبرّد وابن كيسان، وكذا التّاليها خبر مفرد أو شبهه وأفردت في: «لا نولك أن تفعل» لتأوّله بـ: «لا ينبغي»
وقد يؤوّل غير عبد الله وعبد الرّحمن من الأعلام بنكرة، فيعامل معاملتها بعد نزع ما فيه أو فيما أضيف إليه من ألف ولام، ولا يعامل بهذه المعاملة ضمير، ولا اسم إشارة خلافا للفرّاء ويفتح أو يرفع الأول من نحو: «لا حول ولا قوّة إلّا بالله» فإن فتح فتح الثاني أو نصب أو رفع، وإن رفع رفع الثاني أو فتح، وإن سقطت «لا» الثّانية فتح الأول ورفع الثاني أو نصب، وربّما فتح منويّا معه «لا».
وتنصب صفة اسم «لا» أو ترفع مطلقا، وقد تجعل مع الموصوف كخمسة عشر إن أفردا أو اتّصلا، وليس رفعها مقصورا على تركيب الموصوف، ولا دليلا على إلغاء «لا» خلافا لابن برهان في المسألتين، وللبدل الصالح لعمل (لا) النصب والرّفع، فإن لم يصلح لعملها تعيّن رفعه، وكذا المعطوف نسقا، وإن كرر اسم «لا» المفرد دون فصل فتح الثّاني أو نصب).
قال ناظر الجيش: قال المصنف 1: لما كان شبه «لا» بإنّ أضعف من شبه «ما» بليس، جعل «لما» مزية بأن لم يبطل عملها بالفصل مطلقا، بل إذا كان الفصل بخبر نحو: ما قائم زيد، أو معمول خبر غير ظرف، ولا جار ومجرور نحو: ما طعامك زيد آكل، فلو فصل بمعمول، وهو ظرف أو جار ومجرور، لم يبطل العمل نحو: ما غدا زيد مسافرا، وما فيها أحد مقيما 2 ويبطل عمل «لا» بالفصل مطلقا 3 نحو: -
................................
لا في الدار رجل، ولا غدا أحد راحل، فانحطت «لا» بذلك عن رتبة «ما» ليكون لقوة الشبه أثر، وإذا كان مصحوب «لا» معرفة لم تعمل 1 فيه، لأنها إنما عملت العمل المذكور لتدل به على العموم على سبيل التنصيص، والمعرفة ليست كذلك، ولو كان تعريفها بالألف واللام الاستغراقية لأنها بلفظ العهدية، فليس التنصيص بها على العموم، كالتنصيص عليه «بمن» الجنسية مذكورة أو منوية 2، لكن إذا وليتها المعرفة لزمها التكرار 3 ليكون عوضا عما فاتها من مصاحبة ذي العموم فإن في التكرار زيادة كما في العموم زيادة، ثم حمل في لزوم التكرار المفصولة على التي يليها معرفة لتساويهما في وجوب الإهمال، وأيضا فإن العرب في الغالب تنفي الجملة المبدؤة
بمعرفة أو ظرف أو شبهه بما أو «ليس» [2/ 156] نحو: ما زيد عندك، وما عندك زيد، وليس عمرو في الدار، وليس في الدار عمرو، فإذا وقعت «لا» في مثل هذا من الكلام وقعت في موضع غيرها، فقويت بالتكرار، ولم تخل منه إلا في اضطرار.
وكذا إذا ولي «لا» خبر مفرد ويلزمها التكرار أيضا نحو: زيد لا قائم ولا قاعد، وكذا إذا ولي «لا» نعت أو حال نحو: مررت برجل لا قائم ولا قاعد 4، ونظرت إليه لا قائما ولا قاعدا، وإلى هذين المثالين وأشباههما أشرت بقولي: وكذا التاليها خبر مفرد أو شبهه، فتكرار «لا» في جميع هذه الصور لازم إلا في الضرورة، وإن جاء شيء من هذا بلا تكرار قصر على الاضطرار، كقول الشاعر:
1074 - بكت جزعا واسترجعت ثمّ آذنت... ركائبها أن لا إلينا رجوعها 5
وكقول الآخر: -
................................ 1075 - أشاء ما شئت حتّى لا أزال لما... لا أنت شائبة من شأننا شاني 1 وكقول الآخر 2: 1076 - وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا... حياتك لا نفع ولا موتك فاجع 3 وكقول الآخر: 1077 - إني تركتك لا ذا عسرة تربا... فاستعففن واكف من وافاك ذا أمل 4 ومثله: 1078 - قهرت العدا لا مستعينا بعصبة... ولكن بأنواع الخدائع والمكر 5 ولم يقصر المبرد ترك التكرار على الضرورة، بل أجازه في السعة 6، ووافقه ابن كيسان 7 ولا حجة لهما في قول العرب: «لا نولك أن تفعل» فإنهم أوقعوه -
................................ موقع: لا ينبغي لك أن تفعل، فاستغنوا فيه عن تكرار «لا»، كما يستغنون فيما هو واقع موقعه 1، وقد يؤول العلم بنكرة فيركب مع «لا» إن كان مفردا، وينصب بها إن لم يكن مفردا 2 فالأول كقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» 3 ومنه قول الشاعر: - 1079 - أرى الحاجات عند أبي خبيب... تكدن ولا أميّة في البلاد 4 وقول الراجز 5: 1080 - إنّ لنا عزّى ولا عزّى لكم 6 أو فيما أضيف 7 إليه [من ألف ولام] 8. فلو كان العلم عبد الله لم يعامل بهذه المعاملة للزوم الألف واللام، وكذا -
................................
«عبد الرحمن» على الأصح، لأن الألف اللام لا ينزعان منه إلا في النداء 1.
وقدر قوم العلم المعامل بهذه المعاملة مضافا إليه مثل ثم حذف وأقيم العلم مقامه في الإعراب والتنكير، كما فعل «بأيدي سبأ» في قولهم: تفرقوا أيدي سبأ 2 يريدون مثل أيدي سبأ، فحذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه في النصب على الحالية، ويقدره آخرون بلا مسمّى بهذا الاسم [2/ 157] أو بلا واحد من مسميات هذا الاسم 3، ولا يصح واحد من التقديرات الثلاثة على الإطلاق.
أما الأول: فممنوع من ثلاثة أوجه:
أحدها: ذكر مثل بعده كقول الشاعر:
1081 - تبكي على زيد ولا زيد مثله 4
فتقدير مثل قبل زيد مع ذكر مثل بعده وصفا أو خبرا يستلزم وصف الشيء بنفسه وكلاهما ممتنع.
الثاني: أن المتكلم بذلك إنما يقصد نفي مسمى العلم المقرون بـ «لا» فإذا قدر مثل لزم خلاف المقصود، لأن نفي مثل المسمى لا تعرض فيه لنفي ذي المثل.
الثالث: أن العلم المعامل بهذا قد يكون انتفاء مثله معلوما لكل أحد، فلا يكون في نفيه فائدة نحو: -
................................
لا نصرة لكم ولا أبا حسن لها، ولا قريش بعد اليوم 1.
وأما التقدير الثاني والثالث فلا يصح اعتبارهما مطلقا.
فإن من الأعلام المعاملة بذلك ما له مسميات كثيرة كأبي
حسن وقيصر، فتقدير ما كان هكذا بلا مسمى بهذا الاسم أو بلا واحد من مسمياته لا يصح، لأنه كذب.
فالصحيح أن لا يقدر هذا النوع بتقدير واحد، بل يقدر ما ورد منه بما يليق به، وما يصلح له فيقدّر: «لا زيد مثله» بـ «لا واحد من مسميات هذا الاسم مثله»، ويقدر لا قريش بعد اليوم: لا بطن من بطون قريش بعد اليوم، ويقدر: لا أبا حسن لها ولا كسرى بعده ولا قيصر بعده بـ: لا مثل أبي حسن، ولا مثل كسرى، ولا مثل قيصر، وكذا لا نضرة ولا أمية، ولا عزى.
ولا يضر في ذلك عدم التعرض لنفي ذي المثل، فإن سياق الكلام يدل على القصد، وأجاز الفراء أن يقال: «لا هو ولا هي» على أن يكون الضمير اسم «لا» محكوما بتنكيره ونصبه، وأجاز: «لا هذين لك ولا هاتين 2 لك» على أن يكون اسم الإشارة اسم «لا» محكوما بتنكيره.
وفي الأول من نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله وجهان:
الفتح بمقتضى التركيب والرفع على إلغاء «لا»، أو على إعمالها عمل ليس.
وفي الثاني عند فتح الأول، الفتح بمقتضى التركيب وجعل الكلام في تقدير جملتين والنصب عطفا على موضع اسم «لا» باعتبار عملها وتقدير زيادة «لا» الثانية والرفع عطفا على موضع لا واسمها، فإنهما في موضع رفع بالابتداء، «ولا» الثانية على هذا زائدة للتوكيد، ويجوز إعمالها عمل «ليس».
وفي الثاني عند رفع الأول، الرفع عطفا على اللفظ، وزيادة «لا» الثانية، أو على إعمالها عمل ليس، والفتح بمقتضى التركيب وجعل الكلام في تقدير جملتين 3 وإن سقطت «لا» الثانية 4 فتح الأول ورفع الثاني عطفا على معنى -
................................
الابتداء أو نصب عطفا على عمل «لا».
[2/ 158] وحكى الأخفش: لا رجل وامرأة فيها بفتح المعطوف دون تنوين على تقدير ولا امرأة، فحذفت لا وأبقي البناء مع نيتها، كما كان مع وجودها 1 وتنصب صفة اسم «لا» أو ترفع مطلقا أي في التركيب وعدمه وفي اتصال الصفة وانفصالها نحو لا رجل ظريفا أو ظريف، ولا غلام رجل ذكيّا عندنا، أو ذكي، وكذا مع الانفصال
فالنصب باعتبار: عمل لا والرفع بتقدير عمل الابتداء 2 وجاز اعتباره بعد دخول «لا» في التابع صفة كان أو غيرها، وإن كان ذلك لا يجوز بعد دخول «إنّ» لأن إن مشبهة بالأفعال الناسخة للابتداء في الاختصاص بالمبتدأ والخبر دون عروض وفي كون ما دخلت عليه مفيدا بدون دخولها، ولقوتها لا يبطل عملها في الانفصال في نحو: إن فيها زيدا بخلاف «لا» فإنها ضعيفة العمل بكونها فرع فرع، وكونها عارضة الاختصاص بالمبتدأ 3 والخبر وكون ما تدخل عليه في الأكثر لا يفيد بدون دخولها في لا رجل في الدار، فلو قيل: رجل في الدار لم يفد، فلتوقف الإفادة على وجود «لا» كانت هى واسمها بمنزلة مبتدأ، فجاز لذلك أن تعتبر عمل الابتداء بعد دخولها في الصفة، وغيرها من التوابع المستعملة وشبه اعتبار الابتداء في ذلك باعتباره في نحو: هل من رجل كريم في الدار [وقوله تعالى]: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ 4 وقد يجعل الصفة والموصوف كخمسة عشر فيبنيان على الفتح إن كانا مفردين متصلين نحو: لا رجل ظريفا فيها 5، وزعم ابن برهان 6 أنّ اسم «لا» لا يرفع إلا إذا كان الموصوف مركبا مع «لا» وأن رفعها دليل على إلغاء «لا»، وحمله على ذلك أن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف، والاسم المنصوب لا عمل لابتداء -