تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 2227-2242

الباب السابع والعشرون باب المستثنى

صفحات 2227-2242

................................  ثم قال: فعلوا ذلك؛ لأنّ معنى (سوى) معنى (غير) 1. اه.
قال المصنف: قد صرّح سيبويه بأنّ معنى (سوى) معنى (غير) وذلك يستلزم انتفاء الظرفيّة، كما هي منتفية عن (غير) 2. اه، وفي استلزام كلام سيبويه ما قاله نظر، فإنّه لا يلزم من كون معنى (سوى) معنى (غير) في الاستثناء، أن يكون معناها كمعنى (غير) مطلقا، ثم قال المصنف: الظرف في العرف ما ضمّن معنى (في) من أسماء الزمان، والمكان، و (سوى) ليس كذلك ولا يصحّ كونه ظرفا، ولو سلّم كونه ظرفا لم نسلّم لزوم الظرفيّة، لكثرة الشواهد الدّالة على خلاف ذلك، نثرا ونظما 3. اه.
وقال - في شرح الكافية -: (سوى) اسم يستثنى به، ويجر ما يستثنى به، لإضافته إليه، ويعرب هو تقديرا، بما يعرب به (غير) لفظا، خلافا لأكثر البصريّين في ادعاء لزومها النصب على الظرفية، وعدم التّصرّف 4. وإنمّا اخترت خلاف ما ذهبوا إليه لأمرين: أحدهما: إجماع أهل اللّغة على أنّ معنى قول القائل: (قاموا سواك) و (قاموا غيرك) واحد، وأنه لا أحد منهم يقول: أنّ (سوى) عبارة عن مكان وزمان، وما لا يدلّ عليهما فبمعزل عن الظرفية.
الثاني: أنّ من حكم بظرفيتها حكم بلزوم ذلك، وأنها لا تنصرف، والواقع في كلام العرب نثرا ونظما خلاف ذلك، فإنّها قد أضيف إليها، وابتدئ بها، وعمل فيها نواسخ الابتداء، وغيرها من العوامل اللفظية، فمن ذلك قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سألت ربّي ألّا يسلّط على أمّتي عدوّا من سوى أنفسهم» 5، وقوله - عليه الصلاة والسّلام -: «ما أنتم فيمن سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثّور - - معنى البيت: لا ينطق الفحشاء من كان من المجتمعين من قومنا، ولا من قوم غيرنا.
والشاهد: في جرّ (سواء) بحرف جرّ وجعله سيبويه من ضرورة شعرية.
ينظر: الكتاب (1/ 31، 407، 408)، والمقتضب (4/ 350)، والإنصاف (ص 167)، والعيني (3/ 126)، والأشموني (2/ 158).

................................  الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض» 1. ومن ذلك قول الشاعر: 1759 - وكلّ من ظن أنّ الموت مخطئه... معلّل بسواء الحقّ مكذوب 2 ومن الإسناد إليها مرفوعة بالابتداء قول الشاعر: 1760 - وإذا تباع كريمة أو تشترى... فسواك بائعها، وأنت المشتري 3 وقال آخر - في رفعها بـ «ليس» -: 1761 - أترك ليلى ليس بيني وبينها... سوى ليلة إنّي إذا لصبور 4 وقال آخر - في وقوعها فاعلة، وهو بيت الحماسة -: 1762 - ولم يبق سوى العدوا... ن دنّاهم كما دانوا 5 وأنشد المصنف غير ذلك في شرح هذا الكتاب، وكثّر، ثمّ قال: فإن تعلق في -

................................  ادّعاء الظرفية بقول العرب: رأيت الذي سواك، فوصلوا الموصول بـ (سواك) وحده، كما وصلوه بـ (عندك) ونحوه من الظروف، فالجواب أن يقال: لا يلزم من معاملته معاملة الظرف كونه ظرفا، فإنّ حرف الجر يعامل معاملة الظّرف، ولم يكن بذلك ظرفا، فإن ضمّن ظرفا فجائز، فإن أطلق على (سوى) ظرف، إطلاقا مجازيا لم يمتنع، وإنمّا يمتنع تسميته ظرفا بقصد الحقيقة» 1، ثم قال: «فإن قيل: فلم استجيز الوصل بـ (سوى) ولم يستجز بغيره، وهما بمعنى واحد؟ فعن ذلك جوابان: أحدهما: أنّ هذا من النوادر، كنصب (غدوة) بعد (لدن) وكإضافة (ذي) إلى (تسلم) (2) في قولهم: اذهب بذي تسلم 2. [3/ 60] والثّاني: أنّ (سوى) لازمة الإضافة لفظا ومعنى، فشبّه بـ (عند) و (لدى) في ذلك، مع كثرة الاستعمال، فعومل في الوصل به معاملتهما، ولم تعامل (غير) هذه المعاملة؛ لأنّها قد تنفكّ عن الإضافة لفظا 3، ثم قال: فإن قيل: فما موضع (سوى) من الإعراب، بعد الموصول؟ قلت: يحتمل أن يكون موضعه رفعا على أنّه خبر لمبتدأ مضمر، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا، على أنّه حال، وقبله (ثبت) مضمرا، كما أضمر قبل (أن) في قولهم: لا أفعل ذلك ما إن حراء مكانه، ويقوّي هذا الوجه قول من قال: «رأيت الذي سواك» بالنّصب على أنّه يجوز أن يكون (سواك) خبر مبتدأ مضمر، وبني لإبهامه، وإضافته إلى مبنيّ، كما فعل ذلك بـ (غير) في قوله: -

................................  1763 - لذ بقيس حين ينأى غيره 1 وقد تقدّم إنشاده. انتهى. وأمّا كونه ظرفا غير لازم النّصب، أي ظرفا متصرّفا، فقد قال الشيخ: هذا الذي ذهب إليه المصنف من أنّ الأصحّ عدم ظرفية (سوى) لا يعلم له سلف في ذلك إلّا الزّجاجيّ 2، فإنّ ابن الضّائع نقل عنه أنها اسم غير ظرف، قال: بل المنقول أنّ (سوى) ظرف، وإنمّا الخلاف فيه، أهو متصرف، أو غير متصرّف؟ فمذهب سيبويه والفراء والأكثرين أنّه لازم الظرفيّة 3، ومذهب الرمانيّ، والعكبريّ أنّه ظرف متمكن، أي يستعمل ظرفا كثيرا، وغير ظرف قليلا 4. انتهى نقل الشيخ، وقد تقدم من كلام المصنّف ما يناقض ذلك، فإنّه قال: من حكم بظرفيتها حكم بلزوم ذلك وأنّها لا تتصرف، وكذا يقتضي كلام غيره 5. وقال ابن الحاجب - في شرح المفصّل -: للنّاس في (سوى) مذهبان: أحدهما: أنه بمعنى (غير) فيعرب كـ (غير)، ومذهب سيبويه أنّها منتصبة على الظرف أبدا ولا يستعمل غير ظرف 6. اه. وظهر منه موافقة قول المصنّف، وقد قرّر ابن الحاجب كلام سيبويه مستدلّا به، بأن قال: الدليل على ذلك أنّ (سوى) لم تجئ منصوبة إلا ما شذّ من قولهم: 1764 -... وما قصدت من أهلها لسوائكا 7

................................  وإذا لم تستعمل إلّا منصوبة فهو المراد من كونها غير متصرّفة، و (سوى) مثلها، ولا قائل بالفرق، ثمّ قال: وبيان الظرفية فيها هو: أنّ العرب تجري الظّروف المعنويّة المقدّرة، مجرى الظّروف الحقيقيّة، فيقولون: فلان مكان فلان ولا يعنون إلّا منزلة في الذّهن مقدرة، فنصبوه نصب الظّروف الحقيقية، فكذلك إذا قالوا: مررت برجل سواك، وسوائك، إنّما يعنون مكانك، وعوضا منك، من حيث المعنى، فانتصب ذلك الانتصاب، ثمّ ذكر مستند المخالف فقال: وأما حجّة من قال: إنها بمعنى (غير)، يعتورها الإعراب على اختلاف وجوهه فالنقل والمعنى، أما المعنى فقولهم: مررت برجل سواك، كقولهم: مررت برجل غيرك، وأما النقل فقول الشاعر: 1765 - ولم يبق سوى العدوا... ن دنّاهم كما دانوا 1 وبقولك: ما ضربت سواك، وما جاءني سواك، والجواب ما ذكرناه، من أنّ (سوى) لم يستعمل إلّا منصوبا، ومجيئه غير منصوب شاذّ، ولا قائل بالفرق بينه وبين (سوى)، وأما ما ذكروه من المعنى فمردود؛ لأنه يؤدي إلى رفع (سوى) ولم يستعمل فردّه إلى الظرف أولى، ليوافق كلام العرب، وإن كان مخالفا للظاهر، وأما في البيت، وغيره من الكلام، فهو صفة لموصوف محذوف، وذلك المحذوف هو الّذي دخل عليه العامل 2. انتهى كلام ابن الحاجب، وقد وضح تجاوب الطرفين في هذه المسألة.
والّذي يقتضيه الإنصاف: الحكم بظرفيته، لصحّة وقوعه وحده صلة، في قولهم: جاءني الذي سواك، وما ذكره المصنّف، من أنّه يقدر له مبتدأ محذوف، أو غيره خلاف الأصل، وعدم الحكم بلزوم الظرفيّة، لما تقدّم من الشواهد الدّالة - - ويروى: «عن جو اليمامة»، و «عن جلّ اليمامة» وتجانف أصله: تتجانف، ومعناه: تنحرف.
ومعنى البيت: أنه لم يقصد سواه من أهل اليمامة.
والشاهد: في قوله: «لسوائكا»؛ حيث جرّت «سوى» باللام، وخرجه سيبويه على أنه ضرورة شعرية.
ينظر: ديوان الأعشى (ص 589)، والكتاب (1/ 32، 408)، والمقتضب (4/ 349)، والإنصاف (ص 167)، وشرح المفصل (2/ 44، 84)، والهمع (1/ 202)، والدرر (1/ 161).

[حذف ما بعد «إلّا» و «غير»]

قال ابن مالك: (وقد يقال: ليس إلّا، وليس غير، وغير، إذا فهم المعنى وقد ينوّن، وقد يقال: ليس غيره وغيره، ولم يكن غيره وغيره 1، وفاقا للأخفش) 2.

  • على استعماله غير ظرف، وما ذكروه من جعل (سوى) فيما ورد صفة لمحذوف خلاف الأصل، مع أنه لا يصلح تقديره في جميع ما ورد، وقال الشيخ - بعد نقل كلام المصنّف، وإيراد الشواهد على مختاره -: وقد ذهب مذهبا قلّ أن يتبع عليه؛ لأنّ مستقرئ اللغة وعلم النحو، لا يكاد أحد منهم يذهب إلى مقالته، وهي عندهم منصوبة على الظرف، ولا حجة فيما كثر من الشواهد كلّها؛ لأنّها جاءت في الشعر، وهو محلّ ضرورة 3. اه.
    ونبّه المصنف أنّ سين (سوى) قد تضمّ مقصورة، وقد تفتح ممدودة، وذكر ابن الخبّاز - في شرحه لألفية ابن معط - لغة رابعة، وهي المدّ، مع كسر السين 4، ومعناه في الاستثناء واحد، والخلاف في الممدودة كالخلاف في المقصورة.
    قال الشيخ عن بعضهم ما معناه: أنّ (سوى) - في غير الاستثناء - إمّا بمعنى: مستو كقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ 5، أو بمعنى: وسط كقوله تعالى: فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ 6، أو بمعنى حذاء كقولهم: زيد سواء عمرو أي حذاء عمرو 7. قال ناظر الجيش: قال المصنف: قد يكتفي بـ (إلّا) وب (غير) عن المستثنى، إذا عرف المعنى، ولم يستعمل العرب ذلك بعد غير (ليس)، فيقال: قبضت عشرة -

................................  ليس إلّا وليس غيره وغير، التقدير: ليس المقبوض إلا ذاك، وليس المقبوض غير ذلك وليس غير ذلك مقبوضا، واختلف في (غير) - مضمومة - هل هي معربة أو مبنية: فذهب الأخفش إلى أنّها معربة، كما أنّها معربة إذا كانت مفتوحة، فجعلها معربة في الحالين، ويرى أنّ التنوين نزع للإضافة 1، ولأنّ المضاف إليه ثابت في التقدير فإن رفعت (غير) كان اسم (ليس) والخبر محذوف، والتقدير كما تقدّم، وإن نصبته كان الخبر والاسم محذوف 2، وقد [3/ 61] تقدّم تمثيله.
وذكر الأخفش أنّ بعض العرب ينوّن (غيرا) لأنّه في اللفظ غير مضاف (3)، قال السيرافيّ: وينبغي أن يكون تنوينه على وجهي الرفع والنصب 3، وذهب المبرّد وأكثر المتأخّرين إلى أنها مبنيّة، وحركتها حركة بناء، لشبهها بـ (قبل) و (بعد) في الإبهام، والقطع عن الإضافة ونية المضاف إليه، قال الشيخ - بناء على هذا المذهب -: وتكون مبنية سواء كانت اسم (ليس) أو خبرها وهو واضح.
قال المصنف: تنوين (غير) يدلّ على أنه معرب؛ لأنّ تنوينه إما للصرف أو التعويض من المضاف إليه، وأيّا ما كان يلزم كون ما هو فيه معربا؛ لأنّ تنوين الصّرف لا يلحق مبنيّا، وتنوين العوض يوجب للمنوّن ما له مع المضاف إليه من بناء وإعراب؛ لأنّه قائم مقامه، ولذلك حكم ببناء (إذ)، وإعراب (كلّ، وبعض) 4. انتهى.
وممّا يقوى به القول بأنّها معربة؛ الحكم بإعرابها حال كونها مفتوحة، فإذا قيل بإعراب المضمومة تعادل الوجهان، بخلاف ما لو قيل ببنائها، قال الشيخ: وليس قولهم: جاءني زيد ليس إلا، أو ليس غير - استثناء من الأول؛ لأنّه يكون تبعيضا لما ليس متبعضا ولأنّ ما بعد (ليس) هو الأول، كيف كان 5. انتهى.
وكان قد تقدم من تمثيله: جاءني زيد ليس إلّا، وليس غيره وقال: التقدير ليس الجائي إلا هو، وليس الجائي غيره، وكلام الشيخ هذا ظاهر، ولا منافاة بينه وبين قول المصنّف: قد -

[حكم الاسم المذكور بعد «لا سيما» - اللغات فيها]

قال ابن مالك: (والمذكور بعد «لا سيّما» منبّه على أولويته بالحكم، لا مستثنّى فإن جرّ فبالإضافة و «ما» زائدة، وإن رفع فخبر مبتدأ محذوف، و «ما» بمعنى «الّذي» وقد توصل بظرف أو جملة فعليّة، وقد يقال: «لا سيّما» بالتخفيف، و «لا سواء ما»).
يكتفى بـ (إلّا) وب (غير) عن المستثنى 1؛ لأنّ مراد المصنف المستثنى بـ (إلّا) وب (غير) الواقعتين بعد (ليس) وهو المقدر بعد (إلّا) والمضاف إليه (غير) ولا شكّ أنهما مستثنيان؛ ولهذا قال سيبويه: هذا باب يحذف المستثنى فيه استحقاقا (2). ثمّ مثّل بـ (ليس إلّا) و (ليس غير) وقال: كأنّه قال: ليس إلا ذاك، وليس غير ذاك، ولكنّهم حذفوا ذلك تخفيفا، واكتفاء بعلم المخاطب ما يعني 2. انتهى.
وأجاز الأخفش أن يقال: ليس غيره وغيره، يعني أنه يجوز إضافة (غير) وترفع على أنّها الاسم، والخبر محذوف، وتنصب على العكس.
قال الشيخ: والأجود التصريح مع (غير) بالمضاف إليه، فقولك: قبضت عشرة ليس غيرها، وغيرها، أجود من: ليس غير، أو غير 3. انتهى.
وأجاز الأخفش أيضا أن يقال: في موضع (ليس غيره) - لم يكن غيره.
وغيره قال المصنف: وما له على ذلك دليل غير القياس 4، قال السيرافيّ - في الحذف الذي استعملوه بعد (إلّا) و (غير): إنما يستعمل إذا كانت (إلّا) و (غير) بعد (ليس) ولو كان مكان (ليس) غيرها من ألفاظ الحمد لم يجز الحذف، وعلّلوا ذلك بأنّ الأصل أن لا يجوز حذف الاسم في باب (كان) ولا حذف الخبر، فلا يتجاوز بذلك مورد السّماع.
قال ناظر الجيش: لمّا أنهى الكلام على أدوات الاستثناء 5 وهي: إلّا، وحاشا، وخلا، وعدا، وليس، ولا يكون، وغير، وسوى - بلغاتها - وبيد - على خلاف -

................................  فيها تقدّم ذكره - أراد أن ينبّه على وهم من ادّعى أنّ من جملة الأدوات (لا سيّما)، قال المصنف 1: قد جعلها بعضهم من أدوات الاستثناء 2، وذلك عندي غير صحيح؛ لأنّ أصل أدواته هي (إلّا) فما وقع موقعه 3 وأغنى 4 عنه فهو من أدواته، وما لم يكن كذلك فليس منها، ومعلوم أنّ (إلّا) تقع موقع الأدوات التي تقدّم ذكرها فوجب إدخالها 5 مع (إلّا) في الباب، و (لا سيما) بخلاف ذلك.
فلا يعدّ من أدواته، بل هو مضادّ لها، فإنّ الذي يلي (لا سيّما) داخل فيما دخل فيه ما قبله، ومشهود له بأنّه أحقّ بذلك من غيره، وهذا المعنى مفهوم بالبديهة من قول امرئ القيس: 1766 - ألا ربّ يوم صالح لك منهما... ولا سيّما يوم بدارة جلجل 6 فلا تردّد في أنّ مراده دخول «يوم دارة جلجل» فيما دخلت فيه الأيّام الأخر من الصلاح وأنّ له مزية، وهذا ضد المستفاد بـ (إلّا) فلا سبيل إلى إلحاق (لا سيّما) بأدوات الاستثناء 7. -

................................  قال الشيخ: وعدّها من الأدوات الكوفيون وجماعة من البصريين كالزجاج وأبي علي.
انتهى 1. وقد ذكر ابن عصفور وجه الاعتذار عن ذلك، فقال: إذا قلت: «قام القوم لا سيّما زيد» فقد خالفهم (زيد) في أنه أولى بالقيام منهم، فهو مخالفهم في الحكم الذي ثبت لهم بطريق الأولوية.
انتهى 2 وضعفه غير خفي 3. قال الشيخ: ودخول الواو عليها منعها من أن تكون من أدوات الاستثناء.
انتهى 4. ثم اعلم أنّ (لا) من (لا سيّما) هي العاملة عمل (إنّ) و (سيّ) اسمها، وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة؛ لأنه كـ (مثل) حكما لتوافقهما معنى 5. قال سيبويه: وسألت الخليل عن قول العرب: «ولا سيّما زيد» فزعم أنّه مثل قولك: «ولا مثل زيد» و (ما) لغو 6. انتهى.
وجوّز النحويون في الاسم الواقع بعد (لا سيما) الجرّ والرفع، وجوّزوا النصب أيضا إذا كان الاسم المذكور نكرة، وقد روي بيت امرئ القيس المتقدم بالأوجه الثلاثة 7. أمّا الجرّ في مثل (لا سيما) فعلى جعل (ما) زائدة، وإضافة (سيّ) إلى ما بعدها، وكأنّه قيل: «لا مثل زيد» وقد تقدّم قول الخليل: و (ما) لغو، أي: زائدة، وخبر (لا) محذوف لفهم المعنى.
ويجوز حذف (ما) فتقول: «ولا سيّ زيد».
قال الشيخ: ونصّ عليه سيبويه 8. -

................................  ونقل عن أبي علي 1 أنّه قال: إنّ (لا) ليست عاملة في (سيّ) وإنّما (سيّ) منصوب على الحال من الجملة السابقة، ولم تتكرر (لا) وإن كان قياسها التكرار، قال: فكأنك قلت: قام القوم غير مماثلين زيدا في القيام؛ ثم قال الشيخ: وما ذهب إليه فاسد، لجواز دخول الواو على (لا) وهو لا يجوز مع الحال، لا تقول: «جاء زيد ولا ضاحكا» 2. قال 3: وبعضهم زعم أنّ (لا) في (لا سيّما) زائدة، وهو غريب.
وأما الرفع فعلى جعل (ما) بمعنى الذي، وهي مخفوضة بإضافة (سيّ) إليها، والاسم الواقع بعد (لا سيما)، خبر مبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة، قاله سيبويه عن الخليل، وقال: و (لا سيّما زيد) كقولهم: (دع ما زيد).
انتهى 4 والتقدير: دع الذي هو زيد، كما تقدّر (لا سيّما زيد) لا مثل الذي هو زيد.
وذكر الناس 5 أنّ وجه الرفع فيه ضعف من جهتين: إحداهما: حذف صدر الصلة من غير طول وليس الموصول (أيّا)، والتزام حذفه دائما فلم ينطق به.
والثانية: إطلاق (ما) على آحاد من يعقل، والمشهور أنّ ذلك لا يجوز.
وخبر (لا) محذوف، كما تقدّم في وجه الجرّ ونقل الشيخ عن الأخفش أنه جعل (ما) بمعنى الذي - كما تقدم - إلا أنه لم يجعل «سيّا» مضافا إليها، بل جعلها 6 في موضع رفع على أنها خبر (لا)... قال: فكأنه قال: لا مثل -

................................  الشخص الذي هو زيد... ثم قال الشيخ: وهذا فاسد؛ لأنّ فيه عمل (لا) في خبرها وهو معرفة و (لا) لا تعمل في المعارف 1... ثم قال: وأجاز ابن خروف أن تكون (ما) نكرة موصوفة، وما بعدها من محذوف ومذكور صفة لها، كما قدرته صلة.
انتهى 2. وفيما أجازه ابن خروف مخلص من ارتفاع (ما) على العامل، وإلزام حذف صدر الصلة وإن لم تطل.
وأما النصب إذا كان الاسم نكرة فعلى التمييز.
وفي إعراب (ما) وجهان: أحدهما: أنها في موضع جرّ بالإضافة، وهي نكرة تامة، أي: ولا مثل شيء، ثم ميّز بالنكرة.
قال الشيخ: وهذا الإعراب الذي تلقفناه من أفواه الشيوخ 3 يعني أنّ (ما) نكرة تامة.
[3/ 58] الوجه الثاني - وأشار إليه المصنف -: أنّها كافة 4، لا موضع لها من الإعراب، وهي عوض من المضاف إليه، وانتصب ما بعدها على التمييز، كما كان ينتصب بعد المضاف إليه، كقولك: «لي مثله يوما» وكقولهم: «على التمرة مثلها زبدا».
قال المصنف: أشار إلى هذا الوجه الفارسي 5، واستحسنه الشلوبين 6 - - خبر (لا).
ينظر: التذييل (3/ 675)، والارتشاف (2/ 328).

................................  ولا بأس في كل ما وقع بعد (لا سيما) من صالح للتمييز.
انتهى 1. ولا يخفى أرجحية الوجه الثاني على الأول.
وقد ضعف الوجه الأول من جهة أنّ (مثل) تضاف إلى معرفة ليتخصص، نحو: «لي مثله رجلا» فلا ينبغي إضافتها إلى نكرة 2 إلّا أن يقال: لمّا ميّزت حصل التخصص كما لو أضيفت إلى معرفة.
وأما بيت امرئ القيس المتقدم فتخرّج رواياته الثلاث على ما تقدم من التقرير، والرفع فيه قويّ أيضا؛ لأنّ (ما) لم يقع فيه على العاقل، ولم تقصر الصلة بل طالت بذكر (دارة جلجل).
وجوّز المصنف في رواية النصب: نصب (يوما) على الظرف 3 وجعله صلة لـ (ما)... قال: (وبدارة جلجل) صفة لـ (يوما) أو متعلق به لما فيه من معنى الاستقرار 4. وجوّز أيضا جعل (بدارة جلجل) صلة (ما) ونصب (يوما) به لما فيه من معنى الاستقرار.
قال: فإنّ (ما) المذكورة قد توصل بظرف كقولك «يعجبني الاعتكاف لا سيّما عند الكعبة، والتهجد ولا سيّما إذا قرب من الصبح 5». ومنه قول الشاعر: - - الإضافة في قولهم: «على التمرة مثلها زبدا» من جهة منعها الإضافة إلى ما بعدها.
اه.
وواضح من كلامه أنّه لم يستحسن الوجه، إنما استحسن التوجيه.

................................  1767 - يسرّ الكريم الحمد لا سيّما لدى... شهادة من في خيره يتقلّب 1 وإلى هذه الأمثلة إشارة بقوله: وقد توصل بظرف.
وأمّا الوصل بجملة فعلية فكقولك: «يعجبني كلامك لا سيّما تعظ به».
ومنه قول الآخر: 1768 - فق النّاس في الخير لا سيّما... ينيلك من ذي الجلال الرضا 2 وأنشد المصنف شاهدا على مخفف (لا سيما) قول الشاعر: 1769 - فـ بالعقود وبالأيمان لا سيّما... عقد وفاء به من أعظم القرب 3 ولم ينشد شاهدا على (لا سواء ما).
قال الشيخ: والمحذوف من (لا سيما) المخفّف اللام، ويجوز أن يكون العين، وهي من باب (طويت) 4. قال: وإطلاق المصنف يدلّ على أنّ الرفع والجرّ جائزان بعد (لا سواء ما) كما جاز بعد (لا سيّما) 5. قال: وحكى ابن الأعربي أن العرب تقول: (لا مثلما) بمعنى (لا سيّما) -

................................  وأنّهما بمعنى واحد... قال: ونص على أن ما بعد (لا مثلما) يرفع ويجرّ كما بعد (لا سيّما) 1. قال: وقال الهنائي 2: لا ترما، ولا سيما، ولا مثلما بمعنى واحد.
قال: وذكر ابن الأعرابي (ولو تر ما) بمعنى (لا سيّما) 3 إلّا أنّه قال: لا يكون فيها إلّا الرفع - يعني في الاسم الذي بعدها - لأنّ (تر) فعل فلا يمكن زيادة (ما) بعدها وجرّ ما يلي (ما) بالإضافة؛ لأنّ الفعل لا يضاف، فـ (ما) موصولة بمعنى «الذي» وهي مفعولة بـ (تر)، و (زيد) خبر مبتدأ محذوف.
ثم (تر) إن كان قبلها (لا) احتملت وجهين: أحدهما: الجزم بـ (لا) على أنّها الناهية، والتقدير: لا تر أيّها المخاطب الذي هو زيد، فإذا قيل: «قام القوم لا تر ما زيد» كان المعنى: لا تبصر الشخص الذي هو زيد، فإنه في القيام أولى به منهم.
الثاني: أن تكون غير مجزومة على أنّ (لا) نافية، وحذفت ألف (تر) شذوذا كما حذفوا في (لا أدر) و (لا أبال) وهما منفيان.
وإن كان قبل (تر) (لو) فحذف الألف للشذوذ أيضا، كما ذكر في (لا) النافية، وجواب (لو) محذوف، والتقدير: لو تبصر الذي هو زيد لرأيته أولى منهم بالقيام، ونظيره قولهم: «لقد جاد الناس ولو رأيت زيدا» أي: لرأيت الجود العظيم 4. وقال الشيخ أيضا: ومن أحكام (لا سيّما) أنه قد يجيء بعدها الجملة الشرطية نحو قولك: «السؤال يشفي من الجهل لا سيما إن سألت خبيرا» وأنشد على ذلك -

................................  بيتا 1، ويحتاج إلى تخريج مثل هذا على وجه يتمشى على التقديرات المتقدمة.
ثم قال: ومن أحكامها أنّه لا يجيء بعدها الجملة بالواو نحو ما يوجد في كلام أكثر المصنفين من قولهم: «لا سيما والأمر كذلك» أو «لا سيّما والحالة هذه» وكذا لا يجوز حذف (لا) من (لا سيما) وقد أولع بذلك كثير من المصنفين 2.

جارٍ التحميل