تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 487-497

الباب السابع باب المضمر

صفحات 487-497

................................  هو كسر يلحق الاسم مثله، وهو كسر ما قبل ياء المتكلم لا كسر ما قبل ياء المخاطبة؛ فإنه خاص بالفعل فلا حاجة إلى صون الفعل منه.
وهذا فرق حسن لكنه مرتب على ما لا أثر له في المعنى؛ بخلاف الذي اعتبرته فإنه مرتب على صون من خلل ولبس فكان أولى» 1 انتهى.
ثم ها هنا تنبيهات: الأول: أن النون قد لا يقصد بها الوقاية من الكسر؛ بل المحافظة على بقاء سكون آخر تلك الكلمة التي تتصل النون بها، كما في من وأخواتها.
الثاني: قد تقدم أن النون كما تلحق الفعل المتصرف تلحق غير المتصرف، فتلحق هب أخت ظن، وعسى، وليس، وفعل التعجب؛ إلا أن ليس لشبه لفظها بلفظ ليت جاز خلوها منها، كما يخلو ليت أيضا؛ ولهذا سوى المصنف في متن الكتاب بينها وبين ليت في قلة الحذف معها 2. قال المصنف 3: ولم يرد ليسي إلا في نظم كقول الراجز: 205 - عددت قومي كعديد الطّيس... إذ ذهب القوم الكرام ليسي 4 وأما فعل التعجب فنقل الشيخ أن مذهب الكوفيين فيه لحاق النون جوازا لا لزوما.
قال: «واختاره بعض أصحابنا فيقول: ما أجملني وما أجملي وما أظرفني وما أظرفي».
قال الشيخ: «وما أجازه الكوفيّون هو سماع عن العرب.
وقد استعمله بعض مشايخنا النّحاة الأدباء في شعره [1/ 150] فقال: -

................................  206 - يا حسنا ما لك لم تحسن... إلى نفوس في الهوى متعبة طرّزت بالورد وبالسّوسن... صفحة خدّ بالسّنا مذهبة يا حسنه إذ قال ما أحسني... ويا لذاك اللّفظ ما أعذبه قلت له كلّك عندي سنا... وكلّ ألفاظك مستعذبة 1 في أبيات ذكرها 2. الثالث: قال المصنف: «حكى سيبويه: «عليكني وعليك بي» 3 وسمع الفراء بعض بني سليم يقول: «مكانك» يريد انتظرني في مكانك. وإذا أعملت رويد في الياء، قلت: رويدني أي أمهلني، وكذلك يفعل بكل متعد من أسماء الأفعال». الرابع: قال المصنف: كان مقتضى الدليل استواء ليت وأخواتها في لحاق النون لشبهها بالأفعال المتعدية، لكن استثقل لحاقها بأواخر غير ليت لأجل التضعيف، فحسن حذفها تخفيفا وثبوتها للشبه المذكور، ولم يكن في ليت معارض للشبه فلزمها ثبوتها في غير ندور 4، ولم يرد الحذف إلا في نظم كقول زيد الخيل 5: 207 - كمنية جابر إذ قال ليتي... أصادفه وأفقد بعض مالي 6

................................  ولما نقص شبه لعل بالفعل من أجل أنها تعلق في الغالب ما قبلها بما بعدها 1، ومن أجل أنها تجر على لغة ضعف موجب لحاق النون المذكورة لها، فكثر «لعلّي» كقوله تعالى حكاية: لَعَلِّي أَبْلُغُ 2، ولَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ 3. وقلّ «لعلني» ومنه قول الشاعر: 208 - فقلت أعيراني القدوم لعلّني... أخطّ بها قبرا لأبيض ماجد 4 قال الشيخ: «ما ذهب إليه المصنف من حذف نون الوقاية من إنّ وأنّ وكأنّ ولكنّ هو مذهب الأكثرين.
وذهب بعضهم إلى أنّ الساقط هو النون الثانية، والأولى مدغمة في نون الوقاية» 5. الخامس: قال المصنف 6: «لحاق النون مع لدن أكثر من عدم لحاقها، وزعم سيبويه أن عدم لحاقها من الضرورات وليس هو كذلك بل هو جائز في الكلام الفصيح، ومن ذلك قراءة نافع 7:... - - في الألفية: وليتني فشا وليتي ندرا... إلخ، وفرق بين الندور والضرورة.
والبيت في معجم الشواهد (ص 315)، وفي شرح التسهيل (1/ 136)، وفي التذييل والتكميل (2/ 186).

................................  مِنْ لَدُنِّي عُذْراً 1 بتخفيف النون وضم الدال. ولا يجوز أن يكون نون لدني نون الوقاية ويكون الاسم لد؛ لأن لد متحرك الآخر، والنون في لدن وأخواته إنما جيء بها لصون أواخرها من زوال السكون، فلا حظ فيها لما آخره متحرك، وإنما يقال في لد مضافا إلى الياء لدي. نص على ذلك سيبويه 2. وقرأ أبو بكر 3 مثل نافع إلا أنه أشم الدال ضمّا، وقرأ الباقون بضم الدال وتشديد النون مدغمين نون لدن في نون الوقاية. السادس: قال المصنف: معنى بجل: حسب، وكذلك معنى قد وقط، ومن قال: بجلي وقدي وقطي بلا نون، فلشبهها بحسب، إلا أن بجل أشبه لأنه ثلاثيّ مثله، ولمساواته له في اشتقاق فعل منه؛ إذ قيل أبجله وأحسبه بمعنى كفاه، فلذلك فاق عدم النون مع بجل ثبوتها بخلاف قد وقط. وفي الحديث: «قط قط بعزّتك وكرمك» 4 يروى بسكون الطاء وبكسرها مع ياء ودون ياء، ويروى قطني قطني بنون الوقاية وقط التنوين وبالنون أشهر [1/ 151]. قال الراجز: 209 - امتلأ الحوض وقال قطني... مهلا رويدا قد ملأت بطني 5

................................  وقال آخر في قدني: 210 - قدني من نصر الخبيبين قدي... ليس الإمام بالشّحيح الملحد 1 قال الشيخ 2: ما ذكره المصنف من أن الياء مجرورة بالإضافة إليها مع قد؛ هو مذهب سيبويه والخليل 3، ونقل الكوفيون في قد وقط وجهين عن العرب: أحدهما: أنهما اسما فعل وهما مبنيان على السكون، وينصبون بهما فيقولون: قط زيدا درهم، وإذا اتصل بهما ضمير المتكلم لحقتهما نون الوقاية.
والثاني: أن من العرب من يقول: قد عبد الله درهم، وقط عبد الله درهم؛ فيرفعهما ويجر ما بعدهما بإضافتهما إليه، ويكونان بمعنى حسب، وإذا أضاف إلى نفسه لا تلحق نون الوقاية كما لا تلحق حسب، وقد ذكر المصنف في باب أسماء الأفعال: أنهما يكونان اسمي فعل في أحد الوجهين 4، وذكر في باب تتميم الكلام: أنّ قد تكون اسما لكفى 5. قال 6: والذي أختاره أن من قال من العرب قدني وقطني فإنهما عنده اسم فعل والياء في موضع نصب، ومن قال قدي وقطي فهما بمعنى حسب والياء في موضع جر، كما فعل الكوفيون.
انتهى.
ومثال الحذف مع من وعن قول الشاعر: -

................................  211 - أيّها السّائل عنهم وعني... لست من قيس ولا قيس مني 1 قال الشيخ: «ظاهر كلام المصنّف أنّ حذف النّون من: من وعن وقد وقط؛ جائز في الكلام، ونصّ أصحابنا على أنّ الحذف لا يكون إلّا في الضرورة» انتهى 2. وبقي الكلام من الفصل على مسألتين: الأولى: أن نون الوقاية قد تلحق مع اسم الفاعل وأفعل التفضيل، وهذا كالاستثناء من الأصل المتقدم؛ وهو أن نون الوقاية لا تلحق مع الصفة ناصبة كانت أو جارة. فمثال اسم الفاعل ما أنشده الفراء 3 من قول الشاعر: 212 - وما أدري وظنّي كلّ ظنّ... أمسلمني إلى قوم شراحي 4

................................  وأنشد ابن طاهر 1 في تعليقه على كتاب سيبويه: 213 - وليس بمعييني وفي النّاس ممتع... صديق إذا أعيا عليّ صديق 2 قال: وأنشد غيرهما: 214 - وليس الموافيني ليرفد خائبا... فإنّ له أضعاف ما كان آملا 3 قال المصنف 4: «ومعييني والموافيني يرفعان توهم كون نون مسلمني تنوينا؛ لأن ياء المنقوص المنون لا ترد عند تحريك التنوين لملاقاة ساكن نحو: أغاد ابنك أم رائح؟ وياء معييني الثانية ثابتة في: وليس بمعييني، فعلم أن النون الذي وليه ليس تنوينا وإنما هو نون الوقاية؛ ولذلك ثبت مع الألف واللام في الموافيني.
وأيضا فإن التنوين إذا اتصل بما هو معه كشيء واحد، حذف تنوينه نحو: وابن - - ثم أنشد البيت المذكور ومعه بيت آخر وقال: «لم يقل أمسلمي وهو وجه الكلام».
(معاني القرآن: 2/ 386). وانظر البيت في معجم الشواهد (ص 89)، وفي شرح التسهيل (1/ 138)، وفي التذييل والتكميل (1/ 187).

................................  زيداه ولا [1/ 152] يقال: وابن زيدناه فتحرك التنوين؛ بل تحذف لأن زيادة الندبة والمندوب كشيء واحد، وكذا ياء المتكلم مع متلوها كشيء واحد؛ ولذا كسر ما قبلها كما كسر ما قبل ياء النسب.
وأيضا فمقتضى الدليل مصاحبة النون الياء مع الأسماء المعربة لتقيها خفاء الإعراب؛ فلما منعوها ذلك كان كأصل متروك فنبهوا عليه في بعض أسماء الفاعلين، ومن ذلك قراءة بعض القراء: (هل أنتم مطلعون) بتخفيف الطاء وكسر النون 1. وفي البخاري 2 أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لليهود: «هل أنتم صادقوني؟» 3 كذا في ثلاثة مواضع في أكثر النسخ المعتمد عليها» انتهى.
وإنما احتاج المصنف إلى إقامة الدليل على ما ذكر؛ لأن غيره يدعي أن النون في أمسلمني نون التنوين لا نون الوقاية.
قال ابن عصفور في المقرب 4: -

................................  وإذا كان معمول اسم الفاعل ضميرا متصلا لم يثبت فيه نون ولا تنوين، وقد يثبتان في الضرورة نحو قوله: «وما أدري وظنّي» البيت المتقدم الإنشاد، ونحو قول الآخر: 215 - ولم يرتفق والنّاس محتضرونه... جميعا وأيدي المعتفين رواهقه 1 ومثال أفعل التفضيل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «غير الدّجّال أخوفني عليكم» 2. قال المصنف 3: «لما كان لأفعل التفضيل شبه بالفعل معنى ووزنا، وخصوصا بفعل التعجب - اتصلت به النون المذكورة، قال: والأصل في الحديث: أخوف مخوّفاتي عليكم؛ فحذف المضاف إلى الياء وأقيمت هي مقامه، فاتصل أخوف بالياء معمودة بالنون، كمل فعل بأسماء الفاعلين المذكورين، وأفعل على هذا الوجه مصوغة من فعل المفعول كقولهم: «أشغل من ذات النّحيين» 4، و «أزهى من ديك»، وقوله عليه الصلاة والسّلام: «أخوف ما أخاف على أمّتي الأئمّة المضلّون» 5. ويجوز أن يكون من أخاف؛ لأن صوغ أفعل التفضيل من فعل على أفعل مطرد عند سيبويه، فيكون المعنى على هذا: غير الدّجّال أشدّ إخافة عليكم من الدّجّال، -

................................  ويجوز أن يكون من باب وصف المعاني على سبيل المبالغة بما يوصف به الأعيان، كما يقال: شعر شاعر، وخوف خائف، وموت مائت، وعجب عاجب، ثم يصاغ أفعال باعتبار ذلك المعنى، فيقال: شعرك أشعر من شعره، وخوفي أخوف من خوفك ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم 1: «أشعر كلمة تكلّمت بها العرب كلمة لبيد: 216 - ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل»... [وكلّ نعيم لا محالة زائل] 2 ومنه أيضا قول الشاعر: 217 - يداك يد خيرها يرتجى... وأخرى لأعدائها غائظه فأمّا الّتي يرتجى خيرها... فأجود جودا من اللّافظه وأمّا التي يتّقى شرّها... فنفس العدوّ بها فائظه 3 وتقدير الحديث مسلوكا به هذا السبيل.
خوف غير الدّجّال أخوف خوفي عليكم؛ فحذف المضاف إلى غير، وأقيم غير مقامه، وحذف المضاف إلى الياء، وأقيمت الياء مقامه، فاتصل أخوف بالياء -

................................  معمودة بالنون على ما تقرر 1. المسألة الثانية 2 [1/ 153]: بقاء نون الوقاية أو حذفها إذا لقيت مثلها ودعت الحاجة إلى حذف أحدهما: قال المصنف: «لما كان للفعل بهذه النون صون ووقاية مما ذكر، حوفظ على بقائها فيه مطلقا، أي إذا لقيها مثلها ودعت الحاجة إلى حذف فهي الباقية عند سيبويه 3 في قول الشاعر: 218 - تراه كالثّغام يعلّ مسكا... يسوء الفاليات إذا فليني 4 أراد فلينني فحذفت الأولى وبقيت الثانية.
-

جارٍ التحميل