تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4237-4276

الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]

صفحات 4237-4276

................................  والنهي فيما ذكرنا كالأمر فإنما ينجزم بعده المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه 1 دلالة ظاهرة ويستلزمه لزوما بيّنا وهو شرط ترك الفعل المنهي عنه، وعلامة ذلك: صحة تقدير «إن لا تفعل» مكان النهي، تقول: لا تعص الله تنل رضاه؛ لأنك لما نهيت عن المعصية وطلبت تركها دل على أنه سبب وشرط لشيء وكان ذلك الشيء عندك نيل الرضا؛ فجزمت بناء على ما دل عليه النهي كأنك قلت: إن لا تعص الله تنل رضاه، وتقول: لا تدن من الأسد يأكلك؛ فترفع على الاستئناف، ولا يجوز جزمه على معنى: إن لا تدن من الأسد يأكلك؛ لأن التباعد من الأسد لا يكون سببا لأكله، ولا على معنى: إن تدن من الأسد يأكلك؛ لأن لفعل النهي دلالة ظاهرة على أن تركه شرط لفائدة فيصح جزم الفعل بعده إذا حسن تقدير «إن لا تفعل» مكانه وجعل ذلك الفعل جوابا، وليس لفعل النهي دلالة ظاهرة على أن فعله شرط لشيء فلا يجوز جزم [5/ 128] الفعل بعده بأنه جواب لشرط مخالف، وأجاز الكسائي فيه الجزم كما يجوز فيه النصب بعد «الفاء»، قال سيبويه 2: لا تدن من الأسد يأكلك، قبيح إن جزمت وليس وجه كلام الناس؛ لأنك لا تريد أن تجعل تباعده من الأسد سببا لأكله فإن رفعت فالكلام حسن، وإن أدخلت الفاء فحسن، وذلك قولك: لا تدن من الأسد فيأكلك، وليس كل موضع تدخل فيه الفاء يحسن فيه الجزم ألا ترى أنك تقول: ما تأتينا فتحدثنا، والجزاء هنا محال، وإنما قبح الجزم في هذا؛ لأنه لا يجيء فيه المعنى الذي يجيء إذا دخلت الفاء.
ومراد سيبويه بـ «قبيح» أنه غير مستعمل، وب «حسن» أنه مستعمل.
وحاصل الفرق بين النصب والجزم بعد النهي: أن الجزم إنما يجوز في فعل يصح كونه جوابا لشرط مقدر دل عليه النهي كما في قولك: لا تدن من الأسد تنج، وأما النصب فإنما يجوز في فعل مسبب عن فعل قبل «الفاء» منهي عنه طلبا لنفي المسبب بانتفاء سببه كما في قولك: لا تعص الله فتدخل النار، فالمجزوم بعد النهي لنفي ما قبله، والمنصوب بعده لازم لثبوت ما قبله، فوضح الفرق بين الموضعين.
وتقول: لا تدن من الأسد فتسلم بالرفع على إضمار مبتدأ، أو على الاستئناف، ولا يجوز أن ينصب؛ لأن دنو -

................................  الأسد لا يكون سببا للسلامة فيصح تقديره بـ: إن لا يكن منك دنو فسلامة.
وقد جاء من السماع ما يصلح أن يحتجّ به الكسائي كقول بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين: «يا رسول الله، لا تشرف يصبك سهم» 1، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أكل من هذه الشّجرة فلا يقرب مسجدنا يؤذنا» 2 فيمن رواه بالجزم، ورواية الرفع أكثر، وحمل ما جاء من ذلك على الإبدال أولى من حمله على الشذوذ 3. انتهى كلام بدر الدين رحمه الله تعالى.
وأنا أشير بعد ذلك إلى أمور: منها: أن تمثيله بقوله: حسبك ينم النّاس، واتّقى الله امرؤ، وفعل خيرا يثب عليه - يعلم منه أن الخبر المستفاد منه الأمر قد يكون جملة اسمية وقد يكون جملة فعلية؛ لأنهم ذكروا أن خبر «حسبك» محذوف لا يظهر وتقديره: حسبك السكوت والجملة ضمّنت معنى: اكتف، كما أن الجملة الفعلية التي هي: «اتقى الله امرؤ» ضمّنت معنى: ليتق الله امرؤ.
وذهب جماعة منهم ابن طاهر (4) إلى أنه مبتدأ لا خبر له، قالوا: لأن معناه: اكتف، فلم يحتج إلى خبر؛ لأنه في معنى ما لا يخبر عنه.
ونقل الشيخ 4 عن بعض الجماعة من المغاربة أنه اسم فعل مبني والكاف للخطاب، قال: وإنما ضمّ آخره؛ لأنه قد كان معربا فحمل على «قبل» و «بعد»، قال 5: وزعم الأعلم أنه لا خبر له؛ لأنه مهمل والإهمال عنده يرفع الاسم قال: ولما استعمل استعمال ما ليس له خبر وهو: اكتف لم يحتج إلى خبره، وردّ 6 ذلك بأن «حسبك» وحده يتم منه كلامه، وكلام تام من جزء واحد غير موجود.
ومنها: أن الكسائي إنما أجاز أن يكون للأمر بلفظ الخبر ولاسم الفعل جواب -

[حكم الفعل المعطوف بالواو أو الفاء على الشرط أو الجواب]

قال ابن مالك: (وقد تضمر «أن» النّاصبة بعد «الواو» و «الفاء» الواقعتين بين مجزومي أداة شرط، أو بعدهما، أو بعد حصر بـ «إنّما» اختيارا، أو بعد الحصر بـ «إلّا» والخبر المثبت الخالي من الشّرط اضطرارا، وقد يجزم المعطوف على ما قرن بـ «الفاء» اللّازم لسقوطها الجزم، والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي» جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب).
منصوب بعد «الفاء»؛ لأن «الفاء» عنده ليست عاطفة؛ لأن النصب عنده بالخلاف لا بإضمار «أن» كما تقدم، ولكن قد علم فساد هذا القول - أعني أن النصب بالخلاف - وإذا كان فاسدا فالمرتب عليه فاسد.
ومنها: أن قول الإمام بدر الدين رادّا على من أجاز النصب في نحو: نزال فأنزل: وليس في كون «نزال» وشبهه مشتقّا من لفظ المصدر ما يسوغ تأويله بالمصدر إلى آخر كلامه - يقتضي أن النصب بعد «الفاء» أو «الواو» في الأجوبة المعروفة من شرطه أن الجملة المتقدمة على أحد الحرفين المذكورين لا بد أن تشتمل على فعل أو ما فيه معنى الفعل من مشتق أو ظرف أو جار ومجرور، وكلام ابن عصفور يقتضي ذلك، وقد تقدم لنا ذكر ذلك عنه عند الكلام على جواب الاستفهام، على أنه قد صرح بذلك في غير الاستفهام.
وحاصل ما يطابق عليه كلام ابن عصفور وابن المصنف والشيخ أن الجملة الاسمية المتقدمة إذا لم يكن فيها مشتق ولا ظرف ولا جار ومجرور لا يجوز نصب الجواب المقرون بـ «الفاء» بعدها، وقد تقدم البحث في ذلك، ولا يظهر لي وجه امتناع النصب في: هل أخوك زيد فنكرمه؟ لأن المصدر يمكن تقديره، ولكن الأئمة قد منعوا ذلك فوجب الاستمساك بقولهم.
ومنها: أن قول الإمام بدر الدين: واعلم أن الأمر إنما يجزم بعد المضارع إذا كان جوابا لما يدل عليه دلالة ظاهرة إلى آخر الفصل - كلام منقّح، والظاهر أنه من نتيجة فكره وقوة نظره ولا شك أنه أهل لذلك رحمه الله تعالى.
قال ناظر الجيش: قال الإمام بدر الدين 1 رحمه الله تعالى: قد تضمر «أن» -

................................  الناصبة بعد «واو» الجمع و «فاء» الجواب في غير المواضع المذكورة وذلك على ضربين: أحدهما جائز في الاختيار وسعة الكلام، والآخر مخصوص بالضرورة، فيجوز في الاختيار إضمار «أن» الناصبة بعد «الواو» و «الفاء» الواقعتين بين مجزومي أداة شرط أو بعدهما، أو بعد حصر بـ «إنّما».
مثال الأول: إن تأتني فتحدثني أكرمك، فتنصب ما بعد «الفاء»؛ لأن الشرط غير واجب فيجوز أن يلحق بالنفي، قال سيبويه 1: وسألت الخليل عن قوله: إن تأتني فتحدثني وإن تأتني وتحدثني أحدثك فقال: هذا يجوز والجزم الوجه، ووجه نصبه أنه حمل على الاسم كأنه أراد أن يقول: إن يكن منك إتيان فحديث أحدثك، فلما قبح أن يرد الفعل على الاسم نوى «أن»؛ لأن الفعل معها اسم، وإنما كان الوجه [5/ 129] الجزم؛ لأنه إذا نصب كان المعنى معنى الجزم فيما أراد من الحديث، وأنشد الشيخ 2 رحمة الله تعالى عليه: 3885 - ومن يقترب منّا ويخضع نؤوه... ولم يخش ظلما ما أقام ولا هضما 3 وأما قول زهير: 3886 - ومن لا يقدّم رجله مطمئنّة... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق 4 فنصب «يثبت» فيه؛ لأن الفعل المتقدم على «الفاء» منفي ولجواب النفي النصب -

................................  في مجازاة أو غيرها. وأجاز الكوفيون 1 نصب المعطوف على الشرط بـ «ثم» كما في «الواو» و «الفاء»، ومنه قراءة الحسن 2: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثمّ يدركه الموت). ومثال الثاني: إن تأتني آتك وأحسن إليك، والوجه فيه الجزم على الاشتراك في معنى الجزاء، والرفع على الاستئناف، ويجوز نصبه بإضمار «أن» على تقدير: إن تأتني يكن إتيان وإحسان، وحكى سيبويه 3 أن بعضهم قرأ 4: (يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذّب من يشآء)، ثم قال 5: واعلم أن النصب بـ «الفاء» و «الواو» في قولك: إن تأتني آتك وأعطيك - ضعيف وهو نحو من قوله: 3887 - وألحق بالحجاز فأستريحا 6 فهذا يجوز وليس بحدّ الكلام ولا وجهه إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجب كالاستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه وإن كان معناه كمعنى ما قبله، وأنشد للأعشى: 3888 - ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى... مصارع مظلوم مجرّا ومسحبا وتدفن منه الصّالحات، وإن يسئ... يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا 7

................................  ومثال الثالث: قراءة عبد الله بن عامر رضي الله تعالى عنه: وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون 1 بالنصب 2 على تقدير: فإنما يكون منه كن فيكون من ذلك الأمر وهو نادر لا يكاد يعثر على مثله إلا في ضرورة من الشعر.
فأما قولهم: فإنما هي ضربة من الأسد فيحطم ظهره 3، فمن النصب بإضمار «أن» جوازا لعطف مصدر مؤول على مصدر صريح، والمعنى: هي ضربة فحطمة، لا من باب قراءة ابن عامر.
ويختص بالضرورة إضمار «أن» الناصبة بعد الحصر بـ «إلا» كما في قولك: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وبعد الخبر المثبت الخالي من الشرط كقول الشاعر: 3889 - سأترك منزلي لبني تميم... وألحق بالحجاز فأستريحا 4 أصل الكلام: وألحق بالحجاز فأستريح، ولكن لما كان الروي مفتوحا اضطر فنصب على تقدير: يكون لحاق فاستراحة، ومثله قول طرفة: 3890 - لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها... ويأوي إليها المستجير فيعصما 5 وقول الأعشى: 3891 - ثمّت لا تجزونني عند ذاكم... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا 6

    • فتكون مشهورة كنار في رأس جبل، والبيتان من قصيدة طويلة للأعشى هجا فيها عمرو بن المنذر.
      والشاهد: في «وتدفن» حيث نصب بإضمار «أن» وعلل ذلك الأعلم بقوله: لأن جواب الشرط قبله وإن كان خبرا فإنه لا يقع إلا بوقوع الفعل الأول فضارع غير الواجب.
      وانظر البيتين في المقتضب (2/ 21)، والأعلم بهامش الكتاب (1/ 449) (بولاق) والتذييل (6/ 666)، اللسان «كبب».

................................  وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم 1، وهي الفاء الواقعة في جواب شرط أو طلب، أما الشرط: فلأنه إذا عطف على جوابه المقرون بالفاء مضارع فالوجه رفعه كقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 2؛ لأن الكلام الذي بعد «الفاء» أجري مجراه في غير الجزاء، فحق ما عطف عليه أن يكون كذلك، ويجوز فيه النصب بإضمار «أن»، والجزم أيضا بالعطف على موضع «الفاء» كقراءة بعضهم 3 من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم في طغيانهم يعمهون 4، ونظّر سيبويه 5 الجزم فيه بالنصب في قوله: 3892 - فلسنا بالجبال ولا الحديدا 6 وأما الطلب: فإذا عطف على جواب المقرون بـ «الفاء» مضارع كما في قوله: زرني فأزورك وأحسن عشرتك، فلك في المعطوف النصب على التشريك في عمل «أن» المضمرة، والرفع على الاستئناف، والجزم على توهم حذف الفاء، ومنه قراءة بعضهم 7: - - والشاهد فيه: نصب «يعقب» بـ «أن» مضمرة بعد «الفاء» الواقعة بعد الخبر المثبت وهو ضرورة، ويجوز أن يريد النون الخفيفة وهو أسهل في الضرورة، والبيت في الكتاب (3/ 39)، والتذييل (6/ 671).

................................  لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ 1، فالجزم في ذا نظير الجر في قوله: 3893 - ولا سابق شيئا إذا كان جائيا 2 وحكى الفراء 3 عن العرب: الرفع والجزم في المضارع المنفي بـ «لا» الصالح قبلها «كي» وأنهم يقولون: ربطت الفرس لا ينفلت ولا ينفلت، وأوثقت العبد لا يفرّ ولا يفرر، قال: وإنما جزم لأن تأويله: إن لم أربطه فرّ فجزم على التأويل، وأنشد لرجل من عقيل: 3894 - وحتّى رأينا أحسن الفعل بيننا... مجاملة لا يقرف الشّرّ قارف 4 ولآخر: 3895 - لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا... أتيتنا ماشيا لا يعرف الفرس 5 بجزم «يقرف» و «يعرف» ورفعهما.
هذا آخر كلام بدر الدين 6، وقال والده رحمه الله تعالى في شرح الكافية 7: إذا أخذت أداة الشرط جوابها وذكر بعده مضارع بعد «فاء» أو «واو» جاز جزمه عطفا على الجواب، ورفعه على الاستئناف، ونصبه على إضمار «أن»، قال -

................................  سيبويه: فإذا انقضى الكلام ثم جئت بـ «ثمّ» فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت، وكذلك «الواو» و «الفاء»، إلا أنه يجوز النصب بالفاء والواو، وبلغنا أن بعضهم قرأ 1: (يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذّب من يشآء).
وروي بالأوجه الثلاثة «ونأخذ» من قول الشاعر: 3896 - فإن يهلك أبو قابوس يهلك... ربيع النّاس والبلد الحرام ونأخذ بعده بذناب عيش... أجبّ الظّهر ليس له سنام 2 وجاز النصب بعد «الفاء» و «الواو» إثر الجزاء؛ لأن مضمونه لم يتحقق وقوعه فأشبه الواقع بعده الواقع بعد الاستفهام.
قال: وأنشد الفراء في كتاب «المعاني» 3: 3897 - فإن يهلك النّعمان تعر مطيّه... وتخبأ في جوف العياب قطوعها وتنحط حصان آخر اللّيل نحطة... تقضّب منها أو تكاد ضلوعها 4 فنصب «تخبأ» وجزم «تنحط».
-

................................  ثم قال 1: وإن خلا الفعل المتوسط بين الشرط والجزاء من الفاء والواو جزم، وجعل بدلا من الشرط، أو رفع وكان في موضع نصب على الحال، فمثال المجزوم المجعول بدلا 2 قول الشاعر: 3898 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا 3 ومثال المرفوع [5/ 130] المقدر في موضع الحال قول الآخر: 3899 - متى تأته تعشو إلى ضوء ناره... تجد خير نار عندها خير موقد 4

    • التي توضع على الرحل استعدادا للرحيل، وقوله: «وتنحط حصان» أي تزفر حزنا لفقده، وتذكرا لمعروفه وفضله، وقوله: «تقضب» أي تزفر حتى تكاد ضلوعها تكسر من شدة الزفير، والتقضب التكسّر، و «الحصان»: المرأة العفيفة، وهي ذات الزوج أيضا، وإنما خص آخر الليل؛ لأنه وقت هبوبها من نومها، فعند ذلك تتذكره، وتزفر من أجله، وأيضا فإنه وقت يرغب فيه العدو الغارة، فتذكر النعمان لذبه عنها ونصره لها.
      والشاهد فيهما: نصب «تخبأ» بإضمار «أن»، وجزم «تنحط» عطفا على محل «تخبأ»؛ لأن «تخبأ» يصح جزمه عطفا على ما قبله وهو «تعر» الواقع جوابا للشرط، فكان المجزوم بعده معطوفا على محله.
      والبيتان في معاني القرآن (1/ 87)، والتذييل (6/ 668)، واللسان «نحط».

................................  انتهى.
وإنما ذكرت حكم الفعل الخالي من «الفاء» و «الواو» هنا قبل الدخول في فصل «الجوازم» لتعلقه بما ذكر قبله، ولا يخفى أننا استفدنا من جزم «تنحط» بعد نصب «تخبأ» أن الفعل المعطوف على فعل منصوب واقع بعد فعل الجزاء يجوز فيه ثلاثة الأوجه: النصب والرفع والجزم؛ لأن الجزم إذا جاز كان النصب والرفع أجوز؛ لأن النصب بالعطف على لفظ ما قبله، والرفع على الاستئناف، وأما الجزم فإنما هو على الموضع؛ لأن «تخبأ» مثلا في البيت يجوز فيه الجزم عطفا على ما قبله، فكان المجزوم بعده معطوفا على محله.
وإذا عرف ذلك فلنرجع إلى ألفاظ الكتاب ونقول: قوله: بين مجزومي أداة شرط أراد به الجزم لفظا أو محلّا، فلو كان الفعلان ماضيين كان حكم الفعل الواقع بينهما كذلك ثم إنه لا يلزم ذكرهما معا، فقد يكون الجزاء محذوفا لدليل، ويكون حكم النصب باقيا، قال الشاعر: 3900 - فلا يدعني قومي صريحا لحرّة... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر 1 فقوله «ويسلم» واقع بين مذكور ومحذوف، التقدير: لئن كنت مقتولا ويسلم عامر فلا يدعني قومي، وإنما حذف لدلالة ما قبل عليه كقولهم: أنت ظالم إن فعلت.
وقوله: أو بعدهما أي: بعد فعلي الشرط، ولا يريد خصوصية الفعل، بل لو كان الجزاء جملة اسمية كان الحكم كذلك، قال الله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 2 قرئ 3 -

................................  (ويكفّر) بالرفع والنصب والجزم على موضع فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ 1، على أن الجزم في هذه الآية الشريفة وفي مثلها كقوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ 2 قد أشار إليه المصنف بقوله: وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء اللازم لسقوطها الجزم، وأما النصب في نحو هاتين الآيتين الشريفتين فقد يقال: ليس في كلام المصنف ما يدل على جوازه، لأنه قيّد الكلام أولا بقوله: بين مجزومي أداة شرط وأشار آخرا إلى الجزم بقوله: وقد يجزم المعطوف على ما قرن بالفاء ولم يتعرض إلى ذكر النصب.
وفي شرح الشيخ بعد أن مثّل بالآيتين الشريفتين 3: ولم يذكر سيبويه 4 النصب هنا فلعله منعه لضعفه في الأصل وهو أن يكون فعل الجزاء مجزوما فأجري هنا، قال: والرفع وجه الكلام؛ لأن المعطوف عليه ليس مجزوما.
ولا يقبل لفظه الجزم.
انتهى.
وبعد: فإذا كان النصب ثابتا في إحدى القراءات السبع تعيّن الاعتراف بصحته، وارتفع الإشكال 5. ومما نبّه عليه الشيخ 6: أن فعل الجزاء لو كان معمولا لغير الشرط فالرفع يحسن نحو: إن تأتني فلن آتيك وأجفوك، وإن أتيتني لم آتك وأجفوك، ويجوز الجزم والنصب، والذي نبه عليه واضح.
وأما نصب الفعل بعد الحصر بـ «إنما» فقد عرفت قول المصنف: أو بعد حصر بـ «إنّما» اختيارا.
وقال في شرح الكافية بعد أن ذكر إجراء التقليل مجرى النفي في إيلائه جوابا منصوبا 7: وكذلك أجروا الحصر بـ «إنما» كقولهم: إنما هي ضربة من الأسد -

................................  فتحطم ظهره، وعليه قراءة ابن عامر: فإنما يقول له كن فيكون 1. وقد عرفت أن بدر الدين خرّج قولهم: إنما هي ضربة من الأسد فيحطم ظهره، على أنه من النصب بإضمار «أن» جوازا لعطف مصدر مؤول على مصدر صريح، والذي قاله حق، وأنه قال بعد أن ذكر قراءة ابن عامر: وهو نادر لا يكاد يعثر على مثله إلا في ضرورة من الشعر.
وهذا من بدر الدين رحمه الله تعالى ليس إنكارا لقراءة ابن عامر إذ لا يمكن إنكارها، وإنما هو إنكار أن يكون مقتضى النصب هو الحصر بـ «إنما» فإن ذلك لم يكن مجمعا عليه، إذ ذكر النحاة للنصب مسوغا غير ذلك، فمنهم من قال: إنه جاء على النصب في الواجب، ونسب ذلك إلى الشلوبين 2، وردّ هذا القول بأن النصب في الواجب إنما بابه الشعر 3. وقراءة ابن عامر ثابتة بالتواتر، ومنهم من قال 4: إن مسوغ النصب وقوع الفعل جوابا للأمر، وردّ 5 ذلك أيضا بأن كُنْ هنا ليس أمرا على الحقيقة؛ لأن المعدوم لا يصح خطابه، إنما جرى ذلك على معنى سرعة التكوين كأنه قال تعالى: إنما شأننا مع المقدورات أن تتعلق قدرتنا بها فتكون بغير تأخير، ولا لفظ هناك ولا نطق، فعبّر بالقول عن التعلق.
والحاصل: أن القول في الآية الشريفة كناية عن سرعة الخلق والتمكن من إيجاد ما يريد الله تعالى إيجاده، إذ المعدوم لا يؤمر، وخرّج الشيخ 6 ذلك على أن يكون من المنصوب بعد الفاء بعد جواب الشرط؛ لأنه تقدّمه: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فـ «إذا قضى» شرط، و «فإنما» جوابه وصار نظير قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ في قراءة من نصب 7. وقد يقال للشيخ: المسوغ للنصب بعد «الفاء» إثر الجزاء كون مضمونه لم يتحقق وقوعه كما تقدم، حتى يشبه الواقع بعد الجزاء الواقع بعد الاستفهام، -

................................  ولا شك أن الشرط والجزاء في قوله تعالى: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ محققا الوقوع، وإذا كانا بهذه الحيثية انتفت مشابهة الاستفهام، وإذا انتفت مشابهة الاستفهام انتفى المسوغ للنصب، والأولى أن يقال: اكتفى في النصب بصورة الأمر، والأمر ينصب جوابه، فلما اشتمل هذا التركيب على صورة أمر وجواب في اللفظ عومل بما يعامل به الأمر والجواب الحقيقيان.
وعلى هذا يقال: مجموع الكلام من الأمر والجواب هو الكناية عن سرعة الخلق والإيجاد، لا القول وحده 1، وهذا النوع هو الذي يقال فيه عند أصحاب [5/ 131] علم «البيان»: إنه التمثيل على سبيل الاستعارة.
وهو «المجاز المركب» عندهم.
وقال الشيخ 2: قول المصنف: (اللّازم لسقوطها الجزم)، يشمل صورتين، ويحترز به من صورتين: أما المشمولتان: فأن تكون «الفاء» دخلت على ما لا يقبل الجزم، لكن لو حلّ مكانه ما يقبل الجزم لجزم نحو ما تقدم من قوله تعالى: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ 3 وأن تكون «الفاء» قد دخلت على نفس المضارع فارتفع، فلو حذفت الفاء لا يجزم الفعل على الجواب.
وأما الصورتان المحترز عنهما: فإحداهما: لا يلزم لسقوطها الجزم بل يجوز، والثانية: لا يلزم بل يمتنع.
فالصورة الأولى: إذا نصبت ما قرن بالفاء بعد فعل الشرط قبل فعل الجزاء، وكان الفعل المنصوب بعد «الفاء» قريبا من معنى الشرط، فإنك إذا حذفت «الفاء» جاز الجزم على البدل من فعل الشرط، وجاز الرفع على أن يكون الفعل في موضع الحال، مثال ذلك: إن تأتني فتمشي إليّ وتحسن إلى خالد أحسن إليك، فلا يجوز في «وتحسن إلى خالد» الجزم لأنه لو سقطت «الفاء» من: «فتمشي إليّ» لما تعين الجزم في: تحسن؛ إذ يجوز فيه الجزم على البدل كما قلنا، ويجوز الرفع على الحال.
والصورة الثانية: إذا كان ذلك الفعل ليس قريبا من معنى فعل الشرط، فإنه إذا -

................................  حذفت «الفاء» لا يجوز الجزم فيه، مثال ذلك: إن تركب إليّ فتضحك وتقرأ أحسن إليك، فلا يجوز الجزم في: «وتقرأ»؛ لأنك لو حذفت الفاء من: فتضحك لم يجز الجزم، بل يرتفع الفعل على أنه في موضع الحال.
كأنك قلت: إن تركب إليّ ضاحكا وقارئا أحسن إليك.
انتهى.
وأما قول المصنف: والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها كي جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب فقد عرفت معناه ومثاله من كلام بدر الدين.
قال المصنف في شرح الكافية 1: وحكى الفراء عن العرب في المضارع المنفي بـ «لا» الجزم والرفع إذا حسن تقدير «كي» قبله، وأنهم يقولون: ربطت الفرس لا ينفلت ولا ينفلت وأوثقت العبد لا يفرّ ولا يفرر، قال: وإنما جزم؛ لأن تأويله: إن لم أربطه فرّ، فجزم على التأويل، قال: وأنشدني بعض بني عقيل: 3901 - وحتّى رأينا أحسن الفعل بيننا... مساكتة لا يقرف الشّرّ قارف (2) وقال: 3902 - لو كنت إذ جئتنا حاولت رؤيتنا... أتيتنا ماشيا لا يعرف الفرس 2 بجزم: يقرف، ويعرف، ورفعهما.
انتهى.
قال الشيخ 3: لم يذكر المصنف ولا ابنه خلافا في هذه المسألة وادّعيا أن العرب تجيز الجزم والرفع في مثل هذا، وقد خالفا في ذلك الخليل وسيبويه 4 وسائر البصريين، فكان ينبغي أن ينبه على خلاف هؤلاء، وإذا كان خلاف هؤلاء لا ينقل، ويزعم أن العرب تقول مثل هذا اغترّ بذلك من ليس له اطلاع على مذاهب العرب، ولا على خلاف أئمة العرب، ولكن الظن يسعهما، أما ابن المصنف فلقلة محفوظه، وأما أبوه المصنف فلقلة اعتنائه بكتاب سيبويه، قال سيبويه 5 رحمه الله تعالى: وسألته - يعني الخليل - عن: آتي الأمير لا يقطع اللّصّ، فقال 6: الجزاء ها هنا خطأ، لا يكون الجزاء أبدا حتى يكون الكلام الأول غير واجب، إلا أن -

................................  يضطر الشاعر، ولا نعلم هذا جاء في الشعر ألبتة.
يعني لا يكون الجزاء أي: لا يكون الجزم، وذكر أن الجزاء خطأ فصرح بأنه خطأ ثم قال: إلا أن يضطر الشاعر ثم قال: ولا نعلم هذا جاء في الشعر، ونفى عن نفسه أن يحفظ مثل هذا في الشعر، هذا على سعة علم الخليل وحفظه ومعرفته، فكيف يدّعي مدّع أن العرب تجزم مثل هذا؟ ثم نقل عن ابن عصفور: أنه تعرض إلى ذكر المسألة في كتبه، وأنه ذكر عن الكوفيين أنهم أجازوا ذلك، وأنه قال بجوازه في الضرورة، وذكر أنه استدل بالبيتين اللذين ذكرهما المصنف، ثم قال: - أعني الشيخ - ويمكن تخريج هذين البيتين على أن تكون «لا» في كل منهما ناهية، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أرينّك هاهنا، وقول النابغة: 3903 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعه 1 فكأنه قال: لا تتعرض فأراك هاهنا، وكذلك لا تتعرضوا للقتال فأعرف ربربا فكذلك يقدر هاهنا: لا تتعرض لغير المجاملة فيقرف الشرّ قارف، أي: فيكتسب الشر مكتسب، ولا تتعرض للركوب فيعرف الفرس فتفتضح، وإذا احتمل أن يكون من باب ما صورته النهي، ويراد به النهي عن غيره وانتفاؤه هو لم يكن في ذلك دليل على جواز الجزم على المعنى الذي ذهب إليه الفراء والكوفيون، ووافقهم المصنف وابنه عليه، وحمله ابن عصفور عليه، ويؤيد هذا التأويل قول الخليل: ولا نعلم هذا جاء في الشعر ألبتة.
فانظر تفاوت ما بين كلام المصنف وكلام الناس، هو يقول: العرب تقول كذا، والخليل يقول: هو خطأ، والأستاذ أبو الحسن يقول: هو ضرورة لا يقاس عليها في -

................................  الشعر. انتهى. ولقد تحامل الشيخ على المصنف في قوله: إنه ادّعى أن العرب تجيز الجزم والرفع في مثل هذا، فإن المصنف لم يدّع ذلك، بل قال كما علمت: وحكى الفراء عن العرب في المضارع المنفي بـ «لا» الجزم والرفع إذا حسن تقدير «كي» قبله إلى آخر كلامه، ولم يسند إلى نفسه شيئا، ولم يثبت ولم ينف، وأما كونه ينسب المصنف إلى قلة اعتنائه بكتاب سيبويه ظنّا منه أنه لم يطلع على ما قاله الخليل وسيبويه في المسألة، فلا يرتضي من الشيخ أن يقول في حق المصنف ذلك مع شهادة المعتبرين له بالتبريز ومن يدرك غوامض الكتاب كيف تخفى عليه ظواهره؟ بل يقال: إن المصنف تأدب مع الخليل وسيبويه غاية التأدب، وذلك أنه لما رأى كلامهما يقتضي عدم جواز الجزم في هذه المسألة، ورأى الفراء - مع جلالة قدره في العلم - وحفظه - حكى الجزم عن العرب ذكر ما حكاه الفراء مقتصرا على ذلك، ولم يحكم من قبل نفسه بشيء، ولا شك أن العرب نطقت بذلك في البيتين اللذين تقدم إنشادهما، ويؤيد ذلك ذكر ابن عصفور [5/ 132] أيضا المسألة المذكورة وإنشاده البيتين المذكورين، فلم يكن المصنف هو المنفرد بهذا الأمر، فقد ذكره غيره كما ذكره هو، والخليل رحمه الله تعالى لم ينف مجيئه إنما نفى العلم بمجيئه. ثم إن الخليل لما قال: إن الجزاء خطأ لا يكون الجزم أبدا، لم يقل المصنف هو مجزوم على الجواب كي لا يناقض كلامه كلام الخليل، بل قال: إن فيه الجزم سماعا عن العرب، ولا شك أنه مسموع نثرا ونظما. وأما كونه جائزا اختيارا أو ضرورة فلم يتعرض إليه المصنف، وأما كونه ضرورة أو غير ضرورة فلم يتعرض المصنف إلى ذكر ذلك، بل قال: حكي عن العرب، ولم يسند الحكاية إليه بل أسند ذلك إلى الإمام الكبير الذي عرفت، وبعد أن ذكر الشيخ ما ذكر قال 1: ويمكن تخريج البيتين اللذين استدل بهما المصنف وابنه على جواز الجزم في السعة، وابن عصفور على مجيئه في الضرورة على وجه غير ما ذكروه وهو أن تكون «لا» فيه ناهية، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أرينّك ها هنا، وقول النابغة: 3904 - لا أعرفن ربربا حورا مدامعه 2

................................  كأنه قيل: لا تتعرض فأراك هاهنا، ولا تتعرضوا للقتال فأعرف ربربا، وهكذا يقدر هنا: لا تتعرض لغير المجاملة فيقرف الشر قارف أي: فيكتسب الشر مكتسب، ولا تتعرض للركوب فيعرف الفرس فتفتضح، قال: وإذا احتمل أن يكون من باب ما صورته النهي ويراد به النهي عن غيره وانتفاؤه هو لم يكن في ذلك دليل على جواز الجزم على المعنى الذي ذهب إليه الفراء والكوفيون، ووافقهم المصنف وابنه عليه، وحمله ابن عصفور عليه، ثم قال 1: وقوله: 3905 - لا يعرف الفرس 2 من باب: 3906 - على لاحب لا يهتدى بمناره 3 أي: لو جئت ماشيا لم يكن معك فرس فيعرف، فنفى عرفان الفرس، والمقصود نفي الفرس، قال: وقول المصنف: (والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي») لا يختص ذلك بأن يكون منفيّا بـ «لا» عند الكوفيين بل متى كان الفعل الموجب سببا للمجزوم، والمجزوم أعم من أن يكون منفيّا بـ «لا» أو مثبتا نحو: يأتي زيد الأمير يفلت اللّصّ، أي: إن يأته يفلت اللص، قال 4: لكن المصنف لما رأى تمثيل الفعل منفيّا بـ «لا» والشاهد الذي أنشده منفيّا بـ «لا» أيضا اعتقد أن شرط جواز الجزم أن يكون منفيّا بـ «لا» وليس ذلك بشرط عندهم 5، قال 6: فقوله: (الصّالح قبلها «كي»)، ينبغي أن يقول فيه: الصالح قبل الفعل «كي»، وهو معنى قول الكوفيين: أن يكون الفعل الموجب سببا للمجزوم، إلا أن يكون المصنف أحدث قولا ثالثا خالف فيه البصريين والكوفيين؛ لأن البصريين قالوا: ذلك خطأ 7، والكوفيون أجازوه 8، ولم يشترطوا فيه أن يكون -

................................  منفيّا بـ «لا» والمصنف شرط ذلك، فهو قول ثالث لم يتقدمه إليه أحد. انتهى. ويا للعجب!! قد عرفت أن المصنف لم يحكم في المسألة المذكورة بشيء من قبل نفسه حتى يقال إنه أحدث قولا ثالثا، ولم ينسب إجازة ذلك إلى بصري ولا كوفي حتى يحتاج أن يشترط في المسألة شيئا أو لا يشترط، وإنما نقل عن الفراء أن العرب تقول: كيت وكيت، والفراء إمام كبير، رأس الكوفيين بعد الكسائي، فمن أجل ذلك قال في التسهيل: والمنفيّ بـ «لا» الصّالح قبلها «كي» جائز الرّفع والجزم سماعا عن العرب مقتديا في ذلك بنقل الفراء. ثم قال الشيخ 1: ولم يبين المصنف وجه جواز الرفع ولا وجه جواز الجزم في هذه المسألة، وقد ذكرنا وجه جواز الجزم على مذهب من أجازه، وأنه لوحظ فيه على قولهم معنى الشرط والجزاء وإن لم يكن بأداة ذلك، ولا من الأشياء التي تقدم ذكرها، وأما وجه الرفع فلم أر أحدا تعرض له، ومعنى الكلام يقتضي أنه متعلق بما قبله تعلقا لا يمكن انفصاله منه؛ لأن الكلام في قوة الجملة الواحدة، وليس جملتين مستقلتين؛ لأن المعنى ليس على الإخبار بأنه يأتي الأمير زيد، ثم أخبر بعد ذلك أن الأمير لا يقطع اللص، وإذا لم يكن الكلام جملتين مستقلتين فالجملة الثانية هي في قوة المفرد، وإذا كانت كذلك فلا يمكن أن تكون في موضع الحال لفساد المعنى؛ لأنه لا يريد: ربطت الفرس غير منفلت، ولا: زيد يأتي الأمير غير قاطع اللص، وإنما المعنى: أني ربطت الفرس لئلا ينفلت، وإنّ زيدا يأتي الأمير لئلا يقطع اللص، فهو مفعول من أجله حذفت منه اللام فبقي: ربطت الفرس أن لا ينفلت، وزيد يأتي الأمير أن لا يقطع اللص 2، ثم اتسعت العرب في ذلك فحذفت «أن» فارتفع الفعل على حد ارتفاعه بعد حذف «أن» في قول الشاعر: 3907 - ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى 3

[جواز إظهار «أن» وإضمارها بعد عاطف على اسم صريح وبعد لام التعليل]

قال ابن مالك: (تظهر «أن» وتضمر بعد عاطف الفعل على اسم صريح، وبعد لام الجرّ غير الجحوديّة ما لم يقترن الفعل بـ «لا» بعد اللّام فيتعيّن الإظهار، ولا تنصب «أن» محذوفة في غير المواضع المذكورة إلّا نادرا، وفي القياس عليه خلاف).
وقولهم: مره يحفرها 1، وقد روي: يحفرها بالجزم على الجواب، وبالنصب على إضمار «أن»، وبالرفع على ما ذكرناه.
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن «أن» الناصبة لها أحوال ثلاث: وجوب إضمار، وجواز إظهار وإضمار، ووجوب إظهار، ولما انتهى الكلام على الحالة الأولى حصل الشروع الآن في ذكر الحالتين الأخريين وهما جواز الأمرين، ووجوب الإظهار، فجواز الأمرين يكون بعد الحرفين اللذين تقدم ذكرهما وهما: لام الجر غير الجحودية ما لم يلها «لا»، وحرف العطف الواقع قبله اسم وبعده فعل ووجوب الإظهار إذا ولي لام الجر المذكورة «لا» النافية.
قال الإمام بدر الدين 2: اطرد نصب [5/ 133] المضارع بإضمار «أن» جائزة الإظهار في موضعين: أحدهما: أن يكون الفعل معطوفا على اسم صريح كقول الشاعر: 3908 - ولبس عباءة وتقرّ عيني... أحبّ إليّ من لبس الشّفوف 3 أراد: ولبس عباءة وأن تقر عيني، فحذف «أن» وأبقى عملها، ولو استقام الوزن بإظهار «أن» لكان أقيس، ولا يختص هنا الإضمار بالمعطوف بـ «الواو» بل يجوز - - الشرح: الزاجري: أي الذي يكفني ويمنعني، ورواية الديوان: ألا أيهذا اللائمي: أي الذي يلومني، والوغى: الحرب، وقوله: وأن أشهد يروى في مكانه: وأن أحضر، والشاعر يقول: أنا لست خالدا ولا بد أن يأتيني الموت يوما، فليس مما يقتضيه العقل أن أقعد عن شهود الحرب ومنازلة الأقران مخافة أن أموت.
والشاهد في قوله: «أحضر الوغى» حيث رفع «أحضر» بعد حذف «أن» المصدرية، ويروى «أحضر» بالنصب، بـ «أن» المصدرية المحذوفة، قال الأعلم: (وقد يجوز النصب بإضمار «أن» ضرورة وهو مذهب الكوفيين).
والبيت في الكتاب (3/ 99)، وابن يعيش (2/ 7)، والعيني (4/ 402).

................................  في المعطوف بغيرها كـ «الفاء» و «ثم» و «أو» فمثاله بالفاء قول بعض الطائيين: 3909 - لولا توقّع معتر فأرضيه... ما كنت أوثر أترابا على ترب 1 ومثاله بـ «ثم» قول الآخر: 3910 - إنّي وقتلي سليكا ثمّ أعقله... كالثّور يضرب لمّا عافت البقر 2 ومثاله بـ «أو» قراءة السبعة إلّا نافعا: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا 3 بنصب (يرسل) عطفا على (وحيا،) وأصله: أو أن يرسل رسولا.
ومثله قول القائل: 3911 - ولولا رجال من رزام أعزّة... وآل سليم أن أسوءك علقما 4 والثاني: أن يكون بعد لام الجر غير المؤكد للنفي وهي لام التعليل كما في نحو: جئت لتحسن، ولام العاقبة كما في قوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً 5 والزائدة كما في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ 6 فإن الفعل إذا وقع بعد إحدى هذه اللامات كان نصيبا بإضمار «أن» لأن اللام حرف جر فهي كسائر عوامل الأسماء في امتناع دخولها على الأفعال فإذا وليها الفعل وجب أن يكون مقدرا بـ «أن» ليكون معها اسما مجرورا باللام فنصبوه بها وإن -

................................  شئت أظهرت «أن» نحو: جئت لئلّا يجيء، ولا يجوز إضمار «أن» بعد غير اللام من حروف الجر، خصوها بذلك لكثرة دور معناها في الكلام.
وقد تحذف «أن» قبل المضارع في غير المواضع فتلغى غالبا كقولهم: «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه» 1، وقول الشاعر: 3912 - ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي 2 وقول الآخر: 3913 - وما راعني إلّا يسير بشرطة... وعهدي به قينا يفشّ بكير 3 تقديره: أن تسمع، وعن أن أحضر، وإلّا أن يسير، ولكنهم رفعوا؛ لأنهم ألغوا «أن» لما ضعفت بالحذف على غير القياس، وقد لا يلغونها فينصبون بها المضارع كقوله: 3914 - فلم أر مثلها خباسة واحد... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله 4 قال سيبويه 5: أراد بعد ما كدت أن أفعله، وهو قليل لا يقاس عليه، ورآه -

................................  الكوفيون مقيسا 1، وحكوا: خذ اللصّ قبل يأخذك 2، وأنشدوا: 3915 - ألأ أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى 3 انتهى كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى 4. ولما كان الملفوظ به العاطف إذا لم تذكر «أن» فعلا قال المصنف: بعد عاطف الفعل، وإن كان العاطف في الحقيقة إنما عطف اسما مقدرا على الاسم الذي قبله.
وقوله: (على اسم) يشمل ما كان مصدرا، وما كان اسما غير مصدر كما في الأمثلة التي ذكرت.
وأما قوله: صريح فقال الشيخ 5: احترز به من العطف على المصدر المتوهّم، فإن ذلك يجب فيه إضمار «أن»، وما قاله الشيخ غير ظاهر، فإن هذا الكلام يقتضي أن المصدر المتوهم كان مقدرا قبل العطف، فلما جاء العاطف عطف عليه، وليس الأمر كذلك، وإنما لما حصل العطف ونصب الفعل بـ «أن» مقدرة تعين أن يقدر قبل العاطف مصدرا متوهّما ليصح عطف الاسم المقدر عليه، وإذا كان كذلك فلا يتجه القو بأنه احترز بـ (صريح) من العطف على المصدر المتوهم، والذي يظهر بل ربما يتعين أنه احترز بقوله: (صريح) عما احترز عنه بقوله في الألفية: (خالص) حيث قال: وإن على اسم خالص فعل عطف... تنصبه أن ثابتا أو منحذف وفسر ولده بدر الدين ذلك بأن يكون غير مقصود به معنى الفعل، قال 6: واحترز بذلك من نحو: الطائر فيغضب زيد الذّباب، فإن: «يغضب» معطوف على اسم الفاعل، ولا يمكن أن ينصب؛ لأن اسم الفاعل مؤول بالفعل؛ لأن التقدير: الذي يطير فيغضب زيد الذباب.
ثم إننا نشير بعد هذا إلى أمرين: أحدهما: أنك قد عرفت من كلام بدر الدين أن «لام الجر» التي يجوز إظهار «أن» بعدها وإضمارها وهي غير التي للجحود ثلاثة أقسام: لام التعليل، ولام العاقبة، والزائدة.
-

................................  فأما لام التعليل فهي الأصل، وأما لام العاقبة وهي التي تسمى: لام الصيرورة، ولام المآل أيضا 1 كالتي في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً 2، وفي قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها 3، ومنه قول العرب: 3916 - لدوا للموت وابنوا للخراب 4 فالمنقول أن المثبت لها الكوفيون 5، وعزي إلى الأخفش أيضا 6، وأن البصريين لا يخرجونها عن التعليل فيجعلونها في مثل ذلك لام السبب على جهة المجاز؛ لأنه لما كان ناشئا عن التقاط موسى صلّى الله عليه وسلّم، كونه صار عدوّا، صار كأنه التقط لذلك، وإن كان التقاطه في الحقيقة إنما كان ليكون لهم حبيبا وابنا 7، وكذلك يقال في الآية الشريفة التي هي وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها، وكذا يقال في قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ... الآية 8. -

................................  وأما «اللام» في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ 1 فهي ثالثة الأقسام، وقد حكم بدر الدين بزيادتها كما عرفت، لكن قال الشيخ 2: دعوى الزيادة على خلاف الأصل.
ثم ذكر في نحوها أقوالا ثلاثة: أحدها: للفراء قال 3: زعم الفراء 4 أن العرب تجعل [5/ 134] لام «كي» في موضع «أن» في أردت وأمرت، قال الله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا 5 وأَنْ يُطْفِؤُا 6، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ 7. وقال الشاعر 8. 3917 - أريد لأنسى ذكرها فكأنّما... تخيّل لي ليلى بكلّ طريق 9 وقال تعالى: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ 10، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ 11، وإلى ما ذهب إليه الفراء ذهب الكسائي.
- - بسواء، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة؛ لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوّا وحزنا ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شبه الداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو: الإكرام الذي هو نتيجة المجيء، والتأدب الذي هو ثمرة الضرب في قولك: ضربته ليتأدب، وتحريره: أن هذه اللام حكمها حكم الأسد، حيث استعيرت لما يشبه التعليل كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد» اه.

................................  ثانيها: ذهب سيبويه 1 وأصحابه إلى أن اللام دخلت هنا لإرادة المصدر، كأنه قيل: الإرادة للبيان وإرادتي لهذا.
قال 2: وكلا المذهبين ضعيف، أما مذهب الفراء فمبناه على أن اللام عاملة النصب لوقوعها موقع «أن» وقد علم أن اللام حرف جر، وليس من شأنها أن ينصب بها، قال: وقد قال أبو إسحاق 3: لو كانت اللام بمعنى «أن» لم يجز اجتماعها مع «كي» لأن «أن» لا تدخل على «كي»، وأما مذهب سيبويه فلوجهين: أحدهما: أنه سبك مصدرا من غير حرف سابك مع الفعل.
والثاني: أنه لو كان كما ذهب إليه لجاز: ضربت لزيد على معنى: الضرب لزيد، وهذا لا يجوز.
ثالثها: القول بالزيادة، قال 4: والصحيح أن اللام في هذين الفعلين كهي مع غيرهما من الأفعال، قال: وإنما حمل الفراء وسيبويه وابن المصنف على ما ذهبوا إليه كونهم لم يجدوا مفعولا لـ «أراد» فجعلوا ما دخلت عليه اللام منصبّا عليه الفعل السابق، فادعى الفراء أن اللام وقعت موقع «أن» ولا سيما وقد وجد ذلك مصرحا به في نحو: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ 5 ويُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا 6 فتأول الحرف.
وسيبويه تأول الفعل بأن جعله بمعنى المصدر وأنه في موضع رفع بالابتداء، قال 7: والذي نختاره ما اختاره بعض أصحابنا من أن مفعول «يريد» محذوف، ومتعلق «أمر» محذوف والتقدير: يريد الله ما يريد ليبين لكم، وأمرنا بما أمرنا لنسلم، وأما قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ فلا يتعين أن تكون «أن» والفعل متعلق الفعل السابق؛ إذ يحتمل أيضا حذف المفعول وأن «أن» مضمر قبلها حرف الجر؛ لأن حرف الجر يضمر قبلها كثيرا، والتقدير: يريدون ما يريدون من الكفر والمكر أن يطفئوا أي: ليطفئوا، فتكون إذ ذاك لام العلة، وكذلك وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ أي: أمرت بما أمرت أن أسلم أي: -

................................  لأن أسلم، قال: فيكون المعنيان في ذكر اللام وحذفها سواء، وحذف المفعول لدلالة المعنى عليه.
انتهى.
وهذا الذي ذكره من التخريج في يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا، وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ يبعد وإذا كان ما بعد «يريدون» و «أمرت» صالحا لتسلطهما عليه استغنى عن تقدير مفعول محذوف، ويدل على أن أَنْ يُطْفِؤُا، وأَنْ أُسْلِمَ متعلقان بما قبلهما قوله تعالى: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها 1 فإن المقصود من هذه الآية الشريفة الحصر، إذ المعنى: ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى، وإذا جعل التقدير: إنما أمرت بما أمرت لأن أعبد فات معنى الحصر مع أنه هو المقصود، وإذا ثبت في ذلك في هذه الآية الشريفة تعيّن أن يثبت في ما هو نظيرها، والمحوج إلى تقدير مفعول محذوف في نحو قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، ويُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا، ووَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ إنما هو عدم صلاحية مدخول «اللام» للمفعولية، فإذا كان ما بعد يُرِيدُونَ» أو أُمِرْتُ صالحا لأن يكون مفعولا انتفى الاحتياج إلى التقدير 2. الأمر الثاني: أن الشيخ ذكر في شرحه فروقا بين اللامين - أعني لام الجحود ولام «كي» - فقال 3: «ولما كان بين لام الجحود ولام «كي» قدر مشترك من كونهما حرفي جر، وكونهما تضمر «أن» بعدهما - وإن اختلفت جهتا الإضمار - فإنه واجب مع لام الجحود جائز مع لام «كي»، أردنا أن نذكر ما بينهما من الفرق: فمنها: ما ذكر من حكم الإضمار 4. ومنها: أن فاعل لام الجحود لا يكون غير مرفوع «كان» فلا يجوز: ما كان زيد ليذهب عمرو.
-

................................  ومنها: أنه لا يقع قبلها فعل مستقبل فلا تقول: لن يكون زيد ليفعل، ويجوز ذلك في الفعل قبل لام «كي» فتقول: سأتوب ليغفر الله لي.
ومنها: أن الفعل المنفي لا يكون مقيدا بظرف فلا يجوز: ما كان زيد أمس ليضرب عمرا، أو يوم كذا ليفعل، ويجوز ذلك في الفعل قبل لام «كي» فتقول: جاء زيد أمس ليضرب عمرا.
[ومنها: أنه لا يوجب الفعل معها فلا يجوز: ما كان زيد إلا ليضرب عمرا] ويجوز ذلك مع لام «كي» فتقول: ما جاء زيد إلا ليضرب عمرا.
[ومنها: أنه لا يقع موقعها «كي» لا تقول: ما كان زيد كي يضرب عمرا].
ويجوز ذلك في لام «كي» فتقول: جاء زيد كي يضرب عمرا.
ومنها: أن المنصوب بعدها لا يكون سببا فيما قبلها، وهو كذلك بعد لام «كي».
ومنها: أن النفي متسلط مع لام الجحود على ما قبلها وهو المحذوف الذي تتعلق به اللام، فيلزم من نفيه نفي ما بعد اللام، وذلك على مذهب البصريين 1، وفي لام «كي» يتسلط على ما بعدها نحو: ما جاء زيد ليضربك، فينتفي الضرب خاصة ولا ينتفي المجيء إلا بقرينة تدل على انتفائه.
ومنها: أن لام الجحود لا تتعلق إلا بمعنى الفعل الواجب حذفه، فإذا قلت: ما كان زيد ليقوم فكأنك قلت: ما كان زيد مستعدّا للقيام، يقدّر في كل موضع ما يليق به على حسب مساق الكلام، ففي قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ 2 تقديره: مريدا لإطلاعكم على الغيب، وأما لام «كي» فإنها متعلقة بالفعل الظاهر الذي هو معمول للفعل الذي دخلت عليه.
ومنها: أن لام الجحود تقع بعد ما لا يستقل أن يكون كلاما دونها، ولام «كي» لا تقع إلا بعد ما يستقل كلاما، فأما قول الشاعر: -

................................  3918 - فما جمع ليغلب جمع قومي... مقارنة ولا فرد لفرد 1 فظاهره أن لام «كي» دخلت بعد ما لا يستقل كلاما؛ لأنه لم يتقدمها إلا قوله: فما جمع وليس بكلام، وتأوله الفراء 2 على أن لام [5/ 135] «كي» دخلت على اسم لا فعل له؛ لأن الاسم مأخوذ من الفعل ودالّ عليه، والتقدير عنده: فما قوم يجتمعون ليغلبوا، فأدى «جمع» هذا المعنى، وهذا التأويل ليس بجيد؛ لأن لام «كي» مع ما بعدها من الفضلات وما قبلها لا يكون إلا مستقلّا، ولو صرح بقوله: فما قوم يجتمعون لم يكن أيضا كلاما.
وتأوّله بعض أصحابنا على أن اللام فيه لام الجحود و «كان» مضمرة لدلالة المعنى عليه، التقدير: فما كان جمع ليغلب جمع قومي، قال 3: قال هذا المتأوّل: ونظير ذلك قول أبي الدرداء 4 في الركعتين بعد العصر: «ما أنا لأدعهما» 5، أي: ما كنت لأدعهما، فأضمر «كان» فانفصل الضمير الذي هو اسمها.
انتهى ما أشار إليه من الفروق، ولا يخفى أن بعض ما ذكره غير محتاج إلى التنبيه عليه؛ لأن ذلك يعرف من جهة المعنى الذي وضع الحرف له مثلا قوله: إن المنصوب بعد لام الجحود لا يكون سببا فيما قبلها، بخلاف لام «كي»، يقال فيه: كيف يتصور ذلك ولام «كي» إنما هي للتعليل؟ فوضعها أن تكون داخلة على ما هو علة وسبب، ولام الجحود وضعها أن تكون لتوكيد النفي الذي تقدمها، فالمنافاة بينهما في ذلك حاصلة بالوضع.
وكذا قوله أولا: إن إضمار «أن» مع لام الجحود واجب ومع لام «كي» -

................................  جائز.
فإن هذا هو حكم كل منهما.
وحاصل الأمر: أن الحرفين المذكورين لم يكن بينهما اجتماع في شيء فيحتاج إلى أن يفرق بينهما، غاية ما في الباب أن لفظهما مشترك فيه بين المعنيين، وأما في المعنى فليس بينهما اشتراك في شيء منه، وإنما يحتاج إلى الفرق بين أمرين إذا اشتركا في معنى وافترقا في آخر.
وأما قول المصنف: ولا تنصب «أن» محذوفة في غير المواضع المذكورة إلّا نادرا، وفي القياس عليه خلاف فظاهر، لكن في كلام الشيخ أن حذف «أن» من أصله في غير المواضع المذكورة فيه خلاف، فإنه قال في الارتشاف 1: ولا يجوز أن تحذف «أن» في غير ما تقدم ذكره، بل يجب إظهارها، هذا مذهب جماعة؛ منهم متأخرو أصحابنا، وذهب جماعة إلى أنه يجوز حذفها في غير تلك المواضع، واختلفوا فذهب أكثرهم إلى وجوب رفع الفعل بعد الحذف، وهو مذهب أبي الحسن 2، ومذهب أبو العباس 3 إلى أن العمل يبقى بعد الحذف.
انتهى.
ولكنه استشهد في الشرح 4 على الحذف بعد ذكر الأبيات التي تقدم إنشادها بقوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ 5 أي: أن أعبد، وبقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ 6 أي: أن لا تعبدوا إلا الله.
وبعد أن ثبت الحذف في هاتين الآيتين الشريفتين كيف يسوغ القول بمنعه؟ على أن الشيخ بعد ذكر آيات الكتاب العزيز، وذكر ما تقدم من الأبيات قال 7: وفي هذه الشواهد دليل على جواز الحذف ثم قال: ولأن الحذف مع لام «كي» وبعد العاطف على اسم إنما هو للدلالة على الناصب وكذلك في هذه المواضع؛ لأن العامل إذا تسلط على الفعل - وليس من عوامله - علم أنه لا يعمل فيه فاحتيج إلى سابك لذلك الفعل إلى الاسم فجاز الحذف لهذا المعنى.
انتهى.

[«أن» الزائدة ومواضع ذلك و «أن» المفسرة وأحكام لها]

قال ابن مالك: (فصل: تزاد «أن» جوازا بعد «لمّا» وبين القسم و «لو»، شذوذا بعد كاف الجرّ، وتفيد تفسيرا بعد معنيّ القول لا لفظه، وتفيده «أي» غالبا فيما سوى ذلك، وتقع بين مشتركين في الإعراب فتعدّ عاطفة على رأي، وإن ولي «أن» الصّالحة للتّفسير مضارع معه «لا» رفع على النّفي، وجزم على النّهي، ونصب على النّفي وجعل «أن» مصدرية ولا تفيد «أن» مجازاة خلافا للكوفيين ولا نفيا خلافا لبعضهم).  وأما توجيه وجوب الرفع بعد حذف «أن» فظاهر؛ لأن المقتضي للعمل قد زال، ولأن عمل «أن» ضعيف ليس بأصل، بل بالحمل على عوامل الأسماء، فلا يناسب إبقاء العمل بعد حذفها 1. قال ناظر الجيش: «أن» أربعة أقسام: مخففة من «أنّ»، وناصبة للفعل، وزائدة، ومفسرة. وقد تقدمت الإشارة إلى الأوليين، وهذا الفصل يتضمن الإشارة إلى الأخريين، وهما: الزائدة والمفسرة، قال الإمام بدر الدين 2 رحمه الله تعالى: «أن» في الكلام على ثلاثة أضرب: مصدرية، وزائدة، ومفسرة. فالمصدرية نحو: أريد أن تفعل، وعلمت أن سوف يقوم زيد، وقد تقدم ذكرهما، والزائدة: هي التي دخولها في الكلام كخروجها وتقع بعد «لمّا» الحينية كقوله تعالى: فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ 3، وبين القسم و «لو» كقولك: أما والله أن لو قام زيد قام عمرو، ومثله قول الشاعر: 3919 - فأقسم أن لو التقينا وأنتم... لكان لكم يوم من الشّرّ مظلم 4

................................  وتشذ زيادتها بعد كاف الجر كما في قوله: 3920 - كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم 1 يروى بنصب «ظبية» على أنها اسم «كأن»، وبرفعها على أنها الخبر والاسم محذوف، وبجرها على زيادة «أن» والكاف حرف تشبيه.
وأما المفسرة: فهي الداخلة على جملة محكي بها قول مقدر مفسر بجملة بمعنى القول لا لفظه، مذكورة أو محذوفة، فالمذكورة كما في قوله تعالى: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ 2 تقديره: ونودوا أي قيل لهم: تلكم الجنة، ومثله قوله عزّ وجلّ: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا 3، وقوله تعالى: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ 4؛ لأن: ما أمرتني به في معنى القول لا لفظه وما بعده مفسّر له، والمعنى: ما أمرتني به أي: قول: اعبدوا الله.
وأما المحذوفة فكقوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا 5 المعنى: ثم نهضوا وانطلقوا من مجالسهم يومئون أي: يقول بعضهم لبعض: امشوا، ولو كان المحذوف مقدرا بلفظ القول لم تدخل «أن» كقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ 6، وقوله تعالى وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ [5/ 136] عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ 7 ولو لم يكن ما قبل «أن» جملة كما في قوله تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 8 فهي مصدرية في موضع رفع بالخبر لا مفسرة؛ لأن المفسرة لا تدخل إلا على جملة محكية هي فضلة في الكلام.
ويستفاد التفسير بـ «أي» بعد ما فيه معنى القول قليلا، وبعد غيره مما يحتاج إلى التفسير لإجمال اللفظ، أو غرابة فيه، أو حذف منه كثيرا، فيؤتى بها مع المفسر بيانا لما قبلها أو بدلا منه، وقد تقع بين مشتركين في الإعراب فعدّها صاحب -

................................  «المفتاح» 1 عاطفة 2، وليس بمرض؛ لأنه يجوز الاستغناء عنها وحرف العطف لا يستغنى عنه فإن قلت: إذا جاز الاستغناء عن وقوع «أي» بين المشتركين في الإعراب، فما الفائدة في ذكرها؟ قلت: الفائدة هي التنبيه على حاجة ما قبلها إلى التفسير، ورفع توهم كون التابع بدل غلط أو نسيان أو إضراب.
ويجوز الحكم على «أن» الصالحة للتفسير بكونها مصدرية فتقول: أشرت إليه أن أفعل، على معنى: أشرت إليه بالفعل، بدليل ظهور «الباء» في قولهم: أو عزت إليه بأن افعل، وإذا ولي «أن» هذه مضارع فإن كان مثبتا كقولك: أو حيت إليه أن يفعل، جاز رفعه على معنى: أي: ونصبه على جعل «أن» مصدرية، وإن كان بعد «لا» 3 جاز جزمه على النهى وكون «أن» تفسيرية، ورفعه ونصبه على النفي ومعنى «أي»، أو كون «أن» مصدرية.
وزعم الكوفيون 4 في «أن» أنها حرف مجازاة في مثل قوله: 3921 - أتجزع أن أذنا قتيبة حزّتا... جهارا ولم تجزع لقتل ابن مالك 5 لصحة وقوع «إن» موقعها كقولك: أتجزع إن أذنا قتيبة حزتا؟ والصحيح أنها مصدرية مقدر معها «اللام» كأنه قال: أتجزع لأن حزّت أذنا قتيبة؟ ولا تدل «أن» على نفي خلافا لبعضهم.
انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
-

................................  وتعبيره عن «لمّا» بالحينية إنما هو على مذهب من يرى ظرفيتها، ولم يعبر والده عنها بذلك، بل عبّر عنها بالمقابلة لـ «لو» يعني أنها حرف وجوب لوجوب، كما أن «لو» حرف امتناع لامتناع.
وذكر المصنف 1 أن أبا الحسن يرى زيادة «أن» في قوله تعالى: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ 2 قال 3: واعتذر عن النصب بها مع زيادتها بأن الزائد قد عمل مثل: ما جاءني من أحد، قال المصنف 4: وما ذهب إليه أبو الحسن رحمه الله تعالى ضعيف؛ لأن «من» الزائدة مثل غير الزائدة لفظا واختصاصا، فجاز أن تعمل، بخلاف «أن» الزائدة فإنها تشبه غير الزائدة لفظا لا اختصاصا؛ لأنها قد يليها الاسم كقول الشاعر: 3922 - كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم 5 على رواية من جر ظبية بـ «الكاف»، فـ «أن» حينئذ زائدة، وقد وليها اسم فثبت عدم اختصاصها بالأفعال، فلا يصح إعمالها.
وأما «أن» في قوله تعالى: أَلَّا نُقاتِلَ فمصدرية دخلت وَما لَنا لتضمنه معنى: ما منعنا.
انتهى.
والذي ذكره المعربون في الآية الشريفة، أن التقدير: وما لنا في أن لا نقاتل، فتكون «لا» على هذا التخرج غير زائدة، وعلى تخريج المصنف زائدة، وللناظر ترجيح أحد التخريجين على الآخر.
وأما قول بدر الدين في «أن» المفسرة: إنها هي الداخلة على جملة محكي بها قول مقدر مفسر بجملة قبله - فظاهره يعطي أن ثمّ قولا مقدرا بعد الجملة الأولى وقبل الجملة الثانية، ولم أتحقق ذلك، وقد قال والده 6: وعلامة المفسرة أن يكون قبلها جملة فيها معنى القول دون حروفه.
فلم يقل: إن ثمّ قولا مقدرا، وهذا هو -

................................  المعروف في المفسرة، فقوله تعالى: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ 1 هو المفسر لقوله تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ (2)، وأما قوله في قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا 2: إن التقدير: ثم نهضوا وانطلقوا من مجالسهم يومئون أي: يقول بعضهم لبعض: امشو - فلم أفهمه، والذي قاله العلماء في هذه الآية الشريفة: إن الانطلاق ليس المراد به المشي، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام، كما أن المشي ليس المراد به المشي المتعارف، بل المراد به الاستمرار على الشيء 3، فقد وقعت «أن» المفسرة بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه.
وأما قوله تعالى: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ 4 فقال الزمخشري 5: يجوز أن تكون «أن» مفسرة للقول على تأويله بالأمر أي: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن اعبدوا الله، واستحسنه بعض العلماء قال 6: ولا يجوز أن تكون أَنِ في الآية الشريفة مفسرة لـ أَمَرْتَنِي لأنه لا يصلح أن يكون: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ 7، مقولا لله تعالى؛ فلا يصح أن يكون تفسيرا لأمره لأن المفسّر عين مفسّره.
انتهى.
ولا يظهر لي منع ذلك، لأنا بعد تسليم ما قاله نقول: لا يمتنع أن يكون رَبِّي وَرَبَّكُمْ من مقول عيسى صلّى الله عليه وسلّم فالله تعالى أمره أن يقول لهم: اعبدوا الله، فلما قال لهم ذلك مريدا لحصول عبادة الله تعالى منهم قوى ذلك عندهم بالاعتراف بربوبية الله تعالى حملا لهم على العبادة؛ لأن المربوب يتعين عليه عبادة ربه، فكان اعْبُدُوا اللَّهَ هو الذي أمره الله تعالى أن يقوله، ورَبِّي وَرَبَّكُمْ قاله من عند نفسه حرصا منه صلّى الله عليه وسلم على أن يمتثلوا ما أمرهم به من العبادة، لا يقال: القصر يقتضي أنه ما قال إلا ما أمره الله تعالى أن يقوله، ولم يكن رَبِّي وَرَبَّكُمْ فيما أمر به، لأنا نقول: لو كان القصر في الآية الشريفة قصر إفراد لوجب ذلك، ولكن القصر فيها إنما هو قصر قلب؛ لأن قوله تعالى: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ 8 فيه أن المبعوث إليهم عيسى صلّى الله عليه وسلّم -

................................  يدّعون أنه قال لهم ذلك، والمقصود في ذلك المقام العظيم تكذيب عيسى لهم، وذلك إنما يتم بإبطال ما ادّعوا، فقال: ما ادّعوه، فقال: ما ادّعوه ليس بصحيح وهو أني أمرتهم [5/ 137] بعبادة غير الله [تعالى]، إنما كان المقول لهم خلاف ذلك، فكان القصر حينئذ قصر قلب، فكأنه قال صلّى الله عليه وسلّم: لم أقل لهم ما يدّعونه ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله، ثم إنه صلّى الله عليه وسلّم قصد إقامة الدليل على وجوب العبادة عليه وعليهم، فكمل الكلام بقوله: رَبِّي وَرَبَّكُمْ 1. وأشار المصنف بقوله: (وإن ولي «أن» الصّالحة للتّفسير مضارع معه «لا» إلى آخره إلى أن «أن» في بعض المحال صالحة لأن تكون مفسرة وأن تكون غير مفسرة، قال في شرح الكافية 2: وإذا وقع بعد «أن» المفسرة مضارع رفع نحو قولك: أشرت إليه أن يفعل؛ بالرفع على معنى «أي» [ويجوز النصب على كون «أن» مصدرية، فلو كان مع الفعل «لا» جاز رفعه على النفي ومعنى «أي»]، وجزمه على النهي ومعنى «أي»، ونصبه على النفي وكون «أن» مصدرية.
انتهى.
وعلم من ذلك أن قوله في التسهيل: وإن ولي «أن» الصّالحة للتّفسير مضارع معه «لا» رفع على النّفي، وجزم على النّهي يستفاد منه أن «أن» تكون مفسرة مع الرفع والجزم، ولا شك أن الأمر كذلك، ولكن (أراد أن يتمّ الرّضاعة) بالرفع 3 على الإلغاء، وتقدمت الإشارة في أوائل الباب إلى أنها قد تلغى بل قد قال بعضهم 4: يحتمل أن تكون مصدرية مع الجزم أيضا وذلك بأن تكون المخففة، ولكنه بعيد، وإنما ادعى الكوفيون أن «أن» للمجازاة في قول الشاعر: 3923 - أتغضب أن أذنا قتيبة حزّتا....... 5 من أجل أن «أن» الناصبة لا يفصل بينها وبين الفعل، فلا يجوز: أن زيد قام خير من أن يقعد، وفي البيت المذكور قد حصل الفصل، قالوا: ولا يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة؛ لأنه لم يتقدم عليها فعل تحقيق ولا شك فتعين أن تكون للجزاء 6. -

................................  والجواب: أن الفصل بين الحرف الناصب ومنصوبه قد ثبت في الضرورة، ولم يثبت أن «أن» تكون حرف شرط، والخليل هو الذي حكم بأنها الناصبة للفعل 1 وكفى بذلك.
وتناول المبرد 2 ذلك في البيت على أنها المخففة من الثقيلة والتقدير: أتغضب من أجل أنه أذنا قتيبة حزتا؟ ثم حذف الجار ومجروره وخففت «أنّ».
وأما قوله: إنها لا تفيد نفيا خلافا لبعضهم فقال الشيخ 3: ذكر أبو محمد بن السيد عن أبي الحسن الهروي 4 أن «أن» تكون بمعنى «لا» في مذهب بعض النحويين كقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ 5 قالوا: معناه: لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وقال آخرون: المعنى: ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، قالوا: وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراض بين الفعل والمفعول 6. وقال الشيخ 7: وقد ترك المصنف ذكر معاني أخر لـ «أن»: منها: أن تكون بمعنى: إذ، كقوله تعالى: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ 8، وكقوله تعالى: أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ 9، قال: وهذا ليس بشيء، بل «أن» في الآيتين مصدرية، والتقدير: بل عجبوا لأن جاءهم منذر منهم، وكذلك: يخرجون الرسول وإياكم لأن تؤمنوا بالله ربكم.
ومنها: أن تكون بمعنى: لئلا، كقولك: ربطت الفرس أن ينفلت، وكقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا 10، وقال عمرو بن كلثوم 11: -

................................  3924 - تركتم منزل الأضياف منّا... فعجّلنا القرى أن تشتمونا 1 أي: لئلا ينفلت، ولئلا تضلوا، ولئلا تشتمونا، قال 2: والصحيح أن «أن» هنا ليست بمعنى: لئلا؛ لأنه يلزم من ذلك وقوع الفعل المثبت منفيّا، ألا ترى أن قوله: أن ينفلت فعل مثبت، إلا أنه لا يصح أن يجعل علة للربط، ولا الضلال علة للبيان، ولا الشتم علة لتعجيل القرى؛ لأن الشيء لا يعلل بما لا يقتضيه ولا يتسبب عنه، لكنه يتصور إبقاء «أن» على حالها ويكون ذلك على حذف مضاف، التقدير: ربطت الفرس مخافة أن ينفلت، ويبين الله لكم كراهة أن تضلوا، وفعجلنا القرى مخافة أن تشتمونا، ويكون ذلك كله مفعولا من أجله.
ومنها: ما ذكره أبو علي الفارسي من أنها تكون بمعنى «أن» المخففة من الثقيلة بقوله: إن كان زيد لعالما، فإذا أدخلت على «إن» هذه فعلا ناسخا فتحتها نحو: علمت أن كان زيد لعالما، وهذا بناء منه على أن «اللام» الداخلة بعد «إن» المخففة من الثقيلة ليست لام الابتداء وإنما هي فارقة بينها وبين «إن» النافية، واستدل على أنها ليست لام الابتداء بأن الفعل الذي قبلها يعمل في ما بعدها نحو: إن كان زيد لعالما، ولام الابتداء لا يعمل ما قبلها في ما بعدها، وإذا لم تكن لام الابتداء لم يكن للفعل الذي قبلها مانع من فتحها، فلذلك وجب أن يقال: علمت أن كان زيد لعالما، فتفتح، ولا تلزم اللام حينئذ؛ لأن دخولها إنما كان للفرق، وإذا فتحت لم تحتج إلى فرق، فوجب أن تكون هذه قسما برأسها؛ لأنها ليست بزائدة، ولا مفسرة، ولا ناصبة للفعل؛ لأنها مفتوحة مخففة من «أن» والمخففة لا تعمل في الفعل، فكذلك هذه، ولا هي أيضا المخففة من الثقيلة؛ لأن تلك إذا دخلت على الفعل كان في موضع رفع بها على أنه خبر لها، واسمها مضمر فيها، و «أن» هذه ليست بعاملة للدليل الذي ذكرناه من أنها مفتوحة من «أن» المخففة من الثقيلة وتلك - - شعره معلقته التي مطلعها: ألا هبي بصحنك فاصبحينا انظر: ترجمته في الشعر والشعراء (240 - 242).

................................  ملغاة إذا دخلت على الأفعال، فكذلك ما هو بغير منها، فثبت أنها قسم برأسه. قال: وهذا الذي ذهب إليه الفارسي من فتح «أن» في نحو: علمت أن كان زيد لعالما غير متفق عليه، بل ذهب غيره 1 إلى أنه يجب الكسر في «أن» هذه، وقد اختلف في الحديث المشهور «قد علمنا إن كنت لمؤمنا» 2، فقال أبو علي: لا تكون إلا مفتوحة، وقال المخالف له 3: لا تكون إلا مكسورة، وهذا الخلاف مبني على الخلاف في «اللام» أهي مجتلبة للفرق [5/ 138] أم هي لام الابتداء لزمت للفرق؟. انتهى. والحق أن «اللام» لام الابتداء لزمت للفرق وهو مذهب سيبويه صرح بذلك في كتابه 4، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب «الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر» 5. وإذ قد عرف هذا فلم يكن المصنف ترك ذكر معاني أخر كما ذكر الشيخ؛ لأن المعنيين الأوليين قد أبطلهما هو، والمعنى الثالث تبيّن أن الصحيح فيه خلاف ما يذهب إليه الفارسي. ثم قد بقي التنبيه على أمور: منها: أنهم ذكروا موضعا رابعا تزاد فيه «أن» وهو بعد «إذا» 6، قال الشاعر: 3925 - فأمهله حتّى إذا أن كأنّه... معاطي يد في لجّة الماء غامر 7

................................  ومنها: أنهم ذكروا أن «أن» الزائدة تفيد توكيد معنى الكلام التي هي فيه 1، وزعم الزمخشري أنه ينجر مع التوكيد معنى آخر فقال 2 في قوله تعالى: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ 3: دخلت «أن» في هذه القصة، ولم تدخل في قصة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم في قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً 4 تنبيها وتأكيدا في أن الإساءة كانت بعقب المجيء، فهي مؤكدة للاتصال واللزوم، ولا كذلك في قصة إبراهيم؛ إذ ليس الجواب فيه كالأول وجعلها الشلوبين منبهة على السبب، وأنه واقع بعقبه الإساءة، قال 5: «لأنها تكون للسبب في قولك: جئت أن تعطيني أي: للإعطاء، فلما كانت مفعولا من أجله دخلت هناك تنبيها على أن الإساءة كانت لأجل المجيء قال 6: وكذلك في قولهم: أما والله أن لو فعلت لفعلت، أكدت «أن» 7 ما بعد «لو» 8 وهو السبب في الجواب الذي غلبت عليه.
انتهى.
ولم أتحقق قول الشلوبين: لأنها تكون للسبب في قولك: جئت أن تعطيني؛ -

جارٍ التحميل