تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائدصفحات 4157-4196

الباب الرابع والستون [باب إعراب الفعل وعوامله]

صفحات 4157-4196

................................  والممتنع عند البصريين إنما هو تقديم معمول فعل الشرط على أداة الشرط 1. وأما اشتراط كونها صدر الجملة: فقد قال المصنف في شرح الكافية 2: إن «إذن» أشبهت «أن» من وجه وهو: أن الفعل حدث فيه بها أمران وهما: كونه جوابا وجزاء، وكونه بها مرجح الاستقبال على الحال وكان أمره دون «إذن» بالعكس كما حدث فيه بـ «أن» أمران: وهما: كونه بها في تأويله بمصدر، وكونه بها غير محتمل للحال، وباينتها من وجه وهو: عدم اختصاصها بالأفعال وتقدم اختصاصها بالمستقبل إذ قد يليها الحال، قال: فلشبهها بـ «أن» من وجه، ومباينتها من وجه افتقرت في إعمالها إلى ما يقويها من تصدير وغيره.
انتهى.
ثم ليعلم أنه ليس المراد بكونها مصدرة التصدير اللفظي بل قد يتقدمها كلام وتأتي هي بعده، ولكنها صدر جملتها فيحكم لها بحكم المتصدرة أول الكلام ولهذا قال في شرح الكافية 3: ولا تنصبه وهو مستقبل إلا إذا صدرت الجملة بها، أو كانت في حكم المصدر بها.
وسيأتي الكلام على ذلك مفصلا مبسوطا إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: غالبا بعد قوله: وينصب فإشارة منه إلى ما ذكره عن سيبويه أنه حكى عن بعض فصحاء العرب إهمالها مع استيفاء الشروط.
وعرف من قوله: (فلو توسّطت «إذن») إلى آخره - معنى ما أراده في التسهيل بقوله: وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر.
- - واستشهد به: على جواز تقديم معمول فعل الجزاء على الجزاء في قوله: «الخير تعقب» فـ «الخير» منصوب بـ «تعقب» وتقديره: تعقب الخير، و «تعقب» مجزوم، وإنما كسرت الباء؛ لأن القصيدة مجرورة، وإنما كان هذا في المجرورة دون المرفوعة والمنصوبة لوجهين: أحدهما: أن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء، فلما وجب تحريكه حركوه حركة النظير، والثاني: أن الرفع والنصب يدخلان هذا الفعل ولا يدخله الجر، فلو حركوه بالضم أو الفتح لالتبس حركة الإعراب بحركة البناء، بخلاف الكسر فإنه ليس فيه لبس.
انظر الإنصاف (ص 622، 623) وانظر البيت في شرح الكافية للرضي (2/ 256)، والخزانة (3/ 642).

................................  وأما ما ذكره ولده فإنه قال 1: «إذن» حرف معناه الجواب والجزاء فلا يصحب إلا جملة هي جواب شرط مذكور كقولهم: إن تأتني إذن آتيك، أو مقدر بـ «إن» إلا في ما بعدها اللام، قال الفراء 2: إذا أتت بعد «إذن» اللام فقبلها «لو» مقدرة نحو: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ 3، وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا 4، وإِذاً لَأَذَقْناكَ 5 التقدير: لو كان معه إله لذهب، ولو فعلت لاتخذوك خليلا، ولو ركنت لأذقناك.
ولا تلزم صدر الجواب بل قد تأتي وسطا [5/ 104] وآخرا نحو: أنا إذن أفعل، وأنا أفعل إذن، ولا تختص بالأفعال وكان حقها أن لا تعمل ولكنهم شبهوها بـ «أن» لغلبة استقبال الفعل بعدها ولأنها تخرج الفعل عما كان عليه إلى جعله جوابا كما تخرج «أن» الفعل عما كان عليه إلى جعله في تأويل المصدر، وعملت عمل «أن» فنصبت المضارع وإن لم تختص به كما عملت «ما» عمل «ليس» وإن لم تختص بالأسماء، هذا مذهب أكثر النحويين، وما عزاه إلى الخليل من أن الفعل بعد «إذن» منصوب بـ «أن» مضمرة إنما مستنده فيه قول السيرافي في أول شرح الكتاب 6: روى أبو عبيدة عن الخليل أنه قال: لا ينصب شيء من الأفعال المضارعة إلا بـ «أن» مظهرة أو مضمرة و «كي» و «لن» و «إذن» وغير ذلك 7. وليس في هذا نص على انتصاب المضارع بعد «إذن» عند الخليل بـ «أن» مضمرة لجواز أن تكون «إذن» مركبة من «إذ» التي للتعليل و «أن» محذوفا همزتها بعد -

................................  النقل على نحو ما رآه في انتصابه بعد «لن» والقول به على ضعفه أقرب من القول بأن «إذن» غير مركبة وانتصاب الفعل المضارع بعدها بـ «أن» مضمرة لأنه لا يستقيم إلا على أن يكون ما بعد «إذن» في تأويل مبتدأ لازم حذف خبره و «إذن» قبله ليست حرفا بل ظرفا مخبرا به عن المبتدأ، وأصلها: إذا قطعت عن الإضافة وعوض عنها التنوين، وكلاهما في غاية من التكلف، والقول بأن «إذن» مركبة من «إذ» و «أن» أسهل منه، وإنما تنصب «إذن» المضارع بشرط كونها مصدرة والفعل مستقبل متصل بها أو منفصل بقسم كقولك لمن قال: أزورك غدا: إذن أكرمك، أو إذن والله أكرمك، فالقسم هنا لا يعدّ حاجزا كما لا يعدّ حاجزا بين المضاف والمضاف إليه.
والمراد بالمصدّرة: ما لم يكن ما بعدها من تمام ما قبلها؛ إما لأنها لم يتقدمها شيء، وإما لأنها تقدمها كلام فيجوز أن يستأنف وينصب الجواب كما لو لم يتقدمها شيء، وذلك نحو قول ابن عنمة 1: 3815 - اردد حمارك لا تنزع سويّته... إذن يردّ وقيد العير مكروب 2 فهذا نصب لأن ما قبله من الكلام فقد استغنى وتمّ، ألا ترى أن قوله: اردد حمارك لا تنزع سويّته كلام قد تم، ثمّ استأنف كأنه أجاب من قال: لا أفعل ذلك فقال: إذن يردّ وقيد العير مكروب وإذا وجدت الشروط المذكورة فالمعروف في كلامهم نصب الفعل بعدها، وزعم -

................................  عيسى بن عمر 1 أن ناسا يقولون: إذن أكرمك - بالرفع - وإليه الإشارة بقوله: (غالبا)، فلو وقعت بين «واو» العطف و «فائه» وبين الفعل المستقبل كنت فيها بالخيار؛ إن شئت أعملتها وشاهده قول سيبويه 2: وبلغنا أن هذا الحرف في بعض المصاحف (وإذا لا يلبثوا خلفك إلّا قليلا)، وقرأ بعضهم 3: (فإذا لا يؤتوا النّاس نقيرا)، وإن شئت ألغيتها وهو الأكثر وبه قرأ القرّاء 4. وإن وقعت بين شرط وجزاء، أو بين مخبر عنه وخبره أو منصوب وناصبه ألغيت، نحو: إن تأتني إذن آتك وأنا إذن اكرمك، وزيدا إذن أضرب، كما تلغى «رأى» و «حسب» إذا توسطت الكلام، وربما نصب بها بين مخبر عنه وخبره كقول الراجز أنشده ابن كيسان: 3816 - لا تتركنّي فيهم شطيرا... إنّي إذن أهلك أو أطيرا 5 ولو كان الفعل الذي بعدها حالا ألغيت كقولك لمن قال: أحبّك: إذن أصدقك، بالرفع؛ لأنه موضع لا يعمل فيه أخوات «إذن» فلم تعمل هي فيه.
وكذلك لو كان منفصلا بغير قسم كقولك: إذن زيد يكرمك، وإذن طعامك تأكل، وإذن فيك أرغب؛ فليس في هذا ونحوه إلا الرفع لوجود الفصل، وأجاز ابن عصفور 6 نصب المضارع بـ «إذن» مع الفصل بالظرف وشبهه، وبالقسم ولم يجز مثل ذلك في غير «إذن» إلا في الضرورة كقوله: 3817 - لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلا... أدع القتال وأشهد الهيجاء 7 وأجاز الكسائي 8 الفصل بالظرف وغيره بين الفعل وناصبه نحو: جئت كي زيدا تضرب، وأنشد: -

................................  3818 - وشفاء غيّك خابرا أن تسألي 1 وحمله الفراء 2 على أن «خابرا» حال من «الغي».
انتهى كلام الإمام بدر الدين رحمه الله تعالى وهو حسن إلا أنني لم ينتظم لي قوله: إلا على أن يكون ما بعد «إذن» في تأويل مبتدأ لازم حذف خبره، مع قوله: و «إذن» قبله ليست حرفا بل ظرفا مخبرا به عن المبتدأ؛ لأن قوله: و «إذن» قبله مخبر به عن المبتدأ يناقض قوله: على أن يكون ما بعد «إذن» في تأويل مبتدأ لازم حذف خبره؛ إلا أن يكون قوله: و «إذن» قبله ليست حرفا بل ظرفا مخبرا به عن المبتدأ - ليس من تتمة الكلام الذي هو متصل به بل يكون قد قصد به إبطال أن يكون الخبر لازم الحذف إذا أولنا ما بعد «إذن» بمبتدأ؛ فكأنه يقول: كيف يدعى لزوم حذف الخبر و «إذن» قبل المبتدأ الذي ذكرتم أنه مؤول ليست حرفا بل هي ظرف مخبر به؟ فكأن مراده أن دعوى أن الخبر لازم الحذف باطلة، على أن غرضه إبطال المسألة من أصلها فلا مبتدأ ثمّ ولا خبر.
وأما قوله: في ما رواه أبو عبيدة عن الخليل أن النصب بعد «إذن» بـ «أن» مضمرة 3 -

................................  أنه ليس فيه نص على أن «أن» مضمرة لجواز أن تكون «إذن» مركبة من «إذ» التي للتعليل و «أن» - فكلام صحيح لو لم يكن نقل عن الخليل القول الآخر، لكن القولان منقولان عنه، منهم من نقل عنه أنها مركبة من «إذ» و «أن» 1، ومنهم من نقل أن «أن» مضمرة بعدها وهو أبو عبيدة، والمنقول عن الثقات لا يدفع ولولا أن المصنف علم أن ذلك قول للخليل لما قال: وليست أن مضمرة بعدها خلافا للخليل.
وبعد: فلنذكر مذاهب النحاة في الكلمة المذكورة فنقول 2: ذهب جمهورهم إلى أنها حرف بسيط، وشذ بعض الكوفيين فذهب إلى أنها اسم بسيط [5/ 105] ظرف وهو «إذا» فنوّن واستعمل في الجزاء فحدث فيه معنى الربط والسبب قال: والأصل: إذا جئتني أكرمتك فحذف المضاف إليه «إذا» وهو الجملة وعوض منها التنوين كما في «حينئذ» وحذفت الألف لالتقاء الساكنين.
وأما الخليل فنقل عنه 3 أنها حرف مركب من «إذ» و «أن» وغلب عليها حكم الحرفية ونقلت حركة الهمزة إلى «الذال» وحذفت وصار هذا النقل ملتزما، فإذا قيل: أزورك فقلت: إذن أزورك فكأنك قلت: حينئذ زيارتي واقعة، ونقل عنه أبو عبيدة أن «أن» مضمرة بعدها، لكن الذي حكاه سيبويه عنه - أعني عن الخليل - أنها تنصب بنفسها 4. وقد ذهب بعض المتأخرين 5 إلى أنها مركبة من «إذا» و «أن» فحذفت همزة «أن» ثم ألف «إذا» لالتقاء الساكنين، قال: فيدل على الربط بـ «إذا» ويكون النصب بـ «أن».
وإذ قد عرف هذا فلنشر إلى أمور: -

................................  منها: أن هذه الكلمة التي هي «إذن» تلتها الجملة الاسمية فيقال لمن قال: أزورك: إذن أنا مكرم لك، وتتوسط بين المبتدأ وخبره فيقال: أنا إذن مكرم لك، وبين معمول الناسخ وخبره قال الله تعالى: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ 1، ويليها المضارع فتنصبه بالشروط المذكورة وهي: أن تكون مصدّرة، وأن يكون الفعل مستقبلا، وأن لا يكون مفصولا بينها وبينه بغير قسم، وكذا إن كان الفصل بنداء أو بـ «لا» فإنه كالفصل بالقسم كما تقدم، ومتى كان الفصل بغير ذلك بطل عملها كقولك: إذن سوف أكرمك، وإذن سأحسن إليك، وكذا إن كان الفعل غير مستقبل بأن يكون حالا كما تقدم.
وأما إذا كانت غير مصدرة فإما أن تتأخر وإما أن تتوسّط، فإن تأخرت بطل عملها نحو أن تقول في الجواب: أكرمك إذن، وإن توسطت فقد عرفت من كلام المصنف في شرح الكافية: أنها إذا توسطت بين خبر وخبر أو بين ذي جواب وجواب ألغيت وأن النصب بها شذ بين ذي خبر وخبر، وأنها إذا قدّم عليها حرف عطف جاز إلغاؤها وإعمالها وأن الإلغاء أجود وأن القرآن العزيز جاء به.
وإلى ذلك الإشارة بقوله في التسهيل: (وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر)، وقد فهم من قول المصنف: وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر - أنها قد تنصب متوسطة في هذين الموضعين، وأنها إن توسطت في غيرهما وجب إلغاؤها كما لو توسطت بين الشرط وجوابه نحو: إن تكرمني إذن أكرمك، ونحو: والله إذن لأكرمنّك، ومنه قول الشاعر: 3819 - لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها... وأمكنني منها إذن لا أقيلها 2

................................  فـ «لا أقيلها» جواب القسم المحذوف الذي دلت عليه «اللام» الموطئة في «لئن».
وقد ذكر الجماعة - أعني المغاربة - ما دل عليه كلام المصنف بمنطوقه وبمفهومه بصورة تقسيم فقالوا 1: إذا كانت «إذن» متوسطة فإما أن يفتقر ما بعدها إلى ما قبلها أو لا، فإن افتقر فإما أن يكون افتقار الشرط لجزائه، أو افتقار القسم لجوابه، أو افتقار الخبر للمخبر عنه، فإن كان افتقار الشرط أو افتقار القسم فالإلغاء ولا يجوز العمل، وإن كان افتقار الخبر نحو: أنا إذن أكرمك، وزيد إذن يكرمك فالإلغاء أيضا ولكن قد ينصب بها حينئذ، قالوا: وإنما يجيز النصب الكوفيون، وأما البصريون فيلغونها حتما، وإن لم يفتقر ما بعدها لما قبلها وذلك بأن يتقدمها حرف عطف فما بعدها إما أن يكون معطوفا على ما له محل من الإعراب أو على ما لا محل له، فإن كان الأول فالإلغاء نحو قولك: إن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك - بجزم أحسن - ولا يجوز غير ذلك إذا قدّرت أنها مع ما بعدها عطف على جواب الشرط، وكذلك: زيد يقوم وإذن يكرمك إن عطفت على الخبر ألغيت إذ يصير مثل: زيد يكرمك؛ لأن المعطوف على الخبر خبر، وإن كان الثاني بأن يكون قد عطف على الجملة المتقدمة من الشرط والجزاء ومن المبتدأ والخبر جاز إذ ذاك الإلغاء، رعيا لحرف العطف، والإعمال لأن المعنى على استئناف ما بعد حرف العطف حتى قال بعضهم: إن عطفت على الجملة المتقدمة أعملت وصار لها حكمها إذا صدرت.
انتهى ما ذكروه، وهذا الذي قالوه قد قلنا: إن كلام المصنف يعطيه بالمنطوق والمفهوم.
فإن قلت: كيف تستفيد وجوب الإلغاء من كلامه في نحو: إن تزرني أزرك وإذن أحسن إليك وهو قد أجاز الأمرين بعد حرف العطف؟ قلت: لم يجز الأمرين وإنما قال: وربّما نصب بها بعد عطف - فأفاد أن الإلغاء هو المعمول به وأن الإعمال موقوف على السماع.
- - حلفت برب الراقصات إلى منى... يغول البلاد نصلها وذميلها وجواب القسم «لا أقيلها».
اه.
فليس القسم محذوفا كما ذكر المؤلف.
والبيت في الكتاب (3/ 15) (هارون) وابن يعيش (9/ 13، 22)، وشرح الكافية للرضي (2/ 239).

................................  ومنها: أن صاحب الإفصاح قال 1: واعلم أن قول النحويين في هذا: إنه إلغاء؛ فيه تجوّز؛ لأن الإلغاء في الحقيقة: ترك العمل مع التسلط، ولذلك جاز العمل في كل ما يلغى حقيقة لتسلطه في المعنى والحكم نحو: زيدا قائما ظننت، فأما نحو: إن زيدا إذن يكرمك فـ «يكرمك» خبر «إنّ» وما دخلت عليه «إذن» محذوف كجواب «إن» في قولك: زيد إن قمت يقوم؛ لأن ما يطلب جوابا لا بد له منه لفظا أو تقديرا، فكيف يصح أن تقول: ألغي عنه وهو لم يدخل عليه ولا توجّه حكمه عليه؟ لكن تجوّز النحويون في ذلك فسموه إلغاء من حيث دخل على فعل قد يعمل فيه في موضع ما على وجه ما فلم يعمل فيه، ومما يدل على هذا أنك إذا قلت: أنا أكرمك إذن، كيف يصح تسلط «إذن» على ما قبلها؟ وإنما حذفوا جوابها لدلالة ما تقدم عليه كما تقول: أكرمك إن تقم، وأنا مكرم لك لو وافيتني، وإني أكرمته لما جاءني فـ «إذن» هنا كسائر ذوات الجزاء؛ لأنها جزاء [5/ 106] ولذلك جاز فيها: إذن والله أكرمك بالنصب وليس من نواصب الفعل ما يفصل بينه وبين معموله بالقسم سواها، وجاز في «إذن» من حيث هي طالبة جواب، وشأن طالبي الجواب إذا اجتمعا أن يعامل الأول ويستغنى بجوابه عن الثاني فقلت: إذن والله أكرمك، كما قلت: إن تقم والله أكرمك، فإن عكست قلت: والله إذن لأكرمنّك فـ «إذن» ليست ملغاة وإنما حذف جوابها كما حذف جواب القسم في العكس المتقدم.
انتهى كلام صاحب الإفصاح وهو كلام حسن ناشئ عن فقه نفس.
وقوله: وشأن طالبي الجواب إذا اجتمعا أن يعامل الأول ويستغنى بجوابه عن جواب الثاني صحيح ولكنه ليس على إطلاقه، فإنه إذا اجتمع الشرط و «إذن» فالحكم للشرط تقدم أو تأخر تقول: إذن إن تكرمني أكرمك؛ فتجزم «أكرمك» بالشرط ولا تنصبه بـ «إذن»، وتقول: إن تكرمني إذن أكرمك، وتجزمه لأن «إذن» متوسطة.
أشار إلى ذلك ابن أبي الربيع، قال 2: وإنما كان الحكم للشرط لأنه أقوى في الجزاء وأنت لو أسقطت «إذن» واكتفيت بـ «إن» لأجزأك ذلك وفهم المعنى الذي يفهم من «إذن» قال: وليس القسم مع «إذن» كذلك؛ لأن -

................................  كل واحد منهما يعطي ما لا يعطيه الآخر فكان الحكم للمتقدم.
انتهى.
وعلى هذا الذي تقرر جاء قول الحماسي: 3820 - لو كنت من مازن لم تستبح إبلي... بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا إذن لقام بنصري معشر خشن... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا 1 فذكر جواب «لو» 2 وحذف جواب «إذن».
ومنها: أن الذي قاله المصنف وهو أن «إذن» معناها: الجواب والجزاء هو مذهب سيبويه 3، لكن الفارسى 4 فهم من كلام سيبويه أنها تارة تكون للجواب فقط وتارة تكون للجواب والجزاء: فمعناها اللازم لها الجواب، وأما الجزاء فتارة يوجد معها، وتارة لا يوجد، فمثال ما هي فيه جواب محض أن يقول القائل: أحبّك، فتقول: إذن أظنك صادقا، فهذه لا يتصور فيها الجواب إذ لا يقدر: إذا أحببتني أظنك صادقا، ومثال ما هي فيه للجزاء مع الجواب - وذلك هو الكثير فيها - أن يقول القائل: أزورك فتقول: إذن أحسن إليك، فإن المعنى: إذا زرتني أحسنت إليك، قالوا: ونظير ذلك أن سيبويه قال في نعم: إنها عدة وتصديق 5، وإنما ذلك باعتبار حالين؛ لأنها تكون عدة في المستقبل، وتصديقا في الماضي.
ولا شك أن الذي قاله الفارسي هو الظاهر، والمنقول عن الشلوبين 6 أنه يرى أن -

................................  الجزاء معنى لا يفارقها، ولا يخفى أن تقدير كونها للجزاء في نحو: إذن أظنك صادقا جوابا لمن قال: أحبك - متعذر، ثم إذا تقرر أن الجواب معنى لا يفارقها علم أنه لا يجوز أن يقال: إذن يقوم زيد؛ ابتداء من غير أن يجاب بذلك أحد.
فأما قوله تعالى: قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ 1 فقد حمل على أنه جواب لقول فرعون: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ 2 يريد: من الكافرين لأنعمنا، فقال صلّى الله عليه وسلّم: لم أفعل ذلك كفرا لنعمتك كما زعمت بل فعلتها وأنا جاهل أن الوكزة تقضي عليه، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ 3: (وأنا من الجاهلين).
وقد خرج الشلوبين الآية الشريفة على الشرط والجزاء فقال: التقدير: إن كنت فعلت ذلك كافرا بأنعمك كما زعمت فأنا ضال ولم يثبت بذلك لنفسه كفرا ولا ضلالا لأنه لم يفعل ذلك وهو كافر كما زعم فيلزم أن يكون من الضالين بل فعلها - أعني الوكزة - ولم يقصد بها قتله ولم يحمل الكافرين على كفران النعمة ولا الضلال على الجهل، قال: لأن الضلال والكفر لا يستعملان لذلك المعنى إلا مقيدين فيقال: كافر بالنعمة وضال عن الشيء.
انتهى.
وأما قول الشاعر: 3821 - اردد حمارك لا يرتع بروضتنا... إذن يردّ وقيد العير مكروب 4 فقد تقدم التقرير فيه من كلام الإمام بدر الدين 5، وأن الكلام الذي قبل «إذن» قد تمّ ثم استأنف كأنه أجاب من قال: لا أفعل ذلك فقال: إذن يردّ وقيد العير مكروب وأما قول المصنف: وأجاز بعضهم فصل منصوبها بظرف اختيارا؛ فقد تقدم الكلام على هذه المسألة بما فيه غنية.
-

[إضمار «أن» وجوبا بعد «لام» الجحود وبعد «حتى»]

قال ابن مالك: (فصل: ينصب الفعل بـ «أن» لازمة الإضمار بعد «اللّام» المؤكّدة لنفي في خبر «كان» ماضية لفظا أو معنى، وبعد «حتّى» المرادفة لـ «إلى» أو «كي» الجارّة أو «إلّا أن»، وقد تظهر «أن» مع المعطوف على منصوبها).
وأما قوله: وقد يرد ذلك مع غيرها اضطرارا فأشار به إلى البيت الذي تقدم ذكره وهو قول الشاعر: 3822 - لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلا... أدع القتال وأشهد الهيجاء 1 وكذا تقدم 2 القول أيضا على ما أراد بقوله: وربّما نصب بها بعد عطف أو ذي خبر.
قال ناظر الجيش: قد تقدم أن «أن» شبيهة لفظا وتأولا بأحد عوامل الأسماء، وأنها كذلك تعمل مضمرة كما تعمل مظهرة، وتقدم أنها تضمر وجوبا بعد أحرف ستة وهي: «كي»، و «لام» الجحود، و «حتى»، و «أو»، و «الفاء»، و «الواو»، ولما تقدم له ذكر «كي» في الفصل المفروغ منه شرع في ذكر خمسة الأحرف الباقية فذكرها في هذا الفصل والفصل الذي يليه، وإنما أفرد «كي» عن أخواتها المذكورة فذكرها في ما سبق؛ لأنه لما ذكر الناصبة بنفسها وهي الموصولة استطرد فذكر أنها تنصب بعدها بـ «أن» مضمرة إذا كانت الجارة ليستوفي الكلام عليها ناصبة وجارة.
وكون النصب بـ «أن» مضمرة بعد هذه الأحرف الخمسة هو مذهب البصريين 3، والكوفيون يرون أن النصب بعد «اللام» و «حتى» بهما أنفسهما 4، وأن النصب بعد «أو»، و «الفاء» و «الواو» بالخلاف 5، والجرمي 6 يرى أن الأحرف الثلاثة هي الناصبة أنفسها وما ذهب إليه البصريون [5/ 107] هو الحق، أما -

................................  «اللام» و «حتى» فلأنهما حرفا جر ومعناهما إذا نصب الفعل بعدهما كمعناهما فوجب أن يقدر ما دخلتا عليه اسما ولا يقدر الفعل إلا بحرف مصدري، ولا جائز أن يكون ذلك الحرف «أنّ»؛ لأنها لا دخول لها على الأفعال، ولا جائز أن يكون «ما» لأن الفعل منصوب و «ما» لا تنصب ظاهرة فكيف تنصب مضمرة؟ ولا جائز أن يكون «كي» أما إن كانت الجارة فظاهر، وإن كانت غير الجارة فلم يثبت لها أن تعمل مضمرة، كيف والكوفيون ينفون أن تكون «كي» ناصبة أصلا ويجعلون النصب بعدها بإضمار «أن» كما تقدم 1 التنبيه على ذلك؟ وإذا كان كذلك تعيّن أن المقدر بعد الحرفين المذكورين - أعني «اللام» و «حتى» - هو «أن» ويقوي ذلك - أعني أن المقدر هو «أن» - إظهارهم لها مع «اللام» فدل ذلك على أنها هي مضمرة مع «اللام» وغير اللام أيضا.
وأما «الفاء» و «الواو» فلأنهما حرفا عطف، ولما وقعا صدر أجوبة الأمور التسعة المذكورة 2 وتعذر عطف الثاني على الأول للمخالفة التي بينهما - كما سيبين بعد - عدل عن عطف الفعل على الفعل إلى عطف الاسم على الاسم ولا يمكن ذلك إلا بتأويل جعل الأول اسما، وإذا جعل اسما فلا يعطف عليه الفعل إلا بتأويل الاسم، وحينئذ تعيّن تقدير «أن» فكانت مع الفعل الذي نصبته في تأويل المصدر، ولزم أن يكون المعطوف عليه مصدرا متوهما يدل عليه الفعل المتقدم 3، فإذا قيل: ائتني فأكرمك، فالتقدير: ليكن إتيان منك فإكرام مني، وكذا إذا قيل: ما تأتينا فتحدثنا، فالتقدير: ما يكون منك إتيان فحديث.
وأما «أو» فإما أن تقدّر عاطفة فالكلام فيها كالكلام في «الفاء» و «الواو»، وإما أن تقدّر بمعنى «إلى» فالكلام فيها كالكلام في «اللام» و «حتى»، وإما أن تقدّر بمعنى «إلّا» منقطعة، و «إلّا» المنقطعة لا يقع بعدها إلا الاسم وحينئذ يجب تقدير «أن» بعدها.
واستدل الكوفيون 4 على أن النصب بالخلاف بأن قالوا: إن الثاني لم يكن -

................................  داخلا في معنى الأول من نهي أو نفي أو غير ذلك من الأشياء التي يذكر جوابها لكونه مخالفا له، فلما لم يكن داخلا فيه نصب بالخلاف، وردّ ذلك بأمرين: أحدهما: أن عوامل الأفعال بالنسبة إلى العمل فرع عوامل الأسماء، ولا شك أن الخلاف أمر معنوي ولا يوجد نصب في الاسم بعامل معنوي.
ثانيهما: أن الخلاف لو كان ناصبا لجاز أن يقال: ما قام زيد بل عمرا، وأيضا فليس نصب الثاني لمخالفة الأول بأولى من نصب الأول لمخالفة الثاني.
وأما الجرمي فإنه قد قال: قد وجد الفعل بعد «الفاء» و «الواو» منصوبا ولم يقم دليل على إضمار «أن» فكان النصب بهما، ولا يخفى فساد هذه الدعوى؛ لأن «الفاء» مثلا قد ثبت أنها حرف عطف في غير هذا الموضع فينبغي أن تحمل على ما ثبت لها من العطفية وإذا كانت حرف عطف وجب أن يكون النصب بعدها بـ «أن» مضمرة، فقد قام الدليل على الإضمار.
وإذ قد عرف هذا فلنذكر كلام الإمام بدر الدين ثم نردفه بما سنقف عليه: قال 1 رحمه الله تعالى: ينصب الفعل بـ «أن» لازمة الإضمار بعد «لام» الجحود، و «حتى» و «الواو» و «الفاء» وأما «لام» الجحود فهي المؤكدة لنفي خبر «كان» ماضية لفظا نحو: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ 2 أو معنى نحو: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا 3 وسميت مؤكدة لصحة الكلام بدونها، كما تقول في نحو: ما كان زيد ليفعل: ما كان زيد يفعل، لا لأنها زائدة لا معنى لها، إذ لو كانت كذلك لما كان لنصب الفعل بعدها وجه صحيح، وإنما هي لام اختصاص 4 دخلت على الفعل لقصد معنى: ما كان زيد مقدرا أو هامّا أو مستعدّا أن يفعل 5، وكذا قال سيبويه 6: وكأنك إذا مثلت قلت: ما كان زيد لأن يفعل أي: ما كان زيد لهذا الفعل، ولام الجر مختصة بالأسماء فلذا وجب في -

................................  المضارع إذا وليها نصبه بـ «أن» مضمرة لتكون هي والفعل في تأويل اسم مجرور باللام، ولا يجوز إظهار «أن» بعد «لام» الجحود؛ إما لأن ما قبل «اللام» من التقدير قد دل على الاستقبال فأغنى عن ظهور «أن» وإما لأن ما بعد «اللام» جواب ونقض لفعل ليس في تقدير اسم كأنه قيل: زيد سيفعل فقلت: ما كان زيد ليفعل، فلو أظهرت «أن» لجعلت مقابل الفعل لفظ الاسم وهو قبيح، وقال الكوفيون 1: اللام هي العاملة، وأجازوا تقديم معمول الفعل عليها وأنشدوا: 3823 - لقد عذلتني أمّ عمرو ولم أكن... مقالتها ما دمت حيّا لأسمعا 2 وهو عند البصريين 3 محمول على إضمار فعل كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها.
وأما «حتى» فيليها الفعل المضارع منصوبا بـ «أن» مضمرة إذا كانت حرف جر بمعنى «إلى» أو «كي» فالأول نحو قولك: أنا أسير حتى أدخلها تريد: أن الدخول غاية للسير ومثله: لأمشينّ حتى تغيب الشمس، وقوله تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى 4، والثاني: كقولك: سرت حتى أدخلها، تريد أن الدخول علة للسير، ومثله: سألته حتى يعطيني، ولأتوبنّ حتى أدخل الجنة، وزاد الشيخ 5 - رحمه الله تعالى - كونها بمعنى «إلا أن» واستشهد بقول -

................................  الشاعر 1: 3824 - ليس العطاء من الفضول سماحة... حتّى تجود وما لديك قليل 2 بناء على أنك لو جعلت «إلّا أن» مكان «حتى» فقلت: ليس العطاء من الفضول سماحة إلا أن تجود وما لديك قليل؛ كان المعنى صحيحا، وأرى أنك لو جعلت «إلى أن» فيه مكان «حتى» لم يكن المعنى فاسدا.
وإذا كان الفعل بعد «حتى» غاية أو علة كان من تمام الجملة التي قبلها فعند سيبويه 3 أنها [5/ 108] حرف جر والفعل بعدها نصب بـ «أن» مضمرة، ولا يجوز إظهارها؛ لأن «حتى» صارت لطولها بدلا من اللفظ بـ «أن»، وعند الكوفيين 4 النصب بعد «حتى» بها، ولو أظهرت «أن» فقلت: لأسيرنّ حتى أن أصبّح القادسية؛ جاز وكان النصب بـ «حتى» و «أن» بعدها توكيد.
قال الكسائي 5: «حتى» لا تخفض إنما تخفض بعدها «إلى» مضمرة ومظهرة فيقال: أكلت السمكة حتى رأسها، وحتى إلى رأسها، فقد حصل بهذا أن «حتى» لا تعمل في الأسماء إذ كان الخفض بعدها بغيرها.
وقال الفراء 6: حتى من عوامل الأفعال، وقال في حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ 7، هي الخافضة لـ «مطلع» لما قامت مقام «إلى».
والمختار قول سيبويه؛ لأنه لو كانت «حتى» هي الناصبة للفعل للزم إما حسن الخفض بالجار المحذوف، وإما كون «حتى» تعمل الجر في الأسماء والنصب في الأفعال، ولظهر الجر قبلها في نحو: لأسيرن حتى تغرب الشمس؛ كما ظهر قبل -

................................  «أن» فهي إذن حرف جر والفعل بعدها نصب بـ «أن» لازمة الإضمار، وقد تظهر «أن» في المعطوف على منصوبها كما قد ذكر؛ لأنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل كقول الشاعر: 3825 - ومن تكرّمهم في المحل أنّهم... لا يعرف الجار فيهم أنّه الجار حتّى يكون عزيزا من نفوسهم... أو أن يبين جميعا وهو مختار 1 انتهى.
وقوله: وإما لأن ما بعد اللام جواب ونقض لفعل ليس في تقدير اسم كأنه قيل: زيد سيفعل فقلت: ما كان زيد ليفعل، فلو أظهرت «أن» لجعلت مقابل الفعل لفظ الاسم وهو قبيح - قد يقال فيه: إن تقدير «أن» يصير الفعل في تقدير الاسم وحينئذ تكون مقابلة الاسم للفعل حاصلة أيضا، إلا أن يقال: المراد القبح اللفظي وذلك إنما يتم إذا قوبل الفعل بلفظ الاسم، وأما مقابلته باسم مقدر فليس كذلك، ولكن قد يقال: الاسم مع ظهور «أن» مقدر أيضا كما هو مع إضمارها، وإذا كان كذلك فلم يقابل الفعل بلفظ الاسم.
وفي شرح الشيخ 2: ولم يجز إظهار «أن» - يعني في نحو: ما كان زيد ليفعل -؛ لأن إيجابه كان زيد سيقوم، فجعلت اللام في مقابلة السين، فكما لا يجوز أن يجمع بين «أن» الناصبة وبين «السين» أو «سوف» فكذلك كرهوا أن -

................................  يجمعوا بين «اللام» و «أن» في اللفظ، ويدلك على المقابلة أنه لا يجوز: ما كان زيد سيقوم، ولا: سوف يقوم؛ استغناء بقولهم: ليقوم.
وفي الشرح المذكور أيضا: وسأل محمد بن الوليد 1 ابن أبي مسهر 2 - وكانا قد قرآ كتاب سيبويه على المبرد - فقال له: لم أجاز سيبويه إظهار «أن» مع لام «كي» ولم يجز ذلك مع لام النفي؟ فلم يجب بشيء.
انتهى.
وإذ قد عرف هذا فلنذكر أمورا تتعين الإشارة إليها: منها: أنهم ذكروا أن النفي في هذه المسألة - أعني نفي الكون - إنما يكون بـ «ما» أو بـ «لم» ولا يكون بـ «إن» ولا بـ «لا» ولا بـ «لما» ولا بـ «لن» 3. ومنها: أن بعضهم 4 ذهب إلى أن أخوات «كان» تجري مجرى «كان» في ما ذكر قياسا فيقال: ما أصبح زيد ليضرب عمرا، ولم يصبح زيد ليذهب، وذهب بعضهم 5 إلى جواز ذلك في «ظننت» أيضا نحو: ما ظننت زيدا ليضرب عمرا، ولم أظنّ زيدا ليضرب عمرا، وهذا كله غير مقبول إذ لم يرد منه شيء في كلام العرب.
ومنها: أنهم ذكروا أنه لا يجوز في نفي «كان زيد سيفعل» أن يقال: ما كان زيد يفعل، فيسقط اللام 6. ومنها: أنهم اختلفوا في خبر «كان» ما هو في مثل هذا التركيب؟ فالبصريون 7 يرون أنه محذوف وهو الذي تتعلق به «اللام» فالنفي واقع على الخبر المحذوف ويلزم من انتفائه انتفاء متعلقه، فالتقدير في وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ 8: وما كان الله مريدا لإضاعة إيمانكم، ويكون خبر «كان» قد التزم -

................................  حذفه في هذا التركيب، وحامل البصريين على ذلك أن المضمرة ينسبك منها مع الفعل مصدر مقدر جره بـ «لام» الجر، ولا شك أن ذلك غير صالح لأن يكون خبرا. وذهب الكوفيون 1 إلى أن الواقع بعد «اللام» هو الخبر، وقد عرفت أن «اللام» عندهم هي الناصبة للفعل بعدها. وكون الواقع بعد اللام هو خبر هو ظاهر كلام المصنف لقوله: بعد اللّام المؤكّدة لنفي في خبر «كان». لكن قال الشيخ 2: يتركب من قوله مذهب لم يقل به أحد؛ لأنه زعم أن «أن» لازمة الإضمار وأن النصب بها، وزعم أن الفعل خبر وهذا ليس بقول بصري ولا كوفي. انتهى. ولا شك أن الذي يعطيه كلام المصنف صريحا أن الواقع بعد «اللام» هو خبر «كان» إلا إن كان قد تجوز فأطلق اسم الخبر على متعلق الخبر، وقد يرشد إلى ذلك قول بدر الدين ولده 3: وإنما هي لام اختصاص دخلت على الفعل لقصد: ما كان زيد مقدرا أو هامّا أو مستعدّا لأن يفعل، على أن قول البصريين يلزم منه لزوم حذف الخبر في هذا التركيب، وبعد فقول البصريين يلزم منه وجوب حذف خبر «كان» وقول الكوفيين يلزم منه أن تكون «اللام» هي الناصبة للفعل. ثم إن الشيخ قال 4: والدليل على صحة ما قدّره البصريون أنه قد جاء مصرحا به في بعض كلام العرب قال الشاعر: 3826 - سموت ولم تكن أهلا لتسمو... ولكنّ المضيّع قد يصاب 5

................................  قال: فصرح بالخبر - الذي هو قوله: أهلا - مع وجود اللام والفعل بعدها وصحة أن لو قال: سموت ولم تكن لتسمو.
انتهى.
وما قاله الشيخ غير ظاهر؛ فإن المراد من: «ولم تكن أهلا لتسمو» نفي الأهلية للسمو لا نفي السمو، وكيف وقد أثبت له السمو بقوله أولا: سموت، والمراد من: «ولم تكن لتسمو»: نفي السمو.
وقد يكون مع ذلك أهلا وقد لا يكون فليس تركيب: ولم تكن أهلا لأن يفعل كذا من تركيب: ولم يكن ليفعل كذا في شيء.
ومنها: أن الشيخ نقل 1 عن «البديع» لمحمد بن مسعود [5/ 109] الغزني 2: أنه لا يجوز إظهار «أن» في مثل: ما كان زيد ليفعل إلا بشرط أن يظهر خبر «كان» فيقال: ما كان زيد مريدا لأن يفعل؛ وذلك لأن المحذوفات من كل أمر مشهور إذا أريد ردها فالحق أن ترد كلها حتى يرجع الكلام إلى أصله أو تضمر كلها حتى يبقى الكلام على شهرته نحو: إياك والأسد؛ فلا يجوز أن يرد بعضها ويضمر بعض، لا يقال: إياك احفظ والأسد، بل: إياك احفظ واحذر الأسد.
وقال ابن الأنباري 3: لا يجوز: ما كان عبد الله لأن يزورك؛ بإظهار «أن» بعد اللام عند كوفي ولا بصري.
ومنها: أن بعضهم أجاز حذف «اللام» وإظهار «أن» نحو: ما كان زيد أن يقوم، والأصح أن ذلك لا يجوز 4. ومنها: أن الشيخ نقل 5 عن ابن هشام الفهري 6 أنه قال: إن الفعل الداخل -

................................  عليه «لام» الجحود لا يرفع إلا ضمير الاسم السابق لا السببي؛ فلا يجوز أن يقال: ما كان زيد ليقوم أخوه؛ لأنه سببي، قال الشيخ 1: ولا نعلم أحدا نبّه على هذا إلا هذا: ابن هشام.
ومنها: أن المصنف إنما قيد «حتى» بقوله: المرادفة لـ «إلى» أو «كي» الجارّة احترازا من «حتى» التي هى لابتداء الغاية ومن «حتى» العاطفة.
وأما قوله: إنها ترادف «إلا أن» مستدلّا بقول الشاعر: 3827 - ليس العطاء من الفضول سماحة... حتّى تجود وما لديك قليل 2 فقال الشيخ 3: الذي ذكره معظم النحويين في معنى «حتى» إذا انتصب ما بعدها: أنها تكون للغاية أو التعليل فهي تنصب عندهم على أحد هذين المعنيين، وإما أن تكون بمعنى: «إلا أن» فتكون للاستثناء فذكر هذا المصنف، قال: وقد أغنانا ابنه عن الرد على أبيه في ذلك فقال 4: - يعني بدر الدين -: وأرى أنك لو جعلت «إلى أن» مكان حتى لم يكن المعنى فاسدا، قال الشيخ: وإذا احتمل أن تكون «حتى» فيه للغاية فلا دليل في البيت على أن «حتى» بمعنى: «إلا أن».
انتهى.
ولا شك أن تقدير «إلى أن» في البيت المذكور يلزم منه أن يكون مقصود الشاعر أن السماحة إنما يوصف بها من كان له مال كثير فكان يجود منه إلى أن قل ماله ثم إنه استمر يجود مع قلة ماله.
والظاهر أن مقصود الشاعر أن السماحة لا يوصف بها إلا من يجود مع كونه قليل المال في الأصل وجاد منه ابتداء، وإذا كان كذلك تعين في البيت تقدير: «إلا أن» وامتنع تقدير «إلى أن»، على أن الشيخ بعد كلامه الذي نقلناه عنه قال 5: وقال ابن هشام 6 في حديث «كلّ مولود يولد على الفطرة» 7 بعد بحث كثير 8: -

[إضمار «أن» وجوبا بعد «أو»]

قال ابن مالك: (وتضمر أيضا «أن» لزوما بعد «أو» الواقعة موقع «إلى أن» أو «إلّا أن»).
وعندي أنه يجوز أن يكون «على الفطرة» حالا من الضمير، و «يولد» في موضع الخبر بسبب هذه الإفادة و «حتى» بمعنى: «إلا أن» المنقطعة كأنه قيل: إلا أن يكون أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، والمعنى: لكن أبواه يهودانه أو ينصرانه، وقد ذكر النحويون هذا المعنى في أقسام «حتى» ومنه قول امرئ القيس: 3828 - والله لا يذهب شيخي باطلا... حتّى أبيد مالكا وكاهلا 1 المعنى: إلا أن أبيد، وهو منقطع بمعنى: لكن أبيد، وقال سيبويه 2: وأما قولهم: والله لا أفعل إلا أن تفعل، فإن «تفعل» في موضع نصب وليس بمبتدأ والمعنى: حتى تفعل وكأنه قال: أو تفعل، وقد بيّن أن «أو تفعل» إذا نصب الفعل بعدها بمعنى: «إلا أن» فهذا بيان من كلامهم.
انتهى.
ويكفي هذا الذي نقله الشيخ عن ابن هشام وما ذكره ابن هشام من كلام سيبويه في صحة ما ذكره المصنف فكيف يقول الشيخ: وإما أن تكون بمعنى: «إلا أن» فتكون للاستثناء فذكره هذا المصنف ثم يقول: وقد أغنانا ابنه عن الرد على أبيه في ذلك؟ ومنها: أن في البيت الذي تقدّم إنشاده وهو: 3829 - حتّى يكون عزيزا من نفوسهم... أو أن يبين جميعا وهو مختار 3 دليلا على صحة مذهب البصريين في أن «أن» مضمرة بعد «حتى» لكونها ظهرت في المعطوف، هكذا ذكروا 4 وفيه نظر.
قال ناظر الجيش: تقدم لنا أن «أن» تضمر لزوما بعد ستة أحرف منها ثلاثة -

................................  أحرف جر وهي: «كي» و «لام» الجحود و «حتى» وثلاثة أحرف عطف، وقلنا: إن الكلام تقدم على «كي» في الفصل المتقدم، ولما أنهى الكلام في هذا الفصل على بقية الثلاثة وهما: «لام» الجحود و «حتى» شرع في ذكر أحرف العطف وهي: «أو» و «الفاء» و «الواو»، وبدأ بالكلام على «أو» وأنا أذكر كلامه في شرح الكافية ثم كلام ولده ثم أتبع ذلك بما تيسر. قال 1 رحمه الله تعالى: والفعل ينصب بـ «أن» واجبة الستر بعد «أو» التي يحسن في موضعها «إلى» أو «إلا» كقولك: لأنتظرنه أو يقدم، ولأقتلن الكافر أو يسلم؛ أي: لأنتظرنه إلى أن يقدم، ولأقتلن الكافر إلّا أن يسلم، ومن الآتية بمعنى «إلى» قول الشاعر: 3830 - لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى... فما انقادت الآمال إلّا لصابر 2 ومن الآتية بمعنى: «إلّا» قول الشاعر: 3831 - وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما 3 ويحتمل الوجهين قول امرئ القيس: 3832 - فقلت له لا تبك عينك إنّما... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا 4

................................  وتقدير «إلى» و «إلّا» في موضع «أو» تقدير لحظ فيه المعنى دون الإعراب، والتقدير الإعرابي المرتب على اللفظ أن يقدر قبل «أو» مصدر وبعدها «أن» ناصبة للفعل وهما في تأويل مصدر معطوف بـ «أو» على المقدر قبلها فتقدير لأنتظرنه أو يقدم: ليكونن انتظار أو قدوم، وتقدير «لأقتلن الكافر أو يسلم»: ليكونن قتله أو إسلامه، وكذلك العمل في غيرهما.
وقال بدر الدين ولده 1: أما «أو» فهي حرف عطف معناها: الشكّ والإبهام، ويليها المضارع على وجهين: أحدهما: أن يكون [5/ 110] مساويا للفعل الذي قبلها في الشك فيتبعه في الإعراب كقولك: هو يقيم أو يذهب، وتريد أن تقوم أو تذهب، وليقم زيد أو يذهب.
والثاني: أن يكون مخالفا فيكون هو على الشك والفعل الذي قبل «أو» على اليقين فلا يتبعه في الإعراب؛ لأنه لا يشاركه في حكمه بل ينصب بـ «أن» لازمة الإضمار، إلا أن يقدر بناء الفعل على مبتدأ محذوف فيرفع، وعلامة مخالفة ما بعد «أو» لما قبلها وقوعها موقع «إلى أن» كقولك: لأسيرنّ أو تغرب الشمس، ونحوه قول الشاعر: 3833 - لأستسهلنّ الصّعب أو أدرك المنى... فما انقادت الآمال إلّا لصابر 2 أو موقع «إلّا أن» كقولك: لأقتلن الكافر أو يسلم، ونحوه قول زياد الأعجم 3: 3834 - وكنت إذا غمزت قناة قوم... كسرت كعوبها أو تستقيما 4 وكل ما يصح فيه تقدير «أو» بـ «إلى أن» يصح فيه التقدير بـ «إلا أن» من غير عكس، ولذلك لم يذكر سيبويه 5 إلا تقديرها بـ «إلا أن» وهو الصواب، والأصل فيما مثلنا به: لأسيرن إلا أن تغرب الشمس، ولأقتلن الكافر إلا أن يسلم؛ لأن المراد التعريف بثبوت السير والقتل على كل تقدير إلا عند غروب الشمس -

................................  وإسلام الكافر، فما بعد «أو» مخرج من الأوصاف الثابت معها السير والقتل، فحقه أن يكون مخرجا بـ «إلا» ولكن أقاموا «أو» مقامها لقربها منها، وإذا كان ما بعد «أو» مخالفا في الشك لما قبلها كان ما بعد «إلا» مخالفا لما قبلها، فإذا جاء الفعل بعد «أو» هذه فهو منصوب ما لم يبن على مبتدأ محذوف فيرفع، ونصبه عند البصريين ليس بـ «أو»؛ لأنها حرف عطف وحروف العطف لا تعمل شيئا، بل بـ «أن» مضمرة، قال سيبويه 1 بعد إنشاده قول امرئ القيس: 3835 - فقلت له لا تبك عينك إنّما... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا 2 المعنى: إلا أن نموت فنعذر، ولو رفعه لكان غريبا جائزا على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعا من الأول تقديره: أو نحن ممن يموت، ثم مثّل بقوله: اضربه أو يستقيم، وبقول زياد: 3836 - كسرت كعوبها أو تستقيما ثم قال 3: المعنى: إلا أن تستقيم، وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء إلا أنه لا سبيل إلى الإشراك، فحمل الرفع في المخالف على إضمار مبتدأ والنصب على إضمار «أن» بناء على أنها مع صلتها في تأويل اسم معطوف على ما قبل «أو» لتأوله بمصدر معمول لفعل محذوف تقديره في ما مثلنا: ليكونن سير مني أو غروب للشمس، وليكونن قتل مني للكافر أو إسلام منه، إلا أنهم لا يظهرون «أن» استكراها لعطف لفظ الاسم على لفظ المضارع.
وقال في شرح الألفية 4: فإن قلت: لم نصبوا الفعل بعد «أو» حتى احتاجوا إلى هذا التأويل - يعنى تأويل الفعل قبل «أو» بمصدر معمول لكون مقدر وذلك ليصح عطف ما بعد «أو» على ما قبلها -؟ قلت: ليفرقوا بين «أو» التي تقتضي مساواة ما قبلها لما بعدها في الشك وبين «أو» التي تقتضي مخالفة ما قبلها لما بعدها في ذلك؛ فإنهم كثيرا ما يعطفون الفعل المضارع على مثله بـ «أو» في مقام الشك في الفعلين تارة وفي مقام الشك في الثاني فيهما أخرى فقط، فإذا أرادوا بيان المعنى -

................................  الأول رفعوا ما بعد «أو» فقالوا: أفعل كذا أو أترك ليؤذن الرفع بأن ما قبل «أو» مثل ما بعدها في الشك، وإذا أرادوا بيان المعنى الثاني نصبوا ما بعد «أو» فقالوا: لأنتظرنه أو يجيء ولأقتلنّ الكافر أو يسلم ليؤذن النصب بأن ما قبل «أو» ليس مثل ما بعدها في الشك لكونه محقق الوقوع أو راجحه، فلما احتيج إلى النصب ليعلم هذا المعنى احتيج له إلى عامل ولم يجز أن يكون «أو»؛ لعدم اختصاصها فتعين أن يكون «أن» مضمرة، واحتيج لتصحيح الإضمار إلى التأويل المذكور.
انتهى.
وللباحث أن يبحث معه فيقول: قوله: إن ما بعد «أو» في مثل: لأنتظرنه أو يجيء ولأقتلن الكافر أو يسلم في مقام الشك، وأن ما قبلها فيه محقق الوقوع أو راجحه - غير ظاهر؛ فإن «أو» وضعها أن تكون لأحد الشيئين فإذا استعملت للشك وجب أن يكون الشك في ما قبلها وفي ما بعدها على السواء دون تعيين، فنسبة الشك إلى أحدهما كنسبة الشك إلى الآخر، وأيضا فإن الشك في ما بعد «أو» في قولنا: لأقتلن الكافر أو يسلم، ولأنتظرن زيدا أو يجيء قد لا يسلّم وإن سلّم فكيف يتحقق في نحو قولنا: لأسيرنّ أو تغرب الشمس؟ والذي يظهر أن يقال: إن «أو» إذا وقعت بين فعلين مضارعين فقد يقصد تشريك ما بعدها لما قبلها في المعنى الذي سيقت له من معانيها وحينئذ يعطف بها الثاني على الأول ويكون المقصود إذ ذاك العطف خاصة دون معنى آخر، وقد لا يقصد العطف بل يقصد بـ «أو» ما يقصد بـ «إلى» من الغاية أو بـ «إلا» من استثناء بعض الأحوال فلا يراد حينئذ تشريك بين الثاني والأول في حكمه، وإذا كان كذلك امتنع عطف الفعل الذي بعدها على الفعل الذي قبلها وصار المقصود بذكر «أو» إنما هو الغاية أو الاستثناء، لكن «أو» حرف عطف في أصل وضعها ولا يمكن إهمال المعنى الذي وضعت له فوجب حينئذ الالتجاء إلى عمل يستفاد معه حصول المعنى الذي يقصد من الغاية أو الاستثناء مع بقاء «أو» مع ذلك على بابها من كونها عاطفة فقدرت «أن» بعدها ونصب بها الفعل فرجع الأمر إلى أن المعطوف بها اسم على فعل وعطف الاسم على الفعل لا يجوز إلا في موضع خاص 1؛ فوجب لذلك تقدير مصدر [5/ 111]

................................  من ذلك الفعل الذي قبل «أو» معمول لكون مقدر ليصح عطف ما بعدها عليه، هذا الذي ظهر لي وعلى الناظر أن يتأمل ويحكم بما يؤدى إليه اجتهاده ونظره. ثم الذي يظهر أن الاستثناء المستفاد بـ «أو» هو استثناء مفرغ، إما من الأحوال أو من الأزمان، فإذا قال القائل: لألزمنّك أو تقضيني ديني فالتقدير: لألزمنّك في جميع الأحوال أو في جميع الأزمان إلا في حال أو في زمان قضاء ديني، وكذا التقدير في: لأقتلنّ الكافر أو يسلم. وفي شرح الشيخ 1: قد نقض قولهم: إن «أو» تقدر بـ «إلى» أو بـ «إلّا» بقولك: لأطيعنّ الله أو يغفر لي، قال: فلا يصح تقدير هذا بـ «إلى» ولا بـ «إلا» بل يتعين أن يكون المعنى على «كي» أي: لأطيعن الله كي يغفر لي. ولم يظهر لي: هل هذا النقض للشيخ نفسه أو لغيره؟ لأن كلامه غير مفصح، ثم إن التقدير هنا بـ «إلى» لا يظهر امتناعه؛ لأن الغفران مطلوب للعبد دائما فهو يطيع الله إلى أن يغفر له، ولا يتوهم من هذا أنه إذا غفر له انقطعت طاعته؛ لأنه إذا انقطعت طاعته لا يغفر له، فالطاعة تستمر دائما؛ لأن الغفران مطلوب دائما. ثم قال الشيخ 2: وهذه التقادير التي قدروها لا حاجة إليها وهى تفسير معنى لا تفسير إعراب، قال: وتفسير الإعراب ينجر معه تفسير معنى «أو» فلا حاجة إلى تلك التقديرات، ومعنى «أو» في هذه المسائل هو معناها المستقر لها في العطف من كونها لأحد الشيئين و «أن» مضمرة بعدها فهي عاطفة مصدرا مقدرا على مصدر متوهم فهذا من العطف على التوهم ولذلك اشترط أن يكون قبلها فعل أو اسم في معنى الفعل، أو ظرف أو مجرور حتى يدل على المصدر المتوهم، فإذا قلت: لألزمنّك أو تقضيني حقّي 3 فالتقدير: ليكونن مني لزوم لك أو قضاء لحقي؛ فقد جاء «أو» لأحد الشيئين وهو المعنى الذي استقر لها في العطف. ومما يدل على صحة قولنا: إنه لا يحتاج إلى تلك التقديرات قول الشاعر: 3837 - فسر في بلاد الله والتمس الغنى... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا 4

................................  ألا ترى أنك لو قدرت: تعش ذا يسار كي تموت، أو: إلى أن تموت، أو: إلا أن تموت لم يكن المعنى صحيحا؛ إذ لا يلزم من التماس الغنى عيشة في يسار إلا أن يقع الموت أو إلى أن يقع الموت، وأما التعليل فظاهر البطلان، وإنما المعنى: والتمس الغنى يكن لك عيش في يسار أو موت قبل إدراك اليسار فتعذر إذ لم يكن منك عجز وتقصير فهي هنا لأحد الشيئين، فهذا عطف على مصدر متوهم سبك من قوله: تعش ذا يسار، ولو عطف على تعش ذا يسار فجزم وقال: أو تمت لكان المعنى صحيحا وكان يكون من عطف الفعل على الفعل لا من عطف الاسم على الاسم.
ثم قال: وزعم بعض أصحابنا أن النصب في هذا البيت ضرورة وبنى ذلك على أن النصب بعد «أو» لا يكون إلا إن تقدرت بـ «إلّا أن» وهنا لا تتقدر فلا يجوز ذلك.
قال: وقد بينا نقض ذلك فيما تقدم.
انتهى ما ذكره الشيخ.
ولقائل أن يقول: أما قوله: إن هذه التقادير تفسير معنى لا تفسير إعراب؛ فالأمر كما قال وقد تقدم لنا نقل ذلك عن المصنف.
وأما قوله: إنه لا حاجة إليها؛ لأن تفسير الإعراب ينجر معه تفسير معنى «أو» فيقال في جوابه: إن تفسير المعنى هو الذي حقق لنا أمر الإعراب، ولولا أن يقال: المعنى في: لألزمنك أو تقضيني ديني: لألزمنك إلى أن تقضيني ديني، وفي: لأقتلن الكافر أو يسلم: لأقتلن الكافر إلا أن يسلم؛ لما عرفنا توجيه النصب في الفعل الواقع بعد «أو»، فلما قيل لنا: إن «أو» بمعنى «إلى» في تركيب وبمعنى «إلا» في تركيب آخر علمنا أن «أن» مضمرة قطعا؛ لأن «لام» الجر لا تباشر الفعل، والمستثنى إنما يكون اسما، ثم بعد تقرير ذلك يرجع إلى تفسير الإعراب فقيل: إن «أن» مع الفعل بتقدير المصدر والمصدر لا يعطف على فعل فوجب تأويل ما قبل «أو» بمصدر أيضا ليصح العطف، فـ «أو» في مثل هذا التركيب - وهو الذي لم يقصد فيه تشريك الفعل الذي بعد «أو» في حكم الفعل الذي قبلها - الكلام فيها من جهتين: - = لأحد الشيئين وقد عطفت مصدرا مؤولا على مصدر متوهم والتقدير: والتمس الغنى يكن لك عيش في يسار أو موت قبل إدراك اليسار فتعذر، وعلى هذا فلا يحتاج إلى تقدير «أو» بمعنى «كي» أو «إلى أن» أو «إلا أن» لأن ذلك يؤدي إلى فساد المعنى والبيت في المقرب (1/ 263) وشرح الجمل لابن بابشاذ (رسالة) (ص 306) وشرح الجمل لابن عصفور (2/ 156).

................................  إحداهما: كونها يقصد بها الغاية أو الاستثناء وهذه الجهة ترجع إلى تفسير المعنى.
والجهة الثانية: كونها عاطفة وهذه الجهة ترجع إلى تفسير الإعراب، وإذا كان كذلك تعيّن التعرّض إلى ذكر كل من الجهتين ولا يستغنى عن إحداهما بالأخرى.
وأما البيت الذي أنشده فإن ابن عصفور أنشده في كتبه 1 وجعل النصب فيه بعد «أو» ضرورة، وعلل منع التقادير الثلاثة بما ذكره الشيخ من أنه لا يلزم من التماس الغنى عيشة في يسار إلا أن يقع الموت أو إلى أن يقع الموت.
والذي فهمته من كلام الشيخ المقتدى فيه بابن عصفور أنه لا يلزم من التماس الغنى حصوله، وإذا لم يحصل فكيف يعيش في يسار؟ فإن كان هذا هو مراده فكيف قال بعد ذلك: وإنما المعنى: والتمس الغنى يكن لك عيش في يسار أو موت قبل إدراك اليسار فتعذر؟ وإن كان مراده غير ذلك فالله تعالى أعلم.
والذي يظهر لي في هذا البيت أن «أو» عاطفة فعلا على فعل لا مصدرا مؤولا على مصدر متوهّم، وذلك أن الجمل المقتضية طلبا يجوز أن تضمن معنى الشرط فيكون لها جواب مجزوم على ما هو المقرر عند أهل الصناعة، والفعل الواقع بعد جواب مجزوم يجوز فيه أوجه [5/ 112] ثلاثة 2: أحدها: النصب بإضمار «أن» ولا شك أن قوله: «فسر في بلاد الله» جملة طلبية ضمنت معنى الشرط، وكذا جزم «تعش» الذي هو جواب، فكما يجوز النصب بـ «أن» مضمرة للفعل المعطوف على جواب الشرط الصريح كذا يجوز نصب الفعل -

................................  المعطوف على جواب الشرط المقدر، لكنهم إنما ذكروا ذلك في العطف بـ «الفاء» وب «الواو»، فإن لم يكن ذلك شرطا تمّ ما ذكرته، وإن كان شرط هذا العطف أن يكون بـ «الفاء» أو بـ «الواو» لم يتم إلا أن يقال: حملت «أو» في ذلك عليهما شذوذا. فإن قيل: ليس المعنى على عطف «تموت» على «تعش»!! قلت: قد قال الشيخ: ولو عطف على: «تعش ذا يسار» فجزم وقال: أو تمت لكان المعنى صحيحا وكان يكون من عطف الفعل على الفعل لا من عطف الاسم على الاسم. وإذا قد تقرر هذا فلنذكر أمورا: منها: أن تقييد المصنف «أو» بقوله: الواقعة موقع «إلى أن» أو «إلّا أن» مفيد أمرين وهما: تفسير معناها إذا نصب الفعل بعدها، وتمييزها من «أو» التي يؤتى [بها] للعطف المحض فإن الفعل الذي بعدها يشارك في الإعراب الذي قبلها، وقد ينصب بـ «أن» مضمرة إذا كان قبل «أو» اسم لا يصح عطف الفعل عليه لكن لا يكون إضمار «أن» لازما بل جائزا كما سيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى. ومنها: أن «أو» هذه ترد بعد الخبر والطلب أما الخبر فنحو قوله: 3838 - كسرت كعوبها أو تستقيما ونحو: ما يأتينا أو يستشفع لنا. وأما الطلب فنحو قولك في الأمر: الزمه أو يقضيك حقك، واضربه أو يستقيم، وفي النهي: لا تتركه أو يقضيك حقك، ولا تعجل أو يفتح الله، ولا فرق في ذلك بين الخبر والطلب إلا أن في الخبر يجوز لك العدول عن نصب الفعل وأن تعطفه على ما قبله، وأما في الأمر والنهي فالعطف ممتنع معهما ولا يخفى وجه امتناعه 1، فأما قول القائل: 3839 - على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى 2

................................  فقيل 1: إن ذلك على إضمار «اللام» أي: وليبك من بكى، وقيل: إنه على الحمل على المعنى؛ لأن معنى اخمشى: لتخمشي.
وقد ذكروا أنها ترد مع الشرط ومع الجواب أيضا فيقال: إن تأت أو تجلس اضرب زيدا، وإن تأت اضرب زيدا أو يستقيم، واختلفوا في قول الشاعر: 3840 - إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا... أو تنزلون فإنّا معشر نزل 2 فقيل: رفع على القطع، التقدير: أو أنتم تنزلون، وهو قول يونس 3، وجعله الخليل 4 من العطف على المعنى كأنه قال 5: أتركبون قال: لأن الشرط كالاستفهام في كونه غير واجب.
وخرجه السيرافي 6 على تقدير «إن» الشرطية بـ «إذا» فأجراها مجراها تقديرا فرفع.
ورجّح 7 قوله على قول الخليل بأن فيه إجراء أداة شرط مجرى أداة شرط والاستفهام مخالف للشرط، قالوا: والحمل على الموافق أولى من الحمل على المخالف.
- - والشاهد فيه: في قوله: «أو يبك» حيث أضمر فيه اللام مع إعمالها، ويجوز أن يكون الجزم عطفا على ما في «اخمشي» من معنى الجزم اذ معناه لتخمشي.
والبيت في الكتاب (3/ 9)، والمقتضب (2/ 132)، وأصول النحو لابن السراج (2/ 131)، والإنصاف (532) وابن يعيش (7/ 60، 62)، والمغني (225).

................................  ومنها: أن الشيخ جعل العطف في نحو: لألزمنك أو تقضيني ديني، ولأقتلن الكافر أو يسلم عطفا على التوهم، فإنه لما قرر المسألة قال 1: ونظير العطف على التوهم - يعني في المسألة المذكورة - قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ 2 ثم قال تعالى بعد ذلك: أَوْ كَالَّذِي 3؛ لأن معنى ذلك: أرأيت كالذي حاجّ إبراهيم؟ قال: ومنه قول الشاعر: 3841 - أجدّك لن ترى بثعيلبات... ولا بيدان ناجية ذمولا ولا متدارك واللّيل طفل... ببعض نواشغ الوادي حمولا 4 قال: فقوله: «ولا متدارك» عطف على معنى: لن ترى بثعيلبات، كأنه قال: أجدك لست براء ولا متدارك. انتهى. فاقتضى كلامه صريحا أن لا فرق بين العطفين، فالعطف على التوهم هو العطف على المعنى عنده، وكذا عنده العطف على المعنى هو العطف على التوهم، وأن العطف في نحو: لأقتلن الكافر أو يسلم؛ من العطف على التوهم الذي هو عنده عطف على المعنى، وكلام الأمرين فيه نظر وبحث: أما العطف على التوهم والعطف على المعنى فالظاهر أنهما غيران؛ وذلك أن العطف على التوهم ليس فيه إلا أن يتوهم أن المعطوف عليه على حالة يصح اتصافه بها دون تأويل في الكلام كما في قول القائل: 3842 - مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة... ولا ناعب إلّا ببين غرابها 5

عدم جواز الفصل بين «حتى» و «أو» وبين الفعل

قال ابن مالك: (ولا يفصل الفعل من «حتّى» ولا «أو» بـ «إذن» ولا بشرط ماضي اللفظ خلافا للأخفش، وقد تعلّق قبل الشرط الآخذ حقّه «حتّى» وفاقا له و «كي» وفاقا للفرّاء).
فـ «ناعب» عطف على «مصلحين» وإنما جرّ لتوهم أن الشاعر قال: بمصلحين من حيث إن المحل صالح للباء.
وأما العطف على المعنى فلا بد فيه من تأويل الكلام المعطوف على بعضه بكلام آخر يصح معه العطف كما رأيت من تأويل: «لن ترى» بـ «لست براء».
وأما أن العطف في نحو: لأقتلنّ الكافر أو يسلم؛ من العطف على التوهم فليس بظاهر؛ لأن العطف على التوهم إنما يكون على شيء له استحقاق قبل أن يعطف عليه لما توهم فيه، ولا شك أن «لألزمنك» قبل أن يقال: أو تقضيني ديني، و «لأقتلن الكافر» قبل أن يقال: أو يسلم، لا يستحق أن يكون مصدرا بل ولا يجوز فيه ذلك، وإنما لما عطف على الفعل المذكور ما هو اسم في التقدير وجب أن يقدر ما عطفت عليه اسما ليصح العطف، فإنما احتجنا إلى تقديره اسما من أجل أن المعطوف اسم، والاسم لا يعطف على الفعل إلا في موضع خاص 1، وإذا كان كذلك فالعطف في نحو: لأقتلنّ الكافر أو يسلم؛ من باب العطف على التوهم في شيء وإنما عطف على التحقيق لكنه بتأويل في المعطوف عليه، وقد عرفت الموجب للتأويل ما هو؟ قال ناظر الجيش: قال الشيخ 2 مشيرا إلى ما ذكر: ثبت هذا في بعض النسخ التي عليها خطه رحمه الله تعالى، قال: وثبت في نسخة أخرى ما نصه: ولا يفصل الفعل من «حتى» ولا «أو» بظرف [5/ 113] ولا شرط ماض خلافا - - (1/ 165، 306) (هارون) إلى الأحوص، وقد رواه الجاحظ في البيان والتبيين (2/ 261) ثالث ثلاثة أبيات ونسبها للأحوص.
والشاهد في قوله: «ولا ناعب» حيث ضبط بالجر عطفا على مصلحين لما توهم أن الشاعر قال: بمصلحين من حيث إن المحل صالح للباء، والبيت في الإنصاف (ص 193)، وابن يعيش (2/ 52)، (5/ 68) والمغني (ص 478، 553)، والخزانة (2/ 140)، (3/ 507).

................................  للأخفش وابن السراج، قال 1: ونحن نشرح ذلك فنقول: قوله: ولا يفصل الفعل من «حتّى» ولا «أو» بـ «إذن» - الظاهر أنه تصحيف، فإنه لا محل لدخول «إذن» بين «حتى» والمنصوب بعدها، ولا بين «أو» والمنصوب بعدها وإنما هو بـ «أن» أي لا يفصل بين «حتى» والفعل ولا بين «أو» والفعل بـ «أن» وذلك إما على مذهب البصريين فـ «أن» واجبة الإضمار بعدهما، فلا تظهر «أن» بعدهما، وإما على مذهب الكوفيين فلأن «حتى» بنفسها تنصب فلا يناسب المجيء بـ «أن» بعدها، وأما «أو» فالناصب عندهم الخلاف فلا معنى لدخول «أن» بينها وبين الفعل، لكن قد حكى ابن الأنباري أنه يجوز في قول الكوفيين: لأسيرنّ حتى أن أصبّح القادسية، على أن «أن» تؤكد «حتى»، قال 2: كما أكدت «كي» ولا موضع لها من الإعراب - يعني «أن» - وذلك لأنها زائدة عندهم لا مصدرية وإن لم يكن قوله: «إذن» تصحيفا فتمثيل المسألة: أصحبك حتى إذن أتعلم، وألزمك أو إذن تقضيني حقي.
وقوله: (ولا بشرط ماضي اللّفظ) مثاله: أصحبك حتى إن قدّر الله أتعلم العلم، ولألزمنّك أو إن شاء الله تقضيني حقي 3، وإنما قال «بشرط ماض» لأن جواب الشرط محذوف؛ إذ الفعل منصوب بعد «حتى» و «أو» وجواب الشرط إذا كان محذوفا يقتضي مضي الشرط.
وقوله: (خلافا للأخفش) لا أدري أهذا الخلاف للأخفش راجع إلى المسألتين - أعني مسألة الفصل بين «حتى» والفعل، و «أو» والفعل بـ «أن»، ومسألة الفصل بين كل واحدة منهما والفعل بالشرط، أم إلى المسألة الأخيرة وهي الفصل بالشرط؟ وينبغي أن لا يقدم على نسبة ذلك للأخفش إلا بوضوح نقل أبين من هذا النقل.
وقوله: (وقد تعلق قبل الشرط الآخذ حقّه «حتّى» وفاقا له) أي للأخفش ومثال ذلك: أصحبك حتى إن تحسن إليّ أحسن إليك، ويعني بالتعليق هنا: إبطال العمل، وذلك كما أجاز الكسائي ومن أخذ بمذهبه ذلك في «كي» نحو: جئت كي إن تكافئ -

[إضمار «أن» وجوبا بعد فاء السببية المسبوقة بالأجوبة الثمانية]

قال ابن مالك: (وتضمر أيضا لزوما بعد «فاء» السّبب جوابا لأمر أو نهي أو دعاء بفعل أصيل في ذلك، أو لاستفهام لا يتضمّن وقوع الفعل، أو لنفي محض أو مؤوّل، أو عرض أو تحضيض أو تمنّ أو رجاء).
أكافئك، وقد تقدم 1 الرد على الكسائي وبه يرد على الأخفش في مسألة «حتى».
وقوله: (وكي وفاقا للفرّاء) قد ذكرنا أنه مذهب الكسائي وقد تقدم الرد عليه 2. ويعني بقوله: (قبل الشّرط الآخذ حقّه) أنه استوفى جوابه فتسلط على الفعل الذي لولا أخذه جوابا به لكان منصوبا بعد «حتى» و «كي».
وأما ما ثبت في النسخة الأخرى من قوله: (ولا يفصل الفعل من «حتّى» ولا «أو» بظرف) فمثاله أن نقول: أقعد حتى عندك يجتمع الناس، تريد: حتى يجتمع الناس عندك، وأضربك أو اليوم تستقيم، تريد: أو تستقيم اليوم؛ فهذا لا يجوز.
وأجاز هشام 3 الفصل بين «حتى» والفعل بالجار والمجرور فإجازته بالظرف أسهل، أجاز: أصير حتى إليك يجتمع الناس ويجتمع الناس، قال: والرفع أصحهما، وقد تقدم إجازته ذلك في «إذن» وأنه أجاز 4: أنا إذن فيك أرغب وأرغب، قال: وإنما خصّ هذان الحرفان بالتفرقة بينهما وبين الفعل لأن عملهما يبطل في قولهم: سرت حتى صبّحت القادسية، وإذن عبد الله مقبل يعني أنهما لم يلزما المضارع بل وليهما غيره من الفعل الماضي والجملة الابتدائية، وهما إذا وليهما ذلك لم يكونا ناصبين فكذلك يبطل عملهما إذا وليهما الظرف وما أشبهه.
وقوله: (ولا شرط ماض خلافا للأخفش وابن السّرّاج) قد تقدم تمثيل هذه المسألة وعلة اشتراط المضي في الشرط الفاصل على ذلك.
هذا آخر كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
قال ناظر الجيش: شرع بعد الكلام على الأول من حروف العطف وهو «أو» في الكلام على الثاني منهما وهو «الفاء» وختم به الفصل، ولنبدأ بذكر كلامه في -

................................  شرح الكافية ثم بذكر كلام الإمام بدر الدين ثم نعود إلى لفظ الكتاب وذكر ما تيسر إن شاء الله تعالى.
قال 1 رحمه الله تعالى: ينصب الفعل بـ «أن» واجبة الإضمار بعد الفاء المجاب بها نفي كقوله تعالى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا 2، والمجاب بها طلب وهو إما أمر وإما نهي وإما دعاء وإما استفهام وإما عرض وإما تحضيض وإما تمنّ، فالأمر كقول الراجز: 3843 - يا ناق سيري عنقا فسيحا... إلى سليمان فنستريحا 3 والنهي كقول الشاعر: 3844 - لا يخدعنّك مأثور وإن قدمت... تراثه فيحيق الحزن والنّدم 4 والدعاء كقول الشاعر: 3845 - فيا ربّ عجّل ما أؤمّل منهم... فيدفأ مقرور ويشبع مرمل 5 وكقول الآخر: -

................................  3846 - ربّ وفّقني فلا أعدل عن... سنن السّاعين في خير سنن 1 والاستفهام كقول الشاعر: 3847 - هل تعرفون لباناتي فأرجو أن... تقضى فيرتدّ بعض الرّوح للجسد 2 والعرض كقول الشاعر: 3848 - يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما... قد حدّثوك فما راء كمن سمعا 3 والتحضيض كقول الشاعر: 3849 - لولا تعوجين يا سلمى على دنف... فتخمدي نار وجد كاد يفنيه 4 والتمني كقول الله تعالى: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً 5 -

................................  وكقول الشاعر: 3850 - يا ليت أمّ خليد واعدت فوقت... ودام لي ولها عمر فنصطحبا 1 قال: وقيدت الفاء المنتصب بعدها الفعل بإضافتها إلى جواب - يعني بذلك قوله في النظم: وبعد فا جواب نفي أو طلب 2 احترازا من الفاء التي لمجرد العطف كقولك: ما تأتينا فتحدثنا [5/ 114] بمعنى: ما تأتينا فما تحدثنا، أو فأنت تحدثنا، فلو قصد المتكلم معنى: ما تأتينا محدثا، أو ما تأتينا فكيف تحدثنا ثبتت الجوابية وصح النصب 3. قال 4: وشرط النفي: أن يكون خالصا، فالنفي الذي ليس نفيا خالصا لا جواب له منصوب نحو: ما أنت إلا تأتينا فتحدثنا، وما تزال تأتينا فتحدثنا، وما قام فتأكل إلا طعامه ومنه قول الشاعر: 3851 - وما قام منّا قائم في نديّنا... فينطق إلّا بالّتي هي أعرف 5 وكذلك بعد الطلب.
انتهى.
ولم أتحقق مراده بقوله: وكذلك بعد الطلب؛ إلا أن يريد بذلك أن شرط الطلب -

................................  أن يكون خالصا كما أن ذلك شرط النفي، ويكون مراده بالخلوص ما أراد في الألفية بقوله: وبعد فا جواب نفي أو طلب... محضين أن وستره حتم نصب يعني: أن الطلب يكون محضا، وذلك احتراز من أن يكون الطلب بما لفظه لفظ الخبر كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإن كان هذا مراده أمكن حمل كلامه عليه.
ثم قال بعد كلام 1: وألحق الفراء 2 الرجاء بالتمني فجعل له جوابا منصوبا، وبقوله أقول؛ لثبوت ذلك سماعا ومنه قراءة حفص عن عاصم 3: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (36) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى 4، ومنه قول الراجز أنشده الفراء 5: 3852 - علّ صروف الدّهر أو دولاتها... يدلننا اللّمّة من لمّاتها فتستريح النّفس من زفراتها 6 هذا آخر كلام المصنف.
وأما ولده فإنه قال 7: اعلم أن الفاء حرف عطف في جميع أماكنها، ويقع بعدها المضارع على خمسة أوجه؛ لأنه إما مشارك لما قبلها داخل في حكمه، وإما مخالف لما قبلها خارج عن حكمه، وذلك إذا كان ما قبل الفاء غير واجب وما بعدها: إما مسبب عنه غير مبني على مبتدأ محذوف، وإما مسبب عنه مبني على -

................................  مبتدأ محذوف، وإما مرتب عليه لإفادة نفي الجمع، وإما مرتب عليه لإفادة استئناف الإثبات، فإذا قصد بالمضارع بعد الفاء إشراكه بما قبلها في حكمه تبعه في الإعراب كقولك: زيد يأتيني فيحدثني، وأريد أن تأتيني فتحدثني، وإن تأتني فتحدثني أكرمك، وإن قصدت أنه مسبب مبني على مبتدأ محذوف أو مرتب للاستئناف رفع كقولك: ما تأتيني فتحدثني، فترفع على جعل الإتيان سببا للحديث وتقديره: فأنت تحدثني، وعلى استئناف إثبات الحديث بعد نفي الإتيان على معنى: وتحدثني الساعة، وإن قصدت به أنه مسبب غير مبني على مبتدأ محذوف، أو مرتب لإفادة نفي الجمع نصب كقولك: ما تأتيني فتحدثني فتنصب على جعل الإتيان سببا للحديث وتقديره: إن تأتني تحدثني، أو على الترتيب لنفي الجمع بين الفعلين وإرادة معنى: ما تأتيني محدثا أي: قد تأتيني وما تحدث.
ونصبه عند سيبويه 1 بـ «أن» مضمرة وما قبل الفاء في تأويل اسم معمول لفعل محذوف ليصح العطف عليه، والتقدير: ما كان منك إتيان فحديث، فصيروا الفعل على هذا التأويل ليدلوا على أحد المعنيين المذكورين ولم يظهروا «أن» بعد الفاء كما لم يظهروها بعد «أو».
وقال الكوفيون 2: النصب بالفاء والحجة عليهم أن الفاء لو كانت هي الناصبة لدخل عليها «واو» العطف أو «فاؤه» كما يدخل على «واو» القسم ولجاز: ما أنت بصاحبي فأكرمك وفأحدثك، كما يجوز: والله وتالرحمن لأفعلنّ، فلما لم يجز ذلك دلّ على أنها حرف مضمر بعدها العامل كـ «واو ربّ».
ولا يطرد نصب المضارع بـ «أن» مضمرة بعد «الفاء» إلا في جواب نفي أو طلب وهو: الأمر والنهي والدعاء والاستفهام والعرض والتحضيض والتمني، ونورده على ترتيب الكتاب: فأما الأمر: فكقولك: ائتني فأحدثك، وتريد أن الإتيان سبب للحديث على تقدير: ليكن منك إتيان فحديث مني، قال أبو النجم 3: -

جارٍ التحميل